— 352 —
أُبيِّن فيما يلي إفادتي ليطَّلع عليها وزيرُ الداخلية والشخصُ المعنويُّ للجهات القضائية؛ وقد كانوا مُلزَمين قانونًا أن يتلقَّوها مني لكنهم لم يفعلوا
يجب عليكم ويَلزمكم بحكم وظيفتكم أن تُصغوا ساعةً إلى رجلٍ قدَّم للوطن والشعب في هذه الأربعين سنةً النفعَ الكثير، ولم يتسبَّب لهما بأيِّ ضرر، فمن ذلك أنه حين اندلعت اضطراباتُ الحادي والثلاثين من مارت، أَخمدَ بخطبةٍ واحدةٍ تمرُّدَ ثماني كتائب عسكرية، فردَّها إلى الطاعة والنظام، وأنقذ حياةَ كثيرٍ من الضباط؛ وحين انطلقتْ حركة المقاومة الوطنية، أنقذ برسالته "الخطواتُ السِّتُّ" العلماءَ وشيخَ الإسلام من موالاة الأجنبي الذي كان يحتل إسطنبول؛ وحين قامت الحرب العالمية الأولى، قدَّم فيها خدماتٍ وتضحياتٍ نالت بالغَ التقدير والاستحسان من المرحوم "أنور باشا".
ثم هو رجلٌ لم يجرؤ ثلاثةُ قادةٍ متجبِّرين على المِساس به رغم موقفهم المشحونِ غضبًا تجاهه؛ وهُزِمَتْ ثلاثُ محاكم بين يدي الحقيقة التي يَتَّبعها، فلم تجرؤ على إدانته رغم أن القوانين تضعه موضعَ المسؤولية بمُوجَب افتراءات الزنادقة العاملين في الخفاء؛ وقد لَقِيتْ مؤلفاتُه ورسائلُه التقديرَ والاستحسانَ بين العلماء وأهلِ العلوم الحديثة، وهو الآن يتحدث إليكم باسم هذه الرسائل.
أبدأ فأقول: إننا أصحابُ حق، ونسأل الله یی وهو الحقُّ سبحانه یی ألَّا نُضطر إلى طلب حقِّنا بالقوة أو بغيرها من الصور.. آمين.
وينبغي أن نكون على يقينٍ من أن العناية الإلٰهية مثلما حَمَتْنا وأنقذتْنا من ظُلمٍ كثيرٍ مروِّعٍ في مئات التجارب في هذه العشرين سنة، فإنها ستنقذنا كذلك من هذا الظلم الجديد الحاقد الذي لا مُسوِّغ ولا قانونيةَ له على الإطلاق؛ فإنْ لَقِينا شيئًا من الشدائد والمشاق والضرر، فإن لنا في الرحمة الإلٰهية رجاءً عظيمًا أن تجعلَ هذه المشاقَّ بمثابة خدمةٍ قدسيةٍ مختلفةِ الطِّراز، تَخدُم إيمانَ كثيرٍ من أهل الإيمان المستضعَفين، وأن تجعلَنا مظهرَ ثوابٍ ورحمةٍ وإحسانٍ إلٰهيٍّ يفوق هذه الشدائد آلافَ الدرجات.
— 353 —
أُبيِّن فيما يلي عدمَ قانونيةِ هذه الحادثة من عشرةِ وجوه:
أولُها: لقد لَبِثَتْ رسائلُ النور سنتين كاملتين قيدَ الفحص والتدقيق، فدقَّقتْها ثلاثُ محاكم وثلاثُ لجان خبراء، وتداولتْها الجهاتُ القضائية بأنقرة وسبعُ جهاتٍ رسميةٍ أخرى، فاتفقتْ جميعُها من غير مخالفٍ على براءةِ جميع الرسائل، وبراءةِ "سعيدٍ" وأصحابه، ولم تَصدُر بحقِّهم أدنى عقوبةٍ ولو سِجنُ يومٍ واحد.
فما أَشْنعه من عملٍ غيرِ قانوني أن يُتعرَّضَ للرسائل من جديد، وتُعامَلَ كما لو أنها منشوراتٌ خطيرة!! يَعلم عدمَ قانونيةِ هذا من له ذرةُ إنصاف.
ثانيها: بعد تبرئة هذا الرجل ظَلَّ في "أميرداغ" ثلاثَ سنين ونصفًا منزويًا غريبًا، يُوصَد بابُه بالقفل من الخارج، ويوصِده هو بالمِزلاج من الداخل، ولا يَستقبل واحدًا بالمئة من الناس إلا لأمرٍ ضروري، وقد تَرَك التأليفَ بعدما واظب عليه عشرين سنة، ثم برغم هذا كلِّه يَدْهَم المفتشون بيتَه لأغراضٍ سياسيةٍ دنيوية، ويَكسِرون قفل بابه، فلا يجدون عنده شيئًا سوى أورادٍ بالعربية، ولوحتَين إيمانيتَين معلَّقتَين عند رأسه، فما أقبحه من إيذاءٍ يخالف القانون!! يدري هذا مَن له ذرَّةُ عقل.
ثالثُها: أرأيتم رجلًا ظلَّ سبعَ سنين لا يعلم شيئًا عن الحرب العالمية الثانية ولا يهتم بها ولا يَسأل عنها، وقد شَهِدَ له بذلك وصدَّقه سبعون شاهدًا في المحكمة، وما زال على هذه الحال منذ عشر سنين؛ ثم هو لم يقرأ صحيفةً منذ عشرين سنةً ولا استمع إلى أحدٍ يقرؤها، وقال قبل ثلاثين سنةً قَولتَه: أعوذ بالله من الشيطان والسياسة، ففَرَّ من السياسة بكل ما أوتي من قوة، ولم يراجع الحكومة ولو مرةً ليرتاح من الأذى وتشديد الخناق الذي يقاسيه منذ اثنتين وعشرين سنة، لكيلا يتدخل في السياسة أو يلفت أنظارَ أهلها.. أمِنَ القانون في شيءٍ أن يُدْهَم منزلُه ومُختلاه كأنه سياسيٌّ خطيرٌ يَحيك المؤامرات، وأن يُساء إليه برغم مرضه؟! إن هذه لَحالٌ يَرثي لها من له ذرَّةُ ضمير.
رابعُها: لقد حرَّضَ مسؤولٌ كبيرٌ جهاتٍ قضائيةً على هذا الرجلِ بدافعٍ من حقدٍ شخصيّ، وكانت ذريعتُه هواجسَ من وجودِ تنظيمٍ سياسيٍّ أو طريقةٍ صوفية، فدَقَّقتْ
— 354 —
محكمةُ "أسكي شَهِر" في القضية ستةَ أشهر، قَضَتْ بعدَها ببراءة الرجل من تُهمتَي التنظيم والطريقة،
(حاشية): إن أساس الأنوار وهدفَها هو الإيمان التحقيقيُّ والحقيقةُ القرآنية؛ ولهذا برَّأتْها ثلاثُ محاكم من تهمة الطريقة؛ على أنه لم يَدَّعِ أحدٌ خلال عشرين عامًا أن "سعيدًا" لَقَّنه الطريقة؛ علمًا بأن المسلك الذي ارتبط به معظمُ أجداد هذا الشعب منذ ألف عامٍ لا يمكن أن يكون سببًا لمسؤوليةٍ أو اتهام، ثم إن المنافقين العاملين في الخفاء يحاربون دين هذه الأمة من خلال تسميتهم الحقيقةَ الإسلاميةَ طريقةً، وإن مَن يواجه هؤلاء المنافقين لا يمكن أن يُتَّهم بالطُّرُقية.
أما قضيةُ التنظيم، فليس بيننا سوى أُخوَّةٍ أخروية نابعةٍ من الأُخوَّة الإسلامية، وإلا فقد قضَتْ ثلاث محاكم بأننا لسنا جمعيةً سياسية.
وقَضَتْ ببراءةِ رسائل النور ذاتِها إلا جزءًا صغيرًا منها هو "رسالةُ الحجاب" التي تذرَّعتْ بها لاعتباراتٍ شخصيةٍ مزاجيةٍ غيرِ قانونية، فحكمتْ بموجَبها بالسجن ستةَ أشهرٍ على خمسةٍ أو عشرةٍ من أصل مئةٍ من طلاب النور، ثم اكتفتْ بسَجنهم شهرًا ونصفًا إذْ كانوا قد قضَوا في التوقيف نحوًا من أربعة أشهر.
ثم بعد مُضيِّ عشرِ سنين أجرَتْ محكمة "دَنِزْلي" تدقيقًا آخَرَ صارمًا دام تسعةَ أشهر، وشَمِل جميع مؤلفاتِ ومراسلاتِ هذا الرجل خلال عشرين سنة، وكانت الذريعةُ من جديدٍ دعوى وجودِ تنظيمٍ سياسيٍّ أو طريقةٍ صوفية، واشتركتْ في التدقيق هذه المرة محكمةُ جناياتِ أنقرة، وبعد التدقيق والنظر أصدرت المحكمتان بالاتفاق قرارَ البراءة من تُهمتَي التنظيم والطريقة وغيرِهما من التُّهم، وقَضَتا بردِّ جميع تلك الكتب والرسائل إلى أصحابها، وحَكَمَتا ببراءة "سعيدٍ" وأصحابه.
فما أشنعه من ظلمٍ أن يُتَّهَم هذا الرجل یی بعد كلِّ ما سبق یی بأنه "صاحب تنظيمٍ سياسي"، وأنه "سياسيٌّ ماكر"، وأن يُحرَّضَ عليه رجالُ القضاء بتهمةِ التنظيم أو الطريقة؟! يدري هذا كلُّ مَن لم تَسقط إنسانيتُه.
خامسُها: إنني بناءً على دستور الشَّفَقة الذي هو أساسُ مسلك رسائل النور، ودستورُ حياتي منذ ثلاثين سنة، أمتنع عن التعرُّض لمن ظلمني، بل أمتنع عن الدعاء عليه، لئلا يتضرر من جراء ذلك شخصٌ بريء؛ حتى إنني حين أغضب من الفسقة بل من الملاحدة الذين يَظلمونني بحقدٍ بالغ، تمنعني هذه الشَّفَقةُ لا من الردِّ عليهم ماديًّا
— 355 —
فحسب، بل حتى من الدعاء عليهم، إذْ لا يخلو أحدُهم من أن يكون له أبوان شيخان كبيران، أو أبناءُ أبرياءُ صغار، وأخشى إن دعوتُ عليه أن يَلحَق بأحدٍ من هؤلاء الأبرياء ضررٌ ماديٌّ أو معنوي، فلهذا أمتنع عن الردِّ عليه، بل أسامحه أحيانًا.
ولأجل سرِّ الشَّفَقةِ هذا لم أتعرَّض قطُّ للأمن والاستقرار، وأوصيتُ بهذا جميعَ أصحابي أشدَّ التوصية، حتى لقد اعترف بعضُ مسؤولي الأمن المنصفين في ثلاث ولاياتٍ قائلين: "إن طلاب النور رجالُ شرطةٍ معنويون، يحفظون الأمن والاستقرار".
وهذه الحقيقة يشهد لها آلاف الشهود، وتُصدِّقها عشرون سنةً من حياة "سعيد"، كما يُصدِّقها ويؤيدها عدمُ تسجيل أيَّةِ حادثةِ إخلالٍ بالأمن بحقٍّ أحدٍ من آلافِ طلاب رسائل النور.
فأيُّ قانونٍ في الدنيا يسمح یی بعد كلِّ ما سبق یی أن يَقتحم أولئك الظَّلَمةُ منزلَ هذا الرجل المسكين كما لو أنه رجلُ ثورة، أو صانعُ اضطرابات، أو صاحبُ تنظيمٍ مخرِّب، وأن يهينوه ويعاملوه كمجرمٍ ارتكب مئةَ جريمة، رغم أنهم لم يعثروا في منزله على شيء، وأن يصادروا المصحف واللوحتين المعلَّقتَين عند رأسه كما لو أنها منشوراتٌ خطيرة؟!
سادسُها: إنني رجلٌ وعى قبل ثلاثين سنةً فداحةَ الضررِ الذي تنطوي عليه شُهرةُ الدنيا المؤقتةُ، وجاهُها الزائل، والعُجْبُ وحُبُّ الظهور المُشْبَعان بالأنانية، ووعى مبلغَ تفاهةِ ذلك كلِّه وعدمِ جدواه.. أجل، وعى ذلك بعنايةِ الله وفيضِ القرآن ولله الحمد بلا حد، فَأخذَ منذ ذلك الحين يجاهد نفسَه الأمَّارة بكلِّ ما أوتي من قوة، ويجتهد ما بوسعه لاجتناب التصنع والرياء، ويسعى لكسْرِ الأنانية بالفناء عن الذات، وهو الأمر الذي يعرفه ويَشهَد له به قطعًا كلُّ مَن لازَمَه أو صاحَبَه؛ وقد فرَّ منذ عشرين سنةً أشدَّ الفرار مما يُعجِب كلَّ إنسانٍ من حُسْنِ ظنِّ الناس وإقبالهم ومدحهم وثنائهم، كما فرَّ مِن عَدِّ نفسِه صاحبَ مقامٍ معنويٍّ خلافًا لما يفعلُه كلُّ إنسان؛ ورَدَّ حُسْنَ الظنِّ الذي أولاه إياه خُلَّصُ إخوانه وخواصُّهم، وكسَر بذلك خواطرَهم؛ كما ردَّ مدحَهم له وحُسْنَ ظنِّهم به في رسائله الجوابية إليهم؛ وجرَّد نفسَه من ادِّعاء الفضائل محيلًا إياها جميعًا على
— 356 —
رسائلِ النور تفسيرِ القرآن، فأحالها بالتالي على الشخص المعنويِّ لتلاميذ النور، وعدَّ نفسَه مجرَّد خادمٍ بسيطٍ للنور.. نعم إن رجلًا هذه حالُه إنما يُثبِت قطعًا أنه لم يَحمل أحدًا على الإعجاب به، ولا سعى إلى ذلك ولا طَلَبَه، بل ردَّه.
فبأيِّ قانونٍ يُحمَّل هذا الرجلُ المسكينُ المريضُ الهَرِمُ الغريبُ المنزوي المسؤوليةَ، فيَقتحِم المفتشون غرفتَه، ويَكسِرون قفل بابه، وكأنه ارتكب جريمةً عظمى، لمجرد أن بعض أصحابه المقيمين في مكانٍ بعيدٍ منحوه حُسْنَ ظنٍّ فوقَ حدِّه، فمدحوه وأَوْلَوه مقامًا بغير رضاه، أو لمجرد العثور في "باليكَسير" على كتابٍ فيه نقدٌ لاذعٌ لا يُعرَف كاتبُه، أو لأن واعظًا من مدينة "كوتاهية" لا يعرفه هو أثنى عليه ببضع كلمات، مع أني لم أرسل إلى "كوتاهية" أية رسالة، وإنما ذُيِّلَتْ رسالةٌ يُظَنُّ أنها محلُّ مسؤوليةٍ بتوقيعٍ مزوَّرٍ لي؟!
على أن المفتشين لم يجدوا حجَّةً يبرِّرون بها فَعلتهم سوى أورادِ هذا الرجل ولوحتَين مُعلَّقتَين عند رأسه، فأيُّ قانونٍ وأيَّةُ سياسةٍ في الدنيا يَسمحان بمثل هذا الاعتداء؟!
سابعُها: بينما تعجُّ البلاد اليومَ بكلِّ هذه التيارات الحزبية المحمومة، الداخليةِ منها والخارجية، وبينما الأجواءُ مواتيةٌ لأنْ يَنتهِز هذا الرجلُ الفرصةَ، فيَكسبَ إلى صفِّه كثيرًا من السياسيين بدلًا من ثلةٍ محدودةٍ من أصحابه، فإنه كتب إلى جميع أصحابه قائلًا: "حَذارِ حَذار.. لا تنجرفوا في التيارات.. لا تدخلوا في السياسة.. لا تَمَسُّوا الأمن والاستقرار"!! ولم يوصِهم بهذا إلا تجنُّبًا للتدخل في السياسة، وصونًا للإخلاص أن يصيبه ضرر، وتفاديًا للفتِ أنظار الحكومة، وتحاشيًا للانشغال بالدنيا؛ فقوبِل على انسحابه هذا بالإضرار والتضييق الشديد من تيارَيِّ السياسة في هذا البلد، أما التيار القديم فتَذَرَّع بمخاوفه وهواجسه، وأما التيار الجديدُ فقال: إن هذا الرجل لا يساعدنا!!
فأيُّ قانونٍ يجيز التعرُّضَ لآخرةِ رجلٍ مسكينٍ منشغلٍ بآخرته كهذا، لم يتعرض قطُّ لدنيا أهل الدنيا، بل لم يَكتب لشقيقه في "نُورْس" رسالةً منذ اثنتين وعشرين سنة، ولم يكتب لأصدقائه في تلك الولايات عشرَ رسائل خلال عشرين عامًا؟!
— 357 —
وبينما تُنشَر اليوم كتبُ الملحدين ومنشوراتُ الشيوعيين بغطاءٍ من قانون الحريات فلا يُعترَض عليها رغم ضررها البالغ على الوطن والشعب والأخلاق!! تُصادَر رسائلُ النور وتُحال على المحكمة باعتبارها منشوراتٍ خطيرة!! مع أنها لم تَعثُر فيها ثلاثُ محاكم على مادةٍ تضعها موضعَ مسؤولية؛ ومع أنها ما زالت منذ عشرين سنةً تعمل على تحقيق الأمن والاستقرار، وتأمين الأخلاق والحياة الاجتماعية للوطن والشعب؛ وتسعى جاهدةً بشكلٍ مؤثِّرٍ لإعادةِ وتقويةِ الأُخوَّة والصداقة بين هذا الشعب والعالَم الإسلامي، وهو ما يُمثِّل نقطةَ استنادٍ حقيقيةً لهذا الشعب؛ ومع أنها قُدِّمت إلى رئاسةِ الشؤون الدينية بأمرٍ من وزارة الداخلية بغيةَ أن ينتقدها العلماء، فإذا بها بعد ثلاثة أشهرٍ من التدقيق تنال التقديرَ التامَّ من غير انتقاد، وتُودَعُ بعضُ أجزائها كی"عصا موسى" و"ذي الفَقار" في مكتبة رئاسة الشؤون الدينية باعتبارها مؤلَّفاتٍ قيِّمة!! فأيُّ قانونٍ وأيُّ ضميرٍ وأيُّ إنصافٍ يسمح بمصادرتها ومحاكمتها يا تُرى؟!
ثامنُها: أرأيتم رجلًا قضى عشرين سنةً في نفيٍ تعسُّفيٍّ شديدِ الوطأة، ثم لما أُخلِي سبيل المنفيين لم يرجع إلى بلده ومسقط رأسه حيث الآلافُ من أقربائه وأحبائه، بل آثر الغربة والوَحدة تحاشيًا للدنيا والسياسة والحياة الاجتماعية، وحَمَل بين جنبَيه حالةً روحيةً جَعلتْه يتحاشى احترامَ الناس وتقديرَهم له، حتى صار يُفضِّل البقاء في غرفته وحيدًا فلا يلتقي بالناس، ويصلي منفردًا تاركًا خيرَ الجماعة في المسجد بثوابها الجزيل، فلا يذهب إلى المسجد إلا للضرورة..
ثم هو رجلٌ يفضِّل تُركيًّا واحدًا من أهل الدين والتقوى على أكرادٍ كثيرين غيرِ ملتزمين، وتَشهَد لهذا عشرون سنةً من حياته، ويُصَدِّقه مئاتُ الآلاف من الأتراك الأفاضل الأكارم، حتى إنه أعلن في المحكمة أنه لا يَعدِل بواحدٍ من إخوانه الأتراك ذوي الإيمان القوي كالحافظ "عليٍّ" مئةً من الأكراد..
وهو فوق هذا يسعى جاهدًا بكلِّ قوته وعبر مؤلفاته منذ أربعين سنةً لتعزيز أُخوَّة الإسلام وتقويةِ المحبَّة بين المسلمين؛ ويمتنع عن الردِّ على أعدائه الألداء بأيِّ
— 358 —
تصرُّفٍ سلبيٍّ، بل لا ينشغل بهم ولا يدعو عليهم، وقد قضى حياتَه بين التُّرك، يُكِنُّ لهم عميقَ المحبة، إذْ كانوا حَمَلةَ لواء القرآن ومَظهرَ الثناء القرآني..
أرأيتم رجلًا هذه حالُه، كيف يُقال في حقِّه على لسانٍ رسميّ: إنه كرديٌّ وأنتم أتراك.. إنه شافعيٌّ وأنتم أحناف؟! إهانةً له وتشويهًا لصورته وتنفيرًا لأصحابه عنه!!
ثم إنه لم يُجبَر قطُّ على تغيير زِيِّه في محكمتَين ولا طيلةَ اثنين وعشرين عامًا، فأيُّ قانونٍ يَسمح بإجباره على ارتداء القبعة الإفرنجية رغم انزوائه ورغم أن نِصف أفراد الجيش لا يرتدونها؟!
تاسعُها: وجهٌ بالغُ الأهمية (حاشية): إن وجودَ اليهود والنصارى في الحكومات الإسلامية، ووجودَ المسلمين في الحكومات النصرانية والمجوسية، يُبين أنه لا يمكن من الناحية القانونية المِساس بالمعارضين ما داموا لم يتعرَّضوا فعليًّا لأمن البلاد وإدارتها؛ وأن مجرَّد "إمكان وقوع الشيء" لا يمكن أن يكون محلَّ مسؤولية، وإلا فی"يمكن" لكلِّ أحدٍ أن يَقتل، إذًا فيتوجب بهذا "الإمكان" تقديم الجميع إلى المحاكم!! شديدُ القوة، لكنني أَسكُت عنه لصلته بالسياسة.
عاشرُها: وهو كذلك تَعاملٌ لا يُجيزُه قانونٌ ولا ينطوي على مصلحة، وإنما هو محضُ هواجس لا معنى لها، وتضخيمٌ للأمور وتهويلٌ لها، واعتداءٌ لا يدخل تحت أيِّ قانون؛ وهنا نَسكت أيضًا لئلا نتطرَّق إلى السياسة التي يقتضي مسلكُنا عدمَ الالتفات إليها.
وليس لنا ما نقوله إزاء هذه المعاملة التي تنافي القانون من عشَرةِ وجوهٍ سوى أن نقول: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ
سعيد النُّورْسِيّ
٭٭٭