لاحقة أمير داغ
— 344 —
أخي العزيزَ الوفيَّ "رأفت بك"..
أولًا: أُخطِر إلى روحي بشدةٍ أن أبين لك حقيقةً بمناسبة وقوع حوادثَ جزئيةٍ لها صلةٌ بنا، وهي أن طلابَ النور الخواصَّ من أمثالك يَعلمون بلا شكٍّ أن رسائل النور لا يمكن أن تكون أداةً لشيء، ولا يمكن أن تكون وسيلةً لمقصَدٍ سوى مرضاة الله تعالى، وأن وظيفتَها أولًا وقبل كلِّ شيءٍ تعليمُ حقائق الإيمان صريحةً مباشرةً، وإنقاذُ إيمان الضعفاء والمساكين والواقعين في الشبهات.
ثانيًا: إن أعظم قوةٍ تتمتع بها رسائل النور في مواجهة جميع معارضيها هي الإخلاص، ولهذا فكما أنها ليست أداةً لأيِّ أمرٍ من أمور الدنيا، فإنها كذلك لا ترتبط بالتيارات المَبنيَّة على الولاءات الحزبية أو مشاعر التحزُّب، خصوصًا التيارات التي لها صلةٌ بالسياسة؛ لأن نزعة التحزُّب تُفسِد الإخلاص وتُبدِّل الحقائق.
حتى إن سبب تَركي السياسةَ قبل ثلاثين سنة هو أن عالِمًا مباركًا غَلَبَتْ عليه نزعةُ التحزُّب للتيار الذي يَتَّبعه، لدرجةِ أنه انتقص عالِمًا صالحًا جليلًا انتقاصًا يصل لدرجة التفسيق، لمجرد مخالفتِه فكرَه، بينما مَدَح وأثنى غايةَ الثناء على منافقٍ مشهورٍ مُعْتدٍ لأنه يوافق فكرَه وتيارَه، فراعَني هذا الموقف، ونَفَرْتُ منه من أعماق روحي؛ أي إن نزعة التحزُّب والموالاة متى ما داخَلتْها السياسةُ سبَّبتْ مثل هذه الأخطاء الفادحة، فقلتُ: أعوذ بالله من الشيطان والسياسة، وتركتُ السياسة من حينها.
ونتيجةً لحالي هذه فإنك تعلم یی كما يعلم إخواني أمثالُك یی أنني لم أقرأ صحيفةً منذ خمسٍ وعشرين سنة، ولا استمعتُ إلى أحدٍ يقرؤها، ولا اهتممتُ بما فيها أصلًا، ولم أتابع الحرب العالمية الثانية طَوالَ عشر سنين، وما عَلِمتُ شيئًا عنها، ولا اهتممتُ بأمرها؛ كما تعلم أنني خلال الثِّنتَين والعشرين سنةً من أَسري المشحون بالعسف والأذى لم أراجع الجهات الرسمية فيما يتعلق بنَيل حقي في الراحة والاستقرار، باستثناء ما أَدليتُ به من مدافعاتٍ قضائية، وما ذاك إلا تحاشيًا للحزبية والسياسة، وصَونًا للإخلاص الذي في الأنوار أن يصيبَه ضرر.
— 345 —
وتعلمون ما قلتُ حين كنتُ في السجن یی وقد كتبتُ إليكم في ذلك یی فقد قلت: أُشهِدكم أن الذين حكموا بإعدامي، وأذاقوني صنوف الأذى، إنْ هم أنقذوا برسائل النور إيمانَهم، فإني مُسامحٌ لهم.
وتعلمون أننا لم نتواصل مع أيٍّ من التيارات التي وَفَدت من الخارج أو جاءت من الداخل منذ سنتين أو ثلاث، وقد حذَّرتُ إخواني من ذلك بدرجةٍ ما، لئلا يتضرر الإخلاص بنزعة التحزُّب.
ثالثًا: تعلمون أيضًا أنني مثلما لا أقبل الصدقات والمعونات، كذلك لا يمكن أن أكون وسيلةً لها، ولهذا أبيع ألبستي وحاجياتي الضرورية، وأشتري بثمنها كتبي من إخواني الذين استنسخوها، لكيلا تَدخلَ مصالحُ الدنيا في إخلاصِ رسائل النور فتَضُرَّها، ولِيعتبرَ من ذلك باقي الإخوة فلا تُتَّخذَ الرسائل أداةً لشيء.
رابعًا: إن النور كافٍ لتلاميذ النور الحقيقيين، فليَقْنعوا به، ولا يتطلعوا إلى شرفٍ آخَر أو إلى مصالح ماديةٍ أو معنوية.
ثم إن اللازمَ اجتنابُ الجدالِ والنزاع، وتركُ الخوض في المسائل الدينية بنقاشٍ متحيِّزٍ يثير الحفيظة ويوغِر الصدر، لكيلا يَظهر أصحابُ ضغينةٍ يعادون النور؛ ولقد حصل ذات مرةٍ أن وَرَدَ إلى قلبي غضبٌ عارمٌ واستياءٌ شديدٌ تجاه أخينا "مصطفى أُوروچ"، حتى لقد قامت لديَّ رغبةٌ بإقصائه عن المقام الرفيع الذي حازه في النور، وأَسِفتُ لذلك قلبًا وقلت: لقد كان هذا الرجل عندي بمثابة "عبد الرحمن"، فلماذا غضبتُ منه كلَّ هذا الغضب؟!
ثم تبيَّن أني حين تغيَّر قلبي تجاهه بحِسٍّ قبل الوقوع، كان قد دخل في نقاشٍ مع أحد الأشخاص على نحوٍ يخالف مسلك رسائل النور!!
ثم جاءني في العيد، وكان قد تعلَّم درسًا بالغَ الأهمية، ووعى الخطأ الكبيرَ الذي ارتكبه، وأقرَّ بأنه وقع منه في نفس اللحظة التي انتابني فيها ذلك الغضب، فكان هذا كفارةً له عن خَطئه، فخَلَصَ منه طاهرًا نقيًّا بإذن الله، والحمد لله على ذلك.
— 346 —
خامسًا: كان ثمة رجلٌ فاضلٌ دأبَ على إرسال صحيفةٍ إلى هنا منذ نحو خمسة أشهر، لكني لم أعلم بأمرها إلا مؤخرًا، فقد كان أصحابي هنا يعرفون عادتي، ويعرفون أنني لا أقبل كتابًا ولا مجلةً یی فضلًا عن الصُّحُف یی باستثناء النور، كما أنني لا أعرف حرفًا من الكتابة اللاتينية المستحدَثة، ولهذا تخوَّفوا فلم يبلغوني بها ولم يُطلعوني عليها.
وقد أطلعني أحدُهم اليومَ على رسالةٍ من هذا الصحفيِّ الصديق الذي انعقدتْ بيننا وبينه أواصرُ الصداقة أيامَ كنا في إسطنبول، وتتضمن رسالتُه صفحةً يتحدث فيها إليّ، فقال لي أصحابي: إنه كان يرسل إليك صحيفةً منذ وقتٍ طويل، لكننا تهيَّبْنا فلم نخبرك؛ فقلت لهم: بلِّغوه سلامي الحار، وأخبروه أن "سعيدًا القديم" الذي تعرفه قد تغير، وأنه قطع علاقته بالدنيا، وأعلِموه أنني مريضٌ ولا أستطيع أن أكتب رسالةً شخصيةً ولو لأخي الشقيق، فلا يَسُؤْه ذلك.
نبلغ سلامنا لعموم أصدقائنا هناك، خصوصًا إخوانَنا من أمثال الحافظ "أمين" والحافظ "فخر الدين"، ونهنئهم مجددًا بالعيد المبارك.
٭٭٭
أخونا "أحمد فيضي" محامي رسائل النور، والذي هو في "آيدِن" وما حولَها بمثابة "حسن فيضي وخسرو"، يعمل منذ ثلاث سنواتٍ على إثبات أن ما تضمَّنتْه "سِكَّة التصديق الغيبي" من مئاتِ الإشاراتِ المُصدِّقةِ لرسائل النور، مؤيَّدٌ ببرهانٍ قطعيٍّ من آياتٍ وأحاديثَ تُوافق تلك الإشارات معنًى وجِفرًا، وتُثبت وجود الشخص المعنويِّ لرسائل النور إثباتًا قويًّا؛ ثم هو يورِد بعضَ الإشارات الحديثية التي تشير إلى الشخص المعنويِّ لطلاب النور، فيوجِّهها إلى تَرجُمان النور.
والحقيقة أنه إن عُدَّ التَّرجُمانُ مؤلِّفًا بدرجةٍ ما، أمكن أن يُعَدَّ نوعَ ممثِّلٍ لذلك الشخص المعنوي، وإلا فليس من حدِّي ولا من حقي أن أكون محلَّ تلك الإشارات
— 347 —
القدسية؛ وعلى أية حالٍ فإني لم أستطع التدقيق فيما كتبه أخونا اللَّمَّاح من بحثٍ في ثلاث سنين ونصف، فإنْ ساعَدَ على ذلك وقتي ووضعي الصحيُّ فسأراجعه وأرسله إليكم بعد التدقيق والتعديل، لتُدرِجوه حجةً لحَقَّانية رسائل النور في مجموعة "اللمعات"، أو تُلحقوه بمجموعة "الأسرار القرآنية".
وقد أرسَلَ إلينا أخونا المذكور محامي النور بعضًا من التين هديةً، فأرسِلوا إليه بالمقابل نسخةً من "السِّكة الغيبية" لئلا أتأذى من التين، فقد تحقَّق لديَّ مؤخَّرًا بشكلٍ قطعيٍّ وبتجاربَ كثيرةٍ أن الهدية التي لا أكافِئ عليها صاحبَها تُمرِضني.
وتلقَّينا كذلك رسائلَ خالصةً صادقةً بعثَتْ بها زوجتُه المباركة وأمُّه الفاضلة وابناه "سعيد" و"نوري"، فندعو لهما ولولدَيهما، ونَقبل هذين الولدَين من صميمِ قلوبنا وأرواحنا طلابًا في دائرة النوريين الصِّغار، أَخْدَمَتْهُما الأنوارَ زوجةُ بطلِ نورٍ فاضلةٌ متدينةٌ نوريةٌ صاحبةُ حقيقة.
نسلِّم على "محمد أمين" و"علي آق داغ" و"أحمد فيضي" وعلى سائر إخواننا وندعو لهم.
٭٭٭
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
أُرسِل إليكم المبلغ التالي ثمنًا لمجموعة "اللمعات".. مئةُ ليرةٍ مباركة هي ثَمَن ما بعتُ من ثيابي وحاجاتي غيرِ الضرورية، إضافةً إلى ما تبقى من راتبي الذي تلقَّيتُه في دار الحكمة وكنت أنوي به الذهابَ إلى الحج، إضافةً إلى عشر ليراتٍ مباركةٍ هي ما تبقى من مخصصاتٍ لي خلال اثنتين وعشرين سنة، أُرسِلها إليكم لأن عليها صورة.
٭٭٭