لاحقة أمير داغ
— 335 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
أولًا: أحدُ طلاب النور الطيبين ذوي القَدْر سألني سؤالًا بالنيابة عن كثيرين فقال:
ثمة فريقٌ من خُلَّصِ طلاب النور المعتبَرين يعتقدون بحُسْنِ ظنهم أنك المرشدُ العظيمُ من آل البيت الذي يأتي في آخر الزمان، وهم متمسكون بهذا الاعتقاد رغم تحاشيك الشديد منه، فهم مُصِرُّون على اعتقادهم، وأنت في المقابل مُصِرٌّ على تحاشيه وعدم قبوله؛ فلا بدَّ أن لديهم حقيقةً وحجةً قطعية، ولا بدَّ أنك لا توافقهم بناءً على حكمةٍ وحقيقةٍ كذلك، وما هذا إلا تضادٌّ نريد حلَّه.
وإني أقول جوابًا عن المسائل الكثيرة التي تضمَّنَها سؤالُ هذا الأخ الفاضل: نعم، إن لدى هؤلاء النوريين الخواصِّ حقيقةً، لكنها تحتاج إلى تعبيرٍ وتأويلٍ بجهتَين:
الجهةُ الأولى: أن الشخصَ المعنويَّ للجماعة القدسية التي يمثِّلها مَهديُّ آلِ الرسول له ثلاثُ وظائف كما سبق أن أشرتُ إليها مراتٍ عديدةً في رسائلي، ونحن نرجو من الرحمة الإلٰهية أن تقوم جمعيتُه وجماعةُ السادة والأشراف بهذه الوظائف ما لم تقُمِ القيامةُ عاجلًا، وما لم يَخرج البشر عن جادة الصواب بالكلية؛ أما وظائفُ المهدي الجليلةُ الثلاث:
فأُولاها: إنقاذُ الإيمان على نحوٍ يَدحض ويُسكِت الفلسفةَ والفكرَ الماديَّ قبل كلِّ شيءٍ، إذْ قد تَسلَّطتِ الفلسفة والعلوم المادية الحديثة، وانتشر طاعون الماديين والطبيعيين بين البشر.
وإن القيامَ بهذه الوظيفة، وحِفظَ أهل الإيمان من الضلال، يقتضي الاشتغال بالبحث والتدقيق العلميِّ أزمانًا طويلة، مع التجرد عن الدنيا والتخلي عن جميع المشاغل، ولا يَسمح الوقتُ أو الحالُ للسيد المهديِّ أن يقوم بهذه الوظيفة بنفسه، لأن سَلطنتَه بجهةِ الخلافة المحمدية لا تدع له وقتًا للاشتغال بهذه الوظيفة؛ فلا بد أن تقوم بها یی بجهةٍ ما یی طائفةٌ قَبلَه، حتى إذا ما جاء ذلك السيد عَمَد إلى الآثار والمؤلَّفات
— 336 —
التي دَوَّنتْها هذه الطائفة بعد تدقيقٍ علميٍّ طويل، فاتخذها بَرنامجًا جاهزًا، وبذلك يكون قد أدى هذه الوظيفة الأولى على أتم وجه.
إن القوةَ التي تستند إليها هذه الوظيفة، والجيشَ المعنويَّ الذي تعتمد عليه، ليس سوى ثُلةِ تلاميذَ يتحلَّون بمنتهى الإخلاص والوفاء والتساند والتفاني، وهم مهما كانوا قلةً، إلا أنهم من حيث المعنى بمثابة جيشٍ قوةً وأهميةً.
أما وظيفتُه الثانية: فإحياءُ الشعائر الإسلامية باسم الخلافة المحمدية، وإنقاذُ البشرية من المهالك المادية والمعنوية والغضبِ الإلٰهي، استنادًا إلى وَحدة العالَم الإسلامي.
ويَلزم لهذه الوظيفة جيوشٌ بملايين الأفراد، هم نقطةُ استنادِ هذه الوظيفة وخَدَمُها.
وأما وظيفتُه الثالثة: فهي إجراءُ الأحكام القرآنية، وإقامةُ قوانين الشريعة المحمدية، بعد التخريب الذي لحِقَ كثيرًا منها، والتعطيلِ الذي أصابها، بفعل الانقلابات والتحولات الزمانية.
وسيَسعى السيدُ المهديُّ للقيام بهذه الوظيفة العظمى بعونٍ معنويٍّ من جميع أهل الإيمان، وبمعاونةِ الوحدة الإسلامية، وباشتراك جميع العلماء والأولياء، لا سيما ملايين السادة والأشراف من نسل آل البيت أربابِ التضحية والفداء، الموجودين بقوةٍ وكثرةٍ في كل عصر.
ولما كانت هذه هي حقيقةَ الأمر، كانت أُولى وظائف السيد المهدي وأعلى مسالكه یی أعني وظيفةَ إنقاذِ الإيمان، وتَلقينِه للعموم بصورةٍ تحقيقية، وجعلِه تحقيقيًّا حتى لدى العوام یی هي المعبِّرَ الصريحَ عن معنى "الهادي" و"المرشد" معنًى وحقيقةً؛ ولما كان طلابُ النور يَرَون هذه الوظيفةَ متحققةً بتمامها في رسائل النور، وكانت الوظيفتان الأُخْرَيان بالنسبةِ إليها في الدرجة الثانية والثالثة، كانوا مُحقِّين في اعتبارهم الشخصَ المعنويَّ لرسائل النور نوعَ "مَهديٍّ"؛ وربما أطلقوا هذا الاسم أيضًا على
— 337 —
تَرجُمانها المسكين، لظَنِّهم أنه هو ممثلُ شخصها المعنوي، وما ممثلُ شخصها المعنويِّ إلا شخصٌ معنويٌّ ناشئٌ عن تساند طلاب النور.
وبالرغم من أن هذا التباسٌ وسهو، إلا أنهم ليسوا مسؤولين عنه، لأن حُسْنَ الظن الزائدَ أمرٌ ما زال جاريًا منذ القديم لا يُعترَض عليه، وأنا كذلك أعُدُّه من إخواني نوعَ دعاءٍ وأُمنيةً، وأراه مترشِّحًا من كمالِ اعتقادِ طلابِ النور فلا أعترض عليهم كثيرًا.
وبهذا التحقيق يتبيَّن تأويلُ ما ثبت كشفًا لدى بعض الأولياء السابقين، إذ شاهدوا في كراماتهم الغيبية أن رسائل النور هي مَهديُّ آخر الزمان.
إذًا ثمة التباسٌ في نقطتَين يستلزم التأويل:
الأولى: أن الوظيفتَين الأُخرَيَين وإن لم تكونا في درجة الوظيفة الأولى من حيث الحقيقة، إلا أنهما تبدوان أوسعَ منها بألف درجةٍ في نظر الجميع، لا سيما العوام وأهل السياسة، ولا سيما في أفكار هذا العصر، وذلك بالنظر إلى بَسط السلطنة الإسلامية حُكمَها على وجه الأرض بجيوش الخلافة المحمدية والاتحاد الإسلامي؛ فمتى أُطلِق هذا الاسم یی أي المهدي یی على شخصٍ، تبادرت إلى الذهن هاتان الوظيفتان، وأَوحتِ التسميةُ بمعنى السياسة، وربما أَوردت إلى الذهن معنى ترويج الذات، ودَلَّت على رغبةٍ في الصِّيت والجاه، وحُبِّ المقام وحُبِّ الشهرة، وهذا أمرٌ ما زال يَحصُل منذ القديم مع كثيرٍ من البسطاء ومفتوني المقامات، إذ يدعي كلُّ واحدٍ منهم أنه سيكون المهدي.
صحيحٌ أنه ظَهَر ويَظهر في كلِّ عصرٍ هُداةٌ مَهديّون ومجدِّدون، إلا أنه لم يؤدِّ أحدٌ منهم تلك الوظائف الثلاث جميعَها، وإنما أدى كلُّ واحدٍ منهم وظيفةً واحدةً منها بجهةٍ ما، ولهذا لم يوصَف أحدٌ منهم بالمهديِّ الأكبر الذي يظهر في آخر الزمان.
ثم إن لجنة الخبراء في محكمة "دَنِزْلي" قالوا عني بناءً على اعتقادِ بعض طلاب النور: إنه لو ادعى المَهْدَويةَ لقَبِلَها جميعُ طلابه.
— 338 —
فقلتُ لهم: لا يمكنني معرفةُ ما إذا كنتُ سيدًا، إذِ الأنساب لا تُعرَف في هذا الزمان، والحالُ أن ذلك الشخص الجليل الذي سيَظهر في آخر الزمان سيكون من آل البيت؛ صحيحٌ أنني بمثابة ابنٍ معنويٍّ لسيدنا عليٍّ رضي الله عنه، إذْ قد تَلقَّيتُ منه درسَ الحقيقة معنًى، وأن مفهوم "آل محمد" يَشمل في معنًى من معانيه طلابَ النور الحقيقيين، وبذلك يمكن أن أُعَدَّ من آل البيت، إلا أن هذا الزمانَ زمانُ الشخص المعنوي، وليس في مسلك النور مجالٌ بأيِّ جهةٍ لرغبات الأنانية أو الشخصنة أو المقامات الشخصية أو كَسْبِ الشُّهرة والجاه، بل هو مخالفٌ لسرِّ الإخلاص تمامًا، ولهذا فإنني أحمد الله حمدًا لا حدَّ له أنْ وقاني الإعجابَ بنفسي، فلستُ أتطلع إلى مثل تلك المقامات الشخصية التي تَفوق حدِّي درجاتٍ كثيرةً لا تُحَد، بل أعلم من نفسي أني إنْ أوتيتُ مقاماتٍ أخروية فإني مضطرٌّ لتركها لكيلا أُخِلَّ بالإخلاص الذي في النور.
قلتُ هذا للجنة الخبراء فسكتتْ.
٭٭٭