لاحقة أمير داغ
— 332 —
يَعلم المُطَّلعون على حياتي أنني حين كنت في العشرينات من عمري قبل خمسٍ وخمسين سنة، أقمتُ سنتَين بی"بِتْليس"، في دار واليها المرحوم "عمر باشا"، بناءً على إصراره واحترامه الشديد للعلم.
وكانت له ستُّ بنات، ثلاثٌ صغيراتٌ وثلاثٌ كبيرات، وعلى الرغم من أننا كنا في دارٍ واحدةٍ مدةَ سنتين إلا أنني لم أكن أعرف الثلاثَ الكبيراتِ معرفةً أميز بها إحداهن عن الأخرى، ولم أكن أدقق فيهن حتى أعرفَهن؛ وحصل أن نزل أحد العلماء ضيفًا عليّ، فعَرَفهن وميَّزهن في يومين، فعَجبتُ وعَجِبَ الجميع للأمر، وسألوني: لِمَ لا تنظر؟ فكنت أقول: صَونُ عزة العلم يمنعني من النظر.
— 333 —
وفي إسطنبول قبل أربعين سنة، وفي اليوم المحدد لمهرجان "كاغد خانه"، انتشرت آلافٌ من نساءِ إسطنبول وفَتياتِها ونساءِ الرومِ والأرمنِ كاسياتٍ عارياتٍ على طرفي الخليج، من الجسر حتى "كاغد خانه"، وفي تلك الأثناء رَكِبنا قارِبًا أنا والمرحوم "مُلَّا سيد طه" و"حاجي إلياس"، وكانا من أعضاء البرلمان في ذلك الحين، فكنا نمرُّ بالقرب من تلك النساء، وكانا قد اتفقا على اختباري وتناوبا على مراقبتي دون علمٍ مني بذلك، فلما انتهت رحلتُنا التي استغرقت ساعةً من الزمن اعترفا لي قائلَين: لقد عجِبْنا لأمرك!! لَمْ تنظر إليهن مطلقًا!! فقلتُ: لا أريد مُتَعًا تافهةً زائلةً آثِمةً عاقبتُها آلامٌ وحسرات.
ثم إنَّ كلَّ مَن تربطه بي أواصرُ صداقةٍ يعلم أنني اجتنبتُ طَوالَ حياتي قبولَ الهدايا أو الدخولَ تحت مِنَّةِ الناس بأخْذِ صدقاتهم وإحساناتهم؛ وأنني یی حفاظًا على شرفِ الأنوار والخدمة الإيمانية القرآنية ومراعاةً لسلامتهما یی تركتُ جميعَ ما في الدنيا من لَذّاتٍ واهتماماتٍ ماديةٍ واجتماعيةٍ وسياسية، ولم أُبالِ يومًا بتهديداتِ الحاقدين بما فيها الإعدام، وقد ظهر هذا جليًّا في المحاكم التي دخلتُها، وفي السِّجنَين الرهيبَين اللذَين سُجِنتُ فيهما خلال العشرين سنةً من أَسري المشحون بالعسف والأذى.
وبينما تمضي حياتي على هذا الدستور المستمرِّ على مدى خمسٍ وسبعين سنة، إذا بشخصٍ يَشْغَل منصبًا رسميًّا، يفتري عليَّ فريةً لا تخطر ببال الشيطان ولا بخياله، وغرَضُه أن ينال من القيمة السامية التي تتبوؤها رسائل النور، فيزعم قائلًا: تتردد عليه في الليل العاهرات، ويأتيه السَّفَلةُ والأراذلُ مع ما لَذَّ وطاب من المأكولات!!
علمًا بأن بابي يظل مقفلًا من الداخل ومن الخارج طَوالَ الليل، وأن عليه رقيبًا يلازمه حتى الصباح بأمرٍ من ذلك الشقيِّ نفسه؛ كما أن جيراني هنا وجميعَ أصحابي يعلمون أنني ما استقبلتُ ولا أستقبل أحدًا من بعد صلاة العشاء حتى الصباح.
إن مثل هذه الفِرْية لا يُقدِم عليها حتى مَن هو سفيهٌ أحمق، بل حتى لو كان حمارًا ثم أصبح شيطانًا، وهذا ما تَبيَّن لذلك الشخص، فتراجع عن مثل هذه المكائد، وغَرَبَ من هنا مذمومًا مدحورًا.
— 334 —
لقد بيَّتَ الرجل مكيدتَه هذه بصفته الرسمية لا لتشويه سمعتي فحسب، بل لتشويه سمعة النُّوريين، فهذا ما كان مرادًا من هذه الحادثة الجديدة، إلا أن عناية الله وحِفظَه وحمايتَه أفشلت هذه المكيدة فشلًا ذريعًا.
وإنني بهذا البيان لا أبرِّئ نفسي، وإنما أريد أن أقول: إن الخدمة الإيمانية القدسية جعلت النفس تتخلى عن جميع هَوَساتها، فتكفيها اللذائذُ المعنويةُ التي في هذه الخدمة، كما أُبيِّن حاجة النُّوريين إلى توخي الاحتياط والحذر.
ثانيًا: سأبعث إليكم بكاتبٍ خاصٍّ لديَّ ذي خبرةٍ ومهارةٍ في عمل جهاز النسخ، ومن الآن فصاعدًا سأكتب إليكم باختصار، لأنني أكتب بصعوبة، فلا تستاؤوا من ذلك.
ثالثًا: أبعث بسلامي إلى "محمد توفيق" الخطيبِ بناحية "أفلاني"، وإن الرؤيا التي قَصَّها مباركة.
رابعًا: تسلمتُ للتوِّ رسالةً جميلةً متلألئة، فيها تهنئةٌ وبشائرُ بفتوحات النور، بعث بها خسرو "قَسْطَموني"، أعني الأخَ العزيزَ "محمد فيضي"، فنهنئه ونهنئ "حلمي" و"أمين" والأشقاء الخمسة، وكذا الأخوات النُّوريات أمثال "زهراء" و"لُطْفية" و"عُلوية"، نهنئهم جميعًا من صميم قلوبنا بالليالي العشر وبالعيد المبارك، ونرسل إليكم طيًّا رسالتَي "خُلوصي" و"فيضي".
٭٭٭