لاحقة أمير داغ
— 316 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
أولًا: تَسَلَّمنا نسختَي "سراج النور"، إحداهما تامةٌ والأخرى في جزأين، على أن الأخطاء قليلةٌ جدًّا، وسنُرفِق إليكم جدولًا بالخطأ والصواب.
ثانيًا: ما دامت "إسبارطة" مدرسةً زهراءَ معنوية، وما دامت الجهات الحكومية التي في هذه المدرسة المباركة تُبدي معنا تعاونًا بقدر المستطاع، وتنظر إلى رسائل النور بعين التقدير كما فعل مدير الأمن، فإننا ننظر إليهم بالمقابل نظرَ الصديق، فلا نَستاء منهم ولن نَستاء مهما فعلوا.. على أن التضييقات اليسيرة التي مارسوها تجاهنا حتى اليوم قد أفضتْ إلى خيرٍ كثيرٍ جليل.
إن ما نقوم به اليوم من نشرٍ للأنوار في كلِّ جهةٍ بكلِّ حريةٍ ابتغاءَ مصلحةٍ ما منافٍ لقاعدة "سِرًّا تَنوَّرَتْ"، فلعل ثمة خيرًا في نُصحهم إيانا بتوخي الاحتياط في هذا الأمر.
ثالثًا: تلقَّينا بكل سرورٍ تهانيَ العيد التي بعث بها إخواننا الأكارم من "داداي": الحافظُ "حسن" المعلمُ القدير وناشرُ النور القيِّم، إضافةً لابنَيه النوريَّين المباركَين،
— 317 —
والطبيب "حقي" و"حسني"، وأخَوَانا من "آراچ": "طاهر" و"فؤاد"، ونحن بالمقابل نهنئهم من صميم قلوبنا بالعيد وبنجاحهم في خدمة النور وثباتهم فيها؛ وسنُرفِق إليكم رسالتَهم لتُدرَج في "المَلاحق".
رابعًا: تعرَّفَ أخونا البطلُ النوريُّ "فؤاد" على أخٍ مثلِه في إسطنبول مرتبطٍ برسائل النور تمامَ الارتباط، وهو عالمٌ جليلٌ يدعى "عبد الأحد".. نسأل الله تعالى أن يوفقهما على الدوام؛ آمين.
خامسًا: أثناء تجوالي بالعربة، كان يثير عَجَبي مشهدُ أطفالٍ صغارٍ أبرياء، تتراوح أعمارهم بين سنتَين وعشر سنين، ما أن يَرَوني من بعيدٍ حتى يتراكضوا إليَّ ويمسكوا بيديَّ بلهفةٍ وشوقٍ كما يفعل الأطفالُ مع آبائهم وأمهاتهم بعد غياب، وعلى نحوٍ لم أر مثلَه من قبل، فكنتُ أعجب من ذلك وأتساءل عن حكمته، فوَرَد الخاطرُ بأن طائفة الأبرياء الصغار هؤلاء قد شعروا بحسٍّ قبل الوقوع أنهم في المستقبل سيَجِدون في رسائل النور سعادتَهم، وسيَنْجُون بها من المهالك المعنوية، ولعل كثيرًا منهم سيكونون طلابًا لها.
وشعرتُ كأنهم لا يريدون لي الرحيل عن هذه البلدة التي لم تناسبني أجواؤها المادية ولا المعنوية، ويطلبون مني البقاء فيها رغم السماح للمنفيين بالعودة إلى ديارهم، فكأنهم يقولون لي ما معناه: نحن في دائرة النور بدلًا من الكبار المتهاونين، فلا تذهبْ وتتركنا.
٭٭٭
— 318 —
نكتةٌ توحيديةٌ في لفظ "هو"
باسمه سبحانه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أبدًا دائمًا
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
أثناءَ سياحةٍ خياليةٍ فكريةٍ طالعتُ فيها صحيفةَ الهواء بجهته المادية، تَبَدَّتْ لي فجأةً نُكتةٌ توحيديةٌ لطيفةٌ في لفظ "هو" الواردِ في: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، و قُلْ هُوَ اللَّهُ شاهدتُ فيها أن المسلكَ الإيمانيَّ سهلٌ سهولةً مطلقةً تَبلُغ درجةَ الوجوب، وأن مسلك الشرك والضلالة مُشكِلٌ إشكالاتٍ لا حدَّ لها، ممتنعٌ، تكتنفه آلافُ المُحالات؛ وسأُبيِّن هذه النُّكتةَ الواسعةَ المطوَّلةَ بإشارةٍ في غاية الاختصار.
نعم؛ فكما أن حَفنة التراب التي تُوضع في أصيصٍ فتُسْتَنبَتُ بها مرةً بعد مرةٍ مئاتُ الأزهار.. إنْ عُزِيَ أمرُها إلى الطبيعة والأسباب لَزِمَ أن يكون في الحفنة آلاتٌ ومعاملُ معنويةٌ صغيرةٌ بالمئات، بل بعدد ما استُنبِت فيها من أزهار، أو يَلزمُ أن تكونَ كلُّ ذرةٍ من ذراتها عارفةً بصناعةِ جميعِ أنواعِ الأزهار على تنوعها واختلافِ خواصِّها وأجهزتها الحيوية، فيكونَ لكلِّ ذرةِ ترابٍ عِلمٌ لا يُحَدُّ وقدرةٌ لا تتناهى كأنها إلٰه!!
فكذلك الأمرُ في الهواء الذي هو عرشٌ للأمر والإرادة، فإنه إنْ عُزِيَ أمرُه إلى الطبيعة والأسباب لَزِمَ أن توجَد في كلِّ جزءٍ منه، بل في مقدار النَّفَسِ الضئيلِ الصادرِ عند لفظِ كلمةِ "هو"، مراكزُ صغيرةٌ لكلِّ ما في العالَم من هواتفَ وتلغرافاتٍ وإذاعاتٍ ومكالماتٍ مختلفةٍ لا تُحَد، وأن توجَد فيه مُحوِّلاتُها ومُستقبِلاتُها وناقلاتُها، وأن يَقدِرَ على القيام بجميع هذه الأعمال اللامحدودة معًا في الآنِ نفسه؛ أو يَلزَمُ أن توجَد في كلِّ ذرةٍ من ذرَّات عنصر الهواء هذا شخصياتٌ وقابلياتٌ معنويةٌ بقدر ما في العالَم من
— 319 —
متكلمين عبر الهواتف، ومُرسِلين عبر التلغرافات، ومتحدثين عبر الإذاعات، وتكونَ كلُّ ذرةٍ عارفةً بلغاتِ هؤلاء جميعًا، قادرةً على التواصل بها مع سائر الذرات في نفس الوقت؛ إذْ هذا ما يُشاهَد بالفعل على نحوٍ جزئي، وقابليتُه موجودةٌ في جميع أجزاء الهواء.
وبهذا يتبيَّن بكلِّ وضوحٍ أن مسلك أهل الكفر والطبيعيين والماديين لا ينطوي على مُحالٍ واحد، بل تكتنفه وتُلابِسه مُحالاتٌ وامتناعاتٌ وإشكالاتٌ بعدد الذرات.
لكنْ إذا ما رُدَّ الأمر إلى الصانع ذي الجلال، غَدَا الهواءُ بجميع ذرَّاته جنديًّا لهذا الصانع الجليل يأتمِر بأمره، فيستطيع یی بإذن خالقه وقوَّته، وبانتسابه إلى الخالق واستنادِه إليه، وبجَلوةِ قدرة صانعه یی أن يؤديَ وظائفَه الكُلِّيةَ اللامحدودةَ مثلما تؤدي ذرةٌ منه وظيفتَها المنتظمة، بسرعةِ البرق، وبِسَلاسةِ تَموُّجِ الهواء وبسهولةِ التلفظِ بكلمة "هو"؛ أي يغدو الهواءُ صحيفةً لقلم القدرة يَخُطُّ عليها كتاباتِه الخارقةَ المنتظمةَ اللامحدودة، وتغدو ذراتُ الهواء رؤوسًا لهذا القلم، وتغدو وظائفُ الذرات نقاطَ قلم القدرة، فتعمل كلُّها وتتحرك بسهولةِ حركةِ ذرةٍ واحدة.
هذا هو مُجمَل الحقيقة التي شاهدتُها تامةً واضحةً مفصَّلةً عينَ اليقين عند مطالعتي صحيفةَ عنصرِ الهواء وتأمُّلي في عالَمه في سياحتي بالحركة الفكرية في لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ و قُلْ هُوَ اللَّهُ.
وكما حَوَتْ كلمةُ "هو" في لفظها وهوائها برهانًا ساطعًا ولَمعةَ واحديةٍ باهرة، فقد حَوَتْ في معناها وإشارتها جَلوةَ أحديةٍ بغايةِ النورانية، وحجةَ توحيدٍ بمنتهى القوة، وكان في هذه الحجة قرينةُ تَعَيُّنٍ تُبيِّن المرادَ من ضمير "هو" بإشارته المطلقة المبهَمة، فعلمتُ سِرَّ تَكرارِ هذه الكلمة القدسية في القرآن المعجِز البيان، وسِرَّ تَردادها بين أهل الذكر في مقام التوحيد.. عَلِمتُ ذلك علمَ اليقين.
نعم، فمعلومٌ أنه لو نُقِطَتْ نقاطٌ على ورقةٍ بحجمِ نقطةٍ لتداخلَتِ النقاطُ واختلطَتْ، ولو قام إنسانٌ بأداءِ عدةِ وظائفَ معًا لتشوَّشَ واضطرب، ولو حُمِّل كائنٌ
— 320 —
حيٌّ صغيرٌ أحمالًا كثيرةً لَناءَ بها وتَضَعْضع، ولو كان اللسانُ يُصدِر كلماتٍ متعددةً وكانت الأذنُ تتلقى كلماتٍ متعددةً في الآنِ نفسِه لاختلَّ انتظامُ الكلمات واختلط..
إلا أني في السياحة الفكرية التي أجريتُها في عنصر الهواء مستعينًا ببوصلة "هو" ومفتاحِها، شاهدتُ بعين اليقين أن كلَّ جزءٍ من أجزاء الهواء، بل كلَّ ذرةٍ منه، تَحمِل أو تَقبل أن تَحمل آلافَ النقاط والحروف والكلمات المختلفة من غير تداخلٍ ولا اختلاط؛
وأن كلَّ مقدارٍ منه يؤدي وظائفَ كثيرةً متباينةً من غير تشوُّشٍ ولا اضطراب؛
وأن كلَّ جزءٍ وكلَّ ذرةٍ منه يُحَمَّل أحمالًا جِدَّ ثقيلة، فيَحملُها لا يَنوءُ بحَملها ولا يتضعضع؛
وأن كلَّ ذرةٍ منه لسانٌ وأذنٌ بالِغا الصِّغَر، تَرِدُ عليهما آلافُ الكلماتِ المتباينةِ متنوعةً أساليبُها مختلفةً معانيها، فتَدخل إلى هذه الآذان الدقيقة وتَصدُر من تلك الألسنة الرقيقة بكمال الانتظام من غير اختلاطٍ ولا اختلال؛
وأنها بالإضافة إلى أدائها هذه الوظائفَ العجيبة تتحرك بين أمواج العواصف والرُّعود والبُروق وأمثالِها، لا يختلُّ نظامُها، ولا تضطرب وظائفُها، ولا يمنع عملٌ من أعمالها عملًا آخَر، فتتجول مردِّدةً بكلِّ حريةٍ وبلسانِ حالِها المجذوب، وبلسان الحقيقة المذكورة وشهادتِها: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ و قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ.. هذا ما شاهدتُه عينَ اليقين.
إذًا، فإما أن يكون لكلِّ جزءٍ من الهواء، بل لكلِّ ذرةٍ منه: حكمةٌ بلا نهاية، وعلمٌ وإرادةٌ بلا نهاية، وقوةٌ وقدرةٌ بلا نهاية، وهيمنةٌ مطلقةٌ على سائر الذرات، حتى يمكنَ صدورُ كلِّ هذه الأفعال عنها؛ وإذْ كان هذا باطلًا محالًا بعدد الذرات، لا يمكن للشيطان نفسِه أن يوسوس به، كان من البداهة البالغةِ حقَّ اليقين وعينَ اليقين وعلمَ اليقين أنَّ صحيفة الهواء هذه ما هي إلا صحيفةٌ متبدِّلةٌ يُجري عليها ذو الجلال قلمَ
— 321 —
القدرة والقَدَر بعلمه المطلَق وحكمته اللامتناهية، وهي بالنسبة إلى اللوح المحفوظ لوحٌ في عالَم التغيُّر والشؤون المتبدِّلة، يُكتَب فيه ويُمحى منه باستمرار.
فكما يُظهِر عنصرُ الهواء في وظيفةٍ واحدةٍ من وظائفه یی وهي نقلُ الأصوات یی جَلوةَ الوحدانية المذكورة، وما أَوردنا من العجائب المسطورة، ويُبَيِّن ما في الضلالة من مُحالاتٍ غيرِ محدودة، فإنه يؤدي في الآنِ نفسِه سائرَ وظائفه الأخرى المُهمة بانتظامٍ دون خللٍ أو اضطراب، فيَنقل سائرَ اللطائف كالكهرباء والجاذبة والدافعة والضياء، ويوصِل إلى النباتات والحيوانات لوازمَ حياتها كالتنفُّس والتلقيح.. يؤدي جميعَ ذلك في نفسِ الوقت بمنتهى الانتظام، فيُثبِت بصورةٍ قاطعةٍ أنه عرشٌ للأمر والإرادة الإلٰهييَّن، ويُثبِتُ بدرجةِ عينِ اليقين أنه لا احتمالَ، بل لا إمكانَ بأيِّ جهةٍ لأنْ تتدخل في كتابة هذه الصحيفة الهوائية وفي وظائفها مصادفةٌ عشواء، أو قوةٌ عمياء، أو طبيعةٌ صمَّاء، أو أسبابٌ تائهة، أو موادُّ جامدةٌ عاجزةٌ جاهلة.
فتَحقَّق لديَّ اليقينُ القاطعُ بذلك، وعَلِمتُ أن كلَّ جزءٍ وكلَّ ذرةٍ منه تُرَدِّد بلسان الحال: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ و قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ.. وكما كانت كلمةُ "هو" مفتاحًا شاهدتُ بواسطته هذه العجائبَ الموجودةَ في الهواء بجهته المادية، فقد غدا عنصرُ الهواء نفسُه مفتاحًا یی ككلمة "هو" یی إلى عالَم المثال وعالَم المعنى.
لم تُكتَب البقيةُ الآن.. سلامي للجميع.
أخوكم
سعيد النُّورْسِيّ
٭٭٭