— 310 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
أولًا: سنشير باختصارٍ شديدٍ إلى حقيقةٍ بالغةِ الطُّول والسَّعة، وَرَدَتْ إلى القلب في ليلة القدر، فنقول:
إن ما ألحقتْه هذه الحربُ العالميةُ الثانيةُ بالنوع البشري من ظلمٍ فادح، واستبدادٍ جائر، وتدميرٍ غاشم، ونكبةٍ عَمَّتِ الجمعَ الغفيرَ البريء بجريرةِ عدوٍّ قليلٍ مُسيء؛
— 311 —
وما خلَّفتْه في نفوس المهزومين من يأسٍ مرير، وفي نفوس المنتصرين من قلقٍ عميقٍ لعدم قدرتهم على المحافظة على الهيمنة، وعذابِ ضميرٍ لعدم قدرتهم على إعمار ما خلَّفوا من دمارٍ هائل؛
وما أظهرتْه للجميع من أن الحياة الدنيا فانيةٌ مؤقتة، وأن بَهرَجَ المدنيَّة وزُخرُفَ الحضارة خَدَّاعٌ مُخدِّر؛
وما خلَّفتْه هذه الحرب من جِراحٍ عميقةٍ في الماهية الإنسانية، والاستعدادات الرفيعة الكامنة في الفطرة البشرية؛
وما نَجَم عن هذه الحرب من استيقاظٍ نشِطٍ للحب الإنسانيِّ الفطريِّ ومشاعرِ البقاء المُولَعةِ بالخلود، وتَفَتُّتِ صخرِ الغفلة والضلالة والطبيعة الصَّلدِ الأصمِّ تحت ضربات سيف القرآن الألماسي، وانكشافِ الصورة الحقيقية للسياسة بوجهها المتوحِّش القبيح أمام العالَم أجمع، وهي أكثفُ وأخدعُ وأوسعُ ستارٍ يغطي الغفلة والضلالة؛
ومع الأماراتِ التي ظهرتْ في الشمال والغرب وفي أمريكا؛
ومع تَبَيُّنِ أن الحياة الدنيوية یی التي هي المحبوب المجازي لبني البشر یی قبيحةٌ زائلة..
كلُّ ذلك أفضى إلى نتيجةٍ حتميةٍ لا مفرَّ منها، وهي أن البشرية ستبحث عن الحياة الباقية وستطلبها بكلِّ ما أوتيتْ من قوة، إذْ هي المحبوب والمطلوب الحقيقيُّ للفطرة البشرية.
وما من كتابٍ أخبر عن الحياة الباقية وبشَّر بالسعادة الأبدية وداوى جِراحَ البشرية كالقرآن المعجِز البيان.. فقد احتجَّ لهذه القضية بقوةٍ وبشدةٍ في آلاف الآيات؛ وأخبر عنها مرارًا وتَكرارًا، صراحةً أو إشارةً، عشراتِ آلاف المرات؛ وبشَّر بها وبَيَّنها وعلَّمها بأدلةٍ قاطعةٍ لا تُرَدّ، وحُججٍ يقينيةٍ لا تُحَدّ.. وما يزال يُعلِن هذه الحقيقة على مدى ألفٍ وثلاثمئةٍ وستين سنة، وله في كلِّ قرنٍ ثلاثُمئةٍ وخمسون مليون تلميذًا،
— 312 —
وملايينُ من أهل الحقيقة يُوَقِّعون على جميع أحكامه ودعاويه بالتصديق، وله ملايينُ الحَفَظة والحَمَلة يَثْوي في قلوبهم بقدسية، ويُعلِّم البشرَ على ألسنتهم على مَرِّ الدقائق.
وما دام الأمر كذلك، فإنه إنْ لم تفقد البشرية صوابَها بالكُلِّية، ولم تَقُم عليها قيامةٌ ماديةٌ أو معنوية، فإن قارَّات الأرض وحكوماتها ستَنشُد القرآنَ المعجِزَ البيان، وستتمسك به من صميم روحها بعد أن تعي حقائقَه؛ لأنه لا مثيل له في نقطةِ الحقيقةِ هذه بالذات، بل لا يمكن أن يكون له مثيل، ولا يمكن لشيءٍ أن يقوم مقامَ هذه المعجزة الكبرى.
ولقد أخذتْ تلوحُ بَوادرُ على هذا، من ذلك ما قامت به منظمةٌ دينيةٌ أمريكيةٌ مرموقةٌ تبحث عن الدين الحق، وما قام به مشاهيرُ أهل الفكر في السويد والنرويج وفنلندا وبريطانيا من العاملين بجِدٍّ لتلقي القرآن الكريم.
ثانيًا: ما دامت رسائلُ النور سيفًا ألماسيًّا بيدِ هذه المعجزة الكبرى تَخدُمها وتُرغم أعتى معانديها على الاستسلام؛ وما دامت معجزةً معنويةً للقرآن لا تعرِف مرجعًا ولا مأخذًا سواه، وكانت دَلَّالةً على الكنوز القرآنية تُنوِّر بها القلبَ والروحَ والمشاعرَ وتداويها، وتنهض بوظيفتها متغلِّبةً على الحملات المغرِضة، منتصرةً على أعتى المعاندين الزنادقة، ممزِّقةً ظلماتِ الغفلة في أحلكِ وأكثفِ وأكبرِ آفاق دائرة الضلالة، وفي أوسع حُجُب العلم الطبيعي، مُظهِرةً نورَ التوحيد بأبهى حلة؛ فلا ريب أن اللازمَ بحقنا والألزمَ لأبناء بلدنا أن يعمل طلابُ النور ما استطاعوا لفتحِ مدارس نوريةٍ صغيرةٍ في كلِّ مكانٍ، بناءً على الإذن الرسمي الحالي الذي يسمح بافتتاحِ مدارس خاصة لتعليم الدين.
صحيحٌ أن كلَّ فردٍ يستطيع أن يستفيد من رسائل النور بدرجةٍ ما، لكنْ لا يستطيع كلُّ فردٍ أن يفهم كلَّ مسألةٍ فيها تمامَ الفهم، ثم ما دامت رسائل النور إيضاحًا لحقائق الإيمان، فإنها معرفةٌ وعِلمٌ وعبادة.
(حاشية): فإنْ كان أحدُهم يَعلَم، ولم يكن بحاجةٍ إلى تعلُّم، فإنه يبقى محتاجًا إلى العبادة، أو مشتاقًا إلى المعرفة، أو طالبًا للطمأنينة والسكينة، ولهذا فهي درسٌ لازمٌ لكلِّ أحد.
— 313 —
وإذا كانت المدارسُ القديمة تُحقق نتائجَها في خمسِ سنين أو عشر، فإن مدارس النور هذه ستحقق النتائج نفسَها في خمسةِ أسابيع أو عشرةٍ بإذن الله، وهو ما تقوم به منذ عشرين سنة.
ثم إن رسائل النور، وهي لمعاتُ القرآن ودَلَّالُه، لها فوائدُ جَمَّةٌ للحكومة والشعب والوطن، سواءٌ في الحياة الدنيوية أو السياسية أو الأخروية، وأَولى ما ينبغي لرجال الحكومة فعلُه هو العمل على ترويجها ونشرِها بتمامها بدلًا من محاربتها، وذلك حتى تكون كفارةً للذنوب الجسيمة السالفة، وسدًّا في وجه المصائب العظيمة والفوضوية المريعة الآتية.
ثالثًا: كنتُ في شهر رمضان المبارك هذا محتاجًا بشدةٍ إلى قراءة القرآن قراءةَ ذَوقٍ وشَوق، غير أن المرض الأليم، والشدائد المادية والمعنوية، والمتاعب والمشاغل، أوقعتْني في قلقٍ واضطراب، فشرعتُ أقرأ الأجزاء القرآنيةَ المعجزةَ التي كتبها "خسرو" بخطه الجميل، ثم قرأتُ "الحزب الأكبر القرآنيَّ" الساطع ذا الكرامات، والذي يُنيل الحافظ "عليًّا" و"طاهريًّا" جزيلَ الأجر والحسنات، فإذا بي أحظى بذَوقٍ وشَوقٍ بدَّدا تلك المتاعب فلم يُبقيا منها شيئًا.
وحين كنت أتلقى منهما ذلك الدرسَ القرآنيَّ تلقيًا صافيًا مُشرِقًا لا يدع مجالًا للوسوسة، رغبتُ وعزمتُ من صميم روحي أن نسعى جاهدين لطباعة مصحفنا ذي المعجزات كما طبعنا "الحزب الأكبر القرآني".
سعيد النُّورْسِيّ
٭٭٭