— 307 —
ثالثًا: قلتُ لمسؤولٍ حكوميٍّ رفيعٍ جاءني بالأمس بسبب هذه الرسالة: لقد جرتْ ثلاثُ وقائع خارقةٍ في حياة "سعيدٍ القديم"، وتحقَّقَ اليومَ أنها كانت كراماتٍ لرسائل النور التي ظهرتْ في المستقبل.
فالأولى أنه في حادثة الحادي والثلاثين من مارت، كان قائدُ جيش الحركة "محمود شوكت باشا" ناقمًا عليَّ بشدة، فلما كان يومُ محاكمتي في المحكمة العسكرية، كان قُبالتي خمسةَ عشر شخصًا معلَّقين على أعواد المشانق، فسألني رئيسُ المحكمة "خورشيد باشا": هل طالبتَ بالشريعة؟ فمن يطالِب بالشريعة يُشنَق كهؤلاء.
فقلت له: إني لأفدي مسألةً واحدةً من مسائل الشريعة بألفِ روحٍ لي لو وُجِدتْ.
وفضلًا عن هذا فقد كان الجواسيس المخبِرون قد افترَوا عليَّ أمورًا كثيرةً تقضي بإدانتي، فإذا بالقوم يقضون ببراءتي متفقين بصورةٍ اسثنائية!!
— 308 —
والثانية أنه في نهاية الحرب العالمية الأولى وقع بيد القائد الإنكليزي بإسطنبول رسالةُ "الخطوات السِّتِّ" التي هاجمتُ فيها الإنكليز هجومًا لاذعًا، والرسالةُ الأخرى التي أهنتُ فيها رئيسَ أساقفتهم، فكان احتمال القضاء عليَّ محتَّمًا مئةً في المئة، لكنَّ قائدهم كظم غيظَه ولم يتعرض لي بشيء.
والثالثة أن "مصطفى كمال" دخل ديوانَ رئاسته في أنقرة مُغضَبًا، وصرخ بوجهي بين جمعٍ كبيرٍ من النواب قائلًا: لقد دعوناك إلى هنا لتقدِّم لنا أفكارًا راقية، فإذا بك تكتب أمورًا حول الصلاة، وتُوقِع بيننا الخلاف!! فواجهتُ حدَّتَه بكلامٍ لاذع، وقلتُ له: "إن تارك الصلاة خائن، وحكمُ الخائن مردود"، وحطَّمتُ بذلك صنمًا رهيبًا.
فخيَّمَ القلق والاضطراب على مَن حضر مِن أصدقائي النواب، وتوقَّعوا أن يُلحِق بي أذًى، وإذا به يكظم غيظَه في ذلك المجلس، ويتصرف نحوي بنوعٍ من الاسترضاء، كأنما شعر أنه بإزاء قوةٍ وحقيقةٍ عظيمتَين فتراجع.
فلما كان اليوم التالي، تحدثتُ إليه في مكتبه ساعةً كاملةً، وسردتُ له ما جاء في الدسيسة الأولى من "الهجمات الستة"، وضربتُ له المثل الذي وَرَدَ فيها كاملًا: "هَبْ أن جامع أياصوفيا كان حاشدًا برجالٍ من أهل الفضل والكمال.. إلخ"، فجرحتُ مشاعرَه وقدحتُ في مبادئه، لكنه لم يتعرَّض لي بشيء، بل اجتهد في مجاملتي وكسْب مودتي.
فهذه الحالاتُ الثلاثُ العجيبةُ مع هؤلاء القادة الثلاثة المتجبِّرين، وخوفُهم من "سعيدٍ القديم"، ليست إلا كرامةً ساطعةً لرسائل النور، وقوةً خارقةً للشخص المعنويِّ لتلاميذها الأبطال في المستقبل.
رابعًا: أرسَل إلينا أخونا "يعقوب جمال" رسالةَ تهنئةٍ برمضان وليلة القدر باسم طلاب "دَنِزْلي"، ونحن في المقابل نبعث إليهم بأحرِّ التهاني، ونقول لأخينا "يعقوب": وفقك الله في مجاهدتك لنفسك.
ونحمد الله كثيرًا على الأخبار السارة التي حَملتْها رسالتُه، فقد نَقل فيها عن إخوانه ما قرؤوه في الصُّحف من أن أرباب الفكر في بريطانيا أعلنوا من منابرهم وفي
— 309 —
عاصمة دولتهم أن على بريطانيا أن تقبل بالإسلام، وأنهم أيَّدوا دعوتَهم بالفرقان الحكيم الجامعِ لحاجات البشر الحقيقية، فقرؤوا آياتٍ منه وفسَّروها وبيَّنوا معناها.. نعم، فتلك الدولة لا يمكنها أن تُحرِز دنياها ومُلكَها وسعادتَها إلا بالفرقان الحكيم.
ونبعث كذلك بأحر التهاني إلى "عليٍّ الصغير" صاحبِ الروح الكبيرة، مقدامِ المباركين، ونظيرِ "عبد الرحمن الكبير".. نهنئه على توفيقه في "اللَّمعات"، ونهنئ ابنَه الصغير البريء "نور محمد" على حفظه كتابَ الله، وندعو له بالتوفيق.
على أنه ينبغي التنبُّه إلى ألا تتكرر في "اللَّمعات" الفقراتُ المدرَجةُ في "سراج النور" و"السِّكة الغيبية" و"الأسرار القرآنية"، فأُحيل الأمر إليكم..
سلامي إليكم جميعًا.
٭٭٭