— 305 —
زارني طبيبان من أركان طلاب النور وقتَ اشتدتْ عليَّ وطأةُ المرض، ولم أراجع فيه هذين الفاضلَين الخالصَين الصادقَين، ولم أتناول دواءهما، بل لم أستشِرْهُما ولم أتحدث إليهما بشأنه رغم شدة ألمي وحاجتي، وقد انتابهما مِن ذلك فضولٌ مَشوبٌ بالقلق، فاضطررتُ لأن أبيِّن لهما حقيقةً ذاتَ أسرار، وهاأَنَذا أكتبها إليكم عسى أن تفيدكم كذلك.
قلتُ لهما: إن أعدائي العاملين في الخفاء، ونفسي، يبحثون یی بإيعازٍ من الشيطان یی عن نقطة ضعفٍ فيَّ ليتحكموا بي من خلالها، ويمنعوني من أداء خدمة الأنوار بإخلاصٍ تام، وليس سوى المرضِ أضعفُ نقطةٍ وأقوى مانع، فكلما أُعطي أهميةً غَلَبَ حسُّ الجسد، وعلا صوتُه مناديًا بالاضطرار وشدة الحاجة، فأَسكتَ القلبَ والروحَ، وجَعَلَ من الطبيب ما يشبه الحاكم المستبد، وأَجبر على طاعته فيما يوصي وما يُقدِّم من أدوية، وهذا يَضرُّ بالخدمة التي تؤدى بتفانٍ وإخلاص.
وإن أعدائي العاملين في الخفاء عَمِلوا وما يزالون يعملون على استغلال نقطةِ ضعفي هذه، مثلما عملوا على استغلال نقاط الضعف الأخرى من خوفٍ وطمعٍ وجاهٍ وشهرة؛ فأما الخوف الذي هو أقوى نقاطِ الضعف في الإنسان، فإنهم لم يستطيعوا أن يَظفَروا منه بطائل، وقد تَبيَّن لهم أن الإعدام لا يساوي عندنا فلسًا.
وأما نقطة الطمعِ وهَمِّ المعيشة، فقد حقَّقوا وتحرَّوا بشأنها كثيرًا، حتى إنهم خلال هذه السنوات العشر الفائتة وجَّهوا ما يزيد على مئةِ كتابٍ رسميٍّ إلى المسؤولين المحليين يسألونهم عني: بِمَ يعيش؟ فلم يَجْنوا في نهاية مطافهم هذا ثمرةً، وتَحقَّق لديهم أن متاع الدنيا الذي يُضحُّون بمقدَّساتهم لأجله لا يساوي عندنا شيئًا، وتأكَّدَ لهم هذا بوقائع كثيرة.
— 306 —
فعمَدوا إلى واحدةٍ من أقوى نقاط الضعف لدى الإنسان، ألا وهي الجاه والشهرة والمنزلة، فعمِلوا على استغلالها لديَّ من خلال إجراءاتٍ كُلِّفوا بتنفيذها على نحوٍ شنيع، ومارسوا بحقي قَدْحًا وتشويهَ سمعةٍ وتحقيرًا وإيذاءً يستفز المشاعر، لكنهم لم يُفلحوا في ذلك، وتَبيَّن لهم قطعيًّا أن ما أُولِعوا به من الجاه والشهرة الدنيويَّين لا نراه نحن إلا رياءً وغرورًا بالغَ الضرر، وأن حبَّ الجاهِ والشهرةِ الدنيويَّين اللذَين أَولَوهما أهميةً فائقةً لا يساوي عندنا فلسًا، بل نحن نَعدُّهم من هذه الناحية مجانين.
بقي أمرٌ يُعَدُّ نقطةَ ضعفٍ لدينا باعتبار خدمتنا، مع أنه من حيث الحقيقة مقبولٌ لدى الجميع، بل يَتوق كلُّ شخصٍ للفوز به، وهو أن يصير المرء صاحبَ مقامٍ معنوي، ويترقى في مراتب الولاية، ويجدَ هذه النعمةَ الإلٰهيةَ في نفسه، وهذا أمرٌ يعود بالنفع على الجميع ولا يتأتى منه ضرر، لكنْ ما دمنا في زمنٍ طغت فيه الأنانيةُ والمصلحةُ الفردية والخلاصُ الفردي، فلا ريب أن الخدمة الإيمانية المبنيَّة على سرِّ الإخلاص وعلى عدم اتخاذها أداةً لشيء، تقتضي عدمَ طلب المقامات المعنوية الشخصية، فاللازم ألَّا تُطلَب، بل لا تُراعى في شيءٍ من تصرفات المرء، لئلا يَفسُد سرُّ الإخلاص الحقيقي.
وقد أَدرك الذين يسعَون لاستغلال نقطة الضعف هذه أنني لا أبتغي خارج خدمة النور شيئًا مما يَطلبه كلُّ شخصٍ من الكشف والكرامات والكمالات الروحية، فخاب سعيهم في هذا الجانب أيضًا.
سلامي لجميع إخواني فردًا فردًا، ونَضْرع إلى الرحمة الإلٰهية مستشفعين بحقيقةِ ليلة القدر أن تَجعل ليلةَ القدر المقبلة بمثابةِ عمرٍ زاخرٍ بالعبادة ثلاثًا وثمانين سنةً لكلِّ فردٍ من النُّوريين.
الباقي هو الباقي
أخوكم
سعيد النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 307 —
باسمه سبحانه..وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
أولًا: نَصَّ الحديثُ الشريفُ على التماس ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان، خصوصًا في الليالي الوِترية منها، فيجب على طلاب النور أن يَجِدُّوا ويجتهدوا لاغتنام هذا النور الأعظم والاستفادةِ منه.
ثانيًا: بخصوص إحالة ثلاثةٍ من إخواننا على محكمة الصلح.. أعني "خسرو" و"طاهري" وطالبًا نوريًّا يسير على نهجهما، وهما اللذان يقومان بوظائفهما خيرَ قيام، ويُخرِّجان المئات من أمثالهما، فإن هذا الأمر ستكون عاقبتُه عنايةً جليلةً وفتوحاتٍ كبرى إن شاء الله، فلا تقلقوا، وستُذيقُ هذه الحادثة الظالمين جهنمَ ماديةً ومعنوية، وستُنيل النوريين جنةً دنيويةً وأُخرويةً بإذن الله، بسرِّ قوله تعالى: وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ