لاحقة أمير داغ
— 296 —
أتجول بالعربة ساعةً أو ساعتين أشاهد أزهار الربيع الزاهي..
(حاشية): إن هطول الأمطار غُيوثًا مِدرارةً في هذا العام، وإزالةَ القبعة الإفرنجية جزئيًّا من الجيش، وافتتاحَ مدارس القرآن بشكل رسمي، وانتشارَ "ذي الفَقار" و"عصا موسى" بشكلٍ فعالٍ لإنقاذ الإيمان، ما هي إلا دليل على أنها ستعطي نتائج ذات رحمةٍ كثيرةٍ كهذه.. نسلِّم على جميع إخواننا وندعو لهم.
لقد نَمَتِ النباتاتُ وتفتَّحت أزهارُها بشكلٍ بديعٍ لم أرَ مثلَه في حياتي، وشعرتُ یی حقَّ اليقين یی كأنها تبتسم مسبِّحةً صانعَها ذا الجلال، وتثني على بديعِ صُنْعِه بلسان الحال.
وبينما أنا في هذه الحال، إذِ انتهزتِ الفرصةَ حسِّياتي المشتاقةُ إلى الحياة الدنيوية، ونفسي الغافلةُ الجَزوعُ التي تَطلُب في الفانيات مُتَعًا ولَذَّاتٍ باقية، فأخذتا تعترضان على قلبي الذي نَفَر من الدنيا، وسَئِمَ حياةَ الضيق والمرض، وقرر الذهابَ إلى البرزخ شوقًا لرؤية معظم الأصحاب، فإذا بنور الإيمان الساري في الحِسِّيات والعروق يَرُدُّ على هذا الاعتراض قائلًا:
— 297 —
إذا كان الترابُ بجهته المادية مَظهَرًا لكل هذا الجمالِ والرحمةِ والحياةِ والزينة، وكان بذلك ستارًا لرحمةٍ لا حدَّ لها، وكان الداخلُ فيه لا يُترَك سدًى، فلا ريب أن خَلْف حجابه مَعاملَ ومراكزَ معنويةً تنبعث منها كلُّ هذه الزينة والمحاسن الظاهرية المادية، وكلُّ هذا الحسن والجمال والرحمة والحياة.. ولا ريب أن الدخولَ تحت أطباق التراب الذي هو أُمُّنا الرَّؤوم، واللجوءَ إلى أحضانها، ومشاهدةَ تلك الأزهار الحقيقية الدائمة المعنوية، هو الأجدرُ بالرغبة والأَولى بالاشتياق.
وبهذا البيان أزال نورُ الإيمان كلَّ اعتراضٍ أثارتْه الحسِّيات العمياء والنفسُ الوَلوعةُ بالدنيا، وحَمَلها على أن تردد: الحمد لله على نور الإيمان من كل وجه.
سعيد النُّورْسِيّ
٭٭٭