— 282 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
هذا جوابٌ وَرَدَ على الخاطر بمناسبة سؤالٍ يُطرَح بصورةٍ ماديَّةٍ ومعنوية.
يقال: لماذا لا تَقبل ما يوليك إياه طلابُ النور من حُسْنِ ظنٍّ قوي، واعتقادٍ قطعي، ومقامٍ وكمالاتٍ تَزيد من هِمتهم للأنوار؟ ولماذا تَعزو المقامَ والكمالاتِ إلى رسائل النور وحدَها، وتُظهِر نفسَك خادمًا كثيرَ العيوب؟
الجواب: لله الحمدُ والشكرُ بلا حدٍّ أنَّ لرسائل النور من نقاطِ الاستنادِ القويةِ الراسخة، والحججِ القاطعةِ الساطعة، ما لا تحتاج معه إلى مزايا واستعداداتٍ مظنونةٍ في شخصي؛ فهي ليست كالمؤلَّفات الأخرى التي تعتمد على قابليةِ المؤلِّف فتستمدُّ منه قُوَّتَها ومقبوليتَها.
فها هي رسائل النور بارزةٌ في الميدان منذ عشرين سنة، ليس لها مُعتمَدٌ ولا مُستَندٌ سوى حججِها القاطعة، وما تزال تُرغِم أعدائي الماديين والمعنويين وتُجبِرهم على الاستسلام؛ فلو كانت شخصيتي نقطةَ استنادٍ مهمةً لها، لأمكن لأعدائي الملحِدين ومعارضيَّ الظالمين أن يوجِّهوا إليها ضربةً قويةً بالطعن في شخصي ذي النواقص والعيوب؛ والحالُ أنهم برغمِ ما بذلوا من جهودٍ حثيثة، وما كادوا من مكائد خبيثة، راجين بحماقتهم أن يطعنوا فيَّ ويَحُولوا دون إقبال الناس عليَّ، ما استطاعوا الإضرارَ بفتوحات الأنوار ولا الحطَّ من شأنها، بل حتى وإنِ استطاعوا التعكيرَ على بعضِ الضعفاء والطلاب الجدد، إلا أنهم لم يستطيعوا صَرْفَهم عنها.
فلأجل هذه الحقيقة، ولأن الأنانية قد طَغَتْ في هذا الزمان، لا أقبل لنفسي حُسْنَ ظنِّ إخواني الذي يَفوق حدِّي كثيرًا، ولا أُحسِن الظن بها كما يفعلون.
ثم إنْ كان المقامُ الأخرويُّ الذي أَولَوه لأخيهم المسكينِ هذا مقامًا دينيًّا حقيقيًّا، فإنه يمكن أن يكون یی بجهةٍ یی مدخلًا للأنانية، إذْ يَعُدُّ المرءُ نفسَه صاحبَ مقام؛ ومن جهةٍ أخرى فإن الكمالات التي أولَوها لشخصي ما هي إلا هديةٌ معنويةٌ أهدَوني إياها،
— 283 —
فإنْ كنتُ أعدُّ نفسي صاحبَ كمالات یی حاشا لله یی فهو دليلٌ على أني لستُ كذلك، وإن كنت لا أعدُّ نفسي صاحبَ كمالاتٍ فينبغي عدم قبول هديتهم هذه، كما تُقرِّر القاعدةُ الواردةُ في آخِر "المكتوب الثاني".
بقي أمرٌ آخَر، وهو أنه قد يقال بجهةٍ دنيويةٍ: إنَّ الشخص الموظَّف بنشر الحقائق الإيمانية، إنْ كان صاحبَ مقامٍ كان تأثيرُه أفضل؛ وهنا يوجد مانعان أيضًا:
أحدهما: أنه حتى لو وُجِدت فيه الولايةُ فرضًا، فإنَّ اتخاذَ المرء مقامًا بعلمٍ وقصدٍ ينافي ما تنطوي عليه الولاية من إخلاصٍ وفناءٍ عن الذات؛ فلا يمكن إظهارُ الولاية وادعاؤها كما فعل الصحابة الذين هم وَرَثَة النبوة، ولا يقاس عليهم.
المانع الثاني: أنه إن كان صاحب المقام شخصًا فانيًا بسيطًا محدودَ الأجل، وكان كثيرَ النواقص والعيوب، وقابلًا للقدح من جهاتٍ كثيرة، أضرَّ ذلك بالأنوار وبفتوحات الحقائق الإيمانية.
غير أن ثمة أمرًا يستوجب الشكر، وهو أن أعدائي من أهل السياسة لا يعرفون هذه الحقائق المذكورة آنفًا، ولهذا يتعاملون معي باعتباري "سعيدًا القديم" ذا الاعتزاز والشرف، وينشغلون بتوجيه الإساءة والانتقاص إلى شخصي بدلًا من توجيهها إلى الأنوار، ويُحرِّضون عليَّ بعض المشايخ المتعصبين ذوي الأنانية، ويحسَبون أنهم ينجحون في إطفاء الأنوار، والحال أنهم يصبحون وسيلةً لسطوعها وتلألُئها، فالأنوار لا تَستمد نورَها من شخصي البسيط، بل تستمده من منبعِها شمسِ القرآن.
٭٭٭