لاحقة أمير داغ
— 273 —

جزءٌ من التظلُّم المقدَّم إلى وزير الداخلية

.......

لقد تعرَّضتُ لظلمٍ لم يَسبق له مثيل، ولقيتُ صنوفًا من الاضطهاد والقسوة تخالف القانون من عشرة وجوه، وأبيِّن ذلك فأقول:
إن "سعيدًا" المسكين هذا شخصٌ قد اشتدت عليه وطأة المرض لتَسَمُّمه في محاولةِ اغتيالٍ آثمة؛ وهو مع هذا ضعيفٌ لا حول له ولا قوة؛ طاعنٌ في السن قد بلغ الحادية والسبعين؛ وحيدٌ في غربةٍ تدعو للرثاء؛ فقيرٌ يبيع بعض ثيابه ليؤمِّن معيشته؛
— 274 —
مُنطوٍ عن الناس مستوحشٌ منهم لعزلته عنهم خمسًا وعشرين سنة، فلا يكاد يجد في ألْفٍ منهم شخصًا واحدًا كاملَ الصِّدق؛ وهو فوق ذلك رجلٌ بريء، بَرَّأتْه لجنةُ خبراءِ أنقرة ومِن قبلِها ثلاثُ محاكم بعدَ أن استعرضوا عشرين سنةً من حياته، ونظروا في مؤلفاته بعينِ التدقيق والتمحيص، فقضَوا ببراءته، واتفقوا على أن مؤلفاته نافعةٌ ليس فيها ما يَضُرُّ الوطنَ أو الشعب؛ وهو رجلٌ من أبناء هذا الوطن غيورٌ عليه، وقد سبق أن أسدى إليه خدمةً جليلةً في الحرب العالمية الأولى، وهو اليوم يعمل بكل قوته وعبر مؤلفاته ذاتِ التأثير الظاهر للعِيان ليحميَ الوطنَ وأبناءَه من الفوضوية وإفساد الأجنبي؛ وهو رجلٌ مسالمٌ لم يتأتَّ منه ما يَضُرُّكم، ولم يتدخل بشيءٍ من أمور دنياكم، بل لم يقرأ صحيفةً ولا اهتم بالأخبار والحوادث منذ خمسٍ وعشرين سنةً كما ثبت ذلك لدى المحكمة بشهادة سبعين شاهدًا، وما التفتَ إلى الحرب العالمية الثانية طَوالَ سِنِيها السبعِ ولا استَخبر عنها ولا علِم من أخبارها شيئًا، وقد أثبت في مؤلفاته بالدلائل القوية أنه قَطَع علاقته بالسياسة كُلِّیيًّا، كما اعترفتْ بذلك جهاتُكم القضائية رسميًّا؛ وهو امرؤٌ يفِرُّ أشدَّ الفِرار من إقبال الناس وتوجُّههم إليه، ويتحفَّظ من مديح إخوانه له وحُسنِ ظنهم به، ولا يُعجَب بشيءٍ من ذلك، لئلا يَضُرَّ بآخرته وإخلاصِه.. فأيَّةُ مصلحةٍ تقتضي منك أنتَ وزيرَ الداخلية أن تُسلِّط عليه واليَ "أفيون" وشرطةَ "أميرداغ" ليقاسيَ في كلِّ يومٍ ما كان يقاسيه في شهرٍ في السجن الانفرادي، وليُجبَر على البقاء وحيدًا في حبسٍ انفرادي وزنزانةٍ انفرادية؟! أيُّ قانونٍ يسمح بهذه القسوة الرهيبة؟!
هذا ما أُبيِّنه لوزير الداخلية عبر دوائر القضاء العليا التي تحافظ على الحقوق العامة.
المحروم ظلمًا من حق الحياة
ومن جميع حقوقه المدنية والإنسانية
سعيد النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 275 —
قَدِمَ لزيارة أستاذِنا مؤخَّرًا ثلاثُ شخصياتٍ مهمة، اثنان منهم ضابطان برتبة عقيدٍ في الشرطة العسكرية، والثالث نائبٌ في البرلمان من قيادات الحزب، وكانت زيارةً طيبةً عقدوا فيها معه أواصرَ المودَّة والتقدير الخالص، حتى لقد انضوى أحدُهم من فوره في سلك طلاب رسائل النور.
وكان ذلك النائب أحدَ أصدقاء "سعيدٍ القديم"، وقد عَلِمنا بعد مغادرته أن "حلمي بك" وزيرَ الداخلية السابق والأمينَ العامَّ الحاليَّ للحزب سيزور الأستاذ زيارةً خاصةً، ويلتقيه لقاءً وديًّا بوساطة النائب المذكور، ولهذا كتب الأستاذ هذه الرسالة ليُسلِّمَها إليه ويبحثَ الأمر معه، وقد أرسلنا إليكم صورةً عنها بإذنٍ من الأستاذ للاطلاع.
كما كَتَب الأستاذ دعاءَه في نهاية الرسالة الصغيرة التي بعث بها "حسني" ولدُ "رأفت"، وقد أرفقناها بالرسائل، وأرفقنا كذلك المقطعَ المرسَلَ إليكم سابقًا بعنوان: "تَظَلُّمٌ إلى وزير الداخلية".
ونحمد الله بلا حدٍّ أنْ عُيِّن لهذه البلدة مديرٌ جديدٌ، متدينٌ صادقُ الودِّ يوالي طلاب النور.
٭٭٭