— 269 —
إلى حلمي بك.. وزير الداخلية السابق، والأمين العام للحزب اليوم..
أولًا: خلال عشرين سنةً مضتْ، لم أكتب سوى عريضةِ شكوى واحدة، خاطبتُك فيها يومَ كنتَ وزيرًا للداخلية، غير أني لم أقدمها إليك، لئلا أنقُضَ قاعدتي التي التزمتُ بها طَوالَ هذه المدة.. سأقرؤها لك إن شئت؛ وسأخاطبك بوصفك وزيرَ الداخلية السابق، والأمينَ العامَّ للحزب اليوم.
وإنَّ مَن ظلَّ صامتًا تجاه الحكومة عشرين سنة، ثم أراد أن يتحدث لمرةٍ واحدةٍ إلى أحد كبار رجالها وممثليها، إنْ تَحدَّثَ عشرَ ساعاتٍ عُدَّ ذلك قليلًا، فاسمح لي بالحديث ساعةً أو ساعتين.
ثانيًا: أجِدُ لِزامًا عليَّ أنْ أُبيِّن لك حقيقةً باعتبارك الأمينَ العامَّ الحالي لحزب الشعب، وهي أن هذا الحزب الذي تتولى أنتَ أمانتَه العامةَ مُطالَبٌ بوظيفةٍ في غاية الأهمية تجاه الشعب، وتتمثل في أن أمة التُّرك ومن انضم إليها من إخوة الدين على مدى ألفِ عام، قد أسدتْ ببطولاتها مآثرَ جليلةً إلى العالَم الإسلامي، وكانت وسيلةً عظمى للحفاظِ على الوحدة الإسلامية، وإنقاذِ البشرية بصورةٍ مشرِّفةٍ من الضلالة والكفر المطلق.
فإنْ لم تأخذوا اليومَ بالقرآن وحقائقِ الإيمان كما أخذ بها الأسلافُ بكلِّ بطولة، وإنْ لم يَقُم أمثالُكم من أهل الغَيرة بنشرِ الحقائق القرآنية والإيمانية والدعوةِ إليها بشكلٍ مباشِر، بدلًا عمَّا جرى في الماضي من دعايةٍ خاطئةٍ للمدنية الغربية التي تَضُرُّ بالدين، فإني أخبركم إخبارًا قطعيًّا أُثبِتُه بالحُجج القطعية أنَّ تخاذلَكم عن هذا الواجب سيُفضي إلى وقوعِ العداوة بين العالَم الإسلامي وبين الشعبِ التركي قائدِه وأخيه البطل، وسيتسبَّب بنشرِ البغضاء والكره بينهما بدلًا من تعزيز الأُخُوة والمحبة، وسيؤدي إلى هزيمةِ هذا الشعب أمام فوضويةِ الكفرِ المطلَقِ الذي يسعى جاهدًا للقضاء على العالَم الإسلامي، وسيَؤُول الأمرُ إلى تَمَزُّقِ هذه الأمة التركيةِ حِصنِ الإسلام وجيشِه المِقدام، لتقع فريسةً للتِّنِّين الرهيب المُطِلِّ برأسه من الشَّمال الشرقي.
— 270 —
نعم، لا طاقة لهذه الأمة البطلة بالصمود في وجه التيارَين الخارجيَّين الجارفَين إلا بقوةِ القرآن؛ فإنَّ تيار الشيوعية الذي انطلق بقوةٍ كاسحةٍ معتمدًا على الكفرِ المطلق، والاستبدادِ المطلق، والرذيلةِ المطلقة، وإباحةِ ثرواتِ الشرفاء للأراذل والغوغاء، لن يقدر على إيقافه شيءٌ سوى الأمةِ التي امتزجتْ واتَّحدتْ بحقيقةِ الإسلام، ووجدتْ في الإسلام تاريخَها المشرِّف، فهي التي تستطيع مقاومةَ هذا التيار؛ ولسوف يوقفُه بإذن الله أبناؤها الغَيارى المخلصون، بتمسُّكهم بالحقائقِ القرآنيةِ شريانِ حياةِ أمتهم المتآلفة المتَّحدة، وباتخاذهم هذه الحقائق منهجًا للسلوك والحركة بدلًا من تربية المدنية الغربية.
أما التيار الثاني فإنه قد نجح بدرجةٍ ما حتى اليوم في مخطَّطه الهادف للاستحواذ على مستعمراته في العالَم الإسلاميِّ وربطِها به ربطًا تامًّا، من خلال ضربِ المركزية الإسلامية الراسخةِ في هذا الوطن، وإفسادِها بوصم هذا الوطن باللادينية والإلحاد، وقطعِ صلته المعنوية بالعالَم الإسلامي، وتحويلِ الأُخُوَّة بينهما إلى عداوة.
فإنْ تَعَقَّل هذا التيار وثاب إلى رُشده، فغيَّرَ مخطَّطَه الرهيبَ واسترضى الدينَ الإسلاميَّ في هذا المركز كما يسترضيه فيما سواه من بقاع العالَم الإسلامي، فسيُحقِّق لنفسه منافعَ كثيرة، وسيحافظ بدرجةٍ ما على مكتسباته، وسينجو هذا الوطن والشعب من بلاءٍ عظيم.
وإنه إذا ظلَّ فريقٌ من أبناء الوطن ومحبِّيه الغَيَارى یی ممن تتبوَّأ لهم منصبَ الأمين العام یی يَرْعَون المبادئ الحالية التي تنتهك مقدساتنا لصالح المدنية الغربية، وأُبقِيَتِ الإجراءاتُ التي نفَّذها بضعةُ نفرٍ باسم الثورة، واتُّخِذَتْ أساسًا يُعتَمَد عليه، وعُزِيَتِ الحسناتُ الحالية وحسناتُ الثورة إلى هؤلاء النَّفَر، وعُزِيَتِ القبائحُ الحالية إلى الشعب، فعندئذٍ تُرَدُّ سيئاتُ هؤلاء النَّفَر القِلَّة إلى المجموع فتصبح ملايين السيئات، ويغدو الأمر خروجًا على هذا الشعب التركي البطلِ المتدينِ جنديِّ الإسلام، وتَنَكُّرًا لما قدَّمه عبر العصور من مليارات الجنود الشرفاء، وملايين الأبطال الشهداء، وإهانةً وعذابًا معنويًّا لأرواحهم الطاهرة.
— 271 —
إن الحسنات الحالية قد تحققت بسواعدِ الشعب وقوةِ الجيش، فإنْ عُزِيَتِ إلى هؤلاء النفر الثوريين الذين ليس لهم منها نصيبٌ يُذكَر، تضاءلتْ ملايين الحسنات فأصبحت بضعَ حسناتٍ منحصرةٍ في هؤلاء النَّفَر، فصارت في حكم العدم، ولم تَقْوَ على تكفير تلك القبائح الهائلة.
ثالثًا: لا شكَّ أن لكم معارضين داخليين وخارجيين على أصعدةٍ شتى، وليس لي اهتمامٌ بالدنيا والسياسة فأعرفَ أحوالها، إلا أن القوم ضيَّقوا علي كثيرًا هذا العام، فاضطررتُ للبحث عن سبب ذلك، فوجدتُ أنه قد ظهر لكم معارضون، وأن القوم يتوجَّسون من ذلك خيفةً، وإني أقول لكم: لو وَجَد المعارضون قيادةً تقودهم بكفاءة، وعارضوكم باسم الحقائق الإيمانية، لهزموكم من فورهم، لأن تسعين بالمئة من أبناء هذا الشعب مرتبطون قلبًا وروحًا بالأعراف والقيم الإسلامية القائمة منذ ألف سنة، وهُم وإنْ خضعوا لما يخالف فطرتهم وانقادوا له ظاهرًا من جهةِ طاعة الأمر، إلا أنهم لا يرتبطون به قلبًا.
ثم إن المسلم ليس كغيره من أبناء الأمم الأخرى، فهو إنْ تَرَكَ دينَه أصبح فوضويًّا لا يتقيَّد بقيد، فلا يُدار حينئذٍ بتربيةٍ ولا بتدبيرٍ سوى الاستبداد المطلق والرشوة المطلقة.. وهذه حقيقةٌ تؤيدها حججٌ كثيرةٌ وأمثلةٌ كثيرة، لكنني أختصر وأحيل الأمر على فطنتكم.
ينبغي ألَّا تتخلفوا عن السويد والنرويج وفنلندا التي شعرت بحاجتها الشديدة للقرآن، بل إن وظيفتكم هي أن تكونوا مرشدين لها ولأمثالها؛ ولو أنكم عَمَدتم إلى المساوئ الحالية الناجمة عن الثورة فردَدْتُموها إلى بعضِ الأشخاص، وعملتم على إصلاح الإفساد والتخريب الناجم عن ظروف الحرب العالمية وإجراءات الثورة، خصوصًا ما يتعلق بالأعراف والقيم الدينية، لنِلتُم شرفًا عظيمًا في المستقبل، ولكفَّرتم عن سيئاتكم في الآخرة، ولكنتم خليقين بوصف الوطنيين الغَيارى بما تقدمون من خدمةٍ نافعةٍ للوطن والشعب.
— 272 —
رابعًا: ما دام الموت لا يُقتَل، وبابُ القبر لا يُغلَق، وما دمتم ماضين إلى القبر كسائر الناس، وما دام هذا الموتُ الحتميُّ إعدامًا أبديًّا لأهل الضلالة، فلا يمكن إذًا أن يُبدِّله مئةُ ألفِ نشاطٍ وطنيٍّ أو سياسيٍّ أو دنيويٍّ.
ثم ما دامت رسائلُ النور قد وَصَلتْ إلى أيديكم، وهي التي أثبتت إثباتًا جَليًّا كالشمس أن القرآن يُحوِّل هذا الإعدامَ الأبديَّ إلى بطاقةِ تسريحٍ لأهل الإيمان؛ وهي التي لم يستطع أن يواجهها فيلسوفٌ أو ملحدٌ منذ عشرين سنة، لا، بل دَفَعتِ الفلاسفة الذين قرأوها بتمعنٍ إلى الإيمان؛ وهي التي نَظرتْ فيها أربعُ مَحاكم كبرى لديكم على مدار اثنتي عشرة سنةً خلتْ، ودَققتْ فيها لجانُ خبرائكم المؤلَّفةُ من الفلاسفة والعلماء، فنالت استحسانَهم وتصديقَهم وتقديرَهم، ولم يستطيعوا الاعتراضَ على ما فيها من حُجج الإيمان؛ وهي التي لم يتأتَّ منها أيُّ ضررٍ بالوطن وأبنائه، بل هي سدٌّ قرآنيٌّ كسدِّ ذي القرنين يَصُدُّ هجمات التيارات الرهيبة، وهذا أمرٌ يمكنني أن أُشهِد عليه مئةَ ألفِ شاهدٍ من أبناء الشعب التركي لا سيما الشباب المثقف.. فما دامت رسائل النور بهذا الوصف الذي وَصفْتُ، فلا بد أن إحدى أهم الوظائف التي تقع على عاتقكم هي أن تأخذوا بكلِّ جِدِّيةٍ القضايا التي بيَّنتُها لكم آنفًا.
إنكم تستمعون في كل حينٍ إلى سياسيِّين كُثْرٍ يحدِّثونكم عن الدنيا، فيَلزمكم أن تستمعوا قليلًا إلى رجلٍ مثلي لا حول له ولا قوة، يقف بباب القبر، يحدثكم لأجل الآخرة، ويَبكي لحال أبناء البلد.
حاشية صغيرة:
"حلمي بك".. وجدتُك ظالمًا لي حين كنتُ في السجن وهنا، لكنْ من حُسن حظِّك أني كلما اشتدَّ غضبي وهَمَمتُ أن أدعو عليك، تذكرتُ أخًا لي من خواصِّ طلاب النور أَذْكُره باسمه في دعاء الخير في كل وقت، هو الآخَر "حلمي بك"، فكلما نويتُ أن أدعو عليك، تشفَّعَ اسمُه بمظهريَّته لدعاءِ الخير فمنعني من الدعاء عليك، حتى لم أعد أرغب في ذلك، وصرتُ أتحمل الأذى الذي ألقاه من موظَّفيك؛ وكثيرًا ما عجِبتُ
— 273 —
لهذا الأمر، إذْ لم أكن أسخط عليك برغم كلِّ هذا الأذى الذي لا سبب له؛ وهو ما يعني أننا سنكون في نهاية المطاف أصحابًا، فهذا ما خطر إلى القلب بحسٍّ قبل الوقوع.
رغم امتناعي عن مراجعة الجهات الرسمية منذ عشرين سنة، فقد كَتبتُ هذه العريضةَ اليتيمةَ في حالةٍ من الغضب مخاطِبًا بها وزير الداخلية "حلمي" الذي لا يَكُفُّ عن إيذائي، وأُرسِلَتْ إلى قائد شرطة "أفيون" للاطلاع، فأخذوا يضيَّقون عليَّ المرةَ تلو الأخرى دون سببٍ ولا جدوى، واستدعَوني رسميًّا إلى المخفر قائلين: ليس هذا خطَّك، فمَن كتبها لك؟ فقلتُ: إن أمثال هؤلاء لا يراجَعون.. لقد كنت مُحِقًّا في صمتي عشرين سنة.
٭٭٭
فيا مسؤولي "أميرداغ" وشرطتَها.. لقد كتبتُ هذه العريضة قبل سنة، لكنْ لم أقدِّمها، بل احتفظتُ بها، وها هم اليوم يحكمونني باستبدادٍ مطلقٍ ليس له مثيلٌ في العالَم، فيتدخلون حتى في مقر إقامتي الخاص، ويمنعونني خادمًا يقوم على شؤوني، في مخالفةٍ صريحةٍ للقانون من خمسة وجوه؛ وإنني أتقدم بهذه العريضة عسى أن يتحلى بالإنصاف أولئك الذين يخالفون القانون باسم القانون.