— 263 —
أثناءَ قيامي بأعمال التصحيح في هذه الأيام، اعترَتْني حالةٌ من الغضب الشديد تجاه المشايخ كافةً سوى العاملين منهم في دائرة رسائل النور، وسوى مشايخ "قونية" وعلمائها، فمع أن النُّسَخ التي أُصحِّحها قد نَسَخها تلاميذُ نورٍ مُضَحُّون متفانون، إلا أنهم لعدم معرفتهم بالعربية وقعتْ منهم أخطاءٌ وهفوات، وزاد في أعبائي ما أعانيه من شدةٍ ومحنة، فصرختُ مخاطبًا شقيقي، والعلماءَ من طلابي القدامى، والعلماءَ الرسميين في أنقرة وإسطنبول:
أيها الجُفاة.. لماذا لا تعاونونني في هذه الخدمة الإيمانية مع أنها وظيفتكم، ونِتاجُ مدارسكم، مدارسِ العلوم الدينية، ومع أنها لازمةٌ لكم كفرض العين؟! بل إنكم بإهمالكم لها تورِثون كثيرين إحجامًا عنها، وتنالون نصيبًا من صفعات الإمام عليٍّ لبعضِ علماء آخر الزمان!!
وبينما كان هذا الاعتراض الشديد يَرِدُ على القلب، إذْ أُخطِرتْ ثلاثةُ معانٍ تُدافع عن العلماء الذين لم يُفسِدوا قلوبَهم:
— 264 —
أولُها: أن ثمة هيئتَين علميَّیتَين في مدينتَين مركزيتَين، تَسلُكان طُرُقًا رسميةً شتى لصرفِ فريقٍ من أهل العلم عن رسائل النور، وأسبابُ ذلك كثيرةٌ ليس من المناسب بيانُها في هذا المقام، فتجتذب هاتان الهيئتان إلى دائرتهما أهلَ العلم الذين لا حول لهم ولا قوة، من خلال الوظيفة الرسمية واستغلال هَمِّ المعيشة، وبذلك تُبعِدانهم عن الأنوار.
فليست المسألةُ أن أهل العلم المساكين هؤلاء لا يعرفون قيمةَ الأنوار، وإنما المسألة أن الواحد منهم مرهونٌ بِهَمِّ المعيشة، أو هو باعتماده على كبار العلماء في تلك الهيئة، يَظن أن العلم الذي حصَّله يكفي لإنقاذ إيمانه، فهو بذلك يجد فتوى للعمل بالرخصة، ويسوِّغ لنفسه التراخي والإهمال.
المعنى الثاني: أنه قد جرى تخويفُ الجميعِ منا ومن الأنوار بما فعله بعضُ رجال الحكومة وأعدائي العاملون في الخفاء منذ القديم، فقد زَجُّوا بنا في السجن مرتين ظلمًا وعدوانًا بغطاءٍ رسميٍّ وتسويغٍ قانونيٍّ وإداريٍّ وسياسي، ووَجهوا إلينا التُّهَم، وشَنُّوا علينا حملاتِ تشويهٍ رسميةً وغيرَ رسمية، وعانى طلابُ النور لأجلها ما عانَوا من هجومٍ وتضييقٍ يَهدُف للقضاء عليهم بناءً على هواجسَ وأوهامٍ كما لو أنهم سيرتكبون أعمالًا من قبيل أحداث "مَنَمَن" و"الشيخ سعيد"، ولا شك أن هذا قد أورثَ المشايخَ الضِّعافَ المتوجِّسين مخاوفَ جديةً يُعذَرون بها، ولهذا يُحجِم أكثرُ أهل العلم عن دخول دائرة الأنوار، فلا يدخلُها منهم إلا مَن يتحلى بجرأةٍ فائقةٍ وهمةٍ عالية، ودخولُ هؤلاء يعفو بدرجةٍ ما عن غير الداخلين.
المعنى الثالث: أُرجئَ الآن؛ فبعض المشايخ يظنون تشبيهاتِ بعضِ النصوصِ حقائقَ، مع أنها ليست سوى سِتارٍ للحقائق، كالتشبيهات التي تصف رجلًا بأن ارتفاعَه بقدرِ مئذنة، وأن على جبينه كتابةً تُقرأ، وأن يده يتفجر منها الماء؛ ولهذا لا يوافق نظرَهم السطحيَّ بعضُ إخباراتِ النورِ الغيبيةِ، فلا يقتربون منها.
وحمدًا لله بلا حدٍّ أن أشدَّ ما يحتاج إليه عوامُّ المؤمنين أو يجدونه نقطةَ استنادٍ في هذا الزمان، قد غدا حقيقةً ماثلةً في رسائل النور، وهي حقيقةٌ باهرةٌ لا تُتَّخذُ أداةً
— 265 —
لشيء، ولا يخالطها غَرَضٌ ولا مقصَد، ولا تُبقي مجالًا لشبهةٍ ولا وسوسة، ولا يستطيع خصمٌ النَّيلَ منها بأيِّ ذريعة، ولا تَشوبُها مقاصدُ دنيوية، ولا يعمل العاملون لها إلا لأجل الحق والحقيقة، ولهذا يثق بها وبناشريها القاصي والداني من أهل الإيمان، فيُنقذون إيمانَهم من اعتراضات الزنادقة والملحدين، ومن إنكارات عُتاةِ الفلاسفة المعادين للدين.
نعم، سيقول أهل الإيمان هؤلاء بلسان الحال: "ما دام قد عجز عن النَّيل من هذه الحقيقة خصومُها الأشداء، ولم يستطع الاعتراضَ عليها أعداؤها الألِدَّاء، ولم يكن لطلابها مقصَدٌ في خدمتها سوى الحق، فلا ريب أن هذه الحقيقة هي عين الحقِّ ومحضُ الحقيقة"؛ وسيكون هذا دليلًا يَعدِلُ ألفَ برهانٍ يقوي إيمانَهم وينقذه، ويَحفظُهم من الوقوع في الشكوك والأوهام في حقائق الإسلام.
"عبدُ الرحمن صلاح الدين" صاحبُ الهمة العالية التي تتقاصر عنها يداه، حاول مرتَين إرسالَ "عصا موسى" وقسمٍ من "ذي الفَقار" إلى الجامع الأزهر، إلا أنه خلافًا للمأمول ولأسبابٍ مختلفةٍ لم تَصل هاتان النُّسختان إلى ذلك المكان الضروريِّ الهامّ، وقد أُخطِر إلى قلبي بناءً على قاعدة: "الخيرُ فيما اختاره الله"، أني لَعلِّي لم أطَّلع على هاتين النُّسختَين ولم أتمكن من تصحيحهما، ولا يناسب هيئةَ العلماء هذه التي تُدقِّق كلَّ شيءٍ بالتفصيل أن نرسِل إليها "ذا الفَقار" و"عصا موسى" إلا تامَّتَين مصحَّحتَين؛ إذْ ربما كان فيهما خطأٌ أو سهوٌ يثير اعتراض العلماء، فلْيُرسِلْهما إليَّ "صلاحُ الدين" لأنظر فيهما، حتى إذا استوفَتَا التدقيقَ أرسلناهما تامَّتَين، وأرفقنا بهما مجموعة "الأسرار القرآنية" وبيانًا تعريفيًّا مهمًّا إن شاء الله.
.......
يُفهَم من رسالة الصيدلي "حاجي عبد اللطيف" الذي يبدو أنه من أتباع طريقةِ أستاذي مولانا جلال الدين الرومي قُدِّس سرُّه، أنه سيَخدُم الأنوار بدرايةٍ وتقديرٍ تام، والحقيقةُ أني كنتُ أنتظر ظهورَ أبطالٍ للنور من المولوية، وهو إن شاء
— 266 —
الله أحدُهم؛ بلغوه سلامي، ولْيَعذُرني في عدم كتابةِ رسالةٍ خاصةٍ إليه، فوضعي لا يسمح بذلك.
أبعث بسلامي إلى "صبري" وأولادِه وطلابِ النور وإلى العلماء هناك، وفي مقدمتهم فضيلة الشيخ "وهبي"، ونطلب منهم الدعاء.
٭٭٭