— 258 —
أخي العزيزَ المحترم..
إن البحثَ بل التفكيرَ في ذلك الجرح الغائر الأليم الذي أصاب العالَم الإسلاميَّ قبل ألفٍ وثلاثِمئة عام، وما زال إلى اليوم يُبكيه ويُنطِق أهلَ الحقيقة بالزفرات والحسرات، لَأمرٌ يورثني في مشربي الخاصِّ ألمًا لا أستطيع تحمُّلَه.
وفضلًا عن هذا، فإن الخدمة الإيمانيةَ الحقيقيةَ المؤدَّاةَ بإخلاصٍ منذ خمسٍ وعشرين سنةً أبعدتْني عن كلِّ أنواع السياسة، ولم تسمح لي بقراءةِ جريدةٍ واحدةٍ طَوالَ هذه المدة، واضطرتني إلى الدخول في حالةٍ روحيةٍ منعتْني من مراجعة الحكومة لئلا ألتفت إلى الحياة السياسية، فلم أراجعها طَوال هذه العشرين سنةً من حياة الأسر الأليم باستثناء مدافعات السجن؛ بل منعتْني من الالتفات إلى هذه الحرب العالمية التي مضى عليها عشرُ سنين، وما ذاك إلا صونًا للخدمة الإيمانية من الخلل والنقصان، وحفظًا للإخلاص من الانثلام، وترفُّعًا عن التلوث بأدران السياسة.
وإنني في ظل هذه الحالة الروحية التي أعيشها، وفي هذا الزمان الذي نشاهد فيه كيف تَصول ثعابين الكفر والضلال صَولتها على جبهة الحقائق الإيمانية، وتَنهش الكثيرَ من أهل الإيمان، ما يُحتِّم السعيَ لإنقاذهم كما أوجب القرآن، فإنَّ من أشَدِّ ما يَسحق روحي ويُحطِّم قوتي المعنوية، فيَزيدُ روحي عذابًا فوق العذاب، هو أن نَترك هذا الزمان الحاضر، ونذهب إلى الزمان الماضي للتفرُّج على المظالم المروِّعة التي نزلتْ بآل البيت!!
نعم، لقد وقعتْ مآسٍ كثيرةٌ بدعوًى تقول: "يُضحى بالفرد لأجل الجماعة"، وما هذا القول إلا مبدأٌ وحشيٌّ من مبادئ السياسة الظالمة، ارتَكب أربابُه بموجَبه مَظالمَ ومآسيَ كثيرةً صَوَّروها على أنها مَصلحةٌ للحكم، وسَوَّغوها بأنها نوعٌ من "العدالة النسبية" الواقعةِ تحت بند "اختيار أهون الشَّرَّين"، حتى إنك تراهم في هذا العصر يُبيدون بموجَب هذا المبدأ الوحشي قريةً بأكملها بجريرةِ شخصٍ واحد، ويُشرِّدون الآلافَ توجُّسًا من بضعةِ أفراد!!
— 259 —
ولما كان هذا المبدأُ الجائرُ قد دَخَل بدرجةٍ ما بين المسلمين في العصور السابقة، لم يَملكِ السلفُ الصالحُ إزاءَه سوى الصمتِ مُكرَهين، وأغلق أئمةُ أهل السنة والجماعة البابَ أمام هذه القضايا قائلين: طَهَّر الله أيديَنا، فنُطهِّر ألسنتَنا.
وما دام الذين ظلموا أهلَ البيت يَلْقَون الآن العقابَ الأليمَ في الآخرة، بحيث لا تبقى حاجةٌ لمعاونة أهل البيت بالهجوم على مَن ظلمهم، وما دام أهلُ البيت المظلومون قد كوفئوا على ما قاسَوا من شدةٍ وعذابٍ مؤقتَّين مكافأةً لا تحيط بها عقولنا، فليس المطلوب اليوم أن نَتفجَّع لهم ونتألم، بل الواجب أن نهنئهم آلافَ التهاني إذْ أصبحوا مَظهر رحمةٍ لا حدَّ لها؛ فإنهم في مقابل ما قاسَوا في بضعِ سنين من الشدائد والمِحَن، فازوا في الآخرة بملايين المراتب والسعادات الباقية، وبدلًا من أن يَتَسلَّموا في هذه الدنيا التافهةِ مُلكًا فانيًا وحُكمًا مؤقَّتًا، ويمارسوا أثناء وجودهم فيها سياسةً مضطربةً مشوَّشة، تَسَنَّموا في عالَم الحقيقة مقاماتِ السلاطين والملوك المعنويين، وأصبحوا قادةً للأولياء والأقطاب بدلًا من أن يكونوا مجرَّد ولاةٍ عاديين، فأعْظِمْ بهذا من ربحٍ تُقدَّر نسبتُه بالملايين لا بالألوف!!
فلأجل هذا السر تَتَلمذ "سعيدٌ الجديد" على أيدي أساتذته الخصوصيين: الإمامِ الرباني، والغوثِ الأعظم الگيلاني، والإمامِ الغزالي، والإمامِ زينِ العابدين رضي الله عنه یی وقد تلقَّيتُ من هذين الإمامَين خصوصًا مناجاةَ الجَوشن الكبير یی وسيِّدِنا الحسين، والإمامِ عليٍّ كرم الله وجهه، وارتبَطَ بهم بواسطة الجَوشن الكبير خصوصًا ارتباطًا معنويًّا دائمًا منذ ثلاثين سنة، وبهذه التَّلمذة والارتباط تلقَّيتُ الحقيقةَ المذكورة، والمشربَ الحاليَّ الواردَ إلينا من رسائل النور، فلأجل هذا لا يوافق مشربَنا البحثُ والنظرُ بل مجردُ التفكير في تلك المآسي، إذْ قد نال الظالمون من المُجازاة والمظلومون من ى المكافاة ما لا تبلغُه عقولُنا؛ وفضلًا عن هذا فإن الانشغال بهذه المسائل يَضُرُّ الوظيفةَ القرآنيةَ التي كُلِّفنا بها في مواجهة المصيبة الدينية الحاضرة.
إن قواعد أصول الدين التي قرَّرها علماءُ علم الكلام، والمتبحِّرون في أصول الدين، والجهابذةُ المُحقِّقون من أهل السنة والجماعة، وقَبِلوها بعد أن أجرَوا في
— 260 —
العقائد الإسلامية كثيرًا من التدقيقات والتحقيقات، وأقاموا الكثير من المحاكمات، وعَقَدوا الكثير من الموازنات بين الأحاديث والآيات، هي قواعدُ تؤيِّد مشربَ رسائل النور، وتأمر بالحفاظ عليه وتقويه.
ولهذا لا يستطيع أحدٌ یی في أيِّ موقعٍ كان، ولو كان من أهل البدع یی أن يعترض على مَشربنا أو يتعرَّض له؛ بل لما كانت حقيقةُ الإخلاص محفوظةً في هذا المَشرَب تمامَ الحفظ، بات كلُّ نوعٍ من أنواع أهل الإسلام يَدخلون فيه، فترى المتعصِّبَ في تشيُّعه، والمُفرِطَ في وهابيته، والفلاسفةَ المتعمقين في العلوم الحديثة الموغِلين في المادية، والمشايخَ المتعصبين المُشبَعين بالأنانية، قد شرعوا يدخلون في دائرة رسائل النور، وتنعقد بين بعضهم أواصرُ الأُخُوة في هذه الدائرة.
بل ثمة أماراتٌ تشير إلى أن بعض المبشِّرين والروحانيين الحقيقييِّن في دين عيسى عليه السلام سيدخلون في هذه الدائرة، إذْ يَشعرون بضرورة نبذِ النزاع فيما بينهم، واستبدالِه بالتساند والمصالحة، وعدمِ إثارة القضايا الإشكالية والخِلافية.
إذًا، فرسائل النور التي أخبر عنها الإمام عليٌّ رضي الله عنه بنحو أربعين إشارةً تبلغ درجةَ الصراحة، هي علاجٌ متكاملٌ ودواءٌ تامٌّ لجِراح هذا الزمان.. وقد كَفَتْنا هذه الدائرة فلَسْنا نخرج عنها.
أما قضيةُ النَّيلِ من شخص الإمام عليٍّ كرم الله وجهه، والطعنِ في حياتِه وسياستِه الجاريةِ على العدالةِ المحضة، فذلك أمرٌ آخَر لا ينسحب البتةَ على شخصيته المعنوية وكمالاتِه العلمية ومقاماتِ ولايته ووراثته، إذْ هي أسمى من شخصيته الظاهرية وحياته الدنيوية وسياسته الاجتماعية بآلاف الدرجات، فلا مَطعن فيها؛ بل لا سبيل إلى الطعن فيها؛ بل مَن له أن يطعن فيها أصلًا؟!
ومن هنا تتبين فداحةُ الأمر الذي يَرتكبه مَن يعارضونه متوهمين اتحاد الجهتَين، إذْ يورث ذلك حَيرةً تقول: كيف يمكن أن تقع مثل هذه الحوادث بين أهل الإيمان؟!
— 261 —
والحال أنه باستثناء بعض الخبثاء الأسافل أمثال يزيد والوليد، فإن معظم الذين سَعَوا للنَّيل من الإمام عليٍّ رضي الله عنه، لم يتعرَّضوا لكمالاته الخارقة، وكراماته ووراثته الباسقة، وإنما تعرَّضوا لإدارته المتعلقة بالحياة الإنسانية والاجتماعية، وكانوا مخطئين في ذلك على أية حال.
إنَّ أَوجب ما يجب فعلُه عند هجوم عدوٍّ خارجيٍّ كبيرٍ هو نبذُ العداوات الداخلية الصغيرة، وإلا كانت هذه العداواتُ عونًا للعدو الكبير المهاجِم، ولهذا يجب على أهل الإسلام ممن يعارض بعضُهم بعضًا بتحزُّباتٍ قديمةٍ في الدائرة الإسلامية، أن يتناسَوا ما بينهم من عداواتٍ داخليةٍ مؤقَّتًا، فهذا ما تقتضيه المصلحةُ الإسلامية.
٭٭٭
أخي العزيزَ الوفيَّ الموفَّقَ "سليمان رُشدي"..
باسم رسائل النور، وبالنيابة عن جميع طلاب النور، نهنئك من صميم القلب، ونهنئ أخاك البطل "برهان" وولَدَيك المباركَين وأهلَ بيتك.. فقد وُفِّقتم في خدمةٍ أخرويةٍ قدسيةٍ جليلةٍ لا ينقطع ثوابها، ولسوف تتلقاها "إسبارطة" وهذا الوطن بالحفاوة والتقدير في المستقبل، وستعود عليكم بالدعوات الصالحة الكثيرة.. أسأل الله أن يوفقكم للكثير من أمثال خدمة "ذي الفَقار"، فما هذا النجاح الباهر في هذه الظروف الصعبة إلا كرامةٌ لی"ذي الفَقار" وكرامةٌ لصدقكم ووفائكم.
أما ما رأيتَه في رؤياك المباركة من إعطائك القرآنَ للنبيِّ (ص) بأمرٍ إلٰهي، فهو جَلوةٌ لوظيفة جبريل عليه السلام، وهو إشارةٌ إلى أن خدمتكم هذه موافِقةٌ لرضا الله تعالى ورضا رسوله (ص)؛ وتُعَبَّر رؤياك بمعنى تبليغِ المعجزات القرآنية للأمة المحمدية بواسطة "المعجزات الأحمدية"؛ فكما أن الشمس حين ينعكس مثالُها في قطعةِ زجاجٍ صغيرة، تَعقِد بضيائها صلةً مع حامل الزجاجة، وتتواصل معه بنوعِ تواصُل، فكذلك الأمر في هذا النوع من الرؤى التي وقع أمثالُها للسلف الصالح بِتَجَلٍّ خصوصي، وهي
— 262 —
علامةٌ على الرضا والقبول؛ وأما الرجل الذي رأيتَه إلى جانب النبي (ص) فهو الشخصُ المعنويُّ للنور وطلابِ رسائل النور.
٭٭٭