— 255 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
أولًا: لم تَمضِ ساعتان على البشرى التي زَفَّها إلينا العصفور، حتى وصلتْنا ثمراتُ جنة الفردوس، وصحائفُ أعمالِ الهيئة الفعالة في المدرسة الزهراء، وسِجلّاتُ حسناتها، أعني "مجموعةَ ذي الفَقار" وأخواتِها، وصلتْنا بالسلامة ليلةَ الجمعة، وتلقَّيناها بكلِّ سرور.. فنهنئكم من صميم القلب كما نهنئ هذا الوطن، وندعو لكم بعدد حروفها قائلين: بارك الله ، وفقكم الله، وأسعدكم الله في الدارين.
إنه ما أنْ لاحتْ طلائعُ "ذي الفَقار" حتى ظهرتْ تياراتٌ قويةٌ توالي الدين وتنصرُه، وتوقَّفتِ اعتداءاتُ التيارات التي تحاربه، بل رجَع بعضُها وأخذ يصحِّح أخطاءه السابقة، وفي هذا إشارةٌ إلى أن ظهور "ذي الفَقار" ونشرَه اليوم سيعود بالنفع العظيم لهذا البلد في دينه وإسلامه، وسيُبدِّد ما خَيَّمَ عليه من ظلماتٍ إن شاء الله.
أجل، فلن يستطيع أحدٌ إيقافَ تيارِ الكفرِ المطلقِ القادمِ من الشَّمال سوى رسائل النور، وليس بمقدور السياسة أو الديبلوماسية فعلُ ذلك، ولهذا يتوجب على الوطنيين والقوميين والسياسيين أن يتمسكوا بالأنوار.
ونَضْرَع إلى الله عز وجل أن يَمُنَّ برحمته على كل فردٍ من أفراد الشخص المعنويِّ الذين عمِلوا لظهور "ذي الفَقار"، فيجعلَ هذا الكتاب بصفحاته السبعِمئة صحيفةً من دفتر حسناتِ كلِّ واحدٍ منهم يوم القيامة.
وبما أن حقائقَ الإيمان التي في هذا الكتاب عبادةٌ ساميةٌ وحسنةٌ جليلة، وبما أن إنقاذَ إيمان الكثيرين بواسطتها يَعدِلُ آلافَ الحسنات، فإن كلَّ فردٍ ممن عملوا لظهور هذه الحقائق إنْ قرأها واستمع إليها واعتقدها كانت له سندًا أخرويًّا، شأنُه شأنُ دفتر الحسنات التي عَمِلها؛ وليس بمستغرَبٍ على رحمةٍ غيرِ محدودةٍ أن تَنشر في يوم القيامة "ذا الفَقار" بأكمله في صحيفةٍ واحدة، وأن تجعل صفحاته السَّبْعَمئة بأكملها صحيفةً في دفاترِ حسناتِ هؤلاء العاملين ودفترِ حسناتِ شخصهم المعنوي.
— 256 —
ثانيًا: صحيحٌ أن الأنوار أينما حَلَّتْ غَلبتْ، إلا أن الزنادقة المتمردين، والماديين المعاندين، لا يألُون جُهدًا في عرقلة فتوحاتها بتدبير الدسائس وبثِّ المخاوف منها بين أهل السياسة، ومع أنهم لن يَجنوا من هذا شيئًا بإذن الله، إلا أن الأخذ بالاحتياط مطلوبٌ في كل وقت، ومبدأُ "سِرًّا تَنَوَّرتْ" جارٍ مستمر، فلا بد من الأخذ بالاحتياط والحذر إلى أن تَصْدُر مجموعاتٌ أخرى كهذه.
وأَذكر بهذا الخصوص رسالةَ "سِرُّ إنا أَعطينا" ذاتَ الرموز، فمع أني لم أرها منذ ثلاث عشرة سنة، إلا أن إرسالها مؤخَّرًا إلى هنا كان مخالفًا لقاعدة الأخذ بالاحتياط بدرجةٍ ما، فضلًا عن أنها لا يَفهمها كلُّ شخص، بل يلزمها التأويل والتفسير، إذْ قد سبق أن كتبتُ في رسالةٍ في "المَلاحق" أني أُخطِرتُ حقيقتَين مُجمَلتَين:
الأولى: أني قبل أربعين سنةً لاح لي نورٌ في دائرةٍ محدودة، لكني فَسَّرتُ ظهورَه في دائرةٍ واسعة، فكنت أُبشِّر بأننا سنَشهد نورًا عما قريب، وكثيرًا ما ردَّدتُ هذه البشارة على مسامع طلابي القُدامى قبل عهد الحرية، وكنت أظن أن ظهورَه سيكون في عالَم السياسة بدائرتها الواسعة، والحالُ أن الإخطارَ الواردَ من قِبَل الحقيقة كان يقول: سيكون ظهورُه في أحوجِ دوائر هذا الوطن.. ستَشهدون ظهورَ رسائل النور في الدائرة الإيمانية والإسلامية، والحياة الاجتماعية الإسلامية.
فكنتُ أخبِر عن هذه المسألة الحقيقية المُحِقَّة بإحساسٍ مُسبَقٍ، وبإصرارٍ وتَكرارٍ، لكني كنتُ أغيِّر صورتَها.
الثانية: أني أُخطِرتُ بأن الذين انقلبوا على الشعائر والسياسة الإسلامية ووجَّهوا لها الضربات، سيَتَلَقَّون ضرباتٍ كبيرةً خلال اثنتي عشرة سنة، وثلاث عشرة سنة، وأربع عشرة سنة، وست عشرة سنة.
وعلى عكس المسألة السابقة، فقد فَسَّرتُ الحوادثَ التي ستقع في دائرةٍ واسعة، والصفعاتِ التي ستَنزل بجماعاتٍ كبيرة، فَسَّرتُها بأنها صفعاتٌ ستنزل بأشخاصٍ محدَّدين في دائرةٍ صغيرة، لكنْ جاء الإخطارُ بأن ذلك واقعٌ في الدائرتَين الكبيرةِ
— 257 —
والصغيرة معًا، فكما أن أفظعَ شخصٍ في الدائرتَين قد غادر الدنيا بعد اثنتي عشرة سنةً تمامًا، فإن الجماعات الفظيعة في الدائرة الكبيرة قد تَلَقَّت وستتلقى الصفعاتِ نفسَها في التواريخ نفسِها.
فكما أني بتأويلي قَصَرتُ هذه الدائرةَ الكبيرةَ على الدائرة الصغيرة، فقد أجريتُ العكسَ في المسألة قبلَها، إذْ فَسَّرتُ الدائرةَ الصغيرةَ والحادثةَ النوريةَ الإيمانيةَ المحضةَ في الدائرة السياسية الواسعة؛ ولهذا لا يَفهم كلُّ شخصٍ رسالةَ "سِرُّ إنا أَعطينا" من أول مرة، فضلًا عن أنه لا ينبغي دخول الأسماء الشخصية في مثل هذه المسائل العلمية، وهذا مَكمنُ صوابِ هذه الرسالة التي لم تقع في يدي منذ ثلاث عشرة سنة.. فلا يَنشغلْ بها إخواني بعد الآن، وإنْ دَفَعَ الفضولُ أحدَهم للاطلاع عليها، فليقرأ أولًا الفِقرةَ المبدوءةَ بی"ثانيًا" في مقدمتها، ولْيقرأ كذلك الفِقرةَ الواردةَ بشأنها في "المَلاحق"، وإلا فلا يطالعْها أصلًا.
إن وقوعَ الحرب العالمية الثانية، ورحيلَ ذلك الشخص الرهيب عن الدنيا، وتَراجُعَ مسلكه اليوم، وعَمَلَ فريقٍ من أهل مسلكه بعكسه لصالح الدين رسميًّا، وخَلاصَ أهل الإيمان من الاستبداد المطلَق نوعًا ما، ووقوعَ الحوادث في نفس التواريخ التي أَخبرَتْ عنها هذه الرسالة مع شيءٍ من التأويل.. ما هو إلا لَمعةُ إعجازٍ لتلك السورة، غير أن تأويلاتي المتحمسة أَسدلَتْ عليها حجابًا فاستترت الحقيقة.
٭٭٭