— 251 —
ثم إنه لا لزوم لِذَمِّ من ماتوا، فقد رحلوا إلى الدار الآخرة محلِّ الجزاء، ولقد مَنَع أهلُ السنة والجماعة فتحَ باب الجدال حول الفِتَن التي جَرَت زمنَ الصحابة رضي الله عنهم، إذْ ليس من مقتضى محبةِ آل البيت الذين أُمِرنا بمحبتهم أن نَذكر معايبَ مَن ماتوا، إذْ لا يوجد ما يستلزم ذلك، بل هو أمرٌ يعود بالضرر.
ولقد قرَّر أهلُ السنة والجماعة فيما يَخصُّ وقعةَ الجمل التي اشترك فيها طلحة والزبير یی وهما من العشرة المبشَّرين بالجنة رضي الله عنهم یی وكذا السيدةُ عائشةُ الصِّدِّيقةُ رضي الله عنها.. قرَّروا أن هذه الحرب كانت نتيجةَ اجتهاد، وأن سيدَنا عليًّا رضي الله عنه كان هو المُحِقَّ، وأن الطرفَ الآخَر لم يكن على حق، لكن يُغفَر لهم لأن الأمر كان نتيجةَ اجتهاد؛ ورأوا كذلك أن فتح باب الحديث عن البُغاة في حرب صِفِّين أمرٌ يعود بالضرر، إذْ يستثير النزعةَ الوهابية من جهة، ومذاهبَ الروافض المُفرِطةَ من جهةٍ أخرى، فيتضرر الدينُ وأهلُه.
ولقد قال سعد الدين التفتازاني یی وهو عَلَّامةٌ من كبار علماء الكلام یی قال بشأن الأسافل أمثالِ يزيد والوليد والحجَّاج الظالم: "يجوز لَعْن يزيد"؛ ولم يقل: يجب، ولا قال: إنه خيرٌ يُثابُ عليه؛ ذلك أن مَن ينكِرون القرآن ويجحدون النبي (ص) ويرفضون مرتبةَ الصُّحبة القدسية التي حازها الصحابة الكرام كثيرون لا يُحصَون عددًا، ومنهم كثيرون لهم صولةٌ وجولةٌ في هذه الأيام، وليس لعنُهم واجبًا ولا خيرًا يُثاب عليه، وليس على المرء من حرجٍ شرعًا إنْ أعرض عن ذكرهم أو لم يلعنْهم، لأن اللعن والذَّمَّ ليسا كالمدح والمحبة، ولا يُعدَّان من العمل الصالح، فإن تَرَتَّب عليهما ضررٌ كانا أسوأ.
والواقع أن منافقي هذا الزمان الذين يتحرَّكون في الخفاء، يَعملون على ضربِ الإسلام بواسطةِ فئةٍ من العلماء الذين هم أَولى مَن يُؤمَر ويُكلَّف بالدفاع عن الإسلام والحقيقةِ القرآنية والذَّبِّ عنهما، إذْ يستغلونهم من خلال النزعة الوهابية، فيستخدمونهم في اتهام أهلِ الحقيقةِ بالتشيُّع، موقِعين بذلك بين الفريقين، ولهم في هذا
— 252 —
الميدان يدٌ طُولى، وقد ذكرتَ بعضًا من هذا في رسالتك؛ بل أنت تَعْلَم أن أقوى وسيلةٍ استعملوها ضدي وضد رسائل النور لم يجدوها إلا لدى العلماء أنفسهم.
وإن اجتهادَك الناشئ عن محبتك لآل البيت، والذي لا داعي لإظهاره في هذه الآونة، ربما تسبَّب بِشَنِّ حملةٍ عليك وعلى طلابِ رسائل النور، يَشُنُّها علماءُ في إسطنبول تداولوا منذ زمنٍ بعيدٍ كُتُبَ الوهابيةِ الغالبةِ على بلاد الحرمين الشريفين اليوم، وكُتُبَ ابن تيمية وابن قَيِّمِ الجوزية، وهما من الأعلام المشاهير الأفذاذ، ومؤلفاتُهما عجيبةٌ جذابة، ويشترك في هذه الحملة أيضًا علماءُ آخرون متلبِّسون بالبدع، محاربون للأولياء، يريدون التستُّر على مشاربهم المتساهلةِ مع البِدَع.
ثم إنه لا يترتب على ترك الذمِّ والتكفير أمرٌ شرعيٌّ، أما فعلهما فيترتب عليه حكمٌ شرعيٌّ، فهما إنْ كانا بغير حقٍّ فالإثم كبير، وإنْ كانا بحقٍّ فلا خير فيهما ولا أجر، لأن مستحقي الذَّمِّ والتكفير لا حدَّ لهم، أما الامتناع عن الذمِّ والتكفير فليس فيه حكمٌ شرعيٌّ، وليس فيه ضررٌ كذلك.
فلأجل هذا استرشَدَ أهلُ الحقيقة بالقانون القدسي المستند إلى الحقيقة المذكورة التي قرَّرها أهل السنة، وفي مقدِّمتهم الأئمةُ الأربعةُ وأئمةُ أهل البيت، فلم يرَوا من الجائز الخوضَ والجدالَ في الفِتَن التي جَرَتْ بين أهل الإسلام في الصدر الأول، بل قرَّروا أنه عملٌ يَضرُّ ولا ينفع.
ثم إنه قد وُجِد في كِلا طرفَي تلك الحروب عددٌ كبيرٌ من أجِلَّة الصحابة، فالخوضُ في تلك الفِتَن يُورِد إلى القلب اعتراضًا وإنكارًا مَشُوبًا بالتحيُّز ضد أولئك الصَّحْب الكرام، بل حتى ضد العشرة المبشَّرين بالجنة أمثالِ طلحةَ والزبير رضي الله عنهم؛ فإنْ كانت تلك الحروب خطيئةً، فاحتمال التوبة قوي.
ولا يَحسُن برجلٍ مؤمنٍ فاضلٍ عميقِ النظر يَنهض بوظيفةٍ قدسيةٍ أن ينصرفَ عمن يستحقّون فعلًا كلَّ لعنةٍ وبُغض، أعني مَن يحاربون الإسلام ويهاجمونه بشراسةٍ في هذا الزمان، ويذهبَ إلى ذلك الزمان الماضي فيُدقِّقَ في أحواله تدقيقًا لم تأمر به الشريعة، ولم يَستلزمه مسلتزم، بل يَعود بالضرر لا محالة.
— 253 —
ولا أُخفيك أن جدالك المحدود مع "صبري" قد أضرَّ برسائل النور وبانتشار حقائقها الإيمانية إضرارًا بالغًا، ولقد شعرتُ بهذا في حينه وأنا هنا، فتأثرتُ لذلك وتألمت.
ثم إني كنت أتوقع ممن هو عالِمٌ من أهل التحقيق مثلِك، ومن "صبري" الذي أتاك ليكون وسيلةَ خدمةٍ مهمةٍ في تلك المنطقة.. كنت أتوقع منكما أنتما الاثنين خدمةً نوريةً جليلة، فإذا بي على العكس من ذلك أشعر، بل أرى، كيف تَضرَّر النورُ من ثلاث جهات!! وبينما كنتُ أسأل نفسي: مِمَّ حصل الضرر يا تُرى؟ إذْ تلقَّيتُ الخبرَ بعد أيامٍ قليلةٍ أن "صبري" قد خاض معك في نقاشٍ لا لزوم له ولا جدوى منه، وأنك قد أخذَتْ منك الحِدَّةُ مأخَذَها!! فأسِفْتُ لهذا ودعوتُ ربي قائلًا: اللهم إن هذين الرجلين قد هَبَّا لمساعدتي من "أرضروم"، فبدِّلهما بخلافهما صُلحًا.
إن الواجب على أهل الإيمان اليوم یی كما سبق ذكره في "لَمعتَي الإخلاص" في رسائل النور یی أن يعقِدوا أواصر الاتفاق لا مع إخوتهم المسلمين فحسب، بل حتى مع الشخصيات الدينية الروحية من المسيحيين، ويتركوا النزاع والمسائل الخلافية جانبًا، لأن الكفر المطلق ما فَتِئ يشنُّ هجماته، وإنني لأرجو بما لَكَ من حَمِيَّةٍ دينيةٍ وخبرةٍ علميةٍ وعلاقةٍ برسائل النور، أن تعمل على نسيان ما جرى بينك وبين "صبري"، وأن تَصفح عنه وتُسامحه، لأنه لم يتكلم مِن عنديَّاته، بل ردَّد ما سمعه من المشايخ سابقًا في صورة نقاشٍ لا داعي له.
وأنت تعلم أن حسنةً جليلةً واحدةً تُكفِّر سيئاتٍ كثيرة؛ أجل، والحقُّ أن ابن بلدنا "صبري" قد خدم النورَ وخدم الإيمانَ بواسطة رسائل النور خدمةً جليلةً تستدعي الصفحَ عن ألفٍ من أخطائه، واللازمُ من مقامكم الرفيع أن تُراعوا خدماتِه النُّوريةَ هذه، فتعدُّوه صديقًا من أبناء البلد، وأخًا في خدمة النور.
لقد نظر بعضُ الصحابة إلى تلك الحرب من زاوية الرُّخصة الشرعية والعدالة الإضافية النِّسبية، فأخذوا بهما وتركوا مسلكَ الإمام عليٌّ رضي الله عنه.. مسلكَ العزيمة
— 254 —
الشرعية والعدالة الحقيقية، مع ما فيه من زهدٍ واستغناءٍ واقتصاد، وانضموا باجتهادهم هذا إلى الطرف المعارض لعليٍّ رضي الله عنه؛ حتى لقد وُجِد في هذا الطرف یی لبعضِ الوقت یی أخو عليٍّ عقيلُ بن أبي طالب، وعبدُ الله بن عباسٍ حَبْرُ الأمة؛ فلأجل هذا المعنى، وبناءً على الدستور الشرعي الأصيل القائل: "مِن محاسن الشريعة سَدُّ أبواب الفِتَن"، لا يُجيز أهلُ السنة والجماعة الحقيقيون فَتْحَ بابِ تلك الفِتَن والخوضَ فيها، بل يقولون: "طَهَّرَ الله أيديَنا، فنُطهِّر ألسنتَنا"، لأنه إنْ كان ثمةَ بضعةُ أشخاصٍ يستحقون الاعتراض، فإن نزعة التحيز والتعصُّب لا تلبث أن تتحرك، فتبدأ بالاعتراض على الصحابة الكرام، بل تعترضُ حتى على بعض آل البيت الذين وُجِدوا في صف الطرف المعارض لعليٍّ رضي الله عنه، وتعترضُ على كبار الصحابة كطلحة والزبير من العشرة المبشرين بالجنة رضي الله عنهم، وتُستثار حينئذٍ نزعةُ الطعن والعَداء.
فمِن هنا مالَ أهلُ السنة إلى إغلاق هذا الباب؛ حتى إن سعد الدين التفتازاني یی وهو إمامٌ شهيرٌ من أئمة أهل السنة، وعالمٌ جليلٌ من علماء الكلام یی لما قرَّر جوازَ إطلاقِ اللعن والتضليل بحق يزيد والوليد، ردَّ عليه علَّامةٌ من أهل السنة والجماعة، وهو السيد الشريف الجُرجانيُّ بقوله: صحيحٌ أن يزيد والوليد كانا من الظَّلَمة الطُّغاة الفَجَرة، إلا أنه لما كان موتُهم على غير الإيمان أمرًا غيبيًّا، ولم يكن من سبيلٍ للعلم بذلك على وجه القطع، ولم يكن ثمة نصٌّ أو دليلٌ قاطعٌ يتناولهم بأشخاصهم، لم يكن جائزًا لعنُ شخصٍ منهم بعينه، لاحتمال توبتِه وموتِه على الإيمان، وإنما يجوز اللعن على سبيل العموم مثلُ: لعنة الله على الظالمين والمنافقين؛ وإلا فلا موجب لهذا، بل فيه ضرر.
لم أستطع كتابة جوابٍ مطوَّلٍ عن رسالتك العلمية الرصينة بسبب مرضي الشديد ومَشاغلي الضرورية، فهذا ما أمكنني كتابتُه على عجَل.
الباقي هو الباقي
سعيد النُّورْسِيّ
٭٭٭