— 29 —
باسمه سبحانه
امتثالًا للأمر الإلٰهي في قوله تعالى: وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ أجدُني محتاجًا إلى مشاورةِ إخواني.
إخواني الأعزاءَ الأوفياء.. إنني الآن أمام أمرٍ واقع، فقد صدر أمرٌ بتخصيص مبلغٍ يوميٍّ لمعيشتي مقدارُه ليرتان ونصف، عِلاوةً على تخصيصِ منزلٍ لي يؤثَّث ويجهَّز بالشكل الذي أريد.
والحالُ أن أحد دساتير حياتي الذي التزمتُ به طَوالَ خمسينَ أو ستينَ سنةً يستوجب رفضَ هذا؛ صحيحٌ أني سَبَقَ أن قبِلتُ المرتَّبَ مدةَ سنةٍ أو سنتَين في دار الحكمة الإسلامية، إلا أني أنفقتُ ذلك المال في طبع كُتبي ووَزَّعتُ معظمَها مجَّانًا، وبذلك أعدتُ مالَ الأُمَّة للأُمَّة.
وإني إنْ قبِلتُ أخْذَ المبلغ مضطرًّا لئلا يصيبَكم ورسائلَ النور ضرر، فسأحتفظ به على أن أردَّه للأُمَّة في المستقبل، ولا أُنفِقَ منه على نفسي إلا الجزءَ اليسيرَ الذي تُجيزُه الضرورة القطعية.
وقد بلغني أني إنْ رفضتُ فسيَسخطُ القوم، لا سيما مَن يعملون لتأمين معيشتي؛ وسيقول خصومُنا: إنَّ هذا الرجل يتلقَّى نفقةَ معيشته من جهةٍ أخرى!! أَلَا لم يعرف هؤلاء التُّعَساء بركةَ الاقتصاد العجيبة، ولم يشاهدوا كيف أن رغيف خبزٍ ثمنُه خمسةُ قروشٍ يكفيني يومين، ولهذا تستولي عليهم ظُنونٌ وأوهامٌ لا أصل لها.
وإني إنْ قبلتُ فستَسخط من ذلك سنواتُ حياتي السبعون، وربما سَخِط كذلك الإمامُ عليٌّ الذي أَخبر عن علماء السوء في هذا الزمان، ممن يُفوِّتون الإخلاصَ وينغمسون في البدع، رغبةً في المرتَّبات وانجرارًا وراء الطمع.
وثمة جهةٌ أخرى كذلك، وهي الإخلاصُ الحقيقيُّ الصافي الذي تتمتع به رسائلُ النور، فإنه سيتَّهمني كذلك بعدم الإخلاص.. لقد حِرْتُ في أمري حقيقةً.
— 30 —
وقد بلغني كذلك أنني إنْ رفضتُ فسيزيدون من تضييقهم عليَّ، وربما يُعيقون رفْعَ الحظر التام عن رسائل النور؛ حتى إن تضييقاتهم الأخيرة لم تكن إلا لإجباري على قَبول عرضهم هذا.
وما دام الأمر كذلك، فإنه إنْ بلغ الأمرُ درجةَ الضرورة القطعية لم يَضُرَّ بإذن الله، عملًا بالقاعدة القائلة: "الضرورات تُبيح المحظورات"؛ لكنني على أية حالٍ رفضتُ الأمر، فأُحيلُه على رأيكم.
إخواني الأعزاء.. لا تقلقوا بشأني، فلستُ أعاني ضيقًا ولا سآمةً، لأنني أُشاهد في كلِّ شدةٍ أثرَ رحمةٍ ولَمعةَ عناية، وإن همَّتكم وجِدِّيَّتكم ومعاونتكم تُزيل كلَّ همٍّ وعَناء، وتورِث السرورَ الدائم.
عندنا اثنان يَخدُمان رسائل النور خدمةً تامة، أحدهما "مصطفى آجت"، وهو رجلٌ دَؤوبٌ متفانٍ، هو بمثابة أخي "عبد المجيد"؛ والآخرُ فتًى نشيطٌ مجتهدٌ يُدعى "جَيلان"، هو بمثابة مثالٍ مصغَّرٍ عن "خسرو" و"عبد الرحمن".
٭٭٭