— 25 —
مصارحةٌ مع وزيرِ العدل وقضاةِ المحاكم المَعْنيَّة برسائل النور
تُلحَق بالفقرة المسمَّاة: "بَثُّ شكوى مني لنفسي"
أيها السادة.. لماذا تنشغلون بنا وبرسائل النور من غير سبب؟!
اِعلموا يقينًا أننا ورسائلَ النور نَعُدُّ مجرَّد التفكير فيكم یی فضلًا عن مواجهتكم یی أمرًا خارجَ وظيفتنا، لأن رسائل النور وطلابَها الحقيقيين يَعملون للجيل القادم بعد خمسين سنة.. يَعملون ليقدِّموا له خدمةً عظمى، ويخلِّصوه من ورطةٍ كبرى، وينقذوا البلاد والعباد من خطرٍ مُحدِق؛ وإن المنشغلين بنا اليوم سيكونون حينئذٍ رميمًا في القبر، فإذا افترضنا جدلًا أن العملَ لتحقيق هذه السلامة والسعادة مواجَهةٌ، فما ينبغي أن يكون لها علاقةٌ بمَن صاروا في القبر ترابًا.
نعم، فإذا كان القدر اليسير من التحلُّل واللامبالاة الذي أَظهَره دعاةُ الحرية في العهد السابق في مجال الأخلاق الاجتماعية والدين والسجايا القومية قد أفضى بعد عشرين أو ثلاثين سنةً إلى هذه الأوضاع الحالية على صعيد الدين والأخلاق والعفة والشرف، فلا يَخفى عليكم ما ستكون عليه الحالُ بعد خمسين سنةً لدى الجيل القادم من أبناء هذه الأمة البطلة الشريفة المتمسكة بدينها، وكيف سيكون في دينه وأخلاقه الاجتماعية.
إن هذه الأمة ذات التضحيات الجليلة قد أَظهَرتْ بطولةً فذَّةً في خدمة القرآن من صميم قلبها وروحها طَوالَ ألفِ سنة، ومع ذلك فسيَظهر مِن أجيالها بعد خمسين سنةً مَن سيشوِّهون ماضيَها المشرق أو يَطمِسونه، ونحن نعلم أن إنقاذَ تلك الأجيال من السقوط المروِّع، وتزويدَهم بحقيقةٍ كرسائل النور، هو أعظم مُهِمَّةٍ وطنيةٍ وقومية؛ ولهذا نهتمُّ بأبناء المستقبل لا اليوم.
نعم أيها السادة، صحيحٌ أن رسائل النور تتوجه إلى الآخرة توجُّهًا خالصًا، وأن غايتَها إنقاذُ الإيمان ونَيلُ مرضاة الله تعالى، وأن غايةَ طلابها العملُ لإنقاذِ أنفسِهم
— 26 —
وإنقاذِ أبناء وطنهم من الإعدام الأبديِّ والسجنِ المؤبَّدِ الانفرادي، إلا أن لها بالدرجة الثانية خدمةً جليلةً تعود فائدتُها إلى الدنيا، وتُنقِذ هذا البلدَ وأهلَه من مخاطر الفوضوية الهدَّامة، وتنقذ المساكين من أجيال المستقبل من مَهاوي الضلالة المطلقة؛ ذلك أن المسلم لا يُشْبِه غيرَه، فإنه إذا تخلَّى عن دينه وخرج على قِيَم الإسلام هوى في الضلالة المطلقة، وأصبح فوضويًّا لا يمكن إدارتُه.
أجل، فحين كان الذين تلقَّوا تربيةً إسلاميةً أصيلةً يُشكِّلون خمسين بالمئة من الناس، وكان الخمسون بالمئة الآخَرون يُظهِرون إهمالًا وتحلُّلًا تجاه قِيَم الإسلام وأعرافِ الأمة، فكَّرتُ في احتمالِ أن يصبح تسعون بالمئة من الناس بعد خمسين سنةً أتباعًا للنفس الأمَّارة، فيقودوا البلاد والعباد نحو الفوضوية المدمِّرة، وبحثتُ عن حلٍّ لمواجهة هذه المصيبة، فمنعني ذلك من السياسة ومن الانشغال بأبناء هذا الزمان منعًا باتًّا منذ عشرين سنة، وكما كانت هذه هي حالي، فكذلك هي حالُ رسائل النور وطُلابِها، فلقد قطعوا علاقتَهم بأبناء هذا الزمان، فلا هم يواجهونهم، ولا هم ينشغلون بهم أصلًا.
وما دامت هذه هي الحقيقة، فإنَّ أُولى مهامِّ الجهات القضائية هي أن تَحميَ رسائلَ النور وطلابَها، لا أن تتَّهمَني أو تتَّهمَهم، ذلك أنهم يصونون أهمَّ حقٍّ من حقوق هذا الوطن والشعب، ولهذا السبب يحاربهم مَن هم أعداءٌ حقيقيُّون للوطن والشعب، فيهاجمون رسائل النور، ويُضلِّلون الجهات القضائية، ويدفعونها لارتكاب جَورٍ شنيعٍ وظلمٍ فادح؛ وأذكر على هذا مثالَين يسيرَين:
المثال الأول: أنني أرسلتُ إلى أحد إخواني ممن كانوا معي في السجن برسالةٍ تتضمَّن تفقُّدًا للأحوال، وأرفقتُ بها عَشْرَ ليراتٍ هي كلفةُ طبعِ إحدى مؤلفاتي العربية، كي تُدفَع للشخص الذي تولَّى طباعتها بی"إسبارطة"؛ أرسلتُ الرسالةَ والمالَ بواسطة أحد الإخوة المقيمين هنا، فسارعتِ الجهاتُ القضائية والجهاتُ الأمنية إلى التضييق عليَّ، وإلى تفتيش منزل هذا الشخص الذي كان مجرد واسطة!!
— 27 —
ولا ريب أن تضخيمَ أمرِ رسالةٍ عاديةٍ لا أهميةَ لها، والتهويلَ من شأنِ مراسَلةٍ يتيمةٍ لم يقع سواها خلال ستة أشهر لَأمرٌ لا يليق بمكانةِ القضاء وشَرَفِه.
المثال الثاني: إيذائي وإعناتي أنا الضيفَ الغريبَ الضعيفَ الشيخَ الهَرِمَ الذي ثبتت براءتي، وتخويفُ الناسَ مني، بل تخويفُ حتى مَن يَخدُمني، وذلك بواسطةِ حملاتٍ رسميةٍ مُمنهجة، ولا شك أن هذا أمرٌ يُنافي الحسَّ الوطنيَّ الذي تتمتع به حكومةُ هذه الولاية.
وإن التهويلَ من شأنِ ضررٍ تافهٍ بل موهومٍ، والمبالغةَ في تضخيمه، وتجييشَ حملاتٍ رسميةٍ عليَّ، وإثارةَ قلقِ كلِّ شخصٍ بسؤاله عني: بمن يلتقي هذا الرجل؟ ومَن يزورُه؟ لَأمرٌ عجيب، ما ينبغي لحكمةِ الحكومة وحاكميَّتها أن تتدنَّى إلى مثله.
وعلى أية حال فثمة الكثيرُ من هذه الأمثلة التي يَعجَب منها مَن يَطَّلع عليها.
أيها السادة..
إنَّ الضلالات والشرور إنْ كانت ناجمةً عن الجهل فدفعُها يسير، أما إن كانت ناشئةً عن العلم أو المعارف الحديثة فإزالتها أمرٌ جِدُّ عسير؛ ولما كانت الضلالةُ في هذا الزمان من النوع الأخير، كان لا بدَّ من مؤلَّفٍ وافٍ من كلِّ جهةٍ كرسائل النور، يتصدَّى لهذه الضلالة ويَدحَرُها، ويُنقذ مَن وقعوا فيها.
والدليلُ على أن رسائل النور تتمتع بهذه القيمة أنها منذ أنْ ظهرتْ قبل عشرين سنةً لم يعارضها أحدٌ من الفلاسفة رغم تلقِّيهم صفعاتِها الشديدة، ولا أحدٌ من مناوئيَّ وهم ألِدَّاءُ كُثْر، ولم يستطع أحدٌ منهم أن يطعن فيها، بل لا يمكنهم ذلك؛ وأنه لم تستطع ثلاثُ جهاتٍ قضائيةٍ ولا الخبراءُ في مركز الحكومة یی بعد تسعة أشهرٍ من التدقيق في أجزائها البالغة مئةَ كتاب یی أن تجد فيها مادةً واحدةً تجعلنا تحت طائلة المسؤولية؛ وأنه قد قامت إشاراتٌ قرآنيةٌ وإخباراتٌ غيبيةٌ عَلَويَّةٌ وغوثيةٌ تُوَقِّع على أهمية رسائل النور في هذا العصر وعلى قَبولها، وقد أورثتْ هذه الإشاراتُ والإخباراتُ طلابَ الرسائل یی وهُم آلافٌ من أهل النباهة یی القناعةَ القطعيةَ بذلك.
— 28 —
نعم، وبما أن وظيفةَ الجهات القضائية حفظُ الحقوق ووقفُ المعتدين عند حدودهم؛ وبما أن تدقيقَ محكمة "دَنِزْلي" طَوالَ تسعة أشهرٍ في الرسائل وفي أوراقنا الخاصة وغيرِ الخاصة، وتدقيقَ محكمتين أُخرَيَين ومركزِ حكومةٍ وشرطةِ عدةِ ولاياتٍ منذ عشر سنين لم يُسفِر عن وجود أيةِ مادةٍ تَضُر الوطنَ أو الشعب، أو خطأٍ يستوجب العقوبة؛ بل أَثبتَ أن رسائل النور بأجزائها المئة قد خَدمتْ سعادةَ مئةِ ألفِ شخصٍ خلال عشرين سنة؛ فلا جرَم إذًا أن لرسائل النور حقوقًا كُليَّةً عظيمةً في هذا البلد، وإننا نذكِّركم أن إهمالَ هذه الحقوقِ البالغةِ الأهمية، في وقتٍ تُراعَى فيه الحقوق الجزئية للإنسان العاديِّ البسيط، ومصادرةَ الرسائل كما لو أنها أوراقٌ عادية، وتجاهلَ أن هذا ظلمٌ فادحٌ للوطن وللمساكين المحتاجين لتقوية الإيمان، لهُو أمرٌ لا يليق بجوهر القضاء وحقيقة العدالة بأي شكلٍ من الأشكال؛ ونخشى أن تكون محاربةُ رسائل النور مع السماحِ بمؤلَّفات الدكتور "دوزي" وسائرِ الزنادقة سببًا لوقوع الغضب الإلٰهي.
أحسَنَ الله إليكم بالإنصاف والرحمة، وأحسَنَ إلينا بالتحمُّل والصبر؛ آمين.
في السجن الانفرادي غير الرسمي
سعيد النُّورْسِيّ
٭٭٭