لاحقة أمير داغ
— 20 —

بثُّ شكوى مني لنفسي

«أُحيل إليكم إبلاغَ هذه الشكوى إلى الجهات العليا بأنقرة یی بعد أن تُصلحوها یی إن رأيتم ذلك مناسبًا»
إذا كان الحَكَمُ هو نفسُه الخَصْمَ، فليس لمسكينٍ مثلي سوى أن يقول: أشكو مَن إلى مَن؟ لقد حِرْتُ في أمري!
نعم، فوضعي اليوم أشدُّ من السجن، بل إن يومًا من وضعي الحالي يَعدِل في شدته عليَّ شهرًا من السجن الانفراديّ، لقد مُنِعتُ من كلِّ شيءٍ في هذه الغربة والشيخوخة والمرض والفاقة والضَّعف تحت وطأة الشتاء الثقيلة، ولا يتسنى لي اللقاءُ بأحدٍ سوى اثنين، أحدهما صبيٌّ والآخَر مريض؛ على أنني منذ عشرين سنةً أقاسي العذابَ في سجنٍ انفراديٍّ مُحكَم، ويُخشى إن استمرَّ التضييقُ عليَّ بالمراقبة والمنع أن تُمَسَّ غَيْرةُ الله فيَنزِلَ بلاء.
ولقد سبق أن قلتُ في المحكمة: إنه مثلما وقعتْ أربعةُ زلازلَ مروِّعةٍ في نفس الوقت الذي تعرَّضْنا فيه للظلم، فإن ثمةَ الكثيرَ من الوقائع على هذه الشاكلة، حتى إني لأحسَب أن الحريق الذي اندلع بمحكمة "أفيون" إنما كان من هذا القبيل، فلقد أَوليتُ هذه المحكمةَ ثقتي لتحميَني وتحفظَ حقوقي، فإذا بها تتجاهل مراجعتي التي أدلَيتُ بها في محكمة "دَنِزْلي" بخصوص رسائل النور، وتُهملها مورِّثةً إيايَ خيبةَ أملٍ مريرةً، ولعل هذا كان سببًا في الحريق الذي أصابها.
وأنا أقول: إن إحدى أهمِّ مَهامِّ مسؤولي هذه الولاية وشرطتِها وقضائِها ذوي المعاملة الإنسانية المنصِفة لي، هي أن يَحموني حمايةً تامة، لأنه قد صَدَر القرارُ ببراءتنا وإخلاءِ سبيلنا، قَضَتْ بذلك الحكومةُ المركزية ومعها ثلاثُ محاكم بعد
— 21 —
تسعةِ أشهرٍ من التدقيق في مؤلفاتي ومراسلاتي التي كتبتُها خلال عشرين سنة، لكنَّ ذلك ساءَ جمعيةً سِرِّيةً تخدُم المصالح الأجنبية، وتعمل على الإضرار بهذا البلد وأهله، فسعى أفرادُها بكلِّ وسيلةٍ ليَنقُضوا قرارَ البراءة هذا، وراحوا يثيرون هواجس بعض المسؤولين مني ويحرِّضونهم عليَّ جاعلين من الحبة قُبَّة، ومرادُهم من ذلك أن يَنفَد صبري فأُستفَزّ.. بل إنَّ أحد أسباب حَنَقهم عليَّ في الوقت الحالي هو صمتي وعدم تدخُّلي في أمور الدنيا، كأنهم يقولون: لماذا لا يتدخَّل؟! فليتدخَّلْ حتى يتحقق مقصَدُنا!
وأُبيِّن لكم بعض الدسائس التي استخدموها لإثارةِ هواجسِ رجال الحكومة مني، فمنها أنهم يقولون لهم: إن لسعيدٍ نفوذًا، وإن مؤلفاتِه كثيرةٌ قويةُ التأثير، ومَن يتواصلْ معه يُوالِه، فلا بدَّ من تحطيم نفوذه بتجريده من كلِّ شيء، وتشويهِ سمعته وإهمالِه، وتنفيرِ الناس منه، وتخويفِ مَن يُوالونه.
وبهذا يُلَبِّسون على الحكومة، ويشدِّدون عليَّ الخِناق.
وأنا أقول: أيها الإخوة المحبُّون لهذا البلد وأهلِه.. نعم، يوجد نفوذٌ كما قال أولئك المنافقون، لكنه ليس نفوذي، بل هو نفوذُ رسائل النور، وهذا النفوذ لا يُحطَّم، بل كلما تَعرَّضَ له متعرِّضٌ ازداد قوةً؛ وهو نفوذٌ لم يُستعمَل قطُّ ضدَّ هذا البلد وأبنائه، بل لا يجوز ذلك، بل لا يمكن.
ولقد أجْرَتْ محكمتان تدقيقًا شديدًا صارمًا في أوراقي التي كتبتُها على مدى عشرين سنة، وكان بين تدقيقِ إحداهما وتدقيقِ الأخرى عشرُ سنين، فلم تَعثُر أيٌّ منهما على سببٍ حقيقيٍّ واحدٍ يستوجب العقوبة، وكفى بهذا شاهدًا لدعوانا لا يقبل الجَرح.
وأقول كذلك: نعم، إن لهذه المؤلَّفاتِ تأثيرًا بالغًا، لكنه تأثيرٌ نافعٌ يُحقِّق المصلحة التامة للشعب والوطن من غير ضرر، ذلك أن هذه المؤلَّفات تَخدُم السعادةَ الأبدية والحياةَ الأبديَّةَ لمئةِ ألفِ شخص، بتعليمهم الإيمانَ التحقيقيَّ المتين.
— 22 —
ولقد صَلَحَتْ حالُ مئاتِ المساجين في سجن "دَنِزْلي" ممن كان بعضُهم محكومًا بأقصى العقوبات، وذلك بمجرد قراءتهم "رسالة الثمرة"؛ بل لقد كان منهم مَن سَبق أن قتَل اثنين أو ثلاثة، فصار بفضل دروس الإيمان يتورَّع عن قتل بعوضة؛ حتى لقد أقرَّ مديرُ السجن بأن السجن أصبح بمثابة مدرسةٍ تربوية؛ وهذا سندٌ لدعوانا وحجةٌ لها لا تُرَدّ.
وأقول أيضًا: إن تجريدي من كلِّ شيءٍ لهُوَ عذابٌ أليمٌ، وظلمٌ فادحٌ، وخيانةٌ غادرةٌ بأبناء هذا البلد، لأن هذا الشعب المتديِّن الذي عِشْتُ بين أبنائه ثلاثين أو أربعين سنةً لم يجد من صِلته بي أيَّ ضرر، بل وَجد نَفْعَ القوةِ المعنويةِ والسُّلوانِ والقوةِ الإيمانية؛ والدليلُ القطعيَّ على هذا إقبالُ أبنائه على رسائل النور بشغَفٍ مُنقطِع النظير، غيرَ مبالين بالحَمَلات المُغرِضة المكثَّفة عليَّ، حتى إني أعترف أنهم يُولونني اهتمامًا بالغًا لا أستحقُّه، بل يَفوق حدِّي مئةَ درجة.
وقد سمعتُ أن حكومة الولاية قد راجعتِ الحكومةَ المركزيةَ في أمر نفقتي وإقامتي، وجاء الجواب بالقَبول، وإني إذْ أشكرهم على إنسانيتهم أقول لهم: إن أحوَجَ ما أحتاجُه هو حريتي، فهي الدستور الأساسيُّ في حياتي، وإنَّ تقييد حريتي بقيودٍ واستبداداتٍ غيرِ مسبوقةٍ لمجرَّدِ هواجسَ وأوهامٍ لا أصلَ لها يُسْئِمُني الحياةَ نفسَها، فالسجنُ والزنازينُ بل القبرُ خيرٌ عندي من هذه الحال، إلا أن ما يمنحني الصبرَ والتحمُّلَ هو أن المشقة الزائدة في الخدمة الإيمانية سببٌ لزيادة الأجر.
فما دام هؤلاء المسؤولون ذوو المشاعر الإنسانية لا يريدون ظلمي، فليمنعوا أولًا المِساسَ بحريتي المشروعة، فإني أستطيع العيش بدون خبزٍ، ولا أستطيع العيش بدون حرية.
نعم، فإنَّ مَن تَدبَّر أمورَه طَوالَ تسعَ عشرةَ سنةً من هذه الغربة بمئتي ليرةٍ فقط، وأخذَ نفسَه باقتصادٍ شديدٍ ورياضةٍ قوية، ولم يُظهِر حاجتَه لأحد، ولم يَدخل تحتَ مِنَّةِ أحد، ولم يَقبل صدقةً ولا زكاةً ولا راتبًا ولا هديةً، كَيما يحافظ على حريته وعِزَّته العلمية، لَهُو أحوجُ إلى الحرية في ظل العدالة من حاجته إلى نفقة إعاشة.
— 23 —
نعم، فأنا أُقاسي تضييقًا لا مثيلَ له، وأذكر منه مثالَين يَسيرَين:
أحدُهما: "رسالة الثمرة" التي عَدَّتْها المحكمةُ دفاعًا علميًّا عن رسائل النور، وأُرسِلتْ مع مدافعاتي إلى رئيس الجمهورية وسبعةٍ من كبار المسؤولين بأنقرة، وكانت سببًا من أسباب براءتنا بتقديرِ لجنة الخبراء بأنقرة، والتي أحتفظُ بنُسَخٍ منها كتَبَها لي رفاقي في السجن بخطوطهم الجميلة تَذكارًا، وقد رأتها شرطة "دَنِزْلي" فلم تتعرض لها، وبقيتْ متاحةً للاطِّلاع ليلةً لدى شرطة "أفيون" وليلةً أخرى لدى الشرطة هنا.. فهذه الرسالة التي وَصفتُ، كنتُ أخبِّئها كلَّ يومٍ هي ولائحةَ الدفاع وأنا في حالةٍ من القلق خشيةَ أن يَدهَمَني مفتِّشون فيأخذوها مني، وكنتُ فوق ذلك آسى كثيرًا لأنني لا أستطيع أن أطلب من أحدٍ لا أعرفه في هذه الغربة أن يخبِّئها لي.
ثانيهما: "رسالة الشيوخ"، وهي رسالةٌ لم تتعرَّض لها محكمةُ "دَنِزْلي" بشيء، وتعرَّضَتْ لها محكمةُ "أسكي شَهِر" بسبب كلمةٍ واحدةٍ فيها، فتَلقَّتِ الجوابَ بحرفٍ واحد.. فقد أخذ رجلٌ إسطنبوليٌّ نسخةً منها من شخصٍ هنا وذهب بها إلى إسطنبول، فوقعتْ بطريقةٍ ما بيدِ ملحدٍ يحاربنا، فضخَّم المسألةَ وجعل الحبة قُبّةً بل قِبابًا، وهَوَّلَ الأمور على شرطة الولاية، فجعلوا يضيقون عليَّ ويدقِّقون في مَن ألتقي ومَن يأتيني.
وعلى أيَّة حال، فإن ثمة الكثيرَ جدًّا من أمثال هذه النماذج الأليمة التي ذكرتُها، إلا أن أكثرَها عبثيةً هو أنهم خَوَّفوا ونَفَّروا مني كلَّ شخصٍ غيرَ اثنين يقومان على خدمتي، أحدهما صبيٌّ والآخر مريض، وغرضُهم من ذلك أن يمنعوني من التحدُّث إلى الناس؛ وأنا أقول:
لئن تجنَّب عشرةُ أشخاصٍ الحديثَ معي، فإن ثمة عشراتِ الآلاف بل مئاتِ الآلاف من المسلمين يداومون على دروس رسائل النور، لا يبالون بحظرٍ ولا منع.. وكلُّ نسخةٍ من آلافِ نُسَخِ رسائل النور تقوم مَقامي وتتحدث أحسنَ مني، ولا تَسكُت بسكوتي، بل لا يمكن إسكاتُها، وقد انتشرت برَواجٍ عظيمٍ في هذا البلد وخارجَه من أصقاع العالَم الإسلامي، لِما تَضمَّنتْ من حقائقَ راسخةٍ وفوائدَ قَيِّمة.
— 24 —
ثم ما دام قد ثبت لدى المحكمة أني قطعتُ علاقتي بالسياسة منذ عشرين سنة، وأنه لم تَظهَر أيَّةُ أمارةٍ تُثبِت العكس، فلا ريب إذًا أن التوجُّس ممن لهم صلةٌ بي أمرٌ لا معنى له.
(حاشية): حادثةٌ غريبةٌ عجيبةٌ وقعَتْ في هذا الشهر، وهي أني نزلتُ يومًا إلى الفِناء أمام الدار، فنظرتُ فإذا بالثلج المتساقط قد تناثرتْ عليه قطراتٌ ونِقاطٌ حمراءُ وصفراءُ يُشبه لونُها لونَ الحبر المشير إلى التوافقات في أجزاء رسائل النور، فعَجِبتُ لذلك، فنظرتُ إلى الأماكن الأخرى فلم أجد فيها ما وجدته في فِناء الدار، فساوَرَني قلقٌ وقلتُ بقلبي: إن لرسائل النور علاقةً وثيقةً بعموم هذا البلد، بل لها یی بتابعيَّتها للقرآن یی علاقةٌ وثيقةٌ بالكرة الأرضية، بحيث تَبكيها السماءُ دمًا لما يَنزل بها من مصيبةٍ وبلاء.
ثم ناديتُ بعضَ الأشخاص فعجِبوا كذلك لِما رأوا، وظنَّ "محمد أفندي" ابنُ شقيق صاحب الدار لمَّا رأى قلقي أنني إنما خِفتُ من أن يَسُدَّ الثلجُ المتراكمُ الطريقَ، فراح یی بعد أن صعِدتُ إلى الدار یی يَجرُف الثلج إلى جانبَي الطريق ليفتحه، مغطِّيًا بذلك معالمَ الحادثة الجويَّة الحمراء والصفراء ذاتِ الإشارة والمغزى، فقلتُ له: لو لم تفعل لكان أحسن.
وقد وقعتْ في اليوم نفسِه ثلاثُ حوادث ضدَّ رسائل النور:
الأولى: أننا بعد أن راجعْنا مخفرَ الشرطة هنا، والجهاتِ القضائيةَ بی"أفيون"، لاسترداد كُتبنا، أبلغونا في نفس اليوم أنْ لا علاقة لهم بالأمر، إذْ لم يَصدر تصديقٌ على قرار التمييز، فخَيَّبوا آمالنا من هذه الجهة.
الثانية: عَلِمنا أن "أفيون" أَرسلتْ في اليوم نفسه عنصرًا من الشرطة، مُهِمَّته التجسُّسُ على أحوالي.
الثالثة: حَصَل في اليوم نفسِه كذلك أنْ شَنَّ علينا منافقٌ في إسطنبول حملةً مُغرِضةً استعان على تأجيجها برسالة "الشيوخ"، حتى وصل الأمرُ إلى الجهات القضائية.
وكان من نتائج مثل هذه الحوادث أنْ أخذ كثيرٌ من المقبِلين على الرسائل يُحجِمون عنها؛ فردَّدتُ: أعددنا لكل مصيبةٍ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ؛ وتحصَّنتُ بحِصنِ. حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ
٭٭٭