— 244 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
أولًا: جَرَتْ لي مع نفسي مناظرةٌ غريبة، وقد وَرَدَ على الخاطر أن أكتبها إليكم لتطَّلعوا عليها رغم كونها خصوصية.
ومُفادُها أن اللوحة المعروفةَ المعلقةَ عند رأسي صحيحٌ أنها أَفحمتْ نفسي، إلا أنني واجهتُ بعدَها حِسِّيَّاتي التي هي بمثابة نفسٍ أمَّارةٍ ثانية، فقد هاجَتْ هذه الحِسِّيَّات العمياءُ ليلًا متقلِّدةً سلاحَ النفس الأمَّارة، وأثارتْ أعصابي مستغلَّةً ما أشعر به من حبٍّ فطريٍّ للحياة، وما أجده من إلقاءات الشيطان، وما أعانيه من تأثُّرٍ وحساسيةٍ ناجمَين عن التسمُّم والمرض، وجاءتني مُمسكةً في يدٍ يأسًا وألمًا شديدين نابعَين عن احتمال وفاتي، وفي اليد الأخرى حِرصٌ قويٌّ ومُتَعٌ ولَذائذ، وراحت تَعرِض لقلبي وروحي قائلةً: لماذا لا تسعى لراحتك بل ترفضُها؟ لماذا لا تطلب لنفسك عمرًا بهيجًا وحياةً هانئةً تعيشُ متعتَها الغامرة ولَذَّتَها الطاهرة في دائرة النور؟ لماذا تطلبُ الموت راضيًا؟
وبينما أنا في هذه الحال إذْ ظهرتْ حقيقتان قويتان غايةَ القوة، أسكتتا هذه النفسَ الأمَّارةَ الثانية، وأسكتتا معها الشيطان.
— 245 —
الأولى: ما دامت وظيفةُ النور القدسيةُ الإيمانيةُ ستَشهد بموتي مزيدَ ازدهارٍ لا تَشوبه شائبة، ولن تُتَّهَم بأنها وسيلةٌ لأمور الدنيا أو النفس أو الأنانية، وما دامت ستستمر من بعدي بمزيدِ كمالٍ وإخلاصٍ إذْ لا وجود لحياتي الشخصية التي تثير المنافسة.. فينبغي أن يقال للموت متى جاء: أهلًا بك ومرحبًا.
صحيحٌ أن بقائي على قيد الحياة قد يكون عونًا لهذه الوظيفة بدرجةٍ ما، إلا أن لشخصي البسيطِ خصومًا ونُقَّادًا لا يُستهان بهم، وبمقدورهم أن يوجهوا إليَّ التُّهَم، ويتعرضوا لرسائل النور ويتهموها بعدم الإخلاص، فيَحرِموا منها أنفسَهم، ويَحرِموا منها الناس.
ثم إنه إنْ أَغفى شخصٌ يتولى مهمةَ حراسةٍ في هذه الدائرة النورانية، هَبَّ مَن فيها مِن أهلِ الغَيرة والهمة عيونًا ساهرة، وبَرَز آلافُ الحُرَّاس بدلًا من حارسٍ واحدٍ مناوب؛ وما دام الأمر كذلك، فينبغي أن يقال للأجل متى حلَّ: أهلًا بك ومرحبًا.
ثم ما دام كثيرٌ من طلاب النور يُضحُّون بأموالهم وراحتهم، وبنعيمهم الدنيوي ومتعتهم، بل بحياتهم إنْ لَزِمَ الأمر في سبيل خدمة النور، فلماذا تريدين يا نفسُ التخلُّفَ عن رَكب التضحية؟
ثم اعلمي يقينًا إنه لَشرفٌ عظيمٌ في غاية اللذة أن تتخلَّي راضيةً عن حياة الشيخوخة الشاقة الفانية متى لَزِم الأمر أو حان الوقت، خدمةً لكثيرٍ من المساكين كي يُنقِذوا بالأنوار حياتَهم الباقية.
الثانية: أرأيتِ إلى رجلٍ عاجزٍ ضعيفٍ يَنوء بحَملِ رطلٍ واحد، كيف به إذا حُمِّل عشرةَ أرطال؟ ثم كيف به إذا حَسِبَ أصحابُه أنه قويٌّ جَلْد، فطلبوا منه العون بدلًا من أن يعينوه في ضعفه المُستتر؟ فأخذ هذا المسكين يجتهد في إظهار نفسه قويًّا جَلْدًا أمامهم، ويتصنَّع لهذا الأمر تظاهراتٍ ثقيلةً وتكلُّفاتٍ باردة، لكيلا يُخيِّب حُسْن ظنِّهم أو يَبدو دونَهم، أفلا يكون عملُه هذا مُرهِقًا مؤلمًا لا متعة فيه؟!
— 246 —
إذًا فاعلمي أيتُها النفسُ الأمَّارةُ الموغِلةُ في الحِسِّيات العمياء، أنني لستُ سوى رجلٍ مسكينٍ محتاجٍ يقف سائلًا بباب القرآن الكريم، وأننا لم نُؤتَ حقائقَ رسائل النور إلا بمحض العناية الربانية، وبفضل الرحمة الإلٰهية، فهي التي قدَّمتْها إلينا في هذا العصر المظلم السقيم، من الصيدلية القدسية للقرآن الحكيم، وأنه لا يتأتى لي أن أكون مَصدرًا لهذه الحقائق أو منبعًا لها أو أصلًا، كيف وهي تَفوقُ شخصي البسيط واستعدادي الضئيل؟!
واعلمي أني لستُ سوى وسيلةٍ لإيصال هذه الحقائق إلى المحتاجين، غير أن طلاب النور المخلِصين الخالصين، الأوفياءَ الصادقين، الأنقياءَ المضحِّين، قد أَوْلَوا شخصيَ المسكينَ من حُسْنِ الظن ما يَفوق حدِّي مئةَ درجة، وإني لكيلا أُخيِّب حُسْن ظنِّهم، ولا أجرحَ مشاعرَهم، ولا أُثبِّطَ حماسَهم، ولا أكسِرَ خواطرَهم تجاه هذا الشخص المسكين الذي لقَّبوه بالأستاذ فأُظهِرَه بمظهر الدُّون، ولا أُضطرَّ إلى التكلُّف الثقيل والتصنع المُرهِق الأليم.. أتجنبُ اللقاء بالناس، بل أتجنبُ اللقاء بالأصحاب إلا فيما يخص الخدمة النورية، بل أُضطر إلى ذلك روحًا، لما أجد في نفسي من استيحاشٍ أورثتني إياه عشرون سنةً من العزل والتجريد.
أما ما فُتِنتِ به من مُتَعٍ ولذائذ، فاعلمي أن التكلفَ والتصنع، ورَفْعَ النفسِ فوق قيمتها، وإظهارَها صاحبةَ مقامٍ مراعاةً لمن يُحسِن الظن بها، وطلبَ الأنانيةِ أذواقَها الضارةَ الفانيةَ من خلف رداء الوقار، وإظهارَ نفسي جليلَ القدر بما ينافي سرَّ الإخلاص.. حالاتٌ لا تُبقي من المُتَع واللذائذ شيئًا.
فيا أيتها النفسُ.. ويا أيتها الحِسِّياتُ العمياءُ التعيسةُ أسيرةُ المُتَع والأذواق.. هَبِي أنك حَظيتِ بآلاف المُتَع الدنيوية.. فإنها كذلك صائرةٌ إلى زوال، منقلبةٌ إلى ألمٍ في هذه الحال.
وما دام تسعون بالمئة من الأحبة قد التحقوا بالزمان الماضي، وكأنهم ينادونني إلى عالَم البرزخ، فلا بدَّ لي من المسارعة إليهم تاركًا العشرة بالمئة الموجودين في الزمان الحاضر، ولا بدَّ أن حياة البرزخ المعنوية أرجحُ بألف درجة على حياة الشيخوخة والوحدة هذه.
— 247 —
هكذا ظَهَرتْ تلكما الحقيقتان، فشكرًا لله بلا حدٍّ إذْ أَفحمتا تلك النفس الأمَّارةَ الثانية، فرضِيَتْ باللَّذائذ الواردة من القلب والروح، وأُبلِسَ الشيطان، بل حتى المرض الماديُّ المتوطِّنُ في عروقي خَفَّ كثيرًا.
والحاصل أنني إذا مِتُّ ازدهرتِ الخدمة النورية، فأُدِّيتْ بمزيدِ إخلاص، دون أن تَشوبها منافسة، أو تُوجَّه إليها تهمة.
ثم إنْ كان في هذا الزمان لَذائذُ ومُتَعٌ جزئيةٌ مؤقتةٌ لا أسعى إليها، أو كان في هذه الحياة لَذةٌ نابعةٌ من رؤية الفتوحات النورية بمنظار الدنيا، فإن في موتي خَلاصًا من وطأةِ التكلُّفِ الثقيل، وأعباء الرياء البارد، وأضرار التصنُّع المَقيت.
ثم إنكِ يا نفسُ قد جُلْتِ هذا العامَ في الزمان الماضي بصحبة الروح والقلب، جولةً كان بعضُها حقيقةً وبعضُها الآخَرُ خيالًا، لزيارة الأماكن التي اشتقتِ إليها وقضيتِ فيها حياةً ممتعة، وللقاءِ الأحباب الذين أَنِسْتِ بهم، والإخوانِ الذين حزنتِ لفراقهم، فما وجدتِ في تلك البقاع الكثيرة الأثيرة إلا واحدًا أو اثنين بالمئة منهم، بينما رحل البقية أجمعون إلى عالَم البرزخ، وتبدَّلت مِن بعدهم مشاهد الحياة المحبَّبة التي عَهِدناها، فإذا هي اليوم أليمةٌ حزينة، فأيُّ رغبةٍ لك في ديارٍ خَلَتْ من الأحبة؟!
ألا فأَولى بنا أن نبادر هذه الدنيا وحياتَها بالتخلِّي، قبل أن تبادرنا بالترحيل والإخراج، فنقولَ لها بكل عزةٍ: وداعًا.. تاركين مُتَعَنا وأذواقَنا الفانية.
الباقي هو الباقي
مع عاطر السلام وخالص الدعاء لعموم إخواني
أخوكم المسرور رغم المرض
سعيد النُّورْسِيّ
٭٭٭