— 243 —
حين كانت نفسي تزعجني بِضجرها وقلَّةِ صبرها في هذا الزمان العصيب، واجهتُها بهذه الكلمات التي أسْكَتَتْها ودفعتْها إلى الشكر، وقد علَّقتُها عند رأسي، وبعثتُ بنسخةٍ منها إليكم لعلها تفيدكم.
(١) أيْ نفسُ.. قد مضى لك ثلاثٌ وسبعون سنة، أخذتِ فيها نصيبَك من اللذائذ والمُتَعِ أكثرَ مما أخذه تسعون بالمئة من الناس، فما بقي لك حقٌّ فيها بعد هذا.
(٢) تَطلُبين دوامَ لَذَّاتٍ آنِيَّة، وبقاءَ مُتَعٍ فانية، وتَبكين لزوالها، فتنزل بك صفعةٌ على هذا الخطأ الذي ارتكبتِه بحِسِّيِّاتك العمياء، فتبكين عشر ساعاتٍ على ضَحِكٍ دام دقيقة.
(٣) إن المظالمَ التي انهالتْ عليكِ والمصائبَ التي حلَّتْ بكِ تُخفي في طَيِّها عدالةَ القَدَر، فالبشَر يظلمونك على أمرٍ لم تفعليه، والقَدَر يعاملكِ على خطاياكِ الخفيَّة، فيُرَبِّيكِ بِيَدِ المصيبة ويُكفِّر بها خطاياك.
(٤) إن المئات من تجاربك يا نفسي الجَزِعة قد أورثتكِ قناعةً قطعيةً بأنَّ وراء المصائب الظاهرية ثمراتِ عنايةٍ إلٰهيةٍ لذيذة، وإن آية: وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، تُعلِّمكِ درسَ حقيقةٍ قاطعةٍ، فاذكريه على الدوام. على أن القانون
— 244 —
الإلٰهي الذي يدير عَجَلةَ المقادير یی وهو القانون القَدَري الشامل الواسع یی لا يُغيَّر مراعاةً لخاطرك.
(٥) استرشدي بالقاعدة القدسية: «مَن آمَن بالقَدَر أمِنَ من الكَدَر» واتخذيها دليلًا. لا تَجري خلف لَذَّاتٍ آنيَّةٍ تافهةٍ كطفلٍ غِرٍّ تَحكُمه رغباته.. تفكَّري في أن اللَّذائذ الفانية تُخلِّف حَسَراتٍ وآلامًا معنوية، وأن المَشاقَّ والآلامَ تُورِثُ لَذائذَ معنويةً وثواباتٍ أُخروية؛ فإن لم تكوني حمقاء أمكنك أن تطلبي لَذائذَ مؤقتةً لأجل الشكر لا غير، فما أُعطِيَتِ اللَّذائذُ إلا لأجل الشكر.
سعيد النُّورْسِيّ
٭٭٭