لاحقة أمير داغ
— 236 —
أخي العزيزَ الوفيّ، وصديقي صاحبَ الهمة والحَمِيَّة في هذه الدنيا الفانية..
أولًا: أشكركم جزيلَ الشكر أنتم والأفاضلَ من "أرضروم" على اهتمامكم الحثيث بشأني، وإشفاقِكم على ما أعانيه من ظلمٍ وأذى في حياتي، ومسارعتِكم فكرًا لإعانتي، لقد فُقْتم في ذلك جميعَ أصدقائي وأبناء بلدي، وأسديتُم إليَّ معروفًا لا أنساه ما حَيِيْت، فألْفُ ألْفِ ما شاء الله.. بارك الله.
ثانيًا: سأُبيِّن لكم بضع نقاطٍ تتعلق بوضعي وإيذاء الظَّلَمةِ لي، مع أن هذا مخالفٌ تمامًا لمسلكي ولدرسي الذي تلقيتُه من رسائل النور، ومُنافٍ لدستور حياتي الذي اتخذته منذ عشر سنين، ألا وهو عدم الالتفات إلى ما في هذه الدنيا الفانية من أحداثٍ عابرةٍ تافهة، إلا أنني لم أفعل هذا إلا مراعاةً لخاطرك واهتمامك ولرسالتك المطوَّلة التي أرسلتَها مؤخرًا.
— 237 —
النقطة الأولى: أنني حين كنت عضوًا بدار الحكمة الإسلامية قبل ثلاثين سنة، قال لي يومًا أحدُ أصحابنا من أعضائها، وهو السيد "سعد الدين باشا": كن على حَذَر.. لقد عَلِمنا من مصدرٍ قطعيٍّ أن جمعيةً أجنبيةَ الجذور تنشر الزندقة في بلادنا قد اطَّلعتْ على أحد مؤلفاتك، فقرر أعضاؤها تصفيتك قائلين: لن نستطيع أن نَحمل هذا الشعبَ على قبول مسلكنا یی يعني الزندقة والإلحاد یی ما دام مؤلِّف هذا الكتاب حيًّا.. ينبغي أن نقضي عليه.
فأجبتُه: توكلتُ على الله، الأجل واحدٌ لا يتغير.
وقد توسَّعتْ هذه الجمعية منذ ثلاثين بل أربعين سنة، وما تَرَكَتْ في هذه المدة مكيدةً إلا استعملتْها في محاربتي، وسَعَتْ لتصفيتي بسَجني مرةً بعد مرة، وتسميمي إحدى عشرة مرة، (حاشية): بلغتِ الآن تسعَ عشرة مرة. وكان آخرُ مخططاتها الرهيبةِ توظيفَها النفوذَ الحكومي الرسمي ضدي، وذلك بتوجيهها وزيرَ الداخلية السابق، وواليَ "أفيون" السابق، ومديرَ منطقة "أميرداغ" السابق، وتحريضِهم عليَّ، فقاد هؤلاء المسؤولون الرسميون الثلاثةُ حملةً شعواءَ على رجلٍ لا حول له ولا قوة مثلي، ضعيفٍ، هَرِم، منطوٍ عن الناس، فقيرٍ، غريبٍ، محتاجٍ بشدةٍ إلى من يقوم على شؤونه، وبَلَغَ تخويفُهم الناسَ مني مبلغَه، حتى صار بعضُ الجيران يتحاشى السلامَ عليّ، بل صار القومُ ما أنْ يعلموا أنَّ موظفًا ما سلَّم عليَّ حتى يُبدِّلوا مكان عمله، فلم يعد يأتيني سوى المخبِرين!!
إلا أنه برغم هذا كله فقد أَولَتْني العنايةُ والحفظُ الإلٰهيَّان صبرًا وتحملًا، فلم تَضطرَّني هذه المضايقات والإيذاءات غيرُ المسبوقة إلى الالتجاء إليهم.
الثانية: لعلك تَذكُر أني حين ناقشتُ "مصطفى كمال" في ديوان الرئاسة بأنقرة، جابهتُه مجابهةً شديدةً، وقلتُ له: "إن تارك الصلاة خائن، وحكمُ الخائن مردود"؛ فلم يجرؤ على إهانتي أو الإساءة إليّ. هذا بينما أساء إليَّ هنا وأهانني شرطيٌّ وضابطٌ صغير، وكان المقصود من ذلك إغضابي واستفزازي لافتعال مشكلة، غير أن العناية والحفظ الإلٰهيَّين أحسنا إليَّ بالصبر والتحمل.
— 238 —
الثالثة: بعد أن دققتْ محكمتان في جميع أجزاء رسائل النور عامَين كاملَين فلم تعثرا على أية ذريعةٍ قانونية،
(حاشية): إما أنه لا تستطيع أية جهةٍ ولا أيُّ قانونٍ یی بل حتى بعض قوانينهم التعسفية یی أن تتعرض لنا ولرسائل النور؛ وإما أن بعض القوانين الحالية تستطيع ذلك، لكن القضاء ومعه ثلاث محاكم كبرى أحجموا عنه خوفًا من البغضاء واللعنات الشديدة التي ستحل عليهم مستقبلًا إنْ هم فعلوا ذلك، فلم يجرؤوا على إدانتنا وإدانة رسائل النور، وحكموا متفقين ببراءتنا وبإعادة جميع الرسائل.
ولا شك أن الظلم الذي يُقدِم عليه متجبِّرون يتقلدون مناصب مؤقتة، وتُحجِمُ عنه هيئاتٌ قضائيةٌ عتيدةٌ كالجبال، قادرةٌ على منح نفسِها حصانةً بالقانون الذي تتولى مقاليدَه، لهو أمرٌ يُغضِب السماوات والأرض، فلا داعي لحِدَّتي وغضبي.
قَضَتا ببراءتنا وبراءةِ رسائل النور، فقامت جمعيةُ الزندقةِ المذكورة بتدبير خطةٍ ذاتِ طابعٍ رسميٍّ في العاصمة، واستعانت لها ببعض المسؤولين المنافقين، فنقلوني إلى "أميرداغ" بذريعةِ النفي، وما هو في الحقيقة إلا سجنٌ انفراديٌّ وتجريدٌ مطلق، جُرِّدتُ فيه من جميع أصحابي وطلابي، ووُضِعتُ في أسوأِ مكانٍ لا يلائم صحتي ومعيشتي، ضمن إجراءاتٍ تخالف القانون من كلِّ جهة؛ ولقد تأكد اليومَ أنهم يعاملونني هذه المعاملة لمقصَدَين اثنين:
أحدهما: أنهم لعلمهم أنني لا أقبل الإهانة منذ سالف عهدي، عمِلوا على استفزازي ليثيروا مشكلةً يمهِّدون بها الطريقَ للقضاء عليَّ، فلما لم يُثمر مسعاهم هذا شيئًا لجؤوا إلى التسميم، إلا أن العناية الإلٰهية ودعواتِ طلاب النور كانت ترياقًا، وكان صبري وتحملي دواءً، فأزالت خطر ذلك السُّمِّ الماديِّ والمعنويِّ، وباءت خطتهم بالفشل.
وبالرغم من أنه لم يَشهَد التاريخُ ولا الحكوماتُ ظلمًا يُمارَس باسم القانون وباسم الحكومة كهذا الظلم والأذى الذي ألقاه، إلا أن الأمر الذي كان يثير حفيظتي هو الرقابةُ الدائمةُ عليَّ وتخويفُ الناس مني بشكلٍ يستفزني، لكنْ أُخطِر على قلبي أنه ينبغي لك أن تَرثيَ لهؤلاء الظلمة لا أن تنزعج منهم؛ فكلُّ واحدٍ منهم سيَلقى عما قريبٍ جهنمَ ماديةً ومعنويةً، وسيتجرَّع عذابًا خالدًا يَفوق ما يُذيقونك من عذابٍ مؤقَّتٍ
— 239 —
ألفَ درجة، وسيُنْتَقَم لك منهم ألفَ مرة، وسيقاسي بعضُهم یی إن كان له عقل یی تأنيبَ الضمير، وعذابَ الخوف من الإعدام الأبدي، وسيُعاني من ذلك طَوالَ بقائه في الدنيا إلى أن يَلقى حتفَه؛ فلم أَعُد أغضب منهم، بل رثَيتُ لهم وسألتُ الله أن يُصلحهم.
ثم إنني أشكر الله سبحانه على نَيل الأجر الجزيل المترتب على هذا الإيذاء من جهة، وأشكره كذلك على انشغالهم بي وإيذائهم إياي وحدي دون طلاب النور، فإنه يحقق عظيم الفائدة لطلاب النور ويَخدُم سلامتهم، كما أشعر بالفرح في طيِّ هذه المضايقات الشديدة التي ألقاها.
الرابعة: ذكرتَ في رسالتك مسألة استقراري وراحتي، وإمكانيةَ مراجعة الحكومة الحالية لأنتقل إلى الشام أو الحجاز إن استطعتُ..
فأولًا: إنني حتى لو كنت في مكة لَلَزِمني المجيء إلى هنا لإنقاذ الإيمان وخدمة القرآن، لأن الحاجة هنا أشدُّ؛ وحتى لو كانت لي آلاف الأرواح، وكنتُ مبتلًى بآلاف الأمراض، وكنتُ أعاني من المصاعب ما أعاني، فإن القرار الذي اتخذتُه واتخذناه وفق الدرس الذي تعلمناه من القرآن، هو البقاء هنا لخدمةِ إيمانِ هذا الشعب وسعادته.
وثانيًا: تذكرون في رسالتكم ما أُقابَل به من إهانةٍ بدلًا من الاحترام، وتقولون: لو كنتم في مصر أو في أمريكا لذُكِرتم بإجلالٍ واحترامٍ على مرِّ التاريخ.
أخي العزيز الفطن..
نحن بمقتضى مسلكنا نَفِرُّ أشدَّ الفرار من احترام الناس لنا وتوقيرهم إيانا، ومن حُسْنِ ظنهم وإعجابِهم بنا وإكرامِهم لنا، ونفِرُّ بالأخصِّ من حبِّ الشهرة الذي ما هو إلا رياءٌ عجيب، ومن دخولِ التاريخ بجلالٍ وإبهار، وما هو إلا تصنُّعٌ جذاب، فكلُّ هذا منافٍ ومضادٌّ للإخلاص الذي هو مسلكُ النور وأساسٌ من أُسسه؛ وأنا شخصيًّا أنفِر من مثل هذه الأمور، بَلْهَ الرغبةِ فيها.
أما رسائل النور النابعةُ من فيض القرآن الكريم، والتي هي لمعةٌ من لمعات إعجازه المعنوي، وتفسيرٌ لحقائقه، ومفتاحٌ لأسراره، فإننا نرجو لها الرواج، ونريد
— 240 —
لكلِّ شخصٍ أن يَشعرَ بالحاجة إليها، ويُقدِّرَ رِفعةَ قيمتها، ونطلبُ لكراماتها المعنوية الظاهرة أن تُعرَف، ولانتصاراتها الإيمانية على كُفريَّات الزندقة أن تَستبين وتَظهر، فهذا ما نؤمِّله من الرحمة الإلٰهية.
وأُبيِّن نقطةً جزئيةً تافهةً تتعلق بشخصي، وأجعلُها حاشيةً فأقول:
ما دام السيد "رجب" و"قره كاظم" صديقَين لك، ولهما فيما أظن علاقةٌ بی"سعيدٍ القديم"، فليس المطلوب منهما إسداءَ معروفٍ لي، وإنما حَسبُهما أن يمنعا ما فعل أسلافُهما بي من ظلمٍ ومضايقاتٍ لا داعي لها ولا جدوى منها.
إنني في الحقيقة لا أستطيع التأقلم مع الأجواء المادية والمعنوية هنا.. همومي كثيرةٌ جدًّا، وأنا أُقفِل مقرَّ إقامتي من الداخل ومن الخارج.. إنني وحيدٌ بكلِّ جهة.. فضلًا عن أني أقضي حياتي مريضًا أعيش في غرفةٍ كئيبةٍ بغير جيران.. وفي بعض الأحيان يضايقني يومٌ واحدٌ هنا أكثر مما يضايقني شهرٌ كاملٌ في سجن "دَنِزْلي".. كفى تعرُّضًا لحريتي طَوالَ عشرين سنةً مَلأى بالظلم الشنيع.. فلقد تَبيَّن بشكلٍ قاطعٍ یی بعد سنتين من تدقيق المحاكم، وفَشَلِ الخُطط التي حاكها المنافقون ضدي یی أن خدعة التخويف مني ومن رسائل النور بذريعة الإضرار بالوطن والشعب لا يمكن أن تنطلي على أحد.
سيكون من المناسب أنْ أنال حريتي كسائر الناس، ويَصدُرَ بلاغٌ يسمح بذهابي إلى بعض القرى المجاورة ذات المناخ المعتدل لتبديل الأجواء.
سلامي ودعواتي لكم ولمن حولَكم من أصحابنا في النور.
الباقي هو الباقي
سعيد النُّورْسِيّ
٭٭٭