— 226 —
أولًا: أعددنا لكلِّ مصيبةٍ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.. إن وفاة البطل النوريِّ "حسن فيضي" خليفةِ المرحوم الحافظ "علي" خسارةٌ كبيرةٌ لی"دَنِزْلي" ولدائرة رسائل النور، ولهذا البلد وللعالَم الإسلامي.. غير أنه ببياناته ودروسه الصادقة الخالصة الفائقة قد مَهَّد السبيل لتخريجِ كثيرٍ من أمثاله يَنهجون نهجَه، ثم رحل.
لقد أسدى في سنةٍ أو سنتَين خدمةً قيِّمةً للأنوار تَعدِل خدمةَ عشر سنين، تمامًا كما فعل ابنُ أخي "عبدُ الرحمن".. نعم، فكلٌّ منهما قد أدى في سنتين وظيفةً لا تؤدَّى إلا في عشر سنين، وكأن لسان حالهما يقول: سنغادر الدنيا سريعًا.
إنني أهنئ المرحوم "حسن فيضي" باعتبار شخصه، وأعزِّي بالغَ العزاء "دَنِزْلي" ودائرةَ النور وهذا البلد، فإنها لَمصيبةٌ كبرى فَقْدُ رجلٍ من هذا الطِّراز مؤمنٍ حقيقيٍّ ذي جناحَين، وعالِمٍ مدقِّق، ومعلِّمٍ أديبٍ رفيع، ومدرِّسٍ واعظٍ مؤثِّر.. لكنَّ "دَنِزْلي" مَوئلُ الأبطال، فسيَخرُج منها كثيرون من أصحاب الأنوار وناشريها، يحملون روح "حسن فيضي" إن شاء الله.
وكما أن الحبة توضع في التراب فتموت، فتَتَسنْبلُ منها مئةُ حبة، فإنا نؤمِّل في الرحمة الإلٰهية أن تُخرِج لنا من "حسن فيضي" سنبلًا قدسيًّا، فيترعرع في دائرة النور كثيرٌ من أمثاله، يؤدُّون وظيفتَه أكثرَ مما كان يؤدِّيها.
— 227 —
ثانيًا: ينبغي لكل واحدٍ منا أن يُهديَ مكاسبَه المعنوية لأخينا البطلِ هذا كما لو أنه حيٌّ، فنُرسِل هذه المكاسب إلى صحيفة حسناته بصورةٍ خصوصيةٍ كما نرسلها بصورةٍ عمومية.
وقد قررتُ من جهتي أن أهبَه مكاسبي المعنوية في دائرة الأولياء العظام، وقد حلَّ عندي خامسًا بعد الحافظ "علي" والحافظ "محمد" و"أحمد الصاوي" و"محمد زُهدي".
وكما سبق أن أدرجنا في "المَلاحق" كلماتٍ له عن رسائل النور تَخدُم انتشارَها في ظلِّ الظروف الصعبة، فأدرِجوا كذلك بعضًا من رسائله المؤثِّرة، وألحقِوها بنهاية المجموعات التي ترونها مناسبة، "كعصا موسى" و"ذي الفَقار"، كي تَخدُم كلماتُه الحيةُ الأنوارَ بدلًا منه.
وبلِّغوا بالنيابة عني تعازيَّ لأقربائه في بيتِه، مدرستِه النورية الصغيرة، ولرفاقه وطلابِه وتلاميذِ النور في المدرسة النورية الكبيرة: "دَنِزْلي" وما حولها، وقولوا لهم: ما تأثرتُ في حياتي لوفاةٍ ولا بكَيتُ لها بقدرِ ما تأثرتُ وبكَيتُ لوفاته.
وقد تَحقَّق الآن أن ما وقع في رسالتي السابقة من حِدَّةٍ شديدةٍ وتشتُّتٍ في ذهني إنما بدأ من يوم وفاة أخينا البطل هذا، حتى لقد سَلَب هذا التأثيرُ اختياري، فأوصيتُ لمن يتولَّون خدمتي وصيةَ الموت، ما يعني أن "حسن فيضي" الذي هو بمثابة روحي الثانية كان يموت بدلًا مني وقد مات فعلًا، حتى إن الرسالة المتضمنة لخبر وفاته ظلَّتْ في يدي ساعةً ونصفَ الساعة لا أستطيع فتحها بخلاف العادة!!
على أنه في مقابل كلِّ هذا الأسى الأليم سارعتِ العنايةُ الإلٰهيةُ لإغاثتنا، فهنأتُ یی في طَيِّ التعزية یی نفسي، وهنأتُه، وهنأتُ النوريين فرِحًا من صميم روحي، ورحَّبتُ بإعفائه، وقلتُ: أسبغ الله عليه جزيل الرحمات والبركات.
ثالثًا: بينما كنت أفكر بأسفٍ في رحيل المرحوم "حسن فيضي" إلى البرزخ، وبقاءِ وظيفتِه شاغرةً، وأستذكر كيف كان هذا الرجل قدوةً حسنةً ساطعةً لكثيرٍ من
— 228 —
خريجي العلوم الحديثة، بما كان يتحلَّى به من تمكُّنٍ علميٍّ وبراعةٍ في التدريس، وغيرِ ذلك من الصفات التي دفعت طلاب العلوم الحديثة نحو الأنوار.. إذْ وصلتْني رسالةٌ من "داداي"، من الحافظ "حسن" الذي انقطعتْ عني رسائلُه منذ ثلاث سنين، ولم أستطع أن أعرف شيئًا عن حاله واستمراره في الأنوار، وإذا به يخبرني في رسالته أنه قد دخل بواسطته إلى دائرة النور مُدرِّسٌ على غِرار "حسن فيضي" اسمُه "حسن"، ودخل معه كذلك وَلَداه، كما دخلَ إلى دائرة النور مُدرِّسٌ متميزٌ مُضحٍّ كهذين الحسَنَين اسمُه "أحمد فؤاد"!!
فقلتُ: رحل المدرِّس "حسن"، فحَلَّ محلَّه مدرِّسٌ آخَر اسمُه "حسن"، ومدرِّسٌ آخَرُ كثيرُ التضحيات اسمُه "أحمد فؤاد".
وزارني في الوقت نفسِه "حسنٌ" آخر من "بولفادين"، كان قَدِمَ من الحج مؤخَّرًا، ودخل دائرةَ النور، وحصل على الرسائل، وشرع يتنوَّر بها ويُنوِّر.
ثم جاءني بعد سُوَيعاتٍ الطبيبُ "خيري" صاحبُ الخير الكثير، ومَن هو بمثابة "خسرو أميرداغ وفَيضيِّها"، فقال لي: إن "عبدَ الرحمن"، المدرِّسَ القديرَ في هذه البلدة، والذي خدم النور بمثل ما خدمه "فيضي"، يرغب في أن يكون من طلاب الأنوار، فإنْ قبلتُم أعطيناه "عصا موسى"، فقلت: أعطُوه.
ثم إني نظرتُ في رسالة "مصطفى عثمان" التي وصلتْني في اليوم نفسه، وأخونا مصطفى هذا مثلُ "حسن فيضي"، أسدى إلى الأنوار خدماتٍ كثيرةً في مدةٍ يسيرة، وهو من طلاب العلوم الحديثة، وقد شَرَّفَ بوجهِ ما المدرسةَ الثانويةَ في "قَسْطَموني"، ويسعى الآن لتنوير الجامعة، وقد بَعَثَ برسالته هذه بمناسبة جهاز نَسْخ الأنوار، وذَكَّر بقانون المطبوعات داعيًا إلى الاحتياط والحذر في تداول الرسائل المستنسَخة، لئلا يصيب الأنوارَ ضرر.
(حاشية): أَعجَبُ حقًّا من قانون المطبوعات!! بأيِّ سببٍ وبأيِّ وجهٍ يتعرَّض لأجهزةِ نَسْخِ "ذي الفَقار" و"عصا موسى" مع أنها تُقدِّم خدمةً مُثلى للحفاظ على حجر الأساس لهذا الوطن وأبنائه، بينما لا يتعرَّض بشيءٍ للصُّحف التي تنشر مبادئ الشيوعية والإلحاد والفوضوية!!
— 229 —
فقلت: شكرًا لله بلا حدٍّ أن مدرِّسًا واحدًا أُعفِي، فحلَّ محلَّه "حسَنان" و"مصطَفَيان" وثلاثةُ مدرِّسين وطالبٌ جادّ، فهُم في وظائفِهم يؤدُّون وظيفةَ بطلِ "دَنِزْلي"، وهذا الحال يشير إلى أنه مثلما رحل الحافظ "علي" فحَلَّت "دَنِزْلي" محلَّه، وأنْسَتْنا لوعةَ رحيله، فكذلك الشأن في رحيل "حسن فيضي"، ستحُلُّ جامعةٌ مَحَلَّه، وتُنسينا لوعةَ رحيله إن شاء الله.
سلامي لعموم إخواني.
٭٭٭