لاحقة أمير داغ
— 225 —
حين كنتُ في "بارلا"، كتبتُ مرةً في إحدى "الرسائل" تمثيلًا عن رجلين كانا على وَشْك السفر إلى إسطنبول، أما أحدُهما فكان له فيها تسعةٌ وتسعون بالمئة من أصحابه، فهو ذاهبٌ إليها بشوق، وأما الآخَر فكان بخلافه.. إلى آخر المثال.
وقد حصل مثلُ هذا معي اليوم، إذِ انتقلتُ یی بإخطارِ مرضي هذا یی إلى الزمان الماضي، وتجوَّلتُ خيالًا في تلك الأزمنة والبلاد التي قضيتُ فيها حياتي، فلم أجد في مراحل حياتي الجميلة في كل بلدٍ إلا واحدًا أو اثنين بالمئة من أصحابي، أما الآخرون فكانوا في بلاد البرزخ.
حتى في قريتي "نُورْس"، وجدتُ ابنَ عمي الوحيدَ وطالبي في الوقت نفسِه "المُلَّا داوود"، قد رحل إلى البرزخ إلى جوار أقربائي وأحبائي القُدامى.
وكذا أماكنُ مثلُ "بارلا" و"قَسْطَموني" التي تُعَدُّ كلُّ واحدةٍ منها وطنًا ثانيًا لي خلال عشرين سنةً من حياتي، لم أجد فيهما سوى ثُلثَي أصحابي، وهم أيضًا على وَشْكِ الرحيل.
وبناءً على هذه الحقيقة التي عاينتُها خيالًا، فإن الذهاب إلى البرزخ الذي نراه یی بنورِ رسائل النور یی نورانيًّا حقيقةً، يُشعِرني بالشوق لا بالمشقة.
— 226 —
ثم إنه يوجد مئاتٌ من أمثال "خسرو" و"طاهري" و"مصطفى" و"نظيف" و"عثمان" و"عبد الرحمن" و"علي" و"صبري" و"فيضي" و"أحمد" و"محمد" و"عاطف" و"مصطفى" و"صادق" و"عثمان" وغيرِهم من أبطال النور الذين سيَخلُفونني في الدنيا بعد رحيلي، فيقومون بوظيفتي بدلًا مني ويُكسِبونني الأجر، وهذا يُخفِّف عني وطأةَ الموت كثيرًا، فالشكر لله بلا حدٍّ أنني أموت من جهةِ الوِزْر، وأعيش من جهةِ الأجر.
٭٭٭