— 216 —
في هذه الآونة التي نحتاج فيها لنَسْخ الكثير من مجموعَي "ذي الفَقار" و"عصا موسى"، ويمتنع أصحاب المطابع عن طباعتهما، تتعزز لدي القناعة بأن تيسير وصول جهاز النَّسْخ العجيب هذا لأيدينا ليس إلا إشارةً غيبيةً على قَبول هذين المجموعَين، وإكرامًا خارقًا من إكرامات العناية الإلٰهية، وكرامةً للأنوار.
— 217 —
أجل، فإذا كنتُ قد لقيتُ الأذى والتضييقَ ثماني مراتٍ رسميًّا لمجرد أن شخصًا كتب رسالةً بسيطةً من مراسلاتي، فلا ريب أن هذا الجهاز الذي يُخرِج من ثمانِمئةِ صفحةٍ ألفًا وخمسمئة نسخةً في مليون صحيفة ليس إلا كاتبًا نُوريًّا ذا ألْفِ قلمٍ جاء من الغيب لنجدتنا؛ فلا ضَير بعد هذا إنْ خَرجتْ بعضُ صفحاته خافتةَ الكتابة، فما صدر منه واضحًا مقروءًا يكفينا الآن، أما ما تَصعب قراءتُه فلْيُفرَدْ، ليُصْلِحَه لاحقًا أصحابُ الأقلام الألماسية، كلٌّ يُصلِح نسخةً أو نسختَين.
لقد حصل في بعض البلاد حين ظهر القطار أنْ تَخَوَّفَ أصحابُ العربات وقالوا: "لقد كَسَدَتْ مهنتُنا!!"، والحال أن القطار حين ظهر زاد من نشاط البلد، فتضاعفتِ الحاجةُ إلى مهنة سائقي العربات، وهكذا هي الحال مع نُسَّاخ النور، فإنهم لن يتوقَّفوا، بل سيَغنَمون بمزيدِ النَّسْخِ حسناتٍ في صحائف أعمالهم إن شاء الله.
٭٭٭
لقد عزمتُ أن أواجه كلِّ أنواع الأذى من أهلِ السياسة بالصبر والتحمل قائلًا: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ؛ ولقد كان لي فيما مضى علاقةٌ بی"كاظم قره بكر"، فهل ما زال محافظًا على مسلك الرجولة الذي كان سببَ هذه العلاقة؟
فإن كان على عهده القديم، ولم يكن منه ضررٌ للأنوار، وكان صَديقًا مُواليًا تُرجى منه فائدةٌ للنور، فلكم أن تبلِّغوه سلامي.
لكنْ ما دام أهلُ السياسة يترفَّعون عن مراجعة رسائل النور لأجل حياتهم الباقية، فإني كذلك أترفَّع عن مراجعتهم لأجل هذه الحياة الفانية التي لا تُساوي فلسًا بإزاء تلك الباقية، ولستُ أقدِّم یی لنَيل راحتي یی رجاءً ولا شكوى.
٭٭٭
— 218 —
تلقَّينا الهديتَين النوريتَين الجليلتَين الجميلتَين من "عليٍّ الصغير" الوارثِ الكاملِ للمرحوم "عليٍّ الكبير" والسائرِ على نَهجِه، وأُنموذجِ "عبد الرحمن" وخَلَفِه، وبطلِ "المباركين" ومِقدامِهم.. إلا أنه لم تُكتَب قطعةُ "الحزب النوري" في آخر "ذي الفَقار"، فليكتُبها بقلمه البديع ولْيُرسِلها إليّ.
٭٭٭
حاشية: دَرَجت العادةُ في بلادنا إذا شَرَعَ طالبُ العلم في كتابٍ أو أتمَّه أن يُقدِّم طعامًا أو حلوًى تُسمى "الافتتاحية" أو "الخَتمية"، ولقد رأينا هذه القاعدةَ بعينها في عِنَب الكاتب "عثمان"، فإني ما أنْ أتممتُ تصحيح نُسخته من "عصا موسى" حتى جاء هذا العِنَب "خَتميَّةً"، فكان لطيفةً حلوةً وذكرى جميلةً من حياة طلب العلم.
لما كانت الشفقة أساسًا من أساسات النور، كانت النساء سَبَّاقاتٍ في هذه الجهة، متمسِّكاتٍ بالأنوار بكلِّ جِدِّية، وإني حين أقول: "إخواني.."، فإني أقصِد أخواتي النساء ضمنًا، وأخاطبهن في جميع رسائلي.
٭٭٭
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
لا تقلقوا على الإطلاق.. فإنما أُبيِّن لكم مرضي الشديدَ الناجمَ عن محاولة التصفية كما بيَّنتُ في مرةٍ سابقةٍ لأنال دعواتكم، وإلا فليس ثمة ما يدعو للقلق قطعًا؛ والشكر لله بلا حدٍّ أن المرض لا يمنعني من أَورادي، ولا يحول دون قيامي بوظيفة التصحيح، وأن فيه أجرًا كبيرًا وخيرًا كثيرًا إن شاء الله، بل إنني من جهةٍ ممتنٌّ لهذا الأمر، فلا تتأثروا به إطلاقًا.
على أن وظيفتي قد شارفَتْ على الانتهاء بطبيعة الحال، وتستطيع كلُّ نسخةٍ من رسائل النور، خصوصًا مجموعاتُها، أن تؤدي وظيفةَ "سعيدٍ" بما يَفوق حُسْنَ ظنكم
— 219 —
فيه، وهي تؤدِّيها حقًّا؛ وبمقدور كلِّ مُضحٍّ من خواصِّ تلاميذ النور أن يؤدي وظيفةَ "سعيدٍ" بتمامها، وسوف يؤدُّونها في المستقبل على الوجه الأمثل بإذن الله؛ فإن نَقَصتُم سعيدًا واحدًا، فبمقدورِ مئاتِ السعيدين المعنويين وآلافِ السعيدين الماديين، أداءُ هذه الوظيفةِ خالصةً تامَّةً، وهم يؤدُّونها حقًّا؛ وبناءً على هذه الحقيقة فلا تُولوا كبيرَ أهميةٍ للحوادث التي تَنزل بي أو تَلحق بشخصي، وإنما أكثِروا من الدعاء لي.. أعينوني على ضعفي وشيخوختي ومزيدِ أسايَ بدعواتكم التي لا أشك في قَبولها.
حزنتُ حقيقةً لرحيلِ النوريةِ البريئةِ المباركةِ المرحومةِ "هِجرت" ابنةِ البطل "طاهري" وهجرتِها من الدنيا إلى الجنة.. فقد أحزنني باسمِ النور رحيلُ تلميذةِ نورٍ دَؤوبةٍ مُهمَّةٍ مثلِها من طائفة الأبرياء الصغار، لكنْ سيَحِلُّ مَحَلَّها كثيرون إن شاء الله ولن يتركوا مكانَها شاغرًا، وهذا ما فعله "حيدر" الصغير الذي برز إلى الميدان الآن من "أوشاق"، وسَرَّنا بتوليه وظيفةَ أختنا التي هاجرتْ.. أحسن الله إلى والدَيها وأقربائها بالصبر الجميل، وجعلها شفيعةً لهم، وأسعدَها مع أختي المرحومةِ "خانم" في الجنة، آمين.
بلِّغوا "حيدر" تهنئتي ودعواتي له بالتوفيق في خدمة النور، وأبلِغوه بأنه داخلٌ في طائفةِ النوريين الأبرياء الصِّغار، وبلِّغوا معلِّمَه "عزَّت" سلاميَ الكثير.
٭٭٭
وإن طلاب النور لم يتدخَّلوا في السياسة قط، ولم ينتسبوا إلى حزب، لأن الإيمان مَطلبٌ عمومي، له في كلِّ طائفةٍ محتاجون وطلاب، فلا يَقبل التحيُّز والحزبية، ولا يُجابِه إلا الكفرَ والزندقةَ والضلال؛ ثم إن أُخُوَّةَ المؤمنين أساسٌ في مسلك النور.
٭٭٭