لاحقة أمير داغ
— 215 —
لله الحمدُ والشكرُ والثناءُ بلا حدٍّ على رسائلكم هذه التي بدَّدتْ قلقي ومخاوفي الكثيرة بخصوص "خسرو" وإخوانه وجهازهم، وبخصوص "نظيف" ومعاونيه وجهازهم، وإمكانيةِ استمرارهم في هذه الخدمة القدسية.. فالحمد لله كثيرًا.
حتى إني قبلَ يومٍ من وصول رسائلكم خرجتُ أتجول بالعربة، فإذا بطائر الهدهد السُّليماني مَظهَرِ المدحِ القرآنيِّ يرافقنا في طريقنا مدةَ خمسَ عشْرة دقيقة، يطير ثم يعود فيَحُطُّ على الطريق أو يَمنةً أو يَسرةً على نحوٍ عجيبٍ لم نَرَ مثلَه من قبل، كأنما يريد أن يُبشِّرَنا، فحصلتْ لديَّ قناعةٌ بأني سأتلقى في الغد خبرًا يَسرُّني، وحدَّثتُ بذلك سائقَ العربة "نور الدين"، فكان مثلي متعجِّبًا من الوضع الغريب لهذا الطائر الذي ما لبث أن اختفى فجأةً بعد أن أفشَينا سِرَّه.
فلما كان اليوم التالي، تلقَّيتُ رسالةَ "نظيف" فيها السُّلوان، ومعها المحصولُ الجديد لجهاز النَّسْخ؛ وتلقَّيتُ رسالةَ "عبد الرحمن صلاح الدين" المُشوِّقة؛ ووصلني خبرُ انتحار والي أنقرة "نَوزاد" الذي ضَيَّقَ عليَّ لكي أرتدي القبعة الإفرنجية، وقد تلقى صفعتَه وعقابَه بيدَيه؛ ووصلتْني الأخبار تُبيِّن حقيقةَ حالِ خدمة "ذي الفَقار" وأنها
— 216 —
مستمرةٌ لم يتعرَّض لها متعرِّض، وأن أبطال المدرسة الزهراء مواظبون على وظيفة "ذي الفَقار" دون خوفٍ ولا تردُّد؛ وتلقَّيتُ رسالةَ التهنئة من بطَلَي "أتابك" الأثيرة "طاهري" و"عبد الله چاويش" وهما وارِثا "لطفي" ووكيلا المرحوم الحافظ "علي الكبير" ووارثاه وأخواه النابغان في الخدمة النورية؛ وتلقَّيتُ الأجوبةَ البليغةَ ذاتَ الحقيقة التي أجاب بها "علي" إمامُ "قرية علي" في المركز الحكومي عن الأسئلة بخصوص التعرُّض الأخير، وموقفَه الرجوليَّ اللائق بطلاب النور، فقلتُ: لقد صَدَقَتْ بشارةُ الهدهد.
وكما أن رسالة "عصا موسى" غوثٌ للغارقين في الطبيعة تُنقذهم من الضلالة، وكما أنها تِرياقٌ لازمٌ لكلِّ إنسانٍ في هذا الزمان، خصوصًا لمَن وقعوا في الشبهة والإنكار، فكذلك مجموعة "ذي الفَقار" لازمةٌ لأهل الإيمان وأهلِ العلم وبالأخصِّ حُفَّاظِ القرآن، فكلُّ حافظٍ للقرآن محتاجٌ إليها بشدةٍ في هذا الزمان، ولا بد لكلِّ حافظٍ أن يكون لديه هذا السِّفْرُ الذي يبين إعجازَ القرآن بأربعين وجهًا.
لم يَعرِض لنا التاريخ حتى اليوم مثيلًا لرسائل النور هاجمتِ الكثيرَ من الطوائف والمسالك، ونَجَتْ من الانتقاد فلم يُصِبْها منه إلا مقدارٌ يسيرٌ خفيف، حتى إنها نهضتْ بخدمةٍ وجهادٍ قدسيَّين رفيعَين بأقلِّ المشاق، ولم تَلْقَ في مقابل ذلك إلا سِجنَين محدودَين مؤقَّتَين كانت عاقبتُهما خيرًا، ولَقِيَتْ مصيبتَين أو ثلاثًا انطوتْ على عناياتٍ وفتوحات.
أُسلِّم على الجميع وأدعو لهم بالتوفيق.
٭٭٭