— 195 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
ثمة شخصٌ مسكينٌ متوسوسٌ، حسَّاسٌ، يلتقي بالملاحدة، اطلَعَ على حديثٍ حول الدعاءِ النبويِّ المشهورِ المعروفِ بی"الجَوشن الكبير" وحول فضلِه وثوابِه الذي لا يدركه العقل، فوقع في الشبهة، وطَلَب من رسائل النور العون، قال: إن الراوي من أئمة أهل البيت، لكنْ تبدو في الحديث مبالغةٌ لا حدَّ لها، إذْ فيه مثلًا أنه يُثابُ على هذا الدعاء بقدرِ ثوابِ القرآن، وأن الملائكة الكرامَ في السماوات العُلى تتنزَّل متواضعةً إلى صاحب هذا الدعاء فتَحُفُّه بالعناية.. وهذا لا يواتي مقاييسَ العقل والمنطق!!
فأجبتُه من القرآن والجَوشن والأنوار جوابًا قطعيًّا يطابق العقلَ والحكمةَ تمامًا، أبيِّنه لكم مُجمَلًا بغاية الاختصار؛ قلتُ له:
أولًا: في الغصن الثالث من "الكلمة الرابعة والعشرين" عشَرةُ أصولٍ تَقطع دابرَ هذه الشبهات وتزيلها من أساسها، فراجعْها وخذ جوابَك.
ثانيًا: إن المرتبةَ العظيمةَ لهذا الدعاء إنما هي في حقِّ الذات الأحمدية على صاحبها أفضلُ الصلاة والسلام، إذْ تُرْفَع له في كلِّ يومٍ حسناتٌ بقدر حسناتِ أمته بأجمعها، وهو المُعِينُ على سعادة أمته بأكملها، وهو مَظهَرُ الاسم الأعظم، والنواةُ الأصليةُ للكائنات وثمرتُها الجامعةُ الكاملة، فالمرتبةُ العظيمةُ لهذا الدعاء رآها هو في حقِّ نفسه، وسَمِعها من جبرائيل عليه السلام الذي أخبره بها، ثم قاس غيرَه على نفسه أو قِيس عليه.
إذًا، فهذا الثوابُ الجزيلُ العجيبُ إنما وَرَدَ على الذات الأحمدية مِن ولايته الكبرى، فليس كُليًّا ولا عموميًّا، ولكنَّ ماهية هذا الدعاء تنطوي على هذه القيمة الخارقة، وهذا الثوابُ ممكنٌ للآخرين بتبعيتهم لذلك الذاتِ مَظهَرِ الاسم الأعظم؛ إلا أن لهذا الدعاء شروطًا في غاية الأهمية، فلا تكفي القراءةُ وحدَها، وإلا اختلَّ توازنُ الأحكام، ووقع المِساسُ بالفرائض.
— 196 —
ثالثًا: كما أن هذا الدعاء حين يتوجَّه إلى الذات الأحمدية يغدو عينَ الحقيقة، ومُنزَّهًا عن كلِّ مبالغة، فكذلك حين يتوجَّه إلى حقائقِ مئاتِ الأسماء الحسنى التي تَضَمَّنها لا يكون في ثوابه مبالغة، إذْ لا نهاية لتجلِّياتِ تلك الأسماء، بل يتبيَّن أن المُخبِرَ الصادقَ (ص) إنما أخبر عن مقدارٍ يسيرٍ جِدًّا من الفيوضات الواردةِ والممكنِ وُرودُها من تلك التجليات، إظهارًا لعدم تناهيها، وترَكَ الباقي مبهَمًا ومطلَقًا تشويقًا وترغيبًا؛ ثم مع مرور الزمن عُدَّتْ تلك القضية الممكنةُ المطلقةُ كُلِّيةً وواقعةً بالفعل.
رابعًا: ثمة حاشيةٌ في "لَمعة الإخلاص العشرين" حول أن المرء يؤتى جنةً عرضُها مسيرةُ خمسِمئة سنة، فراجِعْها تجد أن إيتاء تلك الجنة العظيمة ليس مالكيةً على وجهٍ لا نَعلمُه، بل كما أن الإنسان مالكٌ لدارِه الخصوصية وصاحبٌ لها بجهاتٍ كثيرة، فإنه بحواسِّه الكثيرةِ مالكٌ نوعًا ما لما على وجه الأرض من أشياء، وبإمكانه التصرفُ بها والاستفادةُ منها، وبإمكانه القول: إن هذا العالَم الكبير داري، أعطانيها ربي، والشمسُ مصباحي.
وعلى هذا، فبعضُ الثواب الجزيل الذي يفوق الحدَّ ولا يبلغُه العقل إنما يَنظر إلى هذه الحقيقة المذكورة.
ثم إن صاحب الذات الأحمدية (ص) الذي هو المَظهر الأول لكلِّ ما في الإسلام من ثوابٍ وفضائلِ أعمال، والذي ينال بكلِّ ذَرَّةِ ثوابٍ في دعائنا ثوابًا وفيضًا كأمثال الجبال، إنما يُبيِّن هنا المرتبةَ العليا التي أُوتيَها في أوراده وأدعيته الخصوصية، لا بجهة الشريعة والرسالة، بل من نقطة الولاية الأحمدية، وفي دروسه غيرِ العمومية؛ وهو في هذا يَحُثُّ ويُرغِّبُ خواصَّ وُرَّاثه المتَّبعين له تمامَ الاتباع.. والعلمُ عند الله، لا يَعلم الغيبَ إلا الله.
وحمدًا لله أن ذلك الرجل الذي اعترتْه الشبهات والوساوس قد نجا منها، وحصلَتْ له القناعةُ التامة؛ وقد أرسلتُ إليكم هذا لعل فيه فائدةً لبعضكم.
والسلام عليكم أجمعين.
٭٭٭