لاحقة أمير داغ
— 184 —

صورةٌ عن الرسالة التي كتبها المرحوم "صالح يَشيل"

إلى السيد "حلمي أُوران" وزير الداخلية
أرجو أن تتكرموا بقراءة هذا الالتماس الخاصِّ، المقدَّم لغايةٍ إنسانيةٍ خالصةٍ، بخصوص شخصٍ بريءٍ هو "المُلَّا سعيدٍ" المعروف ببديع الزمان، الذي ما يزال يعيش مُضيَّقًا عليه منذ سنين طويلةٍ بسبب إساءةِ فهمِ مؤلَّفاته، مع أنه إنسانٌ خالصٌ صادقٌ ليس له غايةٌ ولا مَقصَدٌ سوى الإسلام؛ والمرجوُّ تبديلُ مكان إقامته الحاليِّ أو نقلُه إلى أنقرة، ليتسنى له قضاءُ بقية حياته في سكينةٍ وسلام، وليُكافأ في شيخوخته على خدماته المنسية التي أداها في شبابه، بأنْ يُتاح له الرحيلُ عن هذه الدنيا حُرًّا طليقًا.
مع فائق الاحترام والتقدير لشخصكم الكريم
من هو "المُلَّا سعيد"؟
إن "المُلَّا سعيد"، الذي يقضي حياتَه اليوم تحت الإقامة الجبرية في "أميرداغ" بقضاء "أفيون"، قد نشأ وترعرع منذ نعومة أظفاره بين إخوانه الأتراك وتحلَّى بسجاياهم.
خاض "المُلَّا سعيدٌ" الحربَ العالمية الأولى على جبال القَفْقاس المغطاة بالثلوج، واشترك فيها قائدًا لفرقةٍ من المتطوعين، يقاتل جنبًا إلى جنبٍ مع جنودنا الأبطال، ويتعهدهم بالوعظ والإرشاد، وقد نال على جهوده هذه وسامًا حربيًّا رفيعَ المستوى.
وقد شارك في صدِّ العدوان عن "صاري قامِش"، وأثخنتْه الجراح أثناء سقوط "بِتليس"، فوقع أسيرًا بيد الروس، وعانى من ويلاتِ الأسر في معسكراتهم ردحًا طويلًا من الزمن، إلى أن تمكن من الفرار وعاد إلى إسطنبول، فعُيِّن عضوًا بدار الحكمة الإسلامية لما يتحلى به من مقدرةٍ علمية.
ومع تشكيل القوى الوطنية أثناء حرب الاستقلال، كان له دورٌ بارزٌ في حَثِّ الناس وتشجيعهم على جهادِ المحتل.. وحين تَشَكَّلَ مجلسُ الأمة في أنقرةَ، قَدِمَ
— 185 —
إليها فنَزَل ضيفًا في مَضْيَف "حاجي بَيرم"، وبيَّن لكثيرٍ من المترددين ضرورةَ الدفاع عن الوطن.
إن هذا الإنسان المحِبَّ لوطنه حبًّا حقيقيًّا قد ألَّف سابقًا وما يزال يؤلِّف كُتبًا حول الإيمان والعبادة والعقيدة، إلا أن ذلك لم يَرُقْ لفريقٍ ممن يُبغضون الدين وأهلَه، أخصُّ بالذكر وزيرَ الداخلية السابق "شكري قايا" الحريصَ على منفعته الشخصية ومَن كانوا على شاكلته في وزارة الداخلية، فلفَّق هؤلاء تُهَمًا باطلةً وتقاريرَ كاذبةً بحقِّ هذا الرجل المُستَضعَف، ليقضيَ بسببها أكثرَ من عشرين عامًا بين سجنٍ ونفيٍ وتشريد؛ وكان من آخرِ ما جرى له قبل سنتَين بناءً على هذه الدعاوى المزعومة، أنِ اقتيد من منفاه في "قَسْطَموني" مكبَّلَ اليدين ليُزَجَّ به في سجن "دَنِزْلي" أحدَ عشر شهرًا، وحُكِم بالعقوبة نفسِها على ستين رجلًا آخرين لا لشيءٍ سوى أنهم ألقَوا عليه السلام ذات مرة!!
ثم إنه بعد ذلك جيء بهذه المؤلفات التي عومِلَت معاملةَ المنشورات الخطيرة، فدقَّقتْها هيئةٌ من مجلس الإفتاء بإسطنبول، ثم هيئةُ الشؤون الدينية بأنقرة، ودقَّقتْها كذلك لجنةٌ من أعضاء مؤسسة التاريخ واللغة، واستمرَّت عمليةُ المراجعة والتدقيق شهورًا، لتَصدُر النتائجُ بعد ذلك مُصرِّحةً بأن هذه المؤلَّفات لا تحوي أيَّ شيءٍ من شأنه المِساسُ بشؤون الدولة وأمنِها العام؛ وعلى إثر ذلك قضتِ المحكمة ببراءة "المُلَّا سعيدٍ" وطلابِ النور وقُرَّاءِ هذه المؤلَّفات؛ وبالرغم من السماح لهذا الرجل الطاعن في السن بالإقامة في "دَنِزْلي"، إلا أنه سُرعان ما أُبعِدَ منها إلى "أفيون"، ثم نُقِل منها إلى "أميرداغ"، ومُنِع من كلِّ أشكال التواصل أو الاختلاط مع إخوانه الأتراك!!
سيدي المحترَم.. إن هذا الرجلَ الشيخَ المُستَضعَفَ المحرومَ من الحرية التي كَفَلتْها له الجمهورية والدستور، ليس إلا مفكِّرًا إسلاميًّا يستحقُّ كلَّ الحماية، بل يستحقُّ العناية والرعاية من هذه الحكومة المُسلِمة، إذْ لا أهلَ له ولا وَلَد.. وأذكر في هذا المقام ما حكاه شاعرنا الشهير "محمد عاكف بك"، فقد ذكر أن الأستاذَ الجليل "عبدَ العزيز چاويش" أحدَ أبرز علماء مصر، وصاحبَ الاطلاع الواسع على لغات الغرب وفلسفته وفكره، كتب في عَقدِ العشرينات مقالةً في صحيفة "الأهرام" عن "المُلَّا
— 186 —
سعيدٍ" صدَّرَها بعنوانٍ يقول: "فَطينُ العصر"، ومَن يقرأ هذه المقالة من أهل العلم الذين عرفوا "المُلَّا سعيدًا" عن قرب، سيُقدِّر بالتأكيد ما تتميز به هذه الشخصية من مسلكٍ ربَّانيٍّ ومقدرةٍ علميةٍ فطرية.
سيدي المحترم.. إن هذا الرجل الذي تَلقَّى صنوفَ الأذى بدعوى كُرديَّته، ما هو إلا خادمٌ للإسلام يُكِنُّ في قلبه كلَّ المحبة للتُّرك، (حاشية): نعم، ففي هذا العصر الرهيب هَبَّ الآلافُ من الشباب والشيوخ والفتيان الأتراك ممن يَعدِل الواحدُ منهم مئةً رجل كونهم طلاب النور، هبُّوا معًا لنُصرة الإسلام كما فعل أجدادهم من قبلُ حين تهاوت الدَّولة العباسية، ولا ريب أن الأمر لا ينال استحسان "سعيدٍ" وحدَه، بل ينال استحسانَ جميع أهل الحقيقة، وهذا هو مَناطُ محبَّتِه ومحبَّتهم للتُّرك؛ سعيد النُّورْسِيّ. ولا يمكن لمن هذا وصفُه أن يتأتَّى منه ضررٌ لهذا البلد وأبنائه، بل سيجدون منه النفعَ المعنويَّ الكثير، وإني أَشهد بشرفي وكرامتي أنه شخصٌ طاهرٌ نقيُّ السيرة والسريرة؛ وانطلاقًا من هذا أتوجه إليكم بوصفكم أصحابَ الدرايةِ والقرارِ في الشأن الداخليِّ، راجيًا باسمِ الإنسانية أن تُعمِلوا عدالةَ الحكومة بحقِّ هذا الشخص الذي حُرِمَ من نعمة الحرية، وحُرِمَ من اللقاء بإخوانه الأتراك، بل حُرِمَ حتى من التفسُّح وتغيير الأجواء، بسبب تقارير صحفيةٍ تتهمه وتُسيء فهمَه!!
وإنه إنْ لم يُتَحْ ذلك باسم العدالة، فإني أرجو من مقامكم الكريم أن تُتيحوا ذلك باسمِ حُسْنِ النية ولو مرةً واحدة، ليُصار بعد ذلك إلى قرارٍ بالإبقاء على حريته أو نفيه.
وإني لَعلى يقينٍ من أن قيامكم بهذا الإجراء في دائرة القانون ومن موقعكم الموقَّر، سيكون مَعْلمًا وضَّاءً في سيرتكم يستحق كلَّ تقدير، وسيكون كذلك إعلانًا ناصعًا للشعب عن عدالتكم التي شَمِلت الضعفاء والمظلومين، يَذكره كلُّ حرٍّ كريم.
النائب السابق في مجلس الأمة عن ولاية "أرضروم"
المُحِبُّ من صميم قلبه لشعبه ووطنه وأبناء وطنه
محمد صالح يَشيل أوغلو
٭٭٭
— 187 —
أخي في الدين المحترم..
مضى عليَّ أربعون يومًا وأنا طريحُ الفراش مشغولُ البال بشأنكم، إذْ قد بَلَغني أنكم في وضعٍ لا يَسُرُّ البال.. فقبل حوالي عشرة أيام سمعتُ من نافذتي بائعًا متجوِّلًا ينادي على بضاعته من السمن البلديِّ المجلوب من "أفيون"، فناديتُه واشتريتُ منه بعضَ السمن، ولم يكن مَقصَدي إلا السؤال عنكم، وقد حزنتُ كثيرًا لما علمتُ بنفيكم من "أفيون" إلى "أميرداغ"، ومنعِكم من اللقاء بالأهالي والتواصل معهم.
أخي في الدين المحترم.. كاتبُ هذه الرسالة هو "محمد صالح يَشيل أوغلو"، النائبُ السابق في مجلس الأمة عن ولاية "أرضروم".. التقاكم قبل إحدى وثلاثين سنةً بمدرسة أسعد باشا في "أرضروم"، ثم في جبال القَفقاس المكسوَّة بالثلوج أثناء الحرب العالمية الأولى، والتقاكم قبل أربعٍ وعشرين سنةً بقاعة مجلس الأمة أثناء فترة نيابته، وكنتم حينَها برفقة صديقكم "حيدر بك" والي "وان".
محمد صالح
٭٭٭
رسالةٌ إلى صالح يَشيل
أخي العزيز "حسن أفندي"..
اُكتب نيابةً عني إلى أخينا المحترم "صالح أفندي" أني لن أنسى إنسانيَّتَه هذه ما حَيِيت، وأني شديدُ الامتنان له، وأُسلِّم عليه وأدعو له.. غير أني عزمتُ على تحمُّل كلِّ مضايقة، ولستُ أنتظر من هؤلاء الرؤساء والمسؤولين خيرًا ولا معروفًا.
سعيد النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 188 —
ثمة نسخةٌ من "عصا موسى" أرسلتموها إليّ، وهي غيرُ مجلَّدةٍ إلا بغلافٍ من ورقٍ أصفر، وخطُّها يُشبه بدرجةٍ ما خطَّ "خسرو"، لكنْ مكتوبٌ عليها اسم "مصطفى"، فمن هو؟ أيُّ مصطفًى هو؟
ومكتوبٌ عليها كذلك: "خديجة بنت أحمد، في الثالثة عشرة من عمرها"، فأيُّ أحمدٍ هذا؟ بارك الله به وبابنته، فإنَّ كتابةَ هذا الكتاب الضخم بدقةٍ مع مراعاة التوافقات، وبخطٍّ جميلٍ مع السلامة من الأخطاء، لَبطولةٌ من طائفةِ الأبرياء الصِّغار، وما رآه أحدٌ إلا أُعجِب به، وهذا سيحفِّز النساءَ المتعلِّمات في هذه المنطقة.
٭٭٭
رسالةُ أخينا "نظيف" مهمة، والحقيقةُ أن في أمريكا كثيرًا من الملتزمين الذين يتمسَّكون بالدين لأجل الدين، لا لاتخاذه أداةً للسياسة، وعسى أن يكون الشخص الذي حَصَل على "عصا موسى" واحدًا من هؤلاء المتدينين.
إن "صلاح الدين" هو أُنموذجٌ تامٌّ عن "عبد الرحمن"، ولا يريد التخلُّف عن أبيه في البطولة، على أنه بين فَينةٍ وأخرى يَضطرُّنا للالتفات إلى الدنيا خلافًا لعادتنا.
إذا طَلب ذلك العالِمُ الأمريكيُّ المرموقُ رسائلَ النور كاملةً ووعَدَ بنشرِها، فسنُرسِل إليه یی بالتشاور معكم یی مجموعةً كاملةً ممتازة.
ورَدَ في رسالة "نظيف" سؤالٌ حول الوسوسة يسأله شخصٌ محترمٌ متقاعد، ولو كان لهذا الشخص علاقةٌ جدِّيةٌ مع الأنوار، لما احتاج إلى مثل هذه الأسئلة، فلْيقرأ "لَمعة حكمة الاستعاذة"، والقِسمَ المتعلق بوجود الملائكة والرُّوحانيين من "الكلمة التاسعة والعشرين"؛ أما وسوستُه التي لا معنى لها، والتي أُجيبَ عنها في مواضع كثيرةٍ من رسائل النور، فما هي إلا نَزْغٌ من الماديين الزنادقة الذين استغلُّوا وضعَه الحاليَّ
— 189 —
العصيب، فتأثر من ذلك وسأل سؤالَه هذا.. أُسلِّم عليه، وأُبلِّغُه أن بمقدور رسائل النور حلَّ جميع مشاكله، فَلْيعمل لها بإخلاص، ولْيُصْغِ إليها بتسليم.
الرسالةُ التي بعث بها بطلٌ قديمٌ جديدٌ من أبطال مدرسة النور، أعني "أحمد النجار"، أورثتْني سرورًا وامتنانًا من عدة جهات.. أما "أحمد" الذي وَصَفه بأنه الطالب الأول في تلك المدرسة، فقد سُرِرتُ وزال همِّي حين علمتُ أنه حفيد الرجل المبارك "حسن داي"، وأنه تولَّى وظيفةَ الشهيد الحافظ "علي"، وكَتَبَ یی هو وابنتُه الصغيرة وأخوه الفاضل "سليمان" یی ثلاثَ نُسَخٍ من "عصا موسى".. شفاه الله وعافاه، وكتب لهم التوفيق والسعادة.. آمين آمين.
وأما قيامُ أخَوَي المرحومِ الحافظِ "محمد" بوظيفته مِن بعدِه، ومشابهةُ خطِّ "مصطفى" لخطِّ "خسرو" الجميل، فقد أورثاني سرورًا كما لو أني حَظيتُ من جديدٍ باثنين من أمثال الحافظ "محمد".
التحقَ بركب النور خطيبُ قرية "كوك دَرَه" وأبناؤه الثلاثة، وشرعوا بنَسْخِ رسائل النور، وذلك بجهود البطل "النجَّار".. نهنئهم ونهنئ قريتَهم، ونهنئ "النجَّار" كذلك، وقد أدرجنا قصيدتَه التي نَظَمها لهم في "المَلاحق".
وقد فرحنا بالرسالة الطويلة التي كتبها "علي عثمان" المُقعَد من "أتابك"، وبسعيه الدؤوب ونشاطه المؤثر لنشر "عصا موسى" والأنوار، كما فَرِحنا بجهود "عليٍّ القَفَّال" صاحبِ المساعي الحثيثة في الخدمة النورية، وبمساعدة خاله "حسن" له، وبما جرى لهما من توافقات وما لهما من رؤًى مباركة، وقد زادني ذلك حبًّا لمنطقة "أغيردِر".. بارك الله بهم ورضي عنهم.
٭٭٭