— 174 —
الأول: أنهما لم يتوجَّها إلى شخصي فيما كَتَبا، بل توجَّها إلى تلك الوظيفة القدسية، وإلى خادميتي للقرآن والإيمان والأنوار.
الثاني: أن ما ورد على لسانهما أو لسانِ مَن يُمثِّلانِ مِن خُلَّصِ إخواننا هناك من تعريفٍ بي يفوق حدي كثيرًا، إنما هو نوعٌ من الدعاء الصادق، والتفاؤل العُلْويِّ، والرغبة الخَيِّرة السامية، وهو إنما يعكس استعدادَهم واعتقادَهم وعلاقتَهم الجادَّة الوثيقة بالأنوار.
الثالث: أني لكوني في نظرهم ممثلَ الشخص المعنوي لرسائل النور ونموذجًا لتلاميذها، فليس من المصلحة كسرُ قوتِهم المعنوية وحُسْنِ ظنهم الفائق، إذْ هما مَبعثُ رغبتهم وحماسهم.
أبعثُ بعاطرِ التحية والسلام لهما ولأصحابهما خصوصًا "أحمد فيضي"، ولإخواننا في سجن "دَنِزْلي"، وللعاملين لتحقيق العدالة في حقِّنا.
ثالثًا: بخصوص رسائل البطل "خسرو" التي أحتفظ بها والتي كثيرًا ما كانت بلسمًا لهمومي، فلستُ أجد الوقتَ لأقتبس من كلِّ واحدةٍ منها فقراتٍ مهمةً أُدرِجها في "المَلاحق".. فسأراجعها في وقتِ راحةٍ إن شاء الله.
الرسالةُ التي كتبها "أحمد نظيف" باسم طلاب "إينه بولو" وما حولَها، والتي تُبيِّن اشتراكَهم في مَرثيَّة "خليل إبراهيم" المُبكية، قد بدَّدتْ قلقي بشأنهم، بارك الله بهم من إخوانٍ ثابتين ورضي عنهم.
رابعًا: الجهودُ المبذولةُ لرسائل النور من إخوانِنا القدامى والجُدُد المذكورين في رسالة "أحمد" بقرية "جُوبان عيسى"، وتَنشئتُهم الصغارَ على القرآن والأنوار، هي خدمةٌ جليلةٌ للأنوار في هذا الوقت، وفَّقهم الله، آمين.
خامسًا: صحيحٌ أن الجَوشن والأوراد القدسية للشاه النقشبند قد أنقذتني بقدسيتها نحوَ عشرين مرةً من خطر الموت جرَّاءَ التسميمات المادية والمعنوية من أعدائي المنافقين، إلا أن هذا الظلم یی للأسف یی قد خلَّفَ في أعصابي وعروقي
— 175 —
وحسَّاسيتي تأثُّرًا شديدًا، وتوتُّرًا بالغًا، وألمًا واستيحاشًا، بحيث لا أحتمل مجالسةَ أعزِّ الأصدقاء وأصدقِ الإخوة ساعةً من الوقت، ولا تَحتمل روحي ذلك، بل أتضايق إن نظر أحدُهم إليّ.
إنَّ مرض الاستيحاش من الناس الموجودَ لديَّ قديمًا، قد اشتد من جرَّاء تضييق هؤلاء الظَّلَمة عليَّ ومراقبتهم الصارمة لي، فكأني متُّ من جهة الحياة الاجتماعية قبل أن أموت، ولأجل هذا السرِّ وهذه الحقيقة يَكتب خواصُّ إخواني مَرثيَّاتٍ بحقِّي.
ثم إن للجوَّ هنا أثرًا سيئًا بالغًا على أعصابي، فيَومٌ من أيام هذا الشتاء يَثقُل عليَّ ويورِثني كآبةً بقدر ما يَفعل شتاءٌ كاملٌ قَضَيتُه في سجن "دَنِزْلي".. نعم، وكما أن العين لا تتحمَّل شعرة، فكذلك روحي وطاقتي في الوقت الحالي، لا تتحملان شعرةً من عبءٍ أو ثِقَل، غير أنه فيما يتعلق برسائل النور وسلامةِ طلابها، فإني أُخبركم يقينًا أنهما تُعانيان نيابةً عنهم شدائدَ ومصاعب كالجبال، وتحتملان ذلك بكل رضًا، وتَصبِران عليه بكلِّ شكر.. وبما أني أعاني مزيدَ عجزٍ وضَعفٍ وتأثُّر، فأحرى بخواصِّ إخواني ألَّا يُثقِلوا كاهلي بالمدائح، بل يُخفِّفوا من حِملي ويعينوني بدعائهم وشَفَقَتهم وهمتهم وتعاطفهم.
وإنها لجَلوةُ عنايةٍ ربانيةٍ أن مرضَ الاستيحاشِ الشديدَ هذا يُخفِّف حُكمَ الظَّلَمةِ عليَّ بالعزل والتجريد المطلق فيجعلُه كالعدم، فهو بجهةٍ ما يورثني الرضا، ولا يعود عليَّ بالأذى.
٭٭٭