لاحقة أمير داغ
— 171 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
ثمة حقيقةٌ إيمانيةٌ في غاية النفاسة، تراءتْ لي أكثرَ من مئةِ مرة، غير أني لانتهاء زمانِ تأليفِ الرسائل لم أتمكن من اقتناصِها رغم اجتهادي في طلبها، وانتظرتُ لأتمكن من الشعور بها والتعبير عنها بعبارةٍ واضحة فلم أنجح في ذلك، فسأتحدث الآن عن هذه الحقيقة الواسعةِ جدًّا، والمُسهَبة جدًّا، حديثًا موجزًا بإشارةٍ في غاية الاختصار.
وهو أن حديث: "إن الله خلق الإنسان على صورة الرحمٰن"، هو حديثٌ من جوامع الكلم ومن متشابِه الحديث في آن، وقد ظهرتْ لقلبي نُكتتُه الجليلةُ الكُلِّيةُ وقتَ قراءتي "الجَوشنَ الكبير" مع "خلاصة الخلاصة"، ولكيلا أُفوِّت هذه النُّكتة العجيبة البديعة فقد صُغتُها في رموزٍ وإشارات، وأدرجتُها في "خلاصة الخلاصة" بين المرتبة السابعة عشرة، وهي الشهادة بلسان القرآن، وبين المرتبة الثامنة عشرة، وهي الشهادة بلسان الكائنات، فإليكم هذه الإشارات الرمزية:
«لا إلٰه إلا الله الواجبُ الوجودِ الواحدُ الأحد، بلسانِ الحقيقة الإنسانية بكلماتِ حَيَاتِها وحِسِّيَّاتِها وسَجِيَّاتِها ومِقياسِيَّتها ومِرآتِيَّتِها، وبكلماتِ صفاتِها وأخلاقِها وخِلافتِها وفِهْرِسْتِيَّتِها وأنانيتِها، وبكلماتِ مَخلوقيتِها الجامعة، وعبوديتِها المتنوعة، واحتياجاتِها الكثيرة، وفَقرِها وعجزِها ونقصِها غيرِ المحدودة، واستعداداتها غيرِ المحصورة».
وسأُبيِّن هذا الرمزَ الموجز، وأوضحه برمزٍ في غاية الاختصار كذلك، فاجعلوه حاشيةً على "خلاصة الخلاصة".
— 172 —
نعم، إنني حين أقرأ "خلاصةَ الخلاصة" تغدو الكائنات بأجمعها حلقةَ ذكرٍ في نظري، لكنْ لمّا كان لسانُ كلِّ نوعٍ من أنواع الكائنات واسعًا جدًّا، كان العقل يبذل جهدًا كبيرًا في طريق التفكُّر، حتى يبلغَ درجةَ علمِ اليقين في الإذعان للصفات والأسماء الإلٰهية، ثم يشاهدُها بعد ذلك تمامَ المشاهدة.
لكنه متى ما نَظر إلى الحقيقة الإنسانية، وطالَعَ الأسماءَ والصفاتِ في هذا المقياسِ الجامع، والخريطةِ المصغَّرة، والأُنموذجِ الدقيقِ الصادق، والميزانِ الحسَّاس، وتأمَّلَ في حسَّاسيةِ هذه الأنانية، صَدَّقَ تلك الأسماءَ والصفاتِ بوُجدانٍ قطعيّ، واطمئنانٍ شهوديّ، وإيمانٍ إذعانيّ، فيَحظى عندئذٍ بالإيمان التحقيقيِّ بمنتهى السهولة بواسطةِ مرآته الماثلةِ لديه، من غير حاجةٍ إلى سياحةٍ فكريةٍ طويلة، ويُدرِك حينئذٍ معنًى حقيقيًّا للحديث: "إن الله خلق الإنسان على صورة الرحمٰن"، ذلك أن المرادَ بالصورةِ السيرةُ والأخلاقُ والصفات، إذِ الصورة في حقِّه سبحانه مُحال.
نعم، فكما أن أهلَ الطريقة سلكوا طريقَين في المعرفة الإلٰهية، وذلك بالسَّير الأنفُسيِّ والسَّير الآفاقيّ، ووجدوا أن أقصرَ طريقٍ وأسهلَه وأقواه وأكثرَه أمنًا واطمئنانًا هو طريقُ السَّيرِ الأنفُسيّ، أي السَّيرُ في القلب، بالذكرِ الخَفِيِّ القلبيّ، فكذلك أكابرُ أهلِ الحقيقة، سلكوا سبيلَين أيضًا، لا في المعرفة والتصوُّر، بل فيما هو أعلى وأجلُّ منهما بكثير، ألا وهو الإيمان والتصديق.
فالسبيل الأول: النظرُ في الآفاق بمطالعةِ كتاب الكون، كما في "الآية الكبرى" و"الحزب النوري" و"خلاصة الخلاصة" وأمثالها.
والسبيلُ الآخَر: الرُّقيُّ إلى مرتبةِ الإيمان التي لا شبهة فيها ولا وسوسة، وذلك بمطالعةِ خريطةِ الحقيقة الإنسانية، وفِهرِسِ الأنانيةِ البشرية، وماهيتِها النفسية؛ وهذا السبيل هو الأقوى، وهو سبيلٌ وجدانيٌّ حِسِّيٌّ بدرجةِ حقِّ اليقين، وهو كذلك شهوديٌّ بدرجةٍ ما، إذْ هو ناظرٌ إلى سرِّ الأقربية ووراثةِ النبوة.
— 173 —
ولقد بَينَّا بعضًا من حقيقة التفكُّر الإيمانيِّ الأنفُسيِّ في "الكلمة الثلاثين" المسمَّاةِ "الأنا والأنانية"، وفي نافذتَي "الحياة" و"الإنسان" من "المكتوب الثالث والثلاثين"، وفي غير ذلك مِن سائر الأجزاء النورية.
يُكتَب هذا في "المَلاحق"، وفي "السِّكة الغيبية"، وفي آخر "الخلاصة".
٭٭٭