لاحقة أمير داغ
— 168 —

جزءٌ من التَّظلُّم المقدَّم إلى وزير الداخلية

لقد تعرَّضتُ لظلمٍ لم يَسبق له مثيل، ولقيتُ صنوفًا من الاضطهاد والقسوة تخالف القانون من عشرة وجوه، وأبيِّن ذلك فأقول:
إن "سعيدًا" المسكين هذا شخصٌ قد اشتدت عليه وطأة المرض لتَسَمُّمه في محاولةِ اغتيالٍ آثمة؛ وهو مع هذا ضعيفٌ لا حول له ولا قوة؛ طاعنٌ في السن قد بلغ الحادية والسبعين؛ وحيدٌ في غربةٍ تدعو للرثاء؛ فقيرٌ يبيع بعض ثيابه ليؤمِّن معيشته؛ مُنطوٍ عن الناس مستوحشٌ منهم لعزلته عنهم خمسًا وعشرين سنة، فلا يكاد يجد في ألْفٍ منهم شخصًا واحدًا كاملَ الصِّدق؛ وهو فوق ذلك رجلٌ بريء، بَرَّأتْه لجنةُ خبراءِ أنقرة ومِن قبلِها ثلاثُ محاكم بعدَ أن استعرضوا عشرين سنةً من حياته، ونظروا في مؤلفاته بعينِ التدقيق والتمحيص، فقضَوا ببراءته، واتفقوا على أن مؤلفاته نافعةٌ ليس فيها ما يَضُرُّ الوطنَ أو الشعب؛ وهو رجلٌ من أبناء هذا الوطن غيورٌ عليه، وقد سبق أن أسدى إليه خدمةً جليلةً في الحرب العالمية الأولى، وهو اليوم يعمل بكل قوته وعبر مؤلفاته ذاتِ التأثير الظاهر للعِيان ليحميَ الوطن وأبناءَه من الفوضوية وإفساد الأجنبي؛ وهو رجلٌ مسالمٌ لم يتأتَّ منه ما يَضُرُّكم، ولم يتدخل بشيءٍ من أمور دنياكم، بل لم يقرأ صحيفةً ولا اهتم بالأخبار والحوادث منذ خمسٍ وعشرين سنةً كما ثبت ذلك لدى المحكمة بشهادة سبعين شاهدًا، وما التفتَ إلى الحرب العالمية الثانية طَوالَ سِنِيها السبعِ ولا استَخبر عنها ولا علِم من أخبارها شيئًا، وقد أثبت في مؤلفاته بالدلائل القوية أنه قَطَع علاقته بالسياسة كُلِّيًّا، كما اعترفتْ بذلك جهاتُكم القضائية رسميًّا؛ وهو امرؤٌ يفِرُّ أشدَّ الفِرار من إقبال الناس وتوجُّههم إليه، ويتحفَّظ من مديح إخوانه له وحُسنِ ظنهم به، ولا يُعجَب بشيءٍ من ذلك، لئلا يَضُرَّ بآخرته وإخلاصِه.. فأيَّةُ مصلحةٍ تقتضي منك أنتَ وزيرَ الداخلية أن تُسلِّط عليه واليَ "أفيون" وشرطةَ "أميرداغ" ليقاسيَ في كلِّ يومٍ ما كان يقاسيه في شهرٍ في السجن الانفرادي، وليُجبَر
— 169 —
على البقاء وحيدًا في حبسٍ انفرادي وزنزانةٍ انفرادية؟! أيُّ قانونٍ يسمح بهذه القسوة الرهيبة؟!
هذا ما أبيِّنه لوزير الداخلية عبر دوائر القضاء العليا التي تحافظ على الحقوق العامة.
المحروم ظلمًا من حق الحياة
ومن جميع حقوقه المدنية والإنسانية
سعيد النُّورْسِيّ
٭٭٭
إخواني الأعزاءَ الأوفياء، وأقربائي الأَوِدَّاء في هذه الغربة: السادة "عثمان" و"محمد" و"حسن"..
عِرفانًا بجميلكم، ومكافأةً عاجلةً على خدمتكم الخالصة الصادقة التي لا تُنسى، والتي أسديتموها لي ولرسائل النور أنتم "آلَ چالِشْقان"، فقد أَولاكم "حسن فيضي" وسائرُ طلاب النور توجُّهًا وتقديرًا فوق العادة، وأشادوا بذكركم في كلِّ مكان، وجعلوا أهلَ الحقيقة أولياءَ لكم وأنصارًا، وهذا يُحتِّم عليكم مراعاةَ أعلى درجات الاحتياط والحذر، والتحليَ بالولاء التام، والأخذَ نيابةً عني بالتيقظ التام، حمايةً لرسائل النور وطلابها، وحفاظًا عليهما، ووقايةً لهما من دسائس أهل السياسة والأعداء الذين سمَّموني، وإلا، فإن خطأً بسيطًا يقع منكم لن ينال مني وحدي، بل سينال من آلاف الطلاب الأبرياء، كما سينال من سمعتكم الناصعة.
وبالنظر إلى وضعي الحالي، وما ألقاه من تضييقاتٍ تخالف القانون من ستة وجوه، فإن القائمين على هذه المعاملة الظالمة المتعسِّفة يبحثون عن ذريعةٍ أو وسيلةٍ يتنصلون بها من المسؤولية مستقبلًا، وهذا يتطلب منكم الحذر الشديد.
٭٭٭
— 170 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
أولًا: أرسلنا إليكم قبل يومين جزءًا من "التَّظلُّم" ليكون عمدةً تُقدِّمونه عريضةً وقتَ الحاجة، أو تُقدِّمونه إلى ذلك الوزير أو المحكمة، أو تراجعون به الجهات الرسمية، ولِيعتمدَه إخواننا أساسًا يَبنون عليه دفاعاتهم ضد المنافقين.
لقد تبيَّن أن الشخص الذي يتولى التضييق علي وإيذائي بحقدٍ وضغينةٍ حتى الآن هو هذا الشخص، فتشاوروا فيما بينكم وتصرَّفوا بما يَلزم، لكنْ خذوا بالاحتياط والحذر من غير توتُّرٍ ولا ضجيج.
ثانيًا: تلقَّيتُ مؤخرًا رسالةً من "خُلوصي" في "قارص"، أَرفَقَها برسالةِ ابن أخي "نهاد"، وقد وصلتْني عن طريق مفتي هذه البلدة الجبان الذي لم ألتقِ به؛ والحقُّ أن أخانا "خُلوصي" مُحافظٌ أبدًا على وفائه الفائق وصلتِه المتينةِ بالأنوار.
ومن بليغِ ما وقع من تَوافُقٍ أنني حين كتبتُ إلى "صبري" فقرةً قلتُ فيها: إنْ كان "نهاد" في "قارص" فسيلتقي "بخُلوصي"؛ قلتُ هذا على سبيلِ احتمال وجوده هناك دون علمٍ مني بذلك، فإذا بهما في نفس الوقت يلتقيان ويكتبان إليَّ رغم انقطاعهما عن الكتابة حتى ذلك الحين.
ثالثًا: تلقَّيتُ رسالة أخينا "رأفت" التي تُعبِّر عن كمالِ وفائه ووثيقِ صِلتِه، وتُبيِّن أنه كی"خُلوصي" أحدُ قادة الأنوار، وقد تَوافَق وصولُ رسالته مع وصول رسالةِ "خُلوصي"، فكان أمرًا لطيفًا باعثًا على السرور، فلْتُدرَج الرسالتان في "المَلاحق".
وإن تعليمَه القرآنَ للأطفال، واشتغالَه بی"اللمعات" نَسْخًا وقراءةً، ودعاءَه هو وأولئك الأطفال لي بالشفاء، كان كالبَلسَم لدائي، وقد أورثني خِفَّةً وانشراحًا.
ورابعًا: فإني كثيرًا ما تذكرتُ أخانا "يعقوب جمال" الذي يُشبِه في الكتابة المرحومَ "عاصم"، إذِ انقطعتْ أخبارُه عني، فكنتُ أتساءل بحزنٍ وأسف: هل ما زال على قيد الحياة يا تُرى أم توفي، وإنْ كان حيًّا فهل ما زال يَخدُم الأنوار بقلمه الجميل؟
— 171 —
فالشكر لله بلا حدٍّ إذْ تلقَّيتُ منه رسالةً تُبيِّن أنه ما زال حيًّا، وما زال يَخدُم الأنوار، وما زال على صدقه ووفائه؛ فالحمد لله.
٭٭٭