— 160 —
ثانيًا: إن عونكم لي ظاهرٌ جدًّا وعظيمٌ جدًّا من جهتين:
الأولى: سعيكم الدائب في الخدمة النورية من غير فتور، فإنه يُبدِّد جميع مصائبي وشدائدي، بل يُحوِّلها إلى فرحٍ وسرور.
الجهة الثانية: دعواتكم لي بظهر الغيب، فإنها تُحوِّل ظُلمَهم وأذاهم لي إلى رحمةٍ فيها عنايةٌ ومصلحةٌ لي، وهذا أمرٌ مقطوعٌ به عندي لا تُخامرني فيه شبهة، فكونوا على يقينٍ منه.
فمن ذلك أن تخويف الناس والعاملين في السلك الحكوميِّ مني وقاني الوقوعَ في خطايا كبيرة، وأنقذني من التصنُّع ومن أحوالٍ تنافي الإخلاص، وصانَ وقتي من الهدر والضياع، فأظهر القدَرُ الإلٰهيُّ عدالتَه وعنايتَه بي في طَيِّ الظلم البشري؛ وقياسًا على هذا فما من نازلةٍ تَنزل بي إلا وفي طَيِّها رحمة، وكلُّ درهمِ ضررٍ يصيبني من جرَّاء انشغالهم بي، تُقابله قناطيرُ مقنطرةٌ من المنافع تَعودُ على رسائل النور، فلا تقلقوا للأمر ولا تُلقوا له بالًا. حتى إني كلما هَمَمْتُ بالدعاء عليهم مقابلَ ما يوجِّهون لي من إهاناتٍ تجرح مشاعري، تصوَّرتُ إعدامَ الموت الذي سيَلْقَونه عما قريب، وما يَتلوه من عذابٍ يلقَونه في السجن الانفراديِّ للقبر، وتذكرتُ ما تَحقَّق لنا یی من جراء إهاناتهم یی من مصالح، وما تأتَّى لخدمتنا من منافع، فتركتُ الدعاء عليهم.
ثالثًا: أجدني أنتظرُ البريد بكلِّ شوق، لأن رسالةً أو رسالتَين تبعثون بها إليَّ في كل أسبوع، تغدو لي شفاءً وسُلوانًا ومجالسةً معنويةً معكم.
أُسلِّم عليكم وأدعو لكم فردًا فردًا.
سعيد النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 161 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياء.. أصحابي شُداةَ الحق في طريق الحقيقة..
لا يكنْ في صدركم حرجٌ مني لاقتصاري في الإجابة على رسائلكم المباركة الأخيرة برسالةٍ واحدةٍ مشوشة..
فأولًا: كان اللازمُ بحسب مسلكنا عدمَ قبول رسالة "خليل إبراهيم" لما أَولاني فيها من مزايا فوق العادة، إلا أنه كان فيها توافُقان ذوا مغزًى حملاني على قَبولها وإدراجها في "المَلاحق"، لكني مع هذا عمِدتُ إلى ما جاء فيها متعلِّقًا بشخصي فطويتُ بعضَه، واستبدلتُ ببعضه الآخَر كلمةَ "رسائل النور"، وبذلك ظهر له الجواب عما أَوردَ من أسئلة.
أما التوافق الأول، فهو أني حين وجَّه إليَّ نقيبٌ إهانةً تخالف القانون من خمسة وجوه، وكان الغرض منها صدَّ الناسِ وصَرْفَهم عني، وجدتُ أن أخًا لنا مِن أركان رسائل النور ممَن هو في نظر أهل الحقيقة أهمُّ من مئةٍ من أمثال ذلك النقيب، قد كتب إليَّ رسالةً في زمن وقوع تلك الإهانة بل في ساعتها، وأَولاني في رسالته هذه احترامًا يَفوق حدِّي مئة درجة، وخفَّف بذلك وقعَ هذه الإهانة وأمثالَها إلى العدم؛ ووجدتُ كذلك أن أربعة إخوةٍ أفاضل من أركان طلاب النور المعتبَرين قد اشتركوا في الأمر نفسِه ووقَّعوا عليه؛ وإنما قَبلتُ رسالةَ المديح رغم مخالفتها لمسلكي لأجل هذا التوافق الغريب، فعدَّلتُها وأدخلتُها في "المَلاحق"، وبعثتُ بمُسَوَّدتها إليكم.
وأما التوافق الثاني: فهو أني فكَّرتُ ليلةً في شأن نُسَّاخِ رسالة "عصا موسى"، فقلتُ في نفسي: إنَّ تَعرُّضَ المنافقين لي بين الحين والآخَر في هذا الشتاء الثقيل، ربما أورثَ النُّسَّاخ فتورًا، فلا بدَّ لهم من وسيلةٍ لرفع هِمَمهم، فأخذتُ أبحثُ في المراسلات عن وسيلةٍ تُحفِّزهم وتدفعهم للنَّسخ بهمةٍ وحماسٍ كما فعلتْ قصيدتا "حسن فيضي" و"خليل إبراهيم"، وهما قطعتان أدبيتان تُعرِّفان برسائل النور بأسلوبٍ رائق، وإذا بي أتلقى في الصباح رسالةَ "خليل إبراهيم" التي تناولتْ مسألة موتي، والتي أخافت الطلاب وحثَّتْهم على مزيدٍ من الهمة والسرعة في النَّسخ، وقلتُ في نفسي: لقد بلغ صدقُ "خليل" ووفاؤه درجةَ الكرامة.