— 150 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
شكرًا لله بلا حَدٍّ أنَّ العونَ الجادَّ الذي كنتُ أنتظره منذ زمنٍ بعيدٍ قد أخذ يَلوح من علماء "قونية".
نعم، ولا غرابة في الأمر، فرسائل النور إنما بزغَتْ من المدارس الدينية ودُورِ العلم، وانتهجَتْ الطريقَ إلى الحقيقة عبرَ العلم، ولهذا كان العلماء والشيوخ المتخرجون من دُورِ العلم هم الأَولى برسائل النور، والأجدرَ بأن يكونوا أنصارَها وأصحابَها الحقيقيين؛ وبناءً على هذا، وبالنظر إلى أن مدينة "قونية" مدرسةٌ عريقةٌ فعالةٌ من أبرز مدارس الأناضول، فقد شَرَعَ تلاميذُ هذه المدرسة المباركة في حيازةِ بضاعتِهم یی رسائلِ النور یی والتمسُّكِ بها كما فهمتُ من رسالة "صبري"؛ وإني لَيَغمُرني شعورٌ عميقٌ بالرضا لإقامتي هنا قريبًا من "قونية"، يجعلني أتحمَّل جميعَ ما ألقاه من ضيقٍ وشدةٍ وأقابله بالسرور؛ وقد أشركتُ في دعائي ومكاسبي جميعَ علماء "قونية" وما حولَها بما عرفوا لرسائل النور قدرَها، وعقدوا صلةً معها، وفي مقدمتهم العالِم الجليل والشيخ الفاضل "وهبي أفندي" صاحب التفسير المبارَك؛ وأَذكر في دعائي مَن عَرَفْتُ منهم بأسمائهم، وأدعو لهم مع خواصِّ إخواني، فبلِّغوهم سلامي وتقديري، وبلِّغوهم أنهم مثلما نالوا نصيبًا في مكاسبي على قِلَّتِها، فالسبيل مفتوحٌ لنَيلِ نصيبٍ من مكاسبِ جميع طلاب النور، بمقتضى الشراكةِ المعنويةِ القائمةِ بينهم.
إنني بعد أن تَبنَّى علماء "قونية" المباركون رسائلَ النور كما تَبنَّاها من قبلُ أبطالُ "إسبارطة"، لم يعد لديَّ ما أخشاه على الوظيفة النورية في الدنيا، بل يمكنني
— 151 —
أن أَعهد برسائل النور إلى سواعدهم القوية المباركة، وأمضي إلى قبري مرتاحَ البال.
ثانيًا: بخصوص أخينا "مصطفى عثمان"، وهو، والحقُّ يُقال، أحدُ طلاب رسائل النور الذين أسدَوا إليها نفعًا كبيرًا في زمنٍ يسير، وتَبوَّأ مكانته بين خواصِّ طلابها كما لو كان يعمل في خدمتها منذ عشر سنين، فقد كتب رسالةً لطيفةً إلى إخوانه في "أميرداغ" سُلوانًا عن الحريق الذي نشَب فيها، وتحدث فيها عن حريق البشرية، وسنُدرِج قسمًا من رسالته هذه في "المَلاحق" وفي "سِكَّة التصديق الغيبي"، ثم نرسل إليكم صورةً منها.
بَلِّغوا سلامي إليه وإلى مَن معه، وإلى إخواننا صِلةِ الوصلِ في "قَسْطَموني" و"إينه بولو"؛ ويَحسُن أن يَنسخ إخوانُنا ممن لهم خطٌّ جميلٌ ومتسعٌ من الوقت مجموعةَ "عصا موسى" كما فعل إخوانُهم في "إسبارطة" وما حولَها، فهذه وظيفةٌ نوريةٌ مناسِبةٌ جدًّا، وستؤدي بإذن الله عملًا يَفوق عملَ المطابع بكثير.
ثالثًا: إن للحافظ "أمين" سِجِلًّا حافلًا بخدمة رسائل النور، ولقد غَدَتْ بلدتُه "كُورِه" یی قبل وقوع الحادثة السابقة یی مدرسةً نوريةً بفضل الجهود الحثيثة التي قام بها إخوةٌ أفاضلُ من أمثال "نوري" و"حقي" و"إحسان" والمعلم "عثمان رحمه الله"، وستعود البلدةُ من جديدٍ للقيام بتلك الخدمة الجليلة بإذن الله تعالى.. صحيحٌ أن إخوانَنا المضحِّين هؤلاء كانوا أكثرَ من تأثَّر بهذه المصيبة، إلا أن إسهامَهم وإسهامَ بلدتهم في انتصارات رسائل النور الواسعة إسهامٌ مهمٌّ جليل.
يسألني الحافظ "أمين" في رسالته: لَم أتمكن من استلام كتبي من المحكمة، فهل وصلَتْكم أم لا؟
بلِّغوه سلامي واكتبوا إليه: لم تَصِلني كُتُبُك، وكذلك الكتب التي أرسلتُها لك إلى إسطنبول لم أستطع الحصولَ على شيءٍ منها، وقد فَتشتُ كثيرًا وبشكلٍ خاصٍّ عن مجموعةٍ أرسلتُها إلى إسطنبول تسمى "الكتاب الكبير"، وتضمُّ أكثر من عشرين رسالةً، فلم أعثر عليها.
— 152 —
لكنْ ما دامت رسائل النور تنتشر بنفسها، وتُقرِئُ نفسَها لمن يحتاجُها، فهي إذًا تُكسِبُنا وتُكسِب الحافظ "أمينًا" الثواب، فينبغي أن يكون راضيًا مسرورًا مثلي لتداول كتبه بين الأيدي.
أُسلِّم على كلِّ مَن له علاقةٌ برسائل النور في "كُورِه" من رجالٍ ونساء.. وإنَّ نظرتي إلى هذه البلدة لم تتغير، فهي اليوم مدرسةٌ نوريةٌ كما هي بالأمس.. وأُسلِّم خصوصًا على "إحسان عبد الرحمن".. كيف حالُه؟ وهل هو مستمرٌّ في خدمته الساطعة كما كان؟ إنه مثلما أثبت أنه أُنموذجٌ تامٌّ لی"عبد الرحمن"، فسيستمر في أداء خدمته بمشيئة الله.
أُسلِّم على جميع إخواني فردًا فردًا وأدعو لهم.
٭٭٭
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
شكرًا لله بلا حدٍّ أن القوم يُضيِّقون عليَّ فينشغلون بي بدلًا من رسائل النور، فلا تهتموا للأمر، فستُفضي هذه الحادثة الجديدة إلى خيرٍ إن شاء الله، بسِرِّ قوله تعالى:
﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾
والحادثة هي أنهم منعوا "جَيلان" وصاحبَيه الذين كانوا يَخدُمونني من المجيء إليَّ، وأخذوا منهم المفاتيح، وسلَّموها للرُّقباء، فأحدُهم يتولى أموري كإحضار الخبز والماء ونحو ذلك؛ ولا أعلم سببَ هذا الأمر، إلا أن في هذه البلدة خلافاتٍ حزبية، وأحدُ أعمام الصبيِّ "جَيلان" منتسبٌ إلى أحد الأحزاب، (حاشية): هو المرحوم "عبد الله چالِشْقان"، انتسب إلى الحزب الديمقراطي يومَ كان في المعارضة؛ المُعِدُّون. ومن المحتمل أن يكون هذا مِن فِعل مناوئيه.
وأظن أن من أسباب هذه الحادثة أيضًا فتوحاتِ رسائل النور في كلِّ جهة، وتَغلغُلَ تيار الفوضوية الهدَّامة الآتي من الخارج، وقد اتخذوا من المراسلات التي
— 153 —
حصلوا عليها في "صَنْدِقْلي" ذريعةً للتضييق عليَّ بدعوى أنها وسيلةُ تَخابُر، فلا تقلقوا للأمر، فليست له أهمية، واكتبوا إليَّ مجدَّدًا كما كنتم تفعلون من قبل، غير أني لا أستطيع الكتابة كثيرًا.
إنهم يبالغون في التضييق عليَّ ظانين لحماقتهم أن انتقاصي بالقدح والإهانة سيَحُول دون فتوحات رسائل النور، وأنهم سيطفؤون بأفواههم شمسَ حقيقةٍ ساطعةً كرسائل النور، لكنَّهم بسعيهم هذا لا يعودون عليَّ إلا بمزيدٍ من الأجر والثواب.
وقد وقع في الأثناء تَوافُقٌ ذو عبرةٍ لافتٌ للانتباه، فقد أُحضِرَ الصبيُّ وأبوه إلى مركز الشرطة البارحة لأخذ إفادتِهما، وبينما كانا يُستَجوَبان وردَ اتصالٌ هاتفيٌّ يُخبِر بوقوع حادثٍ جَلَل، أوقع جميعَ العناصر في بلبلةٍ وقلق، واضطروا للذهاب إلى مكان وقوع الحادث، فكأنه قيل لهم معنًى: دعوا عنكم أمورًا تافهةً كجناح بعوضةٍ لا يتأتى منها ضرر، والتفِتوا إلى أضرارٍ كالصقور بل كالثعابين.
وحَصَل كذلك في نفسِ وقتِ حادثةِ المنعِ من الذهاب إلى المسجد، أنَّ مدير الناحية الجديد الذي أصدر أمرَ المنع خضع لعمليةٍ جراحيةٍ في "أفيون"، فكأنما قيل له بلسان الحال: الموتُ آتٍ، وأَولى بك أن تُصلِحَ معاملتَك مع مَن يسعى لإنقاذك من إعدام الموت، فتُقابلَه بالاستحسان والتقدير لا بالتضييق.
أُسلِّمُ على جميع إخواني وأَخَواتي وأدعو لهم فردًا فردًا، وأطلب منهم الدعاء.
الباقي هو الباقي
أخوكم
سعيد النُّورْسِيّ
٭٭٭