لاحقة أمير داغ
— 124 —
إلى إخواني الأحبة المباركين المحترمين طلابِ رسائل النور.. أوَدُّ أن أبيِّن لكم كلماتٍ بحقِّ رسائل النور..
إنها سِلكُ حريرٍ نوراني، نُظِمتْ فيه تسبيحاتُ الكون وما حوى من موجودات.
وإنها مذياعٌ قرآنيٌّ مجهَّزٌ بأدوات الاستقبال والإرسال.. أسلاكُه سطورٌ وكلماتٌ وحروفٌ مُدَّتْ بإيجازٍ وانتظام، فمَكَّنتْ رجالَ العلم والمعرفة، وأصحابَ المسالك والمشارب، من دِرايةِ شؤونِ الكون، وعوالم الغيب والشهادة والروحانيات.. يَدريها كلٌّ بحسَب علمه وإمكاناته.
وإنها للمؤمنين هَديةُ هِدايةٍ من القرآن، وفيضُ عطاءٍ من الرحمٰن.. وهي بهذا بابُ سعادةٍ ومَظهرُ شفاعة.
وإنها مَحضُ حقيقة، ونبعُ رحمة، وروضُ جِنان، وماءُ حياةٍ يَسري في أوصالِ ربيعِ الموجودات.
وإنها من الخالق الرحمٰن لطفٌ، وبركةُ إحسان.. قد حَوَتْ كمالَ الإيمان وتفسيرَ القرآن.
وإنها للكافر خريفٌ، وللضلالةِ خَصمٌ، وللمنكِر طوفان.
وإنها كنزٌ خَفيّ، وخزينةُ جوهر، ومنبعُ أنوار.
وإنها حقائقُ قرآن، ومعراجُ إيمان.
— 125 —
وإنها بعدَ الكتاب والسنة تاجُ الأولياء، وسلطانُ المؤلَّفات، وزبدةُ المعاني.. وهي عطايا إلٰهية، وهدايا سبحانية، وفيوضاتٌ رحمانية.
وإنها بحرُ حقائق، وسِرُّ دقائق، وكنزُ معارف، وبحرُ مَكارم.
وإنها للمرضى دارُ شفاءٍ فيها الحكمةُ وماءُ زمزم.. وهي للأصحَّاء حياةٌ حقيقية، ورَوحٌ وريحان، ومسكٌ وعنبر.
وإنها تصديقٌ لوعدِ الجناب الأحمدي، وبشارةٌ من الإمام علي؛ وهي تبشيرٌ وعونٌ غوثيّ، وإيصاءٌ غَزَّاليّ، وإخبارٌ فاروقيّ.
وإنها مَجلى لأنوار شمسِ القرآن.. تلألأت في منشور حقيقتها ألوانُها السبعةُ.. فكانتْ كتابَ شريعةٍ، ودعاءٍ، وحكمةٍ، وعبوديةٍ، وأمرٍ ودعوة؛ وكانت كتابَ ذِكرٍ وفِكر، وحقيقةٍ وتصوف؛ وكانت كتابَ علمِ كلامٍ، ومعرفةٍ إلٰهيةٍ، وإثباتِ وحدانية؛ وكانت كتابَ منطقٍ، وبلاغةٍ، وحثٍّ وترغيب؛ وكانت كتابًا ألزمَ معارضيه الحجةَ وأسكتهم.
وإنها شمسُ سماءٍ معنويةٍ من سماوات القرآن.. نعم، سَطَعتْ فيها شمسًا، وطلَعتْ قمرًا، وتلألأتْ أَنجُمًا؛ فكما أن الكائنات تستنير وتتزين بأسبابٍ ظاهريةٍ كالشمس والقمر والنَّيِّرات، وكما تستمدُّ منها أسبابَ النشأة والنماء والحياة، فكذلك رسائل النور، تستمدُّ من القرآن المعجِزِ البيان النورَ فتنشُره فتبعثُ الحياة، وتَسلُك بالإنسان سبيلَ الكمال، وتَغمُر القلوبَ بحلاوةِ الإيمان، وتَهَب العقولَ طمأنينةَ اليقين، وتمنحَ الأفكار رُقيَّ الإيمان، وتُحيي النفوسَ بالرضا والتسليم.
وربما غطَّتِ الغيومُ تلك السماءَ المعنويةَ ولَبَّدتْ آفاقَها ظاهرًا ولِحكمةٍ، فتَقاطَرَ من تلك الغيوم الجلالية غيثُ رحمةٍ عميمٌ تهتزُّ له الأرض الظمأى، وتنفلق منه البذورُ والنَّوى بعد أن ضاق بها عالَم التراب، فتغادرُه متسنبلةً تخلع قشورَها، فتنزاحُ الغيومُ إلى آفاقٍ قَصِيَّةٍ كأنها حارسٌ يترقَّب، ويتجلى المشهد امتحانًا ربانيًّا وترقيةً عُلْويةً ورحمةً نورانية، فإذا بتلك البذور والنَّوى التواقةِ إلى حياةٍ جديدةٍ وإلى الازدهار والنماء تصبح شجرةً تَزدانُ بالثمار، وتغدو مَظهرًا لسِرِّ: يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ
— 126 —
أجل، آنَ لفصل الشتاء الذي خيَّم عشرين سنةً أن ينقضي بإذن الله، لتستقبل الدنيا من بعده ربيعًا زاهرًا فيَّاضًا بالخيرات، ويُشرِقَ وجهُها بالبِشْرِ والبسمات.
ولما كانت رسائل النور تأتمرُ بأمر القرآن، كانت مَحوطةً بعنايته، لا تمتد إليها الأيدي، ولا تنالُ منها الألسُن؛ وإني بالنظر إلى ما يومئ إليه قوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ؛ وبالنظر إلى ما تَعرَّضَ له اللسانُ التُّركيُّ من صدماتٍ في هذا العصر، لا أظنُّني مخطئًا إن قلتُ: إن رسائل النور ستكون الحجةَ في هذا اللسان، أي إنها بتُركيَّتِها الخالصة ستنال امتيازًا يدعو لتَرْكِ ما سواها.
أُبلِّغ سلامي لجميع إخواني وفي مقدمتهم أستاذُنا، وأهنئهم بالعيد من صميم القلب.. لم يُسعفني الحال بكتابة شيءٍ عن أستاذي، إذْ ماذا عساي أن أقول عن شخصيةٍ جليلةٍ حَظِيَتْ بمقام الوراثة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام؟ لا أجد ما أقوله سوى تَكرار ما قاله أخونا "حسن فيضي" المحترم.
باسم طلاب النور في "ميلاس" وما حولها
المحتاجُ إلى دعائكم
خليل إبراهيم
أدرِجوا كلمةَ "خليل إبراهيم" هذه في نهايةِ رسالته المُشرِقة التي كتبها حول رسائل النور، وألحقِوهما معًا في نهايةِ رسائل "مُلحَق أميرداغ".. هذا الشخص الفاضل عَرَفَتْه رسائلُ النور تلميذًا صادقًا مضحيًا من رعيلها الأول، وقد كتب هذا البيان مخاطِبًا إياها.
هذا من فضل ربي
سعيد النُّورْسِيّ
٭٭٭