لاحقة أمير داغ
— 16 —

صورةٌ عن التقرير الصادرِ بالإجماع عن لجنة الخبراء بأنقرة

بناءً على الصلاحية الممنوحة لنا، قمنا بفتحِ ما مجموعُه خمسةُ صناديقَ مَلأى بالكتب، واطَّلعنا على محتوياتها ودققنا ما فيها، فوجدناها تحوي أجزاءَ من رسائل النور لمؤلِّفها سعيدٍ النُّورْسِيّ، بعضُها مطبوع، وبعضُها الآخَر مكتوبٌ بخط اليد؛ وتحوي كذلك مجموعةً من المراسلات التي جرت بين سعيدٍ النُّورْسِيّ وطلابه، بعضُها مراسَلاتٌ علميةٌ ودينيةٌ أُلحِقَتْ برسائل النور، وبعضُها الآخَرُ مراسَلاتٌ عاديةٌ بينه وبين طلابه أو بين الطلاب أنفسِهم؛ وتحوي بالإضافة إلى ما ذُكر مجموعةً من القوالب تُستخدَم في أعمال الطباعة.
(حاشية): لم نورد هنا ما تضمَّنه هذا التقرير من انتقاد، فقد أُجيب عنه إجاباتٍ قاطعةً في المحكمة، وأُدرِجَتِ الإجابات في ختام مدافعاتي؛ على أن جميع ما في التقرير من انتقادٍ لا يتعدى عشَرةَ انتقاداتٍ تتعلق بمسائل جزئيةٍ وَرَدت في ثلاثِ رسائل أو أربع، وهي انتقاداتٌ علميةٌ لا سياسية، فضلًا عن أنه قد أُثبِت في المحكمة بالأدلة أن هذه الاعتراضات مجرَّدُ سهوٍ وخطأ من اللجنة نفسِها.
— 17 —
ولبيان ماهية هذه الرسائل والمراسلات لا بد من تقسيمها إلى قسمين:
القسم الأول: الرسائل، وهي رسائلُ أُلِّفت لتفسير آيةٍ أو شرحِ حديث، ومثلُها رسائلُ تتناول قضايا علميةً كُتِبَت بأسلوب التمثيل، لإيضاح العقائد والمفاهيم المتعلقة بالدين والإيمان والإلٰه والرسول والقرآن والآخرة، وكذا رسائلُ تُخاطب الشباب والشيوخ بنصائح أخلاقية، أو تَسرُد وقائعَ ذاتَ عبرةٍ مستقاةٍ من تجارب الحياة، أو تتضمن توجيهاتٍ نافعةً للعامة وأرباب المِهَن؛ وتُشَكِّل هذه الرسائلُ تسعين بالمئة من المحتويات، وقد كُتِبت بإخلاصٍ وتجرُّدٍ، ولم يَخرُج مؤلِّفُها في شيءٍ منها عن أُسسِ الدين والعلم؛ وليس فيها ما يفيد اتخاذَ الدين أداةً لتحقيق غرض، أو الإخلالَ بالأمن عن طريق تشكيل جمعيةٍ أو تنظيم؛ ويندرج في هذا النوع من الرسائل أيضًا المراسلاتُ العادية التي جَرَت بين سعيدٍ النُّورْسِيِّ وطلابه، أو بين طلابه أنفسِهم.
يَصِف سعيدٌ النُّورْسِيُّ حياةَ الشهرةِ الواسعةِ والمنزلةَ الكبيرةَ التي حَظِي بها في إسطنبول بأنها لم تكن سوى حالةِ سُباتٍ عميقٍ ومنامٍ ثقيلٍ وغَمرةِ ذهولٍ مؤقَّت؛ ونظرًا لكونه زاوَلَ السياسةَ بغفلةٍ لبضعِ سنواتٍ في إسطنبول، فإنه يُصوِّر السياسة على أنها سَمَّمتْ دنياه؛ ويُميِّز بهذه المناسبة بين شخصيَّتين له تختلفان اختلافًا بَيِّنًا، هما "سعيدٌ القديم" و"سعيدٌ الجديد"، ثم يَذكر في رسالةٍ بَعَثَ بها إلى طلاب النور بی"إسبارطة" أن من الخطأ التنزُّلَ إلى أمور السياسة.
يَذكر أيضًا في قسم "المناجاة" من كتابه المسمَّى: "الحجة البالغة"، وهو أحدُ أهمِّ كتبه، فيقول: "إن هذا العالَم فانٍ، وإن أعظمَ قضيةٍ فيه هي الفوز بالعالَم الباقي، وإنَّ الإنسان إنْ لم تكن عقيدتُه سليمةً فسيخسر هذه القضية.. هذه هي القضيةُ الحقيقية، وكلُّ اشتغالٍ بأي قضيةٍ سواها ضررٌ وخسران؛ وإنَّ المشتغل بالسياسة يُفوِّت القيام بواجباته المهمة، ويَفقِد سلامةَ القلب، لاستيلاء السياسة عليه وانجرافه فيها".
يَذكر في "اللَّمعة السادسة والعشرين" أن مُهمَّته الحقيقية في هذه الدنيا الهَرِمة نشرُ الأسرار القرآنية، ويقول في موضعٍ آخَر: "إنني مرتبطٌ بهذه البلاد من جهة الحَمِيَّة الإسلامية، وإلا فليس لي فيها بيتٌ ولا ولد".
— 18 —
أولُ مبدأٍ يُعلِّمه إخوانَه في "اللمعة الحادية والعشرين" هو أن يبتغوا بعملهم مرضاةَ الله لا المنفعةَ المادية، ويقول في الرسالة نفسِها: "أنا لستُ صوفيًّا، ومسلكُنا ليس طريقةً صوفية.. وإن حبَّ الجاهِ ولَفْتَ الأنظارِ إلى النفس مرضٌ روحيٌّ يُسمَّى الشِّركَ الخَفيّ.. ولو كان مسلكُنا المشيخةَ، لكان ثمة مقامٌ واحدٌ له مرشَّحون كُثْر؛ ولكنَّ مسلكَنا الأُخوَّة، ولا يمكن للأخ أن يصيرَ أبًا لأخيه، أو يتقلَّدَ بإزائه طورَ الشيخ المرشد".
٭٭٭