— 115 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
هذا جوابٌ عن سؤالٍ ذي شِقَّين سُئِلتُه معنًى:
الأول: لماذا لا تريد لمن يظنون بشخصك أحسنَ الظن، ويُولونك مقامًا كبيرًا، ويرتبطون برسائل النور ارتباطًا وثيقًا، وتُبادِلهم حبًّا كثيرًا، لماذا لا تريد أن يكون لهم صلةٌ بشخصك خارجَ الخدمة النورية، بينما تُوْلي مزيدَ اهتمامٍ لمَن لا يُوْليك مزيدَ حُسنِ ظن، وتُفضِّله في المجالسة والحديث؟
الجواب: إن الناس في هذا الزمان يبيعون إحسانَهم للمحتاجين بثمنٍ باهظ، كأنْ يَظُنَّ أحدُهم أن مسكينًا مثلي رجلٌ صالحٌ أو وليٌّ، فيعطيه رغيفَ خبزٍ مقابلَ أن يدعوَ له دعوةً مستجابة؛ وإني لا أريد هذا الإحسانَ فضلًا عن دفع هذا الثمن الباهظ، وقد سبق أن بَيَّنتُ هذا سببًا لعدم قبولي الهدايا، في المكتوب الثاني لی"الكلمة الثالثة والثلاثين".
وعلى غِرار هؤلاء أُناسٌ یی غيرُ خواصِّ طلاب رسائل النور یی يُبْدون تجاهي ارتباطًا قويًّا واستعدادًا للخدمة، لِما يظنون فيَّ من أني صاحبُ مقامٍ كبير، ويَطلبون مقابلَ ذلك نتائجَ نورانيةً في الدنيا كأهل الولاية، ثم يُحسِنون إلينا إحسانًا معنويًّا بخدمتهم وارتباطهم، فأجدُني خجِلًا من عدم قدرتي على أداء الثمن المطلوب مقابلَ هذا النوع من الإحسان، فضلًا عن أنهم متى عَرَفوا عدمَ أهميَّتي أُصيبوا بخيبةِ أمل، وربما فتَروا عن الخدمة.
صحيحٌ أن الحرصَ وعدمَ القناعة في الأمور الأخروية مقبولان بجهةٍ ما، إلا أنهما في مسلكنا وخدمتنا، وبالنظر إلى إمكانِ وقوعِ المرءِ في خيبةِ أملٍ لعارضٍ ما، ربما كانا سببًا للشكوى بيأسٍ بدلًا من الشكر، بل ربما دفعاه للتخلي عن الخدمة؛ ولهذا فإنا برغمِ ما نُبديه في مسلكنا من حرصٍ وعدمِ قناعةٍ فيما يتعلق ببذل الجهد للخدمة في دائرة الإخلاص، إلا أننا فيما يتعلق بالنتائج مكلَّفون بالقناعة، لأن القناعة إزاءَ النتائج والثمرات تورِثُ الشكرَ والمتانةَ والثباتَ على الدوام.
— 116 —
فمثلًا: النتيجةُ التي حققتْها خدمةُ رسائل النور بتأمين القوة الإيمانية الفائقة لآلافِ أهل الإيمان في "إسبارطة" وما حولَها، هي نتيجةٌ كافيةٌ لخدمتنا الجليلة؛ فلو ظَهَر بعد هذا شخصٌ بدرجةِ عَشَرةِ أقطاب، وبَلَّغَ ألفَ رجلٍ درجةَ الولاية، لم يَحُطَّ ذلك من مرتبةِ نتيجتنا شيئًا، وطلابُ النور الحقيقيون يَقْنَعون بمثل هذه النتائج ويَرضَون بها؛ وإذا كان المقامُ الجليلُ لذلك القطب الكبير وحُكمُه في المسائل والقضايا هو ما يورث مريديه القناعةَ القلبية، فإن الحُججَ الراسخةَ المتينةَ لرسائل النور تُورث طلابَها قناعةً أعظمَ من قناعةِ أولئك المريدين بكثير، فضلًا عن أن هذا الحال والاعتقاد يَسريان إلى الآخرين وينفعانهم، بينما تظل قناعةُ أولئك المريدين خصوصيةً وشخصية.
حتى إن ما يُعبَّر عنه في علم المنطق بی"القضية المقبولة"، أي قَبولِ أقوالِ الأفاضل الأجِلَّاء بغير دليل، لا يفيد في المنطقِ القطعيةَ واليقين، وإنما يورث قناعةً بالظنِّ الغالب لا أكثر، أما البرهانُ اليقينيُّ في علم المنطق فلا يَنظُر إلى حُسن الظنِّ أو الأشخاصِ المقبولين، وإنما ينظر إلى الدليل الذي لا يُجرَح.
وإن حُجج رسائل النور هي من هذا القسم من البرهان اليقيني، ذلك أن ما يعاينه أهلُ الولاية من حقائقَ بالعمل والتعبُّد والسلوك والرياضة، وما يشاهدونه خلفَ الحجاب من حقائق إيمانية، قد بَلغتْه رسائلُ النور بطريقٍ آخَر، إذْ سَلَكتْ سبيلًا إلى الحقيقةِ عبر العلم بدلًا من التعبُّد، وشقَّتْ طريقًا إلى حقيقةِ الحقائق عبر الحُجَج العلمية والبراهين المنطقية بدلًا من السلوك والأوراد، وفَتَحتْ طريقًا إلى الولاية الكبرى عبر علم الكلام وعلم العقيدة وأصولِ الدين بدلًا من علم التصوف والطريقة، وهي بذلك تُحرِز انتصاراتها على ضلالاتِ الفلسفةِ التي هَزمتْ تيَّاراتِ الطريقةِ والحقيقةِ في هذا الزمان، والواقع يَشهَد.
وكما أن حقيقةَ القرآن البالغةَ غايةَ القوةِ والمنطقيةِ خلَّصتْ سائرَ الأديان من صَولة الفلسفة الطبيعية، وأنقذتْها من الهزيمة بين يديها، بل أصبحتِ الحقيقةُ القرآنيةُ نقطةَ استنادٍ لها، لدرجة أن هذه الأديان استطاعت الحفاظَ بدرجةٍ ما على أصولها
— 117 —
التقليدية الخارجةِ عن العقل؛ فكذلك الأمرُ یی إن جاز التشبيه یی مع رسائل النور التي هي نورٌ من أنوار القرآن ومعجزةٌ له في هذا الزمان، فإنها أنقذتِ الإيمانَ التقليديَّ لعوامِّ أهل الإيمان من صَولةِ الضلالةِ العلميةِ الرهيبةِ الناجمةِ عن الفلسفة المادية، وأصبحتْ نقطةَ استنادٍ لعموم أهل الإيمان، وغدتْ بمثابةِ قلعةٍ منيعةٍ حصينةٍ لقاصيهم ودانيهم، فهي یی في خِضَمِّ الضلالات الرهيبةِ التي لا مثيل لها یی تحفظ إيمانَ عوامِّ المؤمنين من الشبهات، وتحفظ إسلامَهم من وساوس الباطل.
نعم، فما أنْ ينتابَ الشكُّ والريبُ أهلَ الإيمان في أيِّ بقعةٍ من بقاع الأرض، حتى لو كانوا في الهند أو الصين، وتُساورَهم الشبهاتُ والوساوسُ من جراء غَلَبةِ الضلالة الرهيبة في هذا الزمان، ويتساءلوا: أفي الإسلام باطلٌ فيتزعزعَ بسببه؟ حتى يسمعوا بظهورِ رسائلَ تُثبِتُ جميعَ حقائق الإيمان بالقطع، وتَهزِم الفلسفة، وتُسكِتُ الزندقة، فيتبيَّنوا، فتزول عنهم الشبهات والوساوس، فيَسلَم إيمانُهم ويَقوى.