لاحقة أمير داغ
— 112 —
المسألة الثانية: أن التوافق إذا وقع بطُرُقٍ متعددةٍ وجِهاتٍ مختلفةٍ على صورةٍ يقوِّي بعضُها بعضًا، أمكن أن يورِثَ قناعةً تبلُغ درجةَ القطعية والصراحة.
وعلى هذا، فإني حين كنت أكتب بعضَ الرسائل إثرَ الخروج من السجن، حصل أن جاء إلى غرفتي عصفورٌ وطائرٌ وحماماتٌ بتوافُقٍ فيما بينهم، وعلى نحوٍ غريبٍ غيرِ معهود، في أمارةٍ على قَبولِ هذه الرسائل، وأهميتِها البالغة، وشدةِ حاجةِ الناس إليها في هذا الزمان.
وحصَل لأخينا العزيز "خليل إبراهيم" من "ميلاس" حين تَسلَّمَ الرسالةَ التي تتحدث عن الطائر، أنْ فتَحَ غرفةً له مُقفلةً، فشاهدَ فيها یی على خلاف العادة یی طائرًا يُحاول الخروج، فوافقَ هذا الحدثُ مضمونَ الرسالة، ووافق هذا الطائرُ ذلك الطائرَ.
وحصل لطلاب مدرسةٍ نوريةٍ حين كانوا يَقرؤون رسائلنا هذه، أنْ حَطَّتْ جرادتان على رأسِ صفحةِ الرسالة واستمعتا إليها، فصدَّقتْ هذه الطُوَيراتُ توافقاتِ تلك الطيور ووافقتْها.
وحصل لإخواننا الصادقين في "إينه بولو" حين كانوا يَقرؤون رسالتَنا ذاتَ ليلةٍ أنْ أفزعتْهم بومةٌ حطَّتْ فجأةً عند النافذة، وأخذتْ تضرب بجناحَيها بقوة، كأنها تقول بلسان الحال: وأنا كذلك مَعنيَّةٌ بهذه الرسالة، فلا تظنوني لا علاقةَ لي بها؛ فصدَّقتْ القضيةَ نفسَها، ووافقتِ الطيورَ الأخرى في علاقتها بها تمامَ الموافقة.
فيا تُرى.. حين يَرى كلَّ هذه التوافقاتِ (حاشية): كنا قد استلمنا هذه الرسالةَ من أستاذنا حديثًا، فكنتُ أنا "خسرو" أقرؤها، وكان صاحبي "طاهري" يكتبها، فحَطَّ بقربِ النافذةِ طائرٌ يألَفُنا، ثم طار عندما نظر إليه "خسرو"؛ خسرو، طاهري. رجلٌ من أهل القلب والفكر واسعُ الخيال، يعتقد أن بين حوادثِ كتابِ الكون ومسائلِه صلةً ومناسَبة، ويُقدِّر
— 113 —
الأهميةَ البالغةَ للحقائق التي تتحدث عنها هذه الرسائلُ بإجمال، ويَعي وضْعَ النوع البشري في هذا العصر.. أفلا يَحِقُّ له بإزاء هذا أن يقول:
كأنَّ البشر بطائراتهم وطياراتهم الكثيرةِ غايةَ الكثرة قد أفزعوا الطيورَ في عالَمها في الجو، وكأن الطيورَ تُبدي علاقةً جِدِّيةً بما آل إليه وضعُ النوع البشري، وتُقابله بانفعالٍ وفزعٍ عجيبَين، فتقول مُبيِّنةً علاقتَها بمسائل رسائل النور: ألا يوجد مَن يُجابه هذا الطيرانَ الظالمَ المتوحِّشَ المدمِّرَ الذي صَنَعه الإنسان؟! ألا يوجد مَن يَردعُه عن ظلمه وتدميره؟! أين مَن يعمل لمنفعةِ البشر وسعادتهم؟!
فهذا الكلامُ إنْ قيل، أليس في محلِّه؟! أليس له وجهٌ واحتمال؟! أيمكن أن يُعدَّ خيالًا لا معنى له؟!