— 110 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
خَطَرَ بالقلب أن أُبيِّن لكم أربع مسائل..
المسألة الأولى: جوابٌ عن سؤالٍ يُسأل بلسان الحال والمقال وبأشكالٍ ومظاهر أخرى، إذْ يقال: ما دامت رسائلُ النور ذاتَ كرامات، وكانت تورِثُ المرءَ تَرَقِّيًا في انجلاءِ حقائق الإيمان أكثرَ مما تفعل الطريقة، وكان بعضُ تلاميذها الصادقين يتبوؤون درجةَ الولاية بجهةٍ ما، فلماذا لا تُشاهَد فيهم مَظهريةُ الكراماتِ المادية، والأذواقِ والكشوفاتِ المعنوية كالأولياء؟ بل لماذا لا يَطلب تلاميذُها أشياءَ كهذه أصلًا؟ ما الحكمةُ في ذلك؟
الجواب:
أولًا: سببُ ذلك هو سرُّ الإخلاص، لأن الكراماتِ والأذواقَ المؤقَّتةَ في الدنيا تَصير لمن لم يتغلب على نفسه مقصَدًا، فتُشكِّل بذلك سببًا لعمله الأخروي، فيَنتقِضُ إخلاصُه؛ ذلك أن الأذواق والمقاصد الدنيوية لا تُطلَب بالعمل الأخروي، فإن طُلِبَتْ به فَسَدَ سرُّ الإخلاص.
ثانيًا: الكراماتُ والكشوفاتُ إنما هي لتقويةِ عوامِّ السالكين في الطريقة، وأصحابِ الإيمان التقليدي الذين لم يبلغوا درجة التحقيق، وغيرِهم من الضعفاء أحيانًا، ولتعزيز القناعة فيمَن تُساورهم الوساوس والشُّبهات؛ والحال أنَّ ما تَعرِضه رسائلُ النور مِن حُججٍ للحقائق الإيمانية، لا يَدَع مجالًا لشيءٍ من الوساوس، ويَغرِسُ قناعةً لا تُبقي حاجةً إلى الكرامات والكشوفات. فلمَّا كان الإيمانُ التحقيقيُّ الذي تَمنحُه رسائل النور أسمى من الكشوفات والأذواق والكرامات، لم يكن تلاميذُها الحقيقيون لِيبحثوا عن شيءٍ من الكرامات ونحوِها.
ثالثًا: أحدُ أُسسِ رسائل النور: أن يؤديَ المرءُ الخدمة، فانيًا عن نفسه، عارفًا بعيوبه، يبتغي مرضاةَ الله وحدَه، من غير منافسةٍ للآخَرين.
— 111 —
والحالُ أن بين أهلِ الطريقة أصحابِ الكراماتِ والكشوفاتِ اختلافًا ونوعَ منافسة، وأن أهلَ الغفلة في زمان الأنانية هذا يَنظرون إلى الأمر نظرةً فيها إساءة ظنٍّ بأولئك السادة المباركين، إذْ يتهمونهم بالأنانية.. وهذا يؤكد أن إعراضَ طلاب رسائل النور عن طلب الكرامات والكشوفات، وعدمَ سعيهم وراءَها، هو اللازمُ، بل هو الألزم.
ثم إن الأهمية في مسلك رسائل النور لا تُولى للشخص، وإنَّ ما حَظِيَتْ به رسائلُ النور من إكراماتٍ إلٰهيةٍ فيما يَخُصُّ الشراكة المعنوية والتفاني بين الإخوان يكفي جميعَ طلابها، فلقد غَدَتْ مَظهرًا لآلافِ الكرامات العِلمية، ولقِيَتْ في انتشار خدمتها التسهيلات، ووجد العاملون لها في معيشتهم البركات، ونالتْ من أمثالِ هذه الإكرامات الإلٰهية، ما أغنى تلاميذَها عن طلبِ شيءٍ من الكرامات والكمالات الشخصية.
رابعًا: إن مئة روضةٍ من رياضِ الدنيا لا تَعدِل شجرةً واحدةً من رياضِ الآخرة، إذِ الأولى فانية، والأخرى باقية؛ غير أن الحِسِّيات الإنسانية المفتونة باللذة الحاضرة تُرجِّح ثمرةً حاضرةً فانيةً على روضةٍ أُخرويةٍ باقية، ولهذا لا يَطلب طلابُ رسائل النور الأذواق الروحانية والكشوفات المعنوية في الدنيا، وذلك لئلا تَستغل النفسُ الأمَّارةُ هذه الحالةَ الفطرية.
وشبيهٌ بحالةِ طلاب النور هذه ما حُكيَ عن رجلٍ صالحٍ من السابقين، كان هو وزوجتُه على قدرٍ كبيرٍ من التقوى والصلاح، غير أن ضِيق المعيشة ألجأ الزوجةَ أن تقول لزوجها: إن حاجتَنا لَشديدة.
فإذا بهما يَرَيان أمامهما لَبِنةً من ذهبٍ خالص.
فقال الرجل لزوجته: هذه لَبِنةٌ من قصرنا في الجنة.
فقالت تلك السيدةُ المباركة: أَمَا إنَّا لفي حاجةٍ شديدة، وأَعلم أن لنا في الجنة كثيرًا من أمثال هذه اللَّبِنة، لكني لا أريد لها أن تَضيع في صورةٍ فانية، ولا أريد لقصرِنا أن يَنقُص لَبِنةً واحدة، فادعُ الله أن تعودَ إلى مكانها، فليس بنا إليها حاجة.
— 112 —
فإذا بهما يريانها یی كشفًا یی قد عادتْ إلى مكانها.
فهذان البَطلان من أهل الحقيقة يمثِّلان لطلاب النور أُنموذجًا حسنًا في عدم السعي خلف الأذواق والكرامات العائدةِ إلى الدنيا.