— 107 —
فإنه یی أي بديع الزمان یی خادمٌ للنور، فلو أنه تمنى الدنيا وطلبها، أو قَبِل ما يُعرَضُ عليه من هدايا وأُعطيات، وصدقاتٍ وزَكَوات، وتبرعاتٍ وتَرِكات، لغدا اليومَ غنيًّا ثريًّا يمتلِك الملايين، لكنه تأسَّى بقول سيدنا عمر رضي الله عنه: "لو أني حمَّلتُ كاهلي ما يفوق حاجتي من متاعٍ وأعباء، لتخلَّفْتُ عن الطريق ولم أتمكن من اللحاق بروح العالم وحبيب الله محمد العربي (ص)، وبأحبابه من الكمَّل والواصلين، ولَظلَلتُ منقطعًا في منتصف الطريق".
فلهذا صَرَف همتَه وقَصَر خدمتَه ووهب حياتَه لنشر الأنوار القرآنية، تاركًا الدنيا وما فيها، متخليًا عما يحب وما يرغب فيها، بل فانيًا عن شهودِ تَرْكِه وتَخَلِّيه، متأسيًا ومتبعًا نهجَ صاحب الرسالة (ص) الذي حِيزَت له الدنيا وما فيها، فأبى أن يكون له مرادٌ غيرُ الله جل وعلا.
— 108 —
ولهذا يَرى في كلِّ مِحنةٍ يقاسيها مِنحةً، وفي كلِّ خدمةٍ يؤديها حكمةً، ويَشهَد الجمالَ من وراء الجلال، فإذا بالعالَم كلِّه روضةُ كمال.
نعم، يقول الشاعر نيازي المصري:
مَن لم يَرَ اللطفَ والقهرَ شيئًا واحدًا ذاق العذاب
لا يَفقَه عنا إلا مَن نجا من العذاب فغدا سلطانًا
وهذا حال تَرجُمان النور، يرى كلَّ شيءٍ حسَنًا، فتَصير القطرةُ عنده بحرًا، ويغدو المرءُ عنده إنسانًا، ويُشرِق نورُه على العالَم سلطانًا.
وإن كلمةَ "كُردي" التي قيلت له، والإشارةَ والإيماءَ إليه بكلمةِ "يا مُدرِكًا" الواردةِ في قصيدة الإمام عليٍّ كرم الله وجهه، هي یی بعد الحذف والقلب یی لا تدل على كرديته في الحقيقة، ولا تقتضي بُعده عن سلسلة الشرف والسيادة المعنوية، وهذا اللقب الذي اشتهر به ليس لإثبات كرديته، بل لمجرد الإعلان للعالَم بأن تَرجُمان رسائل النور هو ذاك الذي نشأ وترعرع في أرض كردستان.
وأظن أن معرفتَه باللسان الكردي، وتَزَيَّيَه بذلك الزِّي، وظهورَه بتلك السِّيما، لم يكن لأجل إنكار هويته الحقيقي ة، بل كان بقصد السَّتر والخفاء، إذْ لا بد أن ثمة حكمةً جليلة ومعنًى مهمًّا في قضائه شطرًا مهمًا من حياته في هذه النواحي المأهولة بالأتراك، وفي حبِّه الشديد لأمة الترك البطلة التي أَسدت خدماتٍ جليلةً لعالم الإسلام وعالم الإنسان وللحرمين الشريفين عبر القرون.
فاللهم بحق رسولك الأكرم، وبكرامة الدماء الطاهرة التي سُفِكت على أرض كربلاء، وبالعيون التي بكت ليلةَ الفراق، وبالوجوه التي تمرغت على أعتاب محبتك.. اكتب النصر لرسائل النور وللأستاذ وللمسلمين.. آمين.
وأنتِ يا رسائل النور.. ما أشقى مَن يريد إطفاء نورك!! خاب سعيُهم، وخَبَا نجمُهم، وليس يَزيدُكِ كيدُهم إلا عزةً وإقبالًا، وشرفًا وكمالًا، فأنتِ شمسٌ لا تَفوت ولا تموت.
— 109 —
قامتُكِ شامخة.. عيونُكِ فاتنة.. والناظرُ إليكِ يا ليلى مجنون
كلماتُكِ فَرْشية.. نظراتُكِ عرشية.. فِداكِ الروحُ يا مَن بكِ القلب مفتون
نِقابُكِ النور.. سِيماكِ النور.. كتابُكِ النورُ يا نور
بستانُكِ نُورسي.. وطبعُكِ أُنسيّ.. ولُبابُكِ فردٌ إدريسي
يا وردةً تفتحت.. يا بلبلًا يَشدو.. على مُحيَّاك غِلالةٌ رهيفة.. مكتوبٌ عليها بالنور: قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى
فِداكِ الروحُ يا مَن كلماتكِ حق.. ومنبعكِ حق.. ومسلكُك حق.. ومقامُك الكعبةُ العليا
يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ
حضرةَ سيدي وأستاذي..
كتبتُ هذا بيدِ رسائل النور، وبقلمها وبلسانها.. بقبَسٍ منها الْتَمَعَ نورُه في قلب هذا العبد الفقير.. فأرجو منكم القبول، ودوامَ المدد والإلهام.. أُقبِّل يدَيكم بكل احترام، وأرجو دعاءكم سيدي.
طالبُكم المحتاج إلى دعائكم
حسن فيضي
رحمة الله عليه
٭٭٭