— 12 —
(من المكتوب الثامن والعشرين)
المسألة السابعة وهي الرسالة السابعة
﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾
﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾
هذه المسألة سبعُ إشارات، لكنَّنا نُبيِّن أولًا سبعةَ أسبابٍ تُظهِر بعضَ أسرار العناية الإلٰهية، تحدُّثًا بنعمة الله تعالى.
السبب الأول:
في واقعةٍ صادقةٍ قُبيل الحرب العالمية الأولى أو في بداياتِها، رأيتُني تحت جبل "أغري" المعروف بجبل "أرارات"، وإذا به ينفجر انفجارًا يثير الهول والفزع، فتترامى أجزاؤه العظيمة كالجبال على أنحاء الدنيا، وبينما أنا في هذا الهول الذي غشيني، نظرتُ فإذا بأُمِّي رحمها الله إلى جانبي، فقلتُ لها: لا تخافي يا أُمّاه.. إنه أمرُ الله، وإنه حكيمٌ رحيم! فإذا بشخصٍ جليلٍ مَهيبٍ يخاطبني آمِرًا: بيِّنْ إعجازَ القرآن.
فاستيقظتُ، وأدركتُ أن ثمّةَ انفجارًا هائلًا وتحوُّلًا عظيمًا سيقع، وستتهدَّم على إثره الأسوارُ من حول القرآن، فيُدافع عن نفسه بنفسه؛ وستُشَنُّ عليه الهجمات، فيكون إعجازُه هو دِرعَه الفولاذي؛ وفهمتُ أنَّ شخصًا مثلي سيكون مرشَّحًا بما يفوق حدَّه لإظهار نوعٍ من ذلك الإعجاز في هذا الزمان، وأنني أنا ذلك المرشَّح.
وما دام إعجازُ القرآن قد بُيِّنَ بدرجةٍ ما بی"الكلمات"، وكانت خدمتُنا التي قدمناها لحساب الإعجاز، وكانت من بركاته ورشحاته، فلا ريب أن إظهارَ العنايات التي حفَّتْ بهذه الخدمة أمرٌ يؤيد هذا الإعجازَ ويسانده، فلا بد من إظهارها.
— 13 —
السبب الثاني:
لما كان القرآن الحكيم مرشدَنا وأستاذَنا وإمامَنا، وكان في عموم الآداب دليلَنا، وكان يثني على نفسه بنفسه، فإننا یی اتِّباعًا لإرشاده یی سنُثني على تفسيره كذلك.
ثم لمّا كانت "الكلمات" المؤلَّفةُ نوعًا من تفسير القرآن، وكانت الحقائق التي في هذه الرسائل حقائقَ القرآنِ ومُلكَه، ولمّا كان القرآن الحكيم في كثيرٍ من سُوَرِه خصوصًا المفتَتَحةَ بی الٓر و حمٓ يُعلِن عن نفسه بكمال العَظَمَة والجلال، ويذكر كمالاتِه ويُثني على نفسِه الثناءَ اللائقَ به؛ فلا شكَّ أننا مكلَّفون بإظهار العنايات الربانية التي هي علامةٌ على قبول الخدمة، ولَمْعةٌ من لَمَعات إعجاز القرآن المُنعكِسة في "الكلمات"، فإنَّ هذا هو منهجُ أستاذِنا وإرشادُه.
السبب الثالث:
إنني فيما يَخُصُّ "الكلمات" أقول من باب بيان الحقيقة لا التواضع: إن الحقائق والكمالات التي فيها ليست بضاعتي، بل هي بضاعةُ القرآن ومِنه ترشَّحَت، حتى إن "الكلمة العاشرة" ليست سوى قطراتٍ ترشَّحَت من مئات الآيات القرآنية، وكذلك الأمر في سائر الرسائل.
فما دمتُ أعلمُ أن الأمر كذلك، وما دمتُ فانيًا راحلًا، فلا يجوز ولا ينبغي أن يُناطَ بي أمرٌ أو أثَرٌ باقٍ؛ وما دام أهل الضلالة والطغيان قد درجوا على الطعن في مؤلِّفِ أيِّ كتابٍ لا يُوافقهم لِيَحُطُّوا من قيمة الكتاب نفسِه، فينبغي ألا يُعمَدَ إلى الرسائل المُعلَّقةِ بنجومِ سماء القرآن، فتُعلَّقَ على عمودٍ مُتَداعٍ مثلي قابلٍ للسُّقوط، وعُرضةٍ لورودِ كثيرٍ من الاعتراضات والانتقادات.
وإذا كانت مزايا كتابٍ ما تُلتَمسُ بحسبِ عُرف الناس في أحوالِ مؤلِّفه، ظنًّا منهم أنه منبعُ ذلك الخير ومصدرُه، وكان مِن ظُلمِ الحقيقة یی وفقًا لهذا العُرف یی أن تُنسَب هذه الحقائق العالية والجواهر الغالية لشخصٍ مُفلسٍ مثلي، عاجزٍ عن إظهار
— 14 —
واحدٍ بالألف من تلك المزايا؛ فإني مُضطرٌّ لبيان أن الرسائل ليست بضاعتي، بل هي بضاعةُ القرآن، ومَظهرُ رَشَحاتِ مزاياه.
أجل، إن خواصَّ عناقيد العنب اللذيذ لا تُتحرَّى في أغصانه اليابسة؛ وإنني بحُكمِ غصنٍ يابس.
السبب الرابع:
قد يستلزم التواضعُ كفرانَ النِّعمة، بل ربما كان عينَ كُفران النعمة؛ وكذلك قد يكون التحدُّث بالنعمة افتخارًا؛ وكِلا الأمرَين ضررٌ، والسبيل الوحيد للنجاة منهما هو: الإقرار بالمزايا والكمالات دون ادِّعاء تملُّكها، أي: إظهارُها على أنها آثارُ إنعامِ المنعِمِ الحقيقي.
ومثال ذلك: لو أَلبَسَك أحدُهم ثيابًا فاخرةً جميلة، فصِرتَ بها على قدرٍ عظيمٍ من الأناقة والجمال، وأخذ الناسُ يقولون لك: ما شاء الله.. ما أجملك.. وما أجمل هيئتَك!! فإنك إنْ قلتَ لهم متواضعًا: حاشا.. مَن أنا؟! أنا لا شيء.. ما هذا؟! أين الجمال؟! كان هذا كفرانًا بالنعمة، وسوءَ أدبٍ تجاهَ الصانع الماهر الذي ألبسك هذه الثياب.
وإن قلتَ مفتخرًا: نعم.. أنا فائقُ الجمال، ومن مثلي في الجمال؟! أَرُوني أحدًا مثلي!! كان هذا فخرًا وغرورًا.
وسبيل الخلاص من كفران النعمة ومن الافتخار أن تقول: نعم، لقد صرتُ جميلًا حقًّا، لكنه ليس جمالي، بل هو جمالُ الثياب، وهو بالتالي جمالُ مَن ألبَسَنيها.
وإنني أقول مناديًا العالَم لو كان يَبلغُه صوتي: إن "الكلمات" جميلة، وإنها حقائق، لكنها ليست لي؛ بل هي شعاعاتٌ سطَعَت من حقائقِ القرآن الكريم؛ وإنني استنادًا إلى الدستور القائل:
وما مدحتُ محمدًا بمقالتي ولكنْ مدحتُ مقالتي بمحمدِ
أقول:
وما مدحت القرآن بكلماتي ولكن مدحت كلماتي بالقرآن
— 15 —
أي: إني لم أُجمِّل حقائقَ إعجاز القرآن ولم أُظهِر جمالَها، وإنما حقائقُ القرآن الجميلةُ هي التي جمَّلَت عباراتي ورفَعَت من شأنها.
فما دام الأمر كذلك، فإن إظهارَ محاسنِ مرايا القرآن المُسمّاةِ بی"الكلمات"، وإظهارَ ما ترتَّب عليها من العنايات الإلٰهية باسمِ جمالِ حقائقِ القرآن، إنما هو تحدُّثٌ بنعمةِ الله مقبولٌ.
السبب الخامس:
سمعتُ من بعضِ أهل الولاية قبل زمنٍ بعيدٍ، أنه استنبط من الإشارات الغيبية لبعضِ الأولياء السابقين وتحقَّقَت لديه القناعةُ بأنه سيَظهَر نورٌ في المستقبل من جهة الشرق، فيبدِّد ظلماتِ البِدع؛ ولطالما انتظرتُ أنا أيضًا ظهورَ نورٍ كهذا وما زلتُ أنتظر، لكن الأزهار إنما تأتي في الربيع، والمطلوبُ تهيئة الأرضية لمثل هذه الأزهار القدسية؛ ولقد أدركنا أننا بخدمتنا هذه نُمهِّد السَّبيلَ لأولئك النورانيِّين الكرام.
فما دام بيانُ العنايات الإلٰهية التي تخصُّ أنوار "الكلمات" لا يعود إلى أشخاصنا، فلا يمكن أن يكون مبعثَ فخرٍ وغرور، وإنما يكون مبعثَ حمدٍ وشُكرٍ وتحدُّثٍ بالنعمة.
السبب السادس:
إن العنايات الربانية التي هي وسيلةُ ترغيبٍ ومكافأةٌ عاجلةٌ على الخدمة التي نُؤدِّيها للقرآن بتأليف "الكلمات" ما هي إلا توفيقٌ؛ وشأنُ التوفيق أن يُبيَّن ويُعلَن عنه.
فإن زادَت هذه العناياتُ على معنى التوفيق كانت إكرامًا إلٰهيًّا؛ وإظهارُ الإكرام الإلٰهي شكرٌ معنويّ.
فإن زادَت على هذا أيضًا كانت كرامةً قرآنيةً صِرنا مَظهَرًا لها دون تدخُّلٍ مِنّا ولا اختيار؛ ولا ضيرَ في إظهارِ كرامةٍ جاءَت بغير علمٍ مِنّا ولا اختيار.
فإنِ ارتَقَت إلى ما فوق الكرامة العادية كانت شُعَلًا للإعجاز المعنويِّ للقرآن الكريم.
— 16 —
فإذا كان من اللازم إظهارُ الإعجاز، فلا شكَّ أن إظهارَ ما يؤيِّده عملٌ يصبُّ في صالحه؛ فلا يمكن أن يكون مبعثَ فخرٍ وغرور، وإنما يكون مبعثَ حمدٍ وشُكر.
السبب السابع:
إن ثمانين بالمئة من نوع الإنسان ليسوا من أهل التحقيق كي يَنفذوا إلى الحقيقة ويقفوا عليها ويأخذوا بها، وإنما يتلقَّون یی تقليدًا یی المسائلَ التي يسمعونها من أناسٍ يثقون بهم ويعتمدون عليهم، بناءً على حُسْنِ الظنِّ وظاهرِ الحال؛ حتى إنهم يَرون الحقيقةَ القويةَ ضعيفةً عندما تكون في يد شخصٍ ضعيف، ويعُدُّون المسألةَ التافهةَ مهمةً إن رأوها بيدِ شخصٍ ذي أهمِّية.
وإنني بناءً على هذا أجدُني مضطرًا للإعلان عن الأمر التالي، لكيلا أَحُطَّ من قيمةِ الحقائقِ الإيمانيةِ والقرآنيةِ حين يراها الناس في يدِ شخصٍ ضعيفٍ عاجزٍ بسيطٍ مثلي؛ فأقولُ:
إن ثمّة مَن يستخدمُنا ويُقيمُنا في مهامَّ جليلةٍ دون علمٍ مِنّا ولا اختيار، بدليلِ اختيارِنا مظهرَ عناياتٍ وتسهيلاتٍ خارجةٍ عن شعورنا وإرادتنا، فلأجلِ هذا نجِد أنفسَنا مُضطرِّين للإعلان عن هذه العنايات على الملأ.
وبناءً على هذه الأسباب السَّبعة نشيرُ إلى بضعِ عناياتٍ ربانيةٍ كُلِّية:
الإشارة الأولى:
"التوافقات"؛ وقد بُيِّنت في النُّكتة الأولى من المسألة الثامنة من "المكتوب الثامن والعشرين".
ففي مكتوب "المعجزات الأحمدية" على سبيل المثال: تَناظَرَ موضِعُ وُرودِ كلمة الرسول الأكرم (ص) في أكثر من مئتي موضعٍ منها بكمال الموازنة، وذلك بدءًا من الإشارة الثالثة وحتى الإشارة الثامنة عشرة في ستين صفحةً إلا صفحتين، وقد حصل هذا لأحدِ النُّسَّاخ دون علمه؛ ومن نظر إلى صفحتين منها بإمعانٍ وإنصافٍ أقرَّ بأن ذلك لا يمكن أن يقع مُصادفةً.
— 17 —
هذا مع أن المصادفة إنْ وقَعَت، واشتُرِط وجودُ كلماتٍ كثيرةٍ متماثلةٍ في الصفحة الواحدة، جاء التوافقُ ناقصًا، وربما وقع تامًّا في صفحةٍ أو صفحتين لا غير.
والحالُ هنا أن مواضع ورود كلمة الرسول الأكرم (ص) في جميع الصفحات تتناظر فيما بينها بكمال الاتِّزان، سواءٌ ورَدَت في الصفحة الواحدة مرتين أو ثلاثًا أو أربعًا أو أكثر، ولا شكَّ أن هذا إن وَقَع لم يقع مُصادفةً بحالٍ من الأحوال.
ثم إنَّ توافقًا لم يستطع ثمانيةُ نُسَّاخٍ مختلفين أن يُغيِّروه إنما يُظهِر إشارةً غيبيةً قويةً في طيِّه.
فكما أن البلاغة تُوجَد في كتبِ أهل البلاغة على درجاتٍ شتَّى، غير أن بلاغة القرآن قد بلَغَت حدَّ الإعجاز، فلم يستطع أحدٌ بلوغَ شأوِه؛ فكذلك التوافقات الموجودة في "المكتوب التاسع عشر" الذي هو مرآةٌ للمعجزات الأحمدية، وفي "الكلمةِ الخامسةِ والعشرين" التي هي ترجمانٌ للمعجزات القرآنية، وفي أجزاء رسائل النور التي هي نوعٌ من تفسير القرآن الكريم؛ هذه التوافقات تُظهِر غرابةً تفوق التوافقاتِ التي توجد فيما سواها من سائر الكتب، ويُفهم منها أنها نوعُ كرامةٍ للمعجزاتِ القرآنية والمعجزات الأحمدية تتجلَّى وتتمثَّل في تلك المرايا.
الإشارة الثانية:
العناية الربانية الثانية التي تخصُّ الخدمةَ القرآنية، هي أنَّ الحقَّ تبارك وتعالى قد أحسن إليَّ بإخوانٍ أقوياءَ أوفياءَ مُخلِصين، أصحابِ هِمّةٍ وعزيمةٍ وتضحية، لهم أقلامٌ كالسُّيوف الألماسية، فجعَلَهم أعوانًا لشخصٍ مثلي شِبهِ أُمِّيٍّ لا يُحسِن الكتابةَ، وحيدٍ في ديارِ الغربة، ممنوعٍ من مخالطةِ الناس؛ وحمَّلَ كواهلَهم القويةَ ما أثقل كاهلي الضعيفَ العاجزَ من الوظيفة القرآنية، فخفَّف حِملي بكمالِ كرمه.
فهذه الجماعة المباركة بمثابةِ أَجهِزةِ البثِّ اللاسلكي بحَسَب تعبير "خُلوصي"، وهي بمثابة مولِّدات الكهرباء لمعمل النور بحَسَب تعبير "صبري"؛ ومع أن لكلٍّ منهم مزاياه المُتنوِّعة وخصائصَه القيِّمة إلا أنهم يتشابهون في الحماس والسَّعي والهِمّة
— 18 —
والجدِّ تشابُهًا يُعدُّ نوعًا من التوافقات الغيبيّة بحَسَب تعبير "صبري" أيضًا؛ وإنَّ نَشرَهم الأسرارَ القرآنية والأنوارَ الإيمانية وإيصالَهم إيّاها إلى شتَّى الجهات، وخِدمَتَهم التي يُؤدُّونها بمنتهى الحماس والهِمّة من غيرِ كللٍ ولا فُتُور یی رغم وجود أسبابٍ كثيرةٍ تُورِثُ الفتور وتقتُلُ الحماسَ في هذا الزمان، حيث استُبدِلت الحروفُ العربيةُ وأُغلِقَت مطابعُها، وبات كلُّ شخصٍ محتاجًا إلى الأنوار الإيمانية یی ليس سوى كرامةٍ قرآنيةٍ مباشرة، وعنايةٍ إلٰهيةٍ ظاهرة.
أجل، فكما أنَّ للولاية كرامتَها، فإن للنِّيةِ الخالصةِ كرامتَها، وإن للإخلاص كرامتَه أيضًا؛ وكذلك التسانُد الجادُّ الخالصُ بين الإخوان في دائرة الأُخوّة في الله، فإنَّ له على وجه الخصوص كراماتٍ كثيرةً؛ حتى إن الشخصَ المعنويَّ لجماعةٍ كهذه قد يكون في حُكمِ وليٍّ كاملٍ، ويكون مَظهرًا للعنايات.
فيا إخواني ويا أصحابي في خدمة القرآن.. كما أن من الظُّلم والخطأ أن يُمنَحَ جميعُ الشرف والغنائم لرقيبِ فوجٍ فَتَحَ حصنًا، فكذلك ليس لكم أن تَعْزُوا إلى مسكينٍ مثلي عناياتِ الفتوحات التي تحقَّقَت بأقلامكم وبقوةِ شخصكِم المعنويّ.
ولا ريبَ أن في هذه الجماعة المباركة إشاراتٍ غيبيةً قويةً فضلًا عن التوافقات الغيبية؛ وإنني أَراها لكن لا أستطيع إراءتَها لكلِّ أحدٍ ولا لعموم الناس.
الإشارة الثالثة:
إن إثبات أجزاءِ رسائل النُّور لجميع الحقائق الإيمانية والقرآنية الجليلة إثباتًا ساطعًا حتى لِأَشدِّ المُعانِدين، إنما هو عنايةٌ إلٰهيةٌ وإشارةٌ غيبيةٌ قوية؛ ذلك أن من الحقائق الإيمانية والقرآنية ما اعترف بالعجز عن فهمه أحدُ كبار العباقرة كی"ابن سينا"، وقال فيها: "لا يجدُ العقلُ إليها سبيلًا"، في حين أن رسالة "الكلمة العاشرة" تُعلِّم تلك الحقائق التي عَجَز هذا الرجل بعبقريَّته عن بلوغها، وتُبيِّنها حتى للعوامِّ، بل حتى للصغار.
وكذلك مثلًا مسائلُ سرِّ القَدَر والجزءِ الاختياريّ، لم يتمكَّن من حلِّها علَّامةٌ جليلٌ كی"السعد التفتازاني" إلا فيما يَقرُب من خمسين صحيفةً، وذلك في "المُقدِّمات
— 19 —
الاثنَتَي عشرة" من كتابه الشهير بی"التلويح"، ولم يُعْلِم بها سوى الخواصِّ؛ بينما "الكلمةُ السادسة والعشرون" التي تبحث في القَدَر بيَّنَت تلك المسائل بتمامها في صحيفتين من المبحث الثاني، ووضَّحَتْها بأسلوبٍ يَبلُغ أفهامَ الجميع؛ فإن لم يكن هذا من آثار العناية الإلٰهية فما هو إذًا؟!
وكذا الطِّلسمُ العويص واللُّغز العجيب الذي حيَّر العقولَ ولم تهتدِ الفلسفةُ إلى حَلِّه، والذي حُلَّ بإعجاز القرآن العظيم الشأنِ، أعني ما يُسمَّى سرَّ خِلْقة العالَم وطِلسمَ الكائنات؛ فقد حُلَّ في "المكتوب الرابع والعشرين"، وفي "النكتة المرموزة" في ختام "الكلمة التاسعة والعشرين"، وفي الحِكَم السِّتِّ لِتَحوُّل الذرّات في "الكلمة الثلاثين"؛ فهذه الرسائل قد حَلَّت طِلسمَ الفعالية المحيِّرة في الكائنات، وبيَّنت مُعَمَّى خِلْقةِ الكائنات وعاقبتِها، وكشَفَت سرَّ حكمةِ الحركات في تحوُّلات الذرَّات؛ وهي رسائلُ مُتاحةٌ متداوَلة.
وكذا وحدةُ الربوبية من غير شريكٍ بسرِّ الأحديّة، وحقائقُ القُرْبيّةِ الإلٰهية بلا نهاية، مع بُعْدِيَّتِنا نحن بلا نهاية؛ وهي حقائقُ تُثير الحَيرةَ، قد بيَّنتْها بوضوحٍ تامٍّ كلٌّ من "الكلمةِ السادسة عشرة" و"الكلمةِ الثانية والثلاثين"؛ بينما تكفَّل بالكشفِ عن سرِّ الوحدةِ العظيمِ وأبانَ عنه "المكتوبُ العشرون" مع مُلحقِه ذي التمثيلات الثلاثة، عند بيان كلمة وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وهو المكتوب الذي أظهر بكمال الوضوح أن الذرَّات تتساوى مع السيارات بالنسبة للقدرة الإلٰهية، وأن إحياءَ جميعِ ذوي الأرواح في الحشر الأعظم سهلٌ على القدرةِ الإلٰهية سهولةَ إحياءِ نفسٍ واحدة، وأن دخول الشِّرك في خلقِ الكون بعيدٌ عن العقل بدرجة الامتناع.
ثم على الرغم من أن في الحقائق الإيمانية والقرآنية سَعةً يَعجِز أن يُحيط بها أعظمُ ذكاءٍ بشري، إلا أنها ظهَرَت بأَكثريَّتها المُطلَقة وبدقائقها لدى رجلٍ مثلي مُشتَّتِ الحال مشوَّشِ الذِّهن، يؤلِّف بسرعةٍ في ظروفٍ حرِجةٍ دون مراجعة كتاب؛ فليس ظهورُها هذا إلا أثرًا مباشرًا للإعجاز المعنويِّ للقرآن الحكيم، وجَلوةً من جَلَوات العناية الربانية، وإشارةً غيبيةً قوية.
— 20 —
الإشارة الرابعة:
لقد أُحسِن إلينا بخمسين أو ستِّين (٭): قد بلغت اليوم المئة والثلاثين. رسالةً على هذا النحو، فهي ليست تآليفَ من النوع الذي يقوم به جماعةٌ من أهل التدقيق والذكاء العالي بهمَّتهم وسعيِهم، فضلًا عن أن تكون تآليفَ شخصٍ مثلي لا يَشغَلُ وقتَه بِكَدِّ الفِكر، بل يتتبَّع سُنُوحاتِ قلبه ولا يجد وقتًا للتدقيق؛ مما يُظهِر بوضوحٍ أنها أثرُ عنايةٍ مباشَرة؛ ذلك أن جميع الحقائق العميقة تُدَرَّس في هذه الرسائل لأدنى طبقات العوامِّ والأُميِّين من خلال التمثيلات، في حين أن كبار العلماء يقولون عن معظم هذه الحقائق: إنه لا سبيل لإفهامها؛ فلا يعلِّمونها للخواصِّ فضلًا عن العوامِّ.
إن هذه التسهيلاتِ العجيبةَ وسهولةَ البيان البالغةَ درجةَ تعليم أبعد الحقائق بأقرب أسلوبٍ لأدنى طبقات العوامِّ، قد جَرَت على يدِ شخصٍ مثلي قصيرِ الباع في التركية، مُستَغلِقِ الكلام لا يُفهَم كثيرٌ منه، حتى لقد اشتَهَر عنه في السابق أنه يُعقِّد الحقائقَ الظاهرة، وصَدَّقَت مؤلَّفاتُه القديمة هذه الشُّهرةَ السَّيِّئة!! فلا ريب أن هذا لا يُمكن أن يكون ثمرةَ براعة هذا الشخص بحال، وإنما هو أثرُ العناية بلا شكّ، وجَلوةٌ من جَلَوات الإعجاز المعنويِّ للقرآن الكريم، وانعكاسٌ وتجلٍّ للتمثيلات القرآنية.
الإشارة الخامسة:
رغم انتشارِ الرسائل انتشارًا عامًا واسعًا بين الجميع، ورغم مطالعتها وقراءتِها من قِبَل طبقاتٍ وطوائفَ شتَّى من الناس، بدءًا من أكبر عالِمٍ وصولًا إلى أدنى عامِّيٍّ، وبدءًا من أكبر وليٍّ من أهل القلوب وصولًا إلى أشد الفلاسفة المُلحِدين عنادًا، بل رغمَ تلقِّي البعضِ شيئًا من صفَعاتِها؛ إلا أنها لم تُنتَقَد، بل استفادت منها كلُّ طائفةٍ بحَسَب درجتها؛ وهذا ليس إلا كرامةً قرآنيةً وأثرَ عنايةٍ ربانيةٍ مباشَرة.
وكذلك فإنَّ إملاءَ هذا النوع من الرسائل التي لا تتحصَّل إلا بعد مزيد تدقيقٍ
— 21 —
وتمحيصٍ، وتأليفَها بسرعةٍ عجيبةٍ في ظروفٍ من الشدة والانقباض تُشوِّش فهمي وإدراكي، ليس إلا إكرامًا ربانيًّا وأثرًا من آثار العناية.
نعم؛ يعلم أكثرُ إخواني ومعظم أصحابي مِن حولي وكذا النُّسَّاخُ، أنَّ الأجزاء الخمسة من "المكتوب التاسع عشر" قد أُلِّفت في بضعةِ أيامٍ بما مجموعُه اثنتا عشرة ساعةً دون مراجعةِ كتابٍ، حتى إن أهمَّ أجزائه یی أعني الجزء الرابع الذي أظهر خاتم نبوةٍ جليًّا في كلمة الرسول الأكرم (ص) یی قد أُلِّف إملاءً من الذاكرة في حوالي أربع ساعات بين الجبال وتحت المطر؛ ويَعلمُون كذلك أن رسالةً دقيقةً مُهِمّةً كی"الكلمة الثلاثين" أُلِّفت في أحدِ البساتين في غضون ستِّ ساعات؛ وكذلك "الكلمة الثامنة والعشرون" أُلِّفت في زمنٍ لا يتجاوز الساعتين في بستان "سليمان"، وهكذا كان الأمر في معظم الرسائل.
ويعلمُ أصدقائي المُقرَّبون أنني منذ القديم متى كنتُ مُنقبضًا أو في شِدّةٍ، أعجِزُ عن بيانِ أوضح الحقائق، بل أُصبح كمَن يجهلُها، خصوصًا إذا أُضيف إلى هذا المرضُ، فيمنعني حينئذٍ من الدَّرس والتأليف؛ والحالُ أن أهمَّ "الكلمات" والرسائلِ الأخرى قد أُلِّفت بأسرعِ وجهٍ في أقسى ما عانيتُ من أوقات الشِّدّة والمرض؛ فإن لم يكن هذا عنايةً إلٰهيةً مباشرةً وإكرامًا ربانيًّا وكرامةً قرآنية فما هو إذًا؟!
ثم إن أيَّ كتابٍ مهما كان، إذا تناول مثلَ هذه الحقائق الإلٰهيةِ والإيمانيةِ بالبحث، لا بدَّ أن تعود بعضُ مسائله بالضرر على بعض الناس، ولهذا لا تُنشَر كلُّ مسائله لكلِّ أحد؛ أما هذه الرسائل فإنها حتى يومنا هذا لم تُلحِق ضررًا بأحد، كأنْ تُشوِّش الأذهانَ أو تَتْرُك أثرًا سيِّئًا أو تَرتدَّ بنتائج عكسية، ولقد سألتُ الكثيرين عن هذا الأمر؛ وتَحقَّق عندنا أن ذلك عنايةٌ ربانيةٌ وإشارةٌ غيبيةٌ مباشرة.
الإشارة السادسة:
لقد بتُّ اليوم على يقينٍ أنَّ حياتي قد خُطَّ لها مسارٌ بشكلٍ غريب، ومَضَت بمُعظمِها خارجَ اختياري واقتداري وشعوري وتدبيري، كي تُثمِر هذا النوعَ من
— 22 —
الرسائل التي تخدُم القرآن الحكيم؛ حتى لَكأنَّ حياتي العلميةَ جميعَها كانت بمثابةِ مقدِّماتٍ تُمهِّد لإظهارِ إعجاز القرآن من خلال "الكلمات".
بل إنَّ ما جرى في هذه السِّنين السبع من نفيي وغربتي، وعَزلي عن الناس تعسُّفًا بما يخالف رغبتي، وقضائي أيامَ حياتي وحيدًا في قريةٍ خلافًا لمشربي، وتَركي بل نفوري من الكثير من روابطِ وقواعدِ الحياة الاجتماعية التي أَلِفْتُها منذ القديم، كلُّ ذلك لم يُبْقِ لديَّ شبهةً في أن ذلك إنما كان لأجل تأدية هذه الخدمة القرآنية المباشرة بصورةٍ صافيةٍ خالصة.
بل أعتقدُ أن خلف ستار هذا الأذى الذي توالى عليَّ كثيرًا، والاضطهادِ الذي نزل بي ظلمًا، يدَ عنايةٍ تَبلُوني به برحمةٍ كي أَحصُر فكري في أسرار القرآن، ولا أُشتِّت نظري فيما عداه.
وعلى الرغم من أنني كنت منذ القديم شغوفًا بمطالعة الكتب، إلا أنني استشعرتُ في روحي مجانبةً وامتناعًا عنها جميعًا، ولقد فهمتُ أن الأمر الذي جعلني أترك المطالعة یی مع أنها مبعثُ أُنسٍ وسُلوانٍ لي في هذه الغربة یی ليس إلا لتكون الآياتُ القرآنية وحدَها أستاذي المطلَق.
ثم إن أغلب هذه الكتبِ والرسائلِ المؤلَّفة قد أُحسِن بها إليَّ إحسانًا مباشَرًا لحظةَ تأليفها لحاجةٍ تولَّدت في روحي دون سببٍ خارجي، ثم لمّا عرَضتُها على بعض أصحابي قالوا: إنها دواءٌ لجِراح هذا الزمان، وبعد أن انتشَرَت، فَهِمتُ من أكثر إخواني أنها تلبِّي حاجات هذا الزمان وتعالج أدواءَه.
فمجرياتُ حياتي، وهذه الحالات المذكورة الخارجة عن شعوري واختياري، وتتبُّعي لأنواع العلوم الذي جرى على خلاف عادتي وبغير اختياري، لم تُبقِ لديَّ شبهةً في أنها كانَتْ إكرامًا ربانيًّا وعنايةً إلٰهيةً قويةً كي تُفضيَ إلى مثل هذه النتيجة القدسية.
الإشارة السابعة:
لقد شاهدنا بأعيننا یی خلال هذه السنوات الخمس أو السِّتِّ من خدمتنا یی آثارًا للإكرام الإلٰهي والعناية الربانية والكرامة القرآنية تنوف یی دون مبالغة یی على المئة؛
— 23 —
ولقد أشرنا إلى بعضها في "المكتوب السادس عشر"، وبيَّنَّا بعضَها الآخَر في المسائل المتفرِّقة للمبحث الرابع من "المكتوب السادس والعشرين"، وفي المسألة الثالثة من "المكتوب الثامن والعشرين"؛ وهي آثارٌ يعرِفها أصحابي المقرَّبون، كما يعرفها ويعرف غيرَها صاحبي الملازمُ لي "سليمان أفندي".
كما أننا عند قيامنا بنشر "الكلمات" والرسائل، أو تصحيحها أو ترتيبها أو تسويدها أو تبييضها، نغدو مَظهَر تسهيلاتٍ لا تخطر بالبال على وجه الخصوصِ، فلم تَبْقَ لدينا شبهةٌ في أنها كرامةٌ قرآنيةٌ؛ والأمثلة على هذا تَبلُغ المئات.
وكذلك الأمر بخصوص معيشتنا، فإن أمورَنا تُدار برحمةٍ عجيبةٍ، حيث إن صاحب العناية الذي يستخدمنا يُحسِن إلينا إحسانًا لا يخطر بالبال، تلبيةً لأدنى رغباتِ قلوبنا.
وهكذا؛ فهذه الحال إشارةٌ غيبيةٌ في منتهى القوة إلى أننا قد أُقمنا في الخدمة القرآنية، وأننا أداةٌ لها تحت العناية في دائرة الرضا.
الحَمْدُ لله؛ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي
﴿ سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴾
اللَّهم صَلِّ على سيدنا محمدٍ صلاةً تكون لك رضاءً ولحقهِ أداءً، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا آمين
٭٭٭
— 24 —
جوابٌ على سؤالٍ خاصّ
هذا سرُّ عنايةٍ كان قد كُتِبَ للتداول الخاصّ منذ القديم، وأُلحِق بختامِ "الكلمةِ الرابعةَ عشرة"، غير أن أكثر النُّساخ قد نَسُوه بطريقةٍ ما فلم يكتبوه، ما يعني أن موضعَه اللائق والمناسب إنما كان هنا، ولأجل هذا خَفِيَ عليهم.
تسألني: لماذا يوجد في "الكلمات" التي استَقيتَ تأليفَها من القرآن من القوّةِ والتأثيرِ ما لا يكادُ يوجد في كلام المُفسِّرين والعارفين؟ حتى إنَّه قد يُوجَد في سطر واحد من القوة ما يضاهي صفحة، ويُوجد في صفحة من التأثير ما يضاهي كتابًا!
فالجواب (وهو جواب رائع): بما أن هذا الشرف يعود إلى إعجاز القرآن لا إليَّ، فإنني أقول بلا حرج: إن هذا حالُ معظم "الكلمات"، إذ هي تصديقٌ لا تَصَوُّر؛ وإيمانٌ لا تسليم؛ وشهادةٌ وشهود لا معرفة؛ وتحقيقٌ لا تقليد؛ وإذعانٌ لا التزام ؛ وحقيقةٌ لا تصوُّف؛ وبرهانٌ ضمن الدعوى لا مجرَّد دعوى.
وحكمةُ هذا السِّرِّ أن الأُسُسَ الإيمانية كانت محفوظةً مَصُونةً في السابق، وكان التسليمُ قويًّا، وكانت معارف العارفين وبياناتُهم في الفرعيات مقبولةً كافيةً وإن كانت بلا دليل؛ لكن لمّا مَدَّت الضَّلالةُ العلمية في هذا الزمان يدَها إلى الأُسُس والأركان، فإن الحكيم الرحيم ذا الجلال یی وهو المُحسِن المتفضِّل بالدواء الناجع لكلِّ داء یی قد أحسَنَ إلى مؤلَّفاتي العائدةِ لخدمة القرآن، وتفضَّلَ عليها بشُعلةٍ من ضربِ الأمثال التي هي أَسطَعُ مظاهرِ إعجازه، رحمةً منه بعجزي وضعفي وفقري واحتياجي.
فأحمدُ الله أنه بمنظارِ ضربِ الأمثال قُرِّبَت أبعدُ الحقائق.
وبجهةِ الوحدة في ضربِ الأمثال جُمِعَتِ المسائلُ المتفرِّقةُ غايةَ التفرُّق.
وبسُلَّمِ ضربِ الأمثال يُسِّرَ الوصولُ إلى أعلى الحقائق.
— 25 —
وبنافذةِ ضربِ الأمثال حَصَل يقينٌ إيمانِيٌّ بالحقائق الغيبيّة والأُسُس الإسلامية قريبٌ من الشهود.
فاضطَرَّ العقلُ للتسليم، وسَلَّم معه الخيالُ والوهم؛ بل حتى النفسُ والهوى؛ وألقى الشيطان سلاحَه راغمًا.
والحاصل أنه حيثما وُجِد في مؤلَّفاتي جمالٌ وتأثيرٌ فإنما هو من لَمَعاتِ التَّمثيلات القرآنية، وإنما نصيبي الطلبُ مع شِدّة احتياجي، وتضرُّعي مع غاية عجزي؛ فالدّاءُ دائي والدَّواءُ دواءُ القرآن.
٭٭٭