لاحقة بارلا
— 26 —
باسمه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
مقدمة
ثمّةَ فِقراتٌ مُقتطَفةٌ من رسائل "خلوصي بك" و"صبري أفندي" المُدوَّنة حولَ رسائل النور، أُدرِجت ضِمنَها على صورة رسائل لأسبابٍ خمسة:
الأول: أمّا خلوصي: فإن عزمه وجِدِّيتَه كانا أهمَّ أسباب تأليف "الكلمات" التي كُتبَت مؤخَّرًا وغالب "المكتوبات"؛ بينما كان شوقُ صبري ولَهفتُه الجادّة السَّببَ في تأليف "المكتوب التاسع عشر" الذي يشكِّل ثلثَ "المكتوبات".
السبب الثاني: أنهما لم يَتَوقَّعا أن تُنشَر هذه الفِقراتُ يومًا ما؛ لذا اتَّسَمَت كتاباتُهما المُعبِّرة عن أذواقهما ومدى أشواقِهما لتلك الحقائق بغاية الخصوصيّة والصِّدق والإخلاص والبُعدِ عن التَّصَنُّع؛ ولأجل هذا فإنَّ ما صدر منهما من إعجاب وتقديرٍ لم يأتِ من قَبِيل التقاريظِ المعتادة، وإنما هو تعبيرٌ صادقٌ غيرُ مبالَغٍ فيه عمّا شاهدوه وتذوَّقوه من حقائقَ.
السبب الثالث: أنَّهما من طلابي الحقيقيِّين وأصحابي الجادِّين، وقد نالا المرتبةَ الأولى من بين سائر أصحابي في التحلِّي بثلاث خصائصَ لا بدَّ من الاتِّصاف بها للعاملين في الخدمة القرآنية: أخًا، أو طالبًا، أو صاحبًا؛ وتلكم الخصائص هي:
الخصيصة الأولى: أنهما يَعُدّانِ كلَّ شيءٍ يرجِعُ لي كأنَّه لهما أيضًا، فإذا أُلِّفت "كلمةٌ" یی مثلًا یی فإنهما يَشعُرانِ بأذواقٍ عاليةٍ كأنهما هما من كتَبَها وألَّفها، ويَحمَدانِ الله على ذلك؛ فهُما بحُكم وارِثَينِ لي حقيقيَّينِ معنويَّينِ، يحملانِ روحًا واحدة حلَّت في جسدين.
الخصيصة الثانية: أنهما يُؤمِنانِ أن أهمَّ المَقاصدِ وأجلَّها من بين عموم مقاصد الحياةِ: خدمةُ القرآن الكريم بواسطة "الكلمات" النُّوريّة؛ ويَعُدّانِ خدمةَ الحقائقِ
— 27 —
الإيمانيةِ أعظمَ الثِّمارِ الحقيقية للحياة الدنيوية، وأشرفَ الوظائفِ الفِطريّة للقادمين إلى الدنيا.
الخصيصة الثالثة: أنهما يُعانيانِ جراحًا مثلَ جراحي، ويُحاوِلانِ علاجَها بمثل الأدوية التي جرَّبتُها على نفسي واستخلَصتُها من صيدليّة القرآن المُقدَّسة؛ وهما في الوقت ذاتِه يَمتلِكانِ رغبةً عالية وعزيمةً ساميةً على الحفاظ على إيمانِ ذوي الإيمان، ويَحمِلانِ أعلى درجاتِ الشَّفَقة التي تَدفعُهما لمُداواةِ جِراح قلوب المؤمنين الناشئة من ورود الشُّبُهات والأوهام.
السبب الرابع: أنَّه بعد وفاةِ ولدي المعنويِّ الوحيدِ ومَبعَثِ سُلواني ووارِثي الحقيقيِّ: ابنِ أخي "عبد الرحمن"، الذي كان من المُتوقَّع أن يغدوَ صاحب عبقريّة نورانيّة؛ حَلَّ محلَّه تمامًا "خلوصي بك"، وأخذ يُؤدِّي الخِدماتِ التي كنتُ أنتظرُها من المرحوم حقَّ الأداءِ.
وقبل لقائي به بمدّة طويلة، كنتُ حينما أُؤلِّف "الكلمات"، أشعرُ كأنني أُخاطِبُ شخصًا معنويًّا يؤدِّي الوظيفة نفسَها التي يقومُ بها خلوصي، لذا جاءت غالبية الأمثلة والتمثيلات بحَسَب وظيفته ومسلكِه، فكأنَّ الحقَّ سبحانه عيَّن هذا الشخص طالبًا مُعِينًا لي في خدمة القرآن والإيمان، فكنتُ دونَ سابقِ لقاءٍ ومعرفةٍ أتحدَّثُ معه وأُخاطبُه وأُملي عليه الدُّروسَ.
أمّا صبري، فإن لديَّ علامةً فارقةً فطريّةً تَخُصُّني، لم أجدها عند أحدٍ غيرِه في جميع الأماكن التي تجوَّلتُ فيها، فهو يحمل العلامةَ الفارقة ذاتَها، وقد أحسَّ في نفسه یی مِن بين سائر طلابي یی بصِلةِ قُربى تفوق قَرابةَ النَّسَب.. ولم أَكُن أتوقَّعُ منه الكثيرَ من الإنجاز في هذه المَنطِقة، إلا أنَّه سبق الجميعَ بتيقُّظِه رغمَ أنه تنبَّه مُتأخِّرًا، وهذه إشارةٌ إلى أنه شخصٌ مُنتَخَبٌ، اختِيرَ من قِبَلِ الحقِّ سبحانه طالبًا وصاحبًا لي في خدمة القرآن، وأنه بمثابة "خلوصي الثاني"..
السبب الخامس: أنني لا أقبلُ الثناء والمدح المُوجَّهَ لشخصي، فقد عانيتُ من ذلك أضرارًا معنويةً بالغةً، ولأجل هذا بِتُّ أخاف وأنفر مِنه وأتجنَّبُه بشِدّة، خشية أن
— 28 —
يُصبحَ مَدعاةً للفخر والغرور؛ إلا أنني من جهة كوني دلَّالًا للقرآن الحكيم وخادمًا له، ومن مُنطلَقِ هذه الوظيفة السّامية، فإنَّ التقدير والمَدحَ في هذه الحالة لا يَنصَرِفُ إلى شخصي، وإنما إلى تلكم "الكلماتِ" المُنوَّرة، بل إلى الحقائق الإيمانية والأسرار القرآنية مُباشَرةً، لذا أتقبَّلُ ذلك التقديرَ والمدحَ لا مُفتَخِرًا، بل من قبيلِ شُكرِ الحَقِّ سبحانه على ذلك.
وهكذا، فلأنَّ هذين الشخصين هما أكثرُ من أدرك هذه الحقيقة، فقد أصبح ما سجَّلاه من تقديرٍ ومديحٍ، بدافعٍ وجدانِيٍّ ودُونَ سابقِ علمٍ منهما، سببًا لإدرجه ضمن أجزاء رسائل النور.
نسألُ الحقَّ سبحانه أن يزيد من أمثالهما، وأن يوفِّقَهما ولا يَصرِفَهما عن جادّة الحقِّ.. آمين.
اللَّهُمَّ وفِّقنا وإيَّاهُما وأَمثالَهُما مِن إخوانِنا لِخِدمةِ القُرآنِ والإيمانِ كما تُحِبُّ وتَرضَى، بحَقِّ مَن أَنزَلتَ عليه القُرآنَ، عليه أفضَلُ الصَّلاةِ وأتمُّ التَّسلِيماتِ، ما اختَلَفَ المَلَوانِ، وما دارَ القَمَرانِ.
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭