— 29 —
المكتوب السابع والعشرون
وذيوله
هو المكتوب السابع والعشرون للكلمة الثالثة والثلاثين، وهو عبارة عن فِقراتٍ مُقتطَفةٍ من الرسائل الخاصة التي كتبها المُخاطَبُ الأوَّل لمكتوباتِ النُّور: "خلوصي بك"، يُعبِّر فيها عن تقديرِه لرسائل النور.
أمّا القسم الثاني من هذا المكتوب یی أي: ذيلُه یی فهو أيضًا مجموعةُ فِقراتٍ مُقتطَفةٍ من الرسائل الخاصة التي كتبها "صبري أفندي" الذي استحقَّ لَقَبَ "خلوصي الثاني"، يُعبِّر فيها كذلك عن تقديرِه لرسائل النور.
(٭): أقرَّ أستاذنا في بادئ الأمر المكتوب السابع والعشرين بهذا الشكل، إلا أنه وسَّعه فيما بعد بإضافة الذيل الثاني والثالث والرابع، ثم أدخلَ في صيغته النهائية لاحقتي "قسطموني" و"أميرداغ"، فاكتمل بذلك المكتوب السابع والعشرون.. وبهذا الاعتبار فإن رسائل خلوصي بك وصبري أفندي تُشكِّلان بداياتِ هذا المكتوبِ. (المعدُّون)
٭٭٭
— 30 —
﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾
باسمه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته بعدد ذرَّات الكائنات أبدًا.
(فقرة خلوصي الأولى):
أُستاذي الموقَّر..
أَوَدُّ أن أتحدَّث إليكم بعفوية وواقعية ودونما تكلُّف، ولستُ من ذوي الشأن الرفيع الذين يَبتهجُون برؤية أنفُسِهم فُقَراءَ عاجزين؛ ولقد تفضَّلتُم بمخاطبتي بأوصافٍ شتَّى كی"طالبي" و"أخي" و"ابن أخي"، وإنني أمرُّ اليوم بحالة مضطربة، وفي أشدِّ الحاجةِ لِدُعائِكم.
في سبيل بيانِ أنَّ القرآنَ المُعجِزَ البيانِ حقٌّ وحقيقةٌ، اقتضَتِ المشيئة الإلٰهيّة إظهارَ بعض لَمَعاتِه النورانية أمامَ البَشَر في هذا العصر، لا سيَّما الفِرَقِ الضّالةِ منهم؛ وقد غدا أستاذي الموقَّرُ یی بحمد الله یی واسطةَ هذه المُهِمّة الجليلة.
وإنه من لُطف اللهِ وفضله وجميلِ عنايتِه أن شرَّف طالبَكم یی هذا اللاشيءَ یی بخِدمةٍ جزئيةٍ لأستاذه المحترم الذي يؤدِّي مُهِمّةً جليلة في سبيل القرآن الكريم؛ فمهما حَمِدتُ الله على ذلك كنتُ مقصِّرًا؛ وليس لي حقُّ الافتخارِ ولو بمقدار ذرة، بل على العكس من ذلك: أتضرَّع وأرجو الصفح عن خطاياي وتقصيري في حقِّ القيام بوظيفة الخدمة.
صحيحٌ أنه لا معنى للتَّعرِيف بشخصي المُسيء، لكن إنَّما صدَّعتُ رأسكم بعضَ الشيء تحت حجاب الحياء لِما لَقِيتُ منكم من تفاعلٍ طيِّبٍ أثناء مراسلاتي لكم ولقائي بكم وسوى ذلك من الأمور.
— 31 —
وإزاءَ إصراركم على جوابي بخصوص السؤالين الواردين في رسالتيكم الأخيرتين، أقول: سَمعًا وطاعة.
فأمّا سؤالكم الصعبُ، فلكي أُجيبَ عليه إجابةً تُوافق الحقَّ وتُطابقُ الحقيقةَ، ليس لي یی وأنا المُثقَلُ بأعلى درجات الفقر والعجز یی إلّا الِالتجاءُ إلى العناية الإلٰهية، وطلبُ المَدَدِ من الروحانيّة النبويّة (ص).
ما من شَكٍّ ولا شُبهةٍ أنَّ "الكلمات" المباركة لَمَعاتٌ نورانية لحقائق القرآن المبين، ورغم افتقارِ بعض مواضعِها إلى الإيضاح والشرح، إلا أنها لا تحتوي یی عمومًا یی على عيب أو نقص، وبإمكان أي فردٍ من أفرادِ البشر على اختلافِ طَبَقاتِهم أن ينالَ حَظَّه ويَستفيدَ منها بحَسَبِ مستوى فَهمِه الفطري؛ وأبرزُ دليلٍ على صوابِ دعوانا ما حظِيَت به "الكلمات" من استحسانِ أربابِ المسالك والمشارب والمذاهب المختلفة، وعَدمُ انتقادِها من أحدٍ حتى اليومِ، وعَجْزُ أَلسِنةِ الملحدين عن أن تطولَها بالنقد، بل وُقُوفُهم أمامها كالبُكمِ.
وأسوقُ هنا بعضَ البراهينِ التي تؤكِّدُ استمرارَ وظيفتِكم وعدمَ انتهاءِ مُهِمَّتِكم:
أوَّلًا: ما ورد في الحديث الشريف من الزجر والتحذيرِ من سكوتِ العلماء عن الحقِّ في الزمن الذي تَكثُر فيه البِدَعُ.
ثانيًا: بما أنَّكم مُكلَّفون باتِّباع نبيِّنا (ص)، فإنكم مُضطرُّون للاستمرار في الوظيفة حتى نهاية عُمُرِكم، أُسوةً به (ص).
ثالثًا: ما دامَت هذه الخدمة غيرَ خاضعةٍ لمحضِ رأيكم، بل أنتُم تُستَخدَمون فيها؛ فإنِّي على قناعة أنَّ وظيفة أستاذنا الموقَّر إذا ما تمَّت فإنه سيُعلَّم بذلك، مثلَما أُبلِغَ يومًا مبلِّغُ القرآن وفخرُ العالمين وحبيبُ الله (ص) بالقولِ: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ إشارةً إلى ختامِ وظيفتِه وتمامِ رسالته.
— 32 —
رابعًا: إن الصَّمت تجاهَ "الكلمات" إلى يومنا هذا، وعدمَ اجتراء أحدٍ على نقدِها، لا يعني بقاءَها في معزِلٍ عن الطعن والانتقاد حتى النِّهاية؛ فالهَجَماتُ المُحتَملُ وُقُوعُها وأنتم على قيد الحياة تستدعي نهوضَكم للتَّصدِّي لها بشكل شخصيٍّ وأساسيٍّ.
خامسًا: لو أردتُم نِسيانَ الدنيا، ولم يتبقَّ مِمّا يربطكم بها سوى أسئلةِ أولئك الأشخاصِ المُتَعلِّقين بی"الكلمات" المباركة، فليس لكم أن تتخلَّوا عنهم وتتركوا أسئلَتَهم دون إجاباتٍ وإيضاحاتٍ بشأنِها.
سادسًا: إنَّ كتاباتِكُم المُباركة الموجَّهة لمُحبِّيكم في الله، وأجوبتَكم لِمَن طلب منكم إيضاحَ بعض الأمور، وكذا ما ينطوي عليه مجلسُكم العِلميُّ من المسائلِ المُتنوِّعة التي لم تُدرَج في عدِاد "الكلمات"، كلُّ ذلك يؤكِّدُ دوامَ الحاجة، وأنَّ الخِدمةَ لمّا تَنتَهِ بعدُ.
مُتفرِّقات: حينما أَقرَأُ "الكلمات" النُّوريّة مع الجماعة، تتولَّدُ لديَّ بعضُ الانطباعات والأحاسيس، فأَرغبُ بعرضِها عليكم إن إذِنتُم بذلك:
أوَّلًا: عندما أتناول القلمَ لِأَكتب إلى أستاذي المحترم بعض الأمور، أشعر بانشراحٍ كبيرٍ في روحي، وأَجِد قلمي یی دونَ اختيارٍ مني یی يتحوَّلُ إلى تَرجُمانٍ لمشاعري في تلك اللحظة.
ثانيًا: يُراودُ فكري الخاطرُ التالي: إن قرَّر الجميعُ دسَّ رُؤُوسِهم في الظلام لِيأمَنُوا حِيَلَ عَدُوِّهم الأكبر: النَّفسِ الأَمّارة، وليتجنَّبوا مكرَ شياطين الإنس والجانّ، وآثروا أو رغبوا بالزَجِّ بأنفسِهم في زوايا النسيان، وتعرَّضت البشرية والعالمُ الإسلاميُّ للإعراض والإهمال في زمن من الأزمان، ولم يَبقَ أحدٌ يرغب بإفادة أحد، فإنني سأظلُّ محافظًا على تبليغِ إخواني في الدِّين هذه الحقائقَ النُّوريّة، لعلَّ الحقَّ سبحانه يُعاملني بما يليق بمقام أُلوهيَّتِه.. وأرى من المفيد جدًّا صرفَ النَّظَر عن نفسي في تلك الأزمنة التي تسوقني إلى هذا التفكير؟!
— 33 —
ثالثًا: لماذا أُدخِلَ اسما "الرحمٰن" و"الرحيم" من بينِ جميعِ الأسماء الحسنى ضِمنَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ؟ هل لأنَّهما في المرتبة العُظمى أم ثمّةَ سببٌ آخَرُ؟ ورد هذا على قلبي في أثناء كتابتي هذه الرسالة، وعزمتُ على سؤال الأستاذِ عنه.
أستاذي العزيزَ الموقَّرَ، لسنا وحدنا المُحتاجين إلى وجودكم، بل جميع العالم الإسلامي، فلقد صرتُم وسيلةً لظهور "الكلمات" السّامية التي لَمَعَت ونَبعَت مِن القرآن المُبِين، وقوَّت إيمانَ المؤمنين، وأيقَظَت صنوفَ الغافلين، وأنارَت سَبِيلَ الهداية للضّالِّين، وتركَتِ الحُكَماءَ والفلاسفة في ذهولٍ حائرين.
نسأل الحقَّ سبحانه أن يديم على أستاذنا العزيز صحَّتَه وعافيتَه، وأن يجعلَه ذخرًا للأُمّة المُحمَّدية.. آمين بحُرمة سيِّد المرسلين.
خلوصي
٭٭٭
أَعرِضُ عليكم جانبًا من تأثُّري البالغ بمكتوبكم هذا من بين "مكتوبات رسائل النور":
مزيدُ الشكرِ لله تعالى على دوامِ صِحَّتِكم وعافيتكم..
وعزَّز أملي وجودُ أولئك الأشخاصِ الذين يطلبون إيضاحاتٍ حول هذه المسائل..
وزادني معرفةً في ميادين الحقيقة ما نهلتُه من فيض عِلمِكم..
وتجاوزتُ ما قد يعتريني من فتورٍ بحَسَبِ الطبيعة البشرية..
واستَعَدتُ صِحَّتي بالأدوية التي قدمتم لي من صيدلية القرآن بعد أن كنتُ واحدًا من طلابكم المرضى.
وتعزَّزت قدراتُ الأجهزة المناعية لديَّ بالأغذية التي اخترتم وتفضَّلتم بها من مطبخ القرآن.
— 34 —
وبعد أن عرَّفتَني مراتبَ الحياة الخمس، وعلَّمتَني أن الموت ما هو إلّا كيفية اعتبارية، وأَقرَرتَ في جَناني أن تصوُّرَ الإعدامِ الأبديِّ غيرُ مُمكِن قطعًا؛ بشَّرتَني بدوامِ المحبّة في الله ضمن مراتبِ هذه الحياة، وباستمرارها في الحياة الأبدية، وإثمارِها قِطافًا دائمةً، فنلتُ بذلك عُمُرًا أبديًّا مديدًا ببركة صحبتكم.
مُحيّاكم لا يُفارق مخيِّلتي، وبالثناء عليكم والدعاء لكم يلهجُ لساني، لقاءَ ما أَبدَيتُم من حرص على تعليم طالبكم وأخيكم المسكين المشتاق دومًا بعضًا ممّا نلتم بعناية الحق سبحانه من إظهار معاني الفيوضات القرآنية غير المتناهية، وخزائنه التي لا تنضب.. وإن ما تخصُّني به من الأدعية التي تُهديها ضمنَ رسائل النور كافٍ لتذكيري بأستاذي في كل يوم وفي كل وقت.
الحمد لله هذا من فضل ربي
٭٭٭
شَرَعتُ مُتوكِّلًا على الله بقراءة رسائل النور بين المغرب والعشاء للزوّار الذين يرتادون المكان الذي خصَّصه والدي لاستقبال ضُيوفِه، وذلك في أول ليلة من وصولي.
أستاذي الحبيب، كما بيَّنتُ لكم مسبقًا، ليس لديَّ هدفٌ معيَّنٌ أعيشُ لِأجله سوى معاونةٍ بسيطةٍ وخدمةٍ متواضعةٍ أُقدِّمُها لِأُستاذي خلال تأديتِه وظيفتَه المعنويةَ دلَّالًا للقرآن الكريم.. وأرجو منكم ألّا تحرِموني من الإفاضات والاستنباطات التي تتلقَّونها من القرآن في خدمة الإيمان والإسلام..
ورجائي أن يُبلِّغَني الحقُّ سبحانه الغايةَ التي أَنشُدُها وأصبو إليها في خدمة رسائل النور ببركة دعائكم المُجابِ، وأن يَختِمَ عُمُري بالإيمان كما أكرم بذلك أخي المرحوم عبد الرحمن، وأن يكتب لي التوفيق والسعادة الأبديّة بجِوار سيِّد العالَمِين ونبيِّنا الكريم محمد المصطفى (ص)، وبصحبتكم وقُربكم أستاذي المحترم.
— 35 —
صحيح أن رسائل النور مؤلَّفاتُكم من حيثُ الظاهر، إلا أنها في الحقيقة فيضٌ من أنوار الفرقان العظيم، تُخاطبون بها البشرية الضالّة المضطربة في هذا العصر بأمر الحق سبحانه؛ مثلَما كان القرآنُ المبين كلامَ الله، وبُعِث سيِّد الكائنات وأشرفُ المخلوقات (ص) ليكون واسطةَ تبليغه للناس.
لذا فإنني على اقتناعٍ تامٍّ بأن الحكيم الرحيم الذي سخَّرَكم لتأليف هذه الأنوار، لن يَتْرُكَها هَمَلًا ويدَعَها عُرضةً للضَّياع، بل سيَبعَثُ من بينِ الفانينَ أصحابًا وحُفّاظًا يُبلِّغونَها ويَنشُرون حقائقَها، بمَراتبَ مُتفاوِتة، ومن حيثُ لا يُحتَسَبُ.
خلوصي
٭٭٭
أجل، إن لي طريقةً جليلةً هي الإسلام، ومَشرَبًا يلقِّنُني معانيَ الفقرِ والعجز بين يديِ الله وحدَه، ودليلًا هو سيِّدُ المُرسَلين (ص)، ومرشدًا هو القرآن العظيم، ووظيفةً كالخدمة العسكرية يبلغ بها المرءُ مقامًا رفيعًا كمرتبة الولاية خلال دقيقة واحدة.
أستاذي، لقد علَّمتَني وعلَّمتَ كلَّ ذي لُبٍّ يُصغي إليك أنَّ «هذا الزمان ليسَ زمانَ الطريقة، بل هو زمانُ إنقاذِ الإيمان.. أَدِّ الصَّلَواتِ الخمسَ بحقِّها، ورَدِّد التسبيحات عقِبَها، واتَّبعِ السُّنّة، واجتنبِ الكبائر السَّبعَ».
فتلقَّيتُ بتوفيق الله هذا الدرس وعمومَ دروسِ رسائلِ النُّور والحقائقَ التي أظهرها أستاذي واستنبطها من القرآن، وأجبتُ بلساني ومن أعماق جَناني: أجل. وكنتُ صادقًا ومصيبًا حين أطلقتُ لقبَ "الأُستاذ" لِأوّلِ مرّةٍ في حياتي على الشخص الذي لقَّنَني درس الحقيقة.
خلوصي
٭٭٭
— 36 —
إن ذيول مكتوبات النور المرسلة هذه المرة جميلة وحسنة وبديعة كسائرِ مثيلاتها، وما من شكٍّ أو شبهة أنَّ هذه المؤلفات ما هي إلّا جَلوةٌ من جلَوات اسم الله الأعظم: "النور"، جاءت لِتُلبِّيَ حاجة العالم وتُلائمَ متطلَّباته الحاليّة؛ وأُؤكِّد ذلك بمثال صغير: لقد تجاوز الملحدون حدَّهم.. مثلًا... إلخ.
ولأجلِ عدمِ الالتفاتِ لهذيان هؤلاء الحمقى وعدم الانخداع بأساليب الاستغفال والعبارات المُزيَّنة ظاهرًا، فإن هذه "الكلمات" التي نتحدَّثُ عنها تُزوِّدُ أربابَ الإيمان بالقوة، وتمنحُهم الثَّباتَ في إيمانهم واعتقادهم، وتطرحُ عنهم رداءَ الهوان، وتُلقِّنُ طائفةَ الطغيان دروسَ العبرة البالغة.
من المُؤسِف أن يظلَّ انتشارُ الأنوارِ في الوقت الحاليّ (حاشية): قبل خمسة وثلاثين عامًا. ضمنَ نطاق محدود وفي دائرة أهل الإيمان فقط! ولعلَّ في ذلك حكمةً إلٰهية.
الصبر مفتاح الفرج... إن الله مع الصابرين
خلوصي
٭٭٭
لقد قرأنا باهتمام وتمعُّنٍ "الموقف الثالث من الكلمة الثانية والثلاثين" أنا وأخي "حقِّي أفندي"؛ والحقيقة أنه يحتوي على معانٍ سامية؛ فلو كان للعبد الفقير حقُّ التعليق لتجرَّأتُ على التَّحدُّث عن النقطة الثانية؛ ولكن أنَّى لصِفرِ اليدين مثلي یی كما هو شأنُه في سائر المواضيع یی أن يتطاوَلَ لذلك؛ ولكنني بخلوص النية وصفاء القلب أقول إجمالًا: إنه نجمٌ لامعٌ يَسطَعُ نورُه على سائر الكلمات.
(سألت الدكتور كمال: كيف وجدت رسالة "المعراج"؟ فأجابني: لا يحتاج المرء ليدرك قيمة هذا المؤلَّف وجليل مكانته سوى أن يكون إنسانًا فحسبُ، فكيف بالمسلم؟!).
خلوصي
٭٭٭
— 37 —
نَحمَدُ الله أن جعلَنا: إخوانَك في الآخرة، وأعوانَك في خدمة القرآن، وأصحابَك في بيان أسراره، كحالِ أصحابِ الكهف؛ وطُلّابَك رغم ضعفِ أهليتنا وعدم كفاءتِنا، وإنَّما هو محضُ لُطفٍ ربانِيٍّ وعنايةٍ صمدانية؛ فلذا نحن عاجزون عن شكرِ هذه النِّعمة الإلٰهية.
خلوصي
٭٭٭
لقد أتممتُ بتوفيق الله تعالى كتابةَ الهديةِ الرمضانية: "الموقف الأول من الكلمة الثانية والثلاثين"، وسأُكمل بقية الرسائل ضمن المُدّة المحدَّدة إن كُتب لي التوفيق الإلٰهيُّ.
إن "كلماتٍ" قيمةً ومنورةً بهذا القدر كان ينبغي استنساخُها بأجودِ الخطوط، بل حتى بماء الذهب، إلا أن أخاكم المسكين هذا ينسخها حسب إمكاناته، فبالكاد تُقرَأ مع رداءة الخط وكثرة الأخطاء؛ ولعلَّ هذا يكون باعثًا لزيادة حمدي وشكري لله؛ ويُحزنني كثيرًا بقائي بعيدًا جسدِيًّا عن توجُّهاتكم وتحياتكم التي تبعثون بها بوسائط شتَّى، وتُدخِلون بها الأُنسَ والسرور إلى قلبي، وبعيدًا عن توجيهاتكم القيمة الثمينة التي تعدُّ بمثابة تفسير لرسائل النور وحواشٍ وذيولٍ قيِّمة.
إلا أنني في الجانب المعنويِّ لا أُفكِّر بهذا الشَّكل، وأبثُّ لنفسي السُّلوان حينما أسعى لِأَجِدَ مُخاطَبًا أقرأُ له الدَّرسَ الذي تلقَّيتُه بعناية الباري سبحانه، وسأحرص على استغلال شتَّى الوسائل في سبيل نشرِ هذه الحقائق دُونَ التفاتٍ إلى عجزي وفقري.
وممّا يؤلم أن الانشغال بالأعمال الدنيوية يُعيقُني إلى حدٍّ ما عن الاشتغال بی"الكلمات" النوريّة التي راقت لي وانجذبتُ فطريًّا نحوها، لكن لا حيلة لي في ذلك.
في كل يوم ينقضي يَظهَر لي وجهُ الدنيا التالف الفاني بشكلٍ أوضح، وتزداد حسرتي على الأوقات التي تمضي في هذه الحياة دون أن أكتسب نفعًا أدَّخرُه للحياة
— 38 —
الباقية السرمدية.. وما عدتُ أحزن كثيرًا لافتراقنا عن بعضٍ صُوريًّا، خصوصًا وقد زَفَّ دَرسُكُم الأخيرُ البُشرى المؤكَّدةَ بالحياة الباقية التي هي أسمى وألذُّ من مُتَعِ هذه الدنيا الفانية.
خلوصي
٭٭٭
يتمنَّى قلبي أن أجيب على كلماتكم العظيمة إجاباتٍ مفصَّلةً بخطِّي الرَّديء التالف، إلّا أنَّ ذلك الأمر يَتعذَّرُ عليَّ، ففضلًا عن قِصَرِ باعي ونقص أهليَّتي وضعف اقتداري، فإن في عهدتي بعضَ الوظائف المادِّية التي تُلزِمُني بالخضوع لتأثيرها، فيبقى فكري منشغِلًا بل حتى مُنهَمِكًا بها، فلذا لن أتمكَّن من عَرضِ حتى خَرَزاتٍ بسيطةٍ في مقابل جواهرِكم المباركة.
وأمّا تقليدي لأسلوبِكم في كثيرٍ من العبارات فيرجِعُ لِسَببَينِ: أوَّلُهما: تعلُّقي الخالصُ بكم، والآخَرُ: قصورُ قلمي؛ إلا أنني أُردِّدُ قولة ذلك الفقيرِ المذكور في المثال الوارِدِ في "الكلمة الرابعة والعشرين" المباركة: أُستاذي الحبيبَ، لو كان بمقدوري واستطاعتي لَكتَبتُ إليكم عباراتٍ مدبَّجةً على غِرارِ تلك "الكلمات" النوريّة، لكنِّي دون ذلك كما لايخفى عليكم، فعاملوني حَسَبَ نيَّتي.
خلوصي
٭٭٭
إن هذا المؤلَّف منوَّرٌ ومكتنِزٌ بالحكم كسائر أترابِه، وسيصبحُ یی بإذن الله، وكما تمنَّيتُم یی علاجًا ناجعًا لمرض اجتماعيٍّ من أمراض الأمة المحمدية الخطيرة.. وقد قرأتُ له حتى اليوم بعضَ الكلمات في مقام التصديق، وبيَّنتُ أنَّ المرادَ الإشارة إلى الكلمات المُستَقاة من نور القرآن مباشرةً؛ وسوف أقرأ المزيد كلما وجدتُ الفرصة سانحة.
— 39 —
وأقفُ اليوم عاجزًا عن حَمدِ الله وشُكرِه تجاهَ ما أغدق عليَّ من نعمه السُّبحانية التي لا تعدُّ ولا تحصى، فبينما كنتُ غارقًا في أوحال الذنوب والآثام، إذا بك یی أستاذي الفاضل یی تُرشِدُني وتُخرِجُني من الظلمات إلى النُّور بفضل الله تعالى ومِنَّته، وذلك من خلال تلك الكلمات النُّورية.
وبينما كنت أُمضِي حياتي في تحرِّي الحقيقة، إذا بالقَدَرِ الإلٰهيِّ يَسُوقُ هذا المِسكينَ العاصيَ قبل خمسة أعوام إلى حضرة الشيخ "محمد كفروي" من أتباع "الشاه نقشبند"، فأدخلني في الطريقة النقشبندية؛ إلّا أنَّني بعدَها وبسبب كسوف عابرٍ ضللتُ طريقي، وطَفِقتُ أتخبَّطُ في الظلمات وبين الأشواك، إلى أن خَرَجتُ بواسطة كلماتكم النوريّة من الظلمات إلى النور، وانتقلتُ من عُبَابِ المخاطر إلى برِّ الأمان، ومن أودية الهلاك إلى ميادين السعادة.
الحمد لله، هذا من فضل ربي
وبما أنكم تقولون: الزمانُ زمانُ إنقاذ الإيمان.
فأنا أقول: على الرأس والعين.
خلوصي
٭٭٭
أقرأُ الرسالة التي أهديتُم لطالبكم المسكين لجاري المُحبِّ لكم غيابيًّا: "فتحي بك".
لقد أثَّر في نفسي أيَّما تأثيرٍ إرسالُكم لي یی على وجه الخُصوص یی رسالةَ "المكتوب التاسع عشر" التي تعلن المعجزة الأحمدية الكبرى من بدايتها حتى نهايتها، فكأنني بُعثتُ إلى الحياة من جديد، وأثارت مُطالَعتُها في نفسي مشاعرَ جيّاشة، ذرفت دموعي لأجلها.
خلوصي
٭٭٭
— 40 —
إن منظومة الحقيقة هذه التي ظهرت وكأنها تأخذ بزمام الأرواح، وتجولُ بهم في سياحة سريعة في فضاء الكون بين الأجرام العلوية، هي مظهريّةٌ عظيمةٌ بالنسبة لنا خاصّة.
وكذا الفقرة التي ظهرت في مقابل فقرة الطريقة النقشية مُتحدِّثةً عن طريق العجز والفقر والشفقة والتفكر، هي أيضًا جوهرةٌ ثمينة وقيمة.
تستحقُّ هذه الكلمات أن تُكتب بماء الذهب، وقد نَسَختُها بخَطِّي الرديء؛ إلّا أنَّ قِيمتَها تَكمُن في كونِها ذكرى لكم من طالب عاجز.
خلوصي
٭٭٭
ثانيًا: سيدي، يا من هو مظهرُ عناية الحق ولطفه في زمن العصيان والطغيان والكفران، والمكلَّفُ بإرشاد الأمة الإسلامية إلى الحقائق الإيمانية.. أَذكُركم یی أنا العبد العاجز الفقير یی على الدوام بكمال الإجلال والاحترام، لأنكم أرشدتمونا والأمةَ المحمدية عمومًا إلى جادّة النور من خلال "الكلمات" النوريّة؛ وأسألُ الله ذا الجلال، الرحيمَ الكريمَ، وأتضرَّع إليه طائعًا أن يحقِّق رغباتكم الدنيوية والأخروية.
خلوصي
٭٭٭
(فقرة أخي):
أقبِّل أيديَكم وأرجو دعاءَكم.. لقد وصَلَت مؤلَّفاتُكم الجديدة إلى هذا العبد المتجافي عن الدنيا والعاجز في نفسه: "عبد المجيد"، لعلَّها تكون أستاذًا قديرًا ومرشدًا
— 41 —
ساميًا؛ فقلتُ في نفسي مستبشرًا: "لَئن كنتُ ضيَّعتُ أُستاذًا يخاطبني مُشافهةً، فقد وجدتُ عدّةَ مُرشِدين معنويِّين".
إنها حقًّا مؤلَّفات نورانيّة مُرشِدة! رضي الله عنكم كثيرًا...
عبد المجيد
٭٭٭
أجل، ثمّةَ جهتان تبعثان السُّلوان في نفسي: الأولى: أننا في مجالسة معنوية دائمة من خلال "الكلمات" التي بين أيدينا، والثانية: إيماننا أن محبَّتنا یی بفضل الباري وعنايته یی في مرتبة "الحبّ في الله".
وبناءً على هذا فإن أعظم هديّة أقدِّمها لكم اليوم والغَدَ: أن أجتهد قَدرَ المُستَطاع في تبليغِ المؤمنين ما تلقَّيناه عنكم من الدروس باسمكم وبالنيابة عنكم، وأن أُحافظَ على المحبة الحقيقية التي منَحَنا اللهُ سبحانه؛ وفي مقابل هذه المحبة الحقيقية أَسألُ الربَّ الرحيم الكريم، أرحم الرحمين وأكرم الأكرمين وأحسن الخالقين، أن يجعلني مظهرًا لثمرتِها المبيَّنةِ في "الموقف الثالث للكلمة الثانية والثلاثين".
وإننا عازمون على المضي قُدُمًا في سبيل الحق والصدق والإخلاص بصحبةِ "حقي أفندي" الذي التقينا به في طريق الإيمان التحقيقي.
خلوصي
٭٭٭
باتت رسالتي الجوابية تشتملُ على ثلاثِ وقَفَات، وذلك لعلاقتها ومشابهتها لسؤالكم الوارد یی هذه المرة یی في هذه الرسالة، ومع الكلمة الثانية والثلاثين المكتوبة مؤخرًا.
— 42 —
ما يعني أن رسائل النور شمسٌ معنوية، وكل كلمة منها تشكِّلُ نجومًا نورانية ذات أحجام مختلفة؛ والكلمة الثانية والثلاثون بمواقفها الثلاثة كوكبٌ نوَّار ضخم مهيبٌ، يتلمَّع فوق سائر النجوم، ويلفتُ إليها الأنظار، وشُعاعٌ مركَّب من النور الخالص، تنظر بتبسُّم لأهل الإيمان، وتُحدِّق بغضبٍ لأحزاب الضلالة، فتُعمي أبصارَهم، وتُوقظ أربابَ الغفلة..
ما الحيلة ولسانُ طالبكم لا يعدُو هذا المقدار من الوصف والتعبير! وأعلم جيدًا أن هذه العبارات الهزيلة لا تليق بتلك الكلمات المباركة.
تسألُنا عن مدى تأثير المقصد الثالث، فأقول، ويوافقني في قولي "حقي أفندي":
إن الحقائق التي فيه لا تُخدش، وليس يحتوي على مواضيع غير لازمة، ولا يُتصوَّر منه أي قيدٍ مُضرّ؛ بل بإمكان كلِّ من يُصغي إليه بإمعان واستجابة أن يُنقِذ إيمانَه بتوفيق الله وهدايته.. ونحن على يقين أنَّنا بهذه الحقائق يمكننا أن نتحدَّى من في أوروبّا من أهل الضلالة بكلِّ ثقة، وأنَّ هؤلاء الضّالِّين الغافلين سيُهزَمُون في مواجهة هذه الحقائق، أو أنهم سيستشعرون سُمُوَّها فينسَحِبُون؛ وربَّما أصرُّوا على عنادِهم في عدم قبولها كحالِ أبي جهل، أو صَمُّوا آذانَهم من هيبتها وفرُّوا من ساحة المواجَهة.
وممّا يُقوِّي اعتقادَنا ويُحقِّق آمالَنا ويُصدِّق ظُنونَنا: إذعانُ المُستمِعين إلى "الكلمات"، والنَّشوة الحاصلة لدى سماعهم لها، وإعجابُهم وتقديرهم لها بحسب استعداد كلٍّ منهم.
خلوصي
٭٭٭
عزائمنا عالية، وأمّا النجاح والتوفيق فمن الله تعالى..
قرأتُ للإخوة الذين يرتادون المضافة حتى "الكلمة الخامسة والعشرين" فقط، ومستمرٌّ إن شاء الله.. ولا أجد فُتورًا في هذا بعد اتِّباعِ أوامركم والتماسِ بركةِ أدعيتكم..
— 43 —
وظيفتي المادية هنا أشدُّ صعوبةً ممّا كانت عليه هنالك، إلا أنَّ اعتمادي على الله في كلِّ أموري يحولُ دون اليأس.. وإنني راغبٌ بكل صدقٍ وإصرار في الاستفادة من الفيوضات التي أُلِّفت بعد مغادرتي ذلك المكان.. وأتضرَّع إلى الحق سبحانه أن يُيسِّر لكم إتمامَ الكلمتين الناقصتين: الثانية والثلاثين، والثالثة والثلاثين.
خلوصي
٭٭٭
آمُل أن أُوفَّق في تبليغ "الكلمات" التي اؤتُمِنتُ عليها إلى الآذان اللائقةِ بسماعها في هذه المنطقة، وذلك بعناية الحق إن شاء الله سبحانه وببركة دعائكم.
أستاذي، لِتَقَرَّ عينُكم، فلن تذهب هذه الأنوار سدًى تحت الأقدام، فإنَّ الخالقَ جلَّ جلالُه الذي وفَّق دلَّال القرآن لاستخراجِها، ونشَرَها أمام أنظار الأنام، سيَنشُرها ويحفظها بواسطة أناس عاجزين أمثالِنا ممَّن لا يُظَنُّ بهم ولا يُتوقَّع منهم الكثيرُ.
وأمّا أولئك الذين يؤدُّون وظيفة الخدمة ولسانُ حال أحدهم يقول: "إنَّما كسبتُ هذا الأمر بسعيي وجهدي"، فأعتقدُ أنَّهم سيشاهدون بأُمِّ أعيُنهم أن تلك الخدمة السَّامية سيُعهَدُ بها إلى أُناسٍ غيرهم ممَّن لا يملكون الكفاءةَ ظاهرًا، إلا أنَّهم في حقيقة الأمر أناسٌ قيِّمُون.
ولهذا السبب أرجو من إخواني هناك أن يعقدوا رابطةً وثيقةً مع رسائل النور.
خلوصي
٭٭٭
في أوقات الخير العظيمة التي أغتنمُها بحول الله وقوَّته الصمدانية وعنايته ولُطفِه الرَّبّانِيِّ، أُطالِع رسائل النور ومكتوباتِه، وأسعى قدرَ المُستَطاع في كتابتها ونشرها
— 44 —
وتبليغها للناس، غير أنَّ هذا العبد الفقير هو المستفيد والمستفيض الأوَّل منها؛ ولهذا فإنني أعدُّ تلك الساعات ساعاتٍ مباركةً، وأحزن على فراقها، وأتضرَّع من صميم روحي وقلبي لأجلِ دوامها وتكرارها وعدم انقطاعها، ولكن ما الحيلة؟
فإنني في هذه الأوقات القصيرة التي أغتنمها أصفِّي ذهني، وأضع نفسي بين يدي الأنوار، فأجدها أمامَ مجموعةٍ تضمُّ معجزات القرآن، وأُتخيَّلُها في مدرسة أستاذي العزيز الموقَّر، وفي روضةِ السعادة لسيِّد الكونين سيِّدنا النبي (ص)، وفي خاتمة المطاف في حضرة ربِّ العالمين المنزَّه عن الحدود والأمكنةِ..
ولهذا أتمنَّى ألّا تُحتَسَب الأوقاتُ التي أَنشغِلُ فيها بغير الأنوار من بين أنفاسي المعدودةِ من حياتي.
خلوصي
٭٭٭
في الأسبوع الماضي قرأتُ "الذَّيلَ الأوَّل والذَّيلَ الثّانِيَ للمكتوب الرابع والعشرين" لجماعتين مختلفتين، وقد نالا إعجابَ السّامعين، وأما هذا العبد الفقير فقد اعتَراه الوَجدُ من هذا الإعجاز القرآنِيِّ اللامع.
ومؤلَّفُكم هذا الذي أُطالِعُه يأتي على رأس قائمةِ "رسائل النور" و"مكتوبات النور" الأكثرِ نورًا.
في هذا اليوم "الجمعة" قرأت لجاري "فتحي بك" الكلمتين: الحاديةَ عشرة والثالثة عشرة، والحقيقة أنني حين أَتخلَّص من مشاغلي الدنيوية، أغتنم الفرصةَ وأُهرَعُ نحو تلك النوافذ النورانية، وأسعى جاهدًا لأنهل منها غذائي الرُّوحيَّ والمعنويَّ، وأجعلُ مخاطَبي یی أمثال "فتحي بك" یی شريكًا لي في ذلك.
خلوصي
٭٭٭
— 45 —
تلقَّيتُ "المكتوب السادس والعشرين" بفرحٍ غامر، وقرأتُه مرّاتٍ ومرّاتٍ وبدقّة وتمعُّن وبلهفة وتذوُّق، وتضرَّعتُ في الختام إلى الخالق الرحيم الكريم القائل: قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ بلسانِ انتسابي بالعبودية لِجَلالِ ذاتِه؛ وبمقتضَياتِ مقامِ العبدية، وبكمال العجز والفقر والشوق: أن يكتبَ لأهل الإيمان والقرآن التوفيقَ للانتفاع بالأنوارِ مع تمام الوضوح وصريح المعاني، وأن يمُنَّ عليكم بمكافأةٍ تليقُ بلطفه وكَرمِه الواسع، لِقاءَ جميع خِدماتكم المادِّية والمعنوية، الظاهرة والخفية، الدنيوية والأخروية، التي تقومون بها لله وباسم الله وحدَه، وأن يَكتبَ لكم العِزّةَ في الدارين؛ وكلِّي أملٌ أن يحظى دعائي بتجلِّيات: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ
أستاذي المحترم: أليس الذي تَنتظِرُه منَّا نحن المَساكينَ هو الدُّعاءَ فقط؟ لا يحقُّ لي التحدُّثُ بشيءٍ حول نوايا أستاذنا في إدراج عباراتي المتهافتة في رسائلي المعبِّرة عن مشاعري تجاهَ الكلمات المباركة، وجَعلِها تقريظاتٍ لرسائل النور؛ إلا أن عباراتي المضطربة هذه ستكون بمثابةِ إضاءةِ شمعةٍ بجانب الشمس، فرغم أنها خافتة في الواقع إلا أنها ستُشِعُّ نورًا بسيطًا لكونها مجاورةً لتلك الأنوار ومرآةً عاكسةً لها.
مِن بين المستمعين لرسائل النور مدرِّسٌ في الثامنة والثمانين من عُمُرِه، يُدعى "الحاجّ عبد الرحمن أفندي"، وقد تولى التدريسَ سَنَواتٍ عِدّةً في "كربلاء" في زمن السلطان عبد الحميد، ويُبدي رِضًا كبيرًا لدى كلِّ مُطالَعةٍ، ويؤكِّد على الاستفادة، ويترضَّى عنكم ويدعو لكم كثيرًا.
قرأتُ "المبحث الثالث للمكتوب السادس والعشرين" یی بغير تقصُّد یی لشخصيات مُهِمّة وبرُتَبٍ مختلفة، وكلُّهم أَثنَوا قائلين: "صحيح! جميل جدًّا!".
وقد حصل لديَّ يقينٌ جازمٌ، وبعد تجارِبَ شخصيّة عديدة: أن لِآية: وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ... إلخ مُعجِزاتٍ حيَّة عديدة؛ فلقد يسَّر اللهُ قراءةَ المكتوباتِ
— 46 —
المرسلةَ إليَّ هذه المَرّةَ لجماعات متنوِّعة محدودة ومراتٍ عدّة، وكان بينَهم عالمٌ جليل، فأبدى الجميع استحسانَهم وإعجابَهم.
أما أنا فأقول: إنَّ بإمكانِ جميع الرسائل والمكتوبات النوريّة یی بحسب زمن الحاجة یی أن تُقنِع أربابَ الدِّين بجميع طبقاتهم وتُلزِمَهم الحُجّةَ، بل بإمكانها إقامةُ الحُجّة حتى على المُلحِدين شَريطةَ عدم التعصُّب والتعَنُّت؛ غير أنه بحَسَب واقع الدنيا لا يُمكنُنا استبعادُ من يغمضون أعيُنَهم عن هذه الأنوار بضربٍ من الجنون، وبدوافعَ من المنفعة والحرص والجاه، والكفر والعناد، والغفلة والكسل، والشرك والضلال، وما سوى ذلك من الأمراض المُستَعصِية؛ بل ربما بلغ الحدُّ بهم درجةَ إنكارِ ما يرونه بأعينهم ورفضِ الحقِّ والحقيقة.
وكما لا يخفى على فضيلتكم: لا يُخلي اللهُ تعالى دارَ ضيافتِه المُؤقَّتةَ هذه من أنعامٍ في صورة البشر، فلو قُدِّر لهذه الأنوارِ اليومَ أن تنتشر فلا شك أنَّ هذَيانَهم الجُنونیيَّ سينكشف ويتَّضِحُ بشكل جليٍّ وبأدِلّة دامغة.
خلوصي
٭٭٭
(فقرة أخي عبد المجيد):
تَلقَى هذه المؤلَّفاتُ التقديرَ الدائم من شتَّى الطبقات والجماعات، فما رآها أحدٌ إلا استحسنها، ولم تتعرَّض للنَّقد من أحد؛ إلّا أن مستويات التَّقديرِ متفاوتةٌ ومتعددةٌ كمستوياتِ فهمِها، فتقديرُ كلِّ أحدٍ لها بحسب درجةِ فَهمِه.
عبد المجيد
٭٭٭
— 47 —
(رسالة التي كتبها ابنُ أخي "عبد الرحمن" یی سَلَفُ "خلوصي بك" یی الذي تُوفِّي وهو في السادسة والعشرين من عُمُرِه، وقد كتبها قبل وفاته بشهر أو شهرين):
باسمه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم..
أقبِّل أيديكم وأرجو دعاءَكم.. تلقَّيتُ أخبار صِحَّتِكم مع رسالتكم المرشدة: "الكلمة العاشرة" بواسطة تحسين أفندي.. لكم جزيل الشكر. أشعر كثيرًا بالندم لمفارقتي عمِّي العزيز المحترم ومخالفتي لأوامركم، وأُقرُّ بأني مستحِقٌّ لعِتابكم، إلّا أن كلَّ ذلك كان بتقديرٍ إلٰهيٍّ وبمشيئة الله تعالى وبأمره، ولعلَّ في الأمر خيرًا.. غير أنني ارتكبتُ بذلك خَطَأً جسيمًا بدافع الجهل وتلَقَّيتُ جَزاءَه، لذا أطلب عفوَكم وأرجو دعاءَكم كيلا يتكرَّر العقابُ والجزاء.
كما أودُّ أن أُفيدَكم یی عمِّي العزيزَ یی أنني بفضل رعايتكم وبركة هِمَّتِكم جَنَّبتُ نفسي أيَّ عملٍ أو تصرُّفٍ يَمَسُّ ديني وآخرتي بسوء، وما زلت على ذلك.. صحيحٌ أنني عانَيتُ الكثيرَ من مصائب الدنيا التافهة، وعايَنتُ الكثيرَ من متاعِها وملاذِّها، إلا أنني لم أنسَ يومًا أن ذلك كلَّه هباءٌ منثورٌ، وأن المُتَع واللذائذَ التي لا يُبتَغَى بها وجهُ الله تعالى عاقبتُها الذِّلّةُ والعذاب الشديد، بينما المِحَنُ والشدائدُ التي يقاسيها المرءُ في سبيل الله وفي التزام حدوده تُفضي في نهاية المطاف إلى مكافأةٍ ومُتعة.
وبهذا الإيمان والاعتقاد تمكَّنتُ من صيانة نفسي من ارتكاب المساوئ، ولأجل هذه الحقيقة فإنني صابرٌ على الابتلاء والمِحَن، شاكرٌ لله على أقدارِه ومُرادِه؛ وكلُّ ذلك بفضل تربيتكم وبركة همَّتِكم.
عمِّي وأستاذي الجليلَ: بُغيةَ مجاهدةِ نفسي الرَّديّةَ وعدمِ الخضوعِ لهواها والإذعانِ لرغباتها المُضِرّة في العاقبة، اضطررتُ للزواج، وأشعرُ الآن براحة تامّة من جميع النواحي بفضل الله وكرمه، فلستُ أُخالط أحدًا ولا أُصغي إلى ما يتفوَّه به أحدٌ من الشرِّ، كيلا تسريَ إليَّ خصالُ السُّوء، كما أُمضي حياتي خارج ساعات الدوام في بيتي حامدًا لله شاكرًا.
— 48 —
وبعدُ يا عمِّي، إنَّ أعظم أستاذٍ بعدَكم ينبِّهني ويحذِّرُني من ارتكاب المساوئ، هو ما أَجِدُه وأستَشعِرُه من الآية الكريمة:
﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾
﴿ الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ، ﴾
وأعلمُ جيِّدًا أن ذلك اليوم قريبٌ جدًّا، (حاشيةیی)١: ما يَلفِتُ النَّظَر أنه يُخبِر عن وفاته. (سعيد) وأُلازم الدعاءَ: "اللَّهُمَّ لا تُخرِجْنا مِنَ الدُّنيا إِلّا مَعَ الشَّهادةِ والإِيمانِ"، وأُجدِّدُ اعتقادي وإيماني بقولي: (حاشيةیی٢): كما أنَّه يُخبِر بأنه سيَرحَلُ على الإيمان. (سعيد) "آمَنْتُ بِاللهِ ومَلائكَتِه وكُتُبِه ورُسُلِه وبِاليَومِ الآخِرِ وبِالقَدَرِ خَيرِهِ وشَرِّهِ مِنَ اللهِ تَعالَى، والبَعثُ بَعدَ المَوتِ حَقٌّ.. أَشهَدُ أنْ لا إلٰهَ إلَّا اللهُ، وأَشهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ". (حاشية یی٣): إنَّ ذِكرَه في ختام رسالته للكلماتِ الإيمانية التي يتلفَّظ بها المرءُ وهو يَلفِظُ أنفاسَه الأَخيرةَ إشارةٌ صريحة إلى أنَّه سيُنقِذُ إيمانَه ببُطولةٍ ويُفارِقُ الدُّنيا عليها! (سعيد)
ابن أخيكم
عبد الرحمن
٭٭٭
مُفادُ هذا أن "الكلمة العاشرة" قد أَصبَحَت بحُكم مرشدٍ حقيقيٍّ له، فارتفعَ بها إلى مقامِ الولايةِ، وأنطَقَته بهذه الكرامات الثلاثِ.
لقد فارَقَني قبل ثماني سنواتٍ، ثمَّ وقَعَت بيده "الكلمةُ العاشرة"، واستفاد منها استفادةً عظيمة كما صَرَّح في مُستَهلِّ رسالتِه، وطهَّر بها الأدران التي تلوَّث بها خلال هذه السَّنوات الثمانِ، حتى إنه عبَّر عن شوقِه لتلك الكلمة في فِقرةٍ من رسالتِه فقال: "أَرسِل لي جميعَ الكلمات التي ألَّفتَها كي أَنسَخَها بخطِّي وأَستكتِبَ الآخرين من كلٍّ منها ثلاثين نسخةً، كي تَنتَشِر هذه الكلماتُ ولا تَضِيعَ". إنَّني أَفتَقِدُ مِثلَ هذا الوارثِ البطلِ! الفاتحةَ على رُوحِه.
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭