لاحقة بارلا
— 49 —

ذيل المكتوب السابع والعشرين والقسم الثاني منه

(فقرات من رسائل العالم الجليل "صبري أفندي" وهو بمثابة خلوصي الثاني)

بدأتُ بنَسخ الجزء الرابع من "المكتوب التاسع عشر" بُغيةَ إرساله إلى "خلوصي أفندي" الذي يَعُدُّني یی بغير استحقاقٍ یی بمنزلةِ وكيلِه.
وهذا المكتوب الذي أُقِرَّ له بالقدر السامي يحتوي على ألف نوع معنويٍّ من المعجزات الخارقة والفائقة للعادة، والتي حيَّر بها المبعوثُ إلى العالمين (ص) البشرية جمعاء، بحيث ألزمت كلَّ من يحملُ أدنى شعورٍ وإدراكٍ بالإيمان الكامل..
وأما هذا العبد العاجز فلقد حوَّل هذا المكتوب رُوحَه وقلبه بشكل مفاجئٍ إلى أزاهيرَ وجنان، وكأنه في ربيع زاهر، وذلك بما تضمَّنه من البشائر والمباحث النورانيّة السامية، وبيانِ الوقائع والحوادث النبوية؛ وأُقِرُّ بكل أسفٍ بعجزي عن وصف مشاعري وأحاسيسي القلبية بصورة مشرقة وثناءٍ ومديح لائقَين، رغم رغبتي الشديدة بذلك، غير أني استشعرتُ معنًى مهمًّا، وهو: أنكم بهذا التعبير الساطع والتوصيف الرائع، كأنَّكم كنتم یی رُوحًا لا جسمًا یی جنبًا إلى جنب مع سيِّد الكون (ص)، وكأنكم شاهَدتُم عِيانًا تلك الحوادث المذكورة بتفاصيلها ومواقعها وأبعادها، حتى أمكنَكُم نقلُها وتحريرُها بهذا الأسلوب المُتقَن.
لقد اصطحبتُ معي "المكتوب السادس عشر" حين زُرت قرية "أتابك"، وكم تأثَّر إخواننا هناك حين استمعوا إلى شيء من موضوعاته، حتى لقد أبكى الكثيرَ منهم، وأمّا ابنُ عمِّي "زهدي أفندي" فحين قرأه قال: "رغم أني لا أَملِكُ القدرةَ على التعبير
— 50 —
عمّا ترَكَه في نفسي من أثرٍ بالغ، فالأمر يفوقُ طاقتي بكثير، إلا أني أُقِرُّ بأنَّ نافذةً نورانيّةً فُتحَت اليوم في قلبي لم أُحسَّ بمثلِها سابقًا، وذلك لِما يحتويه هذا المكتوب من مَسَرّاتٍ معنويّة عظيمة! ولعلي أُوفَّقُ بعونٍ إلٰهيٍّ لشرحِ هذه المشاعر في رسالة، كما أرجو منكم أن تبلِّغوا الأستاذ سلامي وتقديري".
صبري
٭٭٭
ترغبُ روحي بكتابة جميع رسائل النور دُفعةً واحدة، ومن ثمَّ الشُّروع بمُطالَعةِ هذه الدرر النفيسة التي أملكها، بقدر الاستطاعة.
قبل يومين أنهيتُ المجموعة الألماسية الحادية والثلاثين بتوفيق الحق وكريم عنايته، وفهمت الملاحظة التي كتبها الأخ أحمد في الهامش ومفادُها أنه يقرأ قليلًا، وأنه يطلبُ الكلمة العاشرة، إلا أن هذه الكلمة من حيث القيمة المعنوية أثقل من جميع الموجودات.
وأنا على وشك الانتهاء من الجزء الثاني لإعجاز القرآن، فإن تكرَّمتُم بإرسال "الكلمة الثانية والثلاثين"، فإنَّ فرحتي حينها لا تُوصَف وسعادتي لا تُقدَّر، وذلك لاشتياقي الشديد لرؤيتها وقراءتها؛ فكلُّ من يَسمَعُ بهذه المُؤلَّفات القيِّمة ذات المعاني الجليلة يزدادُ رغبةً في رؤيتها؛ وإنني لا أستطيع منعَ نفسي هذا الشعورَ.
صبري
٭٭٭
حين أَسبَحُ مُستمسِكًا بسفن الكبرياء في بحر الملائكة: "الكلمة التاسعة والعشرين" المُنوَّرة التي وُفِّقتُ هذه المرةَ لِنَسخِها..
وحين أُطالِعُ عالم الروح الباقي الذي يُنبِّه بشدّة إلى أن الأفعال التي تُكسِبُ البشرَ الثَّواب والجزاء سوف تُعرَضُ يقينًا أمامَهم وتُنشَرُ لهم، وأنَّ أيَّ شيء لن يبقى طيَّ الكتمان نفعًا كان أو ضرًّا..
— 51 —
وحين أَقِفُ في مقام الاستماع لأحكام محكمة البعث والمحكمة الكبرى قبل أن تُعقد، وهي المطلب الأعلى والمقصد الأقصى..
وحين أَرتقي ارتقاءً معنويًّا بسُلَّم "المدارات" خاصّةً إلى المقامات العليّة..
وحين أنغمسُ وأُبحِر كالغَوّاصة في بحور المعنوياتِ أمثال: المدار العاشر، والمسألتين الثالثة والرابعة..
حِينَها أغرق في أنوار حقائقِ الكبرياء وأذواقِ اللَّطائف العُليا، بحيث أعجِزُ عن التعبير عنها بشيء.
صبري
٭٭٭
لقد وُفِّقتُ لاستنساخ الكلمة الثلاثين التي هزمت المشركين والمنكرين وألزمتهم الحجة، فهي كالقلعة الشامخة تضمُّ بين جنباتِها أسلحة الجهاد الأكثر تطورًا، وكالفولاذ في قوَّتِها ورصانتِها، وكالألماس والجواهر والعقيق في قيمتها ونفاستها.
صبري
٭٭٭
بفضل "الكلمات" أسعى قدمًا في طريق التعلُّم بشوق، والاستفاضة بعناية، والتنوُّر برغبة، والتلذُّذ بلهفة، والتخلُّق بالإشارات، والتكمُّل بالتدريج، وذلك في مدة عامٍ ونيِّفٍ؛ وإنني على قناعة أن سائر أيام حياتي التي مضت لا تعدل يومًا واحدًا من هذا المدة المحدودة.
صبري
٭٭٭
— 52 —
(فقرة صبري الثاني: علي أفندي):
مَثَلُ "الكلمات" مَثَلُ طبيبٍ حاذق بارع، إذ تمنح بهداية الحقِّ بصرًا لمن لا بصرَ له، وقلبًا لمن لا قلبَ له، ما لم يكن مُبتَلًى بمرضٍ طاحن؛ وتدفع كلَّ من لم يتصدَّع فكرُه إلى التفكُّر والتأمُّل؛ وتَحُلُّ الأسئلة المُعضِلة الثلاثة: "من أنت؟ ومِن أين أتيتَ؟ وإلى أين تَمضي؟"، فتَمنَح بذلك البشريّةَ جمعاءَ ما تفتِّشُ عنه من مداركِ الإنسانية.
علي
٭٭٭
(ولصبري أيضًا):
لم يسمح لي الزمان والمكان حتى اليوم بمعاينة ثمرة سيري ومراجعة رأسِ مال سياحتي في بحر النور المُسمَّى "الكلمات" رغم مضيِّ أكثرَ من سنتَينِ؛ لذا كنت متردِّدًا ومتحيِّرًا حول معدَّل نموِّ رأس المال في تجارتي هذه، أو بالأحرى: هل قمت بتجارةٍ أصلًا أو لا؟ إلا أني أدركتُ بحمد الله في هذا الشهر یی شهر الرحمة والمغفرة یی وببركة العناية الربانية والمدد النبوي، وبهمّة أُستاذنا ودعواته، أن هذا الرصيدَ العلمي قد ارتفع بنسبة (٩٩/١٠٠) عمّا كان عليه من قبل.
إن هذه المنابع العلمية والأمثلة الحقيقية تزيِّنُ مجالسي وتنوِّرُها لدرجةٍ أَجِدُ نفسي عاجزًا عن وصفِها والتعبيرِ عنها، لذا أيقنتُ أنَّ واجِبَنا في هذا العصر الذي ضلَّت البشرية فيه طريقَها أكثر من أيِّ عصرٍ مضى، هو التسلُّحُ بأجهزة شتَّى من معمل النور الخارقة ومُعدّاته الفائقة؛ وإني مهما توجَّهت بالشكر والامتنان لصاحب هذه المؤسسة یی وهو اللائق بشتَّى أنواع المدح والثناء، والمُعرِضُ تمامًا عن صنوف الرياءِ یی فلن أُوفِيَ حقَّه ومقدارَه.
صبري
٭٭٭
— 53 —
لقد وُفِّقتُ بحمد الله ومنَّته لقراءة "الرسالة الثامنة والعشرين" ونسخِها، وقد كانت روحي الفقيرة مُتلهِّفةً إليها منذ أمد بعيد، فكلُّ كلمة منها تمثِّلُ خزينةَ ألماس مُركَّبةً من حروف شبيهةٍ بالذهب تَشِعُّ أنوارًا.
لو أمكن شرحُ مدى أهمِّيّة هذا المنبعِ الألماسيِّ وبيانُ قيمته وشدّةِ الحاجة إليه بطريقة مُعتدِلة، لاستخدمتُ حينَها الكثيرَ من الكلماتٍ الجامعة والمُوضِّحة للحقائق اللامتناهية التي تتضمَّنُها هذه الرسالة القيِّمة، والمعبِّرة عن الحقيقة كما يليق بها.
فحين أبدع الخالق الوجودَ وأوجد المخلوقات، كلَّف كلًّا منها بوظائف عديدةٍ، فأمّا من أدرك عجزه وفقره، وأقرَّ بضعفه وحاجته إزاء هذه المسؤوليات الدنيوية، وامتثل القوانينَ الكونية والدَّساتير الربّانية، فسيكون جزاؤه النَّعيمَ العظيم: الجَنّة، وأشرفُ هذا النَّعيم وأخصُّ عطائه: رؤيةُ جمالِ الباقي جل جلاله ومشاهدة كماله الرباني.
ولذا يتوقُ كلُّ مخلوقٍ في هذه الدنيا الفانية إلى الجنة، ويشتاقها ويتوجَّه قلبه نحوَها، لكن ليس في وُسع كلِّ أحدٍ الولوجُ إلى منبع الحقائق: "الفرقان المبين"، وتعرُّفُ أسرار تلكم الحقائق المتنوِّعة، والغوصُ في بحار حقائقها؛ إلا أنكم برسالتكم هذه شرَّعتُم تلك الأبواب بخمسة مفاتيحَ من الحقائق على صورة أسئلة وأجوبة خمس، أظهرتم من خلالها تلك الحقائق عن كثب، وبكمال الصراحة والوضوح.
وأنا مُوقنٌ أن مثلَ هذا الأمر العظيم يستحقُّ أن يحظى بتقدير العباقرة والجهابذة وينال استحسانهم، وليس تقديرَ هذا العبد الفقير ذي العقلِ القاصر فقط.
صبري
٭٭٭
— 54 —
أقف عاجزًا عن التعبير عن الأساليب البديعة، والتَّحدُّثِ عن الغاياتِ العظيمة التي تنطوي عليها هذه "الكلمات"، وعن كمالِ سُمُوِّها ورفعة قيمتها اللامتناهية، فلقد بثَّت الرُّوحَ فِيَّ أنا العبد المُقصِّر، فكأنِّي بُعِثتُ من بعد الموت؛ وفتنتُ بما وجدتُه في الرسالة المسمّاة: "ثمرة شجرة الفِرْصَاد" من قذائفَ ألماسيّةٍ للمدافع الذهبية الموجهة إلى عشاق أوروبا.
صبري
٭٭٭
أَتمَمتُ نسخَ "المكتوب العشرين" على عجلٍ بسبب ضيق الوقت، فكان اطِّلاعي عليه قراءةً سريعة عابرة دون تأمُّل وتمعُّن؛ وبالرغم من ذلك أجدُ في نفسي الجُرأةَ على التحدُّث بالحقيقة التالية إن أَذِنتُم:
رأيتُ أن هذا المكتوب العميق المعاني هو زبدة جميع رسائل النور التي وصلَتنا حتى اليوم، وخلاصة خلاصتها ومنبعُها الأصيل، فضلًا عمّا يُقدِّمُه لذوي الألباب من شرح وتفصيل في نصوصه العربية وفِقْراته السبع الغزيرة المعاني وترجماتها التركية.
وهنا تولَّدت لديَّ أمنيةٌ مضمونُها: ليت الهادي المتعال وواهب الآمال والأعمال، يمنُّ عليَّ بتوفيقه الصمداني لأتعلم من أستاذي الجليلِ وأنهل منه فنَّ علم الكلام.. وستبقى هذه الرغبة في نفسي إلى الأبد، لِما أستَشعِرُه من قيمة المكتوب العشرين، الذي أعجِزُ عن وصفِ سموِّه وعُلوِّه.
صبري
٭٭٭
إنَّ مما يبعث على الإعجاب والاستحسان ما ورد في "الكلمة الأولى: كلمة البسملة" وصورتها التمثيلية، من بيانِ أهمية البسملة، ويُدركُ أدنى إنسانٍ صوابَ هذا التمثيل ومدى ما يحمله من معانٍ.
— 55 —
ورغم أن علماءَنا الأجلّاء قد أقرُّوا منذ القديم بلزوم ذكر "البسملة والحمدلة والصلولة" في بداية كلِّ كتاب، إلا أنَّنا لم نسمع إلى يومنا هذا تمثيلًا يملأُ النَّفس كهذا الأسلوب! لذا لم تَستَقِرَّ هذه المسألة وتتركَّز في الأذهان إلى هذا الحد.
صبري
٭٭٭
قرأتُ لأول مرة "الكلمة العشرين" من بين الكتب الثلاثة؛ ووجدت أنَّ الدستور الرباني المبين والحبل ال إلٰهي المتين "القرآن العظيم" قد أشار إلى ما تمَّ اكتِشافُه في الأزمنة الأخيرة من الغوّاصات والطائرات وغيرها من الأمور التي صارَت مَبعَثَ افتخارِ الإفرنج! وإذ بالقرآنِ يشيرُ إلى هذه الأشياء قبل أكثر من ألفٍ وثلاثِ مئةِ عامٍ!
إن هذه الأخبار الغيبية الصادقة والبياناتِ المستقبلية الخارقة الواردة في القرآن المُبين، قد أبهرت الصديقَ والعدُوَّ، وتركتهم في حيرة مِن أمرهم، وأثبتت إعجاز القرآن، وأكَّدته مرةً تلوَ الأخرى.
لم أتمكَّن من قراءة سوى بضع صفحات من بدايات "الكلمة الثالثة والعشرين" و"الكلمة الثلاثين"، فبتُّ في حيرةٍ من أمري: أيَّ جوهرةٍ أُتمُّ؟! مَثَلي في ذلك مَثَلُ الفقير الذي صادف مخزن جواهر أو مدفن كنوز.
صبري
٭٭٭
لقد تناولتُ الجزءَ الخامس وأعدتُ الجزءَ الثالث من "المكتوب التاسع عشر"، ذلك المكتوب الذي هو بحرُ المعجزات والذي بثَّ فيه فخرُ العالمين (ص) النُّورَ والسُّرورَ لأرواحنا الصَّدِئةِ في هذا العصر الذي يَلُفُّه الضَّباب، ووجَّه أَنظارَ الناس إلى الحياة الأبديّة.
توقَّفتُ عند إحدى معجزاتِ فخر العالمين (ص)، وهي "نبعُ الماء من بين أصابعه وسقايةُ الجيش منه"، وتفكَّرت فيها مليًّا، وحِينَها كان قلمي في المحبرة، وكنتُ عازمًا
— 56 —
على التوقُّفِ عن الكتابة لبرهة، فتناولتُ القلم مجدَّدًا، وقلت في نفسي: لن أتوقف عن الكتابة حتى يَنفَد حِبْرُه. وبدأت أكتب حتى أنهيتُ نصف صحيفة دون أن ينقطع الحبرُ عن القلم! وبعد أن جفَّ القلمُ أجريتُ عِدّةَ مُحاولاتٍ للكتابة، فكان ينتهي الحبر ولمّا أُكمِلْ نصفَ سَطرٍ تقريبًا، مع أنِّي غمستُ القلم في الحبر بدقة!
فتفكَّرتُ في حكمة هذا الأمر، وقلت في نفسي: إنَّ ما حصل هو تأكيدٌ للإعجاز النبويِّ، وتذكيرٌ بالواقعة التي حصلت مع الخطيب البغدادي في تفكُّره (حاشية): قد أنجز في ذلك التفكُّر عملًا يتطلبُ يومًا كاملًا في دقيقة واحدة. بسرِّ الآية:
﴿ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ﴾
صبري
٭٭٭
ما الذي يمنع عباراتِ التَّبجيلِ المُقدَّمةَ إليكم في رسائلي السابقة أن تكون حقًّا؟!
فقبلَ عشرين يومًا طالعَ أناسٌ من مُختلِفِ الفئات العلمية "المكتوب السادس والعشرين" القيِّمَ والمُهِمَّ، والذي أَعلَن یی كالبرق الخاطف یی سَطوَتَه المعنوية والحقيقية للعالم برُمَّتِه، فلم يتجرَّأ أحدٌ منهم على الادِّعاء بأنَّ ثمّةَ زيادةً أو نقصًا ضمنَ كلماتِه السّاميةِ الرَّفيعة، مع أنَّكم نبَّهتُم إلى أنه ما زال بحاجة إلى التدقيق والتصحيح، وأنَّ فيه ثمانيةً وعشرين نقطةً تستدعي التعديلَ والإضافةَ.
أجل، إن ممّا لا يعتريه شكٌّ ولا ريبٌ: أنَّ الواجب الدينيَّ يُملي أن يُقِرَّ ويُذعِنَ كلُّ مُنصِفٍ، ويُصدِّقَ ويَعتَرِف كلُّ من يَملِكُ ذَرّةً من إنسانية، أن هذا المكتوب ألحق الخذلان والنَّقِيصةَ بالفِرَق المُضِرّة في هذا العصر، بعد أن أعلَنَ ضدَّهُم الجهادَ المعنويَّ، وألزمهم الحُجّةَ وأسكَتَهم.
صبري
٭٭٭
— 57 —
(فقرة للحافظ توفيق الشامي):
يستوجب هذا السِّفرُ النفيسُ أن تُكتَب حروفُه بماء الذهب، فلقد تمكَّنتُم فيه یی بعناية الحقِّ سبحانه وتوفيقه والروحانية النبوية وسيف الشريعة یی مِن بتر ألسِنةِ الخَوَنة المُلحِدين المُتَطاوِلين على الرسول المُجتَبى (ص)؛ فتقبَّل الله عمَلَكم، وجعَلَني وإيّاكم ممَّن ينال شفاعتَه (ص)، وحشَرَنا وسائرَ إخواننا تحت لوائه يوم الدِّين.. آمين.
توفيق
٭٭٭
(أيضًا لصبري):
أنهيتُ بتوفيقِ الحقِّ سبحانه نسخَ بحرِ الحقائق الثاني والعشرين، الذي نُظِّم وصُنِّف إيضاحًا لسبيلِ العروج إلى حقائق السماوات عبر بُراق التوفيق، كما أثبتَت كلُّ لَمْعة من لَمَعاته السّاميةِ آلافَ الآياتِ العقليةِ والنَّقليةِ، وأوضَحَت آلاف دلائلِ الإيمان؛ وهو في الوقت ذاته مرقاةُ الإيمان، ومرآةُ واجِبِ الوجودِ المَنّان، وبين دفَّتيه المِفتاحُ الألماسيُّ لقصر عالم البقاء.
صبري
٭٭٭
(هذه الفقرة لأخينا الحقيقيِّ الأوَّل: حقِّي أفندي):
بعد قراءتي مؤلَّفاتكم السّامية الرَّفيعة، ومطالعتي لها مرّاتٍ ومرّاتٍ، لم أجد في نفسي الجُرأةَ على كتابة أيِّ تعليقٍ حولَها، أو إضافةِ كلمةٍ أو حتى حرفٍ للتَّعبيرِ عن رأيي تجاهَها، لذا لم أتمكَّن من كتابة أيِّ شيءٍ حولَ هذا الأمر؛ وليس بوُسعِي سوى مطالعة هذه المُؤلَّفاتِ القيِّمة النَّفيسة، والعملِ على الاستفادة والاستفاضة منها نظرًا لما أُعانيه من جهل.. وإنِّي أَعُدُّ هذا الأمرَ أكبرَ نعمة لي.
حقي
٭٭٭
— 58 —
(فقرة لحقي أفندي أيضًا):
تسألني عن رأيي حول مطالعة هذه المؤلفات القيِّمة!! إنَّه لَأمرٌ يفوق طاقتي وكفاءتي أن أكتب أيَّ شيءٍ عن مؤلفات سامية رفيعة، قد زُيِّنت بدقائق الحكمة، ورصِّعَت بحقائق العلم.
حقِّي
٭٭٭
(هذه الفقرة لصبري الثاني: الحافظ علي):
سيِّدي.. إنَّ "الكلمة الخامسة والعشرين" مُعرِّفٌ حقيقيٌّ أيُّما مُعرِّفٍ، يتضمَّن بيانًا تامًّا واضحًا حول القرآنِ المُعجِزِ البيانِ، وقانونِ الحقِّ المُبِينِ..
وهي عطايا فُلْكٍ سماويٍّ يَمخُرُ في عُبابِ بحرِ الحقيقة، محيطه مجليٌّ ومحكمٌ بالفولاذ، وداخلُه مُحَلًّى ومطرَّزٌ بالعقيق والألماس، في غايةِ البهاء والرَّصانة، ووافرِ الحسن والرَّزانة.. تَحكِي مَنبعَها الحقيقي: الفُرقان المُبين..
وهي أمواجٌ استقبلها الأستاذ في أثناء سياحته في خضمِّ بحر الحقائق..
وهي مكافآتٌ دنيوية وأُخروية، يُحسِنُ بها الحقُّ سبحانه إلى المطيعين من عباده بمحضِ قدرته، بلَمْعةِ نورٍ صادرةٍ من اسمِ الله الجليلِ: "الوهاب"، تفضَّل بها على أستاذنا الفاضل، ليُجلِّيَ أدقَّ معاني الحقائق الإلٰهية كالجوهر السّاطع، موجِّهًا من خلالها الصَّفَعاتِ الشديدةَ لأولئك العصاةِ الغافلين قُساةِ القلوب، الهائمين في متاهات الفلسفة ومخاتلها.
وإنني كلَّما طالعتُ شيئًا منها أجدُه معجزة برأسِه، بل كلُّ قطرة منها تُظهِر إعجازَها بإيجازها، ولا يتوقَّف لساني من ترديد هذه الجملة الجليلة: "ما شاء الله! الحمد لله على نور الإيمان وهداية الرحمٰن".
علي
٭٭٭
— 59 —
(هذه الفقرة أيضًا لصبري):
لقد بدأت بنسخِ رسائلكم الألماسية المكتوبة بخطكم الكريم، تلك الرسائل التي أنارت العالم بنورها، ورغمَ أنَّ فِقراتها قصيرة، إلا أنها رسائل سامية رفيعة جليلةُ الأهمية، وتفسير عظيم المضامين.
وها أنا أغوص في بحر النور الثاني والعشرين.
صبري
٭٭٭
(هذه الفقرة لأحد طلابي الأجلاء: سيد شفيق):
لي عندكم رجاءٌ خاصٌّ بأن تُداوُوا قلبي المريضَ من ثلاث وثلاثين جهةً بالكلمة الثالثة والثلاثين الصادرة من مشفى جَنانِكم.
سيد شفيق
٭٭٭
(هذه الرسالة لحافظ زهدي الصغير الذي سيقدِّم جهودًا جليلةً في خدمة القرآن إن شاء الله):
إن الفيوضات غيرِ المتناهية التي وهبها إعجاز القرآن لي یی أنا طالبكم العاجز یی والتي وُفِّقتُ لنسخِها اليوم، قد أجرت عملًا جراحيًّا لروحي المُشرِفةِ على الموت كأنها طبيبٌ حاذق، فداوَت الأمراض القلبية التي ابتُليتُ بها، وبثَّت الحياةَ مجدَّدًا؛ لذا أُسجِّلُ شُكري وامتناني لها، وأتضرَّع عاجزًا أن تُفتَح لي بقيةُ أبواب هذا المخزنِ الفريدِ للانتفاع بجواهرِه المُنمَّقة.
سيدي؛ إن النوافذ الثلاث والثلاثين للمكتوب الثالث والثلاثين، قد ولَجَت
— 60 —
أنوارُها الفيّاضةُ الوضّاءة المتنوِّعة إلى قلبي العاجز، فذَرَّت فيه ماءَ الورد، وأَتضرَّع إلى الباري سبحانه أن يُكرمَه بنصيب أكبر من رسائل النور الكثيرة.
الحافظ زهدي
٭٭٭
(هذه الفقرة أيضًا لصبري):
عريضة خصوصية: لقد استحقَّت رسائل النور الفريدة أن يُطلقَ عليها وصفُ: "مطلع شمس الفيوضات"، لِمّا أدَّته في هذا القرنِ الرّابعَ عشَرَ المُحمَّديِّ من المَرضِيّات الربانيّة، وما بلَّغَته من الهدايات الأحمدية.
وإن ما وصَفتُه من أثرِ هذه الرسائل على روحي العاجزةِ إنما كان ثمرةَ ما جنيتُ من فيوضات رسائل النور ولَمَعاتِها، وليس لي من الأمر أيُّ نصيب؛ وقد تملَّكَني الحياء الشديد حين علمتُ بإدراج رسائلي هذه في ثنايا رسائل النور، وبما نالَتْه من حُسنِ توجُّهِ فضيلتِكم.
فليس يخفى على ذي بصيرة أن ما كتبه هذا العبد العاجز المقصِّر لا يَعدِلُ قطرةً من فيضِ مَعينِكم، ولا تَرقَى قيمتُه لتلك المكانة الرفيعة، غير أنِّي أسأل الحقَّ سبحانه أن يكتبَ له الإفادةَ بما جاوَرَه من الكلماتِ الوضّاءة المنيرة النافعة.
صبري
٭٭٭
(هذه الفقرة لخلوصي):
ليس لديَّ في قضايا السِّياسة أيُّ دِراية، وتلبيةُ رغبات هذا وذاك أمرٌ أَنفِرُ منه، ولست ممن يُطيق عِيشةَ الذُّلِّ.. فنَحمَدُ اللهَ على نعمة الإيمان، الذي نجدُ فيه البلسمَ الشّافي لِما يعترضنا من آلاف المصائب والآلام في هذه الحياة، وهذا البلسمُ هو: «مَن آمَن بالقدَر، أَمِن مِن الكَدَر».
— 61 —
فلِلَّهِ الحمد أنَّ إلٰهنا واحد، ونبيَّنا واحد، وكتابَنا واحد، ودِينَنا واحد.. هذه المظاهر التوحيديّة توفِّرُ وحدةً رُوحيّةً وقلبيةً أبديةً لا تنقضي، فضلًا عمّا تُقوِّيه من روابطِ الحبِّ في الله التي تجمعنا.
إنَّنا ندرك جيدًا أن الذين يُنهون وظيفتَهم في هذه الحياة الدنيا، يشرعون في حياة أبدية موعودة، ونحن كذلك ماضون في هذا الطريق، وملتحقون بتلكم القافلة عاجلًا أو آجلًا، فما نحن في دار الضيافة هذه إلّا ضيوفٌ عابرون، وعمّال في مصنعها مؤقَّتون.
وأمّا هذا العالم القصير المُزعِج، الفاني الموار، الذي يعجُّ بالاضطراب والألم والحزن، ويغصُّ بالفراق والرحيل، فتَجمَعُنا فيه صداقاتٌ في الله ولله، لا يُعكِّرُ صفوَها مصالحُ شخصية أو منافعُ مُرتقَبة، بل هي صداقاتٌ جِدِّيّة مُخلَصة، وروابطُ صافية نقية، نَجني ثِمارَها في موطن الحياة السرمدية الجامعة للسعادات، فما هي إلا غراسٌ لتلك الحياة.
لدينا رأسُ مالٍ قويٌّ، كالأمل والإيمان، والنصائح القيمة لعالِمنا الجليل من مثل:
أَدِّ الصَّلَواتِ الخمسَ في أوقاتها مراعيًا أركانَها، فليس بمَقدورِك تقديمُ عباداتٍ سِواها.
اقرأِ التَّسبيحاتِ عقِبَ الصَّلَوات، ولا تأسف لعجزِك عن قراءة أورادٍ أخرى.
اجتنب الكبائر السَّبع، فلسنا في زمنِ الحديثِ عن الصَّغائر.
اتَّبعِ السُّنّة، فلن تجد في هذا الزمان مثل صاحبها (ص) هاديًا مُخلِصًا يهديك سواءَ السبيلِ، تترسَّمُ خُطاه وتستنُّ بهُداه؛ ولا تُجهِد نفسك في البحث عن مُرشِدٍ سواه، فقد تجِدُ من يَصِفُ لك الطريقَ، لكن أين مَن يُميِّز بين الفحم الخسيس والألماس النفيس؟!
وما دامَت عقولُنا تعي الحكمة الشافية التي تلقَّيناها من دروس أستاذنا: «مَن آمَن بالقدَر، أَمِن مِن الكَدَر» ، وتردِّدها ألسِنتُنا، فإننا سنُقابل بصدور رحبة أيَّ مصيبة وكل ألم.
— 62 —
أخي العزيز، قد تجرحُ القلبَ بعضُ التصرُّفات والمُعاملات، بل قد تبلغُ أحيانًا درجةَ الانزعاج من كلِّ أمر، فاجعل تِرياقَ القلبِ:
﴿ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ﴾
وأقول دومًا: لا شيءَ يستحقُّ أن يُشعِرنا بالحزن، وما وداعُ هذه الحياة في اعتقادنا سوى مقدمةٍ لحياة باقية، فليست صداقتُنا مقتصِرةً على هذه الحياة الفانية.
وإلى أن ننتقل يومًا إلى تلك الحياة، ليكن تواصُلُنا عبرَ المراسلة، مُعتَمِدين على الله تعالى، راجين منه العَونَ والمَدَد.
﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ ﴾
اللَّهم صلِّ وسلِّم على سيدنا محمَّد من الأزل إلى الأبد، عددَ ما في علم الله، وعلى آله وصحبه وسَلِّم.
خلوصي
٭٭٭
(فقرة من رسالة صبري التي كتبها أثناء نسخِه الكلمتين: الحادية والعشرين، والثانية والعشرين):
سيدي، كلُّ رسالةٍ من رسائل الأنوار بمواضيعها المختلفة تَحُلُّ ما لا يُحصَى ولا يُحصَرُ من المشكلات، وفي اعتقادي أنَّ من رغب أن ينهلَ من معينِ الأنوار، فسيجد في "الكلمة الأولى" والكلمتين "الحادية والعشرين، والثانية والعشرين" ما يُعالجُ به أمراضَ القلب ويستأصِلُها، وما يُبهِجُ الرُّوح ويُنوِّرُها، وإن لم يتمكن من الوصول إلى باقي الرسائل، وهذا أمرٌ مشهودٌ ومسلَّمٌ به.
— 63 —
فی"الكلمة الأولى" مفتاح التوحيد، والقسم الأول من الكلمة "الحادية والعشرين" مرقاة الجنة، والقسم الثاني مركزٌ فريد لمعالجة الأمراض القلبية، تشفي أدويتُه المذهلة من أدواء الوساوس التي قلَّما ينجو منها إنسان؛ وتقتلِعُها من جذورها؛ وهي سبيلُ النجاة والسلامة الموصلةُ إلى برِّ السعادة الأبدية بما تبعثُه أنوارُها في القلب والروح من فيوضات القرآن الحكيم، وتبثُّه في النفسِ من روضات الانشراح والاسترواح.
أما "الكلمة الثانية والعشرون" فهي ببراهينها ولَمَعاتها بمثابةِ مرشدٍ يُقوِّي عقيدة الإنسان ويُرسِّخ إيمانَه عميقًا.
صبري
٭٭٭
(هذه الفقرة من رسالة خسرو):
أستاذي المحترمَ الحبيب..
إنَّ كلَّ كلمةٍ من "الكلمات" وكلَّ رسالةٍ من رسائلكم، هي بحدِّ ذاتها دواءٌ عظيم ويَنبوعُ مددٍ أَنهَلُ منه الفيض الغزير، حتى إنني كلَّما قرأتُها رغبتُ في إعادة قراءتها من جديد، ثم لا أجد ما أعبِّر به عن أذواقٍ إلٰهيةٍ ساميةٍ أشعر بها حين أكرِّرُها؛ وإنني على تفاؤلٍ لا يُخالِجُه شكٌّ بأن مَن قرأ ولو بعضَها بإنصافٍ أذعن للحق وأقرَّ به؛ حتى لو كان مُنكِرًا لعدَلَ عن طريق الإنكار، أو كان فاسقًا لتاب وأناب.
خُسرو
٭٭٭
(هذه الفقرة من رسالة رأفت بك):
لسُموِّ كلماتكم وعلوِّ هديِها البليغ فإنني أُضطَرُّ لقراءتها قراءةَ تمعُّن وتدقيق، إن الدلائل العقلية والحُجَج المنطقية التي تطرحونها مُمتعةٌ ومثيرةٌ للإعجاب، لدرجة أنَّ
— 64 —
من يقرؤها يزدادُ تعلُّقًا بقراءتها أكثر وأكثر، ولا يملُّ قراءتَها ولا يرغبُ بتركها، ويشعر بتذوُّق معنوي ولذّة غير متناهيةٍ؛ ولهذا فإنَّ قراءة المرء لها مرة واحدة لا تفي بالغرض، بل يلزم أن تكون في حوزته كاملةً يقرؤها باستمرار.
رأفت
٭٭٭
(هذه الفقرة أيضًا من رسالة صبري أفندي):
أستاذي، سيدي.. هذه المجوهرات القيِّمة إنما هي ثمرات غيرُ متناهية لشجرة طوبى الموجَّهة من الحق سبحانه لحبيبه الأكرم، وقد آن أوانُ إخراجها وعرضها كسائر سابقاتها من المجوهرات الفريدة؛ ولِأجلِ ما وفِّق أستاذي الفاضل لعَرضِه في المعرض الرباني والمحمدي من هذه الجواهر النفيسة، أدعو له یی رغمَ رَكاكة لساني وقصور إدراكي یی بالدعاء التالي:
اللَّهُمَّ احفَظ مُؤَلِّفَ هذَا الدُّرِّ اليَكْتَا الَّذِي هُوَ مَوسُومٌ بِرِسَالةِ النُّورِ، وأَعطِ قَلبَهُ یی وقلبَ صبري یی المَملُوءَ بِالحَقَائِقِ الابتِهَاجَ والسُّرُورَ.. آمينَ
صبري
٭٭٭
(فقرة خلوصي بك)
إن ما كتبه الحافظ صبري أفندي یی نيابةً عن طالبكم المسكين البعيد عنكم جسدًا یی وكذا الفضلاء الآخرون بحقِّ الأنوار قيِّمٌ ورفيعٌ، وقد عبَّروا في رسائلهم بما يليق بالأنوار.
ويُناسبُ في هذا المقام أن أكرِّر هنا إحدى حِكَمِكم التي تفضَّلتُم بذكرِها سابقًا في بعض رسائلكم لدى حديثكم عن قصيدة المعلم جودي، وهي:
وما مدحت محمَّدًا بمقالتي
ولكن مدحت مقالتي بمحمدِ
— 65 —
فبسِرِّ هذه الحكمة أقول: ليس الحسن والجمال في كتاباتنا، وإنما فيما كتبنا عنه من الكلمات والمكتوبات المنورة النابعة من إعجاز القرآن.
إن كلَّ فرد مؤمن يعرِّف بمُستوَى فهمه وتذوُّقِه ما هو جميل حقًّا، إلّا أن اللذة الكامنة في العجز والفقر، وفي السُّموِّ الذي تنطوي عليه الشفقة والتفكر، لا يُقاس بشيء مطلَقًا.
وليت الأوضاع كانت مهيَّأةً بصورة أفضل، وعُرِضَت الجواهرُ التي استخرجتم من خزينة القرآن الخاصة أمامَ كثيرٍ من الأنظار، وقُمتُم بمُهمّة الدَّلالة یی حسَبَ تسميتكم اللَّطيفة یی، علَّ السُّكارى يستيقظون، وينجو الحائرون، وتطمئنُّ نفوسُ المؤمنين، ويعودُ المُلحِدون والكفرة والمشركون إلى رُشدِهم، ويقفُون على قدمِ الإنصاف، ويندرجون في دائرة الإيمان! إنَّني أتضرع إلى الحقِّ سبحانه بكلِّ رجاءٍ أن يُحقِّق هذه الغايةَ السامية المُبهجة.. آمين.
أستاذي المحترم، مهما قدَّمتُم بين يدي لله عز وجل من الحَمدِ فإنه في محلِّه، فلقد وُفِّقتُم للولوج ببطاقة العجز والفقر إلى قصر القرآن الكريم وخزينته الخاصة، واستخرجتم ما قُدِّر لكم ممّا وقفتُم عليه من جواهرها التي ما رَأَتها عينٌ ولا سمعت بها أُذنٌ، الواحدةَ تلوَ الأُخرى.. وتدبَّرتم فيها أوَّلًا، ثم توجَّهتُم بالخطاب إلى البشر قائلين: أيها الإنسان، انظر كيف فَتَح لكم سلطانُ الكائنات دارَ الضيافة هذه، وخلق العالمين برحمته، وبرَأَكم بحكمته، وبعث بكم إلى هذا العالم.. ذلكم الله الذي عرَّفكم قبل أكثر من ألف وثلاث مئةِ سنة حِكمةَ الخَلقِ، والمَقصَدَ من القدوم إلى هذا العالم، والوظيفة التي تقتضيها العبودية.. إلخ، وذلك بواسطة رسوله وحبيبه الأكرم (ص)؛ وها أنا بدوري أشرحُ لكم هذا البلاغَ السّاميَ والأحكام القدسية بلسانكم الذي تفهمون، فأصغوا إليّ؛ فإن كنتم ذوي تعقُّلٍ وتبصُّر وإنسانية، فستدركون الحقيقة، وتَلِجُون في دائرة الإيمان.
ونحن بحمد الله آثرنا أمرَ الاستجابة إلى هذا البلاغ القُدسيّ بحسَبِ الاستطاعة، ونُشاهدُه عن كَثَب ونُبيِّنُه للآخرين.. وهذا كلُّه بفضل إيقاظكم لنا من نوم الغفلة، وما
— 66 —
أرشدتمونا إليه من الحقائق، وما أبرزتموه من الجواهر الألماسية، فكنتُم الوسيلة لتقويم سلوكنا.. فليرضَ الله عنكم إلى الأبد.
صحيح أننا لم ننجُ بعدُ من شرور النفس الأمّارة وأحابيلِ شياطين الجن والإنس، إلّا أننا نستشعرُ الذَّوق واللَّذّة بقدرٍ ما، وذلك من خلال العمل في حقل هذه الخدمة القرآنية المُقدَّسة؛ وأنَّنا وإن قصَّرنا في واجباتنا ولم نتمكن من القيام بحقِّ هذه الخدمة الجليلة على الوجه اللّائق، فحَسبُنا أنَّنا مندرِجُون في سِلكِها ونسعى في سبيلها بحَمدِ الله تعالى، و «إنَّما الأعمالُ بالنِّيّاتِ».
خلوصي
٭٭٭