— 82 —
الذيل الثالث للمكتوب السابع والعشرين
(فقرة سعيد):
﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾
(رسالةٌ إلى طبيبٍ أَورثَتْه قراءةُ رسائلِ النور صحوةً ويقظةً، فكان شديدَ الإقبال عليها والشَّغَفِ بها، صحيح أن مناسبتها لهذا الذيل الثالث هَشّة جدًّا، لكن لتكن لي فقرة بين فقرات إخواني).
مرحبًا بك أيها الصديق الوفيُّ العزيز، والطبيب الموفَّق الذي اهتدى إلى تشخيص مرضه..
إن الصحوة الروحية التي بيَّنْتَها بحماسٍ في رسالتك جديرةٌ بالتهنئة والتبريك.اِعلم أن أغلى ما في الموجودات: الحياة؛ وأن أثمن ما في الوظائف: خدمة الحياة؛ وأن أجلَّ ما في خدمات الحياة: السعي لتحويل الحياة الفانية إلى حياةٍ باقية.
أما قيمةُ هذه الحياة وأهميتُها فليست إلا باعتبارها نواةً ومبدأً ومنشأً للحياة الباقية، وإلا فإنَّ حصْرَ النظر في هذه الحياة الفانية على نحوٍ يُفسِد الحياة الأبدية ويُسمِّمها ليس إلا حماقة؛ وهو أشبهُ بتفضيلِ لمعةِ برقٍ خاطفة على شمسٍ سرمديةٍ.
وإن الأطباء الماديِّين الغافلين هم أشدُّ الناس مرضًا بمنظار الحقيقة، غير أنهم إذا تمكَّنوا من تناوُلِ ترياقِ العلاجِ الإيماني من صيدلية القرآن القدسية، داوَوْا أمراضهم وعالجُوا جراحات البشرية كذلك؛ ومثلما كانَت صحوتُك هذه بلسمًا لجراحك، فإنها ستجعلُ منك مُداويًا لأسقامِ الأطباء الآخرين إن شاء الله.
— 83 —
وأنت تَعلمُ أن إدخال سُلوانٍ معنويٍّ على قلبِ مريضٍ يائسٍ قانطٍ قد يكون أنفع له من ألف دواء، إلا أن الطبيب الغارق في أوحال الطبيعة يزيد ذلك المريضَ المسكين ظُلمةً فوق يأسِه المرير؛ فعسى أن تجعلَ منك صحوتُك هذه طبيبًا يُشِعُّ النور ويبعث السُّلوان والأمل لأمثال أولئك المساكين إن شاء الله.
تَعْلمُ أن العُمُر قصير، وأن الواجبات كثيرة؛ ولعلك إن فتَّشتَ المعلومات التي في ذهنك یی كما فعلتُ أنا یی وجدتَ فيها أمورًا كثيرةً شبيهةً بأكوام حطبٍ لا حاجة لها ولا أهمية، ولا فائدة ترجى منها؛ ولقد أجريتُ تفتيشًا كهذا فوجدتُ أمورًا كثيرةً لا لزوم لها؛ ولهذا لا بد من تحري وسيلة تجعلُ من تلك المعلومات العلمية والمعارف الفلسفية علومًا نافعةً منوَّرةً تنبض بالحياة؛ فاسألِ الله جلَّ شأنه أن يمُنَّ عليك بصحوةٍ توجِّه فكرَك في سبيل الحكيم ذي الجلال سبحانه، وتُضرِم النار في أكوام الحطب تلك فتُحيلُها نورًا، وتغدو تلك المعارف العلمية التي لا لزوم لها معارفَ إلٰهيّةً نفيسة.
صديقي اللبيب..
إن القلب ليرغب أيَّما رغبةٍ في أن يَبرز أشخاصٌ من أهل العلوم الحديثة، يستشعرون الحاجة واللهفة إلى الأنوار الإيمانية والأسرار القرآنية كالسيد "خلوصي"؛ وبما أن "الكلمات" تمتاز بالمقدرة على مخاطبة وجدانك، فعُدَّ كلَّ رسالةٍ منها رسالةً واردةً إليك لا من شخصي بل من دلَّالٍ للقرآن، واتَّخِذها وصفةً من صيدلية القرآن القدسية؛ واجعلها وسيلةَ مجالسةٍ وحضورٍ في الغَيبة.
ولك أن تراسلني متى شئت، لكن لا تتضايق إنْ لم أردَّ بجواب، فأنا منذ القديم قلَّما أكتب الرسائل، حتى إنني لم أكتب إلى شقيقي سوى جوابٍ واحدٍ منذ ثلاث سنوات رغم رسائله الكثيرة إلي.
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 84 —
(فقرة صبري):
أستاذي الجليل.. أقبِّل بشكل خاص أيديكم المباركة، وألتمسُ دعواتِكم التي أحتاجُها في كل وقت..
قبل أسبوع تلقَّيت ببالغ الفرح والسرور رسالتكم الكريمة الجليلة بواسطة أخي سليمان أفندي، وقرأتها بكمال الافتخار.. تسألون في فقرة منها عن قناعة العبد الفقير حول التوافقات الغيبيّة، وأجيبكم على ذلك بی: "نعم، صدقتَ أيها الأستاذ الموقَّر"، لقد أثارت التوافقاتُ الغيبية عَجَبَ جميع طلاب بحر النور، وأَذهلَت حتى من يُتابعهم من باقي الجماعات، واستوجبت منهم "سجدة الشكر".
وإن كرامات الأنوار المعجزة لا يمكن مشاهدتُها إلا بالمرآة المحمدية (ص)، وأمّا المعرِّفُ الآخر لهذه الحقيقة والواصفُ لها فهو البيت التالي:
مرآةٌ هذا العالم، كل شيء بالحقّ قائم
مرآة محمد يُرى منها سبحانه بشكل دائم
(حاشية): توافق لطيف: حين كتب لي فيه صبري أفندي "خُلوصي الثاني" هذا البيت، كتب خلوصي بك البيت ذاتَه في الوقت ذاته أو قريبًا منه، مع أنَّه يبعُد عنه مسافةَ شهر! إن توافق هذين الشخصين في خدمة القرآن وفي علاقتهما تجاهي علامة على التوفيق والنجاح. (سعيد )
وقد أدرجتُ هاهنا هذا البيت الشعريَّ ذا المعاني، لأُزيِّن به رسالتي المضطربة.
منذ أن شاهدتُ یی أنا طالبكم الفقير العاجز یی الكرامات القرآنية والإعجاز النبوي المحيِّر للعقول، سَرَحتُ في تفكير عميق متسائلًا: هل ثمّةَ توافقاتٌ مُشابهة في كتب أخرى؟ فإنِّي لم أجد إلا أشياءَ يسيرةً بعد التحري والتفتيش؛ لذا فإن هذه التوافقات الغيبية تعرضُ نفسها ككرامة علنية للأنوار، وتقول بلسان الحال مخاطبةً البشر: يا بني آدم، إن الأنوار التي نبحرُ في خضمِّها ونشاهد كراماتها وإعجازاتها بوضوح، هي القادرة على إزالة سُحُبِ الضلالة التي تخيِّم عليكم، وتوفيرِ النجاة والسعادة لكم
— 85 —
في هذا العصر التي يكتنفه الضباب؛ وهي وحدها الكفيلةُ بإزاحة الروائح النَّتنةِ التي عَلِقَت في أذهانكم، واستبدالِها بعُطورِ الورود المحمدية، وهي وحدها مُرشِدُكم إلى طريق قصير رصين مستقيم، فيه سلامتكم ونجاتكم؛ وستظهر آثارُها الخفية مستقبلًا وبكثرة.
أمرٌ آخرُ أودُّ أن أضيفه إن أذنتُم لي، وأودُّ أن أتحدَّث عنه مستثنيًا منه شخصي: إنني أرى في رُوّادِ الأنوار المتشوِّقين یی بل المُصطلين یی بنورها توافقًا يفوق العادة، فهم جميعًا على مستوًى واحدٍ من الاشتياق والأخلاق، والأطوار والحاجات، وأساليب الأخذ والتلقِّي، في عصرٍ تطغى فيه الأنانية وحبُّ النفس.. فضلًا عن وحدة سبيل الأخوة الذي يسلكونه، فتجمعُهم رابطةٌ حقيقية صميمية أقوى من رابطة الإخوة الأشقّاء، ويسابق كلٌّ منهم الآخر في تحقيق قيم العدل بجدِّية وإخلاص.. إلى غير ذلك من الخصال والمزايا الكثيرة التي تجمعهم بشكل لافتٍ للنظر، رغم اختلاف بلدانهم كی"إسطنبول وإزمير وآيدن وكوتاهية وإسبارطة وأغيردِر.. إلخ"، ولذلك أعدُّ الحالات المحيِّرة التي يتمتَّعُ بها طلاب النور من شتَّى فئات المجتمع في عداد التوافقات الغيبية.
صبري
٭٭٭
(فقرة صبري):
أستاذي وسيدي صاحب اللطف والعناية..
في يوم السبت، العاشر من شهر رمضان المبارك، وتحديدًا الساعة الحادية عشرة والنصف منه، تلقيت تسعة نِكات رمضانية، كل نكتة منها تحملُ ما لا يُحصَى من بشارات الحكمة والحقيقة التي تحتاجها روحي وتتلهَّف إليها؛ فنسختُ هذا السِّفر النوريَّ الفريد في تلك الليلة بكامل الفخر والسرور، وأعدتُ نسختها الأصلية للحافظ محمود أفندي من "نيسْ"، الذي أوصله إلى حقي أفندي.
— 86 —
وفي صباح اليوم التالي أعدتُ قراءة ما نسختُه بدقة وتمعُّن، وصحَّحت التوافقات الحاصلة في نسختي، وكتبت رسالة لعلي أفندي، ووافق لحظة فراغي من كتابتها والتوقيع عليها قدومُ أحدُ المشاركين في هذه الوظيفة المعنوية من قرية "إسلام كوي" بغير موعدٍ مسبق، فاصطحبها معه إلى علي أفندي، في إشارة صريحة وبارزة لجلالة الرسالة.
أستاذي العزيز.. كنتُ بحثتُ بين نصوص الأنوار وما اشتمَلَت عليه من حقائق وحكم غزيرة عن نصٍّ يتحدَّث عن عبادة الصيام في شهر الرحمة والمغفرة، فلم أظفر بشيء، فعزمتُ أن أطلب من أستاذي أن يخصص له المكتوب الثلاثين المؤلف بعدد أيام شهر رمضان، لكن حالت بعض الموانع دون ذلك.. فجاء الإحسانُ بهذه الرسالة من كليات النور كأنه يُخاطب هذا العبد العاجز قائلًا: "إن رغباتك وأحاسيسك التي تدور في نفسك مدوَّنة في لوحتنا المعنوية بأحرف كبيرة، وها نحن أسعفناك بذلك".
فتقبَّلتُ أنا العبد الفقير هذه البشارة الرمضانية الحاوية لآلاف الحِكم المُلبِّية لحاجاتي الرُّوحيّة المُلحّة، وسجدتُ شكرًا لمن أنزل القرآن الكريم، وشكرتُ لدَلّال النُّور العظيم الشأن.
سيدي، إنني أدعو لدلال النور باستمرار، وأَراه دينًا في ذمتي.
صبري
٭٭٭
أستاذي..
"الكلمة السابعة والعشرون" تحثُّ المسلمين على الجِدِّ، وتحفِّزهم على السعي في خدمة هذا الدين السامي، فهي أشبه بمرشد لأهل الإيمان بما تبثُّه في القلوب من أنوار وأشواق.
أما "المكتوب الثالث والثلاثون" بنوافذه الثلاث والثلاثين: فهو سِفرٌ نفيسٌ عُجِن بالحقيقة حتى اختمر، فراح بسُمُوِّه وجلالته يَهَبُ الشُّعور لعديمي الشُّعور من البشر،
— 87 —
ويبصِّرُ ذوي الأبصار المغشيِّ عليهم بحُجُب الغفلة فما عادوا يدركون الحقيقة، ويمنح مُحبِّي الحقِّ من أهل الإيمان الرُّقيَّ والرِّفعةَ.
فهؤلاء المساكينُ أصحابُ الحاجة الشديدة، والغارقون في مستنقعات المادّة، المخدوعون بالظاهر، والواقعون في اليأس المرير بعد أن ظنُّوا أنفسهم هَمَلًا، عليهم قراءةُ هذا السِّفر السّامي ليُدرِكوا جيدًا أنهم أينما توجَّهوا ووجَّهوا أنظارَهم، لا يمكنُهم أن يتجاوزوا حدودَ الخالق العظيم، ويخرجوا عن إدارة الرحمٰن الرحيم، فكلُّ وجود وكلُّ حادثة وكلُّ تحوُّل وكلُّ عناية وكلُّ لُطف إنَّما هو تحت إمرة القدير ذي الجلال.. بل يمكنُنا القول: إن في ثنايا أصغر ذرّةٍ نموذجًا مُصَغَّرًا لسلطنة الكون العظيم، وذلك عبر إعلانها عن صانعها.
ذكائي
٭٭٭
أستاذي العزيز الجليل..
أقدِّم إليكم "الكلمة السابعة عشرة" بغية تصحيحها، وقد وُفِّقت لنسخِها بعناية الحق سبحانه، فكانت ثمرةَ سعيٍ دام يومين أو ثلاثة.
أستاذي العزيز، تتَّضحُ معاني هذه الكلمة وتتكاملُ يومًا بعد يوم بحمد الله، وكل كلمة منها تُظهر الأمراضَ الخفية التي أصيبت بها البشرية، فتشخِّصها بنورها وتداويها بعد ذلك.
أُدرك جيدًا وبكل وضوح أن شابًّا جريحًا مثلي حلَّت به أضرار معنوية كثيرة، لن يجد السلوان إلا في رسائل النور.
فلخالقي العظيم الذي سكب في قلبي سلوان النور آلافُ الحمد.
ذكائي
٭٭٭
— 88 —
حينما كنت أنسخُ براهين "الرسالة الأحمدية" من "الكلمات"، كنت كثيرًا ما أضع القلم من يدي وأتحرَّق حسرةً على ذكريات عصر السعادة وبُعدِنا عنه، فيبكي قلبي من هذا البعد، وتجيش أحاسيسي، وتُفارق روحي هذا الجسد، وتُحلِّقُ بعيدًا لتجلبَ لي بشاراتِ السلوان.
أستاذي العزيز، حتى إن لم نكن في عصر السعادة، فيكفي أن قلوبنا تشتاقُه.. أليس أحدَ تلك المعجزات العظيمة هذا الكتابُ الذي أودعه نبيُّنا محمدٌ (ص) بين أيدينا حتى اليوم؟ ألا يَعِدُنا بالسعادة التي نتلهَّف إليها ونحتاجها؟ ألا يمنحنا تذوُّقًا معنويًّا حين نتمسك به بكلِّ إخلاص؟
أجل أستاذي العزيز.. حين كنت أغرق بين مادِّيّات الدنيا وأطوارها، أستمع إلى هذه المعجزة الكبرى وهذا الكتاب العظيم ومرشدِ البشريّة الحقّة الذي نُمسِكُه بأيدينا ونشاهده بأعيُننا، فكان يمنحني بتلاواته الشجية سلوانًا، ويغدو مُستَنَدي ومُرتَكَزي المتين.. فلِلَّه الحمدُ حمدًا لا أمدَ لمُنتهاه.
أستاذي الموقَّر.. كلما قرأتُ الرسائل القيِّمة ونسختُها، تجيشُ في روحي المُتعشِّقة للسعادة معاني البهجة والسَّعادة، وتلازمني زمنًا؛ وفي تلك اللحظات المُؤنِسة تزهد نفسي في الدنيا، وتتوجَّهُ نحو عالم الأبدية والسعادة الدائمة، فلو عُرضت عليَّ الدنيا برُمَّتها لما ارتضيتُ التخلِّيَ عن لحظة من هذه المشاعر.
فلتَنجَلِ الكوابيس التي كنتُ أعانيها في شبابي، ولْتَهدَأ أعاصيرُها..
أستاذي، ألتمسُ منكم الدُّعاء.
ذكائي
٭٭٭
أستاذي الفاضل..
فرَغتُ في هذا الصباح النُّوريِّ من نسخِ الكلمات: الأولى والثانية والثالثة والخامسة والسادسة والسابعة والثامنة من رسائل النور، وها أنا أقدِّمها لك لأجل تصحيحها.
— 89 —
ومع أنَّ هذه الكلمات قصيرة، إلا أنها تحملُ معانِيَ غزيرة، وتمنح المرء إفاداتٍ عالية وأفكارًا راقية.. إنها أشبهُ بشلّالِ أنهار ذي مياه صافية ونقية، تجري في شُعَبٍ مختلفة، وتصبُّ في بحر واحد كبير.
إنني أُصغي للأصوات الجميلة الشَّجية التي تصدرُها هذه الشلالات العذبة، فأَجْتَني من عذوبتها فوائدَ غزيرةً، وأستخلص من معينِها الأدوية الناجعة للأمراض التي تعاني منها البشرية وخاصة أولئك العاجزين.. وأؤكِّد لكم أنني أحمل في نفسي رغبة شديدةً بإيقاظ أولئك الذين تملَّكتهم السَّآمة وسيطر عليهم اليأسُ بسبب الآلام والأحزان، ولم يرقَ تفكيرُهم بعدُ إلى التصوُّر الصحيح.
أستاذي العزيز، في الوقت الذي كنت أتحسَّر فيه على آمالي الضائعة وأُفول النُّجوم من سماء عُمُري، وأتلمَّسُ فجر الصباح، طالَعَني مُحيا الأنوار اللامع وصباحُ الأنوار الساطع.. فعرفتُ بمؤلَّفاتكم هذه قيمةَ الحياة وأهمِّيتَها، ووجد قلبي مُستَندَه المعنويَّ القويّ، فبلغتُ بذلك أعظمَ السَّعادة والسرور.. فرضي الله عنكم.
أسأل الله أن يُعزَّ أستاذي في الدارين، وأن يُبلِّغه سُؤله في الدنيا والآخرة.. آمين.
ذكائي
٭٭٭
أستاذي العزيز..
طلبتُم مني عدمَ الإسراع بنسخِ "الكلمات"، وكيف لا أسرع لارتِشافِ معينِ نبعِ ماءٍ يَفيضُ أَغَرَّ زلالًا حتى أرتويَ؟! وكيف لا أغسل يدي ووجهي بالمياه المشرقة لهذا النبع السامي؟ وكيف لا أُسارع لتطهير قلبي وتنويره بها؟ إنَّ ما أجده في الرسائل من أنوار السلوان التي أحتاجها هي أهمُّ ما يحملني على الإسراع في عملي، مع العلم بأني مقصِّرٌ كثيرًا في هذه الخدمة كما لا يخفى عليكم.
إنه من لطف الحقِّ سبحانه بي أني من بين انشغالاتي الكثيرة في توفير أسباب المعيشة، أقتنصُ الفُرَص السانحة لاستنساخ هذه الرسائل القيمة، وأجتهد في إتمامها
— 90 —
بأسرع وقت ممكن كيلا أفوِّت الفرصة.. ومثلما يكون مبعثَ فخرٍ لشركاتِ النقل العريقة قطعُ المسافات الشاسعة لدى المرور في الأنفاق التي يُمنع التوقُّف فيها، كذلك يكون افتخاري واستفادتي أكبر كلَّما قطعتُ أشواطًا كبيرة في قراءة الرسائل النفيسة وكتابتها.
قرأت "المكتوب السادس عشر" بتمامه، وفُتِنت بمدى الصبر والتوكل التي أبديتُم إزاء شتى أنواع المشاقِّ والمحن التي أصابتكم.
كلما أقرأ تلك الكلمات أشعر وكأن كياني يشعُّ نورًا؛ فأَحرِص على التخلُّق بالصبر والتحلِّي بالابتسامة وبَشاشة الوجه، في مواجهة الصِّعاب والتصدِّي لهَجَماتها وشدائدها.
أمّا "الكلمة الثالثة والعشرون" فتُمثِّلُ صيحةً صادرةً من الأعماق تصرخ في وجه البشرية، فتذكِّرُهم بإنسانيَّتهم، وتَهديهم إلى سُبل نيلِ أعلى المراتب والمقامات، وتُرشدُ قُرّاءَها إلى مراتب الكمال، وتعلِّمُهم الحبَّ في دائرة الحلال.
لقد أَطَلتُ الحديث، لكني أعجز عن وصف مكانة "الكلمة الثالثة والعشرين" لأنها مدارُ سعادة وسلوان.
أحمد ذكائي
٭٭٭
(فقرة خسرو):
أستاذي الحبيب المحترم..
إنني أشكر الله تعالى أن دلَّني على رسائلكم التي نوَّرَتنا ماديًّا ومعنويًّا، فرفعت من شأننا، وأفاضت علينا من الفيوضات ما لا يبلغه سعيُنا، وأحمده سبحانه غايةَ الحمد وأوفاه أن شرَّفني بهذا المقام رغم أني لا أليق به.. وممّا يبعث على الافتخار أنكم كنتُم وسيلةَ نيلِ هذا الشرف، كما يغمرني الشعور بالسعادة لِما بشَّرتمونا بنيله مستقبلًا من النجاح والتوفيق في شرف الخدمة القرآنية التي عُهِد بها إلينا.
— 91 —
أستاذي.. أدعو الله تعالى في كل آنٍ، أن يكتب لكم السعادة، وأن يغدق عليكم من لطائف نعمه الدنيوية والأخروية ما لا يخطر على بالكم.
أستاذي المحترم، اشتقتُ للقياكم، إلا أن الخونة يمنعوننا من ذلك بشتَّى السبل، ممّا يحزنني كثيرًا ويدمي قلبي، ولكن ما الحيلة!
غير أنَّ الرسائل الفياضة لبحر النور ما إن تقع بيد أحدٍ إلا شدَّته إليها وشغفته بها، وتتداولُها الآن أيدي المشتاقين لها واللائقين بحملها وقراءتها.
الحمد لله.. هذا من فضل ربي
خسرو
٭٭٭
(فقرة من الرسالة التي كتبها خسرو في بدايات عمله باستنساخ الكلمات):
حضرة سيدي المُوقَّر..
استعرتُ من "بكر آغا" أحد الكتابين اللَّذَين أرسلتم، وقرأتُ بضع صفحات منه، ثم شرعتُ بنَسخِه لأحتفظ بنسخةٍ منه؛ وقد استفدت كثيرًا ممّا تضمَّنته بعضُ المكتوبات الصغيرة من حقائق عظيمة، لا سيَّما بعض المسائل التي تخصُّني.
وصلتُ في نسخ "الكلمات" حتى المكتوب السادس، وحينما أملُّ من بُطءِ الكتابة فإنِّي أشتغل بالقراءة، ويغمرني الأُنسُ والسرور.
عندما بلغتُ "المكتوب السادس" قرأتُ أنكم حذفتُم الجزء الأكثرَ حزنًا في غُربتكم، وعرضتُم قسمًا منه فقط، لكن كلَّما قرأتُ هذا القسمَ لا أتمالك نفسي من البكاء، حتى إنني قرأته يومًا لوالدتي فذرفت عيناها وأجهشَت بالبكاء، وكنت أُمسكُ نفسي وأقول: ليتك تُدرِج شيئًا من ذلك الجزء الذي تمَّ حذفُه.
خسرو
٭٭٭
— 92 —
أيها الأستاذ الجليل..
تعلَّمنا الكثير من حكم شهر رمضان من خلال الكلمة التي وصلت إلى "أتابك"، ونبَّهتنا إلى جوانب كنا في غفلة عنها، فهي بحقٍّ ثمرة هذا الشهر ومبلِّغ حِكَمه؛ وأمام هذه الحقائق السامية التي أقرؤها في كل "كلمة" تنشرونها، يقفُ لساني حائرًا عاجزًا عن الشرح والتقدير.
ولا بدَّ من يومٍ تكتسبُ فيه رسائل النور ومكتوباتُ النور قوةَ نشرٍ دفّاقةً كجبل بركانيّ يقذف بالحُمم، ولربما بلَغَت ذلك.. وسيُنبِّه شعاعُها الغافلين ويوقظ الراقدين عبر الزمان، تمامًا كالضياء الذي تبثُّه في شتَّى الأرجاء آلةُ توليد الطاقة الكهربائية بمُجرَّد الضغط على مفتاح تشغيلها.
زكي
صاحب المرحوم لطفي من طلاب النور القدامى
٭٭٭
(فقرة خسرو):
سيدي المحترم وأستاذي الحبيب..
تسألون عن رأيي حول جزءٍ من "المكتوب التاسع والعشرين"، فما الذي يُمكِنُني كتابتُه بهذا الخصوص؟! وعن أي رأيٍ أعبِّر؟! فأنوار جميع الرسائل موحَّدة رغم اختلاف مواضيعها وجمالياتها وتنوُّع ألطافها وأذواقها، ونور هذه الرسالة برّاق مُشِعٌّ في سائر الجوانب والمعاني كحالِ سائر الرسائل.
إنَّ تغيير بعض الشعائر الإسلامية دون أيِّ غرضٍ أو منفعةٍ أوقَعَنا في حالةٍ مؤسفة من الحزن واليأس، فكنتُ أنتظر من أستاذي الحبيب دواءً عاجلًا لهذه الحالة التي أبكت القلوب وأدمت الأرواح، فإذا بالنِّكات: السابعة والثامنة والتاسعة تَمنحُنا الدواءَ والشِّفاء المُنتَظَر.
— 93 —
ويغلب على ظنِّي أن الفرج قد اقترب أستاذي الحبيب، فكلَّما ازداد اعتداءُ الملحدين من جهة، أَبرَز لنا أستاذنا الفاضل من جهة أخرى حقائقَ خفيّةً اغترفها من فيض القرآن وأفاضت من بحر الحقائق.. وما دُمنا مضطرِّين لانتظار الربيع كي نُشاهِد الوُرودَ، فإننا أيضًا ننتظر ذلك اليوم بكمال اللَّهفة والشَّوق.
خسرو
٭٭٭
(فقرة خسرو):
أستاذي الحبيب، المحترم العزيز..
إن وصف ما غمرني من السرور والحبور لدى استلام رسالتكم من بكر آغا أمرٌ يفوق حدِّي وطاقتي أنا الطالب العاجز! غير أني من شدة الفرح رُحتُ أقبِّل الرسالة والدموع تنهمر على خدي لبعدي عنكم جسدًا مع أن روحي معكم.
لا يكفكفُ دمعَ عيني الغزير سوى الانشغال بنَسخِ الرسائل ومطالعتها، ويكاد البكاء يُلهبُ قلبي أحيانًا.
آه يا أستاذي الحبيب! ألتمسُ منكم العفو عن تقصيري، فممّا يُحزنني كثيرًا أني منذ عامين أو ثلاثة لم أستطع التخلُّصَ من مشاغل الدنيا رغم عدم تعلُّقي بها.. بل باتت الصحارى المقفرة والأراضي الجدباء منازلَ روحي، أتجوَّل فيها خيالًا وكأنني أبحث عن شيء!
أجل، إنني أبحث عن شيء ولكن هيهات! فما أبحثُ عنه يبدو قريبًا وبعيدًا في آنٍ واحدٍ، ولستُ أدري حتى متى سأظلُّ على هذه الحالة من التخبُّطِ!
غيرَ أنِّي یی بحمد الله یی خلالَ سنةٍ رأيت في منامينِ صادقين أنني أعيَّنُ سكرتيرًا في معمل ضخم قيدَ الإنشاء، مخصَّصٍ لتصنيع زيت الورد، وأباشر العمل فيه؛ وبعدَ شهرين من هذه الرؤيا شرعتُ بنَسخِ الرسائل، ووقفتُ على ما ورد في المسألتين
— 94 —
السابعة والثامنة من "المكتوب الثامن والعشرين" من إخبارٍ واضح وصريح بقبولِ خدمتنا واندراجها ضمن دائرة مرضاة الله وحده، ممّا أدخل الفرح والسرور إلى قلب طالبكم العاجز.
رضي الله عنكم أبدًا أستاذي الحبيب.
خسرو
٭٭٭
الأستاذ العزيز..
وُفِّقتُ هذه المرةَ لنَسخِ "الكلمة الثانية والثلاثين" المؤلَّفة من ثلاثة مواقف، وأقدِّمُها لكم لتصحيحها؛ ولستُ أعلم إن كان ثمةَ ضرورةٌ للتحدُّث عن الأهمِّية الكبرى التي ألفيتُها في هذا الكتاب الذي هو خزينةٌ لا تُقدَّر بثمن.
ولقد صدق القائلُ: لا يمكن قياسُ مساحة العالم، وصدق الآخرُ الذي ادَّعى أن الفكر البشري أرض لا متناهية المساحة.
ورأيي في هذه المسألة ناشئٌ عن تفكيري الذي يرقى يومًا بعد يوم، وعن مخيلتي الضيقة المحدودة التي تتسع شيئًا فشيئًا؛ وليس بغرض توضيح المقصود من أن الدنيا عبارة عن فضاء لا يمكنُ قياسُه، وأن الفكر البشريَّ لا حدود له، ما يعني: أن روحي تأخذ من كل رسالة غذاءَها المختلف.
وليس وراءَ كتابة رسالتي المطوَّلة هذه یی أعبِّر فيها عن مدى سروري یی وإشغالكم بها، سوى الصفاء السرمدي والسرور الأبدي الذي بثَّته هذه الكلمةُ في قلبي وروحي؟
وخلاصة القول: إنني راضٍ عن حياتي التي أُمضيها في نشوة لذيذة مشروعة، وببركة دعائكم أستمرُّ بإذن الله في اغتنامِ هذه النشوة حتى ألقى الحياة الأبدية.
أحمد ذكائي
٭٭٭
— 95 —
(فقرة خسرو):
أستاذي الحبيب المحترم..
قرأنا القسم الثالث من "المكتوب التاسع والعشرين"، وقد أوقَدَ فينا الشوق وأورثنا سعادة غامرة.. إن مكتوبات النور ورسائل النور تتحدَّى یی بشعاعاتِها المتوهِّجة من آيات القرآن الحكيم یی أولئك الماديِّين وأمثالهم من تياراتٍ انحدرت عقولهم نحو عيونهم، فتضربُ على رؤوسهم بصولجانات الحقائق من جانب، وتملأُ قلوبهم بفيوضاتٍ برّاقة من جانب آخر.
وبما مَنحَني أستاذي من قوة وجرأة رغمَ قُصورِي، أشاركُه الرأيَ بخصوص الإشارة إلى بعض النقاط المُهِمّة للأوجه التي تنظر إلى هذا العصر، والمتوجِّهة إلى المستقبل لذلك الفرقان الإلٰهي العظيم الذي يتوجَّه لا إلى ثمانية عشر ألف عالم فحسب، بل إلى ثمانية وعشرين ألفًا كما تفضل أستاذي الحبيب؛ كما أشاركه الرأيَ في تخطيط التوافقات الحاصلة في ألفاظ الجلالة بشكل مشاهد للجميع ولافتٍ للأنظار، وكذا إظهار التوافقات المشهودة في بعض الكلمات بحُلَّتِها الجميلة.
كما أُعلِن أنِّي على تمام الاستعدادِ لتقديم شتَّى أنواع التضحيات في سبيل كتابة مصحفٍ كهذا؛ وأُقرُّ خجلًا بأن هذا الأمر أدخلني في حالة روحية عامرة بالسرور من مفرِق رأسي حتى أخمص قدمي.
وأودُّ أن أضيف الأمر التالي: كنت أرغب بشدة أن أَخُطَّ بيدي مُصحَفًا شريفًا على النحو الذي يرغب به أستاذي الحبيب وأقدِّمه له، إلا أنني كنت أرى التريُّث وعدم التعجُّل، كي نُتيح الفرصة لإخوة آخرين لنيلِ هذا الشرف العظيم، لذا ما كنتُ ألِحُّ في قبول رغبتي.
أجل أستاذي الحبيب، قد آن الأوان بإذن الله، وقد بلغنا ذلك الوقت الموعود إن شاء الله.
— 96 —
إننا في زمن العزوف عن اللغة العربية قراءةً وكتابةً، لذا فإنني أعتقدُ أن قرار السلف الصالح المتعلِّقَ بعدم إضافة الحواشي للقرآن الكريم يختصُّ بعهدهم وزمانهم؛ وأن ترخيصَ العلماء المُتأخِّرين بالأمر لم يكن من جهة تعلم اللغة العربية.
وبناءً على هذا، فإن الحاجة لِما يفكِّر به أستاذي حول القرآن حاجةٌ ملحَّة، ولذا أرجو منه أن يضع هذا العمل في قائمة الأولويات ويقدِّمه في الوقت الحالي على كل شيء، لأنه يفتح الباب تجاه أمور خيرة عظيمة وحسنة؛ ويوافقني بهذه القناعة أخي لطفي أفندي الساعاتي.
رضي الله عنكم أبدًا أستاذي الحبيب، ووفَّقكم في كلِّ أعمال الخير.. وأحمدُ الله على عظيم نعمه وعلى فضلكم العميم عليَّ، وأقبِّل أيديَكم.
خسرو
٭٭٭
أيها الأستاذ..
إن رسائلكم المؤلَّفة لإبراز معاني القرآن، تكفي للدَّلالةِ والإقرارِ بعظيم أُستاذيَّتكم؛ فلقد بدَّدتَ برسائلك حُجُبَ الظلام ولوثةَ الغفلة المُخيِّمةَ على الإسلام، وأَبرَزتَ للعِيانِ حقائقَ ساطعةً برّاقة من وراءِ تلك الأستار الملطخة؛ فلم يذهب هباءً عزمُكم الذي لا يلين، ولم تَبق دون جدوى صلابتُكم التي لا تنثني، ولم يَضِع سُدًى سعيُكم المتواصل، بل لقد آتت أكُلَها بإذن الله.
لقد أجريتَ يَنبُوعًا دفّاقًا بماء الحياة في قلب الأناضول، (حاشية): لو كان لمسكين مثلي حصة (واحدٍ بالألف) ممّا تتصورونه من الثواب والشرف المترتِّب على العمل ضمن هذه الخدمة السامية، فإني أشكر الله تعالى وأحمدُه على تلك الحصة؛ أما المهارة والفضل فهما لأمثالكم ممَّن هبُّوا لمعاونتي في الخدمة بأقلامهم الألماسية. بما نشرتَه في رسائلك ومؤلَّفاتك من الحقائق المستقاةِ من بحر القرآن الحكيم: منبعِ تلك الرسائل
— 97 —
ومعدِنِها؛ وستُخلِّدُ تلك المؤلفات القيِّمة اسمَك بعد رحيلك من هذه الدار یی دار الامتحان یی إلى عوالم السعادة.
ويالَهَنائك بهؤلاء الطُّلّاب الذين تحبُّهم من صميم قلبك، والذين يتعاهدون هذا النَّبعَ الفيّاض الذي أجريتَ بكمال التقدير والإعجاب، ويتفانَوْن في الدفاع عنه وتبليغه وتلقين أحكامه، ويبذلون في سبيل ذلك ألوفَ الأرواح إن استدعى الأمر.
إنَّ لديك طلابًا شاكرين ممتنِّين بأرواحهم ومُهَجِهم لِما أَودَعتَ بين أيديهم من مفاتيحِ الأسرارِ القرآنية الكثيرة؛ فلْتَطمَئِنَّ رُوحُك في عالم الآخرة، ولْتَهْنَأْ بأعمالهم وإنجازاتهم المُبهِجة.
إن الفيض النوراني الذي تنشرونه اليوم يُغدِق على الناس الحقيقيِّين سرورًا غامرًا، ويُذكِّرُهم بوظيفتهم الحقيقية التي أُوكِلَت إليهم في الأرض.. فمن غير المُمكِن نكرانُ خدماتكم، وتضحياتكم الجسيمة.
أستاذي العزيز، أسأل الله أن يرفع شأن خدمتكم عاليًا (حاشية): إنني لا أشارك أخي في مشاعره هذه، فحسبُنا رضا الله تعالى، وما دام معنا فكل شيء إذًا معنا، وإلّا فإنَّ إقبالَ الدنيا كلِّها لا يساوي فلسًا.. إن تقدير الناس واستحسانهم في مثل هذه الأعمال وكذا الأعمال الأخروية: إن كانَ علةً أَبطَل العمل، وإن كان مرجِّحًا أَفسَد إخلاصَ العمل، وإن كان مشوِّقًا فإنَّه يُذهبُ صفاءَ العمل ويفوِّتُ نقاءَه؛ أمّا إن تفضَّل به الحق سبحانه إحسانًا منه یی دون طلب یی وإشارةً إلى قبول العمل، فهو مقبول ومستحسنٌ إن استُغلَّ في سبيل بيان تأثيره في الناس علمًا وعملًا، وإلى هذا يشير قولُه تعالى: وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ (سعيد ) ويجعلكم أعجوبة الزمان.
أستاذي المضحي، إن النصَّ الأدبيَّ الذي لا يستند إلى الدِّين، ويزيد أهل الغفلة غفلةً، بل ويوصلهم إلى حالة غريبة من السُّكْر، لا يُمكِن أن يُطرَد ويُدفَع بعيدًا إلا بمُؤلَّفاتكم القيِّمة وإرشاداتكم البليغة.. ولقد أثبتُّم بالدلائل العقلية والمنطقية أن الشعوب غيرَ المُتديِّنة لا يُمكِن أن ترقى لمستوى الإنسانية، بل لن تتمكَّن من إدراكِ معانيها حتى ترحل عن هذه الدنيا.
— 98 —
إن مؤلَّفاتكم القيِّمة جامعة عُليا، تنعكس فيها صفات روحكم السامية.
أستاذي الحبيب، كونوا مطمئني البال، فلن يذهب سعيكم سُدًى، ولن يمضيَ جهدُكم هباءً منثورًا، بل ستظلُّ مؤلَّفاتُكم حيّةً أبدًا، تتلقَّفُها الأيدي، وستؤدِّي دورَها في إسكات مُلحِدي العصرِ وصدِّهم، بل ربما تُدخِلُهم دائرةَ الإيمان.. أليس هذا ما ترجونه؟ أليست أمنيتكم وغايتكم تتمثَّلُ في إيقاظ الناس وإرشادهم إلى سبيل الإيمان؟
إن الأُدَباء المحرومين من الأدب، المُتَسوِّلين على فتات موائد الفلاسفة، سيجدون الأدبَ الحقَّ والأخلاق في رسائلكم بكلِّ تأكيد، وسيتحقَّقُ هذا حتمًا.. وأنتم بدَورِكم یی أستاذي الموقَّر یی أدَّيتُم خدمةً لا يمكن وصفُها تِجاهَ أُمّةٍ كبيرة شديدةِ الحاجة لمثل هذه الخدمة.
وستبقى هذه الأُمّة وأبناءُ هذا الوطن مَدِينين لكم إلى الأبد، وعاجزين عن الوفاء بحقِّكم، فأسألُ الله سبحانه أن يُكافِئَكم بما يليقُ بها، وأن يرضى عنكم وعن أمثالنا من الخُدّامِ العاجزين المُذنبِين في الدنيا والآخرة.. آمين.
صاحب لطفي
٭٭٭
(فقرة خسرو):
أستاذي الحبيب.. منذ أن تلقَّيتُ رسالتَكم وأنا أشعر بسعادة غامرة، فقد انتشَلَتني من حالة التفكير المرهق التي لازمتني ليلَ نهار رغم تفاهة الأمر وعدم أهمِّيَّته؛ فأحمد الله تعالى غايةَ الحمد، وأدعوه في الأوقاتِ الخمسة أن يجعلكم مظهرًا للألطاف الإلٰهية.
وزاد سعادتي أكثرَ وأكثرَ ما في الرسالة مِن بشارتكم بأنَّ الحقَّ سبحانه اصطفانا للتفرُّغ لخدمة القرآن.
أستاذي المحترم، إنني راضٍ كثيرًا عن حالتي، وما عُدتُّ أطيل التفكيرَ بشيء كما أمرتم؛ بل أصرفُ تفكيري إلى السَّعي الجادِّ لإتمام الكلمات من رسائل النور،
— 99 —
وتكثيرِ أعداد نُسخ الرسائل حتى يزداد عدد أصحابنا.. فالأمانةُ التي كُلِّفتُ بها لا تعتمد على شخصي ولا على شيء سوى قدرةِ الله تعالى ولُطفِه.
أستاذي الموقَّر، أقدِّم إليك "الكلمة الثانية والثلاثين" و"الكلمة السابعة والعشرين" بعد أن نسختُهما، وليتك تعلمُ مدى سروري حينما أطَّلِعُ على مشاعر أصحابنا وأحاسيسهم المدوَّنة في "المكتوب السابع والعشرين"، وبالسَّعادة التي يتمتَّع بها أفراد جماعة أو عائلة واحدة تربطهم ببعضهم حبالٌ معنوية موثَقةٌ ومتينة، لا حبالٌ مادية ضعيفة، ورابطة يرعاها أستاذنا، وإخواننا الكبارُ هم كُبَراؤُها، وإخواننا الصغار هم سائرُ أعضائها؛ ولي الحظوة والفخر بكوني أحدَ أفرادها.
وإنه لا يسعُنا وصف عظيم المِنّة التي أسبَغَها علينا الحقُّ سبحانه بأن جعلَكُم یی أستاذي الحبيب یی واسطةَ تلقِّي أنوارِ القرآن المُبين ونشرِها.
خسرو
٭٭٭
(فقرة صبري):
أستاذي المحترم..
أرسلتُ إليكم نُسخةً من المسألة السابعة من "المكتوب الثامن والعشرين"، والحقيقةُ أنَّها ظهرت في وقتها تمامًا، فكما أنها سيرة حياة رسائل النور ومكتوباتِ النور، هي كذلك بحُكمِ الحُجَج والبراهين القطعيّة لمُؤلَّفات النور؛ كما أنها أظهرت هذه المرّةَ للعِيان الكثيرَ من المشاعر والأحاسيس التي أُكنُّها في خَلَدي منذ ثلاث سنوات.
إن هذه المسألة وأمثالها من المسائل تكشفُ ما يشتمل عليه القرآنُ العظيمُ الشأنِ بقُدسيَّته وسموِّه ونورانيته من الألماس والجواهر المعنوية.. وثمّةَ حقيقةٌ يجب أن نعترف بها أيضًا: إن خزينة المجوهرات مهما كانت مليئة وغنية وتحوي ثروات
— 100 —
نفيسة، لا بد أن يكون دلّالُها وبائعها على دراية بأصول البيع والشراء، وإلا فلن يتمكَّن من عرضِ ما يملكه من الخزائن الثمينة وما فيها من الأمتعة القيِّمة أمام أنظار العالم.
وبناءً على ذلك: فإن دلّالَ القرآن الذي يقوم بوظيفة عرضِ الحقائق القرآنية للناس كافةً في خضمِّ هذا العصر المُضطرِب، ويدعو إليها منذ أربعين سنة لا ستِّ سنوات فحسبُ، ويتلو على مسامع أهل الاسلام الدستورَ الربّانيّ القائل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، وما زال يجهر بهذا النداء العُلويّ، قد جعل الأُمّةَ المحمَّدية مرتَهَنةً بالشكر على هذه الأنوار الإيمانية التي هم بحاجة إليها.
صبري
٭٭٭
(فقرة صبري):
الأستاذ المحترم.. أقدِّم إليكم هذه المرة الأصول والنُّسخ للذيل الثاني للمكتوب السابع والعشرين، والمسألة الخامسة والسادسة من المكتوب الثامن والعشرين.
أدركتُ جيِّدًا كم كان قرار تأليف "المكتوب السابع والعشرين" وتصنيفه وترتيبه قرارًا صائبًا؛ فليس الغرضُ من تأليف هذا المكتوب التعريفَ بأصحاب الرسائل وإشهارَهم، فجميعُ هؤلاء على مستوياتهم المتنوِّعة والمتفاوتة من الفهم والدِّراية لم يجاوزوا درجةَ واحدٍ بالمئة من كشفِ خصائص الأنوارِ واقتناص فوائدها، وإنَّما حاولوا تقليدَ "الكلمات" الصادرة من دلَّال القرآن.. الأمرُ الذي يُضفي على هذا المكتوب حسنًا وجمالًا أكثر.
وبعضُ من لم يَرَوا بحرَ النور بعدُ كانوا يسألونني بلهفة: ما هي أنواع العلاجات التي تعتمدونها في صيدلية النور؟ وما هي موضوعاتها الأصلية؟ فكنتُ في السابق أُضطرُّ للإجابة على هذا السؤال بعرضِ رسائل النور واحدةً تلوَ الأخرى على حَسَب الطاقة، أو إلى التحدُّثِ عنها بما تبلغه مدارِكي ومستوياتُ فهمي؛ أما الآن فصِرتُ مُستعِدًّا
— 101 —
للحديثِ عن موضوعات رسائل النور بدرجةِ عشَرةٍ بالمئة، وذلك من خلال تقديمِ "المكتوب السابع والعشرين" الأشبهِ بفِهرسِ رسائل النور، أو من خلال التحدُّث عنه، فأتمكَّن بذلك من تبليغ مقاصدي الكليّة والجُزئية.
لقد أُشهِرَ "المكتوب السابع والعشرون" بعد صدور أكثر أقسام النور وإتمام تأليفها، فكأنه مسدَّسُ إعلان البدء، أُطلِق بين جنود بحر النور معلنًا بدءَ السِّباق، ليُظهر كلٌّ منهم مدى مهارته في مَعرِض النور.
صبري
٭٭٭
(فقرة صبري):
أيها الأستاذ، أبارك عيدكم عيد الفطر السعيد، وأُقبِّل أيديَكم الكريمة بهذه المناسبة.
سيدي، وصلني من فيض إحسانكم العميم أمسِ الجمعةَ: القسم الثالث من "المكتوب التاسع والعشرين"، في الوقت الذي كانت روحي العاجزة المغتذية بالأنوار في كلِّ حين تتهيَّأ لتلقِّي غذائها النوريّ كالمعتاد، فزادني ذلك شرفًا وسعادةً وامتنانًا.
ومع أنَّ هذا المؤلَّفَ القيِّم ذا المعاني الغزيرة حلَّ ضيفًا عليَّ لمُدّة ساعةٍ فقط، ومع أنَّ اطِّلاعي عليه لا يعدو نظرةً عابرة، إذ تلقَّفَه عبدُ الله وغادرَ من فَورِه.. إلا أنَّ لساني يقفُ عاجزًا عن التعبير عن المعاني الجميلة والنقوش القيِّمة التي ترَكَها في ذاكرتي على مدار أسبوع كامل.
ولا يسعني إلا أن أقول: إن هذا السِّفر النفيس السّامي، والمستنَدَ البرهاني الشهودي، تضمَّن وسائلَ الإثبات كافة، فكأنما اجتمعت فيه إعجازاتُ سائر رسائل النور، وعموم المكتوبات النُّوريّة الشبيهة بالشمس، وجملةُ كراماتها التي حيَّرت
— 102 —
العالم، وجميع مزايا المؤلفات النورانية السابقة ومحاسنها التي نالت استحسان الجميع وحظيت بتقديرِهم، باعتراف الصديق والعدو.
بل يمكنني القول: كلما رأيت إحدى رسائل النور استشعرتُ تذوُّقًا حقيقيًّا وسرورًا أبديًّا كهذا أو أكثر، وباعتقادي أنَّ أهل الإيمان يعدُّون هذه الأحاسيس والمشاهدات العجيبة إعجازًا خاصًّا وكرامة مخصوصة بالأنوار.
وأمّا القرآن الكريم الذي تقرَّر تحريرُه لإظهار التوافقات والتفسيرات، فسيتلقّاه عموم أهل الإيمان والتوحيد بلهفة عارمة وتوقير تامٍّ؛ وفي تقديري أن الكثيرين سيسعون في نهاية عمرهم لتعلُّم القراءة مجدَّدًا وبغاية الشوق واللهفة.
أتمنى من أعماق روحي المزيدَ من هذه المؤلَّفات الجليلة، وأرجو الله سبحانه أن يكتب لكم التوفيق والنجاح سيدي.
الباقي هو الباقي
الحافظ صبري
٭٭٭
(فقرة صبري):
أستاذي وسيدي رفيع القدر..
أغتنم وقتي خلال هاتين الليلتين في الاجتهاد بنَسخِ القسم الأول من المكتوب التاسع والعشرين، وها أنا أقدم نسختي التي كتبتُها لعلي أفندي وأعيد النسخة الأصلية لأستاذي الجليل.
منذ شهر وأرواحنا مُكتئِبة ومُلتهِبة كالعشب المُعرَّض للنيران، وبدأنا نُراسل الكثير من الأصحاب بغية التشاور والتواصل حول الطريق الذي سنسلكه في هذه المسألة؛ وباعتباري أقربَ من حولَ أستاذي العزيز في هذه المناطق، كنتُ قد عزمتُ أن أعرض بعضها شفهيًّا أو كتابيًّا، وإذا بالجواب الشافي يأتي في كل جملة من الجمل
— 103 —
القرآنية الواردة في القسم المذكور، الذي يزيد الكلمة السابعة والعشرين وضوحًا، والتي هي بدورها جوابٌ شافٍ وإكسيرٌ نافع لمثل هذه البلايا والمصائب.
تضمَّن القسم الأول بجمله القصيرة ما لا يتناهى من معاني الحقائق، ويصدق عليه وصفُ البحر المحيط!
ومن جهة أخرى فإن نكاتِه "الخامسة والثامنة والتاسعة" ألجَمَت أفواه الشياطين ذوي العقول المتحجِّرة من محبِّي الفلسفة المُفلِسين، وألزَمَتهم الحُجّة وأسقَطَتهم، وأنارت أرواحَنا وبثَّت فيها السعادة والسلوان.
أستاذي العزيز، يعلم الجميع أن القرآن العظيم خزينةُ رحمة إلٰهية غنية، لذا أودُّ أن أُشبِّه من ينتقي شتَّى أنواع الألماس والعقيق من تلك الخزينة القدسية ويهبُها للجميع وبخاصّة لنا نحن المحتاجين، ومن كان له دورٌ في تأليفِ أغلب "كليات رسائل النور"، وأعني الأستاذ الثاني "خلوصي أفندي"، أودُّ ان أُشبِّهه یی إن جاز التعبير یی بمِفَكِّ الساعاتيّ الذي يُشبهُ النَّجمَ، ويحملُ ثمانية أو عشَرةَ رؤوس، فيُحرِّك برُؤوسِه المُتعدِّدة جميع أنواع ساعاتِ العالم، ويقومُ بتشغيلها.
وإنَّ خلوصي أفندي إذ يطلب من القرآن ومن دلّال القرآن الكثيرَ من المسائل الحقيقية المُهِمّة ممّا لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت، يُشبِهُ بصنيعه هذا مِفَكَّ الساعاتي.
كما أن الحارس الفريد في هذا العصر لتلك الخزينة المعنوية الخاصة، عندما يحتفي بهذا السّائلِ القيِّم ويُكرِمه بموائدَ معنوية قرآنية ثمينة تمنح الروح غذاءً كاملًا، فإنني یی أنا العبد الفقير مع عدم كفاءتي واستحقاقي یی أنالُ حظًّا من تلك الأغذية الروحية دون البحث عنها.. لذا أشعر أني مدينٌ بالشكر والفضل لمن جاد بتلك الموائد، ولمن أحضرها، ولمن طلبها.
في رسالته الجليلة التي تلقَّيتُها مؤخَّرًا يقول لي مُتفضِّلًا: "لمَ يستاءُ من عدمِ مراسلتي له، وأنا أَعدُّه دائمًا معي؟!"، فعاتبتُ قلبي وروحي بهذا الخصوص، فتلقَّيت
— 104 —
من رُوحي الجوابَ المُحقَّ التالي: "معذرةً ألفَ مرّة! لقد كُنّا كالأموات، فأعادَنا إلى الحياة من جديد، فليس من حقِّنا الاستياءُ بأيِّ شكل؛ بل نحن المدينون لكم بالشكر، ولذا ندعو لكم باستمرار، ونعدُّ ذلك وظيفةً ومسؤولية".
الحافظ صبري
٭٭٭
(فقرة خلوصي بك):
الأستاذ المحترم.. تلقَّيتُ منكم مؤخَّرًا بكمال الشكر والحمد:
یی رسالتكم المتضمِّنة لنِكاتِ "المكتوب التاسع والعشرين" من الرابعة حتى التاسعة.
یی وخاتمة المسألة السابعة للمكتوب الثامن والعشرين، التي تبيِّنُ سرَّ العناية العظيمة.
یی والقسم الثاني من "المكتوب التاسع والعشرين" الذي يبيِّن الحِكَم الرمضانية بشكل إعجازيّ.
یی وخاتم الإعجاز المنوَّر.
فقرأتها مرّاتٍ عدّةً بغاية الشوق وكمال اللَّذّة والتذوُّق المعنوي، إلا أنني لم أتمكَّن من تحرير جوابٍ لرسالتكم؛ لكن في هذا اليوم المبارك یی يوم الجمعة یی كتبتُ هذه الوُريقة أعرضُ فيها باختصارٍ أحاسيسي القلبية، وما تلقَّيتُه من هذه الأنوار من فيوضاتٍ وسُلوان.
أولًا: تُثبت نِكاتُ "المكتوب التاسع والعشرين" السِّتُّ لمن له من الإيمان أدنى نصيبٍ عدمَ إمكانِ الترجمة الحقيقية للقرآن الكريم، وهي بمثابة ذيل للبراهين التي تضمَّنتها "الكلمة الخامسة والعشرون".
— 105 —
وفضلًا عن تعريفكم الشعائر الإسلامية بأسلوب جميل ودفاعكم عنها، فإنكم تُوجِّهُون صَفَعاتٍ معنويّةً شديدة لعُلَماء السُّوء؛ وتسوقون في الختام الآية الكريمة: لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ تأسِّيًا ببلاغة القرآن، ولفتًا للأنظار إلى إعجازه وإيجازه، وتوجيهًا للعقول بأن الحقائق الواردة في المكتوب نابعةٌ من القرآن الحكيم.
وعند مطالعتي یی أنا طالبكم المسكين الدّاعي لكم على الدوام یی للأنوار التي تؤلِّفونها وتُرسلونها، أجد نفسي حائرًا بين تأثيرٍ سلبي وآخرَ إيجابي! إذ ليس بإمكاني تأديةُ وظيفتي المعنوية كما يلزمُ، ولا نشرُ هذه المُؤلَّفات إلا بين أشخاصٍ قلائلَ وفي نطاق ضيِّق، مع أنها مؤلَّفاتٌ نورانية شافية، وبلسمٌ ناجعٌ للجراح الناتجة في هذا الزمان عن تزايدِ الضلالة يومًا بعد يوم، والاعتداء الجائر على الأحكام الإسلامية بشكل غادر، بدءًا من السُّنّة النبوية وانتهاءً بالقرآن الحكيم! كلُّ ذلك ممّا يزيد حزني وألمي، لكن لا أجد سبيلًا سوى إبقاء هذه المؤلَّفات منحصرةً بين أشخاص معدودين، والالتجاء إلى الله سبحانه أن تقوِّيَ إيمانهم وتبعث الأملَ فيهم.
أجل، إنَّ من أنعم النظرَ في قصرِ العالم هذا، أيقنَ بل عاينَ بكلِّ وضوح مدى اقترابه تدريجيًّا من نهايته؛ فها نحن نلاحظُ في كل ساعة سقوطَ لَبِنة من سقفِه وطينة من جداره، بل نشهدُ حتى تناقُصَ ضيائه وتساقُط نجومه.
فما من شكٍّ أنَّ قَصرَ الضِّيافة هذا آيلٌ إلى التهدُّم والفناء لا كما يظنُّ البعضُ، بل باعتقادي أنَّ الضعف الذي يعتري البشرَ وخاصةً المسلمين منهم، وتزايُدَه باطِّرادٍ يُعجِّل هذه النهاية؛ غير أنَّنا مكلَّفون بالخدمة دون النَّظر إلى النتيجة وفقَ ما تعلَّمناه منكم، فما علينا سوى الالتجاء إلى الحضرة الإلٰهية وملازمة الدعاء والتضرع والتزام الصبر والاستكانة دون أن نقطعَ آمالَنا، مع الاعتقاد الجازم أن خالقنا الذي أحاط بكل شيءٍ علمُه ولا منتهى لقُدرتِه، يخلق الخير ويحقِّق المراد بأمره وبإذنه.
— 106 —
وليس تأليفُ خاتمة المسألة السابعة للمكتوب الثامن والعشرين، إلّا بقَصدِ إزالة شتَّى أشكال الشكوك والأوهام الواردة أو المُحتَمِلة الوُرود حولَ الإشارات الغيبيّة.
وأمّا عنِّي یی أنا تلميذكم المُصدِّق یی فلستُ أحمل في نفسي بحمد الله سوى التصديق التامِّ بما أشارت إليه مُؤلَّفاتكم من الحقائق ودلَّت عليه من المعاني، ولستُ أملكُ سوى التضحية بالغالي والنفيس في سبيل تلك المعاني السّامية.. ولم لا وأستاذي العزيز لا يكتفي بإظهار الجواهر القرآنية لنفسه فقط؟! بل يعرِضُها لمن يحتاجها قائلًا: شاهدوا بأنفُسِكم واستفيدوا، وشارِكوا في إظهارها للمحتاجين والمشتاقين وإيصالِها للمُتحيِّرين. فأُجيبُكم: على الرأس والعين، سمعًا وطاعة. وأحمل في نفسي الرغبة والهمّةَ للسَّعي في سبيل الخدمة بقدر استطاعتي، متوكِّلًا على الله تعالى.
وبناءً على ما تقدَّم: فإنَّ البياناتِ المعرُوضةَ بما تحتوي عليه من الدلائل والحُجج المُقنِعة بخصوص التَّوافقات الغيبية جاءت في محلِّها، ولا بُدَّ من لزومها والحاجة إليها في الحال أو المُستقبل، وليست أمرًا زائدًا عن الحاجة؛ ويُفهَمُ ذلك جليًّا من المثال الوارد فيها.
هل يمكن القياسُ بين تفسيرٍ أُلِّف بتدرُّج وأناة، وجُمِعَت مادَّتُه ورُتِّبت بسَعيِ سنواتٍ طويلة، ووُضِعت تَوافُقاتُه ومُوازَناتُه في مواضعها بغاية الاهتمام والعناية، وذلك بعد جهودٍ ومحاولاتٍ عديدة، مع مراعاة السِّباق والسِّياق في قواعد التفسير.. وبين الموازنات والتوافُقات الغيبية الواردة في مُؤلَّفات نورانية نبَعَت وفاضت ولمَعَت من القرآن، وخاطبت البَشَر والمسلمين في هذا العصر؟ كلّا لا يمكن ذلك.
یی فقرة "أحمد غالب بك" المذكورة في الخاتمة جميلة، وقد زادها جمالًا نسبتُها إلى القرآن الكريم وإلى لمعات مخزن الأسرار الإلٰهية: "الكلمات" ورشحاته.. أسأل الله أن يزيد من أمثال هؤلاء الإخوة، ويكتب للجميع یی ومعهم هذا العبد الفقير المذنب یی التوفيق والنجاح في هذا العمل.
القسم الثاني للمكتوب التاسع والعشرين بُيِّنت فيه تسعُ نِكاتٍ رمضانية بشكل رائع وفريد، ومن منظور قرآني خاصّ.. فرضي الله عن أستاذنا الحبيب أبدًا، ولقد
— 107 —
شهدنا هاهنا من الاهتمام بشهر رمضان الشريف في هذا العام ما لم نشهده في السنوات السابقة، وبدا ذلك بشكل جليّ.
كنا نتمنَّى وصولَ هذا المؤلَّف السّامي إلينا في هذا العام قبل رمضان، وأنتم تعلمون جيِّدًا أن سيِّد المرسلين ونور الوجود سيِّدنا ونبيَّنا (ص) قال: «الدِّينُ النَّصِيحةُ» ، إذًا لَكُنّا أطعنا حينها هذا الأمر النبويَّ الجليل في وقته المناسب بقراءة هذا المؤلف لمن حولنا من إخواننا الذين يحزنني قلة عددهم، إلا أنَّ بُعدَنا الماديَّ هو سببُ حرماننا من هذا الشرف العظيم.
وما دام ابتداءُ نزول القرآن في شهر رمضان، فمن المناسب جدًّا في هذا العصر وفي هذا الزمان كتابةُ مؤلَّفاتٍ حول حِكَم تلك الآيات الكريمة في هذا الشهر.. نسأل الحقَّ سبحانه أن يشرِّفنا جميعًا بخيراتها وكثرة أمثالها.
عرَّفني ختم الإعجاز بإخواننا الأجلاء في الخدمة القرآنية، وذكَّرني بالبيت النوراني الجميل الآتي:
مرآة هذا العالم، كلُّ شيءٍ بالحق قائم
مرآة محمد يُرى منها سبحانه بشكل دائم
(حاشية): توافق لطيف: أن يذكر خلوصي الأول وصبري أفندي حامل لقب "خلوصي الثاني" هذه الفقرة نفسَها في رسالتيهما الموجهتين إلي رغم تباعد مكانيهما كثيرًا.
وجعلني أنطق بالبيت التالي:
مرآةٌ هذا الختم.. بالصدقِ الكلُّ خادم
مرآة الأستاذ يُرى.. منها القرآن بشكلٍ دائم
رضي الله عنهم أجمعين؛ وأُحِيلُ إلى فضيلتكم تقويمَ هذا البيت، مع توقيعي في الزاوية الفارغة من هذه المرآة المباركة.
خلوصي
٭٭٭
— 108 —
(فقرة المقدَّم عاصم بك حول كلمات رسائل النور):
منزَّه من الشؤونات، كلُّها إلهام إلٰهي..
يملأُ الوجدان نورًا قراءةُ سِفرِها اللامتناهي..
منزَّه من الرياء والكبر وشتى أشكال المعاصي..
نورٌ مفرِح نابع من الكلام الأزلي..
لو تعلم بأي وجدٍ فهمت هذه المؤلفات
وهذه الأفكار النورانية واللاهوتية كهذه الآيات
هل المنجلي هي المآثر؟ أم الأثر؟ أم المُؤثِّر؟
أم أنه سرٌّ عجيب لمع كالبرق من ثُريّا إلٓهي؟
لا يمكن الحديث عن أخباره عن سر الوحدة..
أيها البشر الغافل، انظر إلى نفسك واعرف ما هذه الأشياء..
كل الكون مندهش من الأحداث العجيبة التي مرَّت عليه..
يذكر الكريم اسمك، اسمك الجليل بكمال الإجلال..
عاصم
٭٭٭
(فقرة خلوصي بك):
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته بعدد حروف رسالة النور ومكتوبات النور ألف أمثالها.
الأستاذ المحترم.. تلقَّيتُ الأسبوعَ الفائت بكمال الشوق واللهفة مؤلَّفَيكم الجليلَينِ: المسألة الخامسة والسادسة من المكتوب الثامن والعشرين، وأحدهما يتحدَّثُ عن الشُّكر، والآخر جوابٌ على سؤال الحرم الشريف؛ وقد طالَعتُهما بمنتهة الأذواقِ.
— 109 —
لقد كنتُ في حالة يُرثى له من شدّة الظَّمأِ المعنويّ، بلَغَت من العجز التام درجةً كَلَّ معها نظري وقَصُرت يداي وخارت قواي عن إرواءِ هذا الظمأ، لكنِّي لم أقطع الأمل من رحمة الرحمٰن الرحيم، الذي أَروَى ظَمَئِي المعنويَّ بواسطة أستاذي المبجَّل، فحمدتُ الله وشكرتُه مئاتِ آلافِ المرّات.
بدأت باسمِ الله مطالعةَ "رسالة الشكر" ذاتِ المعاني العميقة والمذاق الحاليْ واللذيذ، وأمامَ الإحسان والإنعام الذي تلقَّيتُه تحت مسمى الأنوار هتفتُ: "الحمد لله، الله أكبر!" اعترافًا بفضلِ الخالق الكريم والمنعم الحكيم والرزَّاق الرحيم، صاحب الإنعام اللامحدود جلَّ جلالُه.
إن في كلماتكم المباركة فيوضاتٍ قدسيةً أيَّما فيوضات! فكأنكم تأخذون بيدِ طالبكم وبِيَد كلِّ من يطالعها أو يستمع إليها باهتمام، وتقولون له: تأمَّلْ.. هذا يدلُّ على ذاك المعنى.. وذاك يتضمن كذا.. وتلك هي الغايات والمقاصد والحِكم من هذا.. هيّا نرقَ إلى العُلا ونتقدَّمْ أكثر.. فتطوفُ به من منبعٍ إلى آخر، ومن السَّفح إلى القمة، ومن الأثر إلى الطريق، ومن الحقيقة إلى المعرفة.. فكنتُ أتجوَّل وأسيح وأزور تلك الأماكن، فأحظى بالفائدة وأنال الفيضَ منكم.
سِرتُ صحبتَكم في هذه المرةَ إلى منبع نهر الشكر، وإلى ذروة جبل الشكر، وفي درب عصر الشكر، وإلى المعرفة من خلال الحقيقة التي تضمَّنَها الشكر المطلق؛ وفي النهاية كما في البداية توردون هذه الفقرة:
"دَرْ طريقِ عَجْزَ مَنْدِي لازمْ آمَدْ چارِ چِيزْ:
فقرِ مُطْلَقْ، عجزِ مُطْلَقْ، شُكْرِ مُطْلَقْ، شوقِ مُطْلَقْ؛ أَيْ عَزيز"
وأقابلُ ذلك بالقول: فهمت وصدَّقت.
وتُنهون هذه السياحة القدسية بالدعاء والصلوات.
لقد اجترأ طالبُكم هذا العاجز المحتاجُ، مُستغِلًّا شفقَتَكم الرفيعة، فلَفَت انتباه
— 110 —
أُستاذِه إلى جانبٍ آخر، وتجرَّأ أن يسأل سؤالًا، فألَّفتم لسؤاله المسألة السادسة من المكتوب الثامن والعشرين، وكأنكم بذلك تُخاطبونه قائلين: تعالَ معي لِندخلَ الحرم الشريف، وأتحدَّث لك عن وضعه الحاليِّ وأسبابه.
فقرأتُ المسألة بتمامها، وأفدتُ منها الكثيرَ.. رضي الله عنكم.
خلوصي
٭٭٭
(فقرة خلوصي بك):
تلقَّيتُ هذه المرةَ بلطف الله وعنايته المسألة السابعة من المكتوب الثامن والعشرين، وقرأتها مرّاتٍ عدة بكمال التوقير والإجلال، كما قرأتُها مرةً لطالبكم الجديد الحافظ عمر أفندي، ومرةً أخرى لوالدي، وثالثةً لإبراهيم أفندي أحدِ أساتذتي القدامى، ولصديقٍ لنا أيضًا، كما قرأتُها لفتحي بك.. وسأعيد قراءتها وإقراءَها إن شاء الله.
لقد وضعتُم بهذه الرسالة البلسمَ الناجع والرائع على الجراح المعنويّة المُتولِّدة في قلوب المستمعين إليها یی وفي مقدِّمتهم هذا المسكين یی من جرّاء الحوادث الأخيرة.
وبتذكيركم بالآية الجليلة: لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تزفُّون بشرى عظيمة لنا بی"إنَّكم إن قابلتُم هذه الآلام بالتمسُّك بالصبر الحقيقي، والتجأتُم إلى لُطف الله وروحانيّة الرسول الأكرمِ (ص)، وإلى إعجاز القرآن العظيم الشَّأنِ الباقي من يوم نزولِه إلى قيام الساعة، ستكونون قريبًا مظهرًا لمستقبل مزدهرٍ إن شاء الله".
أسأل الله ذا الجلال والإكرام بحرمة إعجازِ القرآن الذي منَّ على أُستاذِنا الموقَّر ببيانه لهذه الأمة المسكينة أن يرضى عنه رضاءً أبديًّا، وأن يُعجِّل بتحقيقِ جميعِ ما يصبو إليه من الآمال في خدمة القرآن، وأن يكتب لجميع المؤمنين التوفيقَ وسلامة الإيمان.. آمين.
— 111 —
قبل أن أتلقَّى المسألة السابعة من المكتوب الثامن والعشرين كنت أقول للأشخاص غيرِ المُهتمِّين بی"الكلمات" المباركة بأن أستاذنا منذ ستِّ أو سبع سنوات يكرِّر باستمرار قولَه: «لقد هُدِمَت أسوارُ القرآن.. جميع الهَجَمات تُوجَّه إلى القرآن.. الزمان زمان إنقاذ الإيمان.. » ، وإن بيانه هذا تتأكَّدُ صِحَّتُه يومًا بعد يوم من خلال حوادثَ كثيرة يصدِّقها كلُّ مؤمن ذي بصرٍ وبصيرة.
وقد جاء هذا المكتوب يُثبتُ صدقَ طالبكم المسكين في تبليغ أوامر أستاذه، كما يطرحُ جملةً من المسائل الكثيرة التي بيَّنتُها لكم مقدَّمًا والتي خطرت في ذهني یی بل نطق بها لساني یی قبل تلقِّي المكتوبات! وإنني أَعُدُّ هذا الأمرَ من الإعجاز القرآني دون شكٍّ، وأمّا من جهة التَّوافُقات فإن النسخة التي لديَّ فيها انسجامٌ تامٌّ؛ أجل؛ إن العناية الإلٰهية تظهر جليًّا من جميع الجوانب.
أستاذي المحترم.. أدركتُ يقينًا وبرحمة إلٰهية حقيقةً أخرى، وهي: أن الدرس الذي علَّمتَني إياه حين حظيتُ بشرفِ لقائك لأوَّل مرة يُشعِرني بوجوده في جميع الرسائل والمكتوبات، لكن ثمّةَ فرقٌ واحد فقط، وهو أن الحقائق المجملة المذكورة في ذلك الدرس قد ورَدَت في الدروس الأخرى مبيَّنة بشكلٍ واضح ومفصَّل، ما يعني أنَّ من اتَّخذ الإيمان والقرآن أساسًا ومنهاجًا، فإنه يؤسِّسُ يَنبُوعَ فيضٍ دائم ومَعِينَ نور سرمديّ وخزينة قدسٍ أبديّ وحصنَ قلعةٍ إلٰهية.
أجل؛ إنَّ نبيَّنا الأفخمَ وسببَ خلق العالمين (ص)، بعدَ أن بلَّغ رِسالتَه وأدَّى وظيفتَه حقَّ الأداء، ورَحَل بأمرٍ إلٰهيٍّ ليُشرِّفَ عالمَ البقاء؛ ترك لنُزّالِ هذا المَضِيف الذين يملؤونه ويُفرِغُونه، ويُبعثون فيه ويَفنَوْن، ويأتون إليه ويرحلون، وعلى وجه الخصوص: الإنس والجن، وإلى حينِ إغلاقه.. ترك لهم هديةً قيِّمة ودليلًا باهرًا ومرشدًا قُدسيًّا، هو القرآن الكريم.
حتى باتت كبرياتُ الشخصيات التي أظهرتها العصورُ المُتعاقبة حتى عصرنا هذا يَحُلُّون جميع مشكلاتهم بالقرآن، ويجدون ما يبحثون عنه في القرآن.. إلخ.
— 112 —
وكذلك اليوم في عصر البدعة والضلالة، أظهَرَت "الكلمات" و"المكتوبات" إعجازَ القرآن الحكيم الأزليَّ، وجعلت الرحمةُ الإلٰهية أستاذَنا المحترم موظَّفًا وواسطةً في هذا العمل العظيم، وهو يليق بذلك ويستحقُّه.. وإنَّ من اللُّطف الإلٰهي بي أن آمنتُ بهذه الحقيقة في أوَّل درسٍ من دروسه، وغَدَت بعدها الدُّروسُ النورانية وسيلةً لتقوية إيماني، وما زلتُ على ذلك.. الحمد لله، هذا من فضل ربي!
أستاذي العزيز المحترم..
يقولون: الدنيا سجن المؤمن.. وها هي الأنوار التي نِلتُم شرفَ نشرِها وإظهارها وبيانِها قد أضاءت دنيانا المظلمة، وعلَّمَتنا حقيقةَ الخَلْق؛ ودرَّسَتنا معرفةَ الحياة الباقية الدائمة السرمدية؛ تُرى كيف كانت حالي لولا هذه الأنوار؟! وماذا كنت سأصنع لو لم أَهتَدِ إليها؟! فلو لم أَسْعَ قدرَ الطاقة والإمكانِ في نشر الأنوار، لكانت المعاصي كلَّ مكاسبي، فبأيِّ وجه أسوَدَ وحالٍ مضطربة كنتُ سأقابل ربي؟! الحمد لله، ثم الحمد لله.
غايةُ أملي ورجائي أن أنال الرحمة الإلٰهية، بصادق نيَّتي وشرفِ خدمتي المتواضعة للقرآن، وببركة دعائكم إن شاء الله.
خلوصي
٭٭٭
(فقرة صبري):
باسمه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
سيدي، كما لا يمكن أن نميِّز نورًا عن آخَر، كذلك طلابُ بحر النور المنوَّرين أينما كانوا كلُّهم يحملون غاية واحدة، ويجمعُهم تفكير واحد، ولا ينافس أحدٌ منهم الآخر، ويُباهي كلٌّ منهم بسجايا أو خصالِ صاحبه ويفتخر بها، ويفضِّل كلُّ واحد
— 113 —
رفيقه على نفسه في الإخلاص والوفاء، ويظهرون بالحال والقال والفِعال الاتحادَ والتساند الحقيقي المشروع اللذين هما العلامة الفارقة والمميِّزة للوحدة، والتي هي بدورها جلُّ أملهم وغايةُ مقصدهم.
وحالهم هذه علامة واضحة على التوفيق والنجاح دون شكٍّ أو ريب.
طالبكم: خ.ث
٭٭٭
(فقرة رأفت بك):
سيدي وأستاذي العزيز المحترم..
آخر "كلمة" نشرتَها ترَكَت في نفس العبد الفقير انطباعًا قويًّا وتأثيرًا عميقًا ولم أعرف السَّببَ.. وجدتُ فضيلتك في تلك "الكلمة" مُغضَبًا جدًّا، ورأيتُ قلمًا يُفرغُ حُمَمًا تنفُثُ جميع آلامكم، فشعرت بنشوة الحقائق التي فيها وفُتِنت بها، فطفقتُ أقرؤُها وأُطالعُها لساعات طويلة.
وبعد اليوم لم يَعُد باستطاعتي تفضيل "كلمة" على أخرى، فحينما أصفُ إحدى كلمات الأنوار بأنها مهمةٌ، أجد الأخرى أكثرَ أهمِّيةً، وتَبْرُزُ الأخرى قائلةً: أنا ذاتُ أهمِّية أكبر. فهي أَشبَهُ بالنجوم المُتدلِّية من السماء، رغم اختلافها في اللَّمَعان والبريق إلا أنَّها كلَّها نجوم تستمدُّ أنوارها من مشكاة واحدة، فلا يختلف وصف نجم عن الآخر؛ وكذلك حال كلماتكم تمامًا، فلو أني قرأتُ إحداها مئة مرة، فسأجدُ في قراءتي التي تلي المئة ذوقًا معنويًّا عظيمًا، كأنِّي لم أقرأها من قبل، وهذا دليلٌ باهرٌ على رفعتها وسموِّها.
أعلم جيدًا أني مهما كتبت في هذا الشأن فسيظلُّ ما أكتبُه قاصرًا عن أداء حقِّ الكلمات، لذا أختصر كلامي عند هذا الحدِّ.
رأفت
٭٭٭
— 114 —
(فقرة لمسعود أفندي):
أستاذي المحترم.. منذ بلوغي سنَّ التكليف حتى اليوم، كان عقلي الأخروي وإيماني مسجونَينِ في أعماق صندوق مقفل، مصنوع من درع الشيطان اللعين، ويرزح تحت تضييقه الدائم، لكن بفضل دعائكم، وببركة حُسنِ ظنِّكم بي، وبأَثرِ نصائحكم القيِّمة، حطَّمتُم هذا الصندوق الشيطانيَّ المدَّرع على مدى سبعة أعوام، واستخرجتُم إيماني وأعدتُموه إليَّ مُجدَّدًا..
ويمكنُني إثباتُ استعادتي له بالأمر التالي: في ثالث أيّام شهر رمضان الشريف كنت في زيارة لكم، وتفضَّلتُم حينها بالدعاء، وبعد مفارقة أستاذي أراني الحقِّ سبحانه رؤيا سبق أن تحدَّثتُ بها إليكم، وفسَّرتُها على النحو التالي: لو أنني لم أَسلُك ذلك النهر المُمتدَّ من الفجر حتى العصر، أي: لم أتلقَّ الدعاء في وقت الفجر، لكنتُ اليوم أشبهَ بذلك الرجل الذي يحمل السَّلّة ويمشي أمامي، ولكنتُ سأهوي إلى دَرَك الغواية؛ رغم أنني كنتُ على حافةِ ذلك البئر المرعب، إلا أنني لم أُستدرَج إلى الداخل بفضل ذلك الدعاء المؤثِّر.
وفي طريق العودة وجدتُ الناس يسلكون طريقًا واسعًا، إلا أنهم مُتزاحمون ويعانون شدّة ومشقّةً في المرور، أمّا نحن فكنَّا في موضع مُظلَّل، ننظر إليهم دون أن نُعانيَ تلك المشقّة.. وما ذلك إلا بفضل إجابة دعاء أستاذي، وبتأثير "الكلمات" التي لا تُقاوَم.
مُقابلَ هذا الأمر عزمتُ أن أقدِّم خدمةً على نهج أستاذي، لكن أنَّى لي بمثل ذلك! فالخدمة التي أقوم بها فرديّةٌ وغير كافيةٍ، وهي منحصرةٌ في منافعي الأُخروية، فلأجل ذلك أدعو الفياض المُطلَق سبحانه بهذا الدعاءِ الذي جعلتُه وردًا لي أُكرِّره في الأوقات الخمسة:
"يا ربِّ يا ربِّ، إنَّ أُستاذي الأكرمَ قد أَنقَذ إيماني الحبيسَ في صندوقٍ فُولاذيٍّ مُقفلٍ من قِبَل الشيطان اللعين منذ سبع وعشرين سنةً، فكَسَر ذلك الصندوقَ بمِطرقة
— 115 —
كبيرة وأطلق إيماني؛ ونجح أستاذي الجليلُ مفسِّرُ القرآن وآخِرُ المُصنِّفين "سعيدٌ النُّورْسِيّ" بإنقاذي من السقوط في دَرَك الغواية يومَ الحشر، كي أنال شرفَ الانضمام في سلك خدمةِ نشر لَمَعات القرآن الحكيم: "رسائل النور"، تمامًا كما أَريتَني في المنام.. فاللَّهُمَّ يا ربِّ يا أرحم الرحمين، اجعلني يوم الحشر من حَمَلة اللواء، والحمد لله رب العالمين".
ختامًا: وأرجو أن تقبلوني في حمَلة لوائكم، وأُقبِّل أيديَكم وأرجلَكم.
محمد مسعود
٭٭٭
(فقرة أحمد خسرو):
باسمه سبحانه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أبدًا دائمًا..
أستاذي الجليل.. قبل يومين من هذا التاريخ المُدوَّن على الرسالة، كنت منشغلًا بكتابة الذيل الثالث للمكتوب السابع والعشرين؛ استشعرتُ فيه المحبة الدافئة التي يحملها إخواني أمثال خلوصي ورأفت بك وذكائي وصبري أفندي تجاه رسائل النور ومكتوبات النور، وألهب مشاعري ما طالعتُ فيه من كتاباتهم الرائعة التي تعبِّر عن شوقهم المعنويّ؛ وفي هذه الأثناء دخل بكر آغا بوجهٍ ضحوك باسِمٍ خلافَ المعتاد وهو يحمل رسالة منكم، فقبَّلنا الرسالة وفتحناها معًا ببهجة وسرور، فخرَجَت ورقةٌ فيها الرمزُ الثامن للقسم الثامن من المكتوب التاسع والعشرين، والمؤلَّف من ثماني صفحات، وأظهر نفسه بتوافقات الثلاثة والثمانية.
فامتزجت في نفسِ طالبكم الفقير المشاعرُ القلبية المُفرحة المتولِّدة من الذيل الثالث للمكتوب السابع والعشرين، وكذا من الوجه البشوش الحَسَن لبكر آغا الذي يُعبِّر عن شوقه لأستاذه وللرسائل، مع كلمة أستاذي الطيِّبة المُدرَجة في الرمز الثامن،
— 116 —
والتي تلتمع وتبتسم بنور معنوي، وتَبِينُ فيها غايةُ التوافقات، الأمرُ الذي كنّا ننتظره منذ أربعة أشهر؛ فهذه المَسرَّات الثلاث ولَّدت في نفسي حالةَ أُنسٍ غامرة، حتى غدت تلك اللحظات من بين الإشراقات التي يحظى بها أولئك الذين ينالون السعادة الأبدية.. وبهذه النشوة والسرور قرأتُ رسالتكم والرَّمزَ الثامن، وبينما أنا أقرأ إذا بلساني يتحوَّل تَرجُمانًا لقلبي، فينطلق بشكل لا إرادي بالقول: "حياك الله، أسعدك الله يا أستاذي".
فقرأتُها أوَّلَ مرّة مع بكر آغا، وثانيةً مع رشدي أفندي، وثالثةً مع أخي رأفت بك.
أجل أستاذي الحبيب، لقد أخرجتُم برسائل النور ومكتوبات النور الخزائن الدفينة منذ سنين في أعماق بحر القرآن العظيمِ البرهان.
وها هو اليوم يُخرج لنا باللطف الإلٰهي خزينةً أخرى ساطعة، يغشى نُورُها العيونَ، فتُظهِر نفسَها وتَلفِتُ أنظار البشر إليها طوعًا أو كرهًا، وذلك من خلال الرمز الثامن من القسم الثامن للمكتوب التاسع والعشرين.
ها هو اليوم يهتفُ بصوت إعجازيٍّ يأبى الصَّمتَ، وبفيضِ معينٍ لا يَنضُب، مُبرِزًا أمامنا جانبًا آخرَ من الأسرار المُهِمّة والإعجازات المُدهِشة للفرقان الإلٰهي الذي حيَّر أصحابَ الإنصاف منذ ألف وثلاث مئة عام، ونال أعلى المقامات العظيمة في جميع النواحي، وبين عموم طبقات البشر، وعلى لسان الجنِّ والإنس وأَلسِنة الملائكة والروحانيات في السماوات.
كم هو عظيمٌ قدرُ رسائل النور التي أظهرت اليوم مع الأختام الكثيرة غيرِ المحدودة أنَّ القرآن كلامُ الواجبِ الوجود، الذي يُمسِك زمام الكائنات بيد قُدرته ويُديرُها بعظمة كبريائه، ويُسجِدُ كلَّ شيء أمام عظمة جلاله؟! كيف يُمكِن تقييمُ هذه الرسائل؟! وهل يَسهُل مقارنتُها بغيرها؟! وأنَّى لمُؤلَّف أن يتفوَّق عليها؟!
أستاذي الحبيب، ناشرَ الرسائل التي ذَرَّت الأنوار في وجوه البشر القاتمة، وقلَبَت جميع العقائد الخارجةِ عن التوحيد رأسًا على عَقِب، وتوجَّهت نحو تلاميذها
— 117 —
بلطف ولين ووجهٍ حسن، وتحدَّثت إليهم بلسان لطيف ظريف.. إنك تحيا بهذه الأنوار في قلوب طلابك الذين هم رهنُ إشارتك، وبمحبة إلٰهيّة أشبه بنبعٍ فيّاض لا يَنضُب.
وغايةُ الأملِ والرجاء أن يُذكَر اسمُكم حيًّا وميتًا بكمال الإجلال بين الجماعات الكبيرة،
(حاشية): لا يمكنني أن أوافق أخي خسرو في مشاعره هذه في هذا الباب؛ إذ إنَّ نيل المقامات في نظر البشر وتخليد الأسماء ليس بشرف لدى أهل الحقيقة، إلا إن ظهر إقبال الناس كجلوةٍ من جَلَوات الرضا الإلٰهي وكأمارة من أماراته، فيمكن حينئذٍ قبولُه، وإلا فليس هو بمَطلَب.
وما دام خسرو من أهل الحقيقة، فإنَّ الشرف الذي يُحيله إلى شخصي إنما يعني به رسائل النور، والحقُّ أن جميع الطلاب لهم حظٌّ من ذلك الشرف، ولا يمكن إحالتُه إلى شخص واحد.
وأن تَبلُغ شهرتُكم أرجاءَ الدنيا والآخرة، وأن تُنشَرَ رسائلكم بغاية الاشتهار والتقدير.. ولم لا وأنتم دلّال القرآن الكريم في هذا العصر، ولا يثنيكم شيءٌ عن الجهر بكلمة الحق حتى في أخطر الأوقات والحالات، وتحملون روحًا ساميةً رفيعةً، وتَبثُّون في نفوس طلّابكم نورَ السُّلوان في كلِّ آن؟!
وكيف لا تكون البشرية اليومَ مُمتنّةً لكم ولرسائل النور، وأنتم تَبثُّون بهذه الأنوار النابعة من عرش القرآن العظيم نورًا سرمديًّا لا يفنى ولا ينقضي، وليس كالشُّعاع الذي يُضيء في سمائنا ثم مصيرُه الأفول.
أسأل الله الواجبَ الوجودِ ذا الرحمة سبحانه، أن يكتب في سجلِّ حسناتكم أجرًا لا يُعَدُّ ولا يُحصَى، جزاءَ ارتباطكم الوثيقِ بالدِّين الإسلامي المُبين، ومحبَّتِكم العظيمة له، وسعيكم الجادِّ في سبيله.
إن كلًّا من هذه الرسائل تشكِّلُ بحدِّ ذاتها نهرًا ذا منابعَ وروافدَ متنوِّعة، إلا أنها جميعًا تصبُّ في بحرٍ وحيد كبيرٍ.. فكيف لا يغترفُ منها ظمآنُ بلغ أحدَ ضفافِها حتى يرتويَ؟! وكيف لا ينتفعُ بهذه الأنهار من يحرصُ أن يُزيلَ أدرانَ يديه ووجهه؟! وكيف لا تنهل من فيضها الجماعاتُ الكبرى التي تشقُّ الجداول من أجل سقاية غراسها وزرعها؟!
— 118 —
إن في هذه الأنهار شفاءً أيَّما شفاء! ما اغترفَ منها مريض إلا وجد الدواء لدائه، وما ارتشف منها مكلوم إلا وجد فيها آلاف أنواع المراهم لجراحه، وما شرب منها شيخ كبيرٌ إلا غدا شابًّا يافعًا ينبض حياةً أبديّة، وما نهل منه شابٌّ إلا هُديَ إلى السعادة الأبدية.
ولستُ أعلم أستاذي الحبيب، هل يحتاجُ من يقرأ رسائلَكم أن يفكِّر كثيرًا ليُدرِك مدى ما تملكونه من القلبِ الكبيرِ السّامي؟!
لقد أعلنتُم منذ زمن: «إنني دلَّال القرآن العظيم، ولا أستبدلُ بوظيفتي السامية أيَّ شيء» ، وزاد هذا الإعلانَ قوّةً وشهرةً تأليفُكم مؤخَّرًا للرمز الثامن البالغ ثماني صفحات من القسم الثامن من المكتوب التاسع والعشرين؛ بما انطوى عليه من الحقائق التي تسلبُ الألباب.
آهٍ يا أستاذي الحبيب! لو كان لقلمي ولساني ملَكةُ التعبير لحبَّرتُ لكم في كل رسالة مدحًا يليق بها، لكن أنَّى لفقيرٍ نيلُ ذلك!
أجل أستاذي الحبيب، وثمّة مسألة أخرى زادتنا سرورًا بالغًا، وهي أنكم وجدتم من المناسب أن تُضاف في هذا القسم حروفُ القرآن الهجائية المكوَّنة من صحيفتين، والمنشورة تحت اسم (نكتة قرآنية)، والنابعة بدورها من دعاء كنز العرش، وأن يُدرَج هذا القسمُ في مقدمة مطبوعة القرآن الكريم ذات التوافقات والحواشي التي نكتُبها، بحيث يسهل استفادة الجميع منها؛ ونحن من جهتنا نعدُّه قرارًا صائبًا؛ وبإظهاركم الأنوار التي ستضيء في المستقبل غمرتم طالبكم هذا فرحًا وسرورًا، وحوَّلتُم نظره من الماضي إلى الحاضر، ومن الحاضر إلى المستقبل.
أحمد خسرو
٭٭٭
— 119 —
(فقرة رأفت):
باسمه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
سيدي وأستاذي المحترم الجليل..
قرأت بتمعُّن رمز القسم الثامن من المكتوب التاسع والعشرين، واستفدتُ من الرموز الباهرة التي تضمَّنها، وما تُعبِّر عنه تلك الرموز من الحقائق الرفيعة استفادةً عظيمة، ودفَعَتني إلى التفكير والتأمُّل العميق.. إن لي منذ الصغر اهتمامًا كبيرًا بالحقائق الدينية، وكنتُ كلَّما سنَحَت لي الفرصة أطالع الكتب وأُجري أبحاثًا ودراساتٍ عنها؛ إلا أنني للأسف لم أُوفَّق يومًا إلى بلوغ مقصودي، ولهذا السبب كنتُ أُصابُ بالإحباط ويتملَّكُني اليأس.
فأحمد الله الخلَّاق العظيم حمدًا لا أمدَ لمُنتهاه أن وفَّقني لِلقاءِ عبقريٍّ عظيم قلَّ نظيره في كل عصر؛ وأوصلني إلى أستاذٍ تَنشُدُه روحي منذ ثلاثين سنة بحسرة وشوق.
الحمد لله، ثم الحمد لله.. هذا من فضل ربي..
وبما أنَّ أمثال هذه الحقائق لم تُشاهَد ولم يُسمع بها من قبل في أيِّ كتاب حتى وقتنا الحاضر، فإن كتابتها أمر صائب جدًّا، لأنَّ كلَّ مَن يطَّلعُ عليها من أهل الإيمان ينالُ قسمًا من جواهرِ خزائن القرآن الحكيم اللامتناهية، فيندرجُ من جهةٍ في عدادِ الأغنياءِ غنًى معنويًّا، ويُطَمئِنُ أعظمَ حاجات الروح البشرية من جهة أخرى، وهي رغبةُ الاطلاع على الكنوز المخفية.
الخلاصة: إنَّ ما انطوت عليه التوافقات والرموز القرآنية من بشائرَ عظيمة، دفَعَتني لمُطالعتها وتدقيقِ النظرِ فيها بحَساسِيّة بالغة.
سيدي وأستاذي الحبيب، بهذه المناسبة أقدِّم لكم كاملَ إجلالي وتقديري،
— 120 —
وأقبِّل أيديكم المباركة، وألتمسُ منكم الدُّعاء لعلَّ الحقَّ سبحانه يكتبُ لنا الانشراحَ الرُّوحيَّ.
رأفت
٭٭٭
(فقرة رُشدي):
باسمه سبحانه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
سيدي وأستاذي المحترم الجليل..
تلقَّيتُ من الإعجاز القرآني ومن مكتوباتكم التي نوَّرتُم بها قلبي المُظلمَ: الرمز الثامن للمكتوب التاسع والعشرين، الذي يُبيِّن سِرَّ التوافقات الحرفية في سُوَرِ: الإخلاص الشريف، والمعوِّذتين، والفاتحة الشريفة، وقرأتُه مع إخواننا في الدِّين.. فالحمد لله، الحمد لله ألفَ مرّة، لقد فُتِنتُ بأسرار القرآن العظيم الذي هو كلام الواجب الوجودِ تقدَّس اسمُه، وقلتُ بمِلءِ قلبي ولساني: اللَّهُمَّ نوِّر قلوبنا بنُورِ الإيمان والقرآن.
أستاذي وسيدي، صحيحٌ أن إضافة هذا الرمز في مقدِّمة مصحف التوافقاتِ المكتوبِ حديثًا أمرٌ صائب من ناحية إعلان الحقِّ والحقيقة، إلا أنني أجدُ من المُستَحسَن أيضًا أن تبقى مستقلّةً بين رسائلكم النورانية التي لا تُورِثُ كثرةُ قراءتِها المللَ والسَّأَم، بل تزيدُ في كلِّ مرّة لَذّةً تفوقُ ملذات الدنيا ألفَ ضعفٍ، وتُنير قُلوبَنا المُظلِمةَ، وتخاطبُنا بلساننا فتَصِفُ لنا حالنا، وتُرشدُنا إلى سبيلِ الحق؛ كما يُفضَّل أن تُكتَب في مقدمة القرآن الكريم باللغة العربية والتركية إن أمكن.
رُشدي
٭٭٭
— 121 —
(فقرة لطفي أفندي السَّاعاتي):
باسمه سبحانه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أبدًا دائمًا..
تلقَّيتُ من فيوضاتِ الإعجاز القرآني: الرمز الثامن للمكتوب التاسع والعشرين الذي يبيِّن سرَّ التوافقات الحرفيّة في سُوَرِ: الإخلاص الشريف، والمعوِّذتين، والفاتحة الشريفة، وأتممتُ قراءتَه.
لقد أظهَرَت التوافقات التي في هذه الرسالة المنشورة سِرًّا لم يُرَ مثلُه من قبل، وإنَّ التحدُّث بهذا الخصوص أمرٌ يفوق بكثير حدودَ عقلي وطاقةَ قلمي، لذا أكتفي بهذا القدر، راجيًا عفوَ أستاذي؛ غير أنَّ الإيضاحات التي تضمَّنتها هذه الرسالة كافيةٌ لإيقاظ غافلٍ أعمى من سُباتِ غفلتِه، بل لإرشاد وتنوير قلوبٍ غرقت في الظلام الدامس.
سيدي، أوافقُكم الرَّأيَ تمامًا بخصوص إدراجِ الرمز الثامن في مقدِّمة القرآن العظيم، حتى يتسَنَّى لكل أحدٍ رؤيةُ ما فيه من المعجزات.
لطفي السَّاعاتي
٭٭٭
(فقرة عاصم بك):
باسمه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
أحمدُ الله القدير المطلق، سلطانَ الأزل والأبد، الحيَّ الذي لا يموت، وأشكرُه غايةَ الشكر، مع إقراري بالعجز عن الوفاء بجزءٍ واحدٍ من مئةِ ألفٍ، حتى لو قدَّمتُ في كل دقيقة مئاتِ الآلافِ من الحمد والشكر یی وإنني أفعل یی مقابلَ ما أكرم به هذا العبدَ الفقير وأحسنَ إليه بأستاذ جليل مثلك.. فله الحمد والمِنّة.. هذا من فضل ربي..
— 122 —
لقد أمضيتُ في الخدمة العسكرية أربعًا وثلاثين سنةً دون انقطاع، وبمقتضى بشريَّتي انجَرَرتُ وراء أعاصير الذنوب وأمواج المعاصي، وأصبحتُ شديدَ التقصيرِ في أمر الدِّين وأداءِ الوظائف الدينية الأُخرويّة، ثمَّ صحوتُ مؤخَّرًا لِأَجد أن ما قَضَيتُه من حياتي حتى السّاعة قد مرَّ وأنا مُتلفِّح بحجاب الغفلة؛ وبِتُّ نادمًا أشدَّ الندم على ذلك الزمان الذي مضى بالآثام، وصرتُ أبكي على ما كان يضحكني من قبل.. كان هذا بعدما حَظِيتُ بلقائكم أستاذي وقرأتُ رسائلكم، فأحمد الله مئاتِ آلافِ المَرّات أن أحسن بكم على هذا العبد الفقير.
وكان ابتداء التواصل بيننا قبل أربعة أعوام بدلالة أخينا الشيخ محمد أفندي حين قَدِمتُ إلى "بُوردُر"، فطرحتُم حينَها بيد العبد الفقير رسائلَ قيِّمة أَشبَهَ بالمفاتيح التي تفكُّ ألغاز العالم المُغلَقة، وتحلُّ معضلاته العصيّة، وتنشر النور والحكمة في شتى الأرجاء.
إن هذه المفاتيحَ جواهرُ وألماس لا تقدَّر بثمن، ويعجزُ لساني عن التعبير بما يُكنُّه قلبي نحوها من مشاعر؛ فمن ذا الذي يستطيع أن يفتح خزائن الشريعة ويستخرج دفائن الحقيقة والمعرفة إلا رسائل النور الشريفة! وقد فعَلَت.. إن كل رسالة منها أنور وأسطعُ من الأخرى، لا سيَّما رسالة "إعجاز القرآن" فهي "نور على نور".
فكأنك دخلتَ بستانَ زهور تتفتَّح فيه كلَّ يوم شتى أنواع الورود بأشكالها الجميلة الملونة، فوقَفتَ حائرًا أيَّ زهرة تَقطِفُ وأيِّ رائحة تَشَمُّ! لتُقرِّر في الختام أن تُعِدَّ باقةَ وردٍ من مختلف أنواعِها، وكذلك حالُ من يدخلُ بستانَ النور لنَسخِ الرسائل الشريفة أو قراءَتِها أو الاستماعِ إليها، ويغرق في بحارها وأنهارها، إنها تحمله على التفكُّر والتدبُّر وهو مُنتَشٍ من شِدّة الإعجاب، وتُجرِّدُه من الأحاسيس الدنيوية، وتَعزِله عن المشاعر الهابطة، وتدفعُه نحو العبودية الخالصة الدائمة لخالقه الكريم، وترفعُه
— 123 —
إلى منازلَ عالية تسمو على سائر الأخلاق الرذيلة، وتُهذِّبُ نفسه الأمّارة بالسوء.. بل يمكنني القول: إن رسائل النور الشريفة روضة من رياض الجنان.
ولكن وا أسفا على أولئك الذين لم ينالوا حظًّا أو نصيبًا من هذه الروضة الطيبة! فليت الإلهامَ الإلٰهيّ يحملهم على تمزيق حجاب الغفلة وتحويله إلى يقظةٍ وبصيرة، بدلالة ما ورد في ختام "الكلمة الثالثة والعشرين".
أتضرَّع إلى المولى سبحانه الواجب الوجود أن يبصِّر المؤمنين الموحِّدين سبيلَ الهداية، وأدعوه سبحانه دعاءً فعليًّا عبر نسخِ ما لديَّ من الرسائل وتداوُلِ قراءتها طوالَ نهار الجمعة مع من أثق بهم من إخواني الذين يجتمعون في بيتي، ويحملون محبة وشوقًا إليها أمثال السادة (....) المحترمين، نؤدِّي حقَّ عبوديتنا لله تعالى، وندعو لأستاذنا بالخير لنُوفي دينه في أعناقنا جميعًا.
سيدي، إنني وأُختَكم نتضرَّع الى الله سبحانه عقبَ كلِّ صلاة بی: "يا ذا الجلال والكمال، احفظ أستاذنا دومًا مُرشِدًا ودلّالًا للنور ورسائل النور".
عاصم
٭٭٭
(فقرة أحمد غالب حول الكلمات):
عِلمُ حقيقةٍ آدميّ كلماتك
ترجمان كنز الوحدة كلماتك
عطاء محض من الحق سبحانه
عودة سيدنا "شيث" كلماتك
كلُّها بيان رفيع من درس الحكمة
أشبه "بإدريس" مليئة بالحكمة
— 124 —
درعٌ أمام أمواج طوفان الضلالة
سفينة "نوح" الآمنة كلماتك
منقذة من ريح صرصر الإلحاد
كشعلة هداية "هودٍ" كلماتك
تزكي قلوب المؤمنين
دار "صالح" الآمنة كلماتك
معلنة عن أسرار الوحدة
كأبي الأمة "خليل" كلماتك
تهب لأهل الخير ماء زمزم
نبع "إسماعيل" الفيَّاض كلماتك
تحقيق محض منزه عن الخيالات
حقيقةٌ كسِرِّ "إسحاق" كلماتك
تلحق الهوان بزمرة الطواغيت
ركن الصلابة "كلوطٍ" كلماتك
كلُّها شرح لكلام الله الناطق
كنز إعجاز الرسالة كلماتك
لنشر دين الحق وتعميمه
قديرة كفضل "إسرائيل" كلماتك
تظهر كمالها بجمال الحق سبحانه
إشارة من حسن "يوسف" كلماتك
الواصل إلى الغنى، بعد الفاقة
متينة كصبر "أيوب" كلماتك
— 125 —
مُغرِقة الفراعنة الملحدين
طور سيناء الشريعة كلماتك
صلبة ومتينة بموازين الحكمة
أمن وعدالة "شعيب" كلماتك
جعل أهل الضلالة رأسًا على عقب
كفصاحة "هارون" كلماتك
قضت على جنود جالوت الكافرة
كصوت الخليفة "داود" كلماتك
معرفة التقوى ومالك الحكمة
كمُلكِ "سليمان" كلماتك
تقدِّم الدَّواء للمرضى
كيَدِ "لقمان" الحاذق كلماتك
حجتها قائمة على البعث بعد الموت
مظهر لكلمات "عُزير" كلماتك
بيانكم ليس كلمات عابرة بل من اللباب
كلها إشارات إلى الحق كلماتك
يكسب المرء معرفة لبِّ اللُّب
وإطاعة الحق وجهًا لوجه كلماتك
تهب ماء الحياة لأهل الشوق
كبحرين ولاية "خضر" كلماتك
تنقذ العقول من أعبائها
كنور رياضة "إلياس" كلماتك
— 126 —
تظهر أفضل أشكال العبودية
كعبادة "ذو الكفل" كلماتك
تقيم سدًّا ليأجوج الكافرين
كقدرة "ذو القرنين" كلماتك
تُعلِّم المرء سرَّ التسبيحات
حقيقةٌ كالغواص "يونس" كلماتك
تذكِّر برحمة الرحمٰن على الدوام
رحمةٌ كحمد "زكريا" كلماتك
تشرح كتاب الحقِّ بلطف
وراثة من علم "يحيى" كلماتك
تحيي الميت، وتبصر الأعمى
كنفحة "عيسى" الفطرية كلماتك
بشرى لقلوب أهل الحق
ماحي طريق الفترة كلماتك
تبين معراج "أحمد"
شرح أحكام النبوة كلماتك
أنارها الحق تعالى بالنور
لأنها عرفان السعادة كلماتك
مهما تحدثت عن مقام الأستاذ يا غالب
قليل، لأنها أعجوبة الإيمان كلماتك
أحمد غالب
٭٭٭
— 127 —
(فقرة أحمد غالب حول الكلمات والمكتوبة بالعربية):
مُقِيمُ السُّنّةِ بالاجتِهادِ قِوامُ الدِّينِ في يومِ الفَسادِ
سَلَلتَ السَّيفَ على الذِينَ ضَلُّوا عنِ الحَقِّ وهُم أهلُ العِنَادِ
بَيَانُكَ كانَ صَمْصَامًا شَدِيدًا على أَهلِ الضَّلالَةِ والِارْتِدادِ
ونادَيتَ الجَوَانِبَ هَلْ أَجَابُوا إلى نَهجِ الحَقِيقَةِ والسَّدَادِ
أَجَابَ أَهلُ قَلْبٍ طَائِعِينَ وتَهْتَزُّ القُلُوبُ بِالوِدَادِ
لَأَنتَ دَعَوتَهُم سِرًّا وجَهْرًا لقد جَاؤُوكَ مِن أَقصَى البِلادِ
فمَا اسْتَغْنَوْا عنِ الآيَاتِ طُرًّا لِأنَّهُمُ أتَوكَ باعْتِمَادِ
رَأَوا في نُطقِكُم نُورًا جَلِيًّا فيَومًا بَعدَ يَومٍ مُسْتَزَادِ
فَتَحتَ عَلَيْهِم أَبوَابًا كَثِيرًا مِن أَقسَامِ العُلُومِ بالرَّشَادِ
جَزَاكَ اللهُ مِن خَيرٍ كَثِيرٍ وأَعطَاكَ الصَّفَا في كُلِّ وَادِ
ويَحفَظُ قَلبَكُم مِن كُلِّ هَمٍّ وآثَارَكَ مِن طَورِ الكَسَادِ
يُرَوِّجُ نُطقَكُم في سُوقِ حِكمَةٍ بِأَنوَارٍ إلَى يَومِ التَّنَادِ
ألا لا تَرتَعِب عن دَعوَةِ النَّاسِ فَبَشِّر قَلبَهُم واللهُ هَادِي
٭٭٭
(فقرة مراد أفندي حول الكلمات):
أيها الصديق العزيز..
كنت سارحًا في مشاهدة غياثِ المعرفة وفيضِ الحكمة التي تضوَّعَت وارتقت بنفحٍ إلٰهيّ من بحر المعرفة المائج إلى سماء العرفان، ثم نزلت بنفحٍ إلٰهيّ من سماء العرفان إلى أرض المعارف.. في الوقت الذي كانت فيه أعماقُ ذلك البحر الهائج
— 128 —
تقذفُ جواهرَ لا تُقدَّر بثمن، وتضرب بها رمال شواطئه.. وما كان بوسعي نيلُ شيءٍ منها سوى أن يتملَّكني العجب والحيرة بجلوة البديع ونشوة البديعيات.
مراد
٭٭٭
(فقرة صبري):
عند بلوغ السنة الثانية والخمسين من القرن الرابع عشر، انجرَّ أهل الضلالة وراء الآمال الباطلة وأفكار النفاق المُتمثِّلة في القضاء تمامًا على القوانين السُّبحانية الأزلية التي ستظلُّ باقية حتى تنفِّذ أحكامها القطعية، والقاضية أبدًا ببراءة المؤمن وإعدام المجرم.. وحينما همُّوا بتنفيذِ خطوتهم الأولى اصطدموا بقلعة فولاذية شُيِّد بُنيانُها یی بحسٍّ مُسبَق یی من قطعِ الألماس واللؤلؤ والمرجان البالغ عددُها في الظاهر ثلاثًا وثلاثين قطعة، وفي الحقيقة ثلاثًا وثلاثين مليونًا، والمستخرجة من بحر النور ودلال القرآن المعجز البيان ومفسِّره.
وأثناء تنظيم هذه القلعة وتصنيفها ضمنَ دائرة الحصون النورانية المهمّة وإعداد طواقمها، وجد هذا العبد العاجز نفسه ودون أهلية وكفاءة قد تقرَّر تعيينُه عاملًا بسيطًا في هذه الوظيفة السّامية.
وإزاءَ هذا التوفيق السبحانيّ العظيم: لو أني قضيتُ عمري ساجدًا، وأفنيت جسدي في الخدمة، لَمَا أوفيتُ حقَّ دقيقة واحدة أقضيها في هذه الوظيفة السّامية؛ لذا لا يسعني سوى أن أردِّد:
إلٰهي أنتَ ذوُ فَضلٍ ومَنِّ وإنِّي ذُو خَطَايَا فَاعْفُ عَنِّي
خلوصي الثاني: صبري
٭٭٭
— 129 —
(فقرة أحمد خسرو):
أستاذي الحبيب.. في بعض الأحيان: أتأمَّلُ في نفسي من جانب، وأنظر إلى هذه الخدمة السّامية التي أقوم بها من جانبٍ آخر؛ وإنِّي إذ أحمد الحق سبحانه وأشكره على عميم لطفه وإحسانه بذلك، يقفزُ إلى ذهني قولُ أحد إخواني: أجل يا خسرو، ليس الحُسن والوضاءةُ فيك، بل في الطريق الذي تتَّبِعُه، والذي لن تجدَ أجملَ منه ولا ألمع ولا أنور.
أستاذي الحبيب، مدينون لكم، مدينون للرسائل، مدينون للحقِّ سبحانه الذي جمعنا بكم وبرسائلكم، ونحمده ونشكره على ذلك.
أستاذي الحبيب، تتساءلُ في رسالتك عن تعبي، أجل إنني أتعب أحيانًا، لكن أجد روحي تحثُّ نفسي على القيام بالوظيفة حين ترغب ببعض الاستراحة، وتقول لها: لعلَّ سعينا اليوم يكون كفارة للذنوب، فرحمة الله واسعة.. فأمضي سعيدًا بهذا التفكير وبهذا الشوق، ويُضاعفُ فرحتي أضعافًا رِضا أستاذي عمّا أكتبه.
الحمد لله.. هذا من فضل ربي
أحمد خسرو
٭٭٭
(فقرة زُهدي الصغير):
في إحدى الأمسيات قرأنا في منزلي لبعض إخواننا الخواص بحضور بكر آغا: القسم السابع للمكتوب التاسع والعشرين، ونحن على ثقة أن الرسالة الأخيرة كافية لإخراس الملحدين.
زُهدي الصغير
٭٭٭
— 130 —
(فقرة صبري):
في الوقت الذي كنت أتألَّم فيه من جراحاتي الروحية الناجمة عن الهجمات التي يشنُّها أهل الضلالة على المقدسات الدينية بين الحين والآخر، أغاثني بكر آغا المحترم وكأنه الخضر عليه السلام، وقدَّم لي القسم السابع من المكتوب التاسع والعشرين، فأضحى دواءً لدائي وجراحاتي بأسئلته وأجوبته وبإشاراته وصراحاته وبحكمته، ومع أنَّه لا يُشكِّلُ واحدًا بالألف من مخزون القرآن الكريم، إلا أنه دُرّةٌ مكنونةٌ من دُرره الشافية.
ولَمّا سُرَّ قلبي المغموم وتنوَّر وجداني المألوم وسَعِدَت رُوحي المُكدَّرة، قلت: يا ربِّ، قد وهبتَ لأُمّة رسولك وحبيبك محمد المصطفى (ص) خزائنَ حكمة لا تَنضُبُ، وحياةً مستمرّة على مدى (١٣٥١) عامًا من خلال أحكامها الأزلية ودساتيرها الأبدية، حتى غدا ورَثةُ الأنبياء من علماء الأمة يستنبطون حقائقَ كثيرةً من آية واحدة قصيرة، فيُبرئُون جراحاتِ قلوب الأمة المحمدية بماء حياة القرآنِ المعجزِ البيانِ.
فأتوجَّه إليك بعظمة كبريائك يا مالك الملك يا ذا الجلال، وأتضرَّع إليك يا خالقُ يا حكيمُ، يا مَن لا ندَّ له ولا نظيرَ، أن تُعلِيَ شأنَ الأحكام القرآنية وتُديمَ هديَ الطريق الأحمديّ، وتُيسِّر آمال ورثة الأنبياء الحقيقيِّين وتُسهِّل مقاصدَهم، وألّا تَقبِضَ عبادَك المساكين هؤلاء إلى الحياة الباقية حتى تُرِيَهم كلمةَ الله عاليةً في الدائرة النوريَّة للقرآن العظيم الشأن.
سيدي وأستاذي، بعد قولي هذا أُسدِلَت ستائرُ اللوائح القرآنية على عيوني الظاهرة والباطنة.
طالبكم المقصِّر: صبري
٭٭٭
— 131 —
(فقرة أخي بكر آغا الذي يوصل الكلمات إلى الأيدي المشتاقة لها):
إن بين أيدينا من رسائل النور الجامعة للحقائق القرآنية ما يَغوصُ بنا في أنوار طريق الحقيقة في كلِّ آنٍ وزمان، ويُزيل الاضطرابات التي يُولِّدها هذا الزمان في قلوب أهل الإيمان.. وأمام الأهوال غيرِ المُحتَمَلة والمُسلَّطةِ على أهل الإيمان، تمَّ توظيفُنا في دائرة الإيمان والإرشاد النوراني بمُهِمّةٍ توافقُ الحقَّ والحقيقة؛ فخالصُ الشُّكر للحقِّ سُبحانه على ذلك.
سلوانُنا الوحيد في هذا الزمان هو الحقائق التي بعثها أرحم الراحمين إلينا بواسطتكم.
لا يملكُ لساني التعبيرَ عن امتناني، ولستُ أدري ما أقول! الشيء الوحيد الذي يمكن قولُه والأمل الوحيد الذي أتمنَّى أن يتحقَّق، هو أن يكتب الحقُّ سبحانه لنا ولأهل الإيمان السعادةَ في الدارين، لا سيَّما إخواني المرتبطين بالرسائل، وأن يرضى خالقُ العالمين عن خِدماتنا وفي مقدِّمتها الخِدماتُ الساميةُ العظيمة التي يُسدِيها أستاذُنا.
لا يمكن أن نتجنَّب الحُزنَ على الأحداث الجارية اليوم، لكن يجعلُ الله فيها خيرًا كثيرًا إن شاء الله.
لم أستطع الكتابة سوى بهذا القدر فأنا رجلٌ جاهل، وأَعجِزُ عن وصف قَدْر تلك الكلمات، ولا تعدو كتابتي أن تكون نُبذةً يسيرةً تعرِّفُ بقيمة هذا المؤلَّف.
طالبكم: بكر بن أمر الله
٭٭٭
— 132 —
(كتبت بمناسبة تأليف التلويحات التسعة التي تدور حول الطَّريقة):
باسمه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
أستاذي وسيدي الحبيب العزيز..
تلقَّيتُ بكمال الفرح والسرور القسم التاسع من المكتوب التاسع والعشرين، المُرسلَ بواسطة أخي الحافظ علي أفندي، وقرأته خمس أو ستَّ مرات، تارة مع إخوتي وتارة أخرى لوحدي، وكنتُ كلما قرأته أشعر بالحاجة لتكرار قراءته أكثر وأكثر، لما كان يبعثُه في روحي من فيوضات نورانية.
إن هذه الرسالة تبيِّن الحقائق السّامية النزيهة الرفيعة للطريقة التي أتلهَّف للوصول إليها منذ سنين، لذا ما كانت يدي تطاوعني بتركها، إذ كانت تمنحني أذواقًا مختلفةً في كل قراءة، وتُظهِر یی كسائر أخواتها من الرسائل یی حسنًا وجمالًا متجدِّدًا عند كلِّ مطالعة، ووجدتُ فيها وفيما قدَّمه لنا مبحث التلويحات من المعاني ما كنتُ أبحث عنه منذ أربع أو خمس سنوات دون أن أجدَه.
رضي الله عنكم أبدًا أستاذي الحبيب، لقد كانت حاجتي لهذه الرسالة مثلَ حاجة الأسماك الشديدة لأمطار "نيسان" رغم أنها تعيش في المحيطات، لا لتروي بها ظمأها، بل لتحظى بما تنطوي عليه من مزايا قيِّمة.. فأحمدُ الحقَّ الفيّاض المُطلَق حمدًا وشكرًا دائمًا أن نوَّر صحيفة حياتي المظلمة بما يفوق آمالي بكثير.
أجل، أعجز عن وصف الانطباع والتأثُّر الذي تركته وتتركه فيَّ هذه الرسالة القيِّمة جدًّا عند كلِّ مرّة أقرؤُها، غير أنَّ أهمِّيَّتها تكمُن في أنها تفتح بجُمَلها ومفاتيحها الصغيرة أقفالَ دفائنَ وخزائنَ كبيرة، وتسدُّ الباب أمام شبهاتٍ وزوابع كثيرة، وتُعلِّم في الوقت نفسه أن الطريقة سبيلٌ سَنِيٌّ ونبعٌ فيّاض بالبهجة والأذواق، لا يُشبَع منه ولا يمكن تركُه.. لذا أجد من الواجب عليَّ أن أبارك لإخواني ممن ينتسبون إلى الطُّرق،
— 133 —
وأن أُهنِّئَهم لأنهم يمتلكون هذه الرسالة، إذ كانوا يتوجَّسون من الاتِّهامات الموجَّهة إليهم من الخارج، أو يرغبون بتعلُّم حقائق الطريقة وفهمها، لكنَّهم لا يجدون إلى ذلك سبيلًا.
أستاذي العزيز.. أقبِّلُ أيديكم راجيًا منكم أن تتكرَّموا بإكمال القسم المتبقِّي من هذه الرسالة في أقرب وقت ممكن، وإرسالها إلينا حتى نستفيد وننهلَ من فيضِها.. وأخبِرُكم أنني وأصحابي ننتظر ذلك بفارغ الصبر.
الباقي هو الباقي
طالبكم المسكين
أحمد خسرو
٭٭٭