لاحقة بارلا
— 134 —

القسم الثالث للمكتوب السابع والعشرين

ونهاية الذيل الثالث
(فقرة صبري وخسرو الثاني: علي الأوَّل):
أيها الأستاذ المبجَّل.. إنَّ ممّا منَّ به الحقُّ سبحانه بكمال رحمته أن فتح لك خزينة حقائق كتابه المبين العظيم، فله الحمد والشكر.
فبينما كانت البشرية في حاجة ماسّة وتعطُّش شديد وصبرٍنافِذ، وفي حالة من التردد والحيرة، تُنادي: "هل ثمّةَ ماءٌ للحياة"؟ إذا بك تنهضُ بوظيفةٍ عظيمة، فتشقُّ عيونَ زمزمٍ عظيم مختزَنٍ مستورٍ، وتَسقي بشكل كلِّيٍّ أو جزئي جميعَ أربابِ المشارب، على نحوٍ لا يَسَعُ أحدًا رفضُه، فتُذهِبُ ظمأَ حتى البسطاء ولو بقطرة واحدة.
وكيف لنا أن ننبس ببنت شفة أو أن نجترئ على التعليق وأنت تؤدِّي هذه الوظيفة الواسعة الأثر! ونشهد أنك تقوم بها بكلِّ اقتناع واضطلاع ودون تكلُّف أو تصنُّع، وأنَّى لنا ذلك وقد غدوتَ مظهرًا للرحمة النازلة على العالم، والنابعةِ من العلم اللَّامُتناهي!
إن هذه المؤلَّفات الشاملة المليئة بالأنوار ذات علاقة مع جميع الممكنات، بل يكادُ فهمُها التامُّ يتعذَّرُ حتى على أخصِّ الخواصِّ، فكيف لعبدٍ فقير شبهِ جاهل مثلي یی بل لا يفقهُ شيئًا بهذا الشأن یی أن يتحدث بشيء عن هذه المؤلفات القيِّمة، أو أن يتناولَ القلم ويكتبَ شيئًا عنها؟! بل أخشى أن يُصابَ فكري المُشوَّشُ بالاختلاط إن هو خاض بين ثنايا ذلك الفكر العالي المبارك، لذا أكتفي بمشاهدتي القاصرة لآثارِ التوفيق الذي يحظى به أستاذي في شتى المناحي، فهذا غايةُ القصد؛ وها قد بدَأَت نتائجُ التوفيق وأيّامُه المباركة تلوحُ لنا من بعيد، وسنبلغ ذلك اليوم الموعود بإذن الله تعالى
— 135 —
وببركة دعائكم؛ وإن لم نبلغها نحن فإن رسائلكم یی دون شكٍّ یی ستقوم بفتوحات عظيمة، وستنالُ مكانتَها الرفيعة العالية بكلِّ شجاعة وبطولة.. رضي الله عنكم أبدًا.
ولأنِّي لا أملك التحدُّثَ عن هذه المؤلفات بشيء سوى الدعاء، فإنِّي أُحيلُ هذا الأمر إلى إخواني ذوي الذكاء العالي والقلب الصافي، وأطلب عفوَ أستاذي عن كلماتي القاصرة مقبِّلًا يديه ورأسَه.
أستاذي، لقد طالعتُ النكتة الكنزيّة الثالثة، وأمام الأسرار التي تُومئُ إليها حروفُ سورة العلق المباركة، كان لساني يُردِّدُ بغير اختياري لفظَ الجلالة "الله، الله"، وبكت عيني وقلبي بحزن شديد، وصرتُ أُفكِّر: كيف تشهد كلُّ ذَرّة من ذَرّات الكون على خالقه، وتُخبِر عنه مُبتَسِمةً الحروفُ التي تشكِّل نسيج القرآن الذي هو خريطة الكون، فإنه من البديهي أن تشهد ألسنة أحوالها على الحوادث الكونية الماضية والحاضرة والمستقبلية؛ ووجدتُ إيضاح هذا التفكير في الإخطار الوارد في نهايتها، فقلت: "الحمد لله".
وأذكرُ هنا على وجه الخصوص: سورةَ الرحمٰن المباركة، إذ تضرب بصواعقَ أشبهَ بالرُّعود على رؤوس أصحاب الأفكار الباطلة وذوي المشارب الفرعونية، وتُثبِت بكلِّ صراحة ووضوح أن كلَّ شيء مُلكٌ للرحمٰن الرحيم؛ وبتكرارها لجملة واحدة فقط إحدى وثلاثين مرةً، تُهاجم برموز حروفها القدسيّة حصونَ الطبائعيِّين والمادِّيِّين الهَشّة، وتُنكِّسُها رأسًا على عقب.
وكما تفضَّلتُم أستاذي في مواضعَ كثيرة: إن القدير ذا الجلال والحكيم ذا الكمال الذي فتح كتاب الكون هذا، لن يتركه یی بمُقتضَى رحمته یی دون مُفسِّر أو مُعرِّف يوضِّح صُحُفَ هذا الكتاب وسطوره، ويُعرِّفُ حروفَه ونِقاطَه، ويُبيِّنُ حِكمَه ومقاصدَه، ولن يترك ذلك المُعرِّفَ دون وُرّاثٍ حقيقيِّين.. فالحمد لله، هذا من فضل ربِّي.
أجل أستاذي، أُدركُ مدى الإرهاق والتعب الذي تُعانيه، لكن أنت الذي تقول: إنَّ قدسيّة هذه الوظيفة تَجعلُنا لا نُرجِّحُها على التعب فحسب، بل على كلِّ شيء؛ وما
— 136 —
دام الحقُّ سبحانه قد ألقى على كاهلك قيادة أحدِ التَّيارَينِ المُهمَّين العظيمين السائدَينِ في هذا الزمان، فهذا يعني أن جميع العالم يُصغي إليكم معنًى في بيانكم للقرآن وأسراره، وسيستمع إليكم في كلِّ زمان إن شاء الله تعالى.
إن الحرب المعنوية قائمة في هذا الزمان مع أولئك المخرِّبين الذين يحملون أجهزة لا تقضي على الإنسانية فحسب، بل تُبِيدُ جميع موجودات الكون؛ وكنتَ الوسيلة لإقامةِ دِرعٍ يقينا الجراح، بل يقي حتى سائر أطفال المسلمين إلى يوم القيامة، وكنتَ الواسطةَ لإيجاد أحدث الوسائل والآليّاتِ القرآنية الحكيمة المباركة التي يمكنها أن تهزَّ العالم بلحظة واحدة، وتَغشَى طائفةَ الهزل بدخانٍ خانق.
حياك الله أستاذي الحبيب؛ وكتبَ لك مقابلَ تَعبِك هذا أجرَ ألف غزوة... آمين.
وأستميحُكم العفوَ لأُضِيفُ هذا الأمر أيضًا: ما دام زمانُنا هذا زمانَ الجهاد المعنويِّ، وما دُمنا نُصنِّفُ أنفُسَنا جنودًا موظَّفين، ونستمتعُ بوظيفة الجندية؛ فإنَّ العدوَّ دسَّاسٌ وقويٌّ فيما يظهر، وبحَسَبِ دستور: "بحَسَبِ الخَصمِ يُسَلُّ السَّيفُ"، يجبُ علينا أن نعلم أن حبَّ الجاه والسَّعيَ وراء متاع الدنيا وغير ذلك من المُغرِيات ما هي إلا فِتَنٌ خدّاعة، ونعدُّها مكائدَ في جبهة قتالنا، واضعين نُصبَ أعيُنِنا ما بَذلتُم من كَدٍّ وتعبٍ.
وحتى لا نترك جبهَتَنا ونلهثَ وراء المُغرِيات الآفلة الخدّاعة، وكيلا نتسبَّب في ضياع كثير من الأشياء المباركة المقدَّسة سدًى تحت الأقدام؛ نتضرَّع إلى الحق سبحانه ليل نهار أن يجعل لنا حظًّا من عظمة قدرته وشمول رحمته، ومن همَّة سلطان الأنبياء (ص)، ومن أدعية أستاذنا المتقبَّلة.
وإيماني بذلك إيمانٌ جازم، وأنتظره بفارغ الصَّبر.
الحافظ علي (رحمة الله عليه)
٭٭٭
— 137 —
(فقرة خلوصي بك):
إن القسم السابع للمكتوب التاسع والعشرين:
حجةٌ قطعيةٌ على صواب رأي أولئك الذين لم يرتضوا تغييرَ الشعائر الإسلامية، ولم يَحتمِلوا أمر استبدالها، فوضعوا أيديَهُم على آذانهم كيلا يسمعوها.
قوة مؤثِّرة يمكن أن تُواجِه أولئك المدَّعين والمتأوِّلين القائلين: "إننا أظهرنا الموافقة ظاهرًا فقط"، فتُلحِقَهم بالفئة الأولى.
صفعة قوية لأحزاب علماء السوء.
لعنة وضربة من قدرة قاهرة لمن يُشِيعون البدع بهدف الإلحاد وتحت مُسمَّياتٍ ووسائلَ شتَّى.
الإشارة الخامسة والسادسة حقائقُ قويّة وساطعة كالشمس، تُكسِب ثقةً واعتمادًا وتُزيل الأوهام والشبهات المتمثِّلة في أن إصلاح العالم متوقِّفٌ على ظهور المهديّ عليه السلام، وامتلاكِه القدرةَ على القيام بهذا الأمر.
الإشارة السابعة تحتوي یی كالحكمة المحضة یی خواصَّ كثيرة توضِّح كيفية الجهاد المعقول في هذا العصر.
وهذا الوصف المُوجَز لأخيكم العاجز، يشهد بطبيعة الحال على عجزه، وإلا فإنَّ التعريف بهذه الحقائق بالشكل اللائق بها ليس في طوقِ مسكينٍ مثلي.
وكما أخبرتُكم في البدء والختام: فإن المشاغل الدنيوية والأعمال الخاصّة والظروف والعواطف الاضطرارية یی كمساعدة والدي مثلًا یی تشكِّل عائقًا أمام قيامي بوظيفة خدمة القرآن.. فما الحيلة؟ الحمد لله على كل حال!
نحتاج یی أنا والجميع یی دعواتكم كثيرًا.. وندعو لكم أستاذَنا الحبيب في كلِّ وقت وحين.
خلوصي
٭٭٭
— 138 —
(فقرة صبري):
سيدي وحضرة أستاذي الأكرم..
إن جميع الكلمات النورانية السَّامية الفيَّاضة التي تَبُثُّ الأنوارَ في عالم الحقيقة منذ أربعين عامًا على أقلِّ تقدير، قد نشَرَت في عموم موضوعاتها نوافذَ تخصُّ الطريقة والسَّير والسلوك، ودعت كالبرق الخاطف المشتاقين إليها بنداء بليغ قائلةً: "تعالَوْا أيُّها الإخوان".
ورغم سيري جنبًا إلى جنب مع من يملكون نظرةً ثاقبة في ميدان الحقيقة، ويُبصِرون بوضوح، ويُصغُون السَّمع ويُلازمون العبادة، إلا أنني لم أُدرِكْ معنى الطريقة حتى طالَعتُ مَطلِعَ شمسِ الفيوضات ومنبعَ فوز النجاة: "النكتة التاسعة للمكتوب التاسع والعشرين" المشتملةَ على تسعٍ من لوحاتٍ السعادة، وفيوضات لا نهاية لها، وأذواقًا لا حدودَ لها، فوَهَبت قلبي بحمد الله أنوارًا لا تُوصف كنتُ أحتاجُها بشدّة.
وبينما كنتُ غارقًا في بحر الحقيقة هذا بما يستشعرُه قلبي ولا يملكُ التعبيرَ عنه لساني، وراغبًا بتسجيلِ شكري وامتناني لهذا الأثر القيِّم، راجيًا من صميم روحي وقلبي تواليَها وتوابعَها، إذا بالإحسان يَصِلُنا بتتمَّتها یی وهي ثلاثة تلويحات یی وبخاتمتها المشتملة على الإرشادات والتنبيهات الدّالّة على سبيل النجاة من الورطات، فغَدَت بحقٍّ مدارَ سعادة ومنهجَ حياة متجدِّدة.
فما الذي نَملِكُه لأولئك الذين يحرمون أنفسهم من قطافِ آلاف الأنواع من ثمار السعادة، ويتنكَّبون هذه الجادّةَ الكبرى، ويُجهِدون أنفسهم في إطفاء هذا النور المتميِّز، متذرِّعين بحجب الافتراءات والأباطيل، ومُشرعين الأبوابَ والسُّبلَ نحوَ وِديان الضلالة والظلمات؟!
فلتحيا الأنوار التي أَحيَت هذا العصر ونوَّرَته بمشاعلها المنقطعةِ النظير، ورَسَمت خُططَ مستقبلِه ونظَّمَتها.. وأسأل الله تعالى أن يُيسِّر نشرَها بين جميع أفرادِ أمة محمد (ص)، ويكتب لها القبول.. آمين.
صبري
٭٭٭
— 139 —
(فقرة خسرو):
سيدي وأستاذي الحبيب..
تلقَّيتُ رسالتك اللطيفة التي تسأل فيها عن كيفية تلقِّينا الخطأ الواقعَ في نكتة قرآنية مستفاضة من دعاء كنز العرش، موضِّحًا لنا أسباب هذا الخطأ.
قرأتُ هذا القسم مع الرمز السادس الذي يُظهِر التوافقاتِ اللطيفة السامية في سورة الكوثر، وكذا القسم الذي يخصُّ الطريقة، والذي هو أعظم من فاتحٍ كبير.
وكم كان سروري وشوقي كبيرًا هذا الأسبوع، فمن جهةٍ تمَّ تسليمُ أيادٍ أمينةٍ مخزنَ الحقائق الذي استُنسِخَ منذ أعوام، وبانتظارِ طباعته ونشرِه في العالم الإسلامي؛ ومن جهة أخرى كنا نعيش أذواقًا معنويّةً مُتولِّدةً من كلِّ قسمٍ من أقسام "المكتوب التاسع والعشرين"، والتي تبدَّت لنا بنضارةٍ وحُلَّة أبهى من نور هذا الربيع الجاذب وجمالِه.
وقبل وصول رسالتكم، قرأتُ مع أصحابي مرّةً أخرى نكتةً قرآنية ثانية، نابعةً من فيض دعاء كنز العرش؛ ولمّا لم تكُن لدينا البُلغةُ في التدقيق، إذا بنا نجد أنفسنا خلال عشرة دقائق بين المشاعل النورانية لهذا القسم المكتوب؛ وعند القراءة ما كان يصدُرُ مِنّا سوى كلمات الإعجاب والاستحسان بين الحين والآخر، وكانت البشاشة التي تعلو مُحيّانا كافيةً للإفصاح عمّا كنا نعيشه من الذوق المعنويّ.
أستاذي الحبيب، ولأنَّنا نستقبل كلَّ رسالة من الرسائل ببالغ السعادة، وتُقرأ بإعجابٍ، وتَلقَى الاحترام اللائق، فلولا تنبيهُكم یی أستاذي العزيز یی لخطئي في رسالتكم التي تلقَّيتُها مؤخَّرًا، ما كُنّا لاحظنا مثل هذه الأمور وبهذا الشكل، وما كنا نتردَّد في المُطالبة بحقِّنا ممَّن يدعي وجودَ الأخطاء.
كنا قد وقفنا على التوافقات الحرفية في سورة الكوثر والرمز الثامن، ودقَّقنا فيها واحدةً تلوَ الأخرى، ولم نجد أيَّ نقص في أيٍّ منها! ولم يكن تدقيقنا هذا بهدفِ البحث عن أخطاء أصلًا، بل للاستزادة من المعلومات وتلقِّي الغذاء المعنوي.. كنا
— 140 —
في تلك الليلة جالسين في منزلي مع إخواني رأفت ولطفي ورشدي أفندي، وتحدَّثنا في هذا الخصوص مرة أخرى، وكنا جميعًا نقول: نوقنُ أن أستاذنا لن يتردد في التحدُّث إلينا في أيِّ أمر من الأمور، وحسبُنا ذلك. ولم يقع مثلُ هذا الأمر إلى يومنا هذا، وأكبر شاهد على ذلك أنَّ هذه الرسائل رغم تداولها بأيدي من ينسبون لأنفسهم العلم، إلا أنها أجبرتهم على التصديق أيضًا.
أستاذي الحبيب، إن هذه الحوادث تزيد من إصرارنا، وتربطنا بكم أكثر، وأضحت برهانًا قطعيًّا يؤكِّد حرصكم على حمايتنا والحفاظ علينا من شتى النواحي.
أستاذي الحبيب، تلقَّيتُ هذا الأسبوع نكتةً أخرى بخطِّ يدكم، تبيِّن جميع التوافقات القرآنية، وقد عانيتُم الصِّعاب والعوائقَ الكثيرة في كتابتها، وتقولون فيها: إنه ستتمُّ كتابةُ جدولَيْ توافقاتٍ آخرَينِ عامَّينِ عدا هذه النكتة، ويكون طرازُهما مختلفًا.. ننتظر ذلك بفارغ الصبر، ونتألَّم كثيرًا حين يبلغُنا ما تَلقَوْنه من تعبٍ وعناء.. أسأل الحقَّ سبحانه أن يمُنَّ عليكم بالخير الكثير اللائق بكم... آمين.
خسرو
٭٭٭
(فقرة خسرو):
أستاذي الحبيب وسيدي المحترم..
إنَّ ما بلَغَنا منكم حولَ إعادة كتابة القرآن الكريم مجدَّدًا بطريقة أكثرَ وضوحًا في الآياتِ والكلماتِ والحروف أمرٌ مُبشِّرٌ بالخير.. وهذه الأمور وأشباهها تدفعنا دومًا للتوجُّه إلى باب الحقِّ سبحانه لنسألَه التوفيقَ لأستاذنا في وظيفته السّامية العامّة.. وأَخُصُّ بالذِّكر هنا صورة الرسالة الموجَّهة لأخينا الحاج نوح بك ونحوَها من الرسائل، فقد غيَّرَت مجرى حياتنا، وذَرَّت الأنوار على حياتنا المُستقبليّة، فضلًا عن أنَّها أَنقذَتنا من الرياء والتذبذُبِ والتملُّق وغيرها من الرَّذائل الخُلُقيّة التي ابتُلِيَت بها البشريةُ اليوم، وغرَسَت مكانَها بِذارَ الأخلاقِ الحميدة، فكانت سببًا لنموِّ شجرةٍ باسقة نافذة.
— 141 —
بل يمكنني القول: إنَّها نقلتنا إلى حياة مختلفة تمامًا عما تعيشُه البشرية اليوم، وجعلتنا نحيا كل لحظة بتفكير ومشاعر مختلفة، من مثل: كيف يرضى عنّا خالقُنا؟ بأيِّ سعيٍ سنختَتِمُ صحائفَ أعمالنا اليوم؟ ما الذي يتوجَّبُ فِعلُه حتى ننال استحسانَ النبي الحبيب (ص) في دعوتنا إلى طريق الهداية لمن سلك طريق الضلالة أو تبع من ضلَّ من أُمَّته؟
إن أجمل عبارة قالها أستاذنا هي: "إنَّ هذا الرأس الذي أُضحِّي به فداءً للحقيقة القرآنية لن ينحنيَ أمام أي شيء"، وقد انغرست معانيها في أرواح طلابكم الحريصين على اتِّباع أُستاذهم العزيز خطوةً بخطوة، وباتَت نبراسًا لهم وأعظمَ دستور في حياتهم.
ولأننا نعيش في هذه الحياة بهذه الأذواق، فإن القوة الموهومة التي تُدعَى "الخوف" باتت تخشى من الشجاعة والجرأة التي يُبرزُها طلابكم في سبيل الحق.
سيدي، إننا مع إخواننا وطلابكم نتلقَّى بصدر رَحْبٍ جميعَ الأحوال التي تعترضنا في سبيل الرِّضا الإلٰهيِّ، ونتعلَّم الدروس كل وقتٍ وحين من أحوال أستاذنا الحبيب، وندعو لكم بالتوفيق والسعادة، وأن يَغمُرَكم سبحانه بلُطفِه العميم.. ونقبِّلُ أيديَكم بكمال الإجلال والاحترام.
خسرو
٭٭٭
(فقرة الشيخ محمد أفندي نصوحي زاده):
سيدي، أستاذي الأكرم، بُلبلَ جنانِ القرآن..
لقد رحل مُرشِدي الأكمل وحضرةُ شيخي "الحاج رحمي سلطان" إلى دار البقاء في السنة الثانية للنفير العام؛ وقبل قُدومِكم إلى "بُوردُر" بشهرٍ واحد تراءى لي في جامعٍ شريف، وكنَّا معه بصحبةِ بعض أفراد الجماعة، فساد الهدوءُ العام وصِرنا نراقبُ
— 142 —
الحال، فإذا بأرواحِ بعض الأولياء تحضرُ، حتى قَدِمتُم أنتم أستاذي في الختام، فأَفَقتُ بظهور جذبة رحمانية واسترجعتُ قُوايَ، ثمَّ لَمّا قدمتُم بعد شهر حضرتُ مجالِسَكم بضعةَ أيام، وتلقَّت نفسي غذاءَها الرُّوحيّ.
وأجد في نفسي جرأةً لإلقاء هذه القصيدة:
إن أستاذي المبارك يدور في حلقة الحقيقة.
فأوصَلوا روحه بروح الأنبياء.
إن أستاذي المبارك غارق في نشوة.
فأخبروه بأنه دلال القرآن المبارك.
كلماته باعث الحياة، ومن لا يسمعه لا يملك روحًا.
جميع ما ينطق به نور حكمة.
إن أستاذي المبارك يدور في معراج روحاني.
لقد شاهد صميم قلبي نور فيضه.
باطنُه في بحر الوحدة وظاهرُه في صحراء الكثرة.
فلنكن رفقاء في الدنيا والآخرة.
آمل أن يمنَّ الله بهذا لعباده العاجزين أمثالنا.
لقد نطق محمد نصوحي زاده هذه الأسرار ارتجالًا.
أستاذي مفتاح خزينة القرآن..
الشيخ محمد نصوحي زاده
٭٭٭
— 143 —
(فقرة عاصم بك):
سيدي وحضرة أستاذي المحترم..
هنالك سببان وراء تقديم هذه الرسالة لكم:
الأول: لقد تفضَّل أستاذي الحبيب في إحدى فِقْرات رسالته السابقة بالقول: "أسأل الله أن يُدِيم هذا العبد الفقير وأخي العزيز خسرو وأمثالَه من إخواني وطلابي الأجلَّاء الصادقين المخلصين في خدمة القرآن إلى آخر عُمُرِنا".
أستاذي المكرَّم، لقد أمَّنتُ على هذا الدعاء والتضرُّع بكل كياني وما زلتُ أُؤمِّن؛ وأتضرَّعُ إلى الحق سبحانه دائمًا أن يستجيبَ؛ وإن مثل هذا الدعاء والهِمّة من أستاذي الحبيب الموقَّر يجعلُني أذرف دموع الفرح والسعادة.
والسبب الثاني: هو الفقرة التي جاءت عقبها، وها أنا أُدرِجُها كما وردت: "وعند موتي سأتركُكم ورثةً لي من بعدي، فأملي ورجائي من رحمة ربِّي أن أدخل قبري فَرِحًا دون همٍّ أو غمٍّ".
تفكَّرتُ كثيرًا في هذه الفِقرة، ولم يُفارِق ذهني وفكري ومخيلتي أبدًا رجاءُ أستاذي هذا وطلبُه وأَملُه من الرحمة الإلٰهيّة؛ وقد أمَّنتُ عليه أيضًا بجميع ذرَّات كياني، وتضرَّعتُ إلى جناب الحق سبحانه بفضله وكرمه أن يجيبه.
فضلًا عن هذا سيدي، ترغبُ روحي وتأمُل یی ودونما رياء أو تصنُّع، بل برجاء نابعٍ من أعماقي یی: أن يدخلَ هذا العبد الفقير القبْرَ قبل أُستاذِه، حتى أَنعَمَ بالأدعية التي تدعون بها في دار الفناء، وبالهدايا التي ترسلونها بعد الموت، وأُسعَدَ بها لحينِ قدومكم إلى دار البقاء؛ وحين قدومكم أدعو الله ربَّ العالمين وأتضرَّع إليه وهو أرحم الراحمين أن يُكرم روحي بشرف استقبالكم هنالك.. هذا ما يرغب به قلبي ويشغل فكري كثيرًا.
(حاشية): لقد تحقَّقت مناجاة هذا المرحوم في نفس العام، ورحل في أثناء محاكمته إلى دار البقاء، فلأجل ألّا يلحق أستاذه الضرر، دعا ربَّه قائلًا: "اللهم اقبض روحي.. لا إلٰه إلا الله"، وتوفِّي في المحكمة، رحمه الله رحمةً واسعةً. (صبري)
— 144 —
ولي أملٌ أعظم ورجاءٌ أشدُّ من هذا: إذ ترغبُ روحي أن يُطيل الله عُمُرَ أستاذي في الدنيا، ليستمرَّ في أداءِ وظيفته السّامية، ويوقظ الغافلين من نوم الغفلة، ويردَّ المُلحِدين ويُرشدَ الضّالِّين إلى جادّةِ الحقِّ والهداية، وذلك بنشر أنوار الحقيقة وهدايا رسائل النور وتكثيرِ مكتوبات النور؛ لذا آمل أن يعيش أستاذي مدّةً أطول، ويظلَّ قائمًا فوقَ رؤوسنا، فبغيابه نعود أيتامًا لا أبَ لنا ولا أُمّ.
أرغب بكتابة المزيد، إلا أنَّ عجزي وضعفي يَحجُبان قلمي أن يترجم ما في قلبي، محيلًا رجائي وتضرُّعي إلى الحقِّ سبحانه.
عاصم (رحمة الله عليه)
٭٭٭
(فقرة الحافظ علي، وقد كُتبت بمناسبة ما ورد من استفسار عن مسألة صغيرة: "هل وجدتَ في نفسك شيئًا؟"):
الأستاذ المحترم..
إنك عندي أغلى من جميع صفحات حياتي، وإنني على استعداد للتضيحة بها في أيِّ وقتٍ ورهنَ إشارتك، كمثَل الفَراش التي تحومُ حول النار حتى تلقيَ بنفسها فيه؛ فلا يمكن للمرء أن يتردد لحظةً واحدة في أن يضحِّيَ بنفسه في سبيل هدية قدِّمت له من قِبل سلطان عظيم، فكيف إذا كانت التضحية في سبيل حقيقة كهذه؟!
كذلك أستاذي: لقد وهبنا المنعم الحقيقي هذه الرُّوحَ أمانةً، ولا ندري متى يستردُّ أمانتَه، ونحن طوعُ أمره وتحت سلطانه، ومستعدُّون لتسليم تلك الأمانة إلى المُنعمِ بها وقتَ يشاءُ.. وما دُمتُم تبلِّغون الأوامر الإلٰهيّة للسلطان الأزليِّ، بما نلتُم من شرف الاختصاص والقرب، فإن كلماتكم حقٌّ ومحضُ رحمة.
— 145 —
وبما أن المزارع يقلِّمُ الأغصانَ السفلية لتكبر غراسه وتنمو، ويصونها من الأحياء المضرة، فليس لتلك الغِراس حقُّ الاعتراض بأيِّ وجهٍ كأن تقول: "إن من غرسنا وكان سببَ حياتنا يؤذينا أحيانًا"، فلو أنها تُركت على ما هي عليه لربما قطعها حيوان مُضِرّ، وتفسَّخت جذورها تحت التراب وعدمت.
أجل أستاذي، أقولها دون مبالغة: ما كان أحدٌ مُنغمِسًا في الذنوب والتقصير مثلي، بل كنتُ أحيانًا أجزم بذلك، وكنتُ غارقًا في أوحال الذنوب ليس إلى ركبتيَّ وظهري وعنقي فحسبُ، بل من أخمصِ قدمي حتى مَفرِقِ رأسي، بل حتى أعماق وجودي وكياني.
وفي الوقت الذي بدأ كياني كلُّه بالتعفُّن والتآكل من حمأة الذنوب والخطايا، أتيتُم بإذن الله بالعلاج والضِّماد یی كالخضر ولقمان الحكيم عليهما السلام یی ووضعتُم ذلك البلسم الشافي المستخلَص من صيدلية الشفاء القرآني على جراحي وأمراضي، فكنتُم وسيلةً لمنحي حياةً تستحقُّ أن تُسمَّى "حياة"، فمن غيرِ المعقول ألّا يضحَّى في سبيل مَن أنعم بتلك الحياة، وكذا من أصبح وسيلةً لذلك الإنعام الجليل. (حاشية): لقد شعر بأنه سيُستَشهَد بدلًا عني، فأخبر عن ذلك بكرامة تدل على قوة إخلاصه، وقد كان ما أخبر به. (سعيدٌ النُّورْسِي)
وكما يلزمُ المريضَ أن يُدرِك حاجتَه إلى إجراء العمل الجراحيّ، وأنه مَدِينٌ بالشكر الجزيل لمن يُشرف على معالجته ويداويه ليلَ نهار، وبما لا يُحَدُّ من الشكر والحمد لذلك الحكيم ذي الكمال والقدير الذي ليس كمثله شيء، والذي سلَّم هذه الصيدلية وأدويتَها لذلك الصيدليّ.. كذلك يَحزُنني كثيرًا أنني لا أستطيعُ أن أوفي هذا الدَّينَ حقَّه.. فليرضَ الله عنكم أبدًا.
الحافظ علي (رحمه الله)
٭٭٭
— 146 —
(فقرة خلوصي بك):
الأستاذ العزيز، والأخ الشفوق، والمجاهد المحترم..
تلقَّيتُ في الأسبوعين الماضيَينِ وعلى دُفعتَينِ "القسم السادس للمكتوب التاسع والعشرين" مع "نكتة قرآنية نابعة من فيض دعاء كنز العرش"، وكذا المُؤلَّفات المُعجِزة الموسومة بالرمز السادس والرمز الثامن لی"القسم الثامن من المكتوب التاسع والعشرين".
تناولتُ المكتوب الأول في وقت كنتُ أعاني فيه ضيقًا نفسيًّا شديدًا بمقتضى الطِّباع البشرية، وبحاجة لمثل هذا النور ليرفعَ الغشاوة عن عيني، ويعالجَ جسدي المريضَ، ويوفِّر السُّلوانَ لرُوحي المُضطَرِبة، ويؤدِّب نفسي الظالمة.. وإن وصوله في هذا الوقتِ وقبل تسعة أيام من وصول القسم الآخر الذي سلِّم للبريد بعده بثلاثة أيام، لم يكن ليتمَّ بصورة عفوية أو عن طريق المصادفة، فهو لم يَأتِ بل أُرسِل، ولم يَصل بل أُوصِل، وليس بغير هدف بل هُيِّئ على وجه السُّرعة لأجل هذه الخدمة، في أشد أوقاتِ احتياجِه، وقُدِّم كرحمة وعناية محضة من يدٍ غيبية لأخيكم المسكين، بل أضعفِ خدَّام القرآن وأكثرِهم عجزًا وأقلِّهم لياقةً وخبرةً.. فالحمد لله، هذا من فضل ربي!
قرأتُ "القسم السادس للمكتوب التاسع والعشرين" في يوم الجمعة الفائت بحضور والدي، وفتحي بك، والشيخ عبد الرحمن، ورجل آخر؛ كما قرأته بمفردي عدة مرات لأستفيد منه شخصيًّا، وسأعمل على تقديمه وإقرائه لبعض الأشخاص حتى يستفيدوا منه.
إن هذه المؤلَّفات النورانية تحتوي على خاصيَّتين متضادَّتين هما: الترغيب والترهيب، ولا ريب في جدوى تأثير إحدى هاتين الوسيلتين في الإنسان.. وفي ضوء هذه الحقيقة توقِظون أهلَ القرآن وتلاميذه، وتضعون نُصبَ أعينهم ستة أُسُسٍ یی على غرار أركان الإيمان یی لئلا ينخدعوا:
الرِّضا الإلٰهيّ الذي هو أحد معاني الإيمان بالله، بدل حبِّ الجاه..
— 147 —
الإيمان بالقدر، بدل الخوف والشكّ والوهم..
الإيمان بالقرآن والكتب السماويّة التي تعلِّمُ: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ، بدل الحرص والطمع..
الإيمان بالرسل وفي مقدِّمتهم الرسول الأكرم (ص) المبعوث إلى الجن والإنس كافةً، والتذكير بمسلكه، وبدعوته المشتملة على: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا، بدل المشاعر القومية السلبية الهدامة.
الإيمان بالملائكة الذين هم واسطة إنزال الكتب والصحف السماوية على الأنبياء، والتشبُّهُ بهم في أداء الخدمة، وبالسعيِ لنشر رشحات القرآن والحفاظ عليها، دون ترقُّبِ النتيجة؛ مع الإدراك التامِّ بأننا مكلَّفون بمعنى التجرُّد من نوازع البشرية، المستلزمِ الاعترافَ بالعجز والنقص، بدل الأنانية والغرور.
الإيمان بالآخرة دلالةً ورمزًا وإشارةً وصراحةً، من خلال القيام بالوظيفة بدل الكسل والتواكل، وتجنُّب كل ما يحجزنا عن الخدمة القرآنية التي تعدلُ كلُّ ساعة منها عبادةَ يوم، وأن نَستَذكِر دومًا سُموَّ هذه الخدمة فنَستَمسِكَ بها قبل أن تُفوتَنا، بمعنى معرفة قيمة الحياة قبل أن يحين الأجل.
أسألُ الله ذا الجلال أن يرضى عنكم أبدًا، وأن يُدِيمَكم بخير، ويوفِّقكم في جهادكم وسعيكم المخلص لإنقاذ الأمة المحمدية من الضلالة، وإرشادها السَّبيل القويم للقرآن العظيم.. آمين، بحرمة سيد المرسلين، وبحرمة القرآن المبين.
إنَّ في المؤلف الموسوم بی"نكتة قرآنية نابعة من فيض كنز العرش"، وفي الرمز الثامن للقسم الثامن من "المكتوب التاسع والعشرين" من الفيوضات والسُّمُوّ والتَّميُّز ما لا يمكن وصفه وشرحُه؛ فالتوافقات العددية الواقعة في حروف القرآن، والموضَّحة في المؤلف الأول، أذهلتنا وأثارت إعجابنا؛ والتوافقات الواقعة في حروف ثلاثِ سور صغيرة، والمُشار إليها في المؤلف الثاني أمرٌ معجز فعلًا.
— 148 —
إن نبيَّ آخر الزمان ومبعثَ فخر العالمين، وسبب خلقة الأكوان ونزول القرآن، نبينا محمدًا المصطفى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه، ترك فينا یی لحكمةٍ ورحمة بالغة یی معجزةً مخفيةً مستورةً إلى يومنا هذا، تتعلَّق بإعجاز القرآن، وسُمِّيت التوافق الغيبي، وقد نشرها أستاذنا الحبيب من خلال مؤلَّفاته المنقطعة النظير، وليس بإمكاني اليوم سوى ذكرِ جانبٍ واحدٍ من الفيوضات والأذواق المعنوية التي تبلغُ الألفَ، والتي أشعر بها تجاه هذه المؤلفات، وأجدُ نفسي عاجزًا عن أداء الشُّكر إزاءَ هذا الكرم السبحاني والنعم الإلٰهيّة العظيمة التي تُغدَقُ علينا، ولا يسعني سوى القول: "اللَّهُمَّ حَصِّل مُرادَنا ومَقصُودَ أُستاذِنا سَعيدٍ النُّورْسِيِّ بحُرمةِ حبيبِك المكِّيِّ المدَنيِّ الهاشميِّ القُرَيشيِّ".
كنتُ أرسلتُ نسخةً من "القسم السابع للمكتوب التاسع والعشرين" إلى أخينا عبد المجيد، فكتب إلينا مُجيبًا: "من المستحسن أن تكتبوا للأستاذ الأمرَ التالي: إنه لا يجوز لأحدٍ سوى خلوصي وعبد المجيد أن يَنظُر إلى بُنَيَّةِ فكرِ الأستاذ هذه، حتى المحارم هم أيضًا في هذا الأمر أجانبُ؛ وثمّة احتمال كبيرٌ ألا يُجديَ خروجُ مثل هذه الحسناء إلى العموم نفعًا، بل ربما خلَّف أضرارًا جسيمة.. إن سرعة الانفعال والغضب الذي كان لدى سعيد القديم ما زال ساريًا في سعيد الجديد، علمًا أن سعيدًا الجديد لا ينبغي أن يُضيِّع وقته مع بني البشر، وهذا ما يقتضيه مسلكُه ومشربُه.. وعلى كل حالٍ فالحافظ والحامي الحقُّ هو الله سبحانه".
وأنا بدوري أجبتُه بالتالي: "أمّا بالنسبة إلينا فهذا الرأيُ صائب، ولكن لا أجده صحيحًا بالنسبة إلى أستاذنا الذي أعرض عن الدنيا وأقبل على الاهتمام بأمور الناس عبر الوُسطاء النوريِّين، وقام بوظيفته حقَّ القيام، فالذي استخدمه في هذا الأمر الجليل لا شكَّ سيَعصِمُه ويحفظُه ويحميه.. ولقد بِتُّ على قناعة قطعية أننا إن قطعنا صِلَتَنا بالأنوار فإن حضرة الأستاذ سيُولِّي ظهرَه لنا".
— 149 —
إن قلقَ أخينا العزيز في محلِّه بالنظر إلى الظاهر، وهو صادقٌ ومحقٌّ فيه، غيرَ أنَّ حِرمانَ المتَّصِلين بالأنوار من هذه الحقائق یی وهم بالأصل قِلّة یی، وحجبَ هذا المؤلَّف السّامي عنهم، أمرٌ غيرُ لائق ومخالفٌ لقاعدة: "ناصرُنا، حامينا، معينُنا، حافظُنا، هو الله".
بلِّغ سلامي لإخواني الذين استطاعوا إفشالَ جميعِ المكائد التي حِيكَت، والذين آزروا أُستاذَنا الموقَّرَ في وظيفته السّامية بنية صافية وشعور خالص وشوقٍ جادٍّ؛ وأسأل الله لهم التوفيق، وأدعو لهم وأرجو دعاءَهم.
يُقرِؤُكم السَّلامَ كلٌّ من والدي، وفتحي بك، والشيخ عبد الرحمن أفندي، والمفتي السابق كمال الدين أفندي، والإمام الحافظ عمر أفندي، وغيرهم ممَّن لهم علاقة بی"الكلمات"، ويدعون لكم ويطلبون دعاءَكم.
وأكرِّرُ دعائي أن يحفظَكم اللهُ بلُطفِه الإلٰهيّ، ويُديمَ عليكم الصِّحّةَ والعافية، وأقبِّلُ أيديَكم المباركة بكمال الاحترام والإجلال؛ وأرجو منكم یی تفضُّلًا یی الصَّفحَ عن تقصيري، وألّا تُخرِجوا طالبَكم الصّادقَ هذا من دائرة دعواتكم الخيِّرة.
الباقي الحُبُّ في الله
خلوصي
٭٭٭
— 150 —
(فقرة سعيد):
(رسالة كتبتها حول إعادتي لهدية أحدِ أهمِّ طلابي مثلَ خلوصي
وقد تمَّ إدراجُها بين فقرات أصحابي بناءً على طلبهم)
باسمه سبحانه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
أخَوَيِ الآخرةِ العزيزَينِ الوفيَّينِ: نوح بك، وملا حامد..
إنَّ لكما مكانةً رفيعة عندي، إذ أضرب بكما المثَلَ لمن يدَّعون أنه: "لا يوجد رجل وفيّ أمين في هذا الزمان"؛ وإن لمدينة "وان" أهميةً كبيرة عندي، فقد قضيتُ فيها حياةً علميّةً دامت عشرين سنةً، وأنتما بدَورِكُما أبرزتُما تلك الأهمية بحمد الله، وأقررتُما عيني وطَمْأنتُما مشاعري تجاهَ "وان".. وسوف أقصُّ لكما حادثة ذاتَ عبرة:
تلقَّيتُ العام الماضي رسالةً بواسطة محمد أفندي البارلائي الأصل، والذي يعمل تاجرًا في إسطنبول بالشراكة مع بكر أفندي.. وقد بدت لي رسالةً عجيبة! لأن خلوصي بك يخبر فيها أنه التقى بنوح بك، كما تضمَّنت الرسالة خطَّ الملا عبد المجيد المقيم في "نورْشين السُّفلى" وتوقيعَه، وفي الرسالة نفسِها يبلِّغني أخي عبد المجيد سلامَ ملا حامد ودُعاءَه، فقلت: سبحان الله! جميع أحبابي هؤلاء مجتمعون في رسالة واحدة رغم تفرُّقهم في أماكن شتَّى! إنها بحقٍّ لوحةُ توافُقٍ تستحقُّ التأمُّلَ والمشاهدةَ.
وفي هذا العام أتى محمد أفندي مجدَّدًا إلى "أغيردِر"، ومعه برقية نوح بك، فقلت: سبحان الله! كأن لسان حال نوح بك يخاطب محمد أفندي قائلًا: سأقابل أستاذي معك يا صاحبي.
ثم جاءني عامل محمد أفندي برسائله من "أغيردِر"، وبعدها أتى برسالة نوح بك المرفقة بالهدية، فوقع في نفسي أن الأمر ليس مصادفة قطُّ، وحينما دقَّقت محتويات
— 151 —
الرسالة قدَّرتُ أنه في الوقت الذي كان نوح بك يستعدُّ لإرسال هديته إليَّ، قمتُ أنا بإرسال هدية نفيسة تُعادل هديتَه قيمةً، (حاشية): قيمتها المادية ثلاثون ليرة، لكن قيمتها المعنوية ثلاث مئة ليرة. موجَّهةً باسمه إلى إخواني في "وان".. إن في هذين التوافقين إشارةً تخبرني أن نوحًا وحامدًا قد وقع عليهما اختيار الحقِّ سبحانه ليكونا من بين طلابي وإخواني؛ وقد بِتُّ على قناعة أن التوافق أمارة على التوفيق الإلٰهيّ لنا.. وستجدون أمثلة كثيرة من التوافقات في الرسائل.
لكنَّني أرجو منكما العفو لعدم قبول الهدية، فثمّةَ أسبابٌ كثيرة تمنعني من قبول الهدايا، أهمُّها: عدم إفساد العلاقة الخاصة والجادّة بيني وبين إخواني وطلابي، إضافةً إلى التزامي بمبدأ الاقتصاد والقناعة والبركة الذي لا يسمح لي بمدِّ يدي إلى أموال الدنيا إن لم أكن بحاجة شديدة، وهو أمر خارج طوقي وإرادتي.
وسأبيِّن لكما سببًا دقيقًا وموضَّحًا بهذا المثال:
جاءني صديق حميم يعمل في التجارة بكميّة من الشاي قيمتُها ثلاثون قرشًا، فاعتذرتُ عن قبوله، فقال لي: أحضرتُه من إسطنبول لك خاصَّة. فقبلتُه، إلا أنني دفعتُ ثَمنَه ضعفين؛ فاستغرب صنيعي هذا وتساءل عن حكمته؟! فقلت: كيلا تنحدر قيمةُ الدَّرس الذي تلقَّيتَه مني من مستوى الألماس النفيس إلى مستوى قطعةٍ من الزجاج الخسيس، فأنا أتخلَّى عن منفعتي الشخصيّة لأجل منفعتك أنت.
إذ الدرسُ الذي يتعلَّمه المرء من أستاذ يترفع عن حطامِ الدنيا، ولا ينحطُّ إلى الطمع والذُّلّ، ولا يرتضي عرَضَ الدنيا ثمنًا للحقائق، ولا يضطرُّ إلى التصنع، هو درسٌ قيِّمٌ قيمةَ الألماس.. بينما درس الحقيقة الذي يتعلَّمه المرء من أستاذ اضطُرَّ لتلقِّي الصدقات، والتصنُّع للأغنياء، وضحَّى بعِزَّته العلمية في سبيل طمعٍ مُذِلٍّ، وجنح إلى الرِّياء ليلفت أنظارَ المتصدِّقين إليه، وأجاز أكل الثِّمارِ الأخروية في الدنيا، إن هذا الدرس نفسَه تنحطُّ قيمتُه من مستوى الألماس إلى مستوى قِطَعِ زجاجٍ تافهة.
— 152 —
ويصعبُ عليَّ أن أُلحِق بك ضررًا معنويًّا بقيمة ثلاثين ليرة من أجل منفعة تساوي ثلاثين قرشًا، بل أعدُّ ذلك ظلمًا؛ وما دُمتَ إنسانًا مضحِّيًا فإنني مقابل تضحيتك هذه أُفضِّل منفعتَك على منفعتي، فلا تَمتَعِض مني!
وبعد أن فَهِم هذا السِّر تقبَّل الأمرَ، ولم يتضايق لأجله.. وهو ما أرجوه منكما أخويَّ العزيزَينِ: "نوح بك" و"حامد".
واعلم جيدًا يا "نوح بك" أن افتقادَك لي في تلك المناطق والنواحي، واهتمامك بي في هذا الزمان بوفاء وشفقة، أغلى عندي من آلاف الهدايا؛ وأنَّ حفاظكم على الرسائل التي أرسلُها إليكم وتبنِّيَها وحمايتَها نيابة عني، هديةٌ ثمينة تساوي عندي آلافَ الليرات؛ فهي ثمرة حياتي وواجبي الوطني الذي أُوفي من خلاله ديوني المترتبة عليَّ من محبّة إخواني وأُخوَّتِهم في تلك المناطق.. فالتزامُكم تجاهَها ونضالكم لأجلها وحرصكم على نشرِها بين مستحقِّيها والمستفيدين منها، أعظم عندي من آلاف الهدايا الدنيوية.
وأؤكِّد أنني ما كنتُ لأكسرَ خاطر "نوح بك" لولا أن الضرر المعنويَّ الذي سيلحقني بذلك كبيرٌ جدًّا، فإنِّي بحمد الله لم أُضطرَّ لقبول الهدايا حتى اليوم، ولم أنجرَّ وراءَ الطمع الذي يتسبَّب بسقوط العلماء في هذا العصر؛ ولو أنِّي قَبِلتُ هديَّتكما لَأفسَدتُ قاعدتي التي ألتزمُها منذ خمسين عامًا، ولَانكسَرت قلوبُ كثيرٍ من الناس.
سلامي لجميع إخواني وطلابي القدامى في تلك المناطق فردًا فردًا، وأدعو لهم وأرجو دعاءَهم.
الباقي هو الباقي
أخوكم سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 153 —
(فقرة سعيدٌ النُّورْسِيّ):
باسمه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
أخي العزيزَ الوفيَّ الدَّؤوب، وصاحبي في الخدمة القرآنية "رأفت بك".. إنَّ وظيفتَك القرآنيَّة التي تُؤدِّيها مبارَكةٌ كلُّها، أسأل الله أن يوفِّقك ويزيدَك همةً ونشاطًا، وأن يُبعِدَ عنك الفتور والملل.
وظيفتك هذه أهمُّ من النَّسخِ والكتابة، لكن عليك ألّا تَدَعَ الكتابة أيضًا.
سأُبيِّن لك دستورًا من دساتير الأُخُوّة يجب أخذُه بعين الاعتبار، وهو أن الحياة ليست سوى نتيجة من نتائج الوحدة والاتِّحاد، وإن الاتِّحاد المُمتَزِج متى زال زالت الحياةُ المعنويّة، وكذلك التساندُ متى اختلَّ فقَدَت الجماعةُ معناها، كما يُشيرُ إليه قوله تعالى: وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ
وكما تعلمون فإنَّه إنْ كُتِبَت ثلاثُ ألِفاتٍ كلٌّ على حِدة كانت قيمتُها ثلاثة، أمّا إن اجتمعت بتساندٍ عددي صارت قيمتُها مئةً وإحدى عشرة؛ وكذلك الحال بالنسبة إليكم، فإنَّ ثلاثةً أو أربعةً من خُدَّام الحقِّ من أمثالكم إن تحرَّكوا فُرادى دون تقاسُمٍ للأعمال، كانت قوَّتُهم قوّةَ ثلاثةِ أو أربعة رجالٍ؛ أما إن تحرَّكوا بأُخوّةٍ حقيقيّة، وبتساندٍ وافتخارٍ بمزايا بعضِهم، وبتفانٍ فيما بينهم بحيث يكون أحدُهم عينَ الآخَر، أصبح هؤلاء الأربعةُ أربعَ مئةٍ من حيث القوة والقيمة.
أنتم بمثابة القائمين على مولِّدات كهرباءٍ ستُنير بلدًا عظيمًا لا "إسبارطةَ" وحدَها على كِبَرها، ولا بدَّ لمسنَّنات الآلة أن تتعاون فيما بينَها، فلا محلَّ للحسد والغيرة بينَها، بل على العكس، إنما هو السرور والامتنان لوجود مزيدِ قوةٍ في المسنَّن الآخَر؛ فلو كان لمسنَّنٍ ما شعور، ورأى مسنَّنًا آخَر أقوى منه، لَامتنَّ لذلك وسُرَّ به وافتخر، لأنه يخفِّف عنه من أعباء وظيفته.
— 154 —
وإنَّ من يحملون على كواهلهم كنزَ خدمة الحقِّ والحقيقةِ وشرفَ خدمةِ القرآن والإيمان یی هذا الكنز الجليل النفيسَ یی إنما يشعرون بالفخر والشكر والامتنان كلَّما انضمَّت إلى كواهلهم كواهلُ أخرى قويَّة.
حذارِ أن تفتحوا بابَ الانتقاد فيما بينكم، فثمّة أمورٌ كثيرةٌ خارجَ دائرة إخوانكم تستحقُّ الانتقاد.
فكما أنني أفتخر بمزاياكم، وأنظر إلى ما ليس لديَّ منها فأُسَرُّ لوجوده فيكم وأعدُّه مزايا لي؛ فعليكم أنتم كذلك أن تنظروا إلى بعضكم كما ينظر أستاذكم إليكم، وليكن كلُّ واحدٍ منكم ناشرًا لفضائل الآخَرِين.
وكم كانت قيِّمةً جدًّا تلكم المشاعرُ الأخويّةُ التي أبداها "الحافظ علي" یی أحدُ إخواننا من "إسلام كُوي" یی تجاه أخٍ آخَرَ يُمكن أن يكون منافسًا له، وسأذكرُها لكم للاطِّلاع والفائدة:
جاءني "الحافظ علي"، فأخبرتُه أن خطَّ أخينا الآخر أجودُ من خطِّه، وأنه يؤدِّي خدماتٍ أكثر، فإذا بي أجد "الحافظ علي" يفتخر بتفوُّق أخيه عليه بمحض الإخلاص والجِدِّية، بل لقد داخَلَه السرور وانشراح الصدر لِمَا رأى من السرور الذي دخل قلب أستاذه بذلك، وما ناله من الرِّضا والثناء.
راقبتُ قلبه وتمعَّنتُ فيه بدقة، فوجدتُ أنَّ الأمرَ ليس مجرَّد تصنُّع، بل هو شعورٌ خالص، فحَمِدتُ الله تعالى أنَّ في إخواننا من يَحمِلُ هذه المشاعرَ السّاميةَ، لأن أمثال هذه المشاعر ستُحقِّقُ الكثيرَ من الإنجازات بإذن الله! وأَحمَدُ اللهَ أن هذه المشاعرَ والأحاسيس بدأت تسري تدريجيًّا بين صفوف إخواننا في هذه المناطق.
طرفة صغيرة:
تحدَّثنا عنك ونحن جلوسٌ، وذلك حين جرى ذِكرُ المسألة التي تتحدَّث عن الشكر، فسألتُ: "هل شاهد رأفت بك ما كتبه خسرو"؟ فقال بكر آغا: "نعم، ورأى أنه جميل جدًّا، وسأل خسرو: هل تصرَّفتَ فيها بشيءٍ من عندك يا تُرَى؟ فردَّ خسرو: لا،
— 155 —
لم يتحقق التوافق في نسختي بتمامه، لكنَّه كان تامًّا في النسخة التي كتبتُها لهم"، وجرى بعضُ النقاش..
وبهذه المناسبة أقول لأخي رأفت بك: لقد أوصيتُ ألّا يتدخل أحدٌ بشيءٍ من عنده حتى لو كان التوافق ناقصًا في النسخة الأصلية، وذلك كيلا يَفسُدَ الشكلُ الأصليّ؛ وقد تحقَّق التوافقُ في نسخة خسرو رغم أن مُسوَّدَتها الأصلية حصل فيها انحرافٌ يسير، ولاحظ ذلك بكر آغا أيضًا؛ لذا لو لم يكن لدى خسرو أية مهارة سوى عدمِ إفساده للتوافق لكانت كافيةً.
حتى إنني أوصيتُ بعدم تدخُّلِ أحدٍ بمهارته في توافقات الصلوات الموجودة في "المعجزات الأحمدية"، مع أن التوافق حصل حتى في المُسوَّدات الأصلية، وكذا في نُسَخِ أدنى النُّسّاخ خبرةً خلا البعض؛ وعليه فإن التوافق الذي لم يتمكَّن ثمانيةُ ناسخين مختلفين من إخفائه، سيكون بطبيعة الحال توافقًا قويًّا، لذا أطلب ألا يُفسِدَه النُّسّاخ أو من لم يتمكَّنوا من تحقيق التوافُق، فأعظم النُّسّاخِ مهارةً هو من يحقِّق التوافق ولا يُفسِدُه، ولأن التوافق موجود فقم أنت كذلك بتحقيقه بالتعاون مع خسرو، فأنتم لا تُوجِدُون شيئًا من العدم، لكن حاولوا ألّا تُعدِموا ما هو موجودٌ فعلًا.
سلامي ودعائي لقُرّاء "الكلمات" وكلِّ من لهم صلةٌ بها.
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
(فقرة الحافظ علي):
الأستاذ المحترم..
تفضَّلتم في المسألة التاسعة من القسم الثالث للمكتوب التاسع والعشرين: بأنَّ حصّةَ العبد الفقير من خدمة القرآن: طفلين صغيرين وطفلة؛ وحينما تلقَّيتُ هذا الأمر
— 156 —
طفقتُ وأنا في طريق العودة أفكِّر: مَن مِن أطفال أقربائي أختار؟ فخُوطبتُ معنًى: يا عليّ، ليس هذا الأمرُ إليك، بل ثمّة من يختارُ لك.
وبعد ثلاثة أيام أتاني طفلان صغيران اسمُهما: "يشار" و"نجاتي"، فأصبحا رفيقَيَّ وصاحبيَّ، ووجَّهتُ عنايتي نحوهما إلى حدٍّ كبير؛ واجتهدتُ في تعليمهما القراءة والكتابة، حتى تعلَّما قراءة القرآن خلال شهر واحد، ثم وُفِّقا لختم القرآن خلال خمسة أشهر، فالحمد لله.. هذا من فضل ربي.
أستاذي المبارك، تفكَّرتُ في هذا الأمر كثيرًا، فتعلُّم القراءة يستلزم عادةً عامًا أو عامين، لكن تمَّ الأمر الجليل خلافَ المتوقَّع تمامًا، لذا بتُّ وجميعُ أهل قريتي ممَّن شهدوا هذه المَكرُمةَ مُوقنين بأنها رشحةٌ من بحر إعجاز القرآن العظيم، ولم تُنجز إلا بطاقاتٍ عظيمة نابعة من الهمة المعنوية لفخر العالمين ونبيِّ آخر الزمان محمد المصطفى (ص)، وبفضل دعاء أستاذي الذي انتُدِب لوظيفة إظهار الإعجاز ونشره.. إنني باسم جميع أهل الإيمان في القرية أتقدَّم بالشكر الجزيل لأستاذي الذي كان وسيلةَ هذا الخير العظيم، ولا يفتر لساني عن ترديد: "رضي الله عنكم أبدًا".
أستاذي، هنالك أمرٌ آخر، وأنتظر أوامركم بخصوصه، وهو أنني سأبدأ إن شاء الله تعالى بتحفيظ القرآن الكريم لتلميذ دائرتكم "يشار"، وسيكون لكم یی دون شكٍّ یی بالغُ الأثر في تربية وردةٍ مُحمَّدية أخرى، كمثل أمطار نيسان التي تأتي بالربيع بعد الشتاء، وتغدو وسيلةً لتفتُّح أزهارٍ منوَّعة.
فكلِّي رجاءٌ أن تخصُّوا هذا الطالب المبارك، في هذه الدائرة المباركة، وفي ليلة الجمعة المباركة بدعاءِ ختمِ القرآن، وبالتوفيق لحفظِه؛ وأن تدعو للعبد الفقير بالمغفرة.
أُقبِّل أيديكم بكمال الاحترام والإجلال، وأرجو منكم سيدي العفوَ عن تقصيري.
الحافظ علي
٭٭٭
— 157 —
(فقرة خسرو ):
أستاذي الحبيب.. تلقَّينا رسالتكم الموسومة بی"سرُّ إنَّا أعطينا" التي أرسلتموها الأسبوع الفائت، ولا يكادُ يمرُّ أسبوعٌ إلا ونَشرُفُ بتلقِّي رسالة جديدة في غاية اللطف تزيدُنا سرورًا.
ومنذ أسبوعين ونحن نُعاوِد قراءة هذه الرسالة ولا نُفارقها، أجل، فهي إذ تَسحَرُنا بما تنطوي عليه من الحقائق، تُقوِّي آمالَنا یی من جهة أخرى یی ببُزوغِ الشمس التي وعد الحق سبحانه بها هذه الأمة في المستقبل، كما تحملُنا على التساؤل: تُرَى من أين ستُشرق هذه الشمس وسَطَ هذا العالم المُلبَّد الأجواء بسُحُبِ الظُّلُمات؟! وبأيِّ صورة ستُشرِق؟! وكيف ستُمزِّق هذه السُّحُبَ التي تَنشُر الظُّلمات والمصائب؟!
ووسطَ هذه التساؤلات يظهر لنا ذيلٌ آخرُ أشبهُ بنبعٍ فيَّاض يُعيِّن وقتَ بزوغ تلك الشمس، ويبعثُ في نفوسنا الطمأنينةَ والسُّرورَ، ويضعُ عن كواهلنا أعباءً ثقيلة، ويجعلنا نتنفَّسُ الصُّعَداء، فيُحقِّقُ ما كنا نرغب به منذ سنوات طويلة غير أننا نعجِزُ عنه.
أحمد خسرو
٭٭٭
(فقرة خلوصي بك):
أجدُ نفسي محظوظًا جدًّا هذه المرة إذ تلقَّيتُ مكتوبكم المبارك الحاوي دعاء كنز العرش، ولذيل النكتتين الثانية والثالثة النابعتَينِ من فيضِه؛ وأمّا التأثير الذي تُحدِثُه أمثالُ هذه الرسائل سواءٌ في الأستاذ أو في أصحابي الذين في تلك المناطق فلا دورَ لأخيكم العاجز فيه، وإنما أنا واسطة ووسيلة فقط، بدليل أني حاولتُ مرّاتٍ عدّةً أن أكتُبَ رسالة لفضيلتكم فلم أتمكَّن من صياغة كلمتين في جملة واحدة، وكنتُ في أغلب الأوقات أحاول تلقُّفَ عبارات شخصٍ غيبيٍّ، ما يعني أن ثمّةَ مؤثرًا خارجيًّا يدفعني لهذه الكتابة.. وأمّا الثناء الذي ورد فيه فإنِّي أتلقّاه كدعاء بحقي، وأشكر الحقَّ سبحانه على ذلك.
— 158 —
أهنِّئُ أخي الذي يحمل اسم "خسرو"، والذي يُؤْثرُ خدمةَ القرآن بكلِّ صدق وشفافية على كثيرٍ من المشاغل الدنيوية والمنافع المادِّيّة.. وأسأل الله أن يكثر من أمثاله ويبارك في أعدادهم على الدوام.. وإن تعرُّفي على الشَّخصيّات الفاضلة التي تشترك في هذه الخدمة السامية هو بمثابة بشرى عظيمة.
قبل يومين قمتُ بزيارة المفتي كمال أفندي، وكان قد طالع المكتوب السابق، فقال لي: "إن الحقائق التي وقف عليها الأستاذ في القرآن، والدقائق التي استخرجها من معينِه، لم يتمكَّن أحدٌ من الوصول إليها حتى يومنا هذا"، فأثنى على الرسائل، وطلب أن أُبلِّغكم سلامَه ودعاءه.
وقد وُفِّق حتى هذه اللحظة كلٌّ من فتحي بك والحاج بهاء أفندي ووالدي وصهري والحاج عبد الرحمن أفندي للاستماع إلى هذا المكتوب المبارك؛ وسوف أقرؤه في أقرب فرصة للحافظ عمر أفندي إن شاء الله.
كلُّ رسالة من رسائلكم تترك فِيَّ أثرًا بالِغًا، وكأنها تَهَبُ لي الحياةَ مُجدَّدًا؛ ولقد أصبح هذا المكتوب مبعثًا لسروري وسعادتي، إذ بشَّر بتأليف الرمز الرابع، وبالعزم على إرسالِ نسخة منه إلى العبد الفقير.
كنتم قد شَرَعتُم قبل مدّة طويلة بكشف الستار عن سرِّ التوافق الموجود في القرآن، وها أنتم اليوم تُوفَّقون لكشف فصلٍ مُهِمٍّ من فصول إعجاز القرآن ونَشرِه بعد أن بقي مَخفِيًّا یی لحكمة ما یی حتى اليوم؛ فمهما حَمِدْنا اللهَ تعالى على هذا الأمر العظيم فهو أهلٌ لذلك.
وإنِّي على يقين قطعيٍّ بقطعية تعاقُب النهار بعد الليل وحلولِ الربيع بعد الشتاء وقيامِ الآخرة بعد الحياة: أنكم كلَّما سرتم قُدُمًا في هذا السبيل الذي فُتح لكم بفضل الحق سبحانه، ستقفون على حقائقَ إعجازيةٍ عظيمة، وتَزُفُّون بشاراتٍ عظيمةً لإخوانكم المحتاجين.
وكم نحن محظوظون إذ كُنّا مظهرًا لأمثال هذه السعادة! ويا لَتعاسة من يصرفُ نظرَه عن هذه الأنوار! ويا لَفداحةِ خطأِ من يُعرضُ عن هذه الحقائق ولا يهتمُّ بها
— 159 —
الاهتمامَ اللائق! وكم هو أحمقُ ومجنونٌ ذاك الذي يحاول إطفاء هذه الشمس بالنفخ عليها!
أجل، إنكم في ختام هذا الطريق النيِّر بلغتُم الكوثر بدلالة صاحب الكوثر، فتقفون عند نهر الكوثر بهداية شفيع المحشر، وتقرؤون آية: وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا، فتُنادون ببيانٍ نورانِيٍّ يَبُثُّ الحياة في الأرجاء ويبعثُ اليقظة في كلِّ طائفة من الطوائف: "أيها الناس، من يبتغي منكم حياةً أبدية فها هو ماء الحياة.. من ضلَّ منكم سبيله فها هي وسيلة النجاة.. من لم يرتدع منكم عن كفره وعناده فليعلم جيدًا أن بانتظاره العذابَ الشديد والعقابَ الأليم.. إلخ".
وملأتُم جرارًا من هذا الكوثر وسلَّمتُموها لأصحابكم وإخوانكم وطلابكم ممَّن يجتهد في اتِّباعكم في هذه الخدمة السامية، كي يَبذُلُوها غذاءً للمحتاجين وعلاجًا للمرضى والمستضعفين، وسُمًّا زعافًا للكفرة والظالمين.
وحين نُسرِّحُ النظر في آفاق الحقيقة التي نُشرَت بهمَّتِكم وإرشاداتكم القدسية، نجد أنَّ القرآن عبارة عن حوض كبير واسع لا ساحلَ له ولا حدود، وأنَّ السُّوَر النابعة من عين باء البسملة التي في أول الفاتحة تشكل مئة وأربعة عشر رافدًا لماء الحياة، ولكلٍّ منها طعمٌ مختلف، وقوّة متميِّزة، وسرعةُ جريانٍ مغايرة، وتَصُبُّ جميعًا من سواقي الكوثر في هذا الحوض الكبير.
أنَّى لهذا العقل الصغير أن يبلغ تلكم المعالي!!
وأنَّى لهذا الميزان الصغير أن يَزِنَ هذه الأعباءَ الثِّقال!!
سلامي لإخواننا في الآخرة الذين استحقُّوا أن يكونوا مظهرًا للتقدير حين اصطفُّوا معًا، وشدُّوا يدًا بيدٍ وكتفًا بكتِفٍ، وانطلقوا معًا بقوّة الحقِّ سبحانه وعونِه.. ندعو لهم، ونتمنى لهم النجاح والتوفيق، ونرجو دعاءَهم.
خلوصي
٭٭٭
— 160 —
(فقرة لعاصم بك، كُتِبت في حقِّ التلويحات التِّسعة):
أستاذي الحبيب..
بم أتحدَّثُ عن هذه الرسالة الشريفة التي أشتاقُها غايةَ الشَّوق، وعن هذه الكلمات والحقائق والأنوار التي منَّ الله تعالى بها على هذا العبد الفقير من بحرِ جُودِه ولطفه؟! هذا من فضل ربي.
إنني أحمد الله القدير المطلق وأشكره وأُثني عليه على الدوام، أن جمعني بكم أستاذي الحبيب، فشَهِدتُ هذه الأنوار، وأبصرتُ هذه الحقائق، وقرأتُها وكتبتها، واقتادتني نحوها بكمال الطاعة والانقياد.
وبناءً على ذلك، ولكي أحظى بدعاء أستاذي العزيز وإرشاده: أُبيِّن أمام الحق سبحانه وأمام فخر العالمين عليه أكمل التحيات وأفضل الصلوات والتسليمات، وأمام جميع المرشدين والعظماء من أمثال الشّاه النَّقشبند قُدِّس سرُّه، وأمامكم خاصّةً أستاذي الذي أقبلتُ طوعَ أوامره بغاية التسليم.. أبيِّنُ لكم جميعًا متوكلًا على الله: أن هذا القسم التاسع الذي يبيِّن مَقصَد الطريقة المحمدية (ص) ويعرِّفُ غايتها وأساسها بجميع تفرُّعاتها، ما هو إلا منارُ طريقة وحقيقة، لا تُملُّ قراءتُه، ولا يمكن وصفُ الأذواق واللَّذّة الناشئة من قراءته في كلِّ مرة، وبخاصّة التلويح التاسع الذي جمع جميع الحقائق ولخَّصَها.
لا مُشاحّة في التمثيل: أليس الذي نبع وفاض من الناي الذي جرت فيه أنفاس مولانا جلال الدين الرومي، هو عين أسرارِ الحقيقة التي هتف بها عليٌّ (كرَّم الله وجهه) في البئر؟! فما الفارق بينهما؟ لا بدَّ أن ذلك الناي قد صُنِع من القصب الذي نبت من هذا البئر.
ولأنَّ تفكيري قاصر وقلمي عاجزٌ لا يُحسِنُ التعبيرَ عمّا في قلبي من مشاعر، لا يسعني إلا أن أقول: إنه مرشدٌ ودرسٌ عظيمٌ جدًّا لأمثالي من الفقراء والمُبتدئين، ودستورٌ ودرسُ عبرةٍ للأصفياء الذين ترقَّت نفوسُهم فبلغت مقامَ النَّفسِ المُطمئنّة أو
— 161 —
أعلى؛ وكتابُ طريقة لا يُقدَّرُ بثمن، وبستانُ ورودٍ تفوح بأنوار الحقيقة؛ والأهمُّ من هذا كلِّه: هو إلهامٌ رباني محضٌ.
أستاذي، أسأل الله أن يُباركَ في عمُرِكم لإتمام تصنيف هذه المؤلَّفات العظيمة، وللقيامِ بوظيفة الدلَّالة على الحقائق ونشرِ الأنوار، وأن يُديم بقاءَكم فوق رؤوس مُحبِّيكم وإخوانكم الذين يُصغُون للحقائق التي تنطقون بها، فيتلقَّونها قراءةً وكتابةً، ويعملون بموجَبِها ومقتضاها بإقبال وتفانٍ.. آمين بحُرمة سيِّد المرسلين.
عاصم (رحمه الله)
٭٭٭
(فقرة رأفت بك):
أستاذي المحترم..
كم هي مؤلَّفات مدهشة ومثيرة للإعجاب هذه الرموز! إنَّها تمنح عُشَّاق العلم من قرّائها أذواقًا غير متناهية ومشاعر رقيقة سامية؛ ولقد تَجَدَّدَت حياتي بهذه المشاعر العُلوية، حتى إنني أدعو الخلَّاق العظيم أن يرزقَني طولَ العمر مع الثبات على هذه الحياة الجديدة.
وها أنا أُطالعُها دون ملل وأقرؤها دون سآمة أو كلل، وفي كل مرة أقرؤها أشعر كأني أُطالعُ كتابًا جديدًا لم أقرأه من قبل! لِما أجدُه من ذوقٍ معنويّ لا يُوصَف، ومتعةٍ روحيّة لا تنقضي.. وهكذا هو الأمر في سائر "الكلمات" أو "المكتوبات" أو "الرموز"، ولعلَّ المزيّة الخاصّة لهذه الرسائل تتمثَّل في هذه النقطة الدقيقة، فغيرُها من المؤلَّفات لا تجدُ حاجةً لإعادة قراءتها، غيرَ أنِّي مهما قرأتُ هذه الأنوار القرآنية لا أستطيع إسكات جوعي ورغبتي بقراءتها، ولا سيَّما "الرموز" التي أغرقتني سحرًا وحيرةً وإعجابًا؛ لذا شرعتُ بنَسخِها على الفور.
رأفت
٭٭٭
— 162 —
(فقرة أحمد خسرو):
تلقَّينا إعجازًا مهمًّا يتعلق بالرمز الثاني من القسم الثامن للمكتوب التاسع والعشرين، وكذا اللمعة الأولى والثانية للمكتوب الحادي والثلاثين المتضمِّنتينِ لآيتين جليلتين من القرآن الحكيم، فجالَت بنا في طريق الحقّ، وداوَت جراحنا المعنويّة، وأَكسبَت أفكارَنا وأنظارَنا في مجال الحقيقة قوّةً ومتانة، وقوَّت عزائمَنا وجُرأَتنا رغمَ تهديد الشياطين، وأنارَت أرواحَنا وقُلوبَنا بأنوار الإيمان والحقيقة، وشجَّعَتنا على الثبات في مسعانا.
فمنَّ الله علينا بقراءَتها، وأنَّى لقلبِ طالبٍ فقيرٍ مثلي وقلمِه أن يُعبِّرا عمّا تلقّاه من الفيوضات المعنوية!!
أستاذي العزيز، كيف لا نُدرِكُ مِنّةَ الخالق ذي الجلال وقد أغدَقَ علينا عظيم النِّعمة، وجعلَكم سببًا لها، ومنَحَنا إيّاها في أشدِّ الأوقات حاجةً إليها، ووهَبَنا الرِّضا والسلوان، وهدانا إلى النور، وأرانا وجه المستقبل المُنير؛ وها هو يزيد أعدادَ إخوانِنا، ويكثر محبيِّنا؛ ويعزِّزُ ماديًّا ومعنويًّا قُوانا، ويضَعُ مفاتيحَ خزائنِ السعادة في أيدينا؛ فيمنُّ علينا ويُكرمُنا من جميع الجهات.
أستاذي العزيز: أسأل الله أن يرضى عنكم دائمًا.
أحمد خسرو
٭٭٭
— 163 —
(فقرة ذكي):
تُساورُني الرغبةُ الشديدةُ في السفر بعيدًا نحو جهة مّا، واغتنامِ أوقاتي خارجَ وظيفتي الرسمية، والتفرُّغ للعناية بالمؤلفات النفيسة العالية، والانصراف لخدمة خزينة الحقائق السامية؛ إلا أنَّ موانع اضطرارية تحول دون تحقيق رغبتي هذه؛ فلو كانت لديَّ في هذه الأيام رسالةٌ أو اثنتانِ على الأقل من لَمَعات كتاب الكائنات ونُورِه المتجسِّد في مؤلَّفاتكم التي تمنح مطالعتُها الأرواحَ والقلوب صفاءً أبديًّا سرمديًّا؛ لكانت لي منبعَ سعادة وسرور لا يُوصَفُ، وكنزَ نِعَمٍ فريدًا لا يُضاهى.
أخبرني أخي صبري أفندي قبل مدّة طويلة بأنَّه سيُرسِل إليَّ بعضًا من الأنوار والأسرار القدسية التي صدرت حديثًا، وربَّما لم يجد الفُرصةَ السّانحةَ لكتابتها وإرسالها؛ ويعتريني الندم الشديد لعدم اصطحابي بعضَ الرسائل معي، إذًا لكنت استفدتُ من مطالعتها وحصلتُ على القوة الكافية لصراعي المعنويَّ على الأقلِّ، وإن لم أجد الوقتَ الكافي لقراءتها للآخرين.. لكن أجد نفسي یی في خاتمة المطاف یی مُتضرِّرًا بحقٍّ ما دُمتُ محرومَ الاستفادة من تلك الخزائن، وعسى نتدارك الأمر في أقرب فرصة بإذن الله وبهمّة دعائكم.
إنني أُمضي ما قُدِّر لي من أيام العُمُر حامدًا شاكرًا لله تعالى، وقد رُزِقتُ إيمانًا قويًّا أجدُه یی كلَّما تفقَّدتُ قلبي یی يزداد يقينًا بأضعافٍ مضاعفة بأنني سأنتصرُ على نفسي في صراعي معها.
أستاذي العزيز، يصبِّرُني على البُعدِ والفراق أنَّه مؤقَّتٌ، رغم أنَّه فِراقٌ مُحزِنٌ، وحينما تعترضُني بعضُ الأمور التافهة أقول في نفسي: آهٍ لو كنتُ بالقرب من أستاذي! غير أنِّي أُسدي النصيحة لنفسي ولقلبي بالتحلِّي بالأمل والقوّة؛ فكما أنَّ رفضَ الطَلبِ قد يُكسِبُ النَّفسَ قوّةً وشدّةً، كذلك عدم تحقُّق آمالي حاليًّا يقوِّي إيماني ويُعزِّز آمالي بالنسبة نفسها، فتسمو روحي عاليًا، وأتنفَّسُ بردَ الرِّضا المديد من نافذة قلبي.
ذكي
٭٭٭
— 164 —
(فقرة خلوصي بك):
سيدي وأستاذي المحترم..
لهذا المكتوب خاصِّية مهمَّة، وهي حملُه عنوان طريق الولاية، واشتمالُه على موضوع مهمٍّ للغاية.. فهذا المؤلف المبارك إذ يفسِّرُ بعضَ جوانب الآية الجليلة: أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ هو كذلك:
یی يعرِّف الطريقةَ بشكل جميل.
یی يُعطِي مثالًا جيدًا عن فائدتها ولو بشكل جزئي.
یی يبيِّنُ أهمِّية الولاية والطريقة وعلاقتهما ببعضهما، ويكشفُ حُجُبَ الضلالة عن وجوه المنكرين، ويُفصح عن الخطأ الجسيم الذي يرتكبُه أولئك الذين يحاولون دفنَ هذه الخزينة العظيمة أو تخريبها، أو يسعون لتجفيف هذا النبع الفياض؛ ويقدِّمُ في هذا السبيل دلائلَ وأمثلة تُقنِعُ أهلَ الإنصاف من أولي الألباب.
یی يُجلِّي بشكل صريح مَشرَبينِ من مشارب السير والسلوك، كي تتَّضح أوصافُ مسلك الولاية المُضادّة للمسلك الآخر، ويظهر ما بينهما من فروق.
یی يعرِّفُ بمشربَيْ وحدة الوجود ووحدة الشهود، ويكشف ما بينهما من تباين شاسع.
یی يُوضِّحُ بأسلوب بليغ وبيانٍ فصيح أن طرق الولاية الأفضل هي التي تحرص على اتباع السُّنّة السَّنيّة، كما يبيِّنُ أن أهم أساسٍ في طرق الولاية وشُعَب الطريقة: الإخلاص، وأن هذه الدار الدنيا هي دارُ الحكمة والخدمة، وليست دارَ المكافأة والأُجرة.
یی يُنبِّهُ الأذهانَ بالأمثلة الكاشفة إلى مدى سَعةِ الشريعة؛ ووجوب ألّا تكون الطريقة والحقيقة مقصودتين بالذات، كما يَكشِفُ اللثام عن الخارجين عن أحكام الشريعة والمُخالفين للسُّنّة السَّنيّة من أهل الطريقة بقِسمَيْها.
— 165 —
یی يلفِتُ الأنظار إلى الوَرَطاتِ الثمانية الواقعة في الطريقة من خلال السَّردِ والتَّعداد.
یی يعدِّدُ بصورة إجماليّة ومختصَرة تسعًا من فوائدِ الطريقة الكثيرة.
وهنا أجدُني مضطرًّا للاعتراف بأنِّي تلقَّيتُ من فيوض هذا المكتوب ما يُناسبُ قابليتي فقط، أمّا أن أبلغ مستوى فهم هذه المعالي بتمامها فهَيْهات! هذا فضلًا عن أنكم قد علَّمتم هذا المسكين بمؤلفكم المبارك هذا أشياءَ كثيرةً، وقوَّيتُم بعض مكامِنِ ضَعفِه، كما أحكمتم بعضَ قناعاته وصحَّحتُم بعض مفاهيمه المنقوصة التي استفادَها خلال مطالعاته، وأثناء حضوره دروسَ الوعظِ والإرشاد، ومجالستِه أرباب المسالك والمشارب المختلفة.
أسأل الله ذا الجلال أن يحقِّقَ جميع مطالبكم ويبلِّغ عموم مقاصدكم الدنيوية والأخروية، وأن يجيب سائر أدعيتكُم، لا سيَّما ما يخصُّ الأمة المحمدية المرحومة، وأن يصرف عن ذهنكم كلَّ ما يَشغَلُ عن خدمةِ الإيمان والقرآن، وأن يحفظكم ذُخرًا لهذه الأمة ويكتب لكم الرِّضا والرضوان.. آمين، بحرمة القرآن المبين، وبحرمة الإمام المبين.
لقد أَثنَى جميعُ من قرأت لهم هذا المكتوب المنوَّر على مضمونه، وصادَقوا بالإجماع على صدقيَّته وحقِّيته؛ وقد نالوا منه استفادةً عظيمة دون شكّ.
أستاذي العزيز الشفوق، إنكم تحرصون على تنبيه طالبكم العاجز المُحبِّ لكم في الله وتوجيهه، وتَسعَون بشتى الوسائل لإرشاده وتعليمه دروسًا معنوية سامية؛ بيد أني لا أبلُغُ من نيل الفيوض مثل الذي يحظى به إخواني الأعزاء الموقَّرون الذين يجالسونكم وينالون شرفَ صُحبتكم وقربكم مادةً ومعنًى، والذين لهم قدمُ صدق في خدمة القرآن الكريم بتوفيق الباري سبحانه وتعالى.
وإنني أُحِيلُ سبب ذلك إلى ذنوبي وعصياني، وإلى تأثير الأحوال والأحداث التي تحولُ دون اشتغالي الدائم بالأنوار، وإلى هَجَماتِ نفسي الأمّارة بالسوء
— 166 —
وهَجَمات شياطين الجن والإنس، فأُدرِكُ بذلك مدى شقاوتي وحرماني، رغم أن النعم الإلٰهيّة التي أُغدِقَت عليَّ لا تُعَدُّ ولا تُحصى، وأَعجِزُ یی بكلِّ أسف یی عن إيفاءِ شكرها.
لا أستطيع التخلِّيَ عن هذه الدنيا الفانية بشكل تامّ، رغمَ أنَّ كل يوم وكل ساعة بل كلَّ دقيقة وثانية تنبِّهُني إلى انقطاع رزقي وانقضاء أجلي ورحيلي عن هذه الدنيا الفانية؛ إنَّ مبعثَ سلواني الوحيد أمام كل ذلك هو ارتباطي الوثيق بالقرآن العظيم، وإيماني الرصين بالدين المبين والشريعة الغراء التي أتى بها نبيُّنا الأكرمُ (ص)، وصلتي القوية بأستاذي الحبيب.. فآمُل أن أنجوَ من الهلاك والخُسران بفضل هذا الإيمان، وهذه الرابطة، وببركة دعواتكم الطيِّبة.
إنني أسعى قدر المستطاع للسَّير وفق قوانين الطريق الذي رسمتُم لنا في هذا المكتوب، وفي ذيل الكلمة السادسة والعشرين، والذي هو طريق العجز والفقر والشفقة والتفكُّر؛ وأجتهد في لزوم الجادّة القُرآنيّة النُّورانيّة المختصرة كما عرَّفها أستاذي العزيز الموقَّرُ وأَرشَد إليها وأوصى بها.. ولن أَحِيدَ عن هذا الطريق بإذن الله.. وأتمنَّى أن تقلَّ في هذا العام الأعمالُ المعهودُ بها إليَّ تحت مُسمَّى الوظيفة الرسمية كي أتوجَّه أكثر نحو وظيفتي الحقيقيّة ببركةِ دعائكم.
ومن الله التوفيق
خلوصي
٭٭٭
(فقرة صبري):
سيدي وحضرة أستاذي الأعظم..
كأنِّي بالتوافقات اللطيفة الجميلة المُشاهَدة في الكتاب المُبين، تَمُدُّ أياديَها المعنويّةَ للضيوف النوريِّين، وتُشيرُ إليهم بأصابعها النورانية قائلةً: "نحن لسنا مجرَّدَ أشياءَ نُشِرت بطريقة عشوائيّة، بل نحن نجوم سماء القرآن، نَظهَر ونتوزَّع بتوازُنٍ تامٍّ وتوافُقٍ حقيقيٍّ وقياسٍ قطعيّ"؛ وكأنَّ كلًّا منها يصافح التوافق الموجود أعلاه وأسفله، وعلى يمينه وشماله.
— 167 —
وقد ظهرت التوافقات النورانية هذه المرة في الكلمة العاشرة، وإنَّ هذا التوافق والانتظام الحكيم ذا المعاني الغزيرة، والمُشاهَدَ في هذه الكلمة، أشبهُ بلقاء إخوة وأصحابٍ حقيقيِّين، تغمرُهم اللهفة ويغشاهم الشوقُ للقاء بعضهم بعضًا؛ إذ أضاءت كلُّ آية وكل كلمة قرآنيّة مُدرَجة فيها كنجوم السماوات التي تعمل بطاقةٍ غيرِ محدودة، فسَحَرت بلطافتها وبهرت بنضارتها أحاسيسَ كلِّ من يملك وصفَ الإنسانية.
وثمة نقطة مثيرة للإعجاب أيضًا في مسألة الحشر المهمَّة التي هي محور بحث الكلمة العاشرة المباركة، وهي مسألة تتعلَّق بختام عُمُرِ الكون المقدَّر، وهذه الكلمة هي كذلك آخرُ ما أُظهِر من التوافُقِ بين رسائل النور، وهذا برأيي توافقٌ من نوع آخر.
فلتَجرِ أنهارُ جنانِ القرآن، ولترتفع أصواتُ خريرها المتجدِّد عاليًا، لتكونَ غذاءً لأرواح أهل الإيمان في عصر الضلالة والخسران، وشفاءً لجراحِ أرباب التوحيد في عهد البدعة والطغيان، تمامًا مثلَما فعَلَت في زمن الجاهلية وعصرِ الفترة، حين سطَعَت شموس القرآن على الأقوام المحتاجة، وفاجأتهم بسرعة ظهورها وانتشارها المُبهِر، لتبُثَّ الحياةَ في خُمُس النوع البشري، وتُنوِّرَ الناسَ بضياءٍ أبديٍّ وسراجٍ دائم.
أجل، إن الأمة المحمَّدية التي شاهدت هذه الإطلالة المُشرِقة البديعة منذ ستِّ سنوات أو سبعٍ، واشتمَّت عبقَ الأزهار المحمدية اللطيفة البهية، قد نالت یی بحمد الله ومنَّته یی مكافأتَها الروحية والفكرية من سورة الكوثر.
ونقطة أخرى تظلُّ روحي واثقةً منها: إن أهل الإيمان والتوحيد يُشاهدون منذ مدّة طويلة المكائدَ الخبيثة التي يَحيكُها أهلُ الضلالة السّاعُون كالوحوش المفترسة لإطفاء شمسٍ خالدةٍ سرمديّة كالإسلام، ويَعُدُّون هذا الأمرَ وظيفتَهم ومُهِمَّتهم الرسميّة.. فسيصحُون من نوم الغفلة، وسيتلُون بلسان الحال والمقال السورتين التاليتين لسورة الكوثر، وسيصرخون في وجوه الزنادقة: "لن نركب معكم سُفُنَ الضلالة والسفاهة، المُبحِرة في لُجّة الضلالة كمُتَسكِّعٍ ظالم.. لن نركب سوى السفن المحصَّنة بدروع الإيمان والإسلام والقرآن المعجز البيان، التي تحمل أختام التوحيد النورانية،
— 168 —
حتى نبلُغ منازلنا وقد حقَّقنا النجاح، وجنَيْنا ثمارَ سعينا"، وسيتلون الدُّستور المُبِينَ: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ إلخ، وسيردِّدون عبارة: "إن البشرى التي تزفُّها سورة الكوثر قد أكسَبَتْنا قوّةً وصلابة، وبلَّغَتنا السرور والحبور، فانتَشَينا بعبق النصر وأريج الفتوح"؛ وتحت لواء القرآن سيدخلون أفواجًا، وسيدركون أن التسبيح والتحميد أهم وظائفهم، فيستغفرون من ذنوبهم لرب العزة الذي لا يَردُّ أحدًا، وسيسلكون سبيل الصلاح والفلاح والفوز والنجاح.
وإنني أُردِّد هذا الدعاء بشكل دائم ومتكرِّر: "أسأل الله أن يُكثِر من ورثة الأنبياء الحقيقيِّين، ويبلغهم جميع آمالهم ومقاصدهم الدنيوية والأخروية"، ووجدتُ الجرأة في نفسي لِأُقدِّم لكم هذه الرسالة بعد أن سلَّمَتِ الكلمةُ العاشرة لقلمي العاجز القِيادَ، ودفعتني لذلك.. وفي النهاية أُقبِّلُ أيديَكم المباركة.
هامش: إن هذا المُزارِع المسكين الذي يتقلَّب كالمولوي وسط محاصيله، يشبه كلامُه عملَه تمامًا، فقد كانت جُمَلُه مكرَّرة، وعاد إلى الموضع الذي ابتدأ منه مرات ومرات! لكن ما الحيلة وقد ألفى أستاذه يمضي كالبرق بخطًى سريعة، فرغب أن يمضيَ خلفه ولو بخطًى بطيئة كخُطَى النمل، كيلا تنقطع صلتُه به، فاجترأ على كتابة هذه الجمل المشتَّتة؟!
محمد صبري (رحمة الله عليه)
٭٭٭
(فقرة أحمد خسرو):
أستاذي العزيز.. تسلَّمنا اليوم مكتوبين مُرسلَينِ بواسطة أخينا سليمان أفندي وقرأناهما؛ أحدهما يبيِّنُ عُمُرَ الدنيا ويوضِّحُها، والآخر يتحدَّثُ عن فضائل دعاء سيدنا يُونُس عليه السلام، وهو القسم الأول من الأقسام الأحدَ عشَر للمكتوب الحادي والثلاثين المُكوَّن من إحدى وثلاثين لمعة.
— 169 —
أستاذي الحبيب، لقد داخَلَنا من السرور بهذا القسم ما لا يُمكن وصفه وشرحُه.. رضي الله عنكم أبدًا.
إن هذه الرسالة تفتح أبواب النجاة القطعية لهذه الأُمّة، وتُخبِر أن ظلمات هذه الأيام الحالكة أضحت تنقشع عنهم دون رجعة، وتدعو جميع تلاميذها معًا للمناجاة بصوت واحد ولسان واحد.
أستاذي الحبيب، إننا نحمد الحق سبحانه على الدوام أن أنار مستقبلنا بأنوارٍ فاضَت من نهر النور كأنها النجوم، فبثَّت فينا آمالًا مشرقةً في غمرة أيامنا المُظلمة المضطربة كأنها الكوابيس، وأعادَتِ البسمةَ إلى وجوهنا بأنوار متعدِّدة، يتجدَّدُ لمعانُها مع كلِّ رسالة تَرِدُنا، ويزيدُنا فرحًا وسعادة انتظارُنا قدومَ أستاذنا إلينا بفارغ الصبر.
أحمد خسرو
٭٭٭
إخواني خسرو، لطفي، رشدي..
سأُبيِّن لكم رأيًا ينفعكم فيما يخصُّ العلاقة بين الأستاذ والطلاب ورفاقِ الدَّرس، وهي: أنكم طلابي من جهة، وهذا أمرٌ يفوق حدِّي، ورفاقُ درسي من جهةٍ أخرى، ومعاوِنِيَّ ومستشارِيَّ من جهةٍ ثالثة.
إخواني الأعزَّاء.. إن أستاذكم ليس معصومًا عن الخطأ، بل من الخطأ الظنُّ أنه لا يُخطئ؛ فبما أنَّه لا يضرُّ البستانَ وجودُ تفاحةٍ فاسدةٍ فيه، ولا يَحُطُّ من قيمة الخزينة وجودُ نقدٍ مزيَّفٍ فيها؛ فإن الإنصافَ يقتضي یی بسرِّ: الحسنةُ بعشرِ أمثالها، والسيِّئةُ بمثلها یی ألا يُعكِّر القلبَ وقوعُ سيئةٍ أو خطأٍ ما، ولا ينبغي أن يدفع للاعتراض على الحسنات الأخرى.
إنَّ المسائل المتعلِّقة بالحقائق قطعيَّةٌ صريحةٌ لا شُبهةَ فيها، لأن كُلِّيَّاتها وبعضَ تفصيلاتها نوعٌ من السُّنوحات الإلهامية؛ وأمّا مراجعتي واستشارتي لكم بخصوصها
— 170 —
في بعض الأحيان فهو من أجل كيفية تلقِّي الناس لها، لا لِسُؤالكم فيما إذا كانت حقًّا وحقيقةً أم لا، فهي حقيقة دونما شكٍّ أو ارتيابٍ.
إلا أن الإشارات الدائرة حول المناسبات التوافقية هي بصورة مطلقة ومجملة وكلِّيَّة من قبيل السُّنوحات الإلهامية؛ أما في التفصيلات والتفريعات فتظلُّ ناقصة، إذ يتدخَّل ذهني المشوَّش أحيانًا فيُخطئُ، وخَطَئي في هذه التفريعات لا يُلحِق بالأصل والمطلق الضَّررَ.. ولأنني لا أملك الخط الحسن، ولا يتيسر وجود الكاتب لديّ كل وقت، فإنَّ تعبيراتي تظلُّ مجملةً جدًّا وعلى هيئة ملاحظات، فتُشكِل على الفهم.
ألا فلتعلموا يا إخواني ورُفقائي في الدرس أنِّي أكون مسرورًا إن أنتم رأيتُم مني خطأً فأعلَمتُموني به دون تحرُّجٍ، بل حتى لو انتقدتموني بسببه لقلتُ لكم: جزاكم الله خيرًا؛ إذْ لا يُلتَفَتُ إلى الخلق في سبيل مراعاة الحق؛ ولا نَرُدُّ حقيقةَ جَهْلِنا ماهيتَها إرضاءً لأنانية النفس الأمَّارة، بل نَقبلُها على الرأس والعين؛ مراعاةً لمقام الحق.
وأنتم تعلمون أنَّ هذه الوظيفة الإيمانية وظيفةٌ بالغةُ الأهمية في هذا الزمان، فما ينبغي أنْ تُلقى على عاتقِ شخصٍ ضعيفٍ مثلي مشتَّتِ الفكر عديمِ الحيلة، بل لا بد من مساعدته بقدر المستطاع.. أجل، إن الحقائق المجملة والمطلقة أكون أنا وسيلةَ ظهورها وإبرازها، أما أمور تنظيمها وتنسيقها وتصويرها فتعود إلى إخواني الأعزاء في الدرس وهم أهلٌ لهذا الأمر؛ وأحيانًا أتدخَّل في بعض التفاصيل وأمور التنظيم نيابةً عنهم فتبقى ناقصةً.
تعلمون جيدًا أن غفلة الدنيا تَستحكِمُ أكثرَ في موسم الصيف، حيث يفتُرُ كثيرٌ من رفاق الدرس ويضطرُّون إلى تعطيل أعمالهم، فلا يشتغلون بالحقائق بشكل تامٍّ وجادٍّ؛ وإننا في سياق اشتغالنا بالحقائق الجليلة منذ سنتين، أنعم الله علينا من كمالِ رحمته بتوافقاتٍ لطيفةٍ هي أشبه ما تكون بالفواكه والثمار، فلَطَّف بها أذهاننا وأمتعَها، ووجَّهها نحو الحقيقة القرآنيَّة الجليلة، وجعل هذه الثمار غذاءً وقوتًا لأرواحنا، فصارت قُوْتًا وفاكهةً في آنٍ واحد كالتَّمر، واتَّحدت الحقيقةُ والزِّينةُ والمزِيَّة.
— 171 —
نحن يا إخواني محتاجون في هذا الزَّمان إلى قوةٍ معنويَّةٍ عظيمةٍ لمواجهة الغفلة والضلالة، لكني أقول بكلِّ أسف: بالنظر إلى شخصي فأنا مفلسٌ في غاية الضعف، ليس لي كرامةٌ خارقةٌ أُثبِت بها هذه الحقائق، ولا عندي همَّةٌ قدسيَّةٌ أجذِب بها القلوب، وليس لي موهبةٌ علويةٌ أُسخِّر بها العقول، ولكن عسى أن أكونَ خادمًا متسوِّلًا في حضرة القرآن الحكيم، أستمدُّ بعضَ أسراره لأقمعَ عنادَ أهل الضلالة المكابرين، وأَضطرَّهم إلى الإنصاف، وقد استشعرتُ في التوافقات إكرامًا إلٰهيًّا من قبيل الكرامة القرآنيَّة، فتمسَّكتُ بها بكلتا يديَّ.
أجل، لقد استشعرتُ إشارةً قطعيَّة في "إشارات الإعجاز" وفي "رسالة الحشر" المترشِّحتَينِ من القرآن، فهما عندي كرامةٌ قرآنيَّةٌ، سواءٌ وُجِد لهما نظيرٌ أم لم يوجد.
لقد دقَّقنا النظر في صفحة واحدة من "إشارات الإعجاز"، فوجدنا أن جميع الحروف في بداية الأسطر مثنى مثنى، وقد وضعت بانتظام باهر؛ ووجدنا أن الأرقام ٣، ٤، ٥، ٦ التي هي مبعث توافق "الكلمة العاشرة" قد توافق كل منها مع الرقم ١٣... و١٣ نفسه هو مفتاح أسرار مهمَّة في الرمز السادس والثامن والرمز الرابع الخاص.. فلم يبق لدينا شك أو شبهة أنها كرامة قرآنية ستبقى مخطوطة على الورق بشكل دائم، وأنها إكرام إلٓهيٌّ، وتوقيع مباشر على تصديق هذه الرسالة، وعلى الإيمان بالحشر.. وليس هذا الأمر كالطيران في الهواء أو المشي على الماء، فهذه أمور مؤقتة ويمكن أن ترجع إلى كمال الشخص واختياره وربما للاستدراج، ولا يمكنها أن تخدم الحقيقة بشكل مباشر، وخاصة في هذا الزمان.
على كل حال: لقد أطلنا الحديثَ حول مسألة صغيرة، وأسرفنا الكثيرَ من الكلام فيها، لكن بما أن الإسهاب في الحديث مع الأحباب أمر مرغوب، فيَصفَحُ عن هذا الإسراف إن شاء الله.
أخوكم سعيدٌٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 172 —
(هذه الفقرة الأولى والوحيدة التي يمكنها أن تحلَّ محلَّ عشر فقرات.. كتبها أخونا المخلص الدؤوب "مصطفى خلوصي صاري بِچاق" من "قُولَه أونو"، وقد جاءني بعد وفاة ابن أخي عبد الرحمن، فأُخطر إلى قلبي بأمارات قوية أنه بُعث إليَّ بديلًا عنه):
باسمه سبحانه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته بعدد حروف القرآن وأسرارها
أستاذي المحترم.. لقد طَفِقَت روح طالبكم العاجز تجوبُ الأرض شرقًا وغربًا وجنوبًا وشَمالًا بحثًا عن مرشد كامل، وكنتُ أترقَّبُ بلهفةٍ وصولَ العون والمدد؛ وبينما أنا مُنهمِكٌ في هذا البحث والتحري أُلهِم قلبي هذا الخطابَ: "إنك تبحث عن المرشد بعيدًا وبديعُ الزمان بالقربِ منك! إن هذا الرجل يُعَدُّ مُجدِّدًا بما ألَّفه من رسائل النور، وهو أحدُ الأقطابِ الكبار، ويُؤدِّي في هذا الزمان دورَ ذي القرنين ودورَ الوكيلِ المُمهِّد لنزولِ عيسى عليه السلام الذي سيُبعَث في آخر الزمان".
على إثر ذلك ذهبتُ للقاء حضرة أستاذي المحترم، فطلب منِّي أن أنسخ الرسائل، فكتبتُ حوالي خمسَ عشرة رسالةً من "الكلمات"، وقرأتُها بحسب أهليَّتي المتواضعة وفكري القاصر، فلم أتمكَّن الاستفادة منها حقَّ الفائدة.
ومؤخَّرًا تكرَّمتُم بالمكتوب الثاني والعشرين، فكتبتُه وقرأته مرتين أو ثلاثة مع أصحابي، فداوى جميع الجروح الغائرة التي أصابتني في الماضي منذ أن كنتُ في سنِّ الخامسة عشرة، ثم رأيتُ بحمد الله الرؤيا التالية: "ذهبت إلى ولاية تقع جهةَ القبلة، وبينما أنا أتجول في تلك الولاية صادفتُ عن يميني معملين كبيرين عجيبين لا نظيرَ لهما في الدنيا، ولا يملكهما أحدٌ؛ دخلت إليهما فوجدتُ أحدَهما أكبَرَ من الآخر، فتولَّيتُ إدارةَ المعمل الصغير وصرتُ مالكَه".
وعلى إثر هذه الرؤيا رأيتُ نفسي في المنام مرّةً أخرى: "داخلَ فرنٍ كبير في ثكنة عسكرية موجَّهة نحو القبلة، وأمامي شابٌّ من أهل التقوى اسمه سليمان، وعن يميني
— 173 —
شابٌّ آخرُ اسمه إسماعيل، وفي داخل الفرن حوالي مئة شاب يقفون على أقدامهم عن يميني وشمالي في مشهد غريب! ثمَّ جاء رجل جليل ومدَّ نحو الشباب منديلًا صغيرًا فيه أرغفةُ خبز مربَّعِ الشَّكل مدعَّم ببذور الخشخاش، وأعطى كلًّا منهم رغيفًا، ثم قام بتوزيع حَفَناتٍ من الزبيب؛ ولاحظتُ أن الخبز والزبيب لا ينفَدانِ من ذلك المنديل، فتعجَّبتُ من الأمر؛ فقيل لي: إن هذا الشخص المبارك هو سعيدٌ النُّورْسِيّ"، واستيقظت من النوم، وأدركتُ أن هذه الخوارق لا تصدر إلا من الأقطاب.
وبعد هذه الرؤيا صرتُ أُداوِمُ على كتابة الرسائل، وبدأت یی بتوفيق الله تعالى وهمّة أستاذي یی أستفيد منها بشكل أكبر؛ ثمَّ بدأ جميعُ الشباب الذين رأيتهم في المنام يتوافدون إليَّ ويجتمعون حولي، وصاروا جميعًا من جملة أصحابي ومن طُلّابِ القرآن.
وثمّة أمرٌ آخر: إنَّ جلَّ أهالي مدينتي من أهل التقوى وأتباع الطريقة، ولَمّا لم يكن في مدينتنا علماءُ كبارٌ فكنّا كثيرًا ما نسقط في أَسرِ الشيطانِ والنفسِ الأمّارة، ونغرق في الأوهام، فكنتُ كلَّما أقرأ الرسائل أجدُها ترمي بمكائد الشيطان اللعين والنفس الأمارة ودسائسِهما في الحضيض، وكنتُ أنا وكثيرٌ من الأصحاب نتساءلُ متعجِّبين: أين يجد بديع الزمان المبجَّل هذه الكلمات الأشبهَ باللَّآلئ؟! فإنَّك حين تنظُرُ إليه تشعر أنك لن تستفيد منه شيئًا، وإذا بالحكمة تتحدَّرُ من مَنطِقِه، فيُبهرُ الأنظار ويَنثُر النُّور، (حاشية): أجل، إن أخي مصطفى استطاع أن يميز بدقة شخصيَّتين من بين الشخصيات الثلاث التي يتمتَّع بها سعيد؛ الأولى: أستاذه الذي يشاهده في مقام رفيع حينما يلقي الدروس، والأخرى: شخصية صاحبه المسكين، ذاك الرجل البسيط كما هو في حقيقة أمره.. وما يُشاهده هو الصواب. (سعيد) لدرجة أنّا كنا نقرأ الرسائل مرّات ومرّات.
أستاذي المحترم، لقد بِتنا على يقين أن رسائل النور ومكتوباتِها إكسيرٌ عظيم لقُرّائها، فهي تداوي الجِراحَ المادية والمعنوية لإخواني الشبابِ المئة، حتى إنَّ بعض من لا صلة لهم بنا كانوا يحضرون إلينا حين تُرهقُهم الوساوس والهواجس والأوهام، فيقرأ لهم طالبكم العاجز واحدة من هذه الرسائل، فتزولُ هُمومُهم وينصرفون
— 174 —
مطمئنِّين.. أسأل الله الخلَّاق العظيم والفيّاض المطلق أن يرضى عنكم بعدد الموجودات والجمادات والذَّرّات، وأن يجعلكم يوم الحشر مظهرَ شفاعة الرسول الأكرم والنبي المحترم (ص).. آمين.
ولا يفتأ هؤلاء الشباب يدعون لكم في كل وقت، ويحضرُ منهم مجالسَ قراءة الرسائل ما لا يقلُّ عن ثمانية أو عشرة؛ وإنَّ اجتماعَ هذا العدد من الشباب في مكان واحد في مثل هذا الزمان، وإصغاءَهم إلى الكلام الحقِّ، أمرٌ في غاية الأهمِّية، ويتطلَّب الحمدَ والشكر الجزيلَ.
إنني لم أتلقَّ التعليم العربيَّ، ولم أختلف إلى المدارس التقليدية قطُّ، وكنتُ أقرأ الكتب التركية المؤلفة قديمًا، لكن ما كنت أجد فيها ما يُداوي جراحي المادية والمعنوية، فكنتُ أعاني اضطرابًا شديدًا في قلبي وروحي، وبلغ بي الأمرُ درجةَ التفكير بالانتحار في كلِّ لحظة، وكنت شديدَ القلق والتفكير، وأتساءل في نفسي: "ما سبيلُ الخلاص من هذه الحالة التي أعانيها؟ أين المرشدُ الكامل الذي ينتشلني مما أنا فيه؟"
ومثلما يخلق الحق سبحانه المِنَحَ من رَحِمِ المِحَن، ويَقدُر القَدْر اللائقَ بكل زمان، ويهيِّئ لكل جرح الدواء الذي ينفعه، كذلك كان الأمر في هذا الزمن حيث لا مدارسَ تقليدية، إذ سخَّر لأجلنا نحن المكلومين أُستاذَنا الموقَّر ليقوم بتأليفِ هذه الرسائل باللغة التركية.. أليس هذا أمرًا يستحقُّ الشكر؟! فلِلَّه الحمد والشكرُ بما لا يحصيه عدٌّ ولا حدٌّ، وأسأله أن يوفق أستاذي الفاضل في خدمة القرآن، وأن يسعده في الدارين.. آمين.
ومع عدمِ تعلُّمي العربيّة ودراستي في المدارس التقليدية، إلا أني بقراءتي للرسائل وكتابتي لها بدقة وتمعُّن، أشعر كأنني درستُ عشرين عامًا، ذلك أنَّ الكثيرَ من أساتذة اللغة العربية كانوا يحضرون الدروس ويتعجَّبون لما يقرؤُه هذا العاجز الفقير المسكين، كما كان يُؤسَرُ عددٌ ممَّن تربوا على أيدي مرشدين كُمَّل بی"الكلمات" التي أقرؤها، ناهيك عن كثير من الأساتذة الذين يحضرون عندي بكلِّ أدب واحترام ليستمعوا ما أقرؤُه من الرسائل.
— 175 —
فلو أنَّ صوتي يبلغ المدى لَصَرختُ بكلِّ ما أملك من قوّة، مخاطبًا الشباب على وجه الكرة الأرضية: إن قراءة الرسائل ومدارستها وكتابتها تفوقُ عشرين سنةً من الدراسة والتعلُّم في المدارس التقليدية وتتعدّاها نفعًا؛ أليس الهدفُ من التعلُّم في تلك المدارس إنقاذَ النفس أولًا ثمَّ العملَ على إنقاذ الأمة المحمدية؟ فها هي مكتوبات النور التي كلُّ رسالة منها تؤدِّي بحدِّ ذاتها دورَ مُرشدٍ كامل، فما من شابٍّ لم يفسُد قلبُه أقبل على إحدى الرسائل وقرأها بتمعُّن وتسليم إلا دخل في دائرة الطاعة وأصلح نفسه على الفور؛ وما من أحدٍ من الماديِّين قرَأَها بحثًا عن مطعنٍ فيها إلا باء سعيُه بالعجز یی إن هو لم يؤمن یی وما طالعها مُلحِدٌ بفهم ودراية تامّةٍ إلا آمَن، وما تصفَّحها فيلسوفٌ إلا قال: "لا يمكن أن نجد ذكاءً يفوق هذا ولو اجتمعت كل العقول؛ فهي ليست من صناعة العقول!"، بل إن رسائل النور تخاطب بلسان حالها الدجال مسيح العين المفتونَ بأوروبّا: "آمِن، وإلا فستكون سخرية على لسان الجميع".
إخواني في الدرس، في الوقت الذي كنت أبحث عن قطب ومرشد واحد، إذا بالحق سبحانه يمُنُّ عليَّ بلطفه وكرمه بمئة وتسعةَ عشَرَ مرشدًا كاملًا مُكمَّلًا؛ هي مكتوبات النور بأعدادها المئة والتسعةَ عشر التي كلُّ مكتوبٍ منها بحد ذاته مرشدٌ كامل.
يا إخواني الشباب المُثقَلين بالجراحِ المادية والمعنوية، ويا إخواني أتباعَ الطريقة المحتاجين إلى المرشد الكامل.. إن مكتوبات النور تضمُّ عموم درجات الكمال وسائر مراتب الإيمان التي لدى السادة: الشيخ عبد القادر الگيلاني، والشاه نقشبند، والإمام الرباني، والإمام الغزالي، ومحيي الدين بن عربي، ومولانا خالد رضي الله عنهم وقدس أسرارهم.
(حاشية): يرغب أخي الكبير مصطفى (رحمه الله) أن يعرِّف تلاميذ الرسائل وتلاميذ الولاية وبالعلاقة القائمة بينهما؛ ولقد حلَّت رسائل النور هذه المسألة، وأبرزت التوحيد العامي والتوحيد الحقيقي، وبيَّنت الفرق بين السير بعينٍ مغمضة وعينٍ مبصرة، وجلَّت عالم اليقظة وعالم المنام، وميَّزت عالم المثال عن عالم الشهادة، وأظهرت بشكل تامٍّ الولايةَ الكبرى والولاية الوسطى والولاية الصغرى والفوارق بينها، وشرحت أسباب العبور من الظاهر إلى الحقيقة في مجلس واحد وخطوة واحدة، مثلما حدث مع الصحابة، وبيَّنت سبل مشايخ أهل الطريقة والأئمة الأربعة، وأظهرت الفرق في الإيمان الحاصل بعلم اليقين وعين اليقين وحقِّ اليقين، واتَّبعت مشرب أبي بكر الصديق وعمر وعثمان رضي الله عنهم، وبيَّنت أنها ولدٌ معنوي للإمام علي رضي الله عنه، وأظهرت قيمة رسائل النور ووظيفتها من خلال تفسير قصيدته البديعية، وأوَّلت الأحاديث المتشابهة الواردة عن الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام بحق المهدي وعيسى عليه السلام والدجَّال ويأجوج ومأجوج وسدّ ذي القرنين وبيَّنت مقاصدهم الأساسية، وبيَّنت من خلال اللمعات الثامنة والثامنة عشرة والثامنة والعشرين والشعاع الثامن أن كرامات الأولياء حقٌّ، وأن الإمام عليًّا رضي الله عنه والشاه الگيلاني رضي الله عنه قد شاهدا العرشَ الأعظم وهم على الأرض، وأثبتت من خلال عالم الحادثات بشرى جميع المجتهدين المتمثِّل في: "سيأتي أحد المتكلِّمين ويبيِّن الحقائق الإيمانية وجميع المسائل بصورة واضحة وصريحة"، كما أن جميع المبعوثين والأولياء في كل عصر قالوا في كشفياتهم: "سيأتي أحدهم؛ سيَظهرُ نورٌ من الشرق"، وشاهدوا الشخص المعنوي لرسائل النور والشخص المعنوي لأستاذنا والشخص المعنوي للطلاب، كما شاهدوا أهمية رسائل النور وقيمتها وفضلها على جميع الأمة المحمدية، وأن جميع الأمة بأمر نبويٍّ يستعيذون من عذاب القبر وشرِّ الدجال والفتنة القادمة في آخر الزمان، وأن التخريبات التي سيُخلِّفها هؤلاء ستتولَّى رسائلُ النور تعميرَها وترميمها من جديد، وقد حقَّقت رسائل النور هذه الإخبارات والبشارات والإشارات والرموز الواردة من الأولياء من خلال الحوادث التي وقعت في "أسكي شهر" و"دنزلي" و"أفْيون" و"إسطنبول".
الحاصل: إن الشخص المنتظر منذ عصور هو رسائل النور، حتى الأستاذ نفسه كان في أحد الأزمنة منتظرًا لمجيء مثل هذ الشخص. والحال أنَّه ليس في طوقِ أخي الكبير مصطفى ولا في وُسعي أن نعرِّف بقيمة رسائل النور ونبيِّن دورَها، هيهات! وبما أنَّ رسائل النور تفسير خاص بالقرآن فهي مرتبطة به، والقرآن موصول بالعرش الأعظم، لذا لا يمكن لأحد أن يمدح رسائل النور ويثنيَ عليها سوى القرآن، وقد أشارت الرسائل إلى هذا الأمر في الشعاع الأول منها عبر ثلاث وثلاثين آية.
إن هدفي من كتابتي هذه هو طلب المدد من رسائل النور، والشفاعة من القرآن، وطلب الدعاء من أستاذي لأخي الكبير مصطفى. طالبكم علي الصغير
— 176 —
يا إخواني ويا أيها الخلفاء، إن أردتم أن تعرفوا منتهى الطريقة والحقيقة، فعليكم بقراءة رسائل النور بتمعُّن، وحينها تكونون قد سِرتم خلفَ الشخصيات المذكورة آنفًا، واقتربتم من إيمانهم السامي.
— 177 —
ويا إخواني من أهل الطريقة، لي عندكم رجاءٌ خاصٌّ أن تقرؤوا رسائل النور ومكتوباتِها ولو مرّة واحدة، ثم أنا راضٍ بما شئتم من القولِ إن لم تجدوا في كل سطر من سطورها تأثيرَ كتاب كامل.
أعود وأكرِّر: اقرؤوا، اقرؤوا.. فالرسائل تَنثُر نورها الفياض وتبثُّ الشَّوق لمطالعتها كلما قُرئت دون سَأَم، فهي تلقِّن القارئَ في كل قراءة مُختلِفَ أحوالِ الإيمان، وليست كسائر الكتب التي تُورِث قراءتُها مرّةً أو مرتين المَلَل والسآمة.
سأعود مرة أخرى للرُّؤيا التي تحدَّثتُ عنها أعلاه، وسأعبِّرها بما يبلغه فهمي، جعلها الله خيرًا: أمّا المعملان الكبير والصغير: فالكبير هو أستاذي الموقَّر، والآلات الغريبة البديعة التي بداخله هي أجزاء رسائل النور التي لُقِّنت بكلمات وإيمانيات ما نطق بها أحد من الأئمة حتى اليوم؛ أما المعملُ الصغير فيُشبهُ أن يكون كلَّ من قرأ الرسائل وكتَبَها، وأمّا الآلات البديعة التي بداخله فهي دساتير رسائل النور وحقائقُها ومسائلها الإيمانية التي من قرأها وكتَبَها فسيحظى بإيمانٍ قويٍّ لا يتزعزع، أمّا نشاط المعمل فهو سعي قرَّاء الرسائل وكُتّابِها الحثيثُ، وأما الولايةُ التي رأيتها فهي رسائل النور التي تُظهِر طريقَ الولاية الكبرى.
وحتى أُعزِّز صوابَ هذه الرؤيا سأتحدَّث عن رؤيا أخرى تؤكِّدها: سافرتُ في المنام إلى إسطنبول سيرًا على الأقدام مرتين، وعندما وصلتُها وجدتُ أن جميع حوانيتها مفتوحة إلّا أنَّ أصحابها ليسوا فيها، وفي داخلها صناديقُ تحتوي على مساميرَ كبيرة الحجم وقطعٍ حديدية أخرى، وعَقِبَ ذلك هَطَل مطرُ الرحمة، فعدتُ من إسطنبول سيرًا على الأقدام.
وتعبير هذه الرُّؤيا یی والعلم عند الله یی: كما أن إسطنبول مدينة عالميّةٌ كبيرةٌ وجميلة، كذلك رسائل النور ومكتوباتُها تظهر طرق الولاية الكبرى، وكل رسالة منها مَعرِضٌ نوراني أشبه بحانوت قدسي عُرِضَت فيه براهينُ الحقائق القوية قوّةَ مسامير الحديد والألماسِ إضافةً إلى الأنوار الإيمانية؛ فكانت بحقٍّ مَظهَرَ طرقِ الولاية الكبرى، مثلما أنَّ ٢ ٭ ٢ : ٤).
— 178 —
وأمّا الثكنة العسكرية الموجَّهة نحو القبلة في الرُّؤيا السابقة، فهي إشارة إلى المدرسة الكبيرة الواسعة في ولاية "إسبارطة"، والتي يقيم فيها الشباب الذين هم بمثابة جنود الله المعنويِّين، والفرنُ الذي يصنعُ الخبز هو مدرسة أستاذي الخاصة، والرجل الذي يوزِّع الخبزَ هو أستاذي المحترم سعيدٌ النُّورْسِيُّ الذي يُطعمُ الناسَ خبزًا معنويًّا، وأمّا الخبز والزبيب اللذيذ الذي لا ينقص بالأكل منه فإشارة إلى أسرار إعجاز القرآن وأنوار الإيمان التي تَنشُرُها رسائل النور، وأمّا الزبائن فهم الذين قرؤوا الرسائل وذاقوا حلاوتَها من أمثالي وأصحابي القائلين: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ، ووقوفُهم على أقدامهم إشارة إلى أنهم سيقرؤون الرسائل الإيمانية وسَيَقوَى إيمانهم؛ وأما وقوفُ تلميذكم العاجز على رأس الشباب وعن يمينهم فإشارة إلى أني سأكون یی بتوفيق الله وإحسانه وبهمة أستاذي الموقَّر یی واسطةً لأولئك الشباب.. هذا مقدارُ ما بلغه عقلي وأمكنني تعبيرُه، راجيًا منكم التوجيهَ والتصحيحَ.
وخلال عشرين يومًا رأيتُ رؤيا أخرى: كنت على ضفة بحيرة "أغيردِر"، وقد نُصِبت على أطراف هذه البحيرة خيمة كبيرة بيضاء اللون، وكان أستاذي سعيد النُّورْسِيّ يجلس إلى جانب عمود كبير داخل هذه الخيمة؛ ثم تناولَ بيده كتابًا كبيرًا مغلفًا بغلاف أحمر، وبدأ يقرؤه مستنِدًا إلى عمود الخيمة، بعدها دخل شاب من الجهة القبلية يُدعَى "محمود" يرتدي ثوبًا أخضر، وطلب من أستاذي الكتاب الذي كان يقرؤه، فأخذه وخرج من الخيمة، ثم وقف مستقبلًا القبلة وخاطب الناس قائلًا: "لم يقرأ إمامٌ خُطبةً كهذه حتى اليوم"، ثمَّ اتجه نحو القبلة مُمسِكًا بهذه الخُطبة؛ واستيقظت من النوم.. جعله الله خيرًا.
سأعبِّر هذه الرؤيا أيضًا بقدر معرفتي: إن تلك البحيرة هي الشريعة المحمدية، أما الخيمة فهي ولاية "إسبارطة"، وأما الخطاب فهو رسائل النور ومكتوباتُه، أما الشاب الذي يرتدي اللباس الأخضر ويحمل اسم "محمود" فهو إمّا الشيخ الگيلاني، أو الإمام الرباني، إذ مُهِمّةُ الرسائل الدَّلالةُ على سبيل الحق وطريق المقام المحمود،
— 179 —
والخطبة هي رسائل أستاذي النوريّة التي تحمل الهداية والتجديد في هذا الزمان، فعوضًا عن انتظار مهديِّ آخرِ الزمان سنين طويلة، ها هي رسائل النور بين أيديكم معشرَ الشباب والشيوخ والخُلَفاء في هذا العالم.
يا إخواني، لا شكَّ أنَّیكم قرأتُم الكثيرَ من الكتب، فهل استوعبتم جميع مافيها؟ لا بدَّ أن هنالك أمورًا لم تفهموها جيِّدًا، فلَكُم أن تسألوا الأستاذ عنها لِتُزالَ جميعُ الإشكالات، وتظهرَ هذه العلوم والحقائقُ الإيمانية إلى العلَن، فتُفيدَ ثلاثَ مئة وخمسين مليون مسلم في شتى بقاع الأرض، ويستفيدَ بذلك أيضًا فقراءُ وعاجزون أمثالُنا؛ وإلّا فما الفائدة التي تُجنَى من قراءة وفهمِ طالب عاجز مثلي؟! وما الذي يمكنُني سُؤالُه لأستاذي؟! وكم كتابًا قرأتُ حتى أكون مؤهَّلًا لمناقشته وسؤاله؟!
أجل يا معشرَ الشيوخ وأربابَ القلوب، يمكنكم أن تجدوا جواب أسئلتكم وتوضيح تساؤلاتكم في رسائل النور، يتساءل واحدٌ من أهلِ الكشف وأرباب القلوب عن المهديِّ قائلًا: "متى سيأتي؟"؛ ولو أنه بحث في الرسائل عن هذه المسألة لَفَهِم حقيقة المهديِّ ولَعَلِم المرادَ بدابّة الأرض؛ فابحثوا عن أسئلتكم ومشكلاتكم في تلك الرسائل وستجدون إجابتها.
فلا تُخادعوا أنفسكم یی معشرَ الشيوخِ والخلفاء یی بالظنِّ أن ما لديكم من علمٍ يكفيكم، ولا تغترُّوا بشوقكم وعلمكم كاليراع المغتَرِّ بضيائه، فلا يمكن لأحدٍ أن يستقلَّ بما لديه من معرفة، ولا أن يقتصر على فهمِه في إدراكِ كلِّ مسألة.. فاستقيظوا وانهضوا، وكفاكم رقودًا وغفلةً!
يُقرِؤُكم السلامَ والدي ووالدتي وأخي عليّ وجميعُ أصحابي، ويقبِّلون أيديكم ويدعون لكم.
طالبكم
مصطفى خلوصي صوفي أوغلو (رحمه الله)
من "قُولَه أونو"
٭٭٭
— 180 —
(فقرةٌ للحافظ الطيِّب المُخلِص والأستاذ المُدقِّق ذي القلب النقي الحافظ "خالد" صاحب الخدمات الكثيرة السابقة في نسخ رسائل النور):
أُفصِحُ عن شعورٍ واحدٍ من آلاف المشاعر التي أُكِنُّها تجاه مؤلِّف رسائل النور، بديع الزمان ونادرة العصر وخادم القرآن، سعيد النُّورْسِيّ، فأقول:
إنَّ أستاذي مَظْهَرٌ للاسم الجليل: "النُّور"، فهذا الاسمُ الشَّريف هو الاسم الأعظم في حقِّه؛ فاسم قريته: "نُورْس"، واسم أمه: "نُوْريَّة"، واسم أستاذه القادري: "نور الدين"، واسم أستاذه النقشبندي: "سيِّد نور محمَّد"، ومن أساتذته في تعلُّم القرآن: "الحافظ نوري"؛ وإمامه الخاصُّ في الخدمة القرآنيَّة "ذو النُّورين رضي الله عنه"، كما أن آية النور التي نوَّرَت فكره وقلبه، والتَّمثيلاتِ النُّوريَّةَ الرفيعةَ التي غدَت وسيلةً لبيان المسائل المعضِلة، وتسمية مجموع رسائله بی"رسائل النور".. كلُّ هذا يؤيد أنَّ اسم "النور" هو الاسم الأعظم في حقِّه.
إنَّ مؤلَّفاته البديعة المسمَّاةَ "رسائلَ النور" مع قِسمها المؤلَّف بالعربية قد بلَغَت أجزاؤها حتى الآن مئةً وتسعة عشر جزءًا، كلُّ رسالةٍ منها فريدةٌ في موضوعها.
وإنَّ رسالة "الحشر" التي اشتَهَرت باسم "الكلمة العاشرة" رسالةٌ رائعةٌ جامعةٌ فضلًا عن سموِّها ورفعتها، ومع أن دلائل العلماء على الحشر والنشر دلائلُ نقليةٌ محضة، إلا أن هذه الرسالة قد أثبتتِ الحشرَ والنَّشرَ بدلائل عقليَّةٍ في غاية القوَّة والقطعيَّة، وأنقَذَت إيمانَ الكثيرين.
وإنني بسرِّ آية: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا أستطيع القول: إنَّ رسائل النُّور قَمرُ معرفةٍ يستمدُّ أنواره من شمس الحقيقة: "القرآن المعجِز البيان"، حتى باتَتْ مصداقَ القضيَّة الفلكيَّة المشهورة القائلة: "نورُ القمر مُستفادٌ من الشمس".
كما يمكنُني القولُ أيضًا: إنَّ أستاذي من حيثُ صِلتُه بالقرآن قد صار بمثابة قمرٍ له، يستمدُّ النورَ من شمسِ سماء الرسالة، أعني الرسول الأكرم (ص)، وقد تبدَّى هذا القمرُ في شكل "رسائل النور".
— 181 —
ويتجلَّى في أستاذي من الخصال الحميدة ما يَندُر أن يُوجَد في الآخرين، فإذا نظرتَ إلى ظاهر حاله حسِبْتَه لا يعرف حتى أحكام العبادات، لكن ربما تغير الأمر فجأةً فوجدتَه بحرًا من العلم؛ يقول ما يُفتَحُ له على قدر استفادته من الرسول الأكرم (ص)، وحين لا تَرِد تلك الاستفادة منه (ص)، يُعلِن فناءَه عن نفسه، فيَظهر كأنه المُحاق قائلًا: "لا نور لي ولا قيمة"، وهذه الخصلة منه تواضعٌ تامٌّ وعملٌ تامٌّ بحديث: "مَنْ تَواضَعَ رَفَعَه الله".
ومن آثار هذه الخَصْلة فيه أنه إذا وُجِدَت من طلَبتِه یی من أمثالنا یی مخالفةٌ له في بعض المسائل العلميَّة، دقَّق فيما قالوا، فإن وجَدَه حقًّا قَبِله وسلَّم به بكلِّ تواضعٍ وسُرور قائلًا: "ما شاء الله! لقد عرفتم أفضلَ مني، فجزاكم الله خيرًا"؛ فيُرجِّح الحقَّ والحقيقة دائمًا على غرور النَّفس وأنانيَّتها؛ بل لقد كنتُ أُخالفُه في بعض المسائل فيُسَرُّ بذلك ويُثني عليَّ، فإن كنتُ مُخطِئًا نبَّهَني بأسلوبٍ حسنٍ دون إحراج، وإن أحسَنتُ سُرَّ كثيرًا.
وأستاذي بارعٌ جدًّا في علم الحكمة الحقيقية على نحوٍ خاصٍّ، أي: في ميدان حكمة الشريعة والدِّين، بل هو متفوِّقٌ حتى في الحكمة البشريَّة؛ حتى إنني لَأستطيع القولَ: إنَّه قد فاق أفلاطون وابن سينا في ذلك العلم؛ ولَمّا كان عضوًا في "دار الحكمة" قبل ثلاث عشرة سنة، تناول كتاب "فتوح الغيب" للقُطب الربَّاني والقنديل النوراني "عبد القادر الگيلاني رضي الله عنه"، الذي كان یی بإذنٍ إلٰهيٍّ یی مَظهَر عونٍ ونصرةٍ وحمايةٍ له منذ صغره، ففتح الكتابَ على سبيل الفأل، فظهَرَت له عبارة: "أنت في دار الحكمة، فاطلب طبيبًا يداوي قلبك"، فكانت عبارةً بالغةَ الأثر في نفسه، وكانت السَّببَ في تحوُّلِه من "سعيدٍ القديم" إلى "سعيدٍ الجديد رضي الله عنه".
وكان "سعيدٌ القديم" قد أجاب على الأسئلة الدينية التي وجَّهَها الإنكليزُ جوابًا وجيزًا مُسكِتًا، وله في علم المنطق رسالةٌ بديعةٌ تسمى: "التعليقات" تفُوقُ ما ألَّفه ابن
— 182 —
سينا في هذا الباب؛ وقد أوصل الأشكالَ المنطقيّةَ في القياس الاستقرائي إلى عشَرةِ آلاف شكلٍ، مُظهِرًا درجةَ إحاطةٍ لم يَبلُغها غيرُه من العلماء.
وقد وجَدتُ في مؤلَّفٍ له بعنوان "السُّنوحات" أنَّه رأى نفسه يتلقَّى دروسًا من الرسول الأكرم (ص) في مدرسةٍ في عالَم المعنى، فألَّف تفسيرَه البديع المسمَّى "إشارات الإعجاز" بناءً على ذلك الدرس المعنوي؛ وقد قال لي يومًا: "لولا أن الحرب العالمية بأحداثها ونتائجها منَعَتني، لكتبتُ إشارات الإعجاز في ستين مجلَّدًا بإذن الله وتوفيقِه"، لكنَّ رسائل النور ستَحُلُّ محلَّ هذا التفسير إن شاء الله.
إنَّ لديَّ الكثير من المشاهدات المُهِمّة على مدى سبعِ أو ثماني سنواتٍ من صحبتي لأستاذي، لكنني بناءً على القاعدة القائلة: "القطرةُ تدلّ على البحر"، أجدُ أنَّ هذه الفقرة كافيةٌ للدَّلالة على البحر؛ فلقد كتبتُها على عجَلٍ إذْ حان وقتُ مفارقتي له، وأنا على يقينٍ أنَّه سيشملني بدعائه بسرِّ آية: وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ إذْ وجدني مرَّات عديدة حَقيقًا بصحبته.
الحافظ خالد (رحمه الله)
٭٭٭
(فقرة خلوصي بك):
أستاذي العزيز المحترم المُشفِق المكرَّم..
تلقَّيتُ أربعة أقسام من فهرس أجزاء رسائل النور المرسلة مؤخَّرًا؛ وكنتُ قد تلقَّيتُ من قبلُ اللَّمعتَينِ الثالثة عشرة والرابعة عشرة من المكتوب الحادي والثلاثين، إلا أني لم أُوفَّق لكتابة مشاعري حولها.
لقد أنارت الفهارس جهاتي الأربع، وأرشدتني إلى السُّبل الموصِلة إلى الحقِّ والحقيقة والصدق والإيمان والنور والرِّضا الإلٰهيِّ، وهي أشبه بالمذاهب الأربعة المُعتبَرة التي اختلفت في بعض المسائل والأحكام لحِكَم بالغةٍ ساميةٍ، غير أنَّ مُعتقَدَها واحد.
— 183 —
أنهكني كثيرًا الانشغالُ بالأعمال الدنيوية لدرجة لم تَسبِق لي في حياتي؛ وأضجَرني جدًّا البقاءُ وحيدًا تحت أعباء مادية ومعنوية كثيرة لدائرة كبيرة وواسعة، لكن الذي أنجاني یی بحمد الله یی من السقوط في الفتور واليأس، هو المدد النبوي النابع من بركات الصلوات الشريفة التي أواظب عليها بفضل الله ولُطفه؛ وقوّةُ الأوراد التي أوصى بها أستاذي العزيز في اللَّمعة الأولى من المكتوب الحادي والثلاثين، وفيوضاتُ رسائل النور، والدعاء المستجاب لأستاذي الشَّفوق، والهِمّةُ الظاهرة لأستاذ أستاذي حضرةِ الغوث الذي أجد لديه أَبسَطَ احتياجاتي بحمد الله.. وذلك كلُّه بفضل الحقِّ سبحانه وحسنِ عنايته وجميلِ إنعامه، ولم يبقَ لي إلا أن أقف أمام ديوانكم المعنوي وبِيَدي بضعةُ أَسطُرٍ مكتوبة.
حقيقةً، تَعجِز جميع ألفاظ المدح والثناء عن إيفاء ما يبذُله إخواني الأعزاء أصحابُ الأقلام الألماسية من هِمّةٍ وسعيٍ جادٍّ في جمع مؤلَّفات النور وتكثيرِها ونشرِها، ناهيك عن الدعم والعون الذي يقدِّمُه أستاذي الحبيب في إنجاحِ هذه الوظيفة السّامية.. أسألُ الله أن يرضى عنهم جميعًا، ويكتب لهم دوامَ النجاح، ويُوفِّقَهم في نشر الأنوار القرآنية.
في اللمعة الثالثة عشرة والرابعة عشرة من المكتوب الحادي والثلاثين من الدروسِ الجليلة والحقائق العظيمة والحِكَمِ الوَضّاءة والفيوضِ الإلٰهية النورانية، ما يعجِزُ عن التعبير عنه أخوكم المسكينُ بتفكيرِه القاصر، وعَقلِه الخافِت، وذِهنِه المُشوَّشِ المضطرب.
أنَّى لهذا العقل الصغير أن يبلغ تلكم المعالي!!
وأنَّى لهذا الميزان الصغير أن يَزِنَ هذه الأعباءَ الثِّقال!!
ومن أشدِّ ما يَلفِتُ الأنظار ما انطوت عليه اللمعة الثالثة عشرة بإشاراتها الثلاثَ عشرة من حسن بيانٍ، وما أظهرته من التوافق التام اللطيف بين مجموع أعداد الآيات في سورة الفلق وسورة الناس والآيتين: وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ ٭ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ، أو في أعداد "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" المتلوّة في
— 184 —
بداية هاتين السورتين وبين السورة رقم مئة وثلاثَ عشرة إن لم تُعدَّ سورة الفاتحة في بدايتها؛ ثم جاء البيان الناصع في ختامِ كل إشارة ليُفصحَ عن الحقائق والمعاني السامية التي تتضمَّنُها.. وسوف أعبر عن انطباعي بشكل موجز من خلال الكلمات الواردة في هذه الإشارات:
الإشارة الأولى: لا سبيل للنجاة من شرور الشيطان وشركائه وأعوانه من أهل الضلالة إلا بالعمل بالشريعة المحمدية والتمسك بالسُّنّة الأحمدية على صاحبها أزكى الصلاة والسلام.
الإشارة الثانية: لا سبيل للخلاص من وساوس الشيطان وتسلُّط أعوانه إلا بالاستغفار وبالاستعاذة والتحصُّن بالحفظ الإلٰهيّ واتِّباعِ السُّنة السَّنيّة، ولا أهمية لكثرة الخائضين في الكفر من أهل الضلالة.
الإشارة الثالثة: لا طاقة لنا للصمود في وجه حزبِ الشيطان وعظيم التخريبات التي يُسبِّبونها بما يرتكبون من المخالفات والجناياتِ، إلا بالاعتصام بأقوى القلاع وأمنع الحصون: حصنِ القرآن.
الإشارة الرابعة: تتضمَّن نوعَ تفسيرٍ للآية: مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ، وأنه لا سبيل لنا إلا الاستغفار والالتجاء إلى الله ورعاية السُّنة السَّنيّة، في مواجهة التخريبات العظيمة والشرور الهائلة التي يتسبَّب بها الشيطان باستغلال الجزء الاختياري والكسب غير المُوْجِد.
الإشارة الخامسة: أن الترغيب والتحفيز الوارد في القرآن هو في محلِّه؛ وأنَّ على أهل الإيمان عدمَ الانجرار وراء دسائس الشيطان، وأن هذه الدسائس لا تنجم من عدم الإيمان أو ضعفه؛ وأن مرتكبي الكبائر لا يدخلون في الكفر، وأن هذا الأمر ثابت بدلالة الآيتين: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ٭ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ، وفي النهاية تدعو إلى جعل اسمي الحقِّ سبحانه: "الغفور والرحيم" ملجأً وحصنًا منيعًا، والاستعاذة بالله من الشيطان.
— 185 —
الإشارة السادسة: للتخلص من الأوهام الشيطانية التي تُوهمُ أنَّ مجرَّدَ تخيُّلِ الكفر تلبُّسٌ بالكفر، وأن تَصَوُّرَ الضَّلالة تصديقٌ للضَّلالة، يجب التمسُّك بالحقائق الإيمانية والمُحاكمات القرآنية، وجعلُ السُّنة السَّنية بَلسَمًا لهذه الجِراحِ المعنوية.
الإشارة السابعة: وجوبُ الإيمان بالقدر الذي هو أحد أركان الإيمانِ دون تأوُّل، وأن مرتكبي الكبائر لم يخرجوا من دائرة الإيمان، وأنَّ ثمّةَ آلافَ التجلِّيات للأسماء الإلٰهيّة في مواجهة تخريبات الشيطان، وأنه لا سبيل للنجاة إلا بالتزام مذهب أهل الحقِّ من أهل السُّنة والجماعة، وبالتحصُّن بقلعة القرآن المتينة الرصينة، والعمل وفقَ الهدي النبويِّ والسُّنة السَّنيّة.
الإشارة الثامنة: بعد أن تُبيِّن بأسلوب رفيع جميل كيف يَسلُك الناسُ باختيارهم طريقَ الكفر والضلالة، تتحدَّث عمّا يحقِّقُه الإيمانُ الكامل والاعتقاد التامُّ من محاسنَ ومزايا، ومن الرِّضا النفسيّ تحت حماية القرآن وفي دائرة السُّنّة السَّنيّة.
الإشارة التاسعة: تُبيِّن سببَ هزيمة حزب الله في كثيرٍ من الأوقات أمام حزب الشيطان وأهل الضلالة؛ وحكمة عناد منافقي أهل المدينة في ضلالهم وعدم إيمانهم، وسببَ عدم تحقُّق النصر للرسول الأكرم (ص) في الغزوتين؛ وأن الآلام المؤقَّتة ستزول في حال اتِّباع سُنّة سيِّد المرسلين (ص).
الإشارة العاشرة: تتحدَّث عن أهمِّ دسيسة من دسائس إبليس، وهي أنه يجعل من يتبعُه يُنكرُه بشكل تامّ، وتوضح هذا الأمر بأربعة أمثلة؛ وأن أهل الإيمان في مأمَنٍ من شرور شياطين الجنِّ والإنس ما داموا معتصمين بالله تعالى.
الإشارة الحادية عشرة: تدعو هذا الإنسان المسكين صغيرَ الجِرمِ والجِسمِ، كبيرَ الجُرمِ والظُّلمِ، عظيمَ العيبِ والذَّنبِ، إلى الدخول في الدائرة القدسية للقرآن الحكيم، واتِّباع السُّنّة السَّنيّة، حتى يُنجِيَ نفسه من غضب الكائنات وكراهية المخلوقات وغيظ الموجودات.
— 186 —
الإشارة الثانية عشرة: تُجيبُ على أربعة أسئلة فضولية على النحو التالي: إن مقابلة الذنوب المحدودة بالعقاب في جهنَّم محضُ عدالة، وإن الجزاء بجهنَّم من جنس العمل، والجنة فضلٌ إلٰهيّ محضٌ، وأنَّ السيِّئات تُسجَّلُ قليلةً والحسنات تُكتبُ بأعدادٍ مضاعفة، وأن توفيق أهلِ الضلالة ليس نابعًا من كونهم على حقٍّ أو ناجمًا من ضعف أهلِ الحق.. فتُعطي أجوبة بليغة وفصيحة وقطعيّة على هذه الأسئلة، وتحفِّز أهل الإيمان على العمل وفقَ دستور: «رأس الحكمة مخافة الله» ، وإلى سلوكِ الجادة الواسعة للقرآن والسُّنة السَّنية الجامعة لشتَّى أنواع السَّعادة.
الإشارة الثالثة عشرة: تُسدي للإنسان المسكين المُصابِ بدسائس الشيطان نصائح قيمة جدًّا من خلال نقاطها الثلاثة، إذ تخاطبُه قائلةً: "كي تبلغ السَّلامةَ في حياتك الدينية والشخصية والاجتماعية، وتنال حظًّا من صِحّة التفكير واستقامة النظر وسلامة القلب، زِنْ جميعَ أعمالك وخواطرك بموازين محاكماتِ القرآن والسُّنّة السَّنية، اجعل القرآن والسُّنة مُرشِدَك الدّائم، حصِّن نفسَك باللجوءِ إلى الحقِّ سبحانه قائلًا: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم"، وتُنهي هذا الدَّرسَ الرفيع المُشوِّق بتكرار سورة الناس والآيتين المُفسَّرتين في ثلاث عشرة إشارةً حتى تكون الخاتمةُ مسكًا.
إن المسألتين اللتين تشكِّلان المقامَ الأوَّل للَّمعة الرابعة عشرة مُهِمّتانِ للغاية بالنسبة إليَّ، فرضي الله عن أخينا رأفت بك الذي كان سببًا لتقريره وتأليفه؛ وأمّا المقام الثاني من اللَّمعة نفسها فمؤلَّفٌ فريد مبارك إذ يتحدَّث عن الأسرار السِّتة المتعلِّقة بی بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ خزينةِ الأسرار الرَّبّانية العظيمة، ولا يمكن لمن لم تنله عناية الرحمٰن الرحيم أن يقرأه قراءةَ تذوُّق واستفادة.
تحدَّثتُ في المكتوب السابق بشكل غير اختياريٍّ عن بعض الأفكار الجميلة التي خطرت على قلبي حول بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وهي التي تشكِّل موضوع الكلمة الأولى المباركة، وقد حظيتُ مجدَّدًا بالاستفادة من دروسكم ودعواتكم وشفقتكم یی أستاذي المُكرَّم یی وذلك بإجابتكم على سؤالي السابق حول تخصيص
— 187 —
الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ في بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ بجوابٍ آخرَ رفيعٍ بليغٍ؛ ولأنني كنتُ مظهرًا لهذه الأمور فمهما حمدتُ خالقي الرحيم فلستُ أوفي حقَّه.
لم أقرأ بعدُ الفِهرسَ بشكل دقيق، لكنني سأعاودُ قراءتَه إن شاء الله، وقد طالعتُ موضوعات المكتوب الحاديَ عشر.. أسأل الله اللطيف القدير وأتضرَّع إليه أن يوفِّقكم في إتمام ما لم يُؤلَّف ونَشرِه، أو ما أَذِن الحقُّ سبحانه بنشره؛ لقد جسَّدت الكلمة الثلاثون أمامي حادثةَ تهديدها لسكرتير المحكمة بصورة حية.
إن باقة الورد "الفهارس" ليست كسائر الفهارس المُدرَجة تحت مسمى "الفِهرِس" في المؤلفات الأخرى، فلها خصوصية مميَّزة تمامًا، حتى يُمكِنُنا القولُ: إنها خلاصةُ خلاصةِ الكلمات والمكتوبات، وزبدةُ مؤلَّفات النور، ومفاتيحُ ألماسيةٌ لخزائن النور، وبابُ مكتوبات النورِ ورسائلِها.. فأسأل الله ذا الجمال والكمال أن يكتُب السَّعادة في الدارين لمؤلِّفها، ولمن كانوا سببًا في تأليفها.. آمين.
خلوصي
٭٭٭
(فقرة خسرو حول الفهرس):
أستاذي العزيز.. بتأليفكم اللمعة الخامسة عشرة للمكتوب الحادي والثلاثين أضفتم مؤلَّفًا فريدًا آخر إلى تصانيفكم الفريدة التي مضى على بدء ظهورها عدةُ سنوات، فتلك الأسفار النفيسة كانت تَنشُد سفرًا نفيسًا كهذا، وتلك البدائع المذهلة كانت تطلب خلاصةً بديعة كهذه، وتلك المؤلفات العجيبة كانت ترجو مجموعةً رائعة كهذه، وتلك الحقائق العظيمة كانت تبغي كلِّياتِ حقائق عظيمة كهذه، والرسائل المنوَّرة تلك كانت تستدعي فهرسًا منوَّرًا كهذا.
فحمدًا لله الفياض المطلق أن جاد علينا من خزائن رحمته بسفرٍ نفيسٍ لم يوفَّق لمثله مؤلِّف من قبل، فجمع فهرسًا فريدًا لكلِّيَّات النور البالغِ عددُها مئةً وعشرين،
— 188 —
في صحائفَ معدودةٍ تُقارب مئةً وعشرين.. وضمَّت هذه الرسالة القيِّمة من المنافع والفوائد الكثيرة ما لا يبلُغُه وصفٌ ولا يعبِّر عنه مدحٌ، إنها تمدحُ نفسها بنفسها وبما يليق بها، وبأوصاف لا يفوقُها وصفٌ.
خسرو
٭٭٭
(فقرة الحافظ أحمد أفندي من "دَرَة" يتحدث فيها عن رؤيا ذات مغزى):
سيدي وأستاذي العزيز الشفوق..
حَلُمتُ في الرؤيا أني أتجوَّل في صحراء، فدخلتُ في جمع غفيرٍ من النصارى وأنا مستمرٌّ في وِردي اليومي مُردِّدًا كلمة التوحيد جهرًا، وإذا بهم يشاركونني في ترديدها، وكنتُ على رأس كل مئة كلمة أقول: "محمد رسول الله"، وأجدُ النصارى يقولون: "عيسى روح الله"، فقلتُ لهم: إننا نؤمن بعيسى عليه السلام. ونطقتُ أمامهم كلمة التوحيد وقلتُ بعدها: عيسى روح الله. فانظروا كيف نؤمن بنبيِّكم، فماذا يحصل لو آمنتُم بنبيِّنا؟ فقالوا لي: لا، لن نؤمن بنبيِّكم حتى يَنزلَ عيسى عليه السلام من السماء ويُصدِّقَه بشكل صريح".
وعلى إثر هذا حضر صديقان لم أكن أعرفهما، فقلت لهما: "فلندعُ الله أن يُنزل عيسى عليه السلام ليعلم هؤلاء أنَّه يصدِّقنا"، فجعلتُ أدعُو ويؤمِّنُ الصديقان على دعائي؛ إلا أنَّ عيسى عليه السلام لم يَنزِل، فحَزِنَّا حزنًا شديدًا ودَعَونا مرّةً أخرى: "يا ربّ، أليس هذا الدِّين دينًا ساميًا؟ لا تدعنا مُحرَجين أمام هؤلاء".
وبعد حوالي ساعة أو ساعة ونصف ظهر ثلاثة أشخاص، فقلت: الحمد لله ها قد أتى عيسى عليه السلام. فرأيتُ رجلًا ذا لحية خالَطَه الشُّيب، والآخران معه شابَّان أمردان! فقلتُ في نفسي: "كان عُمرُ عيسى عليه السلام حينما رُفِع إلى السماء ثلاثًا وثلاثين سنةً، فلِمَ هذا البياضُ في لحيته؟! ليس هذا عيسى والله أعلم"، فلمّا اقترب الرجلُ وصاحباه منَّا دقَّقتُ النظرَ فيهم، فإذا هو وجهُ أستاذنا ولباسه.
— 189 —
وحين وصلوا خاطب الشّابين اللَّذَين معه مشيرًا إلى مغارةٍ أسفلَ منّا: "يوجد هنا صُلبانٌ كثيرة مُقفَلة، أَخرِجاها كلَّها"، فأخرجاها، فحطَّمَها جميعًا أمام النصارى مردِّدًا الشهادتينِ، فالتفتنا إلى النصارى وقلنا لهم: "انظروا، ها هو وكيل عيسى عليه السلام"، حين ذلك آمن الجميع.
ومن أوجُهِ تعبير هذه الرؤيا یی والله أعلم یی: أن قسمًا من النصارى سوف يدخلون الإسلام بواسطة رسائل النور التي يستقيها أستاذي من القرآن الحكيم وينشرها، وسيتلقَّون كلماته بقبولٍ حسنٍ، وسيصبحون بحكم النصارى المسلمين.
أجل، إن في رسائل النور قوة عظيمة وأيُّ قوة! إذ أجبرت أعتى فلاسفة أوروبا على الخضوع والاستسلام، فكيف بهؤلاء الموحِّدين من النصارى، الباحثين عن نور الإيمان الحقِّ الذي هو حاجة كلِّ روح؟! لا بدَّ أنهم سيتقبَّلونَ رسائل النور ويتمسَّكون بها إن هم أبصروها كما لو كانت وصيَّة عيسى عليه السلام.
الحافظ أحمد موتاف من "دَرَة"
٭٭٭
(فقرة عاصم بك):
إن هذا "الفِهرِس" منبعُ نور ومجمع حقيقة، وهو فهرس حقيقي للأنوار، فلو جعلنا كلَّ كلمة من الكلمات الثلاثة والثلاثين وكل مكتوب من المكتوبات الثلاثة والثلاثين منبعَ نورٍ لحقيقة جيّاشة وجنة ورود وأزهار، لَعدَدْنا هذا السفر النفيس بأقسامه الأربعة أشبهَ بأربع باقاتِ وُرُودٍ متنوِّعة، اقتُطِفت من تلك البساتين المُتعدِّدة؛ وإن قراءة هذه الفهارس تستنهض الهِممَ لمُطالعةِ الكلمات والمكتوبات الشريفة وكتابتها.
وقد وقفتُ حائرًا: أيُّ رسالة من بين الرسائل التي لا أقتنيها أكتبُ أوَّلًا؟ فكلُّ واحدة منها تُسابقُ الأخرى أنوارًا وحقائقَ، لكني سأحرص على كتابتها جميعًا بعون الله وببركة دعاء أستاذي.
— 190 —
وأحبُّ أن أوضِّح نقطةً أيضًا: إن تأليف "الفهرس" بناءً على إلهام أستاذي وإلحاح أخي صبري أفندي أمرٌ صائب وخيِّر، إذ أصبح مفتاحًا لحقائقَ غير محدودة.
أسأل الله أن يُدِيمَ صِحّة أستاذنا الحبيب وعافيته، وأن يُطِيلَ عُمُرَه ويبارك فيه، وأن يكتب له النجاح في جميع أموره حتى نرفعه على رؤوسنا كتاجِ انتصارٍ لسنوات طويلة، ونسعى في خدمة القرآن ببذلٍ وجِدٍّ، ونقطع أشواطًا فيها، كي يَعُمَّ نفعُه جميعَ المؤمنين، ويُحطِّمَ شوكةَ أهل البدعة والإلحاد.
طالبكم عاصم (رحمه الله)
٭٭٭
(فقرة علي الصغير أخي "مصطفى المبارك صاري بِچاق" من "قُولَه أونو"):
(فقرة شاب محتاج إلى طبيب معنوي لعلاج جِراح هذا العصر)
أستاذي العزيز الشفوق المحترم..
بما أنَّ عصرنا الذي نعيشه عصرُ نفيرٍ عام ونذيرُ حربٍ معنويّة، فإنني أجدُ جراحًا نازفةً في جسدي تزيد يومًا بعد يوم.. حتى إنني سمعت يومًا مَن يُنادي: "انتقلوا من اليمين إلى الشمال"، وحينما أعلنوا إلغاء بعض الأحرف الاثنين والثلاثين، أصابني جرحٌ آخرُ أنساني آلام الجراح الماضية!
وها هو الزمان يُعيد نفسه من جديد، فمثلما دفَعَتِ الفتنةُ بضعةَ شباب لم يحتملوا فسادًا كهذا الذي في عصرنا إلى اللُّجوء إلى الكهف فرارًا بدينهم كما أخبر بذلك القرآن: إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آَتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا، ذلك أن مَلِكهم "داقيانوس" دعا مَن كانوا على دين الحق مِن أهل الإيمان إلى عبادة الأصنام؛ وجعل مَن استجاب منهم لدعوته قربانًا للأصنام، أمّا مَن رفضوا فقام بقتلهم جميعًا.. كذلك لجأ أسيادُنا من أصحاب الكهف إلى المغارة نتيجةَ الفساد الذي لا يُحتمل.
— 191 —
وحين أستغرق في التفكير بما نعانيه في عصرنا هذا من آلام وجراح، تظلُّ روحي مضطربة طوال النهار ويتساءل قلبي حزينًا باكيًا: "أمام اضطرابات هذا الزمن، تُرى كيف سيكون موقفُ أمثالنا من الشباب الذين يعانون جِراحًا معنوية يومَ يُعرضون أمام ديوان الواجب الوجود في المحكمة الكبرى؟! وهل لهم أن يطلبوا شفاعة المصطفى محمد عليه الصلاة والسلام؟!".
لكن قلتُ في نفسي: بما أن المصطفى (ص) كان يأتيه الآلاف من المُبتلَيْن والمُصابين بالجراح المادية والمعنوية، والكثيرُ من البكم والعاجزين وفاسدي القلوب وعديمي الإيمان، وبمجرَّد جلوسهم ساعة أو حضورهم مجلسًا نبويًّا رجعوا إلى أقوامهم مُرشِدين مُعلِّمين.. وبما أن القرآن الذي تركه فينا باقٍ حتى يوم القيامة.. وبما أن الأطباء المعنويِّين الذين عرَّفهم هذا القرآن يؤدُّون وظيفةَ الطبابة المادِّية والمعنوية تجاهَ المؤمنين حتى قيام الساعة.. إذًا فلْأُراجِع الطبيبَ المعنويَّ الموجود في ولايتنا..
وبينما كانت رُوحي تبحث وتتحرَّى عن هذا الطبيب غشيني النُّعاسُ ونِمتُ، فرأيتُ في منامي ثلاثة أشخاص، اثنان منهم لم يُفصَح عن اسمَيهِما، أما الثالث فهو أستاذي بديع الزمان، إذ أُفصِح عن اسمه حرفيًّا، فانكببتُ على يديه أقبِّلُهما، فما كان منه إلا أن أخرج من جيبه قلمًا وورقةً وأعطاني إياهما، واستيقظت فورًا.
حدَّثتُ والديَّ برؤياي هذه یی وهما من أرباب القلوب یی فقال لي والدي: "هذا الرجل الذي تَذكُرُه قدم إلى "بارلا" منذ حوالي سنة أو سنتين، اذهب لزيارته"، فقلتُ: "ما زلتُ شابًّا صغيرًا لم أُؤدِّ الخدمة الوطنية بعدُ، فكيف أذهب بجراحاتي المعنوية الغائرة إلى طبيبٍ معنويٍّ مثلِه؟! وهل يمكن أن أَحتمِل علاجَه؟!"، وبينما أنا على هذه الحال إذ تلقَّيت في الرؤيا الأمر الثاني، وقيل لي: "اذهب إليه".
وفي صباح اليوم التالي انطلقتُ للقائه، فلمّا رأيتُ أستاذي بقيتُ أرتَعِدُ عدّة دقائق، ثمَّ قلتُ: سبحان الله! حينما شاهدتُ هذا الطبيب شعرتُ أنَّ جراحاتي تَصرُخ بكل قُواها: لن نستطيع تَحمُّلَ الأدوية التي سيَصِفُها! فلم أستطع أن أُفصِح عن آلامي وأوجاعي.
— 192 —
لكنَّ أستاذي قَبِل أن أكون في عداد طُلّابه، أوصاني بشدة أن أُحافِظ على الصلوات الخمس؛ وبعد زيارتي هذه ببضعة أشهر طُلِبتُ لأداء الخدمة العسكرية، فقضيتُ عشرين شهرًا أُعاني من هذه الجراح والآلام حتى أنهيتُ الخِدمة، وكنتُ أفكِّر في كل وقتٍ بأنَّ: "الموت حق"، وأتساءلُ في نفسي: "كيف ستكونُ حالي يا تُرى؟!"، ولَمّا عُدتُ إلى مدينتي وقابلتُ أخي الكبيرَ مصطفى شعرتُ ببعض الانشراح في صدري، فاستغربتُ الأمرَ؛ وبعد بضعة أيام وفي أوَّل ليالي شهر رمضان المبارك، رأيتُ في المنام یی وهو الأمر الثالث یی أُستاذنا سعيدًا النُّورْسِيَّ يحملُ عصًا في يده، وقد أصبح راعيًا في ضواحي مدينتي، وأعلن عن نفسه أنه "دلَّالُ القرآن"، وجعل ينادي بأعلى صوته مُعلِنًا هذا الأمرَ جِهارًا نهارًا، فاستيقظتُ على الفور من شدّةِ لَهفَتي.
فيا إخواني ويا أهل الإيمان، إنَّه نداءٌ عامٌّ من أستاذنا العزيز في كل حين لجميع المسلمين البالغ عددُهم ثلاثةً وخمسين مليونًا، فلتُصغوا لندائه بقلوبكم لا بآذانكم فحسبُ، كي نَعِيَ كلامَه كلَّما تحدَّث.
إننا أمام معرِض فَتَح أبوابه لعرض الجواهر والألماس التي هي منحةُ هذا العصر خاصّةً، تلك هي كُلِّيّاتُ رسائل النور، فلنَلتقِط من هذه الجواهر قبل انتهاء المعرض، ولنَقطِف من تلكم الزهرات قبل انقضاء الربيع، فلو بذلنا كل ما لدينا لما أوفينا ثمنَ واحدةٍ من جواهره.
وقد شرعتُ بالغصن الرابع والخامس من الكلمة الرابعة والعشرين كتابةً وقراءةً، وعقدتُ العزمَ على كتابة جميع الكلمات والمكتوبات، فلقد شعرت أن جراحي بدأت تتماثل للشفاء تدريجيًّا، وها أنا أنادي جميع إخواني المكلومين وجميع المسلمين: "أوَّاه! أنَّى لكم أن تشعروا بالراحة في هذا العصر وأنتم تحملون هذه الجراح؟! فلنتمسَّك جيدًا برسائل النور ومكتوبات النور المترشِّحة من القرآن، فهي الطبيب والدواء المعنويُّ لهذا العصر".
طالبكم العاجز: علي عُلوي
٭٭٭
— 193 —
(فقرة محمد بن إيبش من "قُولَه أونو"):
سيدي وأستاذي المحترم.. مضت خمسة أعوام على بدء أخي مصطفى بكتابة الرسائل، وقد أضعنا سنتين منها بكلِّ أسفٍ، ومنذ ثلاثة أعوام ونحن نتدارسُ الرسائلَ مع سائر أصحابنا في غير أوقات العمل ونَنهلُ من معينِها.
أمّا أرباب الطُّرُق في قريتنا فكانوا لا يكترثون لِما يقرؤه أخي مصطفى ولا يُلقون له بالًا، فكنت أقول لهم: "هذه الكلمات التي نقرؤها تُوافقُ الطريقةَ والحقيقة معًا، وهي علاجٌ لجراحِ هذا الزمان".
وكنتُ كلَّما أصابني اليأسُ أزور أخي وأطلب منه أن يقرأ لي شيئًا من رسائل النور، وأُصغي لِما فيها من حقائق، فتبرأ جراحي بما تمنحُه هذه الرسائل من فيوضات، وأمضي بعدها في سبيلي..
وكلَّما طُرحت مسألةٌ للنِّقاش والبحث وجدنا في رسائل النور ما هو أكثرُ فائدةً، فكنتُ أخاطب كثيًرا ممَّن لا يَقدُرُون "الكلمات" قَدرَها قائلًا: إن الجواب الشافي والدواء النافع لهذه المسائل مُدرَجٌ في الرسائل، كما أُعلِنُ للعالم بأسره وبأعلى صوتي: إنَّ هاهنا دواءَ الأمراض المُشاهَدة في الخارج، فلنستَفِد من هذه الرسائل، ولا نُعرِض عنها كالبُلَهاء.. وإنا نحمد الله كثيرًا أن منَّ علينا بمعرفتكم أستاذي المحترم.
وبتوفيق الحقِّ سبحانه وإحسانه ولُطفه، وبهمة أستاذي المحترم، توحَّدنا نحن وأهل الطريقة، وأدركوا أن "الكلمات" حقٌّ، وبِتْنا نقرأ "الكلمات" معًا وننهل من فوائدها الكثيرَ، بل صاروا أكثرَ حرصًا على قراءتها وسماعها.
شجَّعني أخي مصطفى يومًا على كتابة الرسائل، فنسختُ المكتوب العشرين، لكني لاحظت في هذا المكتوب ثلاثة توافقات: ففي أعلى السطر كلمتا: "لا نهائية"، وتحتها ثلاث كلمات: "الدنيا"، فأحزنني هذا الأمر وقلت في نفسي: إن هذه الدنيا لن تتركني وشأني! فتركت الكتابة على نية المعاودة لاحقًا، فإذا بي أرى في المنام أستاذي
— 194 —
الموقَّر يأتي راكبًا على فرس أسود، ويأمرني قائلًا: "أوثقه بلجام متين"، فربطتُه بلجام متينٍ مصنوع من سلاسل الحديد بحيث لا يُمكِنُه الحراك؛ فأوَّلتُ الفرسَ الدُّنيا، وأنَّه تمَّ لَجمُها ببركة دُعائِكم؛ وسأعاود كتابة الرسائل إن شاء الله.
وأمام منزلي تقعُ مضافة المختار، فكنت كلَّما خرجتُ من المنزل خبَّأتُ الرسائل عن الأنظار، فرأيت أستاذي في المنامِ يسكنُ قصرًا عظيمًا في داخل البحر، وأهالي قريتي على أطراف ذلك القصر، فركبتُ فرسًا كُمَيتًا وأتيتُ إليكم، فسألني الناس: كيف عبَرتَ البحر؟ فأجبتُهم: لقد كان فرسي جديدَ النَّعل، لذا لم ألقَ عَناءً في الوصول، لا سيَّما والبحرُ متجمِّدٌ ومغطًّى بجليد رقيق. وفي تلك الأثناء ظهرتم أمامي وقلتم لي: "لِمَ تخبِّئُ الكلمات؟! سيكون للكلمات بعد اليوم حضور وانتشارٌ في الميادين"، ثمَّ طلبتم مني الفرسَ، فأتيت به يخطو خُطًى مترسِّلة جميلة؛ وحينها استيقظت.. جعلها الله خيرًا.
طالبكم العاجز: الحاج محمد
٭٭٭
(فقرة الحافظ مصطفى، صديقُ صاحبِ القلم الألماسي: مصطفى من "قُولَه أونو"):
أستاذي العزيز، لقد كان لكم فضلٌ كبير في إنقاذ حياتي الأخروية، وذلك بإرشادي إلى الطريق المُوصلة إلى الفيّاضِ المُطلَق الواحد الأحد سبحانه.
قبل حوالي أربعة أشهر قُمنا أنا وصاحبي مصطفى بزيارتكم لنحظى ببعض الجواهر الألماسية من مخزن اللؤلؤ، ونتلقَّى قسطًا من مخصَّصاتنا الأُخرويّة؛ لكنَّنا عُدنا أدراجَنا بعد أن تلقَّينا منكم تنبيهًا رفيقًا بقولكم: "لماذا أتيتم؟!"، ونتيجة هذا التنبيه تعرَّضنا في طريق العودة لعاصفة شفوقة ومأجورة، إضافةً إلى امتعاضٍ ناشئٍ عن انزعاجكم من الزيارة؛ لكن لمّا قرأنا كلامكم حول الزيارة في رسالة صفعات الشفقة، أدركنا مدى شفقة أستاذنا، فانقلب حزني إلى مسرّات، وهدأت روحي
— 195 —
الضعيفة العاجزة التي كانت تُعاني وتتألم من جراء هذا الموقف.. الحمد لله، هذا من فضل ربي.
وقد غمَرَتنا الفرحة والسَّعادة حين علمنا بهجرة أستاذي إلى "إسبارطة" القريبة منّا، ليلةَ الثانِيَ عشَر من شهر ربيعٍ الأوَّل یی وهي ليلة مباركة یی فأنسانا الخبَرُ جميع أحزانِنا وهمومِنا، وتعافَت جميعُ جراحنا وآلامنا؛ وستكون هجرتكم هذه سببًا لفتوحات عظيمة إن شاء الله.
وإن ولادة فخر العالمين (ص) یی وهو الذي كان سببَ خلقِ الدنيا والآخرة وتنويرهما بجميع أفرادهما، بدءًا من الذرة وصولًا إلى الشمس، وأنار سبيلَ الآخرة بشريعته الفياضة المنيرة كالشمس، والمستمرّة حتى يوم القيامة یی وتشريفَه لهذه الدنيا ليلةَ الثانيَ عشَر من شهر ربيعٍ الأوَّل المبارك؛ وانتقالَ أستاذنا في تلك الليلة المباركة وهجرته إلى "إسبارطة"، كلُّ ذلك ولَّد لديَّ دافعًا، وفتح الطريقَ أمامي مجدَّدًا لدخول سوق الألماس، واقتناءِ ما يلزم من الجواهر والعقيق.
كما أنه أثناء هجرة نبينا (ص) من مكّةَ إلى المدينة، نزل عليه الأمين جبريل وبشَّره بفتح مكة، فسُرَّ بذلك نبيُّنا والصحابة الكرام؛ وإن هذا التوافق بين الهجرتين يُبشِّرُنا بأنها ستكون سببًا لفتوحات تَسُرُّنا وتَسُرُّ جميع المسلمين.
الحافظ مصطفى إمام أوغلو (رحمه الله)
٭٭٭
(فقرة الحافظ مصطفى إمام أوغلو):
(رسالة وردت على الخاطر بأن الكلمات والمكتوبات تؤدِّي دورَ مرشد كامل)
سيدي وأستاذي.. قبل عام واحد یی وتحديدًا في مرحلة نَسخِ الكلمات والمكتوبات یی كنتُ أجد في بعض نكاتِها العلاجَ النافعَ لبعض أمراضي القلبية، فكنتُ
— 196 —
أقول: "هذه النكتة يجب أن تُكتَب بماء الذهب!"؛ وقد تمَّ تأليفُ اللَّمَعات بحمد الله وعظيم فضله، فكانت بما تنطوي عليه من فيوضات مفتاحًا لجميع الكلمات والمكتوبات، وسأضرب لذلك مثالًا:
إن مسافرًا يمضي في صحراءَ شاسعةٍ، سالكًا طريقًا مُوحِلةً في أشدِّ أيام الشتاء قساوةً وخطورةً، وأكثرِها هبوبًا للعواصف والأعاصير، وفي زمن تكون فيه الحيوانات المفترسة أشدَّ فتكًا وافتراسًا، وهو يمشي وحيدًا بين كلِّ هذه المخاطر، معرِّضًا نفسَه للعواصف والافتراس، يخطو حينًا ويتعثَّر حينًا آخر؛ وبينما كان هذا المسافر في حَيرة كيف يُنقذ نفسه من هذه الأخطار؟ إذا به يلمح في تلك الصحراء الواسعة قصرًا مشيَّدًا بموادَّ أقوى من الحديد وأصلبَ من الفولاذ، فما مبلغُ سعادته وسروره؟! لا شكَّ أنه سيعدو مسرعًا نحو ذلك القصر لينجوَ بنفسه، بل سيودُّ لو أمكنه أن يطير عاليًا ليَصِلَ إليه، ولن يتردَّد في التضحية بجميع ماله بل حتى برُوحه في سبيل من كانوا وسيلةً لدخوله في هذا القصر.
كذلك حال الكلمات والمكتوبات في هذا العصر؛ ففي كل كلمة منها ملجأٌ أمينٌ وملاذٌ حصين يحصِّن المرءُ به نفسَه من مخاطر وحوش الإنس والجانِّ.. وأحمدُ الله أنني وجدتُ مفتاح ذلك القصر من خلال اللَّمَعات وفيوضاتها، واحتَمَيتُ داخلَه لأنجُوَ بروحي الضعيفة من تلك المخاطر، ورأيتُ الكلماتِ أشبهَ بالجنة المؤلَّفة من ثمانية طوابق متناسقة، لا يشبه طابقٌ الآخرَ ولا يمنعُه من الضِّياء، وفي كلٍّ من اللطافة والمتعة ما يُجدِّد لذّةَ نعيمِ الطابق الآخر.
الحافظ مصطفى إمام أوغلو (رحمه الله)
٭٭٭
— 197 —
(فقرةٌ للحافظ "توفيق الشامي" صاحب الخدمات السابقة الكثيرة في تسويد رسائل النور وتبييضها، وتدور حول استنباطاته التي تثبت حقِّيّة رسائل النور):
باسمه سبحانه
قبل ثلاثة عشر عامًا أخذتُ من أستاذي حسن أفندي في "بورصا" رسالة تضمُّ مجموعة نصائح قدسية مترجمة، ومقتبسة من مكتوبات قطب العارفين ضياء الدين مولانا خالد قدِّس سرُّه، المدرجة في كتاب "زبدة الرسائل عمدة الوسائل"، ولكن ما يسَّر الله لي مطالَعتَها.
وفي هذه الأيام كنتُ أبحث بين كتبي، فوقَعَت يدي عليها، فقلت في نفسي: "إن مولانا خالدًا من بلد أستاذنا، كما أنه من عظماء الطريقة النقشبندية بعد الإمام الرباني، وهو في الوقت نفسه إمام الطريقة الخالدية النقشبندية"، وأثناءَ مطالعتي لهذه الرسالة لفتت انتباهي من سيرة حياة مولانا خالد هذه الفِقرات:
أخرج أصحاب الكتب السِّتة في كتبهم والإمام الحاكم في "مستدركه" وأبو داود في "سننه" والبيهقي في "شعب الإيمان": «إنَّ الله يَبعَثُ لِهذِهِ الأمَّةِ عَلَى رأسِ كُلِّ مِئةِ سَنَةٍ مَن يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا» ، أي: أن الحقَّ سبحانه يبعثُ كلَّ مئةِ عام مجدِّدًا للدين؛ وإن مولانا الشهير قطب العارفين وغوث الواصلين والوارث المحمدي وكامل الطريقة العليَّة والمجدِّدية "خالد ذو الجناحين" قدِّس سرُّه مظهرٌ تامٌّ ومصداقٌ لهذا الحديث الشريف.
بعد ذلك اطَّلعتُ على ترجمته، فوجدت أن ولادته كان سنة (١١٩٣)، وأن نسَبَه يعود إلى سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه، وأنه في سنة (١٢٢٤) رحل إلى "جيهان آباد" عاصمة السلطنة الهندية، وتلقَّى الفيوضات المعنوية من عبد الله الدهلوي، وانضمَّ لأتباع الطريقة النقشبندية، وشرع بمُهِمّة التجديد.
وفي سنة (١٢٣٨) توجَّهَت الأنظارُ إليه، مما أثار حفيظة أهل السياسة، فاضطرَّ لمغادرة وطنه والهجرة إلى بلاد الشام.
— 198 —
كما وجدت في ترجمته أنه كان يملك استعدادًا فطريًّا وقابليةً عظيمةً، حتى إنه قبل أن يبلغ العشرين من عمره أصبح علَّامةَ عصره وأعلمَ علماءِ زمانه، وتصدَّر لتدريس العلوم في قصبة "سليمانية".
بعد أن طالعتُ كلَّ هذا فكَّرتُ في سيرة أستاذي، ووجدتُ أنها تتوافق مع ترجمته في أربعة نقاط هي كالتالي:
الأولى: أن ولادة مولانا خالد سنة (١١٩٣)، وولادة أستاذي سنة (١٢٩٣)، أي: بعد انقضاء مئة عام تمامًا على ولادة مولانا خالد.
الثانية: أن ابتداء شروع مولانا خالد في جهاده لتجديد الدين في عاصمة الهند كان في سنة (١٢٢٤)؛ أما أستاذي فابتدأ جهاده المعنوي بعد مئة سنة تمامًا، أي: سنة (١٣٢٤) في عاصمة السلطنة العثمانية.
الثالثة: لقد أوجس أهل السياسة خيفةً من شُهرة مولانا خالد، فأَمَروا بنقل مكان إقامته إلى بلاد الشام، وذلك سنة (١٢٣٨)؛ أما أستاذي فبعد مئة سنةٍ تمامًا (١٣٣٨) سافر إلى أنقرة، ولم يحصل اتِّفاقٌ بينه وبين السياسيِّين فيها، فاستاء منهم جميعًا وتركهم عائدًا إلى "وان"، وانزوى في أحد جبالها، فوقعت بعد هذه السَّنة مباشرةً "حادثةُ الشيخ سعيد"، فتوجَّس أهلُ السِّياسة منه خيفةً، فنفَوْه إلى "بُوردُور"، وإلى ولاية "إسبارطة"، وأقام فيهما تسعة أعوام.
رابعها: أنَّ مولانا خالدًا قبل أن يبلغ العشرين من عمره أصبح علَّامة زمانِه، وفاق فُحُولَ علماء عصره، وتصدَّر للتدريس؛ وكذلك حال أستاذي، فإن من نظر في ترجمته يجدُ أنه قد أُجيز وهو في الرابعة عشرة من عمره، وناظر علماء عصره، وتصدَّر لتدريس الطلاب الذين بلغوا مرحلة نيل الإجازة.
كما أن مولانا خالدًا يرجعُ نسبُه إلى سيدنا عثمان رضي الله عنه، وقد جاهد بكلِّ قوَّته لإحياء السُّنة السَّنية، وكذلك حال أستاذي، فمن منطلق خدمته للقرآن الكريم سار خلف سيِّدنا عثمان ذي النورين رضي الله عنه، وبذل كمولانا خالد كلَّ ما يملك من طاقة في سبيل إحياء السُّنة السَّنية من خلال أجزاء رسائل النور.
— 199 —
إن التوافق الملحوظ في هذه النقاط الأربع بفاصل مئة عام تمامًا، يُبيِّن مدى تأثير رسائل النور فيما يخصُّ تمكين الدِّين وشرف خدمته، شأنُها بذلك شأن الخدمة التي أسداها مولانا خالد من خلال الطريقة النقشبندية. (حاشية): ما دام مولانا خالد مجدِّدًا ومصداقًا للحديث الشريف الوارد في المُقدِّمة باتفاق الملايين من أتباعه، وما دام التوافق قد ظهر في أربعة جوانب بعد مئة عام تمامًا، وما دامت رسائل النور تؤدِّي نفسَ الخدمة.. يعني أن أجزاء رسائل النور تقوم بوظيفة تجديد الدين وتقويته حسب نص الحديث.
إن أستاذي لا يقبل المدح والثناء الموجَّه لشخصه، وإنَّ ارتباطَ رسائل النور إنَّما هو بالقرآن، لذا فإن جميع أنواع المدح والثناء ترجع إلى أسرار القرآن؛ وانطلاقًا من هذا المبدأ أودُّ أن أتحدث عن بعض الفوارق التي تميِّز أستاذي عن مولانا خالد:
الأول: أن مولانا خالدًا هو (ذو الجناحين)، أي: صاحب طريقتين: القادرية، والنقشبندية، إلا أن المشربَ النقشبنديَّ راجحٌ عنده على القادريّ؛ أما أستاذي فعلى العكس منه، إذ يسري فيه المَشرَبُ القادريُّ والمسلك الشاذليُّ بتأثيرٍ أكبر.
سمعتُ من أستاذي أن مولانا خالدًا حينما جاء بالطريقة النقشبندية من الهند، كانت دائرةُ بغداد تحت حكم الشاه الگيلاني بعد مماته مثلَما كانت في حال حياته، لذا لم يلقَ الحكمُ المعنوي لمولانا خالد بادئَ الأمرِ قبولًا حسنًا، غير أنَّ أرواح الشّاه النقشبند والإمامِ الربّاني حضرت إلى بغداد لزيارة الشاه الگيلاني وطلبت منه التالي: "إن مولانا خالدًا ابنُك، فاقبَلْه"، فقبل الشاهُ الگيلاني طلبهما ورضي بمولانا خالد؛ وبعد ذلك سطع نجم مولانا خالد فجأة؛ وهذه الحادثة الروحية مشهودة لدى أهل الكشف، وقد شاهدها بعض أهل الولاية في ذلك العصر، كما شاهدها بعضهم في الرؤيا. انتهى كلام أستاذي.
الفارق الثاني: أن أستاذي يُبعِد نفسه وشخصه كلَّ البعد عن أن يكون مرجعًا، ويضعُ رسائل النور في المقدمة دومًا؛ أما مولانا خالد فقد أصبح بشخصيَّته قطبَ الإرشاد ومرجعَ الخواصّ والعوامّ.
— 200 —
الفارق الثالث: أن مولانا خالدًا ذو الجناحين، إلا أنه بمقتضى عصره من حيث التمسُّك بعلم الطريقة والسُّنة السَّنيّة قد تمسَّك بالطريقة أكثر مِن سواها، وصرف جُلَّ جُهدِه في سبيلها؛ أما أستاذي فقد توجَّه یی بحسب مقتضى هذا الزمان الرهيب یی نحو علوم الحقيقة وحقائق الإيمان، تاركًا الطريقة في الدرجة الثالثة.
الحاصل: بناءً على الوعد الإلٰهيِّ الوارد في الحديث السابق وهو أنه: "سيُبعَثُ على رأسِ كلِّ مئةِ عامٍ مُجدِّدٌ يُجدِّدُ الدِّينَ"، فإن مولانا خالدًا یی وبتصديقِ كثيرٍ من أهل الحقِّ یی هو مُجدِّد القرن الثاني عشر؛ وما دامت أجزاء رسائل النور تقوم بالوظيفة نفسها بعد تمامِ مئة عام، وبتوافُقٍ ظاهر في أربعة جوانبَ، فإنَّ لنا أن نعتبر أن رسائل النور بحكم مجدِّدٍ للدِّين حسَبَ نصِّ الحديث.
يكرِّر أستاذي على الدوام قولَه: "إنني جنديٌّ بسيط، لكنني أقوم بمُهِمّة من يحمل رُتبة المُشِير، ما يعني أن القيمة ليست في شخصي، بل إن رسائل النور المترشِّحةَ من فيض القرآن الحكيم تقوم بهذه المُهِمّةِ المعنويّة".
ولئلا أُغضب أستاذي فإنني أتجنَّب مدحه والثناء على شخصه.
الحافظ توفيق الشامي
٭٭٭
(توافق لطيف يدلُّ على بركة رسائل النور، وقد وقف عليه تلميذا النور: رأفت بك، وخسرو):
توافق عجيب يشيرُ إلى الرحمة التي ساقتها رسائل النور لولاية "إسبارطة":
إن من مفردات العنايات الكليَّة التي أضحت رسائلُ النور مظهرًا لها: أن احتضنت ولايةُ "إسبارطة" مؤلِّفَ رسائل النور مدةَ ثمانية أعوام، وآوَتْه وحفظته یی بلطف الحق وكرمه یی في ناحية جميلة لها هي ناحية "بارلا"، وخلال هذه المدة انتشرت رسائل النور تدريجيًّا، فعزَّزَت إيمانَ الآلاف من سكانها، لا سيما شبابها الذين نهلوا من فيوضاتها وأفادوا من توجيهاتها.
— 201 —
وبعد هذه المدة انتهت حياة الأَسْرِ المَريرة الأليمة التي تُدمي قلوبَ أشد الناس قساوة، تلك الحياة التي قضاها أستاذُنا في ناحية "بارلا" الجميلة الرائعة، فتوجَّه نظرُ أستاذُنا مؤلِّف رسائل النور نحو "إسبارطة"، ووافق ذلك شيئًا من التوجُّس والهواجس في نفوس بعض الظَّلمة من أهل الدنيا، فأحضروا الأستاذ إلى "إسبارطة".
حينما قدم أستاذنا إلى "إسبارطة" كانت حرارة الصيف في أشد أيامها، إذ توقَّف المطر وشحَّت المياه التي تروي "إسبارطة"، وغاضت بعض الينابيع تمامًا، واصفرَّت الأشجار، وجفَّت الأعشاب، وذبُلَت الورود والأزهار.
ولأن ولاية "إسبارطة" أكثر الأماكن التي انتشرت فيها رسائل النور، فإننا نحن تلاميذ رسائل النور شهدنا عن كثب وقائع كثيرة تُسلِّطُ الضَّوءَ على العنايات الربانية الخاصة برسائل النور؛ وها نحن اليوم نشهد على حادثة أخرى: بعد تشريفِ مؤلِّفُها "إسبارطة" مباشرةً، هطل المطر بغزارة في فصل الصيف، وهي حادثة لم تقع سوى مرة أو مرتين خلال قرنٍ كامل، وسقى هذا المطر الغزيرُ جميعَ نواحي "إسبارطة"، ودبَّت الحياة في النباتات مجدَّدًا، واكتسَبَت الحقول والبساتين لطافة وتميُّزًا، وعادت البسمة إلى وجوه سكانها الذين يعمل أكثرهم في الزراعة مستفيدين من هذا المطر الذي عُدَّ من البركات والعنايات التي نالتها رسائل النور، وانشرحت بذلك النفوس والأرواح.
إن من عميم رحمة الحقِّ سبحانه أن بدَّل أيام الصيف الشديدةِ الحرارة إلى أيام ربيع لطيفة جميلة زاهية، فكأنَّه ترحيب بمؤلِّف رسائل النور بأجزائها المئة والتسعة عشر، يَبعَثُ السلوان في قلبه الحزين ويُطيِّبُ خاطرَ رُوحِه المهمومة، وتعويضٌ له یی من جهة أخرى یی عن "بارلا" التي عاش فيها ثمانية أعوام وعن ذكرياتها التي لا تُنسى كأصحابه وشجرة الدُّلبِ وجميع ما له ارتباط به هنالك، وكأنَّ رسائل النور بأجزائها المئة والتسعة عشر رفعت أيديها داعيةً بألسنة مئة وتسعة عشر ألف كلمة من كلماتها، فجاد الحقُّ سبحانه بمطرٍ غزيرٍ مباركٍ لم يهطل مثلُه إلا في سنة ثلاثٍ وتسعين (١٢٩٣) كما يروي لنا أجدادنا، وهو أيضًا يوافقُ العام الذي وُلِد فيه أستاذنا.
— 202 —
إن من الأدلة التي تشيرُ إلى أن حادثة الرحمة العامة بهذا المطر الغزير تتوجَّه بشكل خاص إلى رسائل النور: أن اليوم الذي قَدِم فيه أستاذنا ناشر رسائل النور إلى "إسبارطة"، كان الغبار والتراب ينتشر في الأجواء من شدة الحرارة وشُحِّ الأمطار، فكان قلقًا جدًّا، فقد أتى من مكان أشبهَ بمَصيفٍ هو "بارلا"، ولن يتمكن من تحمُّل العيش في مثل هذا المكان؛ وفي اليوم الثالث أو الرابع حين كان يتجوَّل في أحد بساتينها، وجد أن الورود والخضار والأعشاب قد ذَبُلت من شحِّ المياه، فحزن كثيرًا، ودعا ربَّه يطلب الماء والمطر.
وكان قد سأل صاحبَنا بكر بك وهو يشيرُ إلى الماء الذي يُديرُ الطواحين: "هل مياه إسبارطة بهذا القدر فقط؟"، فرد عليه بكر بك: "لقد انقطعت مياه النبع، فلا يأتينا الماء، ولا يوجد سوى هذا الماء لسُقيا ربع إسبارطة".
ولكثرة طلابه في "إسبارطة" كان أستاذُنا يسأل ربَّه من أعماق قلبه نزول المطر، فهطل في اليوم نفسه مطرٌ غزيرٌ لم يهطل مثله في "إسبارطة" منذ خمسين عامًا، وعاد بنفع كبير بلغ نسبةَ تسعٍ وتسعين بالمئة.
يُفهَم من هذا أن الأمر ليس من قبيلِ المصادفة، بل إن هذا المطر ما هو إلّا مكرمة لرسائل النور التي هي رحمة لإسبارطة؛ ولله الحمد. ونتيجة هذا الكرم الإلٰهيّ يقول أستاذُنا: "لقد أنستني إسبارطة (بارلا)، غير أنَّ الأمرَ الوحيد الذي لا يمكن أن أنساه هو أصحابي وطلابي المخلصون في بارلا، مثلما هو الشَّأنُ في كلِّ مكان".
طالبه طالبه القائم على خدمته القائم على خدمته
مصطفى، لطفي، رُشدي، خسرو
القائم على خدمته بشكل دائم القائم على خدمته بشكل دائم
بكر بك، رأفت
٭٭٭
— 203 —
(فقرة سليمان أفندي ومصطفى چاويش وبكر بك، يعرضون فيها دليلين قويَّين لإثبات الدعوى الواردة في فقرة إخواننا من إسبارطة):
تحدَّث إخواننا رأفت بك وخسرو بأن المطر الذي هطل بصورة مدهشة ما هو إلا بركةٌ ومكرمة لرسائل النور، وقد بتنا نحن أيضًا على قناعة قطعية بذلك، لأننا شاهدنا بأم أعيننا مشهدين يؤكِّدان الأمر، وهما:
المشهد الأول: في الوقت الذي أُغلق فيه مسجد أستاذنا ناشر رسائل النور في "بارلا"، ومُنع الطلابُ القادمون لزيارته من خارج الناحية، وكذا المشتغلون بنسخ الرسائل، بدأ القحط العام، واشتدَّت الحاجة للمطر؛ وبعد ذلك هطل المطر في عموم الأماكن خلا مساحة دائرية تبدأ من "السلطان قره جه أحمد" وتضم ناحية "بارلا".
وقد حزن أستاذنا لهذا الأمر كثيرًا، وكان يُلحُّ في الدعاء كثيرًا طلبًا للمطر، ثم قال بعد ذلك: "لقد وُضِع سدٌّ أمام خدمة القرآن وأغلق مسجدنا في هذه القرية، وفي هذين الأمرين أثرُ عتاب، لذا لا يهطل المطر، وما دُمنا أمامَ عتابٍ قرآني، فإننا سنجعل "سورة يسٓ" شفيعنا، وسنطلب من فيوضات القرآن وبركاته"، فقال للمهاجر الحافظ أحمد أفندي: "اقرأ سورة يسٓ إحدى وأربعين مرةً"، فقرأها الحافظ على قصب ووُضِع في الماء، وقبل أن تظهر عوارضُ المطر خاطب أستاذُنا أحمد أفندي وقت صلاة العصر: "لقد فكَّت سورة يسٓ الطلسم، وسيأتي المطر"، وذلك بناءً على حدسٍ وحسٍّ مسبقٍ يُعوِّل عليه أستاذُنا كثيرًا.
وفي الليلة نفسِها هطل المطر بغزارة في المساحة الدائرية التي لم يُصبها المطر من قبل، ومن شدَّته هدم حائطَ بستان الراعي أحمد الواقع أسفل غرفة أستاذنا؛ وفي تلك الأثناء كان "شمعي" ورفاقه يصطادون السَّمك بعد منطقة "سلطان قره جه أحمد" على أطراف البحيرة، ولم يشاهدوا حتى قطرةَ مطرٍ.
— 204 —
إن هذه الحادثة تدلُّ بشكل قطعي أن ذلك المطر على علاقة بخدمة القرآن، وأن في ثنايا تلك الرحمة العامة مكرمةً خاصة، لذا كانت "سورة يسٓ" مفتاحًا وشفيعًا لهطول المطر بكمية كافية.
المشهد الثاني: في زمن القحط لم يهطل المطر في "بارلا" عشرين أو ثلاثين يومًا، وفي ذلك الوقت تمَّ بناء سبيل "يوقوش باشي"، فذهبنا نحن یی سليمان، مصطفى چاويش، أحمد چاويش، عباس محمد، وغيرنا من الإخوة یی بصحبة أستاذنا إلى منبع ذلك السبيل، وأقمنا هنالك صلاةَ الجماعة، وبعد أداء التسبيحات رفعنا أكُفَّنا للدعاء فدعا أستاذُنا دعاء الاستسقاء، وجعل القرآن شفيعًا بين يدي ربِّه، وفجأة هطل من تحت الشمس في يدِ كلٍّ منّا سبعة أو ثمانية قطرات من المطر! فأنزلنا أيدينا فانقطع المطر، فتعجَّبنا جميعًا من هذا المشهد، فالمطر لم ينزل منذ عشرين أو ثلاثين يومًا، إلا أن هطوله في وقت الدعاء وبمقدار سبعٍ أو ثمان قطرات فقط يشيرُ إلى أن ثمّة سرًّا وراء الأمر! فقال أستاذنا: "إنه إشارة إلٰهيّة، يخاطبُنا بها الحق سبحانه معنًى: لقد أجبتُ دُعاءكم، لكنِّي لا أُنزِلُ المطرَ الآن"، فكان أن شفَعَت لنا "سورة يسٓ" بعد ذلك.
الحاصل: إننا نصادق بهذين الدليلين القويَّين على رأي إخواننا في "إسبارطة" على وجه الخصوص ضمن الرحمة العامة والموجَّهة ببركة رسائل النور.
شمعي، مصطفى چاويش، بكر بك،
الحافظ أحمد المهاجر، سليمان
بارلا
٭٭٭
— 205 —
لقد انتَهَج أهلُ الإيمان اليوم یی وخاصّةً تلاميذَ النُّور الذَّاكرين المُوحِّدين یی منهجًا في غاية الاستقامة، وسلكوا طريقًا في غاية النور واللُّطف، وعلى جانبيه حوانيتُ الألماس واللؤلؤ، وفي مقدِّمتها مئة وعشرون رسالة من رسائل النور المستلهَمةِ من نصِّ القرآن، والمستقاةِ من آيات القرآن الكريم والفرقان الحكيم؛ وقد أثبتت كل رسالة منها أنها مرشد عظيم ودليل كامل وحصنٌ حصين وسيف ألماسيّ.
وما دام الأمر كذلك، فعليك يا لطفي التمسُّك برسائل النور حتى تحظى بمرشد كامل، وعليك بترديد كلمة التوحيد على لسانك حتى تَلِج هذا الحصن الحصين، وعليك أن تكون خادمًا لكتاب الله الفياض المطلق حتى تتلقَّى هذا السيف الألماسي بيمينك، ولتمضِ ضاربًا به دون وَجَلٍ على هامِ الملحدين الذين زَجُّوا برؤوسهم في السُّكْر أو غاصوا في المُستنقَعات؛ بعد ذلك سِرْ قليلًا بنفسك وفقَ الصراط المستقيم، وتجوَّل بحُرِّية في منهاج الشريعة المحمدية الغراء التي بلَّغها مؤلف رسائل النور سعيد النُّورْسِيّ بأدلة قطعية من مثل: فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ، وبطريق التَّسلسُل من نبيِّنا (ص).
في الجمعة الماضية كنت أشعر بضيق في روحي، وكنت أنسخُ لأستاذي سرَّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، لكن تراكمَ وتفاقمَ الأمراضِ العصبية عطَّلَني للأسف عن متابعة نسخ هذه الرسالة المهمَّة، ثم عاودتُ الكتابة مرة أخرى، فوجدت أنني أَغفَلتُ كتابةَ سطرٍ منها وتجاوزتُه، ولاحظتُ تقطُّر الحبر على المكان الذي كتبتُه سابقًا، ولم يفارقني ذلك الضيقُ النفسيّ؛ فتوضَّأت عدة مرات وضوءًا بعد وضوء، ووقفتُ بين يدي الله تائبًا مستغفرًا مُعتَرِفًا بتقصيري وبجميع ذنوبي، وشرعتُ بالدعاء المبارك والصَّلوات الشريفة؛ فورد على قلبي أن أستمدَّ الهِمَّة من أستاذي، فأقول كما يقول أستاذي، وقلت...
— 206 —
ولازمتني هذه الحالة حتى بلغت بي درجة التفكير بالانتحار، فناديتُ: "الأمانَ ياربِّ، ما الحكمة وراء هذا؟!"، فأجَّلتُ كتابة تلك الرسالة لليوم التالي.
وفي هذه الليلة یی ليلة السبت یی رأيتُ في المنام أن أستاذي موجود في جامع "زرگندرة" في قرية "أتابك"، وأني ذاهب لصلاة الفجر، فصادفتُ في الطريق رئيس المخفر، فسألني: "أين تذهب؟"، قلت: "إلى الجامع"، فتبعني من خلفي ودخل معي الجامع، فرأيتُ أستاذي على سرير، وفي الجامع خمسة أو ستة من عناصر الشرطة سوى من كانوا معنا، وكان الجميعُ يردِّدون: "لا إلٰه إلا الله وحده لا شريك له... إلخ"، فتوجَّه رئيس المخفر إلى الجماعة وقال لهم: "ماذا تفعلون؟"، وبلغ من شدة لؤمه وغروره أن بصق في داخل المسجد، فنهض أستاذي فجأةً وبصق في وجه ذلك المُلحِد، وقام بطرده قائلًا له: "اخرُج من هنا أيُّها القَذِر"!
وفي تلك الأثناء مددتُ يدي إلى جحرٍ في الجهة اليمنى، فإذا فيه حربة سلاح، فقام رجل اسمه حسن وانتزع الحربةَ من يدي وأشار بها نحو ذلك الملحد، وتصرَّف على نحو لا يُناسب مسلكَنا ومشربَنا بل يخالفهما من شتى الجوانب، وقال: "سيدي، أستاذي، أنتظر أوامرك حتى أقضيَ على هذا الملحد"، وقام في الوقت نفسه، وضرب على كتفيه اليمين والشمال، ثم مضى في سبيله.
وبعد أن شاهد جميع الملحدين هذا الموقفَ قالوا: "نحن الذين جلبنا المصيبة بأيدينا، بعد اليوم لن يذهب أحدٌ مِنّا إلى الأستاذ سوى أدهم چاويش، (حاشية): وممّا يثير العجب أن أدهم چاويش المقيم في "كچي بورلو" قد تأثر قبل الجميع بهذه الحادثة في تلك الليلة، فأسرع للنجدة. فاطلبوا منه أن يذهب إليه ليعتذر ويطلبَ منه العفو.. لقد تخلَّينا عن كل شيء".
وفي الصباح حدَّثتُ إخواني زهدي أفندي والحافظ أحمد آغا بهذه الرؤيا، وقد سعدتُ كثيرًا حين علمتُ أن الحافظ أحمد ينوي زيارة أستاذنا في "إسبارطة" ذلك اليوم مُصطحِبًا معه جرَّتَي ماء، فطلبتُ منه أن يُحدِّثكم بهذه الرؤيا لأنني رأيتها في
— 207 —
الليلة ذاتها، إلا أنه لم يفعل، ممّا أحزنني كثيرًا، وأدركتُ حينها سببَ الضِّيق الذي تُعانيه روحي.
(حاشية): توافق غريب ولطيف: تعرَّضتُ ليلة السبت لحادثة أليمة في "إسبارطة"، وفي الوقت نفسه عانى مثلَ هذا الضيق الأخُ الصدِّيق سليمان الذي قام بخدمتي ثمانيَ سنوات ولم يكسر خاطري بشيء، إلا أنه ما كان يعرف سببَه، فجاء إلى "إسبارطة" قبل يوم الأحد وعرف السبب المعنوي لهذا الضيق؛ ويعلم الجميع كم أن سليمان صاحب قلب سليم!
كما أنه في الليلة نفسها شاهد لطفي الصغير الرؤيا المذكورة في هذه الفقرة، وهو الذي يمتاز من بين سائر طلابي الخواص بقلبه اللطيف، وعانى هذا الضيق وشاركني فيه، ولقد شاهد حالتي نفسها مع تغيير بسيط.
والحاصل: إنَّ قلب سليمان السليم وروح لطفي اللطيفة حاولا أن يسرعا لنجدتي، ما يعني أن أرواح تلاميذ النور مرتبطة ببعضها، فهم بحكم روح واحدة متَّحدة في أجساد متعددة. الحمد لله هذا من فضل ربي.
كما أن أخًا لنا يُدعى سليمان رشدي قال لي بحضور بكر بك صبيحة وقوع هذه الحادثة: "شاهدتُك أستاذي في رؤيا ليليّة تجلسُ في مقعد الوالي، وحولك رجال الحكومة، وقد سجَّلتَ بعض الملاحظات بيدك في ورقة صغيرة، وترغبُ أن تُلقيها كخطاب؛ ثمَّ شاهدتُك بعدها مع بكر بك وخسرو عائدين من مبنى الحكومة إلى البيت تستقلُّون عربة حصان"، وفي مساء ذلك اليوم حصلت الحالة ذاتها في مبنى الحكومة، واستقلَّ الأشخاص أنفسهم العربة عائدين إلى البيت سالمين؛ ولأن الكلمات التي نطقتُ بها في الاستجواب كانت بمحلها فقد ظهرت له على صورة خطاب.
كما أن "الحافظ علي" رأى الهجوم ومحاولة الاضطهاد التي تعرَّضتُ لها وكأنها كانت موجهة إليه، وقام في الصباح يخيط لقبعته واقيًا ليحمي نفسه من الهجوم.
الحاصل: إن الشخصية المعنوية لتلاميذ رسائل النور تُظهر حساسية شبيهة بالكرامة، مما جعل "الحافظ علي" بصداقته، وسليمان الأول بقلبه السليم، وسليمان رشدي الثاني بعقله المستقيم، ولطفي الصغير بنوره اللطيف، يُهرَعون إلى نجدة أستاذهم ومشاركته ما يعانيه من التضييق كي يخففوا عنه قليلًا. (سعيد)
لطفي
٭٭٭