— 208 —
القسم الثالث من المكتوبات
(فقرة خسرو):
أستاذي الحبيب.. قرأتُ مرّات عديدة مع إخواني وأصحابي اللمعة الحادية عشرة للمكتوب الحادي والثلاثين، والتي تحمل اسم: "مرقاة السُّنّة وترياق مرض البدعة"، وهي تليق بهذا الاسم بحقٍّ، إذ تبتدئ هذه الرسالة ببشارات نبوية عظيمة، وقد صُنِّفت كلُّ نكتة من نِكاتها الإحدى عشرة بغاية الحسن والجمال والتميُّز، وحينما تَسرُد الفوائد المادِّية والمعنوية التي يجنيها المرءُ من اتِّباع السُّنة، فإنها تدخل أبواب العقل المفتَّحة، وتطلُّ من الأبواب والنوافذ المُشرَعة داخل كل باب، وتثيرُ الإعجاب أمام الحقائق التي تَعرِضُها، وتَنقُض اعتراض المعترضين بأجوبة مُبهِرة مُنتظِمة عبر الأدلة التي تقدِّمُها، وتخاطب أهل الشوق قائلةً: "إن دخلتم من الأبواب التي أدلُّكم عليها، فإنكم ستَحظَون بسعادة أبدية دون أيِّ عناء أو مشقّة"، وبهذا تُوصي كلَّ مسلم أن يجعل اتِّباعَ السُّنة دستورَ حياته.
وحينما تُقرِّر درسَها العظيم لطلابها بما يمكنهم فهمُه واستيعابُه، تخاطبُهم بالقول: "إنني یی في الظاهر یی رسالة صغيرة الحجم، مكونة من خمسَ عشرة أو ستَّ عشرة صحيفة، إلا أنني في حقيقة الأمر أنطوي على عظمة تمكِّنُني بما أنشُرُه من الأنوار من التفوُّق على البحار المديدة، وأشتمل على قدرة تُخوِّلُني حجبَ أنوار النجوم الكبيرة؛ والمحظوظُ منكم مَن يجعلني نبراسًا له ويعمل بهديي"، فتُرشِدُنا بكلمات في غاية السموِّ واللطف والبلاغة.
ولو أن لي من القدرة ما يُمكِّنُني من كتابة مئة أو مئتي نسخة من هذه الرسالة المبيِّنة لهذه الحقائق لما قصَّرتُ، لكن مع الأسف يدي قاصرة، وسعيي محدود،
— 209 —
وعجزي يمنعُي من إيفاء أعمال خيرية كهذه، وها أنا أقدم لكم نسخة واحدة فقط مع إبداء عذري ورغبتي، فإن قبلتموها مني قبولًا حسنًا فهي سعادة لي عظمى.
وأما اللمعة الثانية عشرة التي تتحدَّث عن طبقات السماوات والأرض، وأحوال السيِّد أحمد البدوي بما تنطوي عليه من الكرامات، فقرأتُها ثلاث أو أربع مرات.
أستاذي الحبيب، إنَّ هذه الرسالة حينما تبيِّن بأسلوب جميل ورائع أن رزق كلِّ ذي حياة محتاج للرزق تحت تعهُّد الرزَّاق الحقيقي، وأن الرزق بيد المنعم الحقيقي وحده وبقدرته، وحين تلقِّن طلابها درسًا حسنًا لطيفًا كهذا بحيث لا تدع مجالًا للعقل أن يضلَّ، ولا للنفس أن تعترض، ولا للقلب أن يُنكر؛ فكأنها تدفع الإنسانَ للصُّراخِ بأعلى صوته وبجميع قواه ومشاعره، كمَن يخاطبُ الجيوشَ المنتصرة: "أيتها الكلمات القيِّمة، أيتها الكلمات النورانية الفيّاضة، ها هي الميادين قد أُتيحت لكم، وها نحن قد استسلمنا لكم، إذ تبصِّروننا طريق الهداية والاستقامة من خلال كلمات الخالق سبحانه حاكم البشر وجميع الأكوان".
آهٍ لو أن قلم المرء يُسعِفه بأن يكون ترجمانًا لأحاسيسه ومشاعره حينما يقرأ المعاني الكلِّية العامة الشاملة اللطيفة، ويُشاهد الحقائق البهية للآيات التي تتحدَّث عن طبقات الأرض والسماوات السَّبع.. إذًا لَسَجَّل انطباعَه عن هذه الرسائل.. لكن هيهات! فأنَّى لأحد فهمُ هذه الرسالة بجوانبها المتعدِّدة!
وممّا يجلِّي جلالة الرسائل وعظيم كرامتها: إثباتُها بالبراهين القوية، وبالدلائل العلمية والعقلية والحُكمية أن للأرض أقاليمَ سبعةً وطبقاتٍ سبعًا متصلٌ بعضُها ببعض، وليس ثمّةَ أيُّ موانعَ تُحيلُ تنقُّلَ المخلوقات النوارنية الموجودة في هذه الطبقات وعبورها، أو تُحيلُ وجودَ مادة محيطة بالعالم كله، هي مادة الأثير الناقل للكهرباء والضياء والحرارة، أو وجودَ سبع طبقات للسَّماوات؛ وتصديقها في النهاية على أن السماوات والأرض كلٌّ منها سبعُ طبقات بآيات القرآن الحكيم، بحيث لا تدع
— 210 —
مجالًا للعقل والقلب أن يدخل في الشبهات.. فلتقرع آذان الفلاسفة والفلكيِّين الذين لا يبصرون هذه الحقيقة القرآنية العظمى.
أجل أستاذي العزيز الحبيب.. إنني أؤمن بكلِّ يقين أن هذه المؤلفات النورانية المنقطعة النظير تدحض جميع الشبهات، وتقطع دابرَ سائر الاحتمالات، ويزيد إيماني ويقيني ما أسمعه من إخواني الذين تربطني بهم صلة وممن يُطالعون هذه المؤلفات، ويُشعِرُني بسعادة تغمُرُ جميعَ كياني.
أستاذي الحبيب، لا أجد التعبيرَ الكافيَ لأُزجيَ الدعاءَ لكم، فأسأل الله ذا الجمال أن يتفضَّل عليكم من خزائن رحمته بآلاف المحاسن والجمال مقابل هذا الحسن والجمال... آمين.
أحمد خسرو
٭٭٭
(فقرة صبري أفندي):
أيها الأستاذ.. إن كلام الله العزيز المنان (القرآن الحكيم) وضع خدَّام شعائر الإسلام تحت كنفِ حمايته ورأفته، فجعل المخطَّطات التي رسَمَها الملاحدةُ في هذه الحادثة الأليمة منذ سنة تبوء بالفشل؛ فنال یی من حيث الظاهر یی ثلاثةٌ من إخواننا البراءةَ، إلا أنه في حقيقة الأمر علَّق وسامَ البراءة على صدور ملايين المؤمنين الموحِّدين، وأبرز دفاعَه عن نفسه وخُدّامِه وحراستَه لهم، بإظهار أبديَّته وأزليَّته للمُلحِدين؛ مما أدخل البهجة والسُّرور على قلوب خدَّام القرآن، وحمَلَهم على حثِّ الخُطا في تحقيق آمالهم ورغباتهم التي يعملون على تحقيقها، وشجَّعهم على الانطلاق في توسعة دائرةِ عملهم وسعيهم.. الحمد لله، هذا من فضل ربي.
أستاذي العزيز، إنه من عظيم لُطف ذي الكبرياء سبحانه، ومن جميل منِّه وإحسانه، أن أرشد الكثير من الغافلين أمثال هذا العبد الفقير المذنب إلى كلِّيات النور؛ فكما يُطهِّر المطرُ المُنهمِرُ على الدوام وجهَ الأرض، كذلك انتشَلَت هذه الكلِّياتُ
— 211 —
العبد الفقير في عصر الضلالة وأزمنة البدعة من أودية الظلام ومستنقعات الحياة المادِّية الآسنة، وانتقَلَت به إلى مهيع النور المنيف، وعلَّمته: "أنَّى أقلعتَ عن الخسارة فأنت رابح".
قبل عام قيل لي: "أي صبري، قد تميلُ إلى حبِّ الجاه وحُسنِ السُّمعة والصِّيت، وقد تجدَّدت لديك الرغبة في هذه الأمور؛ تعال وجرِّب الخوضَ مجدَّدًا في الحوض العكر لأولئك التعساء"، غير أنِّي آثرتُ السَّلامة، ونجوتُ بحمد الله، وهذا نصرٌ عظيمٌ.
طالبكم صبري
٭٭٭
(فقرة عثمان نوري):
إنك أعظم الكتب أيها الكلام القديم
إنك أمُّ قوانين الحق أيها القرآن العظيم
إنك أبو النور للتواريخ المقدسة أيها الكلام القديم
إنك حارس ديننا أيها القرآن العظيم
أمُّ الكتب الإلٰهيّة الأربعة ليس سواك..
يفتخر بك جميع أهلِ الإسلام..
فلتَمُتِ القلوب التي تبغي الحياة دونك..
إنك شمس الحقيقة الأولى والأخيرة..
إنك الشمس التي لا تُطفأ فوق كل مخلوق
إنك مفتاح جميع الخفيات والظاهرات
ومن لا يعرفك ولا يتبعك، أينما حلّ
لِيتلقَّ غضب مالكه وليَمُت لِحينه
— 212 —
بقاء حكمك حتى القيامة أمر محقَّق..
ومن لا يؤمن بك تافه ذليل كافر..
إنك الشمس التي طلَعَت فوق كلِّ مخلوق..
ومن لا يرضى بك فليرحل من الدنيا إلى جهنم..
حاشا! من لا يُعجَبُ بك ويزعُم بك الخطأََ
لينقطع لسانه، وتخسف به الأرض
ومن يريد أن يستصغرك فليقهره الله
إنك شمس الحقيقة الأولى والأخيرة
عثمان نوري
٭٭٭
(فقرة الحافظ علي):
أستاذي العزيز، تلقَّيتُ قطعة نورٍ موسومةً بی"حكمة الاستعاذة"، وهي اللمعة الثالثة عشرة من المكتوب الحادي والثلاثين، ووُفِّقتُ لنَسخِها بحمد الله.. أسأل الحقَّ سبحانه أن يمنَّ من فيض خزائنه الواسعة الدائمة بالمزيد من أمثال هذه الرسائل.. آمين بحرمة سيد المرسلين.
سيدي وأستاذي، لقد تَركَت هذه الرسالة أثرًا بليغًا في طالبكم الفقير، لِما تحملُه في ثناياها من حقائقَ عظمى، فحارت أفكاري ودُهشت أحاسيسي والهةً بتلك الحقائق التي أدخلتني في حالة من الذهول! فمَثَلي في ذلك مَثلُ اليراعات المضيئة مع خيوط شمس الصباح الدافئة، تقف عاجزةً عن وصفِ ضياء الشمس وما يحيطُ بها.
أولًا: يمكن لهذه الرسالة أن تكون بمثابة الأخِ الكبير لسائر الرسائل الأخرى الكبيرة التي تتحدَّث عن التوحيد، فكما تُظهِرُ كُتلُ النور الأخرى جلوةَ الأسماء
— 213 —
الإلٰهيّة الحسنى یی كالجمال والكمال یی في العالم الكبير بشكل ساطع، وتُجلِّيها حتى للعميان؛ كذلك قطعة النور هذه تأخذ بالعالم الأصغر ومرآة الأسماء الإلٰهيّة الحسنى وروح خلق الدنيا یی أي: البشر یی فتُجلِّي له بوضوح أعظمَ الوسائل والدسائس التي تُسبِّب نجاحَه أو هلاكه، وتُودي به إلى أبديته أو عدميته، مُظهِرةً ذلك بشكل صريح وجليّ.
ثانيًا: مثلما كان هدهدُ سليمان وسيلةً لإيجاد الماء دون الحفر وفي غير مظانِّ وجوده، كذلك تعمل هذه الرسالة، إذ تُعرِّفُ بجسم الإنسان المكوَّن من الأضداد، وبقلبِه الذي هو عرشُ نور الإيمان في داخله؛ ومثلَما يعرفُ الكيميائي ما يستخرج منه إكسيرَ الحياة من بين سائر النباتات الضارة والنافعة المنتشرة على وجه الأرض، كذلك هذه الرسالة التي تَبُثُّ إكسيرَ الحياة في نفوس جميع أهل الإيمان وجميع ذوي الشعور، شأنُها شأنُ منبعها الحقيقي (القرآن العظيم)، رغم أني لم أطَّلع سوى على واحدٍ بالألفِ من حقائقها.
هذا ما ورد إلى قلبي حينما كنت أتأمَّلُ هذه الحقائق.
الحافظ علي (رحمه الله)
٭٭٭
(فقرة أحمد خسرو):
سيدي وأستاذي، تلقَّيتُ قبل أسبوع جزءًا من الرسالة الموسومة بی"حكمة الاستعاذة"، وتلقَّيتُ قبل بضعة أيام القسمَ الآخر منها، إضافةً إلى المقام الأول للَّمْعة الرابعةَ عشرة.. وقرأتُ مع إخواني القسم الأول من "حكمة الاستعاذة" مرّاتٍ عديدة.
أستاذي الحبيب، في هذه الرسالة القيِّمة تقدِّمُ لطُلّابك المجاهدين دواءً ناجعًا يعالج جراحهم المعنوية بطريقة مذهلة، فلقد برئت به جراحُنا فجأةً، وزالت آلامُنا لِحينها، وامتلأت قلوبُنا سرورًا، وعظُمَت المحبة التي نُكنُّها تجاهَ ربِّنا الكريم.. وحين
— 214 —
وقفنا یی في جملة ما قرأناه یی على البشارة بأنَّ تأدُّبَنا تجاهَ خالقِنا الرحيم أن لن تَشُوبه أيّةُ شائبة، قوِيت عزائمُنا وهِمَمُنا نحو تأدية الوظيفة.
أجل أستاذي العزيز، كنتُ في كثير من الأوقات أُحاول جاهدًا النجاةَ من هجَمات شياطين الإنس والجنِّ، والتخلُّصَ من بعض الخواطر الصادرة عن نفسي الجامحة التي لم أستطع تهذيبِها، وفي سبيل التخلُّص من هذه الأحوال كان قلبي يبحث عن مُختَلًى يقصدُه، فكانت ترواد فكري قواعد أبطال النقشبندية وهي: "تركِ دنيا، تركِ عُقبى، تركِ هَسْتي، تركِ ترك"، إلا أنني كنت أجد بين عبارات أستاذي العزيز وهو يعلِّق على هذا الكلام، نصيحته التالية: "لو كان الإنسان مجرَّدَ قلب فقط لكان هذا الكلام صحيحًا، إلا أن في الإنسان یی سوى القلب یی العقلَ والروحَ والسرَّ والنفسَ وغيرها من اللطائف والحواسِّ، فيجب توجيهها جميعًا إلى الوظائف الخاصة بها، وإيفاء حقِّ عبوديتها في دائرة واسعة تحت قيادة القلب"، وبما أن هذه الدساتير النورانية التي تُظهر الحقائق جليةً كالشمس هي الأساس لدى طلابك، فلذا كنت أبحثُ عن حلٍّ للخواطر التي تحدَّثتُ عنها سالفًا.
أستاذي الحبيب، إنَّك تُفكِّرُ في كلِّ وقتٍ بحاجات طلابك، وتبحثُ عن حلولٍ لها، وتَصِفُ الأدوية وتقدِّمُها لهم دون أن يعانوا أية مشاقَّ في تحضيرها، ودون مقابل، بل وتأمرُ بأن يُنسَبَ الفضلُ والمِنّة ويوجَّه المديحُ للحقِّ وحده؛ لذا كنتُ أنظر إليك منذ القديم نظرةَ لقمان الحكيم.. أجل، إنك لقمانُ الحكيم حقيقةً، إذ تُنصِتُ یی مثله تمامًا یی لرغبات قلوبنا، فتعالجُها من خلال تقديم هذه الرسائل.
إن هذه البدائع التي وهبها الحق البديع سبحانه ببديع البيان من كلامه البديع البالغِ أرقى درجات الإبداع، لا يمكن مدحُها لولا توفيقُ الحقِّ سبحانه وإنطاقُه بها، ولن نوفي هذا الأمر بيانًا مهما تحدَّثنا في ذلك.
أستاذي الحبيب، عندما أتناولُ أيّة رسالة من الرسائل وأَقرَؤُها، فإنني أستفيدُ منها بحَسَب قابليَّتي، وكنت في السابق یی وما زلتُ یی لا أجد الوقتَ الكافيَ لقراءتها،
— 215 —
لأنَّني كنتُ منكبًّا على كتابتِها، فلذا كانت استفادتي منها محدودة؛ أما اليوم فكلما شاهدت حقائقَ الأنوار ازداد شكري وحمدي، وامتلأ قلبي واطمأنَّت روحي بالأنوار، وتهذَّبت لطائفي بقدر استيعابها من الأنوار؛ وآمُل من الحق سبحانه كذلك أن يبارك نصيبي واستفادتي منها يومًا بعد يوم.
تفيدُ هذه الحوادث أن من بين الخواصِّ البديعة لهذه المؤلفات العظيمة وإحدى كراماتها: أنها لا تترك طلابها لغيرها، ولا تدعُهم يضطرُّون للُّجوء إلى أبواب أخرى لتلقِّي الأنوار، وأنها تبثُّ لقلوبهم الباكية السلوان، وتقوِّي إيمانهم، وتُنمِّي اشتياقَهم ولَهفتَهم للِّقاء الرباني، وتجعلهم ينطقون لسانًا وقلبًا: "يا ربِّ ارضَ عن أستاذنا على النحو الذي يرضيه".
الباقي هو الباقي
طالبكم أحمد خسرو
٭٭٭
(فقرة صبري):
أيها الأستاذ، كما أن اللَّطافة والطراوة التي تميِّز كل يوم من أيام الربيع، والتبدُّلَ العجيب الذي يطرأ عليها، يُظهِران عظمة الفاطر الأقدس وقدرتَه؛ كذلك ربيعُ بحر النور المنقطع النظير والمحيِّر العقول وأزهارُه وأثمارُه اللطيفة الجميلة النورانية أمثال "المنهاج" و"المرقاة" و"الاستعاذة" وغيرها، تهبُ لأهل الإيمان والتوحيد حياة غضّة جديدة.. إن في هذه الأنوار من الغذاء العجيب ما يكفي لإشباع رغبة أيِّ راغب في أيِّ وقت، ومن اللباسِ النفيسِ ما يُوفِّر الدِّفءَ لأيِّ شخصٍ في أيِّ زمان.. الحمد لله هذا من فضل ربي.
أستاذي العزيز الجليل، كلما قرأتُ هذه الرسائل تتفتَّح روحي تفتُّحَ الأزهار، وتأخذ بزمام الآلام والمشاقِّ الناجمة عن الحياة الفانية وتطردها بعيدًا، وتُودعُ مكانَها كنزًا مخفيًّا كالقناعة؛ وأقول: "أيَّتُها الروح، إنكِ كنتِ في السابق حينما تُشاهدين الظُّرف
— 216 —
والقيمة التي تميز كلًّا من جواهر وألماس معمل النور الذي يؤمِّن جميع متطلباتك ورغباتك المعنوية إلى يومنا هذا، كنتِ تقولين: لا يوجدُ مؤلَّف أعظم من هذا. وكنا نقرُّ هذا الأمر بلسان الحال منكِ وبلسان المقال مني.. لكنَّكِ علِمتِ اليوم أن لا نهاية للأنوار القرآنية والرشحات الفرقانية واللمعات الباقية".
وإننا بحمد الله نتلقَّى في كل يوم حصَّتَنا من الحقائق القرآنية، وسنستمرُّ بذلك في قادم الأيام إن شاء الله.. أسأل الله ذا الكبرياء والعظمة أن يبارك هذه الأنهارَ الكوثرية، ويُديمَ تدفُّقَها إلى يوم المحشر بَيْدرِ الحياة الباقية.. آمين.
سيدي وأستاذي، تذكرتُ اليوم أعمالي الماضية وأحوالي الراهنة، وقارنتُ بينهما بغاية التدقيق، فوجدت في نهاية المطاف أن أحوالي الراهنة یی بحمد لله یی خفيفة المصاعب عظيمة المكاسب؛ أما أعمالي السابقة فكانت على خلاف هذا تمامًا.. فأحمد الله الحقَّ الفياض إذ لم يحرم أمثالي من عباده الفقراء العاجزين المحتاجين من فيض رحمته الربانية.
وإنه من قبيل المثل القائل: "لينضُجِ الإجاص، وليَسقُطْ في فمي"، فقد تفضَّلَت علينا الرحمة الربانية بتوفير كلِّ أنواعِ أدوات الجراحة الروحية مع طبيب ماهر بارع؛ فلو أننا لم نُجرِ هذه العمليات، ولم نَلبَس لباس الإحرام النوراني الذائق الشائق هذا، لما تردَّدنا في الخوض في البدع بدافع حبِّ السُّمعة والجاه.
إن فيوضات الأنوار التي لا تُعَدُّ ولا تحصى، جعلت زُمرةَ الموحِّدين مدينين لها بالشكر، فنحمدُ الله ربَّ العالمين، ونسألُه سبحانه أن يكتب لجميع أفراد الأمة المحمدية الاستفادةَ من الأنوار القرآنية، وأن يكرمهم بالالتحاقِ بصفوف الموحِّدين الحقيقيِّين، وأن يعفو عن سيئاتنا، ويغفر زلّاتِنا المُدوَّنة في صحائفنا فيما مضى من أيّام الغفلة.. آمين.
خلوصي الثاني: صبري
٭٭٭
— 217 —
(فقرة ذكائي):
أستاذي، الدنيا ميدانُ الامتحان والصراع، وما من حادثٍ أو أنموذج في كلِّ زاوية من زواياها، إلا وفيه درس وعبرة للبشرية؛ وفي كل مكان يُوجد من بين بني البشر: ذوو الأمزجة المختلفة والميولات القلبية المتعدِّدة؛ وقد تعلَّمتُ من تجاربي ومشاهداتي أن من أشدِّ الحوادث الدنيوية ألمًا: لقاءَ ذوي الأرواح الوحشيّة العاملين تحت ستار المسلك الأُخروي والديني.
أجل، إنَّ ممّا يثيرُ الحزنَ في نفوس أهل الإيمان: أنه في الوقت الذي يدعو فيه إنسانٌ إلى خالقه بمحض العبودية لكي يصلح حاله، إذا بمُلحِد يندسُّ إلى جانبه كمخلوق أليف، ويحتال عليه بإظهار بعض التصرُّفاتِ السليمة لمدة من الزمن، ثم يهاجم روحَه بعدها ببشاعة، محاولًا أن يشبِّهه به، بل يطلب منه أن يسيء ظنَّه حتى بالمؤمن الماثل أمامه.
آهٍ يا أستاذي! لو ظهر الناسُ على حقائقِهم، أو كانت بواطنُهم مثلَ ظواهرِهم، لَمَا عانى حينها أهلُ الإرشاد في تبليغ أحكام القرآن، ولَمَا أنكر أحدٌ تلك الأحكام أصلًا، ولما سَعَى أمثالي ممَّن لم يُصلِحوا نفوسَهم بعدُ إلى البحث عن الصفاء وحُسن النوايا بين أرواح بعض السُّفهاء.
أستاذي العزيز، نسأل اللهَ أن يُشهِدَنا وإيَّاكم بزوغَ شمسِ الحقِّ والحقيقة، بكامل سطوعها وذروة علوِّها، وأن يبدِّل أيامنا هذه الشبيهةَ بالأسر، والموسومة بالحرمان من الكثير من المزايا المعنوية، بأيامٍ التحرُّر من القيود، الحافلة بمعاني الفرح والسرور.. آمين.
طالبكم ذكائي
٭٭٭
— 218 —
(فقرة صبري):
أستاذي الأكرم، إن القسم الثاني من "حكمة الاستعاذة" خزينةُ جواهرَ قيِّمة، ومنظومة أدوية هي كالإكسير لأمراض الوسوسة، تُرشدُ الإنسان المعرَّض لهجمات النفس والشيطان لأن يمسح بهذا الإكسير على صدره، ويلازمه حتى يوم رحيله عن العالم الفاني إلى العالم الباقي.
إن ذينك العدوَّينِ يُثيران اعتراضاتٍ هي أشبهُ بالزَّبَد، وهي واهية تافهة برغم إلحاحِها وضخامة شكلها الظاهريّ؛ وإن أقوى الحصون وأفضل الأسلحة ضدَّها وأولى الأموال التي تُصرف في هذا السبيل هي هذه الرسالة الشافية، فقد جرَّبتُ الأمرَ بنفسي.. وحين قرأت الأسئلة وجدت نفسي تميل نحوها وتُوليها أهمية كبيرة، إلا أن الدفاعات القرآنية الألماسية التي تليها تداوي هذه الأمراض النفسية وتقتلعها من جذورها ولله الحمد.
وإننا نُعلن العجز عن إيفاء هذه الحِكَم النورانية القرآنية حقَّها، كيف لا ومتعلَّقُها كتابُ الله الذي أثبت بالدلائل المتظاهرة عجزَ أكمل أفرادِ النوع البشري من ذوي الأرواح وأرباب الشعور أمام إعجازِه وإيجازِه، من بَدءِ الوحي إلى يوم الحشر.
الخلاصة: إنني خلال مطالعتي لرسالة الاستعاذة الفرقانية التي هي من المسائل المنقطعة النظير للقرآن المعجز البيان، أحسستُ بالنشوة في بحر الحقائق، وقلتُ بكمال العشق: "يا ربِّ، يسِّر وسهِّل أمر تطبيق مسائل الكتاب المبين، ووفِّق دلّال القرآن لجميع آماله ومقاصده، واجعل جميع إخواني یی ومنهم عبدك المذنب یی خُدّامًا للقرآن حتى يحينَ الأجل"، وبهذا الدعاء أُنهي رسالتي البسيطة هذه.
صبري
٭٭٭
— 219 —
(فقرة الحافظ علي):
أستاذي الحبيب، لقد تلقَّيتُ هذه المرة القسم الثاني من "حكمة الاستعاذة" المرسلة إليّ.
إن ما أُثبِت وأُظهِر في الإشارة الثامنة من الحقِّ والحقيقة، قد نوَّر طريقَ الضالِّين السُّكارى الغارقين في وديان الضلالة، فقد أظهر لهم حقيقةَ حالهم وأفعالهم من جهة، وبصَّرهم یی مِن جهة أخرى یی جادّةَ الحقيقة، وأظهر هذه المسألةَ المُهِمّة بإيجازٍ باهر.
وأما الإشارة التاسعة: فإن جميع أهل الإيمان یی وبخاصة طلّابكم الذين يسعون لفهمِ الغاية الحقيقية من خلق الإنسان یی كلَّما مَضَوا رُوحًا نحو المستقبل، تتَّسِعُ دائرةُ نظَرِهم تجاه هذه المسألة، ويزدادُ تفكيرُهم بالحوادث المؤلمة وبالضُّرِّ الذي أصاب جميع الأنبياء أمام أهل الضلالة منذ عهد آدم عليه السلام، فيُداخلهم الحزن الشديد.. إلا أنَّ هذه الإشارةَ أنارَت تلك الدائرةَ الواسعة، وتناولت عمومَ المُشكلات الواقعة منذ زمن آدم حتى عهدِ فخرِ المرسلين (ص)، بل حتى زمن الأستاذ، فأعملَت فيها سيوف الحقِّ والحقيقة تفكيكًا وتحليلًا، حتى جعلت العقلَ والقلبَ يقولان معًا: "صدقتَ، وبالحقِّ نطقتَ"، فالحمد لله، هذا من فضل ربي.
حينما كنت أكتب الإشارة العاشرة، تركت القلم من يدي، وقرأتُها للجالسين حولي، فلاحظتُ أن الأمثلة الواردة فيها ليست من قبيل الخيال بل هي حقيقة، وأن حقيقةً كهذه لا بد أنها تُرَى بجلوات الأسماء الحسنى: "الحكيم" و"النور" و"البديع"، فطَفِقتُ أطبِّقُها في خيالي، وأدركتُ أنها أساسٌ صحيح، فحمدت الحقَّ على ذلك.
أمّا الزجرُ القرآني الوارد في الإشارة الحادية عشرة، فيبيِّن أن الإنسان محصولُ حقل الكائنات، ونِتاجُ آلات نسيجه، وأن جميع الموجودات بأنواعها وثمراتها في خدمته، إلا أنَّه بسببِ أنانيته وتفكيره في صالح نفسه فقط، وبسبب تقليله من شأن غايةِ الدُّنيا هذه حتى درجة العدم، تحوَّلت جميعُ العناصر الكلية الأشبه بالمُسنَّنات
— 220 —
الكبيرة للعملِ ضدَّه، موضحةً أن خلاصه ونجاته من هذه المسؤولية المُهلِكة لا تكون إلا بالدخول في دائرة القرآن القدسية، واتِّباع فخر المُرسَلين (ص).
وأمّا الحقائق التي تتضمَّنُها الإشارةُ الثانية عشرة فهي عبارة عن أجوبةِ أسئلة أربعة، تقطعُ بمقصَّاتها الذهبية سلاسلَ النفس والهوى النباتية والحيوانية التي ترغب في استخدامنا بين حين وآخر لخدمتها، وتهبُ نفسَها مع الجزء الاختياري وجودًا ترى من خلاله أن لها حقًّا في كلِّ شيء، وتُؤثرُ الأنانية وحبَّ الشهرة؛ فتأتي الحقائق المذكورة لِتُبدِّدَ هذه الحظوظ النفسيةَ وتجعلَها هباءً منثورًا، ولتُنقِذَنا من السقوط في شباكها.
وتُبيِّن الإشارة الثالثة عشرة بنقاطها الثلاث قوّةَ الشيطان الذي يستغلُّنا في كل حين، لا سيَّما في بعض الأوقات الخاصة، ويوقعنا في اليأس أحيانًا، ويصرف أنظارنا عن سوادِ وجوهنا، ويشغلُنا بخيوط دقيقة سوداء لدى إخواننا المؤمنين، لنتَّهمهم بالسواد المظلم! ويسوقُنا للاجتراءِ على انتقاد رحمة الحقِّ سبحانه وأسمائه: "الغفار" و"الرحيم"، ويتسبَّب في تخريباتٍ عظيمة.
أستاذي المحترم، عندما كتبت هذه الإشارات قمتُ بسياحة في عالم الجسد، فأصبَحَت كلُّ نقطة من النِّقاط المذكورة في الإشارات بحكم مفتِّش، وشاهدتُ القوى المذكورة فيها في أماكنها وقد تهيَّأت للاستسلام.. وكنتُ في كلِّ خطوة أخطوها أطلب العون والمدد من القرآن الحكيم الذي أظهر لنا هذه القوى، فتبيَّن أن أستاذنا الذي أظهر لنا نتائج حقيقة الحياة وظلماتها إنما يدعو الله لنا بالتوفيق في كلِّ حين، وسيُجابُ دعاؤه بإذن الله تعالى.
أستاذي المحترم، إن هذه الإشارات الثلاثَ عشرة تحتوي على ثلاث عشرة ربوة جوهريّة، علمًا أنَّ حُسنَها غيرُ خافٍ كيفما عُرِضت، وسواءٌ عُرضت أو لم تُعرَض، فما هي إلا خزينةُ كنوزٍ لا تشوبُها شائبة.
أستاذي الحبيب، أعلم جيدًا أني مهما قدَّمتُ لكم من الشكر والامتنان فإنِّي لا
— 221 —
أوفي حقَّكم، لذا أسأل الحق سبحانه أن يكافئكم بالقدر الذي يرضيكم.. آمين بحرمة سيد المرسلين (ص).
الحافظ علي (رحمه الله)
٭٭٭
(فقرة مصطفى وزيرزاده):
أستاذي العزيز الجليل، أحمدُ الله الخالق المنَّان وأشكرُه بلا حدٍّ أن جرَّد جميع أحاسيسي وآمالي من التعلُّق بهذه الحياة الدنيوية الفانية رغم أُمِّيتي، ووفَّقني للانضمامِ إلى ديوان طلاب النور وصحبة أهل العلم من حزب القرآن.
صحيح أنَّه ليس بإمكاني اللَّحاقُ بهم في العلم وخدمة النشر، إلا أنني أسعى جاهدًا للالتحاق بهم في معاني الإخلاص والمحبة والولاء، وتقديم العونِ لأقلامهم من خلال الدعاء.. أمّا أحاسيسي ومشاعري تجاهَ رسائل النور فلا أستطيع أن أُعبِّر عنها لأُمِّيتي، لذا ألخِّصُها في هذه الرؤيا فقط:
رأيتُ فخر العالمين عليه الصلاة والسلام في النوم، ثم استيقظت وأنا أتلو الآية نهاية سورة الحج: مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ، ثم رأيت الشاه الگيلاني قُدِّس سرُّه، واستيقظتُ وأنا أتلو الآية من سورة النور: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ..؛ فأوَّلتُ الرؤيا الأولى بالقبولِ الحسنِ من الرسول الأكرم (ص) للرسالة التي ألِّفت مؤخَّرًا تتحدَّثُ عن السُّنّة السَّنيّة، ولذا تشرَّفتُ برؤيته في منامي، وأما الآية فتُعبِّر عن خلاصة رسائل النور، كما تهدِّد أهل الغفلة تهديدًا شديد اللهجة.
وأما رؤياي للشاه الگيلاني، فقد علمتُ أن أحد أساتذة رسائل النور الأجلّاء قد قَبِلني بين تلاميذه.
ورغم أنِّي لم أكن أستوعبُ هذه الآيات، إلا أنني ببركة هذه الشخصيات المُبجَّلة كنتُ أكرِّرُها في ذهني على الدوام، وأشعر بانشراح في الصدر وراحة في النفس.
— 222 —
وفي رؤيا أخرى سابقة: رأيت نفسي في مبنًى ضخم ما زال قيد الإنشاء، ثمَّ رأيتُ لاحقًا أنه قد اكتمل بناؤه، وحين دخلتُه وجدتُ أنَّ الطرفَ الأيمن منه قد تمَّ تخصِيصُه مسجدًا، وبعد أن أدَّيتُ الصلاةَ فيه قُدِّمَت لي جميع رسائل النور المؤلَّفة، وأعطيتُهم بدوري رسالةً واحدة كي تُقرَأ في الجامع، كما رأيتُ ثلاثة أشخاص بأيديهم رافعاتٌ حديدية، يعملون على تبديل أطول الأعمدة في وسط البناء.. وأُحيل تعبيرَه إليكم أستاذي.
طالبكم الأُمِّيّ مصطفى
٭٭٭
(فقرة عاصم بك):
أستاذي الأكرم.. أتممتُ بتوفيق الله تعالى كتابةَ ثلاثِ رسائلَ شريفة، وهي: الكلمتان: "الرابعة والعشرون" و"التاسعة والعشرون"، ورسالة "مرقاة السُّنّة" وهي اللمعة الخامسة من المكتوب الحادي والثلاثين؛ وها أنا أقدِّمُها إليكم بغيةَ الاطِّلاع عليها وتصحيحِها.
جميع هذه الرسائل تشكِّلُ جنّةَ ورود تنبعثُ منها عبائقُ حقائق النور، وخاصة لَمَعاتُ المكتوب الحادي والثلاثين، فرسالتا "منهاج السنة" و"مرقاة السنة" یی التي هي ترياق لمرض البدعة یی لا يُمَلُّ من قراءتِهما، وما ينبعثُ في النفس من السرور والفيض المعنوي الباهر لدى قراءتهما أشبهُ ببحر جيّاش، وقد اعتدتُ تكرار فِقراتٍ منها في بعض أيام الجمعة قبل الصلاة أو بعدها لبعض من يزورني من إخواني في بيتي المتواضع، خصوصًا حسن أفندي من "گريدي" الذي لا يتمالك نفسه من البكاء حين أقرؤها، وهو یی كما تعلمون أستاذي الفاضل یی من شيوخ الطريقة القادرية، وله تعلُّقٌ شديدٌ بكم وبالغوث الأعظم الشّاه الگيلاني، ويُحبُّكما حبًّا لا حدودَ له.
أستاذي الأكرم، لقد حصل لي بعضُ التأخير والتقصير بحقِّ الرسائل في الآونة الأخيرة، وأرجو ألّا تُحيلوا الأمرَ إلى كسل العبد الفقير وعطالته وبطالته؛ وليس قولي
— 223 —
هذا من قبيل الشكوى بل من قبيل الفخر، فلقد كان لطفُ الحقِّ سبحانه بي وإحسانُه وامتنانُه عليَّ عميمًا في هذا العام، فله الحمد والمِنّة، أشكره وأحمده على ذلك مئاتِ آلاف المَرّات؛ ولقد مرضتُ مرتين قبل عيد الفطر، وأقضي الآن إجازة نقاهة، ممّا سبَّب لي تأخيرًا في نَسخِ رسائل النور الشريفة.. وقد أضحَت هذه الأمراضُ في حقي نِعَمًا إلٰهيّة، وبدأتُ أستعيدُ عافيتي بفضل دعوات أستاذي.. فلِلَّه الحمدُ.
عاصم
٭٭٭
(فقرة رشدي أفندي):
أستاذي العزيز.. كلما تذكَّرتُ إحسانكم العظيم الذي نلتُ به شرَفَ أن أكون أحدَ أواخر طلاب أستاذي الحبيب، أبتهلُ إلى الحقِّ سبحانه ليلَ نهار، وأُناجيه بالدعاء والدموع في وقتِ السُّجود؛ وفي الوقت الذي تحملُني فيه عظمة ذنوبي وكثرة آثامي على الخوف والرهبة، تمنحُني رحمة الحق سبحانه ودعواتُ أستاذي الحبيب الرجاءَ والسُّلوان.
إنني أقرأ كلَّ رسالة ترسلونها بغاية اللَّهفة، وأستفيد منها تمامَ الفائدة، وأتلقَّى من الرسائل فيوضات أستاذي المعنوية في كل حين، فكأنِّي كلَّ يوم في مكان مختلف مع أصحابي الأعزاء.. ولو أستطيع أن أدوِّن أحاسيسي لكتبتُ لكم رسالةً كلَّ أسبوع، فمكاتبتي لكم مبعثُ سرور وسعادة عظمى لديَّ.
وإنني حين أرفع يديَّ في ديوان الحقِّ سبحانه، وأدعو بلسان الحال؛ وألقى من أستاذي الحبيب اللُّطف مع ظاهر فقري وعجزي.. فإنني أجيبُ عليها بدموع العين.
طالبكم رشدي
٭٭٭
— 224 —
(فقرة الحافظ علي يوضِّحُ فيها مدى استيعابه لدرسه):
أستاذي المحترم.. قرأتُ المقام الثاني للَّمعة الرابعة عشرة من المكتوب الحادي والثلاثين لأوَّل مرة، واستشعرتُ في نفسي بعض المتعة رغم أنَّ استفادتي منه كانت محدودةً، لكن حين أعدتُ قراءتَه للمرة الثانية والثالثة أيقظ في نفسي ذوقًا روحيًّا عاليًا، لدرجة أن قلبي وقلمي لو أصبحا ترجمانًا لروحي لاجترأتُ على عرضِها عليكم أستاذي، ولكن هيهات! فلقد وقف قلبي وقلمي وروحي عاجزين أمامي، وأعلنوا عدم إمكانِ ذلك.
أستاذي الحبيب، إن رسائل النور القرآنية التي تنشر الأنوار وتفتح أبواب الرحمة تحت مُسمَّى "الكلمات"، تحمل في الأصل خاتمًا خاصًّا بها، ففي كل جزء منها للرحمة الإلٰهيّة العميمة أبوابٌ صغيرة وأبواب كبيرة، فتُرشد إلى هذه الأبواب، وتُبقيها مفتوحةً على الدوام.
حينما قرأنا هذه الرسالة المباركة مع إخواني "سليمان وذكي ذكائي ولطفي"، تراءى إلى خيالي قصرٌ عظيم مُزيَّن؛ ورغبةً في معرفة أصله وحقيقته وسَعَتِه ومشاهدة مزيَّناته، صَعِدتُ إليه روحًا وتجوَّلتُ فيه، إلا أنني عدتُ مُتعَبًا ومُرهَقَ النظر، وظلَّ أخي ذكائي مستمرًا.. فرأيتُ مرةً أخرى قصرًا لعالم الجسد على شاكلة ذلك القصر، وهو أيضًا مُزخرفٌ ومُزيَّن ورفيع وصغير، فرغبت بفتح بابه والتجوُّل فيه، إلا أني لم أجد مفتاحَه، فسمعتُ فجأةً على لسان أخي: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ففُتِح باب القصر فجأةً، فقلت: "الحمد لله على نور الإيمان وهداية الرحمٰن"، فوجدتُ أن ما يحويه القصر الكبيرُ من مزيَّناتٍ ومُحتَوياتٍ قد أُدرِج أيضًا في هذا القصر الصغير، وكأنه ساعة ذات مسنَّنات كبيرة، وآلة نسيجٍ حاوية لخيوط كثيرة، دقَّقتُ النظرَ قليلًا فتوضَّحت لي مُكوِّنات تلك الساعة ومُشغِّلُها، واستبان صابغُ تلك الخيوط وناسجُها كلَّ يوم بيومه، وضوحًا دقيقًا كالشمس تدلُّ على النهار، فقلتُ مرةً أخرى: "الحمد لله"، وعندما تناولتُ بيدي فِهرِسَ هذا العالم الكبير ونموذجه المصغَّر، طفقتُ أتجوَّل في سياحة دون وَجَلٍ أو خوفٍ.
— 225 —
أستاذي الموقر، إن هذه الكلمة تعلِّم الإنسان حقائقَ لا تُبقي لديه شيئًا غريبًا أو لا يمكنُه معرفتُه، ويغدو كل شيءٍ يراه صاحبًا مُؤنِسًا له؛ إذ توضِّحُ أن الأودية الجافّة والصحارى الواسعة والكرة الأرضية الكبيرة قد جُهِّزت من قبل الخالق الرحيم على هيئة بستان طلسمُه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وأن الإنسان إن لم يجد هذا الطلسم ولم يتمسَّك به لا يمكن له أن يعيش في ذلك البستان، وإن هو عاش فيه فسيصبح غريبًا من شتى الجوانب، ويستثقل كلَّ خطوة يخطوها، فيصبح جامدًا لا حياة فيه.
كما أنها تبيِّن على وجه الخصوص سِرَّ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ الواردة في الصلاة التي هي معراج المؤمن، هذا السِّرُّ الذي لا نتمكَّن من فهمِه رغم تكراره أربعين مرة في اليوم، فتبيِّن أنه مفتاحٌ خاصٌّ بكلِّ مؤمن يجدُ عالَمَ جسده شبيهًا بمعمل الكَهرَباء، وحينما يفتح أبوابَه بهذا المفتاح يظهرُ العالَمُ أمامَه منوَّرًا مُضاءً.
أستاذي وسيدي الحبيب، أختم كلامي سائلًا الحق سبحانه أن يبلغ هذه الأسفار النفيسة لعباده المؤمنين إلى يوم القيامة.
طالبكم المقصر
الحافظ علي
٭٭٭
(فقرةٌ لأخٍ عزيز جديد، وهو المفتي أحمد فيضي أفندي.. صحيح أن هذه الفقرة موجَّهة إلى شخصي، لكن هذا الأخ لم يَلقَني، بل شاهد الرسائل التي أعمل دلَّالًا لها، فبالغ في المدح والثناء بما يفوق حدِّي بكثير، وقد قبلتُ ذلك المديح لأنه يعود للرسائل ولأسرار القرآن).
﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾
الحمد لله للكريم المتعال، والصلاة والسلام على حبيبه، وعلى آله وأصحابه.
أيها الفاني الذي وصل إلى الباقي، أيها المحبوب العاكفُ في باب رحمة المطلوب، أيها المحظوظ الذي أفلح بالسَّير ونيل أعلى الدرجات وأسماها: "صفة العبودية"،
— 226 —
يا ضياء الهدايا الذي تعكسُه شمس سماء ذي الجمال على الظلمات، أيها الشهاب الماضي في طريق الحبيب المقدَّس ممزِّقًا الظلمات، إن أحقر الموجودات الذي قابل بالنُّكران جميع الألطاف الإلٰهيّة الموجَّهة إليه، بينما كان يئنُّ في عُرضِ الأمواج المخيفة لبحر الخطايا والمعاصي، ينتظر منكم الآن إهداءَه ولو قطرةً واحدة من القبول الحسن الذي بلغتموه..
ليتكم تقبلونني وأنال شرف خدمتكم.. ليتكم تطلبون من حبيب الكبرياء أن أنتسب لخدمته، وأكون أصغر عُشّاقه، وأصبح دلَّال حِكمتِه ونُورِه.
أصغر المخلوقات والمتلهِّف لتقبيل أقدامكم في كل وقت
أحمد فيضي
٭٭٭
(فقرة أحمد خسرو كتبها بخصوص المقام الثاني للَّمعة الرابعة عشرة من المكتوب الحادي والثلاثين):
أستاذي وسيدي الحبيب.. تلقَّيتُ قبل ثلاثة أو أربعة أيام، نورًا آخَر من كلِّيات النور العظيمة التي تَزُفُّ البشارات من كلام الحقِّ سبحانه، وتَنشُرها في شتَّى بقاع العالم، والتي تُغرِقُنا بنشوةِ فيوضاتها الأشبه بأمواج البحار الموّارة، وتُنيرُنا بضيائها الذي لا ينفَدُ وسِراجِها الذي لا يخبو، والمخصَّص لكلِّ صباح، والمنبثق من الشمس؛ والتي تسير وفق منهجية مُحكَمة لا تُغرِق أحدًا في الشبهات؛ وتنطق ببلاغة خاصة بها، وبقابلية تمكِّنها من تسخير العقول لها، وتلفتُ لنفسها أنظارَ سامعيها، وتجلب أسماعَ ناظريها.
لقد نقش هذا النور في أذهاننا أشعَّته المنوَّرة بستة أسرار، هي بمثابة ثلاثين سرًّا من آلاف أسرار عَلَم الإسلام الجميل وكشَّاف خزينة الرحمة العظيمة، أعني
— 227 —
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ؛ كما أغرقَنا في بحر فيضٍ لا قرارَ له من خلال تعليمه لنا أن النِّعمَ السُّبحانية التي لا تُعَدُّ ولا تُحصَى نابعةٌ من شعاعات ألفِ اسمٍ واسم من الأسماء الحُسنى، وأنها تُرسَل إلى عون الإنسان بأيادي المدد.
وبعد أن وضَّح أهمية هذه الكلمة السّامية المباركة یی أي: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ یی وأفصح عن عظمَتِها من خلال ذكرها على رأس كلِّ سورة، وبيانِ أنها شفيعٌ مبارك من خلال تكرارها في كلِّ الأمور الخيِّرة، وأنها تُلبِسُ الإنسانَ قامةً تمكِّنه من بلوغ العرش مع أنه يمشي على الأرض، وأنَّ الإنسان المُتقلِّب في العجز المطلق إنَّما تتَّضحُ قيمتُه وعزَّتُه من خلال نسبته إلى القدير المطلق.. بعد أن وضَّح هذا كلَّه، ساق الحديث الشريف: «إنَّ اللهَ خَلَق الإِنسانَ على صُورةِ الرَّحمٰنِ» ليُبيِّن أنَّ الإنسان إنَّما رُبِّي برحمة الله المُتَظاهِرة من جَلَوات أشعّةِ ألف اسمٍ واسمٍ من أسماء المُنعِم الحقيقي؛ كما أنه جلوةٌ تامّة للرحمة.
أستاذي الحبيب، إنه يوجِّه روح الإنسان ونظره وعقله وقلبه ومخيلته إلى وجه الكائنات بی "باسم الله"، وإلى وجه الأرض بی "الرحمٰن"، وإلى الوجه المعنوي لبني جنسه بی "الرحيم"؛ ويُظهر ما فيهم من عظمة الرحمة الواسعة الكلية ولطافتِها.
أستاذي العزيز، ما التفَتَ نظري إلى شيء، وما حاكم عقلي أمرًا، وما انشغَلَت مخيِّلتي بأمر، وما سمِعَت أذني بشيء، وما ذهب قلبي إلى مكان، إلا وشاهدوا في الأماكن التي يتجوَّلون فيها والأشياء التي يصادفونها آثارَ رحمة عظيمة متوجهة إلى البشر.. ورأوا أن السَّماوات والأرض بعظمتهما وجلالهما تُصبحان منتزَّهًا للإنسان، وأنَّ الجنةَ هي مسكنُه الحقيقيّ، كما يتحوَّل وجهُ الأرض إلى هيئة منزلٍ له.. ورأوا أن سُكّان الملأ الأعلى ومئاتِ آلاف أنواع النباتات والمخلوقات المُنتشرة على وجه الأرض يَسعَون جاهدين لتوفير حاجات الإنسان.. وأن جميع المخلوقات یی صغيرةً كانت أم كبيرةً، بدءًا من الذباب حتى الأسماك، ومن الذَّرّات حتى المَجرّات یی ينظرون إلى وجه الإنسان بابتسامةٍ لا بعبوسٍ.
— 228 —
بعد هذا كله، فإن الروح التي لم تشبع من مشاهدة قصر الخالق العظيم الرحيم الذي لا تشوبه شائبة، تعود من سياحتها إلى نفسها، وتتوجَّه إلى الجسد الذي يُنظَّم ويُدار بأرفع درجات الرحمة وأدقِّها؛ وتحصر نظرها إلى مخيلته فقط من بين سائر أحاسيسه، فترى أن المساحة المخصَّصة لهذه المُخيِّلة في دماغ الإنسان لا تتجاوز حبّةَ خردل، إلا أنها تُمرِّر في خانة خيالها على الدوام جميعَ العالم كأنه شريط سينمائي.
كما تُشاهد أن الحافظة نوع، والعقل نوع آخر، والفكر حالة أخرى، والقلب مختلف تمامًا، واللطائف الأخرى النشطة في الكمَّل لها شكل مختلف أيضًا؛ ورغم أنهم كلَّهم يرتكزون في دماغٍ صغير على مساحةٍ معنوية صغيرة نسبةً لحواسِّ الإنسان الظّاهرة من السَّمع والبصر والذوق واللَّمس والشَّمِّ، إلّا أنه لا يختلط أحدٌ بآخَر، ولا يتدخَّل أحدٌ بوظيفة الآخر؛ بل يؤدِّي كلُّ واحدٍ منهم وظيفةً مختلفة، ويعملُ بشكل منتظم في دوائر مختلفة، حتى إنها تُشاهِد تفاصيلَ كل عضو وقسمٍ من الجسد البشري التي عجز عن فهمها الأطبّاءُ رغمَ دراستهم لها.
إن الروح التي شاهدت هذه الآلات المحيِّرةَ للعقول، والتي تنظَّم برحمة عظيمة كهذه، وتُستَخدَم في وظائفَ مختلفة، تبدأ بالتفكير في نسبة مالكيَّتها لهذه الأجهزة.. وعندما تفهمُ أن حُكمها لا يجري على أيِّ عضو تبدأ بالبحث عن مكان تحتمي فيه، وكنفٍ تأوي إليه، وموجودٍ يُسبغُ عليها نِعمَه.. عندها تخرُّ في سجدة شكرٍ أمامَ عظمة رحمة الخلّاق الرحيم، الذي يُربِّي بهذا القدر من الرحمة، مُجهِشةً بالبُكاء، وتبثُّه جميعَ همومها، وتطلُب عفوَه ومغفرتَه باللُّجوء إلى كنف لُطفِه ورحمتِه، وأن يجمعَها یی كما في الدنيا یی مع جميع أحبابه في الجنة التي وَعَد بها، وتتضرَّعُ من أجل ذلك.
أحمد خسرو
٭٭٭
— 229 —
(فقرة رأفت بك):
أستاذي وسيدي العزيز المبجَّل.. ورد في الرسالة التي تلقَّيتها الأسبوع الفائت العبارة التالية: "إن عباراتِك وعباراتِ شريف أفندي موجزة لا يُفهَم منها شيءٌ، فهل هي نقدٌ أم تقدير؟!"، تعلمون جيدًا أننا نتلقَّى جميع مؤلَّفاتكم بالتقدير وكمال الاستحسان، ولسنا نمتلك قدرةً علمية تخوِّلنا النَّقدَ أصلًا، بل حتى علماءُ تركيا لا يملكون ذلك، وهذا مُثبَتٌ بحوادثَ كثيرة.
ويكفي لإثباتها أنكم في عهد شبابكم ألزمتم علماء الولايات الشرقيّة الحجةَ، ثم لمّا قدمتم إلى إسطنبول لقيتم تقدير جميع علمائها واحترامَهم.
أمّا سائرُ أصحابي الذين قرؤوا "حكمة الاستعاذة" و"سرَّ البسملة" ومن بينهم شريف أفندي، فقد أصابهم الوجدُ من تأثيرِ ما نالهم من النصيب المعنوي.
وأما بالنسبة للعبد الفقير فحتَّى عدمُ كتابتي شيئًا حول "الكلمات" هو من كمال التقدير لها، لأنني حتى اليومِ أعرض لأستاذي انطباعاتي حول "الكلمات" و"المكتوبات" التي أقرؤها بلهفة ودوام، ولا يمرُّ يومٌ دون قراءتها، لذا لا أجد اليوم ما أسجِّلُه، ويحتمل أن يكون عجزي هو السَّببَ.
إن أيَّ رسالة مهما كانت ساطعةً، فإن التي تتبعُها أسطعُ منها بكثير، وبناءً عليه فإنَّ أيَّ شيء أكتُبُه لا يمكنُه التعبيرُ عن مُرادي بحقٍّ.
أشعر بمتعة كبيرة في حياتي الرّاهنة، إذ إنني مُنشغِل بتدقيق "الكلمات"، وما كنت أنالُ حظِّي من الفهم في مطالعاتي السابقة، لكنَّني أقرؤها اليوم ببُطءٍ ودِقّة مُحاوِلًا فهمَها أكثر؛ وثمّة نِقاطٌ أتوقَّف عندها فأسألُ عنها.. وبهذا تكون استفادتي أكبر.
أمّا الغصن الأول والثاني من الكلمة الرابعة والعشرين فتوقَّفتُ كثيرًا عندهما، ولم أتمكَّن من فهمِهما بشكل تامٍّ، لذا فإنني سأطلب من أستاذي شرحَ هذين الغُصنَين شفهيًّا حين ألتقي به.
— 230 —
أستاذي الموقَّر، هنالك نقطة أقفُ أمامها حائرًا، وهي أنه حين يُطلبُ منكم إيضاحُ مسألة معيَّنة، فإنكم تقومون بتوضيحها، إلا أنَّني أجد في هذا الإيضاح نقاطًا جديدة تحتاج أيضًا إلى إيضاح! إذ إنكم تجيبون بجمل لطيفة وشاملة لدرجة تجعل فهم هذه الأجوبة يتطلب أسئلةً أخرى عنها..
نستخلصُ من هذا كلِّه أن كلَّ سطر من سطور "الكلمات" يمتاز بالشمول، ويحملُ معانيَ كبيرة بمقدار كتاب كامل؛ ويمكن توضيحه بشكل واسع حسبَ الرغبة.
رأفت
٭٭٭
(فقرة الدكتور إبراهيم):
سيدي.. إنني ألتقي في كلِّ أسبوع بجميع إخوانِ الآخرة، الماضين في الجادة المعنوية الكبرى، والطريق النورانية الوضّاءة؛ وكلما سمعتُ أخبارًا عن شموس الفيض والمعرفة یی أعني صدور أجزاء جديدة من رسائل النور یی تنشرح روحي حينها كالأزهار المُتفتِّحة، وتغمرها السعادة ويغشاها السرور.
صحيح أنني أجتهد قدر المستطاع لأجل فهمِ مسألة أو مسألتين، إلا أنني كلَّما أشاهد ما كتبه إخواني معبِّرين عمّا ينعكسُ على أرواحهم من المسائل الصادرة من بحر الأنوار، أحزن كثيرًا لعدم توفيقي، وأتحسَّر لجهلي، وتبكي روحي قائلة: "إن الأُمِّية أمر صعب"، وأخاطب نفسي معترفًا: "إنك تستحقُّ هذا يا إبراهيم"، لكني لا أقطع رجائي وأملي، وأسلي نفسي قائلًا: "يوجد لكلِّ مؤسسة مدير عام ومعاون وسكرتير وموزِّع وجَابٍ وخدم، فما ضرَّ لو عمل هذا العبد الفقير في التوزيع حينًا، وفي الخدمة حينًا آخر؟".
إبراهيم
٭٭٭
— 231 —
(فقرة عثمان نوري):
﴿ القرآن العظيم ﴾
لو قرأتُ كلمة واحدة من كلماتك ملايين المرات..
فإنني أشعر باللذة نفسها التي شعرتها في المرة الأولى..
إنك شعلة لا تنطفئ في مواقد الإسلام
إنك الكلام المنقطع النظير لذات الذي ليس كمثله شيء
إنك الكلام القيم المثبت من ألف وجه
والذي كان من نصيب أحب الرسل إلى الله
أي كتاب قُرئ بهذا القدر من التوقير عبر العصور؟!
وأي خائن يجرؤ أن يمسَّك بشيء؟!
حاشا، من لم يؤمن بك حتى ولو كان كافرًا..
فليأت وليجلس عند دلَّاله..
وحين يتلقى من ذلك الدلَّال الدرسَ والإلهام
يلعن ذلك اليوم الذي أنكر فيه القرآن
إنه لجميع العلوم أستاذ وبرهان
ذلَّ من لا يعرفه
إن كتابك الأقدس في غاية الشهرة، ودلَّاله أستاذي سعيد..
والرُّوحُ ترغبُ أن يكون آلاف من أمثال سعيد..
ورَدَت هذه الأبيات من الإلهام الإلٰهيّ المنوَّر الذي تلقَّيتُه من كتابنا الأقدس العزيز "القرآن العظيم" الذي كنتُ أَقرؤُه صبيحةَ هذا اليوم، ونبَعَت من المشاعر العميقة والتأثير البليغ الذي أحدثته رسائلكم السامية الساطعة كالشمس في هذا العبد الفقير العاجز.
عثمان نوري
٭٭٭
— 232 —
(فقرة خلوصي):
يؤسفُني جدًّا عجزي عن وصف أحاسيسي حول المكتوب المبارك الموسوم بی"مرقاة السنة"، لكن يمكنني القول: إن هذه اللمعة الخامسة یی بما تضمَّنته من المعاني الغزيرة في نكاتها الإحدى عشرة یی تفسير مستقيم وبيان إعجازيّ وإعلان نوراني، وكأنها توجِّهُ إلينا خطابًا معنويًّا مُفادُه: إننا مكلفون بأداء السنة، وبتصديق القلب وإقرار اللسان بكل معلوم يقينيٍّ من الدين الذي جاءنا به أشرف الأنبياء من ربِّه وأخبر بأنه الحق، وهذا ما يُعرف بشروط الإسلام وأركان الإيمان.
كما يوجد توافق صريح بين مجموع أركان الإيمان وشروط الإسلام، وبين عدد النكات الإحدى عشرة الواردة في المكتوب، فكأنها بذلك تخبِرُنا أن: "كلّ من يزعم أنه مؤمن فواجبُه اتباع السنة، وكل من يدعي أنه مسلم ويرغب بالتخلص من عتاب لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ فيلزمُه التمسكُ بالسنة".
قبل أن تصلني هذه الرسالة رأيت ليلةً في المنام یی جعلها الله رؤيا خيرٍ یی أنني في جامع كبير، وبعد أداء الصلاة وقفتُ على قدميَّ قريبًا من الباب، فرأيتُ جماعة صغيرة قادمة من طرف المِحراب الأيسر، وعندما اقتربوا مني طرق سمعي صوتٌ يقول: "هذا سيدنا عبد القادر الگيلاني"، فقلت بشكل لا إراديّ: "مدد أيها الغوث الأعظم!"، وانكببتُ على قدميه باكيًا، فرفعني الرجل المبارك عن الأرض بيده اليسرى بكل رأفة.. وكان رجلًا طويلَ القامة مَهيبًا، يلبس حُلةً سوداء، ذا لحية مباركة سوداء يشوبها بعضُ البياض، مُحيّاه نوراني بشوشٌ، وعلى رأسه المبارك عمامةٌ بيضاء طويلة على شكلٍ مخروطيٍّ ناقص.. وأذكر أننا حين خرجنا جلسنا مع الجماعة في غرفة ملاصقةٍ للجامع.
لقد كانت رؤيا مُؤنسة، أيقنتُ بها أن دعوات الغوث وهمَّته مع حزب القرآن في كلِّ زمان.
خلوصي
٭٭٭
— 233 —
(فقرة صبري):
وصلني مؤخَّرًا مع أخي "سليمان أفندي" القسم الرابع من الفهرس الذي يُعَدُّ زبدةَ ترشُّحات الكتاب المبين، ومعه رسالةٌ موجهة لي تفضَّلتم بكتابتها، فقرأتُه ودعوت آلاف المرات لمؤلِّفه وكاتبِه وناشريه وخدَّامه.. وخلال الساعتين المخصصتين للقراءة كنت أشعرُ بالمتعة والاستفادة العظيمة، وكأنني قرأت جميع رسائل النور ومكتوباته، وقلت: "يجب علينا الاجتهاد بضعة أشهر في استنساخ الفهرس ونشره، وتقديم هذا العمل على كل شيء"، ولا يكفي ما وجَّهتم به في رسالتكم من لزوم كتابة أربع نسخ من الفهرس.
إذ إنَّ نشر أنوار الحقائق القرآنية هو غايتُنا، وإن هذه الرسالة المباركة النفيسة التي لا تُقدَّر بثمنٍ خلاصة حقائق القرآن وزُبدتُه، بل قائدُه ومفتاحُ نصره ومرقاةُ فتوحاته یی إن جاز التعبير یی.
أستاذي العزيز، كنتم في السابق كلَّما شرعتُم بتأليف هذه المؤلَّفات القيِّمة مُستعينين بالله، تَعدُّون طالبَكم المقصِّر هذا مخاطبَكم، وترسلون إليَّ نسخةً من كلِّ رسالة، لكنَّني كنت آنئذٍ غارقًا في بحارِ الظلمات، ولمّا تنقشع عن عيني الحجبُ المُسدَلةُ بيني وبين الأنوار، إلا أنَّني اليوم ومع اضمحلال تلك التيارات المعارضة السَّلبية الهدّامة، والتي يصحُّ وَصفُها بأنها السُّمُّ الزُّعاف، تفتَّحت أمامي بحمد الله أبوابُ الأنوار القرآنية غير المُتناهية، لذا أقوم الآن بإعادة قراءة المؤلفات المنشورة في عهد الظلمات، وإعادة كتابتها مرة أخرى.
وفي الحقيقة ثمَّة بونٌ شاسع بين قدرة اللسان والقلم، وبين التحدُّث عن قيمة تلكم الرسائل وما تمنحه من غنائم وفيوضات، وعلى من يُقدِمُ على ذلك الأمر أن يكون دلَّالًا حقيقيًّا للقرآن حتى يوفي هذه الترشُّحات القرآنية واللَّمَعات الفرقانية السّامية المباركةَ حقَّها من المدح والثناء.
ومَا كنتُ موفيًا من حقِّها ولا واحدًا من ألف لو قلتُ بأن هذه الخزائن المكتنزة بالحياة الحقيقية السرمدية، تحوي من الكلمات والتعابير ما عزَّ نظيرُه من شتَّى الوجوه،
— 234 —
وتنطوي من حسن البيان على ما لم يبلغ الأسماعَ من قبلُ، مع كمال السلاسة والجزالة، ومنازل الغبطة والحيرة، ومجامع الدرر المكنونة؛ فهي بجميع جملها وفقراتها جلوة من جَلَوات اسمي "البديع" و"الحكيم".
وخلاصة القول: إن هذه الأنوار هي للدجالين قذائفُ مُعدّة ومخصَّصة، ولأهل الإيمان خزائنُ دائمة لإكسيرِ حياة فيّاض من الينابيع المنوَّرة لحقائق "القرآن الحكيم" في القرن الأخير.
صبري
٭٭٭
(فقرة الحافظ علي):
سيدي وأستاذي الحبيب.. تلقَّيتُ بسرور بالغ القسم الأول من اللمعة الخامسة عشرة من المكتوب الحادي والثلاثين.
أستاذي الحبيب، بالنسبة لهذا العبد الفقير، فإنَّ "الكلمات" التي تَنشُر الأنوارَ من شمس الهداية هي محضُ حقٍّ وحقيقة، وهي سوق عالم الحقيقة؛ سوقٌ غنيٌّ ومهيَّأ بأنواع التجهيزات لا قرار له ولا نهاية، يحوي عموم ما يحويه عالم الحقيقة؛ وحتى نكتسب قوّة "سلطان" يتوجَّب علينا أن نقتنيَ ما يعرضُه هذا السوق من بضائع، وإن كان العرضُ بقصد المشاهدة فيتوجَّب استخدام نظرٍ ثاقب ونافذ وشموليّ، لإدراك عموم ما يشاهَدُ أثناء التَّجوال والسِّياحة؛ وبما أنَّه يَندُرُ وجود مثل هذا النظر، لذا يتطلَّب الأمرُ وجودَ لائحة تضمُّ عيِّناتٍ من جميع البضائع للتَّمكُّن من الشراء والمشاهدة.
وإلى الآن لاحَظْنا یی أستاذي الحبيب یی أن كل لائحةِ عيناتٍ تُظهِر أنواع الأقمشة بكُلِّياتها وجزئيّاتها في قطعة قماش صغيرة لا تصلح لشيء بعد ذلك؛ أمّا فهرس الخزينة اللامتناهية التي هي نورٌ كلُّها، ففي كلِّ قطعة وفي كل لائحة منها نماذجُ أقمشة قيِّمة، يمكنك أن تخيط منها ثوبَ حنيفٍ مسلمٍ بشكلٍ مُبهِر؛ فمثلما هو خارق في الكليات خلافًا للجميع، كذلك يحمل خاتمًا خارقًا في الجزئيات أيضًا.
— 235 —
أجل أستاذي! لقد هام قلبي وتاقت روحي حينما كنت أَنسخُ هذه الرسالة، وازدادت رغبتي بالاطِّلاعِ على جميع رسائل النور بغاية اللهفة والاهتمام؛ وهذا يعني أنَّه بمثل حاجتنا للاطِّلاع على سائر أقسام الرسائل كلٍّ على حِدة، نحن بحاجة أيضًا لمشاهدتها جميعًا دُفعةً واحدة.
أسأل الله تعالى أن يُكافئكم بما يليق بعظيم رحمته، وبما يقتضيه كمال شفقته.. آمين.
الحافظ علي
٭٭٭
(فقرة مقتطفة من الرسالة التي كتبها أخي عبد المجيد لخلوصي بك):
حياك الله يا عزيزَ "العزيز" (ألازيغ)، ويا تلميذَ حضرة سَيدا المحترم..
لقد تلقَّيتُ بسرور بالغ رسائلَكم المبشِّرة، والتي كنتُ أتوق للحصول عليها.
وهذا الأمر يتطلَّب تحرير جوابٍ لكم، لكن ماذا أكتب وكيف أكتبُ وروحي مضطربة، ونفسي مهمومة، وأفكاري مبدَّدة، فكلما فكَّرت بالوحشة والقساوة واليأس والبأس التي تتقاطر علي من جهاتي الأربعة، أجد عقلي وقلبي يتأهَّبان معًا للرحيل، أحدُهما نحو الجِنَّة (أي: الجنون)، والآخر نحو الجَنَّة (أي: الشّام)؛ لذا فأنا حائرٌ ماذا أكتب؟ فلستُ أوفي حقَّ أستاذيّة سَيْدا ولا حقَّ أُخوَّتكم.
أما الرسائل الواردة منكم فهي تصدر من فكرٍ صافٍ نقيٍّ منوَّر، لذا تُشعُّ ضياءً ونورًا؛ بينما الأفكارُ المظلمة التي يطرحها ذهني المشوَّش تنشر الظلمات، لذا أنا خائفٌ ومتردِّد في كتابة أيِّ شيء لكم.
عبد المجيد
٭٭٭
— 236 —
(فقرة رأفت بك):
سيدي وأستاذي العزيز المحترم.. لقد كان تأليفُ فهرس الكلمات والمكتوبات والنوافذ فكرةً مميَّزة جدًّا، إذ يحصل لدى مُطالعِه إلمامٌ واسعٌ بأجزاء رسائل النور وقيمتها وأهميتها وبنظرة خاطفة، ويصلح أن يكون مَدخَلًا لجميع الرسائل، فمن غير الميسور لأيِّ مؤلِّف أن يلخِّص في أربع رسائل مضامينَ مئةٍ وعشرين كتابًا، معرِّفًا بها واحدةً تلوَ الأخرى بنحو موجز، ومستعرضًا ماهيّةَ كلِّ رسالة ومقاصدَها، وما تضمَّنته من نصوصٍ وآيات ومعانٍ إجمالية.. ممّا يُؤكِّدُ أنَّ تأليفَه تمَّ بسُنُوحاتٍ قلبية لا إرادية، وهي خصيصةٌ أخرى تميِّزُ هذا الفهرس بشكل بارز.
ولأجل ما نراه من هذا الإكرام والإحسان، نحمد ربنا ونشكرُه أن منَّ علينا بأُستاذٍ مثلكم.
رأفت
٭٭٭
(فقرة مقتطفة من الرسالة التي بعثها خلوصي بك لأخ لنا في "أغيردِر"):
إنني محظوظ جدًّا بما تلقَّيتُه من مؤلَّفات أستاذنا الأخيرة، والمتضمِّنة للَّمعتَينِ الثالثة عشرة والرابعة عشرة من المكتوب الحادي والثلاثين، وهي دروسٌ نورانية قيِّمة حكيمة، غزيرةُ المعاني عظيمة المُتَعِ كأنها الشَّهد المصفَّى، وقد قرأتُ للإمام عمر أفندي الدرسَ المنوَّر (اللمعة الثالثة عشرة).. ومن سوء حظِّي أني لم أكتب جوابًا حول ذلك! فكأنَّ الحاشية الخاصّة في نهاية هذا الدرس منعتني معنويًّا من كتابة الرسائل لمُدّةٍ من الزمن، إلّا أنَّ ما تضمَّنته من معانٍ ظاهرية تُظهرُ أن هذه الإشارات موجَّهةٌ لهذا المسكين بصورة مباشرة.
فلا تسعُني بضعة أسطر لإيضاحِ مدى الفيض الذي تلقَّيتُه من درس الحقائق هذا، أو التعبير لكم عن بعض مشاعري التي أَحسَستُ بها.
— 237 —
فما تضمَّنه هذا الدرس من أوامر أستاذي الحبيب وإشاراته ودروسه وتنبيهاته، وإيقاظاته وإرشاداته، وتهديداته وشَفَقَته، كلُّه حقيقةٌ، وجميعُ ما تحدَّث به حتى اليومِ إنَّما هو من هذا القبيل، وما سيليه سيكون في نفس الماهية أيضًا، ولستُ أحمل أيَّ شك أو شبهة حيال هذا الأمر.
صحيح أنَّ المهيمن على عموم أفعالنا إنما هو السَّوقُ الإلٰهيُّ القَدَريُّ لا الصُّدفة، والاقتيادُ الفطريُّ والتقديرُ السُّبحاني لا غير، وأننا مسؤولون عمّا نقترفُه بجزئنا الاختياري من السيِّئات، إلا أنَّ الحسناتِ لا تُحرَزُ إلا بالتوفيق الإلٰهيّ وحدَه، بشهادةٍ مصدَّقةٍ من القرآن الباهرِ البرهان.
خلوصي
٭٭٭
(التنبيه الأخير لمفتي "أغيردِر"):
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
باعتبارك صديقًا قديمًا وزميلًا في العلم، أودُّ أن أصارحك بما يلي:
سأخبرك عن مصيبة دينية عظيمة تتعلق بكلينا نحن الاثنين، ويجب العمل معًا قدر المستطاع لتجنُّبها، وهي على النحو التالي: في الوقت الذي كان ينبغي أن تقدِّم بنفسك اهتمامًا أكثر وتأييدًا أكبر لخدمتنا للقرآن والإيمان، وأن تبذل جهدًا مضاعفًا في الذود عنها؛ وجدناك یی مع الأسف یی تنظر إلينا نظرة باردة، وتعاملنا بأسلوبِ التحدِّي والمنافسة، بل وتصطفُّ مع معارضينا، ولأسباب مجهولة! بل لقد سعيتَ لتعيينِ ابنك في هذه القرية، ومن ثم توفير أصحاب مؤازرين له، مما تسبَّب في ضرر عظيم ترتعد منه فرائصي كلما فكَّرتُ في ماهيَّته! لأنك أنت المسؤول عن الخطايا والآثام الناجمة عن هذا الضرر وفق قاعدة: "السبب كالفاعل".
— 238 —
فكما أن السُّمَّ لا يتحوَّلُ ترياقًا بمجرَّد إطلاق اسم الترياق عليه، كذلك إطلاق أسماء معيَّنة على تصرفاتِ هيئة تُضمر مشاعرَ الزندقة، وتهيِّئ القاعدة للإلحاد، لا يغيِّر من الحقيقة شيئًا مهما كان ذلك الاسم، سواءٌ سُمِّيت: "دار الشباب" أو حتى "دار المباركين".
إذ الهيئات الموجودة في أماكن أخرى تحت مسمَّيات: "منظمات الشباب" و"مجالس الأتراك" و"محافل التجدُّد" وما شاكلها، يمكن أن تُوجَد في أشكال أخرى دون أن يتأتى منها ضررٌ، غير أنَّ لجوء هيئة معاندة معارضة في هذه القرية لاتِّباع نهجٍ محدَّدٍ ضدَّنا یی نحن المُنصرِفين لخدمة الإيمان وحقائق الدين فقط منذ ثماني سنوات یی هو مخالفة لأصول الدين وموالاة للإلحاد، بل لن يخدم إلا مصالح الزندقة؛ ولن يخرج بغير هذه النتيجة، عَلِمَها من علِمَ وجهلَها من جهِل.
فلقد ظهر لجميع من هم في هذه النواحي أنه لا علاقة لي بالتيارات السياسية، وأنَّ عملَنا مقتصرٌ على الحقائق الدينية وحدها، لذا فإن قام أحدٌ بتصرف أو إجراءٍ يضادُّنا، فلن يكون ذلك لصالح الحكومة، وذلك أن مسلكنا ليس مسلكًا سياسيًّا؛ ولن يكون أيضًا لصالح مُستحدَثات الأمور، لأن شغلَنا الشّاغل هو الأُسُسُ الإيمانية والدساتير القرآنية؛ كما أنه لن يكون لصالح التعليمات الرسمية الصادرة من قبل رئاسة الشؤون الدينية، لأن انتقاد هذه التعليمات والاشتغال بمخالفتها يشغلُنا عن خِدمتنا المقدَّسة؛ فتركنا هذه الأعمال لغيرنا، ولا نَشغَلُ أنفسَنا بها، ونَسْعَى قدرَ المُستطاع لعدم المَساسِ بتلك التعليمات.
وما دام الأمر كذلك، فإن الذي يتَّخذ سلوك المخالف لنا والمعتدي علينا، في هذه القرية التي أضحت مدارَ تيارٍ إيماني طوال ثماني سنوات، تعدُّ مخالفتُه هذه عملًا لصالح الزندقة والإلحاد، أيًّا كان اسمُها.
واستنادًا إلى علمك وموقعك الاجتماعي ومنصبك في الإفتاء ونفوذك في هذه النواحي ومعاونتك المشجِّعة لابنك نتيجةَ شفقتك المُفرِطة على الأولاد، فإن الوضع المترتب على ذلك وضعٌ جادٌّ خطيرٌ يتعلَّق بكلينا معًا.
— 239 —
أمّا بالنسبة إليّ: فإنني أقيم هنا بشكل مؤقَّت لا دائم، ولستُ مُكلَّفًا بإصلاح هذا الأمر، فبإمكاني التخلُّصُ من المسؤولية بطريقةٍ ما، لكن لكونك السَّببَ ونقطةَ الاستناد، فإنه يترتبُ عليك القيام بإصلاح هذا الأمر فورًا وقبل كلِّ شيء، أو إبعاد ابنك عن هذه القرية، أو السعي لتغيير ذلك المخطط الذي سيُلحق بك الآثام على الدَّوام، وكيلا يُسجَّل ما يَنجُم عنها من أضرارٍ في سجلِّ أعمالك.
وأودُّ أن أقدم لك نموذجين صغيرين فقط من نتائج هذا المخطط، يصبّانِ في صالحك ويُضرّان بي:
الأول: رجلٌ من أهل العلم يُحسن الظن بي كثيرًا لدرجة تفوق حدِّي بكثير، ويتتبَّع تصرُّفاتي وحركاتي أكثر من الجميع، صار يصحبُ ابنك في المسلك ثقةً بك، فجاءني هذا الرجل يومًا وقد تهيَّأتُ لأداء الصلاة في غرفتي الخاصة رغم أنَّ لصلاة الجماعة معي مكانةً كبيرة عنده، إلا أنه ما إن سمع الأذان المُحمَّديَّ (ص) المقروء سرًّا حتى نفر سمعُه وتوجَّس خيفةً وولَّى هاربًا!! فها أنا أطلب منك الفتوى في أمره هذا، وأودُّ أن أسألك: كيف تكونُ حال الإيمان في قلبِ مَن تفرُّ أذنُه من سماع الكلمات النورانية القدسية الممتعة لفخر العالمين عليه الصلاة والسلام؟! أترك لك الإجابة.
وإن كان هذا التصرف قد صدر من رجلٍ بهذه الحال، فما المتوقَّع من الجهلة أو الشباب؟! كيف سينصبغون في ذلك المسلك؟! لك أن تقيس هذا الأمر، ولتَبكِ معي على هذا الموقف.
الثانية: كان لي صاحبٌ تقيٌّ جدًّا، وكان يعرضُ عليَّ كلما زارني أجملَ العبارات التي تتحدث عن الآخرة وينبهني إليها، إلا أنَّك طلبتَ منه أن يتجنَّبني ويصاحب ابنك؛ فأتاني هذا الرجل بعد حديثك معه في أحد أيام شهر رمضان الماضي، وعرض عليَّ قراءة بعض النصوص أمثال حوادث هولاكو وجنكيز قائلًا: "ليتك تقرؤُها"، فقلتُ له وقد تملَّكتني الحيرة والعَجَب: "أخي! هل جُنِنتَ؟! ليس لديَّ وقت حتى قراءة "دلائل الخيرات"، فمن أين أتيت بهذه الجرأة حتى تطلب مني قراءة السِّيَر المظلمة
— 240 —
لأمثال هؤلاء الظالمين، وفي شهر رمضان الشريف؟!" فانصرف ولم يَعُد لزيارتي منذ شهرين، وهو الذي كان يزورني في كل أسبوع مرَّتين! إلا أنَّ العناية الرَّبانية أدركته وتخلَّص من هذه الحالة.
على كل حال، هنالك حوادثُ كثيرة مؤلمة كهذه.. وباعتبارك أخًا شقيقًا لأخٍ حقيقيٍّ لي، أرجو منك ألّا تستاءَ من هذه المصارحة التي كتبتُها بقلم اللِّين والمؤانسة، لا القسوة والجفوة.
الباقي هو الباقي
سعيدٌ النُّورْسِيّ
حاشية: أودُّ أن أتحدَّث عن حالة مُضرّة بخدمتنا القرآنية لم أُفصِح عنها لأحد من قبل، بل لستُ أرغب حتى بالتفكير بها: إنك كنت في حقبة معينة أحدَ أصحابي، وكان ابنك يزورني كطالب، ويُحاول الاستفادة بكل جدِّية، فما كان يضايقني بل على العكس من ذلك: كان يتقبَّل تنبيهاتي باهتمام، ويستفيد منها كثيرًا.
واستمرَّ هذا الأمر حتى اتخذتَ تجاهي موقفَ التحدِّي والمُنافسة، وخضع ابنك تحت تأثير هذا الموقف حتى تحوَّل من طالب مطواع إلى عدوٍّ ظالم! وليس لدي أدنى شبهة أن الصعاب التي عانيتُها والأضرار التي لَحِقَت بخدمة القرآن كانت بسبب ابنك وبسبب اتخاذك هذا الموقف، فلولا نفوذك وموقعُك لَمَا تجرَّأ ابنك على القيام بمثل هذه الأمور!!
على كل حال... إنني أقتصر على ما ذكرتُ كيلا تستاءَ أكثر، واعلم أنني سامحتك وجعلتُك في حلٍّ مني إكرامًا لخاطر أخي "حقي أفندي"، لكن عليك الحذرُ من صفَعات القرآن الحكيم الذي ارتضانا في سلك خدمته، فربما لا يُسامحُ في حقوقه.
٭٭٭
— 241 —
(حول سليمان الذي تعرَّض لهجومٍ شديدٍ من أهل البدعة):
سؤال: ينتقدُ كثير من الناس "سليمان" وفي مقدِّمتهم مسؤولو هذه القرية، ويقولون عنه: "يتحدَّث إلى الأستاذ بكلام فارغ، ويرتكب بذلك أخطاء، وكأنَّ تصرفاته ضربٌ من النفاق"، وله في خدمتك مدة طويلة، فحدِّثنا عن سليمان، ماذا تعرف عنه؟
الجواب: يعلم أهالي هذه القرية أن سليمان يقوم منذ ثمانية أعوام على خدمة هذا الرجل العصبيِّ المزاج والشديد الغضب، دون أن يجرح خاطري بشيء، بل يترك أعماله الخاصة ويخدمني بحقِّ الصداقة ولوجه الله تعالى ودون أيِّ مقابل مادِّيّ؛ فرجل مثل هذا ينبغي أن يفتخر به لا أهلُ هذه القرية فحسبُ، بل الولاية كلها من حقِّها أن تعتزَّ به.
إن وجود هذا النوع من الأخلاق في هذا الزمان أمرٌ يستحقُّ فعلًا التأمَّل والاعتبار، فقد كان على عاتق هذه القرية مسؤولية توفير الراحة لي، لأني ضيفٌ غريبٌ، فأسعفني الإحسان الإلٰهيُّ یی باسم هذه القرية یی بسليمان وبمصطفى چاويش والمهاجر الحافظ أحمد وعبد الله چاويش؛ فأغنَوني یی بحمد الله یی عن مئاتٍ من الأصحاب، وعوَّضوني عن مدينتي، ولم يتركوني أُعاني مشاقَّ الغربة وحرجَ الضِّيافة؛ وتعزَّزت بسببهم صلتي بأهالي هذه القرية یی أحياءً وأمواتًا یی وبِتُّ أدعو لهم بشكل دائم.
فأمّا مصطفى چاويش والمهاجر الحافظ أحمد فلا يقلّان شأنًا عن سليمان في خدمتهما وتفانيهما، لكن لن أتحدَّث عن محاسنهما حاليًّا لعدم تعرُّضِهما للهجوم والتشويه، بل سأقصُر الحديث بعضَ الشيء على سليمان:
لقد أدَّى سليمانُ جميع أعمالي وكتاباتي الخاصة بتمام الوفاء وغاية الشوق ودون مقابِلٍ أو امتنانٍ، حتى إنه كان يقدِّم خِدماته هذه بنيّة صافية وخالصة محتسبًا ذلك عند الله وحده، ويحضرُ في اللحظة التي أحتاجه فيها دون سابق إنذار، فكنت أتساءلُ مستغربًا: "سبحان الله! هل يستمع هذا الرجل لرغباتي القلبية؟!"، وأدركتُ لاحقًا أنه يُستخدم في هذه الخدمة، فهذه الحالة هي كرامةٌ لجميل وفائه وولائه.
— 242 —
وفي أحد الأيام التي كان يقوم فيها على خدمتي، سقطت إحدى بناته الصغار یی وهي ما زالت في عامها الأول یی من سطح منزل مرتفع فوق صخرة، دون أن تتعرَّض لأيِّ إصابة أو يظهر عليها أيُّ أعراض، بل حتى لم تنقطع عن رضاع الحليب من ثديِ أمِّها، إكرامًا إلٰهيًّا لتلك الصداقة والخدمة.. وبكل حال فقد شاهدنا وجوهًا كثيرةً من لَمَعاتِ هذه الصداقة.
وإلى جانب الوفاء، وجدتُ في سليمان إخلاصًا قويًّا، أجل، ففي هذه الأيام التي أذاع فيها الظَّلَمةُ إشاعاتٍ تَمَسُّ بشرفه وكرامته، قلت له من قبيل بثِّ السُّلوان: "إن تلفيق هذه السُّمعة السَّيئة وإلصاقها بك ستُنجيك من الرياء"، فتقبَّلَ هذا السُّلوان وتلقّاه بكمال الجِّدّية وتمام السرور.
ولنَعُد إلى مسلكه فيما يخُصُّ الغيبة: إن هذا الرجل يعلم جيدًا كم أُبغضُ الغيبة، فهو لأجل ذلك يتجنَّبُها كيلا يغضبني، بل يحرص على ترك الحديث عن شيء ولو كان جائزًا، خصوصًا في شهر رمضان، وليس في أخلاقه ما يضرُّ بغيره؛ غيرَ أنَّ السَّبب في إشاعة المُغرِضين المُبالَغ فيها هو أنَّ أحدهم سأله: "هل تحدَّث الأستاذُ لفلانٍ بكذا وكذا؟"، فجاء يسألُني عن الأمر كي يجيبَ الذي سأله، وهذا لا يُعدُّ غيبةً ولا غيرَها.
ومهما يكن من أمر، فإني ما كنت أنتظر من أهالي هذه القرية أن ينتقدوا إخواني من أمثالِ مصطفى چاويش وسليمان أفندي، الذين أعتمدُ عليهم بشدّة، وأثقُ بأخلاقهم وتديُّنِهم تمامَ الثِّقة؛ وكنت أتوقَّع أن يُبادلوهم كاملَ الاحترام الذي أجدُه منهم بعد مغادرتي هذه القرية؛ فأنا آمُل أن يُدرك تسعون بالمئة من الأهالي قدرَ هؤلاء ومكانتَهم مهما تعرَّضوا للانتقاد بغير طائل، وذلك لأن المساس بهؤلاء هو مساسٌ بي بشكل مباشر!
إن إخواني القائمين على خدمتي ممَّن ورَدَت أسماؤهم لا يبتغون أيَّ منفعة مادية ولا يقبلونها أصلًا، بل إنهم یی على العكس من ذلك تمامًا یی يُنفقون عليَّ وعلى ضيوفي من أموالهم الخاصة؛ بل ربما أعطيتُ سليمانَ رغيفَ خبزٍ لا أرغب بأكلِه، فيقبله مني لئلّا يكسر خاطري، ولكنَّه لا يأخذُه أبدًا دون مقابل، فيُحضر مُقابلَه رغيفًا آخر! وكنت أُصِرُّ عليه أحيانًا حتى يشرب قدحًا من الشاي، فيأبى رغم إلحاحي
— 243 —
الشديد، فكنتُ أسأله: لمَ تفعل هذا؟ فيجيب: "لا نرغب أن نُدخِل في خدمتنا منافعَ مادية، لتبقى خالصةً في سبيل الله".
ورغم الخدمات الكثيرة التي قدَّمها سليمان ومصطفى چاويش لضيوفي، لا أعلم أنَّ أحدًا من ضيوفي قدَّم لهما يومًا هدية، سوى بعض الفاكهة التي أعطاها بكر بك مرة لابنة سليمان الصغيرة، فقام هو بالمقابل بإهدائه طبق خضروات من الباذنجان والفلفل والبطيخ عدة مرات وأرسلها إليه حسب علمي، وفضلًا عن هذا فإنه كلما قدم بكر بك وغيره من الضيوف لزيارتنا، يقوم سليمانُ بتوفير العلف والشعير لدوابِّهم.
فحينما قدم إليَّ بهذه الأخلاق الأصيلة المركوزة في فطرته، وافَقَت فطرتُه قاعدتي التي أعُدُّها دستورًا في حياتي، وهي الاستغناء وعدم قبول الهدايا من الناس، لذا تجده لا يقبل هدايا الناس حتى مقابلَ ما أسدى إليهم من إحسانٍ، بل ولا يقبل أيَّ شيءٍ زيادةً عني رغم إلحاحي الشَّديد المتكرِّر.
ومرّةً كان لدي حوالي أوقية من الزبيب، والمشمش المجفَّف، وأوقية عسل، وما كنتُ أشتهي أكلَها ولا تقديمَها للضيوف، فقدَّمتُها له قائلًا: "هذه هدية مني لأطفالك تبَرُّكًا، وأنت ملزمٌ بقبولها"، فاستلمها مني، إلا أنه جاءني بعد ذلك بمقدار مكيالين من القمح المطحون، وهو عندي منذ أربعة أشهر لم ينفد بعدُ!
وبينما كانت حقيقة حال الرجل على هذا النحو، إذا بنا نسمع الظالمين يُشيعون أخبارًا عنه بأنه يعيش في ظلِّ سعيد! وهو أيضًا يقول بكمال الافتخار: "أجل، إنني تعلَّمتُ القناعة والاقتصاد في كنف أستاذي، وأعيش حياتي هانئًا سعيدًا، وأعدُّ كلام الناس بحقي خيرًا، إذ أُحصِّنُ نفسي به من الرياء، ويحملُني على الإخلاص".
وأنا بدوري قلت له: إنه خيرٌ في حقِّك، لكنه ضررٌ على خدمة القرآن، لذا استوجب الأمرُ أن أُعلِن حقيقةَ الحال حتى يعلم أهلُ البدعة جيدًا أن هؤلاء الأشخاص يعملون لوجه الله تعالى بغاية الإخلاص.
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 244 —
(فقرة خلوصي):
تلقَّيتُ اللمعتين الأولى والثانية من المكتوب الحادي والثلاثين مع المقام الأول للرمز الأول من المكتوب التاسع والعشرين، مؤرَّخًا عليهم (١٨ رجب)، وذلك في اليوم الأول من شهر شعبان، أي: بعد ثلاثة عشَرَ يومًا من تاريخ كتابته، ما يعني أننا إذا أضفنا إلى رقم (١٨ رجب) عدد (١٣) فسنحصل على (٣١)، وهذه إشارة غيبية إلى رقم هذا المكتوب الحادي والثلاثين.
ولبيانِ النفع الذي جنيتُه من هذا المكتوب، ألتمسُ منكم الإذن بأن أتحدَّث عن الفيض المعنوي الذي سبقه؛ وهو على النحو التالي:
في الليلة التي أُودع فيها هذا المكتوب في مكتب البريد، رأيتُ في عالم المنام حالة غريبة یی جعلها الله خيرًا یی: رأيتُ أن القمر طلع من بطن الأرض بسرعة، وبدأ يرتفع شاقوليًّا نحو السماوات ارتفاعًا سريعًا، ولم يظهر لخروجه أيُّ إضاءة أو أثر.. وكنت أُتابع هذا الأمر بصمت، ثم سمعت صوتًا غيبيًّا يقول لي: "لقد بدأت العلامة الكبرى"، وأثناء الارتفاع السريع للقمر وصل إلى حدٍّ بدأ معه يسطع ويكبر حجمه، وبات أكبر من البدر التامِّ بعدة مرات، وفي هذه اللحظة ظهر على سطحه شكلُ إنسان، وبعد مدة قصيرة اختفى هذا الشكل وغاب القمر وعمَّ الظلامُ الدامسُ أرجاءَ المعمورة.. التفتُّ إلى جهة المغرب فرأيت الشمسَ تطلُعُ من خطِّ الأفق بضياء خافت على ارتفاع رُمحٍ تقريبًا، ثم تحرَّكت لبعض الوقت وبسرعة عالية نحو الشمال وعلى مستوى خطِّ الأفق، وغابت بعدها؛ فعادت الظلمات من جديد.. وكنت محافظًا على برودة أعصابي، واستيقظت من النوم على أنَّ القيامة قد قامت.
وفي صباح هذه الليلة العجيبة تلقَّيتُ المؤلَّف المُحتويَ على اللمعتين الأولى والثانية من المكتوب الحادي والثلاثين وطالعتُه؛ وتفكَّرتُ في نفسي بما جرى معي ليلًا، فقلت: إن هذا المكتوب المبارك يعلِّمُني الدرس التالي: "إنك تركبُ سفينة عظيمة تُبحِر بك مسرعةً في عباب بحر الفضاء اللامتناهي، وإن القادر القيوم الذي يحرِّك هذه
— 245 —
السفينة بحركات عدة قد سخَّر لك أجسامًا عظيمة كالشمس التي تطلع وتغرب بشكل مُنتَظِم، وكالقمر الذي يصغر ويكبر ويأخذ وضعية التقويم السماوي، وإن إحدى هذه الكُرات عندما تتلقَّى أمر كُنْ فَيَكُونُ ستتداخل ملايين السيارات العظيمة ببعضها، وسيختلُّ نظام الكون، وسيتهدَّم كلُّ شيء، ويظهر سرُّ:
﴿ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. ﴾
وما دام الأمر كذلك، فانظر في قصر الكون هذا الذي يبدو متينًا وعاليًا ومزيَّنًا أكثر من أيِّ شيء، وتصوَّر أنه سوف ينهار فجأة ويتهدَّم ويُقضى على جميع ساكنيه، وتذكَّر أنك في فلَكِ هذه المخلوقات لا شيء يُذكر، ولا تنخدع وتُغرق قارب حياتك الصغير جدًّا في بحر عمرك القصير ذي الأمواج العاتية أمثالَ الجبال، واسْعَ للتخلص من مكائد نفسك الأمارة الأقرب إليك، والتي تسعى للقضاء على حياتك الأبدية.. ولأجل ذلك أنصحك بوسائط نجاة وشفاء وخلاص سهلة ورخيصة، وذات تأثير قطعي مجرَّب، من مثل:
لا إلٰه إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، و"ربِّ إني مسني الضر وأنت أرحم الرحمين،
وشعرتُ كأنه يقول لي: "اقرأ هذه الأدعية خاصّةً بين المغرب والعشاء ثلاثًا وثلاثين مرة، وواظِب عليها".
إن تعبير هذه الرؤيا الصغيرة يعود لأستاذي المحترم حسَبَ رغبته، إلا أنَّ طُولَ مُدّة حرماني هذه المرة قد أحزَنَني كثيرًا، وحاولتُ التحلِّيَ بالصبر، ولكن الأمر الغريب أنني في صبيحة اليوم الذي وصل فيه هذا المكتوب إلى مكتب بريدِ المنطقة، كنتُ قد أرسلتُ رسالةً صغيرة إلى أخي في الآخرة "حقي أفندي" أقول فيها: إنني أتجمَّلُ بالصبر مستمدًّا القوة من الأمر الإلٰهيّ الجليل: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ، لكن الطبيعة البشرية لا تسمح لي بالتخلُّص من القلق.
فبِتُّ على يقين أن اللمعة الثانية التي تشغل مقدِّمة هذا المكتوب المبارك، تضرب على رأسي وتنبِّهُني وتُوقظني قائلةً: أيها المسكين، هل يليقُ بك أن تتحدَّث عن الصبر؟ افتح عينيك وشاهد صبر سيِّدنا أيُّوبَ عليه السلام، فإن كان لديك مُسكةُ عقلٍ
— 246 —
فحاول أن تُقلِّد بطولة هذا النبي في الصبر، واجعل وِردَك الدائم:
ربِّ إني مسني الضر وأنت أرحم الرحمين
لعلَّك تتخلَّص من جراحك المعنوية الغائرة.. أدركتُ هذا وقلت: "الحمد لله".
إن الباب الأول من المقام الأول من الرمز الأول من القسم الثامن للمكتوب التاسع والعشرين يدور حول ثلاث مسائل توضِّحُ سِرًّا واحدًا فقط، وهذا السِّرُّ يتعلَّق بالتوافقات التي كشف عنها أستاذي العزيز الموقَّر، وهي من الأسرار الكثيرة المهمة المُودَعة في ثنايا سورة النصر الواقعة في آخر أجزاء القرآن الكريم الثلاثين، والذي هو أعظم المعجزات الأحمدية (ص)، والمعجزةُ الباقية يقينًا إلى قيام الساعة، وهي السورة رقم (١١٠) من بين (١١٤) سورة، ومع قلّة ألفاظها إلا أنها سامية وشاملة مقامًا ومعنًى؛ وقد أورثتني هذه المسائل الثلاث قناعة قطعية أن هنالك دلالة وإشارة في الآيات الثلاث لهذه السورة الصغيرة إلى ثلث القرآن، وفي تمامها إلى أجزائه الثلاثين، بل في كل حرف من حروفها إشارةٌ إلى سورة قرآنية.
تلك هي مشاعري وانطباعاتي حول هذا المكتوب المبارك، وقد سُرِرتُ كثيرًا بإخباركم لإخواني القريبين من منبع الفيض مادةً ومعنًى أن عباراتي التي أكتبها ذات فائدة، وذلك من قبيل فتح باب التشجيع لهم، وإخبارهم بأنَّهم مؤهَّلون أيضًا للعبور من هذا الباب باتجاه الداخل.
أستاذي الحبيب، الذين يتحابُّون في الله؛ والذين يأمُلون من صميم قلوبهم أن يحظوا بشرف خدمة القرآن، والذين يعلمون أن أعظم مصيبة هي تلك التي تكون في الدين، والذين يستشعرون من كل تصرُّف يومئ بالبدعة یی مهما كان مبهرجًا ورنَّانًا یی أنه هجومٌ على القرآن والإيمان.. نعم، إن هؤلاء يزدادون یی بحمد الله یی قربًا من مركز النبع ومصدر الفيض بحسب إخلاص نواياهم وصفاء قلوبهم وقوة إيمانهم، وبمدى ارتباطهم الوثيق بالقرآن.. وإنني بكل تأكيد أحمل ودًّا لأمثال هؤلاء من إخواني ذوي الأرواح السامية، والإخلاص الجادِّ، والإيمان المتين، وأتضرَّع إلى الله أن يجعلهم من
— 247 —
الشاكرين للأنعُم التي أضحوا مظهرًا لها، وأسألُهم الدعاءَ ما أمكن لأخيهم المسكين الذي سئم المعاصي، وقد غرق في غمار الدنيا، وهوى في غربة أليمة.
أُرسِلُ سلامي للجميع وخاصة من وردت أسماؤهم أمثال غالب وخسرو والحافظ علي وسليمان أفندي ورئيس ديوان النور الحافظ توفيق الشامي والحافظ أحمد المهاجر الذي أحزنني خبرُ مرضِه كثيرًا، وآمُل أن يكون قد استعاد عافيته، وأدعو لهم جميعًا.
خلوصي
٭٭٭
(فقرة صبري أفندي):
الأستاذ الجليل.. قرأتُ في الفقرة الأخيرة من مؤلَّفكم بيتًا شعريًّا للشّاه الگيلاني، يحملُ معانيَ غزيرة وشاملة، ويشيرُ بدلالةٍ معنوية إلى دلَّال الكتاب المبين، ويومئُ كذلك إلى مُنتسِبيه؛ فقلتُ دون تردُّد: "أجل، إن جميع أهل الحقِّ والحقيقة يوجِّهون مراياهم الكهربائية یی معنًى یی إلى "هيئة النور"، كما أن للقرآن العظيم الشأن والأحاديث النبوية أخبارًا بهذا الخصوص بشكل ظاهر أو خفي أو إشاريّ".
ووجدتُ أنك تخصُّ هذا العبد العاجز من بين هذه الزُّمرة النقية الصافية بمكانة تفوق حدَّه بمراحل، وتلقِّبه بی"خلوصي الثاني" وهو دونه بكثير، بل لا يحمل قابليةَ الارتقاء لهذا المقام، بل ولا هو شيء يُذكر.. وحقيقة الأمر أن هذا العبد العاجز الملقَّب بی"صبري" كثيرُ الذنوب جسيمُ الأخطاء، ولو نُظِر في صحيفة أعماله لَشُوهد ظلامٌ دامسٌ ومنفِّرٌ، ولَحُكِم حينها أن الشخص المشار إليه لهذه المكانة بالاسمِ، إنَّما يستحقُّها عمومُ الإخوةِ لِقاءَ ثباتِهم وصبرهم وتأنِّيهم، في حركاتهم وسائر أعمالهم، وليس هو المستحقَّ لها فقط.
إن تلكم الشخصيات التي أبرزت ما في خزائن القِيم والدُّرر من خبايا، وبذلت قصارى جهدها في هذا الزمان والمكان لمساعدة كشَّافها ومتحرِّيها، وعملت بكل
— 248 —
طاقتها دون أن تُظهِر أيَّ تشكُّك أو تردُّد في الحصول على هذه الكنوز الثَّمينة، وسَعَت بثمرة هذه المجهودات النفيسة وحيوية محصولاتها القيِّمة إلى ترغيب الناس بها وتشويقهم إليها وتنويرهم من خلالها؛ أجل، إن تلكم الشخصيات هي من تستحقُّ التقدير والتبريك.
أما خلوصي، فرغم أنه من مسلكٍ ومشرب مختلف، إلا أنَّه آثر هذا النبعَ على جميع الوظائف والخدمات بقوَّته التي استمدَّها من خطوات الشخصيات المباركة في الماضي أمثال الشاه الگيلاني والإمام الرباني والشاه النقشبندي؛ وأعلن بأعلى صوته وبلهفة كبيرة أنه على نهجِ دلَّالِ القرآن، في دلالة صريحةٍ وحُجّة واضحة وبرهانٍ جليٍّ أنه كان وسيكون مظهرَ فيضٍ عظيم.
وكذلك الأخُ سليمان أفندي، قد مدَّ يد العون ماديًّا ومعنويًّا، وقدَّم من الخدمات والتضحيات ما لا يَقوَى على مثله أحد، واشتغل بالدلالة على طريق السعادة الأبدية الخالصة وتكثير سالكيها، فإنه وفقَ مفهوم: "السَّببُ كالفاعل" لائقٌ ومستحقٌّ لشتَّى أنواع التقدير والتبريك.
أما هذا العبد المذنب فلا يمكن یی بكل أسف یی أن يُقاس بأولئك الرجال، ومع ذلك فلستُ أَرُدُّ هذه المَكرُمة ما دام أستاذنا المُبجَّل قد ارتضاها وتفضَّل بها، وأقبلُها من قبيل التحدُّث بالنعمة؛ وأتضرَّع إلى الحقِّ سبحانه أن يصلح صحيفة أعمالي، ويبدِّل سوادَ أعمالها بياضًا، وأتوجَّه إليه بصادق الرجاء أن يُدِيم توجُّهات أستاذي ومكرُماتِه.
صبري
٭٭٭
(فقرة أحمد خسرو):
أستاذي الحبيب.. قرأت مع إخواني وأصحابي الرسالة القيِّمة المشتملة على الإخبارات الغيبية التي تتوجَّه إلى خدَّام القرآن في هذا الزمان في قصيدة الغوث الأعظم الشيخ الگيلاني، أولِ الأقطاب الخمسة الأجلّاء؛ وسأقرؤها كلما سنحت لي الفرصة،
— 249 —
وقد حال تردِّي صحتي دون تقديم نسخة منها أو متابعة كتابة الموقف الأول والثاني للكلمة الثانية والثلاثين، فلم أكتب منهما سوى أربعِ أو خمسِ صفحات.
وبينما كنت أفكِّر بحسب الطاقة في العبارات الرقيقة ذات المعاني العميقة التي كتبها ذلك الشيخ الجليل بما ناله قبل ثمان مئة عام من المشاهدات والألطاف السبحانية، وبفضل التجليات العظيمة التي غدا مظهرًا لها وما أظهره من أهوالِ هذا الزمانِ، ولأهل الكشف والذوق الذين عاشوا ضمنَ هذه الحقبة.. تذكَّرتُ الماضيَ الذي غاب عن نظر أهل الغفلة وظل ماثلًا أمام أنظار أهل الحقيقة، وتجوَّلتُ خيالًا بفيض هذه الرسالة في تلك الحقبة الزمنية المديدة، بدءًا من جهادكم المعنوي بطلابكم المجاهدين المُضحِّين المُتحلِّقين حولكم، وبالمصائب التي تعرَّضتُم لها والألطاف الإلٰهيّة العظيمة التي نلتموها، مرورًا بالشاه الگيلاني، وصولًا إلى عصر السعادة؛ فتملَّكتني الحيرة والعَجَب أمام الحقيقة التي أعلنها ذلك الغوثُ الجليل قبل ثمان مئة عام!
إن ذلك الشيخ الجليل يتحدَّث مع مريدٍ له كسعيد القديم، ومع صاحب له في الدرس كسعيد الجديد، ولا يحجُب هذه المناجاةَ زمانٌ ولا مكانٌ تحت أيِّ ظرف، سواءٌ كان أحدُهم في الجهة المقابلة للأرض، أم في أبعد نقطة من السماوات، أم كان مودِّعًا للدنيا من زمن صفيِّ الله آدم عليه السلام.
وفي ختام هذه المحاورة، نجد أنك قد وقفتَ على هذه الأخبار الغيبية العجيبة قبل ثمانية أو عشرة أعوام، وتقوم اليوم بتعليمها لطلابك، وعرضِها لأصاحبك المتميزين في هذه الخدمة، منوِّهًا بطلابك أمثال خلوصي اللائق بالثناء من شتَّى الجوانب، وصبري المتواضع المؤهَّل لأن يكون رفيقًا لخلوصي، وكذا سُليمان وبكر آغا اللَّذانِ يجدّانِ ويجتهدان بهمّة وصدق في القيام بهذه الخدمة؛ كما أنك تُعرِّف مستندَ هذه الجماعة الصغيرة بالشخصيات الكبيرة ضمن الجماعات العظيمة؛ وبحديثك عن واقعة "هولاكو" في زمن الشيخ الگيلاني، تُخاطب المنافقين المرائين في هذا الزمان
— 250 —
وأسيادَهم قائلًا لهم: "قريبًا جدًّا ستنالون عقابكم على يدِ قهارٍ، ثأرًا للمظلومين"، وبعد أن تُثبتَ هذه الحقائق بتسعة أدلة أو عشرة، تعلنُ عنها بهذه الرسالة الشريفة.
أستاذي الحبيب، أُكرِّرُ ما قال خلوصي بك في إحدى فِقراته: إنك حين تُحلِّقُ بجناحَي العجز والفقر في الجادة النورانية التي سلَكْتَها بفيض القرآن، كم تُصادف من كراماتٍ خارقة، وتشاهدُ من حوادث عجيبة! ويعلم الله ما ستُشاهدُ من أمور أخرى؛ وإنك بمشاركتنا هذه العنايات الربانية تنصحُنا كلَّ حينٍ بالمزيد من الهمّة والجديَّة.
نعم أستاذي الحبيب، أمام هذا القَدْر من الإكرام الإلٰهيّ أَذرِفُ الدموع ويبكي قلبي لأنني لا أستطيع أن أقومَ بعبودية لائقةٍ، وأتضرَّعُ یی بالمقابل یی مُزجِيًا الحمدَ والشُّكرَ الدائم في ديوان الأحد الصمد، كما أدعو لأُستاذي الحبيب ولإخواني المضحِّين المُكرَمين أن يكتب لهم التوفيق والسَّلامة.
طالبكم المذنب: أحمد خسرو
٭٭٭
(فقرة رأفت بك):
سيِّدي وأستاذي الحبيب الموقَّر.. طالعتُ بذوق روحاني رفيعٍ ما وصَلَنا منكم من إخبارٍ غيبيٍّ للغوث الگيلاني، وهو بحقٍّ مسألةٌ مهمة، ومثيرةٌ للحيرة والعَجَب؛ ولقد استشعره طالبُكم الفقيرُ قبل زمنٍ طويل، إذ كان لدي اعتقادٌ جازم أنَّ لأستاذنا وظيفةً معنوية مُهِمّة تَخُصُّ هذا الزمان، لكنه لم يُفصِح عنها حتى هذا الوقت، وسبق أن تحدَّثتُ بهذا الأمر لبعض إخواني المُخلِصين.
في العام الماضي وجدتُ بين رسائلكم لصبري أفندي الفِقرةَ التالية: "يقول الإمام الرباني: سيأتي أحدهم في الأزمنة الأخيرة، ويَنشُر المسائل الإيمانية بصورة واضحة وصريحة ويعلنُ عنها. وحاشا أن يظنَّ أخوكم یی هذا اللاشيء یی أنَّه ذلك الشخص، ولستُ سوى جنديٍّ مِقدامٍ لدى ذلك الشخص العظيم.. إنك تَشَمُّ فيَّ
— 251 —
رائحة تلك الشخصية"، فقوَّت هذه الفقرة قناعتي السابقة، وأسرعتُ فرحًا إلى خسرو لأُحدِّثَه عنها، وغمَرَنا السرورُ بما أدركنا من مقام أستاذنا المعنويّ.
وحين تشرَّفتُ بزيارتكم قبل أربعة أو خمسة أشهر، سألتُكم بعض الأسئلة عن أستاذي، فأعطيتم إجاباتٍ عزَّزت قناعتي السابقة، ولم يكن يعلم بالأمر حينها سوى بضعة أشخاص، إلا أنَّه بانتشار هذه الرسالة اليوم سيَطَّلع عليها سائرُ طلابكم الخواصّ، وسعادتُنا بذلك لا توصف.
كنّا سابقًا نأسفُ لوجودنا في زمان ينتشر فيه الإلحاد كهذا الزمان، وربما بلغ الحزن بنا درجة اليأس، إلا أنه بوجود أستاذٍ لنا كفضيلتكم لم نَعُد نهابُ شيئًا، ولم يَعُد لليأس إلينا سبيلٌ؛ فأسألُ الله أن يطيل عمركم لنزداد انتفاعًا بما تُقرِئوننا من المؤلَّفات التي تحتوي على أذواق رفيعة.
وأودُّ أن أضيف أمرًا لو سمحتم: إن لكم وظيفة معنوية أخرى سامية، وسيأتي زمان تخبرون عنها بالرموز والإشارات القرآنية، (حاشية): إنها كرامة لفراسة رأفت. وستفوق ما أخبرتم به اليوم، وهي أيضًا محلُّ إعجاب ودهشة.
طالبكم الفقير: رأفت
٭٭٭
(فقرة رأفت بك):
مهما تحدَّثتُ عن اللمعات التي أرسلتمُوها مؤخَّرًا یی أمثال "منهاج السنة" یی فلن أُوفي حقَّها، إذ أَحيَت فينا حياة الجنان والسعادة الأخروية، وازدادت قيمةً وظهورًا كلما توالى انتشارُها.
فما الذي يُمكِنُني قولُه عن مؤلَّف صنَّفه شخص مبارك نال المدحَ والثناء من الشيخ الگيلاني؟! إنَّ حديثي عن هذه المؤلَّفات لن يعدوَ أن يكون مجرَّدَ كلماتٍ
— 252 —
متهافتة، وليس لي سوى إقرارِها مع غاية الإجلال والاستحسانِ والتقدير، وقراءتِها بتذوُّق وروحانيّة عاليةٍ.
غير أنِّي أضيفُ كلمةً فقط: نحن محظوظون جدًّا إن أدَّينا وظيفة عبوديَّتنا بالحمد والشكر للخالق ذي الجلال الذي دلَّنا في حقبة الضلالة على أستاذٍ فاضلٍ مثلِكم، وأرشدَنا لقراءةِ مؤلَّفاته القيِّمة الكاملة المُكمَّلة والمنقطعة النظير، وجعَلَنا نعيش أذواقًا معنويةً لا تنقضي.
طالبكم: رأفت
٭٭٭
(فقرة الحافظ علي):
أستاذي الحبيب الموقَّر.. لقد تلقَّيتُ الكرامات الغيبية العجيبة للشيخ الگيلاني قدس الله سره العالي، ولشدّة إعجابي شطَّت بي الأفكارُ بعيدًا، فلم أشعر إلا بضغطةٍ على مفتاح من شركة الكهرباء النُّوريّة التي أشرُف بالخدمة فيها، فورد ضياءٌ بقدر شمعة واحدة، وبدأتُ أتراءى بعضَ الأمور، وها أنا أسجِّلُ ما رأيتُه تمامًا، فما كان من قصور ونُقصان فمنِّي وبسببي.
أجل أستاذي، إن فخر العالم (ص) هو البِذرة الحيّة لشجرة الكون المباركة، وأغصانُها الأنبياء والمرسلون، وثمّة علاقة قطعية بين أصل الغصن وفرعِه، ولهذا السِّرِّ تساءل سيِّدُنا آدمُ صفيُّ الله عن النور المحمديِّ الذي استشعره: "يارب، ما هذه العلامة التي على جبيني؟"، فخاطبه الحقُّ سبحانه: "تسبيحُ نورِ محمد عليه الصلاة والسلام".
وقد بشَّرَت كتبُ الأولين بی"شاه لولاك" الذي باتَ وسيلةً لخلق العالم، وذكَرَته بأوصافه وأصحابه، ممّا يَدُلُّ على أنه سيُبعَث بكتاب جامع لعلوم الأوَّلين والآخِرين، وسيغدو رُوحَ هذا العالَم، وسيجمع في فطرته محاسنَ جميع الكون، فكانت بِعثتُه مُترقَّبةً ترقُّبَ الشمس بعد طلوع الفجر.
— 253 —
لقد نزل "الفرقانُ المبين" الفِهرِسُ الأقدسُ لكتابِ الكون من العرش الأعظم، ومن المراتب العظمى للأسماء الحسنى، فجذوره في منازل العرش الأعظم، وجِذعُه في صدر فخر العالمين (ص)، وأغصانه في كل صحيفة من صحائف كتاب الكون المحيط بسائر وجه الأرض، والمتجلِّي في كلِّ جزء من أجزائها، لذا تقفُ على ارتباطٍ ظاهرٍ بين ألفاظ الجلالة وألفاظ القرآن وألفاظ الرسول الأكرم (ص) الواردة فيه، ويشير كلٌّ منها إلى الآخر، ويُصدِّقُ كلٌّ حُكمَ الآخَر.
وكان حضرة الشيخ الگيلانِيِّ قدِّس سِرُّه أحدَ مظاهر تلك الأسماء بما انطوت عليه من أسرار، وأحدَ مظاهر ألطاف الخالق وجلَوات اللوح المحفوظ، فشاهَد بفيضِ تلك المظاهر والجلوات خادمًا للقرآن يُوافق منهجَه بعد ثمانية عصور، فأخبر عنه مُصادِقًا عليه، ما يُؤكِّد أنَّ الأمرَ حقٌّ وعينُ الحقيقة.
أجل، إن حضرة الشيخ أَرهَب سلاطين زمانه بجلالة الخدمة القرآنية التي تصدَّر للقيام بها، ووقف إجلالًا لتلألُؤِ الأنوار المحمدية بين جوانحه جميعُ الأولياء المستمدِّين من ضياء هذه الأنوار، ولم يجرُؤ على انتقاده بشيءٍ أحدٌ من أهل المشارب الإسلامية أو حتى غيرها؛ ما يُثبِت بدرجةِ عين اليقين أنَّ الجادّة المحمدية خاليةٌ من الكدر، وأن ليس في حقائق النور المحمديّ عليه الصلاة والسلام من ظلٍّ.
وكذلك كان أمرُ خادم القرآن في القرن الرابع عشر، فقد انطلق بدءًا من التاسعة من عمره حتى سنِّ الستِّين في مباشرة الخدمة باسم القرآن وحده، ولم يَحنِ رأسَه أمام أعتى قادة هذا الزمان جبروتًا، بل لقد أقام الحجةَ على أكثرِ الدُّولِ الأوروبِّية تقدُّمًا وتطوُّرًا في العلوم والفنون في القرن الرابع عشر، وذلك من خلال رسائل النور المنقطعة النظير؛ والنابعة من ترياق الزمزم القرآني، فقدَّمت مقابل سموم أوروبا ترياقًا لا في القوارير، بل كالأنهار الجارية، رافعةً كلمةَ الله عاليًا، منكِّسةً حصونَ أوروبا رأسًا على عقب، ومنوِّرةً وجه السماء وجِهاتِ الدنيا الستَّ، ومداويةً لجراحات أهل
— 254 —
الإيمان مثلَما حصل لسيِّدنا أيُّوبَ عليه السلام، فحوَّلت شيخوخةَ شيوخهم شبابًا متوقِّدًا، وأعادت شبابَهم أبرياء أطهارًا، ووهبتهم الحياة من جديد..
وبناءً على ما تقدَّم يمكنني القول: ليس الأمرُ مقتصِرًا على ما ناله خادمُ القرآنِ ورسائلِ النور من بشارةِ الشيخ منذ القرن السادس حتى القرن الرابعَ عشَرَ، بل يُضافُ إليه ما ناله من إشارات الكتب السماوية السابقة رمزًا، وإلى مقام القرآن الكريم صراحةً؛ وإنَّ نيلَ هذا الشرف علامةٌ على قبول هذه الوظيفة وتنويهٌ بأهمِّيتها، لذا أظهرها الحقُّ سبحانه قبل مدة زمنية طويلة، فتراكَمَت قوةٌ معنوية عظيمة منذ ذلك الزمان، بدءًا من مبعوث العالم وصفوة بني آدم عليه الصلاة السلام ومن الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، مرورًا بالأقطاب والأولياء.. لذا من البديهي أن يَعجِزَ بُكْمانُ هذا العصر وعُمْيانُه عن أن ينطقوا ببنتِ شفةٍ حيالَها، بل بديهيٌّ أيضًا أن ترتعد منها فرائصُ أكثر نماردة الدنيا وفراعنتها جبروتًا وظلمًا.
أسأل الحقَّ سبحانه أن يزيد إلى يوم القيامة من أمثال الأفاضل الذين ضحَّوا ويُضحُّون بحياتهم في سبيل اتِّساع دائرة الأنوار القرآنية، وفي سبيل نشرها وإيصالها لأيدي أهل الإيمان المجتمعين تحت لواء "لا إلٰه إلا الله، محمد رسول الله".. آمين آمين، بحرمة سيد المرسلين.
أستاذي الحبيب، أرجو أن تتقبَّلوا مني رسالتي المُبتَّرة، وتنظروا إليها بعين العفو والغفران.. أُقبِّلُ أيديكم وأدعو ليل نهار: "اللهم ارضَ عن أُستاذي الذي أضاءَ حياتنا وحياة الجميع".
طالبكم المذنب: علي
٭٭٭
— 255 —
(فقرة خلوصي):
سيدي وأستاذي العزيز المحترم.. تلقَّيتُ هذا الأسبوع ما أرسله أخي في الآخرة خسرو بك یی بناءً على توجيهاتكم یی من الأوامرِ الحكيمة المنوَّرة، الممتعة المؤثِّرة، ذات المعاني الغزيرة المحيِّرة، الموسومة بی"إخبارٌ غيبي مُهِمّ"، بما تضمَّنته من معانٍ قيِّمة تشرح الأفئدة وتلفت الأنظار وتحيِّر الأفكار.
وإني إذ أحمد الفياض المطلق سبحانه وأشكره على فضله، أدعو لأستاذي الشفوقِ إذ لم يُلقِ بالًا لأمراضِ قلبي ولأَدائي المُخجِل، وأكرِّر على الدوام:
اللّهُمَّ حَصِّل مُرَادَنَا ومَقصُودَ أُستاذِنا سَعِيدٍ النُّورْسِيِّ، بحُرمةِ حَبِيبِك مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ صَلَّى اللّٰهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وصَحبِهِ وسَلَّمَ.. آمينَ
إن الإخبار الغيبيَّ المعنوي المُدرَج في مؤلَّفات الغوث الأعظم الشاه الگيلاني (قدَّس الله سرَّه العالي) قد أَدخَل هذا المسكينَ في حالة أجدُني عاجزًا عن وصفها، فإزاءَ ما انطوت عليه من العظمة والجلالة والروحانية صِرتُ أشبهَ بكُرةِ عجين في قبضة عاجِنها! وبِتُّ حائرَ الفكر مُختلَّ التوازن، فكأنني ميِّت متحرِّك، إذ أنا منذُ عدّةِ أيام مقبلٌ بذهني وجميعِ حواسِّي على هذا المؤلَّف المُبهِر! وبينما أنا في هذه الحالة ورد إلى قلبي وقلمي یی بما يفوق قابليتي یی بعضُ الأبيات، ولم أتمكَّن من تصحيحِها وفقَ الأوزان الشعرية، وها أنا أكتبها مُلتمِسًا عفوَ أستاذي الشَّفوق، مُحيلًا تقويمَها إليه وإلى إخواني المُعتصِمين بحبل الله تعالى.
انظر يا خلوصي إلى هذا الإخبار الغيبي
وشاهد ماذا أظهر أستاذي
لقد طلب الفأل من كتاب سنان..
وقد أبرز الكرامة حقًّا..
بين "أُمِّي عليم" و"سِنان أُمِّي"
تطابقٌ في الحساب الأبجدي
— 256 —
يشاهد إن نظر بهذه الطريقة..
المناسبة التامة مع أسماء الأستاذ..
إن الأستاذ خادم القرآن بحقِّه
ويكفي لإثباته هذا التوافق
إن هذه الشخصية ذات علم بأسرار عجيبة..
نبشر إخواننا بهذا الخبر..
لقد شاهد قبل ثمان مئة عام
خادمَ القرآن بديعَ الزمان
حبيبُ الله والغوثُ الأعظم..
سلطانُ الأولياء الشاهُ الگيلاني..
إن أستاذك بحسن ظنٍّ عظيم
يَعُدُّك خادمًا للقرآن
اُسجد لله شاكرًا وقل يا خلوصي..
إلٰهي أنت ربي وأنا العبد..
وفِّق عبدك العاجز هذا
وشرِّفه في خدمة القرآن
لا تفرِّقه من حزب القرآن إلى الأبد..
وارحم عبدك المذنبَ هذا..
ارضَ عن أستاذي سعيد النُّورْسِيّ
بحرمة حبيبك الراضي المرضي
سلطان الأولياء عبد القادر..
لا تحرمنا من همَّته يا إلٰهي..
— 257 —
إظهار الإخبار الغيبي
كنت أرغب أن أكتب تاريخه
لله الحمد والشكر مئات الآلاف المرات يا خلوصي..
أن منلا سعيد النُّورْسِيّ أستاذٌ لك..
أخوكم الأخروي: خلوصي
٭٭٭
(رؤية مهمة من مسعود، صاحب القلم ذي الكرامات):
سيدي وأستاذي المحترم الفاضل الرفيع القدر..
لا يمكنني أن أكتب لكم ما لم يكن هنالك سنوحات، لأن هدفي الأساسي هو إتمام الأنوار، ولذا أجتهد في الكتابة بالسرعة القصوى حتى أُنهيَها قبل الموعد المحدَّد، لذا لا أستطيع أن أُعبِّر عن الفيض الذي أنالُه من الأنوار.
في اليوم الذي فارقكم فيه خسرو أفندي كنت قادمًا لزيارتكم، فالتقينا على مشارف قرية "بدَرَه"، فطلب مني الرجوع شارحًا الأسباب، فعُدنا معًا إلى القرية، وانتابني الحزنُ الشديد لذلك، حتى إنني لزمتُ المنزلَ يومين متتاليين ولم أغادره، وحاولتُ تسلية نفسي عن حزنها بالانشغال بكتابة الأنوار.
وفي الليلة التالية ليوم عودتنا اشتغلت بالكتابة حتى الساعة العاشرة والنصف، وبعد أن تناولتُ طعام السحور نمتُ مهمومًا حزينًا، فرأيتُ في المنام أننا سافرنا بصحبتكم إلى المدينة المنورة، وحينما دخلنا باب الحرم الشريف ظهر أمامنا قبر السعادة، وداخل القبر نبيُّنا (ص) متَّجِهًا نحو باب السلام، وكنتُ أركضُ خلفكم لنبلُغَ معًا، فكنتُ خلفكم بخطوة واحدة.
— 258 —
وحين وصلنا كان الرسول (ص) جالسًا على ركبتيه ملتفتًا نحو الجهة التي دخلنا منها كالتفاتِ الإمام حينما يفرغ من الصلاة، فجلستم أستاذَنا على ركبتيكم، وجلستُ كذلك على ركبتيَّ خلفكم على بُعدِ خطوة منكم، فتحدَّثُتم مع الرسول الأكرم (ص) مدّةً من الزمن؛ ولمّا دقَّقتُ النظرَ في مُحيّاه (ص) وجدتُ جبينَه المبارك كالشمس الساطعة، وسائرَ وجهه حنطيَّ اللون، نعم، رأيت هذا الأمر عِيانًا، فلم أفهم ما كان يدور بينكم من حديث.. وأُحيلُ أمرَ تفسير هذه الرؤيا إلى أستاذي الأكرم.. غير أني استطعتُ بفكري القاصر أن أهدِّئَ روع قلبي قائلًا له: "ومن أنت؟! لقد شكا الأستاذ لصاحب الشريعة (ص) ومرجع الإسلام اعتداء الظالمين على الإسلام".
مسعود
٭٭٭
(فقرة مصطفى الصغير وزيرزاده):
أستاذي الحبيب، يا مَظهَر الأنوار وناشرها..
لقد أكرم الحقُّ سبحانه هذا الوطنَ بك كي تُنقِذ الأرواح الماضيةَ في تيّار الضلالة بفضل الأنوار التي تنشرها، فلو سجدنا شكرًا للحقِّ سبحانه ليلَ نهارَ لَما أدَّينا حقَّ هذه النعمة.
أستاذي، إنني رجل أُمِّيّ، لا أمتلكُ من المعلومات ما يؤهِّلني للتعبير عن أحاسيسي تجاه رسائل النور كسائر إخواني، إلا أنني سأسعى بإذن الله لِلَّحاقِ بإخواني في ميدان المحبة والصداقة والارتباط الروحي؛ وبدلًا من لساني الذي لا يمكنه التعبيرُ عن مُراده في عالم اليقظة، سأتحدَّث إليكم بلسان روحي عمّا جرى معي في عالم المنام من وقائع لم أفهم ماهيَّتها، إلا أنها تدلُّ على ارتباطي الوثيق بكم:
الواقعة الأولى: قبل عام ونصف ذهبت إلى قرية تبعُد مسيرةَ يومين لأجل التجارة، فبان لي آنذاك الوجهُ الحقيقيُّ للدنيا، وبدأتُ أشعر بكُرهِها والنفورِ منها
— 259 —
لأنها بمثابة السِّجن ولأنَّ مصيرَها الفناءُ، فطلبتُ من الحقِّ سبحانه أن يَدُلَّني إلى أستاذٍ يُرشدني السَّبيلَ إلى العالَم الباقي، وقلت: "إنني أتعهَّد إن لقيتُ أستاذًا كهذا أن أكون خادمًا له".
وبينما أنا في هذه الحالة وهذا التضرُّع، رأيتُك في تلك الليلة فيما يراه النائم تقطُنُ مدينةً جميلة مزيَّنة لا أعرفها، وتمتطي فرسًا جميلةً لا مثيلَ لها، وتحلِّق به في سماء المدينة على ارتفاع خمسة أو ستة أمتار، متَّجِهًا من الغرب إلى الشرق، فوَقَفنا لأجل تحيَّتِك والسلام عليك، فما كان منك إلا أن بادرتَنا بالسلام وإلقاءِ التحية.. ثم استيقظتُ على إثرِها، وأخذتُ أُردِّدُ الشهادة، وشكرتُ الله لأني سألتقي الأستاذ الذي أطلبُه وأبحث عنه، ثم حظيتُ بزيارتك ولقائك بعد شهرين.
الواقعة الثانية: رأيتُ في الحُلُم أننا في مدينة تضمُّ الكثيرَ من الجنود والذَّخائر، وكنّا نحن أيضًا من بين أولئك الجنود، فقلت: "يا ربِّ، من قائد هؤلاء الجنود؟"، وبينما أنا أدعو إذ ظهر أمامي قصرٌ مرتفع، فدخلتُه لأتعرَّف القائدَ، فرأيتُ نهرًا برّاقًا، فسِرتُ على طول النهر ووجدتُه يتشعَّب إلى روافد، فتابعتُ السير حتى بلغت منبعَه، ورأيتُ قائد الجُند وصاحبَ هذه الأنهار، نعم، شاهدتُ أستاذي على رأس ذلك النبع وهو يصلِّي برجُلَين، فتوضأتُ من ماء النهر والتحقتُ بالمُصلِّين.. ثم استيقظتُ وقلبي يَنبِض بسرعة، ولساني يُردِّد كلمة الشهادة، وحمدتُ الحقَّ سبحانه أن دلَّنا على أستاذنا.
خادمكم وطالبكم: مصطفى
٭٭٭
— 260 —
(فقرة خلوصي بك):
أحمد الكريم الرحيم، الباقي ذا الجلال، وأشكره مئاتِ آلاف المرات، أن غدوتُ یی من جديد یی مظهرًا لِلُطفٍ إلٰهيٍّ عظيم بإضافتكم للَّمعتين الثالثة والسابعة من المكتوب الحادي والثلاثين إلى خزينة المكتوبات، وقد قرأتُها هذا الأسبوعَ مع الأحباب بغاية الاشتياق؛ وأدعو الله ضارعًا أن يجعل أستاذي الحبيب مَظهَرًا لرضاه الصمداني، ويكتب له طول العمر ودوام التوفيق، والشمول والاتِّساع في وظيفته المعنوية.
تقولون بأنكم تأمُلون من هذا المسكين المذنب الكثيرَ من الدعاء، ومن غير المُمكنِ أن ألتجِئَ إلى ذلك الديوان الرفيع بغير دلالة أنوار القرآن الذي آمنت بأن حُكمَه وإعجازَه باقٍ حتى قيام السّاعة، وأنه أعظم معجزات فخرِ العالمين وحبيب رب العالمين وسيِّدِ المرسلين (ص)، جاعلًا اسمَ أستاذي المبارك وسيلةً للقبول. فهل يُعقَل وأنا أمرِّغ وجهي في هذه العتبة ألّا أدعوَ: "ربِّ ارضَ عن أستاذي سعيد النُّورْسِيّ وبلِّغه مُرادَه في الدّارَين"؟! كلا لا يُمكن! فهذا الأمر یی بكلِّ صدق یی وظيفةٌ في أعناقِنا، ووسيلتُنا لإجابة الدعاء.
أستاذي العزيز، إن رُوحَ صديقكم الضعيفِ هذا لا يمكنُها الاستغناءُ عن كنف الشفقة التي تحظى بها من فيض رُوحِكم السّامية، إنْ في الحياة الفانية أو حتى الباقية السرمدية، بل لا يمكنُ لأحد أن يفعلَ ذلك.
أجل، لا يمكن أن ننكر أنه بين تقلبات هذه الحياة الفانية ومشاغبها، لا تتمكن الحواسُّ واللطائف أن تتوجه في كل آن إلى المرايا التي تشتاقُها، إلا أنها بمجرَّد التفرُّغ من تلكم المشاغل، تجدُ النور قد توجَّه إليها مجدَّدًا بغاية الهيبة؛ ولستُ أشعر بألم الفراق في هذا الوقت، كما أن اختلاف الأماكن لم يَعُد يحزنني كثيرًا.
يوافقُ وصولُ اللمعة الثالثة والسابعة إلى مكتب بريد هذه المنطقة اليومَ الحاديَ عشرَ من شهر رمضان، فتكون كلُّ لَمعة قد أخذت يومًا من أول هذا الشهر المبارك حتى يومه العاشر إن لم نَحسُب يوم بقائه في مكتب البريد، وتكون قد بلغت مكانها
— 261 —
المنشود في العشرِ الأُول من رمضان الذي "أوَّله رحمة"، فقد وصلت في اليوم العاشر تمامًا بحَسَب تقويم دائرة الإفتاء..
كما أنني تلقَّيتُ اللَّمعة الرابعة والثامنة في اليوم الرابعَ عشرَ من شهر المغفرة هذا، ما يعني أنَّ كل لمعة من هذا المؤلف المبارك تأخذ أيضًا يومًا من شهر رمضان باعتبار وصول البريد قبل يوم وبقائه في المكتب يومًا، أو إن عدَّ في المقام الأول لِتَصِل مكانها المقصود، مما يشيرُ صراحةً إلى أنَّ هذا العدد لم يأتِ عبثًا، وأنها ستبلغ أجلَها المقصود في العشر الثاني من شهر رمضان المبارك الذي "أوسطه مغفرة".
لقد أظهرت هذه المؤلَّفات المباركة لهذا المسكين یی بمحضِ عناية إلٰهيّة یی جميعَ هذه الحقائق المنيرة البارزة للعِيان كالشمس التي يَضرِبُ عيني شُعاعُها في هذه اللحظة؛ وإنني على يقين أن إخواننا في حزب القرآن من الحفظة الصادقين المخلصين الصالحين، والمُقرَّبين مادةً ومعنًى یی قُربَ الزُّهرة وعُطارد یی من مطلِعِ الأنوار المُشرقة على الدوام، سوف يُدركون الكثير من أسرارها بحول الله تعالى.
وما دامت أحاسيس أخيهم العاجز تعبِّرُ عن مشاعرهم اللائقة القيمة ذات المعاني الجليلة تجاهَ هذه المؤلَّفات المباركة مع أنَّه أشدُّهم بُعدًا عن مركز الفيض، فأسأل الله أن يتقبَّل هذا العملَ في جملةِ خدمة القرآن.
وأودُّ هنا أن أغتنم حضورَكم لأخاطبَ إخواني ببعض الكلمات:
إخواني، إن اشتغال هذا المسكين بالأنوار يمكن تصنيفُه على ثلاث مراحل:
الأُولى: الاستفادة الشخصية من خلال نسخي لتلك المؤلَّفات التي كتب الله لها الانتشارَ، منذ أن نِلتُ شرفَ اللِّقاء الأول بحضرة أستاذي.
الثانية: الامتثالُ لأوامر أستاذي الموقَّر ببيانِ مدى تأثير الكلمات بين شتى طبقات المجتمع، وهل فيها ما يحتملُ النقد أو يستدعي التصحيح؟ أو يمكن أن تُثير الاعتراضَ بحسب فهمي القاصر ونظري الكليل؛ وكذلك الاغتنامُ لفرصة قراءة
— 262 —
مؤلَّفات النور بكمال العشق وتحت تأثير معنوي غير إراديّ، وذلك كي أُفيدَ إخواني في الدِّين، وأَلفِتَ أنظارهم إلى هذه الأنوار، وأقدِّمها بلسمًا لجراحهم القلبية والمعنوية.
الثالثة: الاستجابةُ لرغبة أستاذي العزيز الشفوق بتدوين أحاسيسي حول المؤلَّفات النورانية كما لا يخفى عليكم، والتي تنتشر أجزاؤها بشكل مميَّز، وبكل لطافة وبلاغة، وسهولة وثبات، وبما يُحيِّر العقول والألباب.. وكذا عرضُ بعض الشُّبُهات أو الإشكالات المتعلِّقة بالقرآن باسمي شخصيًّا أو باسم الإخوة إلى مقام الفيض (أي: الأستاذ)، بهدف حلِّها وخدمةِ السائل واستفادة سائر إخواني الآخرين.
وأرجو منكم ألّا تَعتدُّوا كثيرًا بالخدمة التي يؤدِّيها هذا المسكين، والتي لا تعدو أن تشكِّل قطرةً من البحر، لأني بكلِّ أسفٍ أعرف جيِّدًا عدمَ كفاءتي لذلك؛ ولولا الأمل العظيم الذي تبثُّه الآية: لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ لكنتُ أُصِبتُ بالجنون بسبب ذنوبي المتواصلة.
وما دام الأمر كذلك، فأرجو منكم رجاءً خاصًّا یی إخواني الأعزاء یی أن تَدْعُوا بالخير لأخيكم، فلربما ظهر منه بعض المحاسن والمكرمات بشرف انتسابه إلى الخدمة القرآنية، وباعتبارها نابعةً من حسن القرآن ولطافة الأنوار النابعة من عين الكوثر، كما تفضَّل أستاذي الحبيب.
منذ صغري والكذبُ أبغضُ شيءٍ عندي ولله الحمدُ، لذا يمكن أن تكونوا مطمئنِّي البال بأنِّي لا أتحدَّث إلّا بالحقيقة حين أقول: إنَّه لا اختيارَ ولا صدفةَ في المراحل الثلاث التي ذكرتُها، بل كانت موجَّهةً بتقدير إلٰهيٍّ وبيدٍ غيبيّةٍ.
فأمّا ما يتعلق بالتقدير الإلٰهيّ فمستغنٍ عن البيان والتوضيح، وأما اليد الغيبيّة فقد تبيَّنَ لنا في الرسالة الأخيرة أنَّ المقصود بها الغوثُ الأعظم وسلطانُ الأولياء والبازُ الأشهبُ السيِّد عبدُ القادر الگيلاني قدَّس الله سِرَّه العالي؛ وهنا أُحبُّ أن أضيف أمرًا آخر مُلتمسًا عفوَ أستاذي الموقَّر: إن كرامة الغوث الأعظم الغيبية تُشيرُ صراحةً إلى أستاذنا سعيدٍ النُّورْسِيّ، فبالنظر إلى مجمل سيرته وحياته منذ نعومة أظفاره حتى
— 263 —
اليوم، نجد أن هذه الشخصية إنما وُجدت لخدمة القرآن والإيمان، لذا أصبح مظهرًا لتلك الإشارات المبهرة..
وإنَّنا نحن المساكين إذا ما تحلَّقنا حول هذه الشمعة المضيئة، فلا ريب أننا سنغدو باسم الحزب القرآنيّ مظهرًا لهِمّة الغوث الأعظم ودَعَواته، ولشفاعة جدِّه نبيِّنا محمَّد (ص) ومناشدته، ولعفو مُنزِّل القرآن جل جلاله وكفايته.. وأسأل الله أن يحفظنا جميعًا.. آمين.
وأمّا لو أعرضنا بشكل كلِّيٍّ عن هذه الخدمة التي هي سبيلُ نجاتِنا في الدّارَين، فلنعلم حينها أن هلاكنا قادمٌ ومحقَّق ما دُمنا معرَّضين للغواية ولا نملك بأيدينا صكَّ مغفرة؛ لذا فإن هذه البشارة الغيبية التي يزفُّها إلينا أستاذُنا من نَبعِه الفيّاضِ بغاية الشفقة، ينبغي أن تشجِّعنا على المزيدِ من السَّعي والشُّكر؛ وعلى حسن الاقتداء بأستاذنا الذي أبدى فناءً ساميًا عن نفسِه رغم التصريح باسمه.
ومن جملة توجيهاته كذلك: "إننا موظَّفون ومكلَّفون بالخدمة، وليس بالنظر إلى النتيجة"، وأملنا ورجاؤنا بالله ذي الجلال الذي جمَعَنا ووَحَّد بيننا في العمل ضمن هذه الخدمة، أن يجمَعَنا يوم المحشر تحت اللواء المحمدي (ص).
اللَّهمَّ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
واسمحوا لي أن أعود إلى صلب الموضوع:
إن ما جاء في تفسير الآيات الثلاث الجليلة التي تشكِّل أساس اللَّمعة السابعة للمكتوب الحادي والثلاثين أمرٌ في غاية الإعجاز، خصوصًا ما ورد في الوجه الثاني والإخبار الغيبي الثاني للوجه السابع ممّا لم يُسمَع به من قبلُ!
أما اللَّمعة الثالثة من هذا المكتوب، فاقتبَسَتِ الفيضَ العظيم من حقيقتين تعبِّرُ عنهما جُمَلُ: «يا باقي أنت الباقي.. يا باقي أنت الباقي..» ، والتي تُعَدُّ بدَورِها تفسيرًا للآية: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
— 264 —
وممّا يلفتُ النظر أن هذا المؤلَّف المبارك يبتدِئُ بالآية الجليلة: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ، فكأنه يُنبِّه بطريق الإشارة إلى رُؤياي التي أُرِيتُها في المنام قائلًا: إن القمر الذي شاهدتَه في رؤياك قد انشقَّ بإذن الحقِّ سبحانه، وبإشارةِ أصبعٍ من صاحبِ الرُّؤيا التي تتحدَّث عنها هذه الآية، وهو فخرُ العالمين (ص)؛ وأمّا الشمس فقد توقَّفَت لأجلِه (ص) عن الحركة لمُدّة ساعة یی كما جاء مُوضَّحًا في المكتوب التاسع عشر یی فيُذكِّر بأمثال هذه المعجزات قائلًا: "أيُّها الغافلُ، اتَّبع السُّنة".
وكأن هذا التفسير الباهر الذي عرَضَتْه هذه اللَّمعةُ للآية الجليلة: لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ، جاء جوابًا لطيفًا وبديعًا لرسالتي التي ختمتُها بهذه الآية، وتحدَّثتُ فيها عن هذه الرؤيا، وعن اللَّمعة الأولى والثانية للمكتوب الحادي والثلاثين، والمقام الأول للرمز الأول للمكتوب التاسع والعشرين، وما انطوت عليه من فيوضات دفّاقة دفَعَتني للكتابة بشكل لا إراديّ.
ومن اللائق جدًّا اطلاقُ اسم "منهاج السنة" على المقام الأوَّل للَّمعة الرابعة من المكتوب الحادي والثلاثين.
أمّا النُّكتة الأولى: ففضلًا عن أنها تُبيِّن مدى شفقة الرسول الأكرم (ص) بأُمَّته، وأنه بحقٍّ شفيعُ المُذنبين، فهي تذكِّر أيضًا ببيتٍ من شعر سليمان أفندي القائل في المولد الشريف:
ينادي "أمتي" مذ كان طفلًا وتهجر أنت سُنَّته كبيرَا
وبتذكيرها هذا تُرشدُ أُمَّته إلى أهمية سُنَّته ولزوم اتِّباعها.
وأمّا النُّكتة الثانية: فتتحدَّث بشكل أخَّاذ لا يمكنها معه أن تكون من نتاج الفكر البشري، أن النبيَّ (ص) قد شاهد بنظر النبوة أنَّ نَسْلَه المبارك سيظلُّ حتى قيام الساعة منحصرًا في ذرية سيِّدنا الحسن وسيِّدنا الحُسين رضي الله عنهما، وأنَّه سيظهر من نسلِهما عددٌ
— 265 —
كبيرٌ من الشَّخصياتِ المُباركةِ، فلأجل ذلك خصَّ سِبطَيه ببالغِ الشَّفقة، باسمِ جميع تلك الشخصيات النورانية الأخرى.
وتشيرُ النُّكتة الثالثة إلى مقامِ المحبّة لآل البيتِ الثّابتِ بالنَّص القاطع وصريح الأحاديث النبوية، وتدعو إلى النهوض بهذا التكليف الذي هو جزء أساسيٌّ من الدِّين الإسلامي الذي رأسُ أمرِه كتابُ الله على مرِّ الزمان.
و النُّكتة الرابعة درسٌ يحمل من الحُجَجِ القاطعة ما يكفي لإلزام الشِّيعة وإسكاتهم، كما تدعو هذه النكتة جميع المؤمنين إلى الوحدة تطبيقًا للأمر الجليل:
وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا، وفي خاتمتها إجمالٌ للغاية المرجوّة من هذا الدرس الشامل.
وقد قرأتُ مرارًا الرُّموزَ التي تؤيِّد إشارات الكرامات الغوثية، وزادتني هذه البشارات حمدًا وشكرًا.. وأمّا فقرة "علي أفندي الزنبيلي" فأعجَبَتني للغاية، إذ كانت موافقةً للحال كثيرًا، وجاءت في موضعها من قَبِيلِ: خِتَامُهُ مِسْكٌ
أجل، تتفتَّح في البستان القرآني في كلِّ زمان أزهارُ جنانٍ حقيقية بألوانها المتنوِّعة وتأثيراتها المختلفة ولطافتها المتفاوتة.. فأسأل الله وأتضرَّع إليه أن يكتب السلامة والسعادة في الدارين لبلبل هذه الحقائق المُزهِرة، ولأصحابه المُنصِتين والمقبلين على تغريداته التي تسلُبُ الألباب.
وفي بيتِ شعرٍ مطابق لهذا التوقيت يقول أحدُ الشعراء:
لقد بتنا في فصل ربيع.. نجد فيه حال العالم
بلبله ساكت، حوضه.. جافّ، حدائقه مدمَّرة
وأنا أقول:
لقد بتنا في زمن بدع.. نجد فيه حال الإسلام
قد بقي بلبل واحد له.. وحديقة واحدة للقرآن
— 266 —
لم أتمكَّن من قراءة الكراماتِ الغَوثيّة لأحدٍ حتى الآن، وما ورد فيها من الحديثِ عن هذا المسكين يدفعُني للتوقُّف عن قراءتها، فينقضي شهرُ رمضان المبارك سريعًا وكأنَّه يريد التخلُّصَ من أيدي العصاة الذين لا يَقْدُرُون قَدْرَه. (حاشية): من الغريب جدًّا أنني كررت كلمات خلوصي هذه ربما عشرين مرة، ويشهد على ذلك أصحابي كسليمان؛ ما يعني أن هنالك حقيقة أنطقتنا كلينا بهذا معًا. (سعيد)
كما أنَّ الإمامَ عمر أفندي حزن مثلي كثيرًا في السنة الماضية لوصول مؤلَّف "حِكَم رمضان" بعدَ انقضاء الشهرِ، أمّا في هذه السنة فقد تناولَ في خُطبة الجمعة الأولى من شهر رمضان بعضًا من الحِكَم الرمضانية العظيمةِ والتي تُعَدُّ بالمئات، وبحضور مئاتِ الأفراد من الجماعة وكنت من بينهم، وفي تلك اللحظات انتابني من أحاسيس الشكر والامتنان ما لا يمكن وصفُه أو التعبيرُ عنه، فالحمد لله، هذا من فضل ربي.
خلوصي
٭٭٭
(فقرة أحمد خسرو):
أستاذي الحبيب.. لقد تلقَّيتُ رسالتكم التي تبعثُ السُّلوان في نفس هذا العبد الفقير، فقبَّلتُها ثم شرعتُ بقراءتها..
إن الجناية التي ارتُكِبَت بحقِّ شعائرنا الدينية التي تُعظِّمونها أشدَّ التعظيم، وتُولُونها بالغَ الأهميّة.. وإنَّ الإهانة التي كان هدفُها التفريق بينكم وبين طلابكم الذين يُهرَعون للقائكم بحبٍّ ولهفة، ويطيعون أوامركم بتفانٍ واحتسابٍ.. دناءةٌ لم تحتملها روحي، وهي التي كانت ترغبُ سابقًا بمغادرة الدنيا ولقاء خالقها، فكانت تتلوَّى بشدّة وتتألَّم عظيمَ الألم من الجراح المعنوية وما تسبِّبه من اضطرابات نفسية، لا سيَّما مع عدم تمكُّني من تلقِّي أيِّ معلومات عنكم.
— 267 —
وفي الوقت الذي كنتُ عازمًا على التوجُّه إلى الحضرة الإلٰهيّة بالدعاء أن يقهر الظالمين حتى أجد في نفسي بعضَ السُّلوان، إذا برسالتكم هذه تصلني لِتَبُثَّ في نفسي بردَ الرِّضا بقضاء الله وقدَرِه؛ فقلتُ بدوري: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا، وتركتُ الدعاء على الظالمين بالقهر.
أستاذي الحبيب المشفق.. لو كان الأمر مقتصرًا على نفسي یی أنا طالبَكم المحتاج لدعائكم في كل لحظة یی ما كنتُ لأتألَّم كثيرًا، بل ربما أشعر بالارتياح نوعًا مّا إن فكرت بنفسي، لكن حين يتعلَّق الأمر بأستاذي وإخواني، فإنني أشعر بالاضطراب واليأس الشديد، ويحتدم غيظي آلاف الأضعاف، وتضيق روحي وتأبى طاعةَ أولئك الظالمين، احتسابًا عند الحق سبحانه.
أستاذي العزيز.. أعلم جيدًا أن الضربات العظيمة التي تصيب العالم الإسلامي تُثقِلُ كاهلَكم وتُكدِّرُ خاطرَكم، وذلك باعتبار المسؤوليّة عن العالم الإسلامي، ورغم هذا كله نجدُكم تحضُّوننا على دعاء الخير حتى في حقِّ الظالمين، انطلاقًا من الشَّفقة التي تَبْرُزُ بوضوح من بين الكثير من الخصال الحميدة التي متَّعكم الله بها، كالروح العالية، والهمة السّامية، والصبر الذي لا حدودَ له.
طالبكم: أحمد خسرو
٭٭٭
(فقرة محمد علي باباجان):
تلقَّيتُ رسالة حُبٍّ من أستاذي وسيدي "السعيد الحقيقي" الداعي لمرضاة الحقِّ سبحانه ليلَ نهارَ، والمُترجِم لعباد الله بكلماته ورسائله حقائقَ القرآن الحكيم، المُنزَل من قِبَل الحقِّ سبحانه بواسطة جبريل الأمين على قلب نبيِّنا نبيِّ آخرِ الزمان (ص)، والمحفوظ حتى يومنا هذا.
— 268 —
وقد بشرني بوصول المكتوب صاحبُنا بحقٍّ الأخُ عاصم بك، فكان لقاؤنا خاطفًا لم يتجاوز خمسَ دقائق، وتسلَّمتُ مكتوبكم ببالغ السعادة، ورُحتُ أستمعُ إلى عباراته وكأنها تغريداتُ بلبلٍ يصدحُ عشقًا على أغصان الورد وقتَ الأسحار؛ فلم نَدرِ ما الذي دار بيننا من حديث، غير أني أتذكَّر أننا افترقنا ونحن نحمدُ الله كثيرًا أن خصَّنا بأُستاذٍ ينشر الأنوار القرآنية، وكتب لنا بها السعادة، ولم نُحرَم من عطائها على مدارِ الأيام.
باباجان
٭٭٭
(فقرة ذكي ذكائي):
أستاذي العزيز الحبيب.. مضى عليَّ قرابةُ ثلاثة أسابيع دون أن أتمكَّن من مكاتبتكم، فالأوضاع كما هي دومًا، ثمّةَ الكثيرُ من المشاغل في الوظيفة الرسمية هذه الأيام، ممّا تسبَّب في تخلُّفي عن أداء وظائفي الأخروية مع بالغ أسفي وشديد حزني؛ وقد بلغني هذا الأسبوع خبَرٌ حزينٌ مؤلمٌ، فكأن حزني وحدَه لا يكفي حتى نزل هذا الخبر على رأسي كالصاعقة.
بلغني أن أستاذي قد تعرَّض لهجمات الأفاعي، آه يا أستاذي! متى سنتحرَّر من ظلم الخونة المشؤومين الذين يتهجَّمون ويعتدون علينا بين الحين والآخَر؟! لقد تجاوز هؤلاء الملحدون حُدودَهم كثيرًا وبالغوا في اعتدائهم وعدوانهم؛ لكن يعزِّينا ويبعثُ السلوانَ في نفوسنا إيمانُنا واعتقادُنا أنَّ مثل هذه التصرُّفات تبشِّرُ بقُربِ بروقِ حقيقةٍ عظيمة، فكلَّما جاوز التخريبُ والاستبداد مداه، قَرُبَ أَجلُ سقوطهم في الهاوية، وما جانب الصوابَ من قال: "المصائبُ العظيمة تورثُ يقظاتٍ سعيدة"، وإنَّ أيَّ حكومة تزيدُ من ظلمها واستبدادِها، فإنها تدفعُ الشعوب المظلومة لنيلِ استقلالها، وقد اشتدَّ الإلحادُ وعمَّ التخريبُ في هذا العصر، لذا ستعود البسمة إلى وجوه أهل الإيمان المظلومين الأبرياء، وستُشرقُ شمسُ الحقيقة ساطعةً إن شاء الله.
— 269 —
أستاذي العزيز.. إن قلمي القاصر ولساني العاجز لا يملكان القدرة على ترجمة أحاسيسي، غير أنَّ قلبي بحمد الله یی كقلب كلِّ متديِّن یی ينبضُ بإيمانٍ عزيز، والدم الذي يجري في عروقي خميرةٌ ورثناها عن أهل الحق والإيمان على مدارِ ألف عام.
أستاذي الحبيب.. ثمّةَ لحظات يتدنَّى فيها سقف الحياة كثيرًا، فنُضطرُّ نحن البشرَ إلى الانحناء بما يلائمُ ذلك التدني؛ ولستُ بهذا التفكير أبحث عن غرورٍ أكسبه لنفسي، لكن أليس ممّا يؤلمُ الإنسانَ بل يُفقِدُه صبْرَه أن نرى أياديَ ملوَّثة مشؤومة تقبضُ على معاصمنا الطاهرة وتُعيق حركتنا؟!
إنَّنا أمام حقيقة جوهرية توصَّل إليه هذا العبد الفقير نتيجة تفكير طويل، وهي ضرورة مقاومة الخونة المتسلِّطين الذين تعرَّضوا لنا بالأذى، في الوقت الذي كنّا نسعى فيه لمعالجة أمراض الإنسانية بأدوية معنوية في ذروة أيّام التخريب، إضافةً إلى التحمُّل والاصطبار حتى آخر رمقٍ إزاء عموم مشاقِّ الحياة وتكاليفها، احتسابًا عند الله وابتغاءَ مرضاته، وللحدِّ من الانحدار الذي وصلت إليه الشعوب المضطَهَدة.
أستاذي الحبيب.. يسيطر عليَّ التفكير بذلك في هذه الأيام، ولا يكادُ الألم يُفارقني، فقد بلغني نبأُ الحادثة من أشخاص عدةٍ بروايات مختلفة دون وضوح تامٍّ، فأرجو أن تُجلُّوا لي حقيقة ما جرى لأني یی من شِدّة التفكير به یی أكاد أفقد صوابي.
شيخي الحبيب.. إنك تعملُ ليل نهار لأجل نفع البشرية جمعاءَ، وتُجاهدُ لِوَقفِ سيلِ التخريباتِ والآفات، وتلقي في سبيل ذلك بنفسك إلى التَّهلُكة، أفبعد كلِّ هذه التضحيات تتعرَّضُ لمثل هذا الإذلالِ الأليم؟! لا أستاذي العزيز، لا أيُّها العبقري الفذُّ؛ لا يصحُّ أن يكون هذا نصيبَك الذي تستحقُّ، لا يمكن أن تكون هذه مُكافأتَك التي تجدُر بك!!
إنَّ هذه الحوادث المؤسفة لا تمثِّلُ إلّا بضعةَ مُلحِدين مُتهوِّرين، ولا تعبِّر إلا عن بعض الأشخاص المُقبلين على جهنَّم، وفي صبرك على هذه التصرُّفات وعدم الالتفات إليها، تكتسِبُ الأهليّةَ لنيلِ مكافآتٍ عظيمة؛ فلا تحزن أبدًا، ولا تكتَرِث لما
— 270 —
يصدر عنهم من وحشية وهَمَجية مهما بلَغَت؛ وامضِ نحوَ الأبواب المعنوية المُشرَعة أمامَك، ولازِم طريقك حتى النهاية، وانشُر معالم الهداية والراحة لعامّة المَكلُومين المساكين المذنبين، وابسُط أسبابَ السعادة الأبدية لأمثالنا من الضعفاء العاجزين، حيثما توجَّهتَ وتنقَّلتَ، في عموم الأماكن وسائر العوالم وشتَّى الأرجاء.
ذكائي
٭٭٭
(فقرة ذكائي):
يشتاق قلبي وتعظم رغبتي بزيارة أستاذي في هذه الأيام المباركة، فمثلَما تتلهَّف جميع النباتات في أيام الصيف الحارة إلى المطر، كذلك يتشوق ذكائي هذا ويتلهَّف لنصائح أستاذه وتوجيهاته.
أستاذي.. لقد مضت أيام هذا الشهر المبارك مُسرِعةً، ومشفوعةً بدعوات أمثالي من المساكين المُثقَلين بالجراح المعنوية أن يغفر الخلَّاقُ ذنوبنا ويُحقِّق جميع أمنياتنا المشروعة.. أسأل لله سبحانه بحرمة شهر المغفرة أن يعفو عنّا ويتجاوز عن زلّاتنا.. آمين.
أستاذي الحبيب.. خرجتُ مؤخَّرًا إلى "أتابك" في إجازة لمدة ثلاثة أيام، وزرت والديَّ ورفقاءَ الآخرة.
آه أستاذي.. إن بعض الحوادث الظاهرية تُغرق الإنسان أحيانًا في تفكير عميق، وتتسبَّب له یی بغير اختيارٍ منه یی باضطرابٍ روحيٍّ ممزوج بالرقة والغرابة، ممّا يؤدي به إلى الحزن الشديد بسبب ما تُولِّده تقلبات الحياة وعدم استقرارها من يأسٍ، ويبعثُه على التحسُّر والتشوُّف إلى الشَّفقة والرحمة.
أستاذي.. إنني على قناعة أن أمثالي من العاجزين لن تَتذوَّقَ قلوبُهم طعمَ السكينة بحقٍّ حتى يهجروا جميع الأحوال التي تصرف وجوههم إلى الحياة الدنيا وإلى
— 271 —
الانشغال بها، ولسوف أبلغُ هذا المقام بإذن الله تعالى وببركة دعائكم. ألا يُعدُّ إيضاح هذه الأحاسيس أمرًا زائدًا على روح شخصٍ أضحت جميعُ جوانبه لديكم معلومةً واضحةً؟
أستاذي العزيز.. أهنِّئُكم بحلول عيد الفطر، وأسأل الله أن يُعيدَه علينا ونحن في كنف رعايتكم وجميل عنايتكم؛ وأستغلُّ هذه المناسبة لأقدِّم احترامي وإجلالي لكم، وأقبِّل أيديَكم وأرجلَكم بكل تقدير.
طالبكم المذنب: ذكائي
٭٭٭
(فقرة أختي في الآخرة: مُزينة):
أستاذي الحبيب.. منذ قرابة شهرين بلغني سلامكم مع إخواني في الآخرة العائدين من زيارتكم، وما أحوجَ طالبةً عاجزةً مثلي لأن تُصغيَ لنصائحكم المُنيرة في كل لحظة، لذا يعتصرني الحزن والأسى دومًا!
كلَّما أقرأ رسائل النور تُغالبُني الدموع، وربما استرسل قلبي في بكاء مستمرّ خصوصًا في شهر رمضان، فآلام الخناجر التي غرَزَها بعض المفسدين تعاني منها قلوبُنا، وتنهمر لها دموعنا بشكل دائم.
في النهاية أيضًا تلقَّيتُ من إخواني في الآخرة خبرًا مُفادُه أنهم لم يُمنعوا من زيارتكم، فسُرِرتُ كثيرًا لهذا الخبر، إلّا أنَّه يُحزُنني كثيرًا حرمانُ حجرة عبادتكم المباركة وجميعِ أهل الشوق من دعواتكم الطيبة.
لم أتمكَّن من نَسخِ الرسائل لرداءة خطي وضعفه، فأرجو منكم المسامحة.. وإن هذه الفقيرة العاجزة تُشارك إخوانها صرَخاتهم المنادية: يَحزُنُنا جدًّا أنّا لم نتمكَّن من التحرُّر من إسارِ الدنيا في هذه الأيام رغم أننا لا نحبُّها، بل لقد باتت الصحارى
— 272 —
المُوحِشة والبوادي المُقفِرة والأماكن الخاوية مساكنَ أرواحنا نتجوَّل فيها خيالًا.. إننا نبحث عن شيء، لكن أنَّى لنا بلوغُه! فاليوم الذي نبحث عنه يبدو في الوقت نفسه قريبًا جدًّا وبعيدًا جدًّا.. فإلى متى سنتقلَّب في هذا الحال؟!
طالبتكم العاجزة: مزينة
٭٭٭
(فقرة أحمد خسرو):
قد يكون هذا العيد المبارك تاسعَ عيدٍ يمرُّ عليك وأنت بين إخوانك من المسلمين المساكين الذين يئنُّون تحت ضربات الظالمين وقسوةِ ظُلمهم منذ سنين؛ وكلما أتذكر أنك في تلك الأماكن النائية بعيدٌ عن أصحابك، ومحروم من أقاربك، ومغيَّبٌ عن المجتمع الإسلامي الذي تسعى لتحقيق السعادة والرُّقيِّ له.. يتألَّم قلبي وتَلتهِبُ روحي وتدمعُ عيني، وأشعرُ بصوتٍ عال ينطلق من أعماقي قائلًا: "لِتَبكِ، ولتُكثِرِ البكاءَ، ابكِ مع الذين يبكون لأجل نزول الرحمة الإلٰهيّة، ولأجل بلوغ السعادة والسلامة للعالم الإسلامي"، وفي هذه اللحظات تُشارك عيني قلبي حُزنَه وأَساه، وتتدفَّقُ الدموع كأنها أنهار دجلة والفرات والنيل المباركة، لتبلغ وِديانَ عالم الغيب.
آهٍ أستاذي الحبيب.. بينما يلهو أهل الغفلة في مُتَعِهم ويُهرَعُ أهل الإلحاد خلف شهواتهم النفسية، نقاسي نحن كلَّ هذه الشدائد في هذه الحياة الأليمة، فتتساءل نفسي بشكل لا إراديّ: "متى يمنحُنا الحق سبحانه السَّعادة؟ وكم سيطول هذا اليوم؟"، وأجيبُها بنفسي ناصحًا إياها بالتصبُّر والتأنِّي، وأجدُ السُّلوان في سرِّ: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ
أستاذي العزيز.. كنتُ أرغب أن أكونَ بالقرب منكم لأُشارك حُزنَكم، مع شعوري بأنني غيرُ بعيدٍ عنكم روحًا، ولربَّما ذُهِلتُ عن نفسي في بعض الأحيانِ
— 273 —
فكأنني أطيرُ بغير أجنحة، وأتسلَّل من بين أغصان شجرة الدُّلب الضخمة لأَنضمَّ إلى مجلسكم.
أستاذي الحبيب.. إنني راضٍ عن خالقي أبدًا، وأسأله أن يرضى عنكم، ويؤسفُني أنِّي لا أتمكَّن من زيارتكم، إلا أنني ألتمسُ منكم أن تتقبَّلوا تقبيلي ليديكم ودعائي لكم بالصحة والسلامة كلَّما تصفَّحتُم "إعجاز القرآن" الذي أرسلتُه إليكم مع "بكر بك" وإن لم أَنسَخه بصورة مرضيّة..
وأُقبِّل أيديَكم وأقدامَكم سيدي.
الباقي هو الباقي
طالبكم أحمد خسرو
٭٭٭
(فقرة صبري أفندي):
خرجتُ البارحة إلى "أغيردِر" لإحضارِ رسالة خلوصي بك التي تفيضُ صدقًا وإخلاصًا، واسمحوا لي أن أُقدِّم لكم هذه الرسالة بما تضمَّنته من مضامين ومحتويات مكرَّرةٍ باسمي واسمِه، لصدورها من قلبٍ ورُوح نورانيَّين.
فما دام أستاذي الموقَّر قد منح العبدَ الفقير لقبَ خلوصي الثاني، فإني أجزم بأني لو وقفتُ خلف صاحب ذلك التوقيع المخلص، فسأشاركُه مشاعرَه وعباراته بصورة أظهرَ وأبلغ، وذلك بحُكم الوِراثة المعنوية التي أُسبغَت عليَّ.
طالبكم العاجز: صبري
٭٭٭
— 274 —
(فقرة إسماعيل من آيدن):
بدأتُ أكتب كلماتكم الجميلة اللطيفة دون سآمةٍ ولا ملل، بل أشعر بانشراحٍ في روحي في اللحظة التي أشرعُ فيها بكتابة رسائلكم، لدرجة أنِّي أرغب بملازمة الكتابة بشكل دائم، وفي الوقت نفسِه لا يفارقُ محيّاكم مخيلتي، ولا ذِكرُكم قلبي.
طالبكم إسماعيل
٭٭٭
(فقرة شوكت، وهو طبيب في مدينة آيدن):
سيدي وأستاذي الأعظم.. قرأنا مؤلَّفاتِكم النورانية النفيسة للغاية، ولقد استنارت قلوبنا بما حَوَته من فيوضات نُورانيّة، ونحن مُمتنُّون لكم ومدينون بالشكر، ولا نفتأُ نذكُرُ أخانا الحافظ زهدي أفندي بالخير، لأنَّه أصبح دليلَنا في قراءة الرسائل وكتابتها.
نحن بحاجةٍ لدعواتكم وبركة همَّتكم أستاذَنا الأكرمَ، كي نُوفَّق في مهمّةِ إتمام كتابة الرسائل العالية القدر، والتي لا تقدَّر بثمن.
طالبكم الدكتور شوكت
٭٭٭
(فقرة أحمد خسرو):
سيدي وأستاذي الحبيب الشَّفوق.. أقبِّل أيديَكم وأقدامَكم بكمال الشوق والتوقير.
تلقَّيتُ قبل يومين كلماتكم القيِّمة النورانية الفياضة التي لا تُقدَّر بثمن، والتي تعرضُ الأجوبة المخصَّصة لأسئلة خلوصي بك، وقد كانت إجاباتٍ في غاية اللطافة، لدرجة أنني لم أملَّ من قراءتها، مع أنِّي لم أتمكَّن من استيعابها بالقدر اللازم.
— 275 —
وقد وُضِّحت فيها بشكل عميق ودقيق أسبابُ وقوعِ محيي الدين بن عربي في الخطأ رغم كونه من العلماء المقبولين، وكذا أسباب عدم كونه هاديًا في كلِّ كتاب من كتبه؛ وقد قرأتُ درسكم الرفيع هذا لباقي إخواني، وقلت: "إخواني الأعزاء، لقد استفدتُ من هذا الدرس الرفيع، ووجدتُ فيه معانيَ سامية، إلا أنَّني لا أستطيع أن أُلخِّصَها وأَستجمِعَها في ذهني، فما قولُكم في هذا؟".
فأشار الحاضرون إلى سموِّ هذا الدَّرس، وشكروا الله لتعرُّفهم على مؤلَّفاتٍ نورانية كهذه، في زمن يتعرَّض فيه الإسلامُ لاعتداءاتٍ مستمرّة.. وأخُصُّ بالذكر جوابَ الحاشية المقدَّمة للدكتور، فلقد ظهر أثرُ استحساننا له على وجوهنا.
لقد وضَّحتم بصورة بديعة أسباب حرمة لحم الخنزير وعِلّة تحريمه من جهة، وأَشرتُم من جهة أخرى عبر الأنوار التي تلتمع في ذهنِكم إلى أنه في وقت قريب جدًّا ستَسطَع شمسُ الإسلام في سماء العالم.. أسأل الله أن يرضى عنكم رضاءً لا حدَّ له ولا عدَّ.
أستاذي الحبيب.. إن طالبكم العاجز يستلهم بعجزه من هِمَّتِكم المعنوية، وأَمَلي بخالقي الكريم الذي يستخدمني في هذا الميدان دون اختيارٍ منِّي أن يَمُنَّ عليَّ بحسن الإدراك وقوّة القابليّة، ببركة دعائكم..
طالبكم المسكين: أحمد خسرو
٭٭٭
— 276 —
(فقرة سعيد):
باسمه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
أخي العزيز المضحِّي الوفيّ: بكر بك الكردي..
سوف أتحدَّثُ في موضوعٍ غير مُستحسَن بكل أسفٍ، وربما يُعَدُّ نوعًا من العبث، إلّا أنِّي مضطرٌّ لذلك؛ وحديثي هذا غيرُ موجَّه لأهل الحمية والغيرة من دعاة القومية التركية الحقّة، بل هو موجَّه للمُعتَدين الذين يعملون لصالح الأجنبي تحت ستارِ القومية التركية؛ وهو على النحو التالي:
إن أحد الأسلحة الأخيرة التي استُخدمَت ضدَّنا بكل ظُلم وغدر من قِبَل المنافقين الملاحدة قولُهم: "إنَّ (سعيد) كرديّ، ولا يليق بالحميّة القومية المُضيُّ وراء كرديٍّ لهذه الدَّرجة!"، وحديثي هذا ليس لردِّ زيفِ هؤلاء المنافقين الظَّلَمة ودسائسهم، بل لكيلا يتكدَّر صفاءُ قلوب البسطاء، فأقول:
أجل، لقد وُلدت في مدينة أخرى، لكن قدَّر الحقُّ سبحانه أن يجعلني خادمًا لأبناء هذه المدينة التي أقطُنُها، ويعلم أهالي هذه المناطق أنني أمضيتُ تسعَ سنين مديدة ساعيًا في تحقيق السعادة لتسعة أعشار هذا الشعب في هذا الوطن، وقد اعترفوا هم أنفسُهم بذلك.
كما أنني أعلنتُ من خلال مؤلفاتي التركية وخدماتي في هذه البلاد خلال تلك الأعوام التسعة أنني أُفضِّل عشرين أو ثلاثين شابًّا من شباب المسلمين الأتراك أمثال: (خلوصي، صبري، الحافظ علي، خسرو، رأفت، عاصم، مصطفى چاويش، سليمان، لطفي، رشدي، مصطفى، ذكائي، عبد الله) على عشرين أو ثلاثين ألفًا من أبناء قومي وجلدتي، وأنني أرتضيهم مكانَ ثلاثين ألف رجل.
— 277 —
نعم، بل يُصادق المدقِّقون في أحوالي والمُطَّلعون عليها أنني لستُ أرى ألفَ كرديٍّ عامِّيّ يُقابلُ تُركيًّا واحدًا مثل خلوصي، ولا أرى ألفَ كردي جاهل مقابلَ تركي واحد مثل عاصم ورأفت، ولا أستبدل بشابٍّ واحدٍ مثل خسرو ألفَ كردي مغفَّل.
لذا فليعلم أولئك الملحدون الذين يَسْعَون لتسميم الشعب التركي والقومية التركية، ويعتدون عليَّ باسم الإفرنج ولصالح الإلحاد، وبدعاوى القومية التركية المزيَّفة المصطَنعة، وبغية التسويق لأنفسهم: أنَّ الآلاف من الأتراك يشهدون أنني خدمتُ أهمَّ جيوش الإسلام وأعظمَها وأكثرَها جهادًا یی أعني الأتراك یی بمقدار ألف رجل تركي! فليَبْرُز أولئك الأدعياءُ الماكرون المتذرِّعون بالقومية والحمية الصُّورية الزائفة للتبجُّح بأني كردي، وليُحدِّثونا عمّا قدَّموه من خدمات تجاهَ هذا الشعب.
ولا يَحسُن في هذا المقام استخدام لُغة التواضعِ واللين في الحديث، فذلك يغذِّي أنانية هؤلاء الفراعنة الصغار، ولهذا وجدتُ نفسي مضطرًّا للتذكير بخدماتي الأخروية التي لا يجوز إظهارُها ولا ينبغي التحدُّث بها، لكن حِفاظًا على العِزّة العلمية تجاهَ أولئك المتكبِّرين، واعتمادًا على عفو الحقِّ سبحانه.
الباقي هو الباقي
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 278 —
(فقرة ذكائي):
أستاذي العزيز.. أعلمُ جيدًا أنَّ من نافلة القول أن أتحدَّث عن أهمِّية الصبر والتوكل إزاء هذه الحوادث الأليمة، فأنتم أساسًا من علَّم أمثالَنا من المساكين الذين يئنُّون تحت وطأة أصغر اضطراباتِ الحياة معانيَ القيم، أمثال الصبر والتوكل وغيرها من كنوز السعادة والنجاة، ونحمد الله أننا نتمكَّن يومًا بعد يوم من إدراك معاني هذه "الكلمات" بصورة أفضل وتقدير أمثل.
في البدايات حين كنا نُمضي أوقاتَ الغفلة بعيدًا عن الأنوار، كانت معاني الصبر والتوكل في الحياة وأمام الحوادث وفي كل شيء تبدو لنا من حيث الظاهر أمرًا مؤلمًا لا يمكن احتمالُه، غير أن إرشادات أستاذنا وتوجيهاته بهذا الخصوص نوَّرت أذهانَنا، وأزالت هذه الأوهامَ السطحية الظاهرية.. وإن كان لهذا العبد الفقير المذنب ما يبعث على السرور، فهو ما يُبصره قلبُه من الأنوار الحقيقية حتى لو كان مقدارَ قطرة من ذلك العقل والفكر والبحر الكبير، وما يتذوَّقُه من المعاني البديعة بين الحين والآخر.
أستاذي الحبيب.. إخوانُنا والحمد الله في رقيٍّ دائم فكرًا وروحًا، ونسأل اللهَ تعالى برحمته أن يجعله رقيًّا معنويًّا في ديوانه الإلٰهيّ.. وإن المكتوب السابع والعشرين يتدفَّق كالينابيع الفيّاضة التي تتجدَّدُ يومًا بعد يوم.
وكلِّي رجاء وأمل أن أرى أعداد السالكين لطريق السلامة في تزايد، وأن تبلغَ مجموعة الحقائق التي بين أيدينا كلَّ من يليقُ بتلقِّيها ويملك أهليةَ الانتفاعِ بها، وسيتحقَّق مقتضى هذه الحقيقة عبر الزمان بإذن الله تعالى.
وغايةُ الرجاء والأمل أتضرَّع إلى الحق سبحانه أن يتكرَّم على مساكينِهم بحسن الختام، وأشعر ببالغ الفخر والاعتزاز بما لدى إخواني الصادقين المتَّقين الغيارى یی كبارًا وصغارًا یی من جميل المزايا وصفاء القلوب وحسن النَّوايا.
— 279 —
إننا نحمل أملًا صادقًا وإيمانًا راسخًا أن رُوحَ نبيِّنا (ص) المبعوث قائدًا للعالمين وسندًا للعاجزين، وأرواحَ أتباعِه الميامين، تُبارِكُ أركانَ مركبِنا المكلَّل بالأنوار، والمُجهَّز بالمراصد، وتُساندُ أتباعَ سفينتِنا المعزَّزة بالنجوم والشُّهب السَّماوية، والمحصَّنة بالمدافع المعنوية التي توازي الإيمانَ الأزليّ.. وأتضرَّع إلى الحق سبحانه أن يَحرُسَها من أمواج هذا الزمان العاتية وأعاصيره القاسية بمنِّه وكرمه.
أمّا بالنسبة لهذا العبد الفقير فهو متضرِّرٌ معنًى من جوانبَ شتَّى، وبحاجة لإصلاح حاله وتصحيح معاملته وتقوية معلوماته المُعرَّضة لخسائرَ فادحة، وهو یی من جهة أخرى یی معرَّضٌ لأذى النفس الأمّارة، ومُبتلًى بحظوظها ورغباتها، ومن جهة ثالثة يخشى أن تَقصُر عبوديتُه المجتزَأة عن تحقيق السعادة الأبدية لضآلتِها في مقابل كثرة ذنوبه، ولذلك فأنا مشفقٌ دومًا من تخيُّل عاقبةِ ذنوبي! وهيهات أن نَبلُغ السعادة الأبدية بمجرَّد عباداتنا الشخصية وخدماتنا القاصرة دون شفيعٍ هادٍ ودليلٍ مرشد! فالحياة الدنيا لا استقامة لها، والأحاسيس البشرية معتادة جدًّا على التغيُّر والتبدُّل.
أستاذي العزيز.. ما دُمتَ قَبِلتَني بين طلّابك وإخوانك، بل ارتضَيتَ لصُحبتك ومجالَستِك أشخاصًا مكلومين غيرَ لائقين بالقبول، وما دُمتَ تقدِّمُ لنا أدوية مستقاةً من صيدليّة قُدسية سماوية لعلاجِ جراحنا، وما دام الإكسيرُ والتِّرياقُ الشافي لجروحنا متوفِّرًا لديك، فإنني أرجو أن تلبِّيَ نداءَ طالبِك العاجز، وتقدِّمَ له الدواءَ الناجع لعلاج جراحه علَّها تبرأُ وتتعافى، وأن تتكرَّمَ بالتوجيه والإرشاد اللازم، لنتوجَّه بعدَها لأداء وظائفنا الأساسيّة المُهِمّة.
المسؤول الإعلاميّ لسفينتكم المعنوية
طالبكم ذكائي
٭٭٭
— 280 —
(فقرة غالب باللغة الفارسية، كُتبت بمناسبة الكرامات الغوثية):
ك۪يسْتَمْ مَنْ چُو يَك۪ى عَاجِز و ب۪ى تَاب و زَبُونْ ٭ دِلْ حَز۪ينْ س۪ينَه پُرْ اٰلَام و سَرَمْ مَسْتِ جُنُونْ
اَزْ غَمِ فِرْقَتِ دِلْدَارْ بَس۪ى پُويَنْدَمْ ٭ كَسْ نَم۪ى بُودْ دِلِ زَارِ مَرَا رَاهْنُمُونْ
سَالْهَا دَرْ اَلَمِ هَجْرْ پَر۪يشَانْ بُودَمْ ٭ نَه يَك۪ى يَارِ مُوَافِقْ نَه يَك۪ى جَامِ سُكُونْ
رَاهِ بِهْبُودِئِ مَنْ گُمْ شُدَه بُودْ اٰنْ بَاٰنْ ٭ دَرْ سَرَمْ شَوْقِ جُنُونْ بُودْ شَب و رُوزْ فُزُونْ
عَاقِبَتْ دَسْتِ قَضَا هَادِئِ بِهْبُودَمْ شُدْ ٭ هِمَّتِ زُمْرَهِٔ مَرْدَانِ خُدَا جِلْوَه نُمُونْ
چِه نَوَازِشْ كِه: دِلَمْ يَافْتَه دَرْ سَايَهِٔ پ۪يرْ ٭ شُدَمْ اَلْحَاصِلْ اَزْ دَوْلَت و لُطْفَشْ مَاْمُونْ
بَخْتِ نَاسَازِ مَرَا سَازِئِ اِقْبَالْ رَس۪يدْ ٭ دِلِ ب۪يچَارَهِٔ مَنْ شُدْ زِفُيُوضَشْ مَمْنُونْ
ن۪يسْتْ عَجَبْ خَاكِ سِيَهْ لَعْل شَوَدْ دَرْ پ۪يشَشْ ٭ نُورِ حَقَّسْتْ هَمَانْ ا۪ينْ نَه فِسَانَه نَه فُسُونْ
دَرْ زَم۪ينِ اَهْلِ حَقْ اَنْوَارِ تَجَلَّاىِ خُدَاسْتْ ٭ پ۪يشِشَانْ مَاض۪ى و اٰت۪ى هَمَه يَكْ نُقْطَهِٔ نُونْ
اٰنْچِه مَاض۪يسْتْ بِخٰوانَنْد بَدِلْ هَمْچُو كِتَابْ ٭ حَال و اٰت۪ى هَمَه يَكْ ش۪يوَه شَوَدْ كُفّ و كُمُونْ
دِلِ شَانْ اٰي۪ينَهِٔ اٰيَتِ لَوْحِ مَحْفُوظْ ٭ زَانْ سَبَبْ نِهَانْ اَزْدِلِ شَانْ كُنْ فَيَكُونْ
اٰنْچِه د۪يدَنْد و بِگُويَنْدْ خُدَا اٰمُوزَدْ ٭ اٰلَت و قُدْرَتِ حَقَّنْدْ مُكَمَّلْ مَوْزُونْ
هَانْ دَرْ نُسْخَهِٔ تَوْرَاتْ ثَنَاىِ مَحْمُودْ ٭ هَانْ دَرْ لَوْحِ زَبُورْ وَصْفِ مَس۪يحَا اَفْزُونْ
وَصْفِ اَصْحَابِ مُحَمَّدْ هَمَه دَرْ اِنْج۪يلَسْتْ ٭ ا۪ينْ چِه ب۪ينِشْ هَمَه اَزْ وَحْىِ خُدَاىِ ب۪يچُونْ
بَازْ دَرْ اَهْلِ وَلَايَتْ تُو ب۪ين۪ى ا۪ينْ رَازْ ٭ دَادَه اَزْ خَبَرِ اٰت۪ى پَيَامِ مَقْرُونْ
خَبَرِ گُلْشَن۪ى م۪ى دَادْ جَلَالِ رُوم۪ى ٭ شَيْخِ اَكْبَرْ خَبَرِ مِصْر۪ى دِهَدْ اَمْرِ يَكُونْ
اَحْمَدِ جَامْ دِهَدْ اَزْ اَحْمَدِ فَارُوق۪ى خَبَرْ ٭ مَنْ كُدَامَشْ بِشُمَارَمْ كِه زِاَعْدَادْ فُزُونْ
هَرْ يَك۪ى گُفْتَه خَبَرْ رَمْز و اِشَارَتْ كَرْدَنْدْ ٭ پ۪يشِيَانْ اَزْ پَسِيَانْ دَادَه نِشَانِ سَيَكُونْ
بَاخُصُوصْ مَرْدِ خُدَا حَضْرَتِ عَبْدُ الْقَادِرْ ٭ غَوْثِ اَعْظَمْ قُطْبِ دَائِرَهِٔ كُنْ فَيَكُونْ
— 281 —
پَسْ اِشَارَتْ دِهَدْ اَزْحَالَتِ اٰتِىِ جِهَانْ ٭ هَرْ چِه د۪يدَسْتْ بِگُفْتَسْتْ بَيَانِ مَسْنُونْ
گُفْت دَرْ نَظْمِ تَجَلّٰى كِه شَوَمْ حِرْزِ مُر۪يدْ ٭ اَزْشَرّ و فِتْنَه نِگَهْبَانِ مُر۪يدَمْ مَاْمُونْ
كَرْدَه اَزْ فِتْنَهِٔ جَنگ۪يز و هُلَاگُو اِخْبَارْ ٭ بِنْگَرَدْ ل۪يكْ رُمُوزِ سُخَنَشْ تَا بِكُنُونْ
خَبَرِ فِتْنَهِٔ ا۪ينْ دَوْرِ زِنُطْقَشْ پَيْدَا ٭ يَافْتَه اَزْ رَمْزِ اُو اَرْبَابِ يَق۪ينْ سَرْ فُزُونْ
فِتْنَهِٔ دَوْرِ كُنُونْ چُونْكِه زِحَدْ اَفْزُونَسْتْ ٭ زِشِرَارِ شَرّ و فِتْنَه شُدَه جَيْحُونِ هَامُونْ
اَهْلِ دَانِشْ هَمَه سَرْ جَيْبِ قَبَا م۪يكَرْدَنْدْ ٭ عَرْصَهِٔ د۪ينْ زِمَرْدَانْ شُدَه خَال۪ى مَشْحُونْ
د۪يدَهِٔ دَهْرْ نَد۪يدَسْتْ بَد۪ينْ دَغْدَغَه ه۪يچْ ٭ م۪ى رَوَدْ رُودِ فِرَاتْ خَلْق هَمَه تَشْنَه نُمُونْ
دَرْ هَمَه ه۪يچْ عَصْر فِتْنَهِٔ ا۪ينْ دَوْر نَبُودْ ٭ اَكْثَرِ خَلْق شُدَه حَالِ زَمَانْرَا مَفْتُونْ
مُلْحِدَانْ رُوزُ شَبْ ا۪يجَادِ فِتَنْ م۪ى كَرْدَنْدْ ٭ زَهْرِ خَنْد نَكُنَدْ بَلْكِه بِگِرْيَدْ مَجْنُونْ
بَرْ بَد۪ينْ فِتْنَه و شَرْ حَضْرَتِ اُسْتَادِ سَع۪يدْ ٭ جَبْهَه بِگِرِفْتْ خُوشَا مَرْدِ سَعَادَتْمَقْرُونْ
ت۪يغِ سَرْ ت۪يزْ شُدَه دَرْ كَفِ اُو چُونْكِه قَلَمْ ٭ كِلْكِ اُو زُمْرَهِٔ اِلْحَادْ هَمَه كَرْدَه زَبُونْ
هَيْبَتِ د۪ينْ زِگُفْتَارِ خُوشَشْ پَيْدَا شُدْ ٭ هَرْكِه ا۪ينْ نُورْ نَب۪ينَدْ شَوَدْ اِذْعَانَشْ دُونْ
كِلْكِ اُسْتَادْ اَزْ لَدُنْ بَسْطِ حَقَائِقْ م۪يكَرْدْ ٭ تَا اَبَدْ اَزْ فَيْضِ عَيَانَشْ هَمَه جَانْ نُورِ عُيُونْ
بِفَرْمُودْ مَگَرْ حَضْرَتِ غَوْثْ ٭ دَرْحَقِّ حَضْرَتِ اُسْتَادْ شَوَدْ اَصْلِ مُتُونْ (لَا تَخَفْ قُلْهُ)
حَبَّذَا رَمْزِ كِه گُفْتْ حَضْرَتِ عَبْدُ الْقَادِرْ ٭ نِعْمَ ذَا نُطْقِ كِه كَرْدَسْتْ سَع۪يدْ سَعْدِ نُمُونْ
اٰنْ كِه د۪يدَسْتْ پَسَنْدَسْت بَيَانْ م۪ى كَرْدَسْتْ ٭ حَقْ پَسَنْدَسْت شَوَدْ تَشْنَهِٔ فَيْضَشْ اَفْزُونْ
بَعْد ز۪ينْ غَالِبِ ب۪يچَارَه دُعَا م۪ى گُوي۪يمْ ٭ بَادْ رَاض۪ى زِسَع۪يدْ ذَاتِ خُدَاىِ ب۪يچُونْ
هِمَّتَشْ عَال۪ى و فَيْضَشْ هَمَه اَعْلَا بَادَا ٭ بِدِهَدْ حَضْرَتِ حَقْ نَشْئَهِٔ غَيْرِ مَمْنُونْ
تَا فَلَكْ دَائِر و ا۪ينْ اَرْضْ هَم۪ى شُدْ سَائِرْ ٭ عَظَّمَ اللهُ لَهُ الْاَجْرَ وَ قَرَّتْهُ عُيُونْ
غالِب
٭٭٭
— 282 —
(فقرة عاصم بك):
تُعَدُّ اللَّمعة الرابعة من المكتوب الحادي والثلاثين "منهاج السُّنة" رسالة شريفة قيِّمة ومنقطعة النظير، وهي تستحق كلَّ التقدير والاستحسان، وتليق بشتَّى أنواع المديح والثناء، ولستُ أُوفي حقَّها مهما امتَدَحتُها وأشدتُ بها، وقد افتُتن بها كلُّ من رآها أو قرأها أو سَمِعَها، بل لقد حَظِيَت بتقدير المُتعصِّبين لمَشرَبِهم من العلوية والسُّنّة ونالَت استحسانَهم، إضافةً إلى رجالاتِ المشاربِ المُتشدِّدة المُتخالِفين فيما بينهم، فلا يملكون الاعتراضَ عليها أو حتى إثارةَ النِّقاشِ حولَها.
عاصم
٭٭٭
(فقرة أحمد خسرو):
لقد استفدتُ كثيرًا من عباراتكم النورانيّة التي توضِّحُ مشربَ محيي الدين بن عربيّ وتبيِّن نقائصَه.
في درسكم السابق بقيَت لديَّ جُمَلٌ متعلِّقة بتلك المسألة لم أتوصَّل لفهمها، إضافةً إلى بعضِ النِّقاطِ الغامضة، إلا أنها بدت لي هذه المرة واضحة مفهومة، وبدأتُ أشاهد حقائقَها بوجوهها البهيّة، وأقولها بحقٍّ وصدق: لقد نهلتُ من فيوضِها الكثيرَ.
وقد قرأتُها مع أخي رأفت بك، وشكرنا أستاذَنا كثيرًا.. أسألُ الحقَّ سبحانه أن يكتُبَ لكم من الأجر الجزيل ما يليق بمقامكم.. آمين.
أحمد خسرو
٭٭٭
— 283 —
(فقرة محمد علي باباجان):
حضرة أستاذي وروحي وقلبي..
لا يمكنني تقديم خدمة حقيقية لرسائل النور، ولا الالتزام التام بوظيفة الطالب، لأنني كلَّما فكَّرتُ بالقُوّة والقدرة والذكاء الكامنة في رسائل النور، وتدبَّرتُ الأسرارَ والأنوار النابعة منها، أغيبُ عن نفسي وتغشاني السعادة، ولا أقوى على الرُّقيِّ إلى تلك الذُّرى السامية، لكن سأبذُل وسعي یی بإذن الله یی للاستفادة من هذه الرسائل التي عرَضَت أسرار القرآن الحكيم التي هي أغلى آلاف الأضعاف من أثمن الجواهر النفيسة التي وهبها الحقُّ سبحانه لعباده؛ ولأنني لا أجد في النهار متَّسعًا من الوقت بسبب الانشغال بهموم المعيشة، فسأُنير شطرًا من ليلي بهذه الأنوار.
إنني أشعر بابتهاجٍ روحاني لطيف في قلمي وقلبي كلَّما شرعتُ بكتابة الأنوار، ولا أعلمُ كيف أحمدُ الله تعالى وأشكرُه! أحيانًا يُسلَب مني اختياري أمام أنوار رسائل النور؛ وأشعرُ بالحزن والأسى كلما تذكَّرت أيامي التي أمضيتُها في الغفلة، لكني بعدما اهتديتُ إلى الأنوار صرتُ كلَّما أرنو ببصري إلى المستقبل أضحك مستبشرًا ويغمرني السرورُ والسعادة؛ فلقد كنتُ أبحثُ عن مثل هذه الخدمة منذ خمس عشرة سنةً، وتذوَّقتُ ألوانًا من مُتع الحياة الدنيا وأذواقِها، فما كانت لتُشبعَ رغبتي وترويَ ظمأ نفسي التوّاقة إلى الخلود، غيرَ أنِّي الآن یی بحمد الله یی وجدتُ في رسائل النور الغذاءَ الذي يُطَمئِنُ فؤادي ويُشبِع رغباتي.
أجل، ما زالت نفسي حتى يومنا مُنجذبةً خلفَ متعِ الدنيا الصوريّة وأذواقِها، وعازمةً على أن تَزُجَّ بي في سجون عوالمَ أُخرى، وقد نجَحَت بذلك إلى حدٍّ ما، واستطاعت أن تجعل منِّي مطيّةً لها! أمّا الآن فإني أحمدُ الله القادرَ على كل شيء أن نجّاني من بلاء هذه النَّفس الأمارة، وأغاثني بالأسرار القرآنية عن طريق شخصٍ يُدعَى: "سعيد".
منذ خمسةَ عشرَ عامًا وأنا أطرُقُ الكثيرَ من الأبواب بحثًا عن السبيل الهادي إلى الحقيقة، وكنتُ أعودُ أدراجي كلَّما شاهدتُ فيها أصنافًا من مُتَع الدنيا، غير أني اليوم
— 284 —
قد وقفتُ على البابِ العظيمِ الذي أبتغيه والحمد لله.. أسأل الله أن يجعلني من خُدّامِ هذا الباب، ويرزقني الثبات على خدمته.
إن ما تقدِّمُه رسائل النور من فوائد جليلة، عبر نشرها حقائق الإيمان، وتبديدِها ظلمات هذا العصر المظلم، لا يمكن إغماضُ العين عنه وإنكاره إلّا بالجهل وسوء الفهم لا غير؛ وحسَبُ العاقل طنينُ بعوضة، والجاهلُ لا يُسمِعُه قرعُ الطبول وأصواتُ المزامير.
أسأل الحقَّ سبحانه أن يرفع الغشاوةَ عن أبصارنا، وأن يُرِيَنا الحقائقَ حقًّا.. آمين.
محمد علي باباجان
٭٭٭
(فقرة المقدَّم عاصم بك):
سيدي وأستاذي المحترم.. تفضَّلتُم عليَّ مجدَّدًا بعبارات التكريم غير المحدودة كما في كلِّ مرة، مع أنِّي لا أستحقُّ هذا الجودَ والكرمَ، ممّا أغرقني في نشوة، وخلَّفني حائرًا لا أدري ما أفعل؟! ولست أملك حيالَ هذه المكرمات سوى أن أتشبَّث بالرسائل الشريفة، حامدًا الحقَّ سبحانه، مثنيًا على فضله وامتنانه، شاكرًا عظيمَ لطفه وكرمه وإحسانه؛ وأن أنهلَ من معينها العذب، وأغرق متحيِّرًا متفكِّرًا فيما حوته بحارُها هذه من البهجة والسرور، وأن أستشعرَ أنَّكم قربي وأمامي یی أستاذي الحبيب یی، وأن أتضرَّع إلى الله بجميل لُطفه وعنايته السُّبحانية أن يُدِيمَ هذه المكرمات.
وكيف لا أفعل ذلك وأنتم تُسطِّرُون أبلغَ المديحِ لهذا العبد الفقير، لا سيَّما ما جاء في مقدِّمة الرسالة التي تفضَّلتُم بإرسالها مؤخَّرًا، إذ تطلقون الأوصاف الفائقة والعبارات الرائقة ثمَّ تقولون: "رفيقي القوي في خدمة القرآن، وصاحبي المُؤنِس في طريق الحق وسبيل الأبد"، فتعلنون هذا الكلامَ النفيس بحقِّ أخ فقير حقير بائسٍ
— 285 —
مثلي! فكيف لا أعدُّه أوضحَ دليلٍ على فضلكم وعظمتكم، وعلى حُسن توجُّه الغوث الأعظم الشيخ الگيلاني (قُدِّس سرُّه العالي) وصدق بشارته؟!
لقد اطَّلعتُ على هذه الرسالة الشريفة التي تدور حول الإخبارات الغيبية للغوث الأعظم، وقرأتُها وكتبتُها، ونحن نعلم يقينًا أن الغوث الأعظم من أجلِّ الأقطاب، ونُكِنُّ له محبّةً كبيرة في نفوسنا، إلّا أن يقيني ومحبَّتي في هذه المرة زادا وتعمَّقا أضعافًا، ومحبَّتي وإيماني توثَّقا بحضرة الشيخ بحبال متينة، كيف لا وصاحب هذه الكرامات والإخبارات الغيبية هو أستاذ أستاذي الغوث الأعظم، صاحب الكرامات ومنبع الحقائق، الناطق بساطع الكلمات، والمبشر بحياة الأرواح؟!
وقد تعزَّز بهذه البشارة تعلُّقي وارتباطي بالأستاذ، وأصبحتُ أشعر أني في كنفِ حصنٍ حصينٍ لا يُهدم ولا يسقط، فلا أخشى الهجمات الخارجية؛ وأُحِسُّ بأني اكتسبتُ طاقةً وقوّةً للرَّدِّ على الاعتداءات والهَجَمات الآتية من الخارج، وبلُطفٍ من الباري سبحانه وجميل عنايته وبدعاء الغوث الأعظم وتوجُّهه وصلتُ إليكم أستاذي.. هذا من فضل ربي.
أسأل الباريَ تعالى وتقدَّس وأتضرَّع إليه أن يوفِّقني للمُضيِّ في هذا السبيل حتى نهاية عمُري، وأن يجعلني مستحقًّا ولائقًا للتحقُّق بالأوصاف التي تفضَّلتم بها أمثال: "الوفي، المضحِّي، أخي الحقيقي في الآخرة، رفيقي القوي في خدمة القرآن، وصاحبي المؤنس في طريق الحق وسبيل الأبد"، ومن الله التوفيق.
أستاذي الأكرم، لا أمتلك خطًّا حسنًا وتعبيرًا صحيحًا يمكن تقديمُه لرسائل النور، ولا أُؤدِّي تجاهَكم نسبةَ واحدٍ بالألف من واجب التعظيم والتكريم، والتبجيل والتسليم، والمحبة والإجلال، ولا يرقى قلمي العاجز لأن يغدو ترجمانًا لروحي ومشاعري.
وما محبتي لكم أستاذي وتعلُّقي بشخصكم إلا بنسبة خمسةٍ بالمئة من مقام المحبة والتعظيم والتكريم للقرآن الحكيم الذي تؤدُّون وظيفة الدَّلالة عليه ونشر أنوار
— 286 —
حقائقه؛ وما كلماتكم التي تفيض أنوارًا وحقائقَ إلا تفسيرٌ مقتَبَسٌ من القرآن الحكيم، وبهذا الاعتبار فإنَّ مَن لا يَقدُرُها حقَّ قدرِها، ولا يستحسنها ويثني عليها ويظهرُ نحوَها المحبّة والتعلُّق، لا يملك ذرّة من الإنسانية، بل الأصحُّ أنَّه شخص لم يحظ بالقبول من الله تعالى ونبيِّه (ص).. أسأل الخالق سبحانه أن يهديَ أمثال هؤلاء إلى جادة الصواب.. آمين بحرمة سيِّد المرسلين.
أستاذي الحبيب، أختكم اجتازت في مرضها مرحلة الخطر، ولم يتبقَّ منه سوى عشرين بالمئة كما أخبرتُكم سابقًا، إلّا أنَّها لم تغادر الفراش بعدُ، فهي لا تقوى على النهوض، ويرتجفُ جسمُها حين تقوم للصلاة، وربما ظهرت عليها بعضُ عوارض المرض.. إلا أنها تحيا حامدةً شاكرةً لربِّها على جميل لُطفه وحسن كرمه فيما وصَلَت إليه في هذه الأيام، متوكِّلةً عليه فيما يقدِّرُه مستقبلًا، فلقد انقضت آلامُ الماضي ومضت، ثمَّ هي تدعو لكم وتقول: "لقد سارَعَت رسائلُ النور والحقائق القرآنية الشريفة لنجدتي"، خصوصًا وأنها قرأَت دروسَ الصبر والتحمل والشكر الواردة في اللمعة الثانية من المكتوب الحادي والثلاثين وارتبطت به ارتباطًا شديدًا، لدرجة أنها طلبت منِّي أن أقرَأَه لها عدّة مرات في بداية مرضها وفي أثنائه وفي نهايته، وشكرت الحق سبحانه وأثنت عليه؛ وها هي الآن تقرأ اللمعة الثالثة والرسائل الشريفة الأخرى وتستمع إليها بقلب خاشع وطَرْف دامع.. الحمد لله، هذا من فضل ربي.
إن هذه الرسائل وسائر الرسائل الأخرى الشريفة فيوضاتٌ دفّاقة تبُثُّ الحقائق وتنشرُ الأنوار، وأستطيع القول بكل ثقة وإيقان: إنَّ لديها من القدرة والقوة ما يمكِّنُها من إدخال الإيمان إلى قلوب زُعَماء أهل الضلالة والبدعة، وعُتاة المُلحِدين، لو أمكنها الولوجُ إلى أرواحهم.
وبحمد الله تعالى وبفضل أستاذي وبركة دعواته وحسن توجُّهاته، نحن نستقي من هذه الأنوار وننهلُ من فيضها، وقد استَمَعت أختُكم للكرامات والإخبارات الغيبية للغوث الأعظم الشيخ الگيلاني بمحبة ونشوة عالية، وتمتَّعت بأذواقِها؛ حتى إنها حين
— 287 —
أُصيبت بالمرض قبل ثلاثة أعوام كانت تُمسك أغصان الأشجار في البستان، وهي في تلك الحالة من غيابِ الوعي وشدةِ الارتجاف وتصرخ قائلةً: "يا عبد القادر الگيلاني، يا أويس القَرَني.. المدد"، وقد وقَفَت هذه المرّة على كراماته وإخباراته الغيبية بشكل مفصَّل واستمعت إليها.
ولقد أثَّرت هذه الرسالة الشريفة في نفس العبد الفقير أيَّما تأثير، وأسعدت قلبي، وأَسالَت دموعي، واستحوَذَت على ثنائي وأشواقي؛ فلستُ أدري كيف أُؤدِّي شُكري وأعبِّرُ عن امتناني؟! فواجبات عبوديتي تجاه الخالق يشوبُها الكثير من النقص، وسعيي في غاية القصور، ونقائصي وعيوبي لا تؤهِّلني لأن أكون من أُمّة قائدِ العالمين وسيِّدِ المُرسَلين وفخر العالمين (ص)، وهمَّتي في الخدمة القرآنية دون المستوى اللائق بها.. ومع كل ذلك فإني أَعُدُّ نفسي موفَّقًا محظوظًا لأنِّي حظيتُ بشرف قبولكم لي للعمل بجانبكم في مقام الخدمة، وإلحاقي بالإخوة العاملين في الخدمة القرآنية؛ علمًا أنَّ إيثاري بحِصّةٍ من هذه الخدمة ولو كانت قطرةً من بحر، يستوجبُ من حمدي وشكري وثنائي ما لا حدَّ له.
كما حظِيَت هذه الرسالة بتقدير واستحسان جميع من قرأتُها لهم من الأصحابِ والإخوانِ، وأقرُّوا بصدقها وصوابها، وباتت همَّتُهم وغيرتُهم في خدمة القرآن في تَنامٍ وازدياد، يَغبِطُون السّائرين في ركب هذه القافلة، والعاملين في ظل هذه الدائرة.. أسأل الخالق سبحانه أن يُلهِم قلوبَ الأُمّة المحمدية الهداية، وينيرَ أرواحهم، ويَمُنَّ عليهم بسعادة الدارين.
أخوكم الفقير المحتاج
عاصم
٭٭٭
— 288 —
(فقرة مصطفى وزيرزاده):
أستاذي.. إنني أدعو لكم عقبَ الصلوات الخمس، وألتمس منكم الدعاء، ولا يُحسنُ لساني التعبيرَ عن مشاعري تجاه مسلككم وتجاه رسائل النور التي تنشرونها، فأنا رجل أُميٌّ لا أُجيدُ الإفصاحَ عن مُرادي كباقي إخواني، إلا أنَّ روحي وقلبي قد تنبَّها بتأثير رسائل النور والحمد لله، وأشعر بهذا التنبُّه في قلبي من خلال المرائي التي أحلُم بها؛ وإنني أجد عالم اليقظة في زمن الغفلة والظلمة هذا أشبهَ بعالم نوم عميق، أمّا عالم النوم فأجدُه عالمَ يقظة إلى حدٍّ بعيد، لذا أودُّ أن أُحدِّثَكم أستاذي عن رؤياي.
وخلاصة هذه الرؤيا: أنَّنا كنا بصحبتكم في أحد الجوامع، وأقوم أنا وأصحابي من طلابكم بتنظيف فِنائه، فظهرت سيّارة وتوقَّفت قربَ المسجد، وكان فيها الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام، وبعد ذلك رأيت نهرًا جاريًا، وانتهت الرؤيا... وأُحيلُ تعبيرَها لكم أستاذي، إلا أنني فهمتُ منها التالي: لقد نالت رسائل النور التي تَسعَى لإحياء سُنّة الرسول الأكرم (ص) ونشرها التقديرَ والاستحسانَ من الرسول الأكرم (ص)، حتى إنه خصَّ هذه الولاية التي هي جامعُنا بالتشريف المعنويِّ والإمداد الرُّوحيّ؛ إلا أنَّ أهل الضلالة يحاولون بمكائدهم التشويشَ على خُدَّام السُّنّة السَّنية، ويضعون العراقيل كي يمنعوهم من اللقاء بأستاذهم.
وخلاصة الرؤيا الثانية: رأيت مجموعة كبيرة من المزارعين يَذْرُون القمح في نهاية إحدى المقابر، وإلى الأمام قليلًا تمَّ تشييدُ بنيانٍ أشبهَ بقلعة مُحكَمة بابُها ذو مصراعين، ورأيت حضرة الغوث الگيلاني جالسًا فيها، وداخلَها أناس كثر، فكنت ممّن حظي بزيارته.. أُحيل تعبيرَها لكم أستاذي، إلا أنِّي فهمتُ من هذه الرؤيا: أن تلك المقبرة هي الزمان الماضي، والذين يَذْرُون القمحَ في تلك البيادر هم ناشرو رسائل النور وطلابها في هذا الزمان، فهم يهيِّئون الأرزاقَ المعنوية للأرواح، ويَمِيزون حبّاتِ الحقائق من أعلاف الأوهام والخيالات؛ أما جلوس حضرة الغوث الگيلاني وتدريسُه لهؤلاء الطلاب في القلعة المحكمة یی وهو الأستاذُ الأهمُّ لأستاذهم یی
— 289 —
وانشغالُ الجموع الكثيرة به، وكذا انصرافُه هو إليهم، كل ذلك يفيد أنه أَظهَر هذه الأمورَ كلَّها بكرامته الغوثية، وأنه مهتمٌّ بطلاب رسائل النور، ومتابعٌ لهم بهمَّته ودعائه.
طالبكم الأميّ: مصطفى
٭٭٭
(فقرة الحافظ علي):
أستاذي المحترم.. لكثرة تداوُل الكلمتين الأولى والثانية بين أيدي الكثير من القُرّاء، أصاب النسختين التلف، فقمتُ بنَسخِهما، فورد إلى القلب تساؤل: "هل هنالك سرُّ توافقٍ في هذه الكلمات التي تُعَدُّ حُجّةَ الإيمان والإسلام؟"، فأجريتُ مطالعةً دقيقة حتى وجدتُ ما أبحثُ عنه، فقلت: "الحمد لله، هذا من فضل ربي"، وعلمتُ أنَّ جميعَ الرسائل تضمُّ لمسةَ إعجاز وضياءَ حقيقة لشعاع شمسٍ سرمدية لا تنطفئ.
فكما أن القرآن الحكيم يخاطبُ الإنسَ والجنَّ وجميعَ العوالم منذ ألف عام ونيِّف، فيُخرِس أعداءَه، ويبعثُ السُّرورَ في نفوس أصحابه، وحُكمُه قائمٌ إلى يوم القيامة؛ كذلك التفسيرُ الحقُّ للقرآن الحكيم المتمثِّل في رسائل النور وأجزائه، أظهَرَ نفسَه من بين حُجُبِ الظلمات، ونشَرَ الأنوار في الأرجاء.
وقريبًا سيأتي ذلك الزمانُ الذي تُمزِّقُ فيه الأنوارُ حُجُبَ الظُّلُمات وتَهتِكُ أستارَه بإذن الله تعالى، وتُخاطِبُ العالَم كلَّه مُثبِتَةً الإعجازَ الباهر للقرآن المُعجزِ البيان.
أسأل الحقَّ سبحانه أن يبارك في أعمار وأعداد العاملين في خدمة نشر الأنوار.
الحافظ علي
٭٭٭
— 290 —
(فقرة الحافظ علي):
سيدي وأستاذي الرفيع القدر...
لقد وفِّقتُ لنَسخِ "مِرقاة السُّنّة" المُتضمِّنة لإحدى عشرة نُكتةً، وهي كاللَّمعة الوَّضاءة تشكِّلُ في هذا الزمان معيارًا لتمييز الشرك عن الإيمان، ولتفريق الخير عن الشَّرّ، فتَدَعُ النظرَ حائرًا في إبصار كُنهِها، والعقلَ عاجزًا عن بلوغ حقيقة أمرها.
وكان من المأمُول أن يُهيِّئَ الحقُّ سُبحانه برحمته نورًا يمزِّق حجبَ الظلمات الشديدة في هذا الزمان، ويتفوَّق على خصومه؛ وها قد بزغ یی بحمدِ الله یی في رسائل النور، يُبصِرُ ذلك كلُّ من يملك مُسكةَ عقل، فليس ثمة رسائلُ توضِّح الحقائقَ العظيمة وتفسِّرُها، وتخاطب عمومَ المشارب، وتقدِّم الفائدة للجميع، كهذه الرسالة.
أستاذي العزيز، كيف لا نشكر الحقَّ سبحانه على عظيم فضله وامتنانه، وقد أرشَدَنا لمُفسِّر حقيقيٍّ لشمس القرآن، هو أَشبَهُ بشمس الدنيا العظيمة التي نحتاجُها بشِدّة؟!
وكيف لا نصلِّي ونُسلِّم على "شاهْ لولاك" قائدِ الأنبياء والمرسلين (ص)، وقد أضاء بأنواره أعيُنَنا التي لا تُبصرُ الهداية، وساقنا إلى الصراط المستقيم؟!
وكيف لا ندعو لدلَّال القرآن الذي ضمَّنا لِحَلْقة إرشاده غيرَ آبهٍ بذنوبِنا، ولم يُسلِمْنا للغفلة والمعاصي، وهو رفيقُنا في الدّارَين بإذنِ الله؟!
أستاذي الحبيب.. عندما كنتُ أَنسَخُ كِلا القسمَينِ ورد إلى قلبي ألّا أُقلِّد أصولَهما، فقلت في نفسي: كيف ستَظهَرُ أزهارُ التَّوافق وجَلْوةُ البدائع الظاهرةُ عليهما في شكل آخر؟!
فإن الصنعة البديعة في نسختَيِ العبد الفقير بعيدةٌ كلَّ البعد عن إدراك العقل واستعداد البشر، فكأنها وُزِنت وفُصِّلت في مصنعٍ خاصٍّ بها، فظهر كلُّ حرفٍ من حروفها في وزن مقصود وموضع مشهود، وتخاطبُ معنًى سفهاءَ هذا الزمان الشاردين
— 291 —
عن التعقُّل: "إن جلوة الجمال التي تتجلى علينا لا يمكن قياسُها بعقولكم، فبإمكانكم مشاهدتُها فقط إن كنتم تبصرون".
أجل، إن تفتُّحَ الورود كالسُّندُس المُزهر في فصل الربيع، في كلِّ مكان على وجه الأرض بأثر الصَّنعة الربّانية، لا يمكن أن يُحيلَه من يملك ذرّةً من الشُّعور إلَّا إلى قادر مطلق ذي جلال؛ وكذلك هي رسائلُ النور، تحمل ربيعًا أشبهَ بعِيدٍ سلطاني أُقيم في العصر الرابعَ عشر من عصور القرآن وتاريخِه، فما القولُ فيمن هو من أهل البصيرة ثمَّ لا يُبصر هذا الربيع العظيم؟ وما الرَّأيُ فيمن ملك أدنى تعقُّلٍ ولم يستفد من أزهاره وثماره؟ وما الحكمُ فيمن أبصره ثمَّ ذهب ليرميَ بنفسه في أحضان زمهرير الشتاء؟ فعجبًا ممَّن يُسبِغُ على نفسه ظاهرًا نعمةَ أهلِ والشعور و الفكر وأرباب البصيرة، وهو بعيدٌ عنها كلَّ البُعد.
حياكم الله أستاذي الحبيب، إنك بهذه الألماسات القرآنية مبشِّرُ ذاك الربيع العظيم.. أسأل اللهَ أن يُبلِّغكم مُرادَكم ويحقِّق مقصودَكم.. آمين. أدعو بهذا وأُقبِّل أيديَكم سيِّدي.
طالبكم الفقير: علي
٭٭٭
كان ينوي طالبكم العاجز الفقير أن يكتب إليكم رسالة صغيرة حول المؤلَّف السابقِ ذكرُه، لكن لمّا كنتُ مُشتَرِكًا مع أخي الحافظ علي أفندي في الآمال والغايات، اكتفيتُ بتكرار المعاني الواردة في رسالته، مقبِّلًا أيديَكم سيِّدي.
طالبكم المقصر: خلوصي الثاني
٭٭٭
— 292 —
(فقرة خلوصي بك):
أستاذي العزيز المحترم.. تكرَّر الحديثُ بكلِّ أسف عن بُطءِ التحرُّكات في نشر الأنوار، في الوقت الذي كان يستدعي مضاعفةَ الجهود في هذا الميدان؛ ومنذُ عهدٍ قريب جدًّا انضمَّ إلى دائرة "الكلمات" مشتاقون جُدُدٌ، وبإخطار معنويٍّ وَرَد إلى القلب رُحتُ أُفكِّرُ في كيفية انتشارها، وشعرت بالحقائق الآتية، بل بتُّ مقتنعًا بها:
إن "الكلمات" و"المكتوبات" المباركة قد انتشرت كثيرًا في هذه الأنحاء رغم عدم كتابتها وعدم نشرِ جميع أجزائها، كما أن كثيرًا من الإخوة في أقضية الولايات المجاورة يرغبون في الاطِّلاع على هذه المؤلَّفات والاستماعِ إليها؛ وإن تحصيلَ هذا القدر من الإنجازات عبْرَ خدمة جزئية ناقصة، يؤكِّد أن هذه "الكلمات" و"المكتوبات" هي من تجلِّيات اسم "النور"، وإلا لم تنتشر بهذه السهولة.. فيا سبحان الله!
وبينما كنت أُفكِّر في هذا الأمر بعَجَب، تذكَّرتُ الكلمة الأولى التي تناوَلَت الحديثَ عن "باسم الله"، ودار في خلدي الخاطرُ التالي: لقد وَلَج الأستاذُ یی بإعراضه عن الدنيا وبتشجيع حضرة الغوث الأعظم وربما بإرشادِه یی إلى خزينةٍ قرآنية مختومة من خلال "باسم الله"، وراح يزرعُ حبَّاتِ "الكلمات" في الحقل القُرآني قائلًا: "باسم الله"، ويغرس بذورَ "المكتوبات" النورانية في البستان الفرقاني مردِّدًا: "باسم الله"، فلا جرمَ أن انتعاش الحبّات المزروعة وتناميَ البذور المغروسة التي تنحني امتثالًا للأمر الإلٰهيّ سيبدو مبهرًا.
إن الشخص المتواضع المذكور في "الكلمة الأولى"، والذي يقوم بالسياحة هو أستاذنا بكل تأكيد.
ومثلَما تتوغَّل جذورُ النباتات والأشجار والأعشابِ ناعمةً كالحرير في الأحجار القاسية تحت الأرض، وتخترق أعماقَها بتأثير "باسم الله"، كذلك حال "الكلمات" المؤلَّفة "باسم الله" تنتشر في أرجاء الأرض بشكل بديع، وتَنفُذ إلى قلوب أكثرِ أهل الإيمان تنوُّرًا وتكمُّلًا من بين بني البشر.
— 293 —
إن غراسَ الأنوار المزروعة "باسم الله" في هذا الزمن الذي تكثُر فيه البدع، وفي هذه الحقبة التي يتوافرُ فيها المخرِّبون بكثرة، وكذا "الكلمات" و"المكتوبات" الأخرى التي تشكِّل أوراقَ هذه الغِراس السّامية، وحزبُ القرآن الذي يكوِّن أغصانَها وفروعَها، إضافةً إلى الأستاذ الموقَّر الذي هو مؤسِّسُ هذا الحزب وسيِّدُه.. كلُّ ذلك مظاهرُ الحفظ والحماية الغيبية.
فقدَّرتُ أن هذه الأنوار القرآنية التي تُشِعُّ من شمس الرسالة تطلُّ أولًا على الأستاذ، ومنه إلى أمثالنا من المساكين، ومِنّا إلى باقي المُشتاقين، وهكذا.. فقلتُ: الحمد لله.
وكما حدَّثتُكم في رؤيا سابقة أن جماعتنا الصغيرة أصبحت وسيلةً لانتشار "الكلمات" بين المؤمنين، وهي أشبهُ بأولئك الذين أصبحوا مَظهَرًا لسِرِّ الآية: كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ، وحقَّقوا الانتصارَ المعنويَّ، وشكَّلوا حَلْقةَ توحيد مصغَّرة تتبعُ إدارتُها لمُرشِد واحد، وهكذا فإنَّ وراء كلِّ فرد من أفراد جماعتكم الصغيرة زُمرةَ موحِّدين على هيئةٍ هرميّة أو (راسمٍ مخروطيّ)، وهم في تزايد مطَّرد.. وكأنني لمحت هذا الأمر وقلت: الله أكبر. وإنني أرغب أن أوضِّح هذا التَّصوُّر القيِّم لإخواني بصورة أوضحَ في اللوحة الواردة في الأسفل؛ وقد منحني هذا التفكُّر النوارني أملًا عظيمًا، وذكَّرني ببيتِ شعرٍ في قصيدة المعلم جودي:
جميعُ القبائل كلُّ الشعوب محبَّتُه للجليل المُعظَّم
على قبلةٍ قد أناخوا القلوب فصلَّى عليه الإلٰهُ وسلَّم
وها هو أستاذنا الموقَّر الذي يُولي اتِّباعَ السُّنّة أهميةً عظيمة، (حاشية): إن إحدى كرامات إخلاص خلوصي التي تكررت منه مرات عدة دون أن يشعر بها: أنه يتحدَّث في رسالته حول مسألة تشكِّل موضوعَ رسائل ألِّفت حديثًا ولم تُرسَل إليه بعدُ، فكأنه يَنشُدُها.
ومثلَما حَدَث مرّاتٍ عديدة، جاء طلبُه الآن بشكل صريح لرسالة "مرقاة السُّنة" من قبيلِ الحسِّ قبل الوقوع، وهي تتحدَّثُ عن اتِّباع السُّنّة. (سعيد) يَسعَى في هذا العصر إلى إرشاد أهل الإيمان بسِرِّ: «العُلَماءُ ورثةُ الأنبياء» ، وذلك من خلال
— 294 —
مؤلَّفاتٍ نورانيّة تُدعَى: "الكلمات" و"المكتوبات"، ليُوجِّه نحوَ قبلةٍ موحَّدة أولئك الذين يفرِّطون بعقيدة التوحيد تدريجيًّا في كلِّ يوم، بسبب انتشارِ بُذُور النِّفاق فيما بينهم، كما يَرفَع راية القرآن عاليةً في وجه عموم الكفرة، بل حتى الجانِّ والشياطين، ويعرضُها كما نزلت في أوَّل أمرِها، مُظهِرًا إعجازها الخفيّ.
بعد أن قرأت الرسالة التي تتحدَّث عن وحدة الوجود مع بعض السادة من ذوي الشَّأن، انتقلتُ ذِهنًا بدافع معنوي وبشكل لا إرادي إلى مكانٍ آخَر، فوجدتُ بين الحضور العالِمَ صاحبَ مشربِ وحدة الوجود، (٭): وهو الأستاذ الحاج شوكت من العزيز (ألازيغ). فشرعتُ یی بغير اختياري یی بقراءة الرسالة التي تتحدَّثُ عن وحدة الوجود، فحاول ذلك العالمُ ابتداءً أن يُبديَ بعضَ الاعتراض، فطلبتُ منه الاستماعَ إليها حتى نهايتِها، وبعد أن أتممتُ القراءة تعجَّب ذلك العالمُ من عظمة هذه الكلمات، وتساءل بفضولٍ واستغراب: "من يستطيعُ أن يكتب كلماتٍ عظيمةً كهذه في هذا الزمان؟!"، فقلت له: "هو أستاذُنا مظهرُ الفيضِ القرآنيّ"، فأقرَّ ذلك العالم وأعلن إذعانَه بشكل تامّ.
إن جلوة القدر الإلٰهيّ في هذه الحادثة العفوية، والتسليمَ العجيب الحاصلَ دون اختيارنا، يمثِّلُ برهانًا صادقًا على قضيَّتنا، ودليلًا عظيمًا على أنَّنا لسنا لُعبةَ مصادَفة، فی إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
خلوصي
٭٭٭
(فقرتان لصبري الثاني: الحافظ علي أفندي):
وُفِّقتُ هذه المرة لنَسخِ الكلمة التاسعة والعشرين، وفي أثناء النَّسخ بلغتُ السطر المحاذيَ لجملة (مصابيح كهربائية بقوة آلاف الشَّمَعات) الوارد في الأساس الثاني
— 295 —
تحت اسم "المدارات"، ورد إلى قلبي خاطرٌ شدَّني لدرجة أني تركتُ القلمَ من يدي، واستغرقتُ في التفكير به، وها أنا أذكرُ ما شغل فكري:
لقد أَظهَر لنا أستاذُنا بتوفيقِ الحقِّ سبحانه الطريقَ المُؤدِّيَ إلى حقائق بقاء الروح ووقوع الحشر؛ وفي طريق الحقيقة هذا ثمّةَ أمورٌ لا تُعجِب أهواءَ النفس، لذا يبدو لنا هذا الطريق طويلًا ومُظلمًا.
أما اليوم: فإن هالة النُّور یی أي: "الكلمات" یی وكذا المصابيحُ الكَهرَبائيّة لمعمل النُّور وقُواه الجاذبة، قد أَبرزَت هذا الطريق بشكل ساطع، وجلَبَتْه بالقُربِ مِنّا، وأظهَرَتْه أقربَ من قُربِنا، فبعثَت فينا الأمان بدل الخوف، وأحسنت إلينا بالعسل بدلَ الزَّقُّوم.
وأعترف بعجزي الشديد عن التعريف بما انطوت عليه من حِكَمٍ فائقة للغاية، وأتحدَّث بما يمكنني التحدُّثُ به: "اللهم إني أسألك بحقِّ اسمك العظيم، وبحقِّ القرآن الحكيم، وبحقِّ حبيبك الأكرم، أن تُثبِّت أستاذي في العمل التي ترضاه، وتُهيِّئ وتيسر له في عمله ما يرضيه.. آمين، بحرمة سيِّد المرسلين (ص)".
علي
٭٭٭
هذه المفاهيم العالية والمعاني الغالية التي لا تطولُها الأيدي، والمتحدِّرة من بيانكم الساطع لحقيقة مجموع "الكلمات" التي هي هالةٌ من نور، لو تأمَّلَها ووعى معانيَها لا زنادقةُ هذا الزمان فحسبُ، بل حتى الفراعنة والنماردة المعاندون القُدامى المُشابهون لهؤلاء، لدَخَلوا في الإيمان..
قلتُ هذا، ودعوتُ لكم كثيرًا.
علي
٭٭٭
— 296 —
(فقرة خلوصي بك):
لقد أثبتت الكلمة الخامسة والعشرون إعجازَ القرآن بصورة باهرة، وصارت ملجأً لأهل القرآن، ومخزنًا للأسرار والأنوار، ومستودعَ أسلحة فتّاكة لردِّ كيد الطغيان، ومخزن مُعدّاتٍ حربية، لدحر جماعات الكفر والعصيان، وحصنًا منيعًا لا يُهدَم، ولا يُمكن التغلُّبُ عليه ولا اجتيازُه، وقلعة فولاذية مهيبة ومدهشة، وبُرجًا ذا أسوارٍ حصينة.
وبما أنَّ هذه هي الحقيقة، فإنني أرغب یی باسم خادم القرآن الذي ارتكز إلى سُوَرِه، واعتصم بقلعته، وعمَّق البحثَ في أسراره العجيبة المدهشة، ومَن يَعُدُّ القرآن دليلًا وشفيعًا، ويتَّخذُه إمامًا ورفيقًا، ويعتصم به حافظًا وحاميًا یی أن أتعلَّم منه هذا الأمر، وأتمنى من صميم قلبي أن يحظى طلبي بموافقة أستاذي المُدقِّق، المُعرِّف المُبشِّر، الذي اطَّلع بعناية الله على أسرار القرآن، وتعَرَّف بلطف الباري حقائقَه ودقائقَه، ووقف بعون الحقِّ على رموزه وإشاراته.
خلوصي
٭٭٭
باسمه سبحانه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
أخي العزيز مصطفى أفندي..
لقد تشكَّلَت لديَّ قناعةٌ من خلال بعض الأمارات، وبشهادةِ صدقٍ من بعض السّادة الفُضلاء، أنه يُمكِن لفضيلتك أيضًا أن تكون طالبًا جادًّا وأخًا أُخرويًّا مُخلِصًا لي، مثل بكر أفندي مُؤذِّن زاده، كما أن والدكم المرحوم الحاج سعيد أفندي داخلٌ ضمن سلسلة دعواتي منذ زمن بعيد.
ومقابل هديَّتكم القيِّمة جدًّا التي تفضَّلتُم بإرسالها، والمكوَّنة من ماء زمزم وتمور المدينة المنوَّرة، أقدِّم لكم "رسالة المعراج وانشقاق القمر"، وهي الكلمة
— 297 —
الحادية والثلاثون، الحائزة على المرتبة العليا في نظرِ أهل الإيمان، وهي شديدة التأثيرِ في رؤوس أهل الضلالة كأنها الصواعق.. كما أقدِّم لكم أيضًا رسالة أخرى تتحدَّث عن الوحدانية ومعرفة الله ومحبَّته، وهي رسالة نورانية مشهورة، لا نظير لها لدى أهل التحقيق، وهي الكلمة الثانية والثلاثون، المُؤلَّفة من ثلاثة مواقف.
فإن وجدتُم من ينسخُها لكم بخطٍّ حسنٍ فأمرٌ مستحسنٌ، على أن يُراعى تصحيحُها ومُقابلتُها بأصلها مرتين أو ثلاثًا، وبمعاونة أخي السيِّد شفيق، ثمَّ بعد ذلك يأخُذُها بكر أفندي ويكتُبُها لنفسه ولوالد زوجته؛ وإن لم تجدوا ناسخًا جيِّدًا، فلتُعطَ لبكر أفندي، أو محمد أفندي، أو الحافظ هداية أفندي، أو غيرهم من الأفاضل الذين يَقدُرُون حقَّ قدرِها ويعرفون قيمتَها كي ينسخوها لأنفسهم، شريطة بقاء الأصل عندكم، وتكرارِ قراءتِها مع بكر أفندي.
بلغني أنه يُمكن الحصولُ على إذنٍ رسميٍّ لطباعة الرسائل بالأحرف العربية في مطبعة الأوقاف، فإن كان الأمر كذلك فليُباشر بكر أفندي من فَورِه بطباعة هاتين الرسالتين، بشرط الدِّقة التّامّة أثناء التَّصحيحِ تحت إشراف السيِّد شفيق ونظرِه.
ولستُم مضطرِّين لدفع نفقاتِ الطباعة من جيوبكم، فقد صرفنا لرسالة الحشر ثمانين ليرةً ورقية، وربحنا منها ثلاثَ مِئة ليرة، ما يعني أنها بضاعةٌ غيرُ كاسدة بل صالحة للبيع، فالأرواح المسلمة تحتاجُها كحاجتها إلى الغذاء، فلو وُجد مئتا مشتركٍ فقط، لَأَمكن تغطيةُ مصروف طباعة رسالة واحدة، وتوفيرُ نفقةٍ لأجل طباعة الرسائل الأخرى؛ فكما أنني لا أقبل الصَّدَقات من الناس، كذلك لا أرتضي لكتبي أن تُطبَعَ بأموال الصدقة، فاصرفوا همَّتكم إلى جودة الطباعة ودقّة التصحيح وتفادي الأخطاء، وابذُلوا جهدكم في مراعاة التصحيحات أثناء الطباعة كما فعلتُم مع الكلمة العاشرة، وأبلغوني بتكاليف طباعة الرسالة التي طبعتُموها أوَّلًا، كي أستقرضَ الثمنَ وأُرسلَه إليكم فورًا.
— 298 —
إن وفِّقتُم في طباعتها وأرسلتُم بعضَ النُّسخ إلى أهالي المدينة المنوَّرة ومكّة المُكرَّمة الذين تحبُّونهم مثلَ والدكم فأمرٌ مستحسنٌ، ولعلَّ هذه الهدية تكون أثمنَ من هداياكم القديمة إن شاء الله.
الباقي هو الباقي
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
(خطابٌ موجَّهٌ إلى خلوصي بك):
باسمه سبحانه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
أخي العزيز.. إنك داخلٌ ضمن دعواتي صباحًا ومساءً، فأدخِلني أنت كذلك ضمن دعواتك؛ وإن أعظم عون يقدِّمُه المؤمن لأخيه المؤمن في دار الدنيا هو الدُّعاء.
ولا ضير یی في نظري یی بأن يُفصحَ المرءُ لأخيه عن بعض الإحسانات الربانية التي خُصَّ بها، من قبيل التحدُّث بالنعمة، ما دامَ مطمئنًّا أنه لا يُدخِل بذلك على نفسِ أخيه الغرور، بل يَحمِلُه على الشُّكر.
ولأنني أعلم أنك لا تحملُ غرورًا في نفسِك، فسأُفصِح لك عن هذا السِّرّ، وهو أني حينما كنتُ أؤلِّفُ "الكلمات"، كانت أكثر تمثيلاتها تظهرُ من قبيل الشؤون العسكرية، وكنت أتعجَّب من ذلك، وأتساءلُ حائرًا: لماذا أكتب هكذا؟! وما كنتُ أجدُ الجواب ولا أعرف السَّبب، ثم وَقَع في خَلَدي أنَّه قد يظهر مستقبلًا من بين العسكريِّين من هم أرفعُ الطلبة الذين يتلقَّون هذه "الكلمات" بحقِّها، ويُقبِلُون عليها فهمًا وتطبيقًا، ويَفتَدُونها بأرواحهم؛ لذا كنتُ أُضطَرُّ للكتابة على هذا النحو، مُنتظِرًا أولئك الجنودَ الأبطال.
— 299 —
حاذرِ الغرورَ، واشكُرِ الله أن جعلك من أوفرِ هؤلاء العساكرِ حظًّا إذ كنتَ أوَّلَهم، وإن كتابتك لأربع وعشرين كلمةً من "الكلمات" رغمَ كلِّ المشاغل الدنيوية قد أيَّدَت حُسنَ ظنِّي بك، إلّا أنَّ بقيةَ "الكلمات" مُهِمّة للغاية، لا سيَّما "إعجاز القرآن" و"القَدَر"، وإنَّ الذي حمَلَك على كتابةِ "الكلمات" السّابقة، سيَدفعُك لكتابة هذه أيضًا بإذن الله..
یی أَرسِل لي جميع ما كتبتَ حتى اليوم من"الكلمات" في أقربِ فرصة لأُصحِّحَه وأُعيده لك.
یی لم أطَّلع من قبلُ على قصيدة المعلِّم المرحوم "جودي"، إلا أنَّها قصيدة مباركة، وقد سُرِرتُ كثيرًا بقراءتها، أسأل الحقَّ سبحانه أن يجعله مظهرًا لشفاعة القرآن.. ورضي الله عنكم.
أمّا الصلوات الشريفة التي كتبتها فلم أطَّلع على شيءٍ بخصوصها، لكن اللَّطافة والنورانية التي تنطوي عليها تدلُّ على أنَّها لائقة بما قيل في حقِّها من الثواب والفضيلة.
یی سمعتُ أنك أرسلتَ نسختك من "الكلمة العاشرة" لوالدك، فها أنا أُهدِي لأخي نسخةً عوضًا عنها، وقد وُضِعت في هذه النسخة خطوطٌ تُيسِّرُ الفهمَ في مواضع كثيرة، فأعطوها للشيخ مصطفى وحقِّي أفندي وحسين أفندي، وأَطلِعوا عليها سائرَ معارفِكم حتى يجعلوا نُسَخَهم على منوالها.
یی أخي، في وحشة الغربة والأسر والوحدة هذه، آنَسُ بأصحابٍ نورانيِّين من مثلك ومثل الشيخ مصطفى وحقِّي أفندي وحسين أفندي، وأجد السُّلوان بكم.. لا أضلَّني الله وإياكم عن جادّة الحقِّ.. آمين.
أبعثُ سلامي ودعائي للشيخ مصطفى والسّادة حقِّي وحُسين وأدهم.
الباقي هو الباقي
أخوك في الآخرة
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 300 —
(رسالةٌ موجَّهةٌ إلى خلوصي بك):
باسمه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته بعدد عاشرات دقائق زمانك المصروف لكتابة أجزاء رسالة النور
أخي في الآخرة، الغيورَ الجادَّ المخلصَ نقيَّ السريرة..
أولًا: أرسلتُ إليك الموقفَ الثاني للكلمة الثانية والثلاثين، (حاشية): أما الموقف الأول فهو هدية رمضان. فاقرأه بتمعُّن، واكتبه بخطٍّ حسن، وقُم بتصحيح ما فيه من أخطاءٍ إن وُجدت، فقد تمَّت كتابتُه على عجل وبقلبٍ حزين، ولا بد أن يكون قد وقع فيه بعض التشويش.
ثانيًا: كتبتَ لي بأنه حصل لديك شيءٌ من الفتور والكسل المؤقت، فلعلَّ الاضطراب الذي أصابني قد انعكس عليك وسرى إليك أيضًا، لِما بيننا من رابطة روحية، ناهيك عن الرخاوة والفتور الحاصل من غليان الدم في الربيع، والناشئِ من قلة النوم لقِصَر الليالي، وانصراف قلوب المُستمِعين إلى الأعمال والأشغال.
ففي الوقت الذي توفِّي فيه المرحوم "عبد الرحمن" عانيتُ اضطرابًا في شهر رمضان الشريف بتأثير تلك المناسبة الروحية، رغم أنِّي لم أكن أعلمُ بأمر وفاته، وقد أدركتُ الآن أن ثمّة الكثيرَ من الانعكاسات اللاشعورية وغير الاختيارية.
لكنَّك يا أخي مكلَّفٌ الآن بأداء وظيفتين: إحداهما: وظيفة أخي خلوصي بك، والأخرى: وظيفة ولدي المعنوي وابن أخي "عبد الرحمن" الذي كان متوقَّعًا باحتمال قويٍّ أن يكونَ صاحب عبقرية نورانية، فإنَّ وظيفته قد أُوكِلت إليك أيضًا؛ فقد كان وارثي الحقيقي، وكان يهتمُّ بكتاباتي وأموالي كأنها له، وعليك أيضًا أن تَعُدَّها كذلك، فلا تنظر بعد اليوم إلى الكتابات والكلمات على أنها لأستاذك، بل عُدَّها كتاباتِك
— 301 —
واهتمَّ بها كأنها أموالك، وبلِّغ "حقي أفندي" أن يُعِدَّ نفسَه أيضًا ليكون بدلَ أخي "عبد المجيد"، وليعلَمْ أنه مكلَّف بوظيفته.
ثالثًا: لم تَعُد هنالك حاجةٌ لكتابة كلمات أخرى بعد الكلمة الثالثة والثلاثين، كما أني لاعتبارات أخرى لن أتجاوز هذا العدد المبارك شرعًا، إضافةً إلى أنَّ الحقائق الأساسية القرآنية والإيمانية قد كُتبت أقسامُها اللازمة والضرورية باعتبار الأكثرية المطلقة.
فآمُل أن تكون هذه المكتوبات كافية یی إن تقبَّلَها الحق سبحانه وكَتَب لها التوفيق یی لتبديد سحب الضلالة، ولن أقول: إنَّ فيها دواءً لكل داء، لكنها تضمَّنت أغلب أدوية العلل المُهلِكة.
فالزَمْ مطالعَتَها من قبيل التفكُّر الذي يُعَدُّ عبادةً قيِّمة جدًّا، وعُدَّ ما فيها من العلم من أنوار الإيمان ومن معرفة الله تعالى، كيلا تورث فيك المللَ، واقرأها حين تجد في نفسك ونفس مستمعيك اشتياقًا لها.
الباقي هو السَّلام، والدعاء.
أخوكم سعيد
لقد كتبتَ رأيك حول المقام الأول للكلمة الثالثة والثلاثين، وأعربتَ عن إعجابك به.. فاسأل "حقي أفندي" والمفتي أفندي وسائر إخواني: كيف وجدوا هذا المقام؟ وأخبرني برأيهم.
سلامي لجميع الإخوة، وأدعو لهم، وألتمسُ منهم الدعاء.
أخي خلوصي.. إنه سلَفُك، فاقرأ له رسالتك، وارْثِ له، وخُصَّه بالدُّعاء.
٭٭٭
— 302 —
(رسالة كتبت خطابًا لخلوصي بك):
باسمه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته بعدد حساب أبجدِ أعداد حروف ما قرأته من أجزاء رسالة النور
أخي الحبيب.. هذا الكلام الذي أخاطبك به ليس لأجل تشجيعك، فأنت غيرُ محتاجٍ لذلك؛ ولا ليكون مبعثَ فخرٍ لك، فإنَّ الفخر يُورِث العُجْب والرِّياء؛ وإنَّما أقولُه ليكونَ مبعثَ شكر لك:
لقد غدوتَ أنت وحقِّي أفندي عندي بمثابة مئة طالب جادٍّ، بل أستطيعُ القول: إن سبب تقدير الحقِّ تعالى إرسالي إلى هذه الأماكن هو لأجل النهوض بكم في هذه الوظيفة السّامية؛ وإن تعليم دروس الإيمان التحقيقي في هذا الزمان فضيلة عظيمة ومهمّة جليلة، فالمؤمن الذي يحمل الإيمان التحقيقي يصبح نقطةَ استنادٍ لكثير من المؤمنين، إذ يرتكزُ عوامُّ المؤمنين یی بدون شعور یی إلى القوة الإيمانية التي يمتلكها، فتقوى شوكتُهم المعنوية، ويَثبتُون في مواجهة الضلالات.
فيجب أن تشكروا الله تعالى أن وفَّقكم للانضمام إلى هذا الدرس، وأنا بدوري أشكرُه مئات آلاف المرات أن هيَّأكم لمؤازرتي بسواعدكم القوية وأكتافكم الفتية، ولحمل عبئي الثقيل الذي أثقل كاهلي الكليل، فباتت روحي التي آنَسَت الراحةَ واستشعرت الطمأنينة تنظر إليكم نظرة التقدير والامتنان، وراح قلبي الذي تخفَّف من المسؤولية يدعو لكم بالتوفيق، وصار عقلي الذي نجا من طول التفكير في أداء الوظيفة يهنِّئُكم ويباركُ لكم.. ولقد كنتُ أُستخدَم في هذه الوظيفة السّامية دون علمي، أما أنتم فتخدمون على علم، لذا فأنتم محظوظون جدًّا، وإن نيَّتكم المُخلَصة ستُصحِّح نيَّتي المُشوَّشة إن شاء الله..
وأمّا الآن فأُبيِّن لكم عدّةَ نقاطٍ أُخرى:
— 303 —
أولًا: كنت أطلبُ رأيكم حول بعض ما أكتب، ولم يكن غرضي من ذلك معرفةَ ما أُشاهده هل هو حقيقة أو لا؟ بل "هل الطريقُ الذي فُتِح إلى الحقيقة يصلحُ للعموم؟"، لأنني لا أعلم مدى استعداد العموم لتلقِّيها كما تلاحظون أنتم.
ثانيًا: لقد أحسنتُم صنعًا إذ قدَّمتُم للمفتي الضيف وللشيخ مصطفى صورةً عن المكتوب المُرسَل إليكم، وحبَّذا أن ترسلوا لي صورةً أيضًا؛ واطلبوا من ابن أخي یی ولد المفتي، وهو أخي في الآخرة، وصاحبي في خدمة القرآن، وذو المشرب الجلالي یی أن يكتب بالنيابةِ عني لأبيه ما يلي: بعد السلام والدعاء، فإنني أطلب أن يَجعَل اللُّطفَ الإرشاديَّ الواردَ في الآية: فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا دليلًا له أثناء الإرشاد والنصيحة، ليَسهُلَ انتشارُ الأنوار القرآنية التي حمَلَها معه.
رابعًا: بالنسبة إلى الأسئلة التي سألتها، فلا أعلم حاليًّا أقوال علماء الحنفية وروايات الأحاديث، إذ ليس لديَّ كتبٌ أُراجعُها، إلّا أنَّ مدارَ الترجيح في مثل هذه المسائل الأفضلية یی بحسَب رأيي یی هو عاداتُ الجماعة التي يُنال بها قبولُ العامّة، فكيفما ورَدَت العاداتُ الإسلامية فهو الأفضل.
سؤالكم الأول: جوابُه أنَّ قراءة القرآن إن كانت تتمّة تسبيحاتِ الصلاة، فالأولى ألّا يغيِّر المتوجِّهون للقبلة وضعيَّتهم، وإنَّما يُحوِّلُ الرجل الذي أمام المؤذِّن ظهرَه أو يتنحَّى جانبًا؛ وإن كان يقرأ القرآنَ بشكل مستقلٍّ فالأولى التوجُّهُ نحو القارئ؛ كما يُفضَّلُ أن يتوجَّه نحوَ القبلة من يستمعُ بأذنِ الرُّوح التي لا تُقيَّد بالجهات السِّتِّ، ونحو القارئ من يستمع بأُذنِ الجسم.
سؤالكم الثاني: جوابُه أنَّ الأفضلية تتغيَّر بحَسَب اشتياق الجماعة ونيَّة القارئ. (حاشية): السؤال الثاني: بما أنَّ من السُّنّة البدء بخاتمة سورة الحشر: هُوَ اللَّهُ الَّذِي بعد صلاتَي الصُّبح والمغرب، فهل يُعَدُّ البدءُ بی لَا يَسْتَوِي تركًا للأفضلية؟
— 304 —
سؤالكم الثالث: جوابُه أنَّ قراءة سورة الإخلاص ثلاث مرات، والفاتحةِ مرّةً واحدة، هي في حُكم ختمةٍ مُختصَرة، لذلك لا يُحدَّد لها وقتٌ، فهي مُستحسَنة في كل الأوقات.
سؤالكم الرابع: جوابُه أنَّ من السُّنّة عند الشافعية أن يدعو كلُّ مصلٍّ یی وليس المؤذِّن فقط یی عقبَ السَّلام من كلِّ صلاة: "اللَّهُمَّ أنتَ السَّلامُ ومِنكَ السَّلامُ، تَبَارَكتَ يَا ذَا الجَلالِ والإِكرَامِ"، أما عند الحنفية فهي سُنّة في حقِّ المؤذن فقط عقبَ كلِّ صلاة.
سلامي لجميع الإخوة، وأُهنِّئُهم بالعيدِ.
أخوكم في الآخرة
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
(رسالة كُتبت لخلوصي بك):
باسمه سبحانه .. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته بعدد ضربِ ذرّات وجودكم في عاشرات دقائقِ عمركم
أخي العزيز، وصاحبي ذا الحميّة، وطالبي الهُمامَ، وابن أخي الحبيب..
لقد أضحَت رسالتُك الجميلة شفاءً لي، فقد قرأتُها حين اشتدَّ عليَّ المرضُ، فمنَحَتني سرورًا خفَّف من وطأةِ ذلك المرض.
وسرُّ هذا المرض يُعدُّ كرامةً للمكتوب الذي أرسلتُه لك حولَ الاستغناء عن الناس، ذلك أنني كنتُ قد قرأتُ هذا المكتوبَ في أحد الأيّامِ لشخصين أو ثلاثة لعلَّه يكون بيانًا واعتذارًا عن قبول هداياهم، ثمَّ ذهبتُ في اليوم نفسِه لزيارة أحد هؤلاء الفضلاء في منزله، فما كان منه إلا أن قدَّم لي بعضَ الطعام على سبيل الضيافة، فتناولتُ شيئًا يسيرًا تطييبًا لخواطر أصحابي، ولم يخطر ببالي أنني خالفتُ الحقائقَ التي تضمَّنها ذلك المكتوبُ الذي قرأتُه لصاحب الضيافة في اليوم ذاتِه!
— 305 —
تذكَّرتُ ذلك بعد أن فرغتُ من تناول الطعام، وقلت في نفسي: "صحيحٌ أنني لا يمكنُني قبول الهدايا، لكن ربما يمكنني تناوُلُ طعامِ الضيافة"، غير أن هذا الأمر يظلُّ مشمولًا بالآية: يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ، لذا تعرَّضتُ لصفعة قوية، فأُصِبتُ بمرضٍ لم أتعرَّض لمثله منذ أربعة أعوام، غير أنِّي أحمدُ اللهَ سبحانه أن أظهر لي بهذه الصفعة حقيقةً أحسَسْتُ بها من خلال بعض الأمارات والحوادث، لكن بقيتُ متردِّدًا في الجزم بها على مدى عامٍ أو عامين، فتبدَّت لي حقيقتُها بشكل قطعي وجليّ.
قل نيابة عني للشيخ مصطفى: "حمدًا لله على السلامة"، واقصُص عليه هذه الحكاية:
"قديمًا كان هنالك أخوان حميمان تجمعُهما أُخوّةُ الآخرة، فلمّا مرض أحدهما جعل الآخرُ يعودُه ويدعو له، غير أنه لم يُشفَ من مرضه، فقال له: قم أنت حتى أمرضَ مكانَك. فقام المريضُ واضطجع الآخرُ مكانَه مريضًا".
والحقيقة أنَّ أُخوَّتنا مع الشيخ مصطفى أضحت في غاية الجدِّية، لدرجة أنني دعوتُ له بالشِّفاء من مرضه فلم يُستَجَب دعائي، لكن ابتُلِيتُ ببعض مرضه الذي دام بضعةَ أيام، فخَفَّف هذا شيئًا من مرضه بإذن الله تعالى.
إن حسن شهادتكم في حقِّ "الكلمات" تمنحُني سلوانًا عظيمًا، وإنَّ براهينكم حول عدم انتهاء خدمتي قويّةٌ للغاية، ومع وهني وضعفي الشديد إلا أنني أتوكل إلى الحقِّ سبحانه وأُطيع أمرَ تلك البراهين.
إن سرَّ توقُّدِ أحاسيسِك العالية وترقِّيك الزائد وحميَّتك الدينية الفدائية أثناء قراءتك "الكلمات" للجماعة، هو أنك تندرج تحت أنوار مقام التبليغ الكائن في وراثة النبوة التي تعدُّ هي الولاية الكبرى، كما أنك في تلك اللحظة تغدو بحكم الوكيل لدلّال القرآن "سعيد"، بل ربما تُصبحُ عينَه معنًى.
ولعلَّ السَّببَ في عدم إجابتك على "رسالة الغربة" والرسالة التي تتحدَّث عن القمر والأرض والسيَّارات؛ هو أنَّ رسالةَ الغربة كُتبَت بمشاعر العزوف عن الدنيا
— 306 —
بالكلِّية، فلم تتمكَّن من إيجاد أذواق تلك الغربة لعدم قدرتك على نسيان الدنيا في زمن أُشبع فيه ذهنُك بأبسط الأمور السطحية نتيجةَ التزامك بالوظيفة الرسمية؛ ولم يتمكَّن ذكاؤك الوقَّاد من استيعابِ مستوى تلك الرسالة بسبب الحُجُب المُسدَلة عليه مؤقَّتًا، لذا لم تستطع أن تَخُطَّ الجواب.
أما المكتوب الآخر: فقد أشار إلى حقائق واسعة وعالية جدًّا، كما أشار بعض الشيء إلى خريطة العالم العلوي الذي لاحدَّ له، وإلى خريطة العالم المعنويِّ الذي لا نهاية له، فكان يلزم لفهمه ذهنٌ صافٍ لا تشغلُه الشَّواغل، متجرِّدٍ عن الأرضِ والأرضيِّين، مُرتَقٍ إلى عليِّين.. إلا أن أخي الهُمام كان آنئذٍ مُنشَغِلًا بوظيفة تخصُّ خريطة الأرض، فاضطرَّ ذلك الذَّكاءُ الحادُّ السّامي إلى التزام السُّكوت حيالَ ذلك المكتوب.
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
باسم مَن تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته بعدد عاشرات دقائق أيام الفراق
إخواني الأعزَّاء الأوفياء المضحِّين الصادقين: نوح بك، المُلا عبد المجيد، الملا حامد..
لقد فتحنا هديتكم المباركة، فوجدنا أنها ليست هدية "وان"، بل هي هدية المدينة المنورة والروضة الشريفة ذاتُ الكرامات المباركة، وأمّا ثمنُها فليس خمسًا وعشرين ليرة بحسَبِ ما كُتِب عليها، بل تفوق قيمتُها المعنويّة خمسًا وعشرين ألفَ ليرة.. وقد قَبِلنا هذه الهدية المباركة على الرأس والعين باسم المدينة المنورة، لتُوزَّع على أصحابي في هذه المناطق، وعلى الخُدَّام المخلصين في خدمة القرآن.
— 307 —
لكن أُخطر إلى قلبي أنَّ لهذه الهدية المعنوية سرًّا مُهِمًّا، يتجلَّى في كونِها تعني التفاتةً نبويّةً من قبيل الدَّلالة على قبول خدمتنا للقرآن ولصاحب الرسالة؛ فلْأَشكُرِ الحقَّ سبحانه على ذلك مئاتِ آلافِ المرات.
ومن المناسب أن أُفصِح لكم عن حقيقة السِّرّ: ذلك أنَّ حديثًا دارَ بيني وبين مَن يكتب لكم هذه الرسالة الآن وأخيه مسعود، حول "أحمد آغا" الذي لم يَرِد ذِكرُه منذ ثلاثة أشهر، فقلتُ للكاتب توفيق ولمسعود اللذَينِ معي: سنُرسِل جميعَ الكتب إلى "أحمد آغا" في "دياربكر" ليُوصِلَها إما إلى الشام الشريفة، أو إلى الصِّدِّيقِين في "وان"؛ وبعد أربع ساعات من هذه الشُّورى والحوار قَدِم إلينا "أحمد آغا" فجأةً دون أن نُخبَر بأمر قدومه.
وكان لدينا في اليوم نفسِه حبْرٌ أسودُ، فقُلنا: ليته كان لدينا حبْرٌ أحمرُ لطيف! فسكبنا قليلًا من ذلك الحبر فوق حَجَرة، فظهر لونُه أسودَ وبنفسجيًّا، ثمَّ شرعنا بعد ذلك بالكتابة، فتحوَّل لون الحبر أحمرَ جميلًا على النحو الذي كنا نرغبُ به تمامًا!! وقد أصابتنا هذه الحادثة بالحيرة وكنّا سبعةَ أشخاص أو ثمانية، لكنّا عَدَدنا هذا الأمرَ فألَ خيرٍ، وقلنا: سبحان الله! إن في الأمر سِرًّا! بعدها تذكَّرتُ فجأةً أنَّ في الشام الشريفة صهري المُلّا سعيد، فسأعطي "أحمد آغا" بعضَ الكتب ليوصلَها إليه. وبعدما قلت ذلك ورد إلى ذهني فورًا الصديق الوفي الكامل "نوح بك"، فتأوَّلناه على الفأل الحسن بتغيُّرِ أحوالنا المُظلمة، وتبدُّلِها ساطعةً مشرقة.
وكنّا قد نوينا بلادًا أخرى، لكن نزولًا عند طلب الإخوة وقع اختيارُنا على إسطنبول، وبعد أن كانت مصر هي الوجهةَ المخصَّصة للكتب التي استكتبناها، وجدتُ أنَّ "وان" هي الأليق بها، وأنَّ "نوحًا" هو الأوفى لها، فلذا قرَّرتُ إرسالَها إليه مع "أحمد آغا"، حتى إنني أرسلتُها لتلحقَ به بعد مغادرته إلى "بوردور".
بعد ذلك ظهر في هذا الأمر توفيقٌ وتسهيلٌ عجيبٌ لم يَدَع أيَّ شُبهةٍ في أنَّ الأمر ينطوي على سرٍّ! مما استدعى إنعام النظر، فدقَّقنا.. وكنتُ قد كتبتُ لكم في الرسالة
— 308 —
الماضية أن رجلًا مقيمًا في اسطنبول قد أتى ضيفًا إلى هنا ثلاثَ مرات، فوصل وبيده ثلاث برقياتٍ مرسلة من قبل "نوح بك".. كما أن "محمد أفندي" جاءني بنفسه يحملُ رسالةً تضمُّ سلامَ وأسماء السّادة الذين أعزهم كثيرًا أمثال: خلوصي بك، والمُلّا عبد المجيد، والمُلّا حامد، والأستاذ عبد المجيد؛ فقلت: إن هذا الأمر إشارةُ عنايةٍ وليس صدفةً قطُّ.
بعدها سمعنا أن هدية نوح قد ورَدَت باسمنا، وهي عبارة عن عبوة قيمتُها خمس وعشرون ليرة، فأجرينا مع الأصحابِ حسابًا لتاريخ اليوم الذي كُنّا هاهنا نحضِّر فيه هدايا الكتب لنوح، فوجدنا أنَّ نوحًا كان یی وهو على بُعد مسافة أربعين يومًا یی يجهِّز لنا كمية مثلَها تمامًا من الهدايا المباركة في اليوم نفسِه ودون سابق علمٍ! إن هذا التوافق ليس مصادفة قطعًا، حتى إن بعضَ الأصحاب قالوا: إنَّ هذه كرامةٌ لنوح بك، وتساءلوا: هل نوح بك صاحبُ كرامات حتى يرسلَ مقابلَ الهدية؟! فقلتُ لهم: إن للإخلاص والصداقة أيضًا كرامةً كالولاية، وربما تفوقُها أحيانًا.
وبعد وصول الهدية ظلَّت مدّةَ شهرٍ في مركز القضاء دون أن نتسلَّمَها، ثم لمّا تلقَّينا رسالة نوح أتينا بها وفتحناها فتملَّكَنا العجَب، إذ كانت فوق مأمولنا بالكليّة! والحقيقة أنَّ إظهار الاستغناء أمام هذا التبرُّك غير ممكن، بل إنني أفتخر بأن أكونَ مُستَجدِيًا على بابها، لأنها التفاتةٌ من الروضة المُطهَّرة! وباعتبارِ سِرِّ: "كلُّ ما هو من الحبيبِ حبيب"، فإن كلَّ ما ورد من ديار الحبيب فهو حبيبٌ.
تضمَّنَت الهدية لوحةً مزيَّنة ومنوَّرة للروضة المُطهَّرة، فعلَّقتُها على حائط حُجرتي التي حوَّلتُها إلى ما يُشبِهُ مُتحفًا صغيرًا لبعض الصَّنائع الإلٰهيّة، وجلستُ أمامها أرمُقُها باشتياقٍ، فورد إلى القلبِ فجأةً خاطرٌ على لسان تلك اللوحة: نحن إشاراتٌ لرسائلك ذواتُ معانٍ.
فقلت: سبحان الله! إنَّ في هذه الهدية أسرارًا! فشرعتُ بالتحرِّي والتدقيق، فوجدتُ أنَّ ثمّةَ هدايا متنوعةً متعدِّدةً مقابلَ كلِّ جزء من أجزاء الرسائل التي بعثتُ
— 309 —
بها، فأحصيتُ واحدًا وعشرين جزءًا من الهدايا والرسائل، وما سمعتُ بهذا النوع من التبرُّك من قبل! إذ لم يدفع الفضولُ أيَّ حاجٍّ في زمانٍ كهذا لِأخذِ قسمٍ من كل نوع، أو الاحتفاظِ بقسمٍ من عطايا المدينة المنوَّرة وإرسالِها إليَّ؛ ما يعني أن هذا الفعل لا يخصُّ نوحًا ولا غيرَه، بل هي التفاتةٌ مباركة من صاحب الروضة المطهَّرة (ص).
وما دامت أجزاء الكتب متوافقةً مع أنواع الهدايا، فهذا يعني أنَّ لكلِّ نوع من الهدايا إشارةً وتناسُبًا مع نوعٍ من الكتب؛ فاللوحة التي أمامي مثلًا لها توافقٌ وتناسُبٌ مع المكتوب التّاسعَ عشرَ المُسمَّى بی"المعجزات الأحمدية"، والمُكوَّنِ من خمسة أجزاء، فكما تُظهِر هذه اللوحة صورةَ الروضة المُطهَّرة وحُجرةَ السَّعادة، كذلك رسالة "المعجزات الأحمدية" تُظهِر الصورة المعنوية لعصرِ السَّعادة؛ وهذه المآذن الخمسُ تُشير إلى أجزائها الخمسة، وهذه القُبّة تَلحَظُ "رسالة المعراج".
وما دام الأمرُ كذلك، فإن لسائر أنواع الهدايا أيضًا إشاراتٍ لأنواع الرسائل، فتابعتُ التدقيق فيها، فوجدتُ أنه قد أُرسل سبعةُ أنواعٍ من التُّمور، قسمٌ منها ذو حَبّات كبيرة تُقدَّر بحوالي ثلاث وثلاثين حبّةً، فقلتُ: سبحان الله! ما الغرضُ من إرسال سبعة أنواع من التمر؟! فورد إلى القلب فجأةً: لقد كتبتَ سبعة أنواع من حقيقة الإيمان بالله تعالى، وأَرسلتَها إلى "وان"، وبعد تأمُّل يسير، قلتُ: أجل، رغم أن الموضوع كان عن الوحدانية الإلٰهيّة، إلا أنَّ المكتوب العشرين مع ذيله الصغيرِ صورةً العظيمِ معنًى، والكلمة الثانية والعشرين المتضمِّنة للمقام الأول والثاني، كلُّ واحدٍ منها رسالة، والكلمة الثانية والثلاثون المُتضمِّنة ثلاثة مواقف كلُّ واحد منها بحكم رسالة، والمكتوب الثالث والثلاثون مع النوافذ الثلاثة والثلاثين بحكم رسالة.
فأصبحت بمجموعها سبعَ رسائل، وقد أظهَر هذا الأمر ماهيّةً أشبهَ بألوانِ الضياء السَّبعة المنبعثة من ضياءِ شمس حقيقة معرفة الله، وإن اختيارَ سبعة أنواع من التمور من بينِ هدايا المدينة المنورة وتسليمَها بيد نوح بك لتُرسَلَ إلينا، يتوافق مع الأنوار السبعة تلك، فقلنا: إنَّ هذا الأمر علامةُ القبولِ الحَسَن، فشكرنا الله على ذلك.
— 310 —
كما أن أحد أنواع التمور ثلاثٌ وثلاثون حبّة، وهذا يتوافق مع إحدى تلك الرسائل، هي ذاتُ النوافذِ الثَّلاث والثلاثين؛ كما أن السُّبحة الموجودة ضمن الهدايا تضمُّ ثلاثًا وثلاثين حبة ثلاث مرات، فتتوافق مع النوافذ الثلاث والثلاثين للمكتوب الثالث والثلاثين وللكلمة الثالثة والثلاثين، ممّا يؤكِّدُ لنا أن نوحًا قد أصبح دون اختيارِه واسطةً لهذا الأمر، فتوجَّهنا بالشكر والامتنان لا إلى نوح، بل تجاهَ الروضة المُطهَّرة.
وكذا ظهور ماء زمزم المبارك بصورة برّاقة ونورانية، وفي زجاجة كبيرة الحجم، يخبرني أنَّه: إذا كان في تلك اللوحة المباركة إشارةٌ إلى المعجزات الأحمدية، وفي أنواع التمور السبعة إشاراتٌ إلى معرفة الله ورسائل التوحيد، فإن ماء زمزم هذا إشارةٌ إلى الكلمة الخامسة والعشرين الموسومة بی"إعجاز القرآن"، لأن جوار بئر زمزم هو المنبعُ الأوَّل لتنزُّل القرآن المُبِين الذي يُوزِّع على أفراد الكون ماءَ زمزمِ الحياة.. وإننا نتلقَّى هذا الأمر علامةً على القبول.
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
(كتبت لخلوصي بك):
باسمه سبحانه
سؤال: ما سببُ قول الإمام الغزالي: "إن النشأة الأُخرى مختلفةٌ تمامًا عن النشأة الأولى"؟
الجواب: إن قول حُجّة الإسلام الإمام الغزالي بأن النشأة الأُخرى مختلفةٌ تمامًا عن النشأة الأولى إنما هو اختلافٌ من جهة الصورة والكيفية، وليس باعتبار الماهية والجنسية، وإلا كانت مخالفةً صريحةً لكثيرٍ من الآيات أمثال: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ، و وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ، وهي أيضًا إشارةٌ إلى أن
— 311 —
الأمور الأخروية رفيعة جدًّا من حيث المرتبة تفوق المعتاد، وإشارة من الإمام الغزالي إلى وقوع الحشر الجسماني والروحاني معًا تماشيًا مع قول البعض من أهل الباطن.
سؤال: إنَّ السَّعدَ التفتازاني بعد أن يقسِّمَ الرُّوحَ إلى قسمين: أحدهما حيواني، والآخر إنساني، يقول: "إنَّ الرُّوح المعرَّضة للموت هي الروح الحيوانية فقط، أما الروح الإنسانية فليست بمخلوق، وليس بينها وبين الله سبب ولا نسبة، فهي مستقلة بذاتها، وليست قائمةً بالجسد"، فما سببُ قوله هذا، وما إيضاحه؟
الجواب: قول السَّعد التفتازاني: "الروح الإنسانية ليست بمخلوقة" يعني أنَّ ماهيّة الرُّوح قانونٌ أمريٌّ ذو حياة، ومرآةٌ ذاتُ شعورٍ لاسم الله "الحيّ"، وجَلْوةٌ ذاتُ جوهر من جلَوات الحياة السَّرمديّة، وذلك هو سِرُّ الآية: قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي كما جاء مُوضَّحًا في بحث بقاء الروح؛ لذا فهي مَجعُولةٌ، ومن هذه الجهة لا يُقال: إنها مخلوقة. وقد قال السَّعدُ في "المقاصد" وفي "شرح المقاصد" موافقًا لجميع علماء الإسلام المحقِّقين، ومُنسجمًا مع نصوص الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة: "إن ذلك القانون الأمريَّ قد أُلبِس وجودًا خارجيًّا، فهو مخلوقٌ وحادثٌ كسائر المخلوقات"، وجميع تصانيفه شاهدةٌ على عدم قوله بأزليّة الروح.
وقوله: "ليس بينها وبين الله نسبة" ردٌّ لمذهب باطلٍ مثل الحلول، فإنَّ أرواح الحيوانات أيضًا باقية، وإنما تفنى أجسادُها فقط يوم القيامة؛ أما الموت فليس فناءً، بل هو انقطاعُ العلاقة.
وقوله: "ولا سبب" إشارة منه إلى إيجاد الأرواح بشكل مباشر دون حجاب أو توسُّطِ أسباب، كما ذُكر في بحث توسُّط الأسباب الظاهرية، ومناجاة عزرائيل عليه السلام بخصوص قبض الأرواح.
وقوله: "استقلَّت بذاتها" إشارة إلى رفض مذهب باطل، بمعنى أنَّ الجسد يرتكز إلى الروح، ويبقى قائمًا بها؛ أما الروح فهي قائمة بذاتها، فعندما يُهدَم الجسد تصبحُ حُرّةً أكثر، فتُحلِّقُ كالمَلَك في السماء، كما ذُكر في إثبات بقاء الروح.
— 312 —
(القسم الخاص):
وقد وقع لهذه الاستفسارات توافقٌ لطيف، فوَقتَ ورودِ هذه الأسئلة إليَّ، كنتُ قد عزمتُ على كتابةِ تفسيرٍ للآيات التي تتحدَّث عن الحشر في سورة الروم في قوله تعالى: وَمِنْ آَيَاتِهِ.. وَمِنْ آَيَاتِهِ.. وَمِنْ آَيَاتِهِ..، مُستَمِدًّا منها الإلهام، إذ هي تُبيِّن یی على وجه الإعجاز یی براهينَ الحشر القويّة المُختلِفة.
وفي اللحظة التي أضفتُ فيها فقرة "وأزواجهم وأولادهم" إلى دعائي ومناجاتي، ورَدَ ذِكرُك في خاطري، فنِلتَ المرتبة الأولى في هذه الأدعية أيضًا.
وفي الوقت الذي رغبتُ فيه بشدة یی تكرَّرت مئة مرة، وربما خمس مئة مرة، خلال أربع وعشرين ساعة یی أن يكون لك سهمٌ في أدعيتي ومكاسبي المعنوية، شريطة أن تهتمَّ بالأمر قلبًا وقلمًا وفعلًا.. في هذا الوقت وردت أسئلتُك، وأَضحَت بحكم البِشارة، فسُرِرتُ بها لأجلِك بالغَ السرور.
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
(خطابٌ لخلوصي بك):
باسم مَن تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته بعدد عاشراتِ دقائق عُمُركم عَمَركم الله بالسلامة والعافية
أخي العزيز..
أولًا: لقد أحزَنَتْني رسالتك، إلا أنني فكرت في حقيقةٍ أزالت عني ذلك الحزن.. والحقيقة هي: إن الرابطة والأخوة التي بيننا خالصة لوجه الله بإذن الله تعالى، فلا يُمكِن أن يُقيِّدَها زمانٌ ولا مكانٌ، ولا أن يحولَ دون هذه الصحبة والأخوة بُعدٌ ولا فِراقٌ،
— 313 —
بل تغدو المدينة والولاية والوطنُ بل الكرة الأرضية بل الدنيا بل عالم الوجود كلُّه بمثابةِ مجلسٍ لصاحبَينِ حقيقيَّينِ، فالكلُّ وِصال.. فليتفكَّر بالفراق أربابُ الصداقات الدنيوية الفانية المجازية، فما الذي يعنينا نحن؟!
ليس في مسلكنا مكانٌ للفراق، فبإمكانك حيثما كُنت أن تُجالس أخاك هذا وتحاوِرَه من خلال "الكلمات" التي بين يديك، وبإمكاني كذلك یی كلَّما رغبتُ یی أن أتصوَّرك قُربي ونحن عكوفٌ بباب الحضرة الإلٰهيّة، باسطو أكُفِّ الضَّراعة إليه سبحانه.
فإن أرسلك القدر الإلٰهيّ إلى مكان آخر فاستسلم لِحُكمه بكمال الرِّضا، إذ «الخيرُ فيما اختاره الله» ؛ ولعلَّ الأماكن الأخرى أشدُّ احتياجًا إلى فضلاء أمثالكم، ذوي قلوبٍ سليمة وعقول مستقيمة، تُلقي دروس الإيمان التحقيقيّ.. فلقد خدمتَ الإيمانَ یی ولله الحمدُ یی خدمةً جليلةً في "أغيردِر"، ولربما هنالك أماكنُ أخرى أشدُّ احتياجًا من "أغيردِر".
ثانيًا: أُحِيلُ الإجابة على سُؤالك الأوَّل إلى قلبك، فكيفما أفتى قلبُك فإني راضٍ بذلك.. ورغم أنَّ المراتبَ الدُّنيوية تافهةٌ جدًّا في نظري، إلا أنَّني أَستحسِنُها لأمثالك ممَّن جعلوا مراتبَهم وسيلةً لخدمة القرآن، لكن شريطةَ عدم الدُّخول تحت المِنّة والذِّلّة.
وأمّا سؤالُك الثاني: فإنَّ مطالبَ أُمِّك وأبيك مُهِمّة جدًّا، والقرآن الكريم يأمُرُ في إحدى آياته بالرحمة والشفقة تجاهَهُما من خمسة وجوه؛ فإن كانت رغباتُهم ميسورةً فعليك تلبِيتُها.
ثالثًا: إخواني الأعزاء.. إن مشاغل الربيع والصيف، وقِصَرَ اللَّيالي ورحيلَ الشُّهور الثلاثة، ونيلَ أغلبِ إخواني نصيبَهُم الكافيَ من تلك الليالي، إضافةً إلى أسبابٍ أخرى كثيرة، كلُّ ذلك سيُولِّدُ بعضَ الفتورِ عن دروس الشتاء المُمتِعة، إلا أنَّ هذا الفتور النابعَ من تلكم الأسباب لا ينبغي أن يُدركَكم، لأن تلك الدروس علومٌ إيمانيةٌ، فيكفي أن يَستمِعَ إليها أحدُكم بنفسه، فكيف وأنتم تجدون لأنفسكم دومًا أخًا أو أخوين حقيقيَّين؟ لا شكَّ أن ذلك أفضلُ.
— 314 —
ثمَّ إنَّ المُستمِعين لتلك الدروس ليسوا من البشر فقط، بل للهِ تعالى مخلوقاتٌ كثيرة ذواتُ شُعورٍ تتلذَّذُ كثيرًا بالاستماع إلى الحقائق الإيمانية؛ فلديكم إذًا الكثيرُ من رِفاق الدُّروس ومُستمعيها أمثالَ هؤلاء.
كما أن مثل هذه الصحبة الإيمانية التي يَسُودُها التَّفكُّر، هي مبعثُ شرفٍ وزينة معنوية لوجه الأرض، وإلى ذلك أشار أحدُهم بقوله:
آسْمَانْ رَشْكْ بَرَدْ بَهْرِ زَمِينْ كِه دَارَدْ
يَكْ دُو كَسْ يَك دُو نَفَسْ بَهْرِ خُدَا بَرْ نِشِينَنْدْ
أي: تَغبِطُ السماوات الأرضَ لأن عليها رجلين يجلسان بمقدار نَفَسين یی أي: لدقيقة أو دقيقتين یی في مجلسِ درسٍ أو ذِكرٍ أو تفكُّر خالصٍ لوجه الله تعالى، ويَعرِضُ كلٌّ منهما للآخرِ الآثارَ الجميلة لرحمة ذي الجلال، ودلائلَ صَنعتِه الحكيمة المُزيَّنة، مما يبعثُ محبّةَ الله في نفوسهما، ويُحبِّبان الآخرين به سبحانه، ويتفكَّرانِ به ويحملان الآخرين على التفكُّر.
ثمَّ إنَّ العِلم قسمان: قسمٌ منه يكفي العلمُ به والتفكُّر فيه مرّةً أو مرتين، وقسمٌ آخرُ كالخبز والماء، يحتاجُ الإنسان التفكُّرَ به في كلِّ لحظة، ولا يمكنُه أن يقول: لقد فهمتُه مرّةً فاكتفيتُ؛ وإنَّ العلوم الإيمانية من هذا القسم، وأكثرُ "الكلمات" التي بين أيديكم هي من هذا القبيل بإذن الله.
أُسلِّم على جميع إخواني فردًا فردًا.. وأظنُّ أنَّ أخانا حقِّي أفندي محزونٌ أكثرَ من كِلَينا لصعوبة الفراق وعدم احتماله، وهي أمارةٌ لنيل ثوابٍ أكبر.. لكن الحقَّ سبحانه قد أَظهَرُ بأماراتٍ كثيرة جميلَ عنايتِه ورحمته بنا، فلأجل ذلك إن حصل افتراقٌ صُورِيٌّ، فإننا نتلقَّى ذلك كمظهر عنايةٍ ورحمة.
رابعًا: لا أشعر بالحاجة لأن أقول لأمثالكم ممَّن بلَغُوا الحقيقة ووجدوا ما فيها من السعادة الحقيقيّة والسُّلوان: اصبِر واثبُت، ولا تَحزَن أمام الغَمِّ وإزاءَ الهُمُوم
— 315 —
والمشكلات الناشئة من هجوم الشياطين وأهل الضلالة عبر دسائسهم، بهدف منع نشر الأنوار الإيمانية والأسرار القرآنية.
كما أنَّه من المحتمل أن يبدأ هجومُ أهل الزندقة الذي أتحيَّنُه كلَّ لحظة تجاهَ أخي الأخروي الذي هو تلميذي الهُمام وابنُ أخي الجَسور، فلا أجد حاجةً لتشجيع وتحفيز أمثالك، لأني على قناعة بأن الحفظ القرآني غالب على جميع المشكلات، وأن لذة الخدمة الإيمانية تُنسي المرءَ جميعَ الهموم.
يسلِّم عليك كاتب هذه الرسالة الحافظ خالد، ويطلبُ دعاءَك.
الباقي هو الباقي
أخوكم في الآخرة
سعيد النُّورْسِيّ
٭٭٭
(القسم الأول للمكتوب الثالث):
بِاسمِ مَن تُسَبِّحُ لَهُ السَّماوَاتُ بِكَلِمَاتِ النُّجُومِ والشُّمُوسِ والأقمَارِ والسَّيَّارَاتِ
السَّلامُ عَلَيكُم وعَلى إخوَانِكُم ورَحمَةُ الله وبَرَكَاتُهُ بِعَدَدِ النُّجُومِ في السَّماوَاتِ
أخي العزيز وصاحبي الحبيب.. أنا الآن في منزلٍ في الطابق الأعلى من قصرٍ فِطريٍّ مكوَّن من مئة دَورٍ؛ فاحضُر إلى هنا معنًى، واجلس إليَّ كي نتحدَّث قليلًا..
أخي..
أولًا: كنتُ وجَّهتُ إليك سؤالًا في الرسالة السّابقة حول سائر "الكلمات": هل فيها حقائق يمكن أن تجرح؟ أو هل فيها أمورٌ يضرُّ إظهارُها للعوامّ؟ ولم يكن سؤالي عن المقصد الثالث للكلمة الثانية والثلاثين فقط.
— 316 —
ثانيًا: أُرسِلُ إليك "رسالة النقطة". وممّا يثير الدهشة والعَجَب أنَّ الحقائق التي فهمها سعيدٌ القديم وأبصرها بقوّة عِلمِه ودِقّة نظَرِه العقليِّ، تُوافق ما أبصره أخوك هذا بشهوده القلبي ونور وجدانه.. وقد كان يعتريها النقص في بعض الجوانب، فتمَّ إكمالُه في الكلمة التاسعة والعشرين، خصوصًا وأن ثمّة حقائقَ كثيرة غير موجودة في "رسالة النقطة"، تجدها في "نكتة رمزية" التي في نهاية هذه الكلمة، وفي "إيضاح هذه النكتة الرمزية".. ولكن لا ينقضي عَجَبي واستغرابي من شدّة التوافق بين عقلَيْ هذَينِ "السَّعيدَينِ" رغم تباعدِ ما بينهما!!
ثالثًا: بلِّغ سلامي للشيخ مصطفى وقل له: إن "رسالة القَدَر" التي كتبتَها سرَّتني كثيرًا، فمثلَما أدَّيتَ حقَّ الأخوة بالدعاء، فلقد قضيتَ بكتابتك هذه الرسالة حقوقَ التَّلمذة أيضًا، فرضي الله عنك.. أَرسِل ما كتبتَه إلى عبد المجيد ليُقرِأَه لِمئات الأشخاص، وتنالَ ثوابَ كلِّ واحدٍ منهم.
رابعًا: أُرسِلُ لأخينا عبد المجيد رسالةً مرفقةً ببعض "الكلمات"، فسلِّمها للبريد بشكلٍ آمن؛ والعنوان: (يُسلَّم لعبد المجيد أفندي من "وان" بواسطة شهاب الدين أفندي الواني التاجر من "أرغاني عثمانية"). سجِّلوا هذا العنوان بالحروف اللاتينية على الرسالة والمرفقات. (٭): أمّا "خامسًا" وهو تكملة هذا المكتوب، فموجود في المكتوب الثالث من كتاب "المكتوبات".
الباقي هو الباقي
أخوكم سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 317 —
(ذيل لجواب السؤال الوارد في المسألة الثانية المهمة من المكتوب الثامن عشر من كتاب "المكتوبات"):
باسمه سبحانه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
أخي العزيز الوفي المُخلِص: خلوصي بك..
كنتُ قد حرَّرتُ جوابًا حول أسئلتك، فطلب أخونا خسرو مزيدَ توضيحٍ؛ وللشَّبَهِ الرُّوحيّ الذي يجمعُ بينكما، تخيَّلتُ أن تشترك أنت أيضًا في طلب الإيضاح، فكتبتُ هذا الذَّيلَ وأرسلتُه لك.
كما أُرسِلُ لك فِقرةً حول السَّطر الأول من الكرامات الغوثية لتُدرِجَها في نهايتِها، إضافةً إلى نكتة قرآنية لها صلةٌ بالكرامات الغوثية.. وإن ما ساقني لإظهارِ هذه الأسرار یی على خلافِ مَشربِنا یی هو الرغبةُ بأن تكون وسيلةً لاستنهاض هِمَمِ إخواني وزيادةِ شوقِهم ولَهفتِهم للعمل والسَّعي.. بهذا وَرَد الإخطارُ المعنويُّ على قلبي.
فالحقيقة أنَّ الفتورُ كان قد طرأ فعلًا، إلا أنَّ التوافق ظهر ليُجدِّد من لطافة الأشواق؛ كما أن الفتور أظهر نفسَه مجدَّدًا فجاءت الكرامةُ الغوثية لتنهض الهِممَ بقوّة.. ففهمتُ من هذه الحالة أنه لا ضَيرَ لخدمتنا في إظهاره، وأنَّه إن حصل ضررٌ فسيكون مقتصِرًا على نفسي فقط، ونفسي مستعدّةٌ للتضحية في سبيل الخدمة.
أُرسِلُ سلامي إلى السّادة ذوي الصِّلة بالرسائل، وفي مقدِّمتهم والدكم المحترم، وفتحي بك، والشيخ عبد الرحمن، وكمال الدين، وعمر أفندي؛ وأدعو لهم جميعًا، وأرجو دعاءَهم.
الباقي هو الباقي
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 318 —
(ذيل لجواب السؤال الثاني من أسئلة خلوصي) :
سؤالٌ: إنَّ "محيي الدين بن عربيٍّ" يَعُدُّ مسألةَ "وحدة الوُجود" أرفعَ مرتبةٍ إيمانيّة، حتى إنَّ قسمًا من أولياءَ عظامٍ من أهل العشقِ اتَّبعوه في مسلكِه؛ بَيدَ أنَّك تقول: إنَّ هذا المسلكَ ليس بأرفعِ المراتبِ الإيمانيّة، ولا هو بمسلكٍ حقيقيٍّ، وإنَّما هو مشربُ أهلِ السُّكْرِ والِاستغراق وأصحابِ الشَّوق والعشق.
فإن كان الأمرُ كما تقول، فبَيِّنْ لنا باختصارٍ: ما هي أعلى مراتبِ التَّوحيد التي بَيَّنتْها وِراثةُ النُّبوة وصراحةُ القرآن الكريم؟
الجواب: أنَّى لعاجزٍ مسكينٍ مثلي لا قيمةَ له ولا أهمِّيّةَ، أن يقتحمَ غِمارَ هذه المراتبِ السّامية الرَّفيعة، ويُجريَ فيها محاكَماتٍ عقليّةً بعقله القاصر! إنَّه أمرٌ فوق الحَدِّ بمئة درجة.. ولكنِّي سأتحدَّثُ باختصار شديد عن بعض النِّكات النّابعة من فيضِ القرآن الكريم إلى القلب، فلعلَّ فيها فائدةً ونفعًا.
النُّكتة الأولى: هنالك أسبابٌ كثيرة للانجذاب نحو مشربِ "وحدة الوجود"، سأُبيِّنُ بعضًا منها باختصار:
السَّببُ الأوَّل: إنَّهم لم يستطيعوا أن يستوعبوا في أذهانِهم خَلّاقيّةَ الرُّبوبيّة في أعظم مراتبِها، ولم تُوقن قلوبُهم حقَّ اليقين أنَّه سبحانه بسِرِّ الأحديّة مالكٌ بالذّات لزمام كلِّ شيء في قبضة ربوبيَّته، وأنَّ كلَّ شيءٍ يُخلَقُ بقدرته واختياره وإرادته سبحانه.. فلِأنَّهم لم يستطيعوا إدراكَ ذلك فقد وجدوا أنفسَهم مُضطرِّين للقول: كلُّ شيءٍ هو "تعالى"، أو: لا شيء موجودٌ، أو: أنَّ الموجودَ خيالٌ، أو: من التَّظاهر أو من الجلَواتِ.
السَّببُ الثّاني: إنَّ صفةَ "العِشق" لا ترغبُ بالفراق أبدًا، وتفرُّ منه بشدّةٍ، وترتعدُ فرائصُ العاشق من الافتراق، ويرهبُ من التَّنائي رهبَتَه من جهنَّمَ، وينفِرُ من الزَّوال نَفرةً شديدة، ويحبُّ الوصالَ حُبَّه لروحه ونفسه، ويرغبُ بالقُرب الإلٰهيِّ بشوقٍ لا حدودَ له، كشوقِه إلى الجنّة.
— 319 —
لذا يرى من يتبع هذا المشربَ أنَّ التَّشبُّث بتجلِّي الأقربيّة الإلٰهيّة في كلِّ شيء، يجعلُ الفراقَ والتَّنائيَ كأنَّهما معدومانِ، فيَظُنُّ اللِّقاءَ والوصالَ دائمَينِ بقوله: "لا موجودَ إلّا هو"؛ ويتصوَّرُ بسُكْرِ العشقِ وبمقتضى شوق البقاء واللِّقاء والوصال، أنَّ في وحدةِ الوجود مَشرَبًا حاليًا في منتهى الذَّوق، لذا يجدُ ملجأَه في مسألة "وحدة الوجود" لِأجل التَّخلُّص من فراقاتٍ رهيبة.
أي: إنَّ منشأَ السَّبب الأوَّل هو عدمُ بلوغ العقلِ قسمًا من الحقائق الإيمانية البالغةِ الغايةَ في السَّعة والسُّموِّ، وعدمُ استطاعته الإحاطةَ بها، مع عدم رُقيِّ العقلِ رُقيًّا تامًّا من حيث الإيمان.
أمّا منشأُ السَّبب الثّاني فهو رُقيُّ القلب رُقيًّا فوق المُعتاد، بتأثيرِ العشق وانبساطِه انبساطًا خارقًا للعادة.
أمّا مرتبةُ التَّوحيد العُظمى التي يُشاهدُها الأصفياءُ الذين هم أهلُ الصَّحْوِ ووُرّاثُ النُّبوة من الأولياء العِظام، من خلال صراحة القرآن، فإنَّها مرتبةٌ رفيعةٌ عاليةٌ جدًّا، إذ تُفيدُ المرتبةُ العُظمى للرُّبوبيّة والخَلّاقيّةِ الإلٰهيّة وتُبيِّنُ أنَّ جميعَ الأسماء الحُسنى هي أسماءٌ حقيقيّةٌ، فتُحافِظُ على أسُسِهم من دون إخلالٍ بمُوازَنة أحكام الرُّبوبيّة.
لِأنَّ أهلَها يقولون: إنَّ الله سبحانه بأحَديَّتِه الذّاتيّة وتنزُّهِه عن المكان قد أحاط یی من دون واسطة یی بكُلِّ شيءٍ علمًا، وشخَّصَه بعلمه ورجَّحه وخصَّصه بإرادتِه وأوجَدَه وأبقاه بقُدرتِه؛ فإنَّه سبحانه يُوجِدُ جميعَ الكونِ ويَخلقُه ويُدبِّرُ أموره وكأنه موجودٌ واحد، فكما أنَّه يخلقُ الزَّهرةَ بسهولة فإنَّه يخلقُ الرَّبيعَ العظيمَ بالسُّهولة نفسها؛ فلا يَمنَعُ شيءٌ شيئًا قطُّ، فلا تجزُّؤَ في توجُّهِه سبحانه، فهو موجودٌ بتصرُّفِه وبقُدرتِه وبعلمِه في كلِّ مكان، في كلِّ آنٍ.. فلا انقسامَ ولا توزُّعَ في تصرُّفِه سبحانه.
ولقد وضَّحْنا هذا الأمرَ وأثبتناه بتمامه في "الكلمة السّادسةَ عشرةَ"، وفي "المَقصَد الثّاني من الموقف الثّاني من الكلمة الثّانية والثَّلاثين".
— 320 —
سأُورِدُ هنا مثالًا ينطوي على نقصٍ كثيرٍ (ولا مُشاحّةَ في الأَمثالِ)، وذلك لِفَهمِ شيءٍ من الفَرقِ بين المَشرَبَينِ:
لنفرض أنَّ هنالك طاووسًا خارقًا لا مثيل له، وهو في غاية الكبر ومنتهى الزّينة، وأنّه يتمكّن من الطّيران من الشّرق إلى الغرب في لمحة بصرٍ، وله القدرة على بسط جناحيه المُمتدَّينِ من الشَّمال إلى الجنوب، وقبضهما في آنٍ واحدٍ، وعليه مئات ألوف النُّقوش البديعة حتى إنَّ على كلِّ ريشٍ من جناحيه إبداعًا وإتقانًا في مُنتهى الجمال والرَّوعة.
ولنَفرِض الآن أنَّ هنالك شخصَينِ يُشاهِدانِ هذا الطّاوُوس العجيب، ويرغبان بالتَّحليق بجناحَيِ العقل والقلب إلى المراتب العالية الرَّفيعة لهذا الطَّير ويطمعانِ ببُلُوغِ زينتِه الخارقة..
فطَفِق الأوَّلُ يتأمَّل في وضع هذا الطّاووس وهيكلِه ونُقُوشِ خوارقِ القدرة في كلِّ ريشةٍ منه، فيَغمُره العشقُ والشَّوق والمحبّة تجاه هذا الطَّير، فيترك شيئًا من التَّفكير العميقِ جانبًا مُتشبِّثًا بالعشق، ولكنَّه يرى أنَّ تلك النُّقوش المحبوبة تتحوَّل وتتبدَّل يومًا بعد يومٍ، وأنَّ تلك المحبوبات التي يُوليها الحُبَّ والشَّغَف تغيبُ وتزول كلَّ يوم.. فبينما كان ينبغي له أن يُسلِّيَ نفسه بالقول: "إنَّ هذه النُّقوش المُتقَنة إنَّما هي لِنقّاشٍ مالكٍ للخَلّاقيّة الكلِّيّة مع أحديَّته الذّاتيّة، وله الرُّبوبيّة المُطلَقة مع وحدانيَّته الحقيقيّة".. لم يتمكَّن من أن يستوعب هذا ويُدرِكَه، فبدأ يُسلِّي نفسَه ويقول بدلًا من ذلك الاعتقاد:
"إنَّ رُوح هذا الطّاووس روحٌ ساميةٌ عاليةٌ بحيث إنَّ صانعه فيه، أو قد أصبح هو نفسَه، ولأنَّ تلك الرُّوح العالية متَّحدةٌ مع جسد الطّاووس، ولأنَّ جسده مُمتَزجٌ مع صورته الظّاهرة، فإنَّ كمال تلك الرُّوح وسموَّ ذلك الجسد هما اللَّذانِ يُظهِران هذه الجَلَوات على هذه الصُّورة البديعة، حتى يُظهِرَ في كلِّ دقيقة نقشًا جديدًا وحُسنًا مجدَّدًا، فليس هذا إيجادًا باختيارٍ حقيقيٍّ، بل هو جَلْوةٌ وتظاهُرٌ".
أمّا الشَّخص الآخر فيقول: "إنَّ هذه النُّقوش الموزونة المُنظَّمة المُتقَنة تقتضي
— 321 —
بكلِّ يقينٍ إرادةً واختيارًا وقصدًا ومشيئةً، فلا يمكن أن تكون جَلْوةً بلا إرادةٍ ولا تظاهُرًا بلا اختيارٍ".
نعم، إنَّ ماهيّة الطّاووس جميلةٌ ورائعةٌ، ولكنَّ ماهيَّته ليست فاعلةً قطعًا، وإنَّما هي مُنفَعِلةٌ، ولا يمكن أن تتَّحِد مع فاعلها مطلقًا؛ وإنَّ روحه عاليةٌ ساميةٌ ولكن ليست مُوجِدةً ولا مُتصرِّفةً، وإنَّما هي مَظهَرٌ ومدارٌ ليس إلّا، لأنَّه يُشاهَد في كلِّ ريشٍ منه إتقانٌ قد تمَّ بحكمةٍ مُطلَقةٍ بالبداهة، ونقشُ زينةٍ نُقِشَت بالقدرة المُطلَقة.. وهذا لا يمكن أن يكون دون إرادةٍ واختيارٍ قطعًا.
فهذه المصنوعاتُ البديعة التي تُبيِّن كمالَ الحكمة في كمال القدرة، وكمالَ الرُّبوبيّة والرَّحمة في كمال الحكمة، لا يمكن أن تكون نتيجةَ جَلْوةٍ أو ما شابَهَها، فإنَّ الكاتب الذي كتب سُطُور هذا السِّجلِّ المُذهَب لا يمكن أن يكون في السِّجلِّ نفسه، ولا يمكن أن يتَّحِد معه، وليس لذلك السِّجلِّ إلّا تماسٌّ بطرف قلمِ ذلك الكاتب.. لذا فإنَّ زينة جمال ذلك الطّاووس المثاليِّ الذي يُمثِّل الكونَ والكائنات، ليس إلّا رسالةً مُذْهَبةً من قلمِ خالق ذلك الطّاووس.
فالآن تأمَّلْ في طاووس الكائنات، واقرأ تلك الرِّسالة، وقُل لكاتبها: ما شاء الله.. تبارك الله.. سبحان الله! فالذي يَظنُّ الرِّسالة كاتبَها أو يتخيَّل الكاتبَ في الرِّسالة نفسها، أو يتوهَّمُ الرِّسالة خيالًا، لا شكَّ أنَّه قد سَتَر عقله بستارِ العشق، ولم يُبصِر الصُّورة الحقيقيّة للحقيقة.
إنَّ أهمَّ جهةٍ من أنواع العشقِ التي تُسبِّبُ الانسلالَ إلى مشرب وحدة الوجود هي عشقُ الدُّنيا، فحينما يتحوَّل عشقُ الدُّنيا الذي هو عِشقٌ مجازيٌّ إلى عِشقٍ حقيقيٍّ ينقلب إلى "وحدة الوجود".
فإذا ما أحبَّ شخصٌ إنسانًا ما محبّةً مجازيّةً، ثمَّ شاهد فناءَه، فإنَّه لا يستطيع أن يُمكِّن هذا الزَّوالَ في قلبِه، فتراه يمنح معشوقَه عشقًا حقيقيًّا، ويَتَشبَّثُ بحقيقة عِشقِه
— 322 —
لِيُسلِّيَ بها نفسه، وذلك بإضفاء البقاء على محبوبه بعشقٍ حقيقيٍّ، فيقول: إنَّه مرآةُ جمالِ المَعبُود والمَحبُوب الحقيقيِّ.
كذلك الأمرُ فيمَن أحبَّ الدُّنيا العظيمةَ وجعل الكونَ برُمَّته معشوقَه، فحينما تتحوَّل هذه المحبّةُ المجازيّةُ إلى محبّةٍ حقيقيّةٍ بسياط الزَّوال والفراق التي تَنزِلُ بالمحبوب، يلتجئُ ذلك العاشقُ إلى "وحدة الوجود" إنقاذًا لمحبوبه العظيم من الزَّوال والفراق.
فإن كان ذا إيمانٍ رفيعٍ راسخٍ كان له هذا المشربُ مرتبةً ذاتَ قيمةٍ نُورانيّةٍ مقبولةٍ كما هي لدى "محيي الدين بن عربيٍّ" وأمثالِه، وإلّا فلرُبَّما يسقطُ في وَرَطاتٍ وينغمسُ في المادِّيّاتٍ ويغرقُ في الأسباب.
أمّا "وحدةُ الشُّهود" فلا ضررَ فيها، وهي مشربٌ عالٍ لأهلِ الصَّحو أيضًا.
اللَّهُمَّ أَرِنا الحَقَّ حَقًّا وارزُقنا اتِّباعَه
﴿ سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴾
أخوكم سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
(ذيل للبحث الموجود في خاتمة المكتوب الثاني والعشرين):
﴿ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ... إلخ ﴾
يصوِّر القرآن الكريم الغِيبةَ بصورة منفِّرة غايةَ التَّنفير، لذا فإنَّ الخائضين في الغيبة هم في غاية السُّوء والدناءة؛ وأقبحُ أنواع الغيبة وأعظمُها سوءًا وأشدُّها ظلمًا: قذف المُحصَنات، أي: قذفُ رجلٍ أو امرأةٍ بالزِّنى من قِبَلِ من يعجِزُ عن إبراز أربعة شهود
— 323 —
رأَوُا الحادثةَ بأُمِّ أعيُنهم، فهذا من أشنع أنواع الكبائر وأشدِّ الجرائم ظلمًا، وهو خيانةٌ تُسمِّم الحياة الاجتماعية لأهلِ الإيمان، وغدرٌ يُفسد حياة عائلة سعيدة ويُودِي بها.
أجل، لقد أظهرت سورة النور هذه الحقيقة بهذا القدر من الشِّدة، وبصورةٍ تقشعرُّ لها أبدانُ أصحابِ الوجدان، وتحذِّرُ منها بشدّة بالقول: وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ.
وتُخبر أنَّ مَن لم يَأتِ بأربعة شهودِ عيانٍ على الواقعة فشهادتُه مردودة وغيرُ مقبولةٍ أبدًا، لثبوت الكذب عليه؛ فأيُّ إنسانٍ يتجرَّأ على مثل هذا القذف، ويتمكَّنُ من إحضارِ أربعة شهودٍ عليه؟! لذا فإنَّ القرآن الكريم حينما يَضَعُ هذه الشروط، كأنَّه يُنبِّهنا إلى خطورة هذا الفعل، كي نَسُدَّ بابَه ولا نخوضَ فيه.
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
(خاتمة المبحث الثاني للمكتوب السادس والعشرين):
(قاعدة تَخُصُّ إخواني الزائرين أو الراغبين بزيارتي، وقد كُتِبت لبعض الإخوة المُقيمين في أماكن بعيدة)
إخواني، شعرتُ برغبتكم في لقائي، واللقاءُ بي إنما هو لأحدِ رغبتَينِ:
الأُولى: دنيويّة، أي: لِأجل أمور تَخُصُّ الحياةَ الاجتماعية وشؤونَها، فليُعلَم أنِّي قد أغلقتُ هذا الباب.
والأُخرى: أُخرويّة، ولأجل الحياة المعنوية، وهذا أيضًا دافعُه أحدُ أمرين:
الأول: حسنُ الظنِّ الزائد بشخصي وبما يفوق حدِّي بكثير، على تقديرِ أنَّني رجلٌ مبارَكٌ صاحبُ مقامٍ عند اللهِ؛ فإني لا أقبل أحدًا بهذا القصد، فلستُ سوى خادمٍ للقرآن الحكيم ودلَّالٍ في ذلك الحانوت المقدَّس، ولستُ أعرض فيه بضاعتي المزجاةَ الكاسدةَ ولا أرغب بذلك، لأنني لو عرضت ما عندي من قطع زجاج هشّة ومهشَّمة،
— 324 —
لكان هذا سببًا في حصول التباس لدى الزبائن من الصاغة غيرِ المختصِّين، فلربما نظروا إلى الألماس أيضًا على أنها قواريرُ زجاجية، ممّا يوقعُهم في الرِّيبة والشُّبهة حول قيمة الألماس المقدَّس للقرآن الحكيم.. لذا فإنني أغلقتُ حانوتي الشخصيَّ بشكل تامٍّ، إذ يكفيني عملي في ذلك الحانوت المقدَّس، ويسعدُني أكثر أن أكونَ خادمًا مُفلِسًا.
الثاني: كوني خادِمًا للقُرآن ودَلّالًا له وداعيًا إليه ليس إلّا، فمَرحبًا به، وكلُّ مَن يأتينا مِن هذا الباب فعلى الرَّأس والعينِ؛ وهذا اللقاءُ لا يُمكن أن يَحُول دونه بُعدُ الأماكن شرقًا أو غربًا، بل سواءٌ كُنّا تحت التراب أو فوقَه، فليس بنا حاجةٌ لأن نلتقيَ وجهًا لوجهٍ.
ولهذا النَّوعِ مِن اللِّقاء ثلاثُ ثَمَرات:
الأولى: تلقِّي جواهرِ الحانوت الذي أعمل فيه دلالًا، وتسلُّمُها منِّي شخصيًّا، وها أنا أرسلتُ إليكم الآن اثنتي عشرة جوهرةً صغيرةً من ذلك الحانوت.
الثمرة الثانية: قبولي لأولئك الذين يؤدُّون الفرائضَ الخمسَ، ويجتنبون الكبائر السبع، إخوةً لي في الآخرة، كنتيجة لهذا اللقاء المعنويِّ وكثمرةٍ لهذه المناسبة؛ وإنني أتوجَّه إلى الله تعالى بالدُّعاء كلَّ صباح أن تُسَجَّل جميعُ مكاسبي المعنوية في صحائفِ إخواني هؤلاء، شريطةَ أن يضربوا لي بسهمٍ من أدعيتهم وخيراتهم المعنوية.
الثمرة الثالثة: حضورُهم بالقُربِ منِّي إمّا حضورًا حقيقيًّا أو قلبيًّا، واصطفافُنا معًا في باب الحضرة الإلٰهيّة، رافعي أيدينا بالضراعة والدعاء؛ واجتماعُنا يدًا بيدٍ وقلبًا بقلبٍ حول خدمة القرآن، وتمكينُ الرّابطة التي تجمعُنا بكلِّ عزيمةٍ وصدقٍ.
إخواني.. هذه الثِّمار الثَّلاثُ هي بين أيديكم منذ الآن.
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭