— 325 —
مسائل متفرقة
المسألة الأولى:
سؤال: ما الحكمة في كثرة الصلاة على النبيِّ (ص)؟ وما السرُّ في ذكر السلام معها؟
الجواب: إن الصلاة على الرسول الأكرم (ص) هي بحدِّ ذاتها إحدى طُرُق الحقيقة، فلقد أظهر الرسول الأكرم (ص) حاجةً شديدة لصلواتٍ غيرِ متناهية رغم كونه مظهرًا لرحمة لا متناهية؛ فهو عليه الصلاة والسلام على صلةٍ بهموم جميعِ الأُمّة وحاجاتها، وله سهمٌ من سعادتها؛ ولأجل صلتِه هذه بسعادة جميع الأمة المُعرَّضة لأحوال لا نهاية لها في مستقبلٍ غيرِ محدود يمتدُّ إلى أبد الآباد، أظهَرَ (ص) الحاجة لصلوات عليه غيرِ متناهية.
كما أن الرسول الأكرم عبدٌ ورسول، فلذلك يطلب الصلاةَ من جهة العبودية، والسَّلامَ من جهة الرسالة؛ إذ العبودية تتوجَّه من الخلق إلى الخالق سبحانه، فتكون مظهرًا للمحبوبية والرحمة، و"الصلاة" تُفيد هذا المعنى؛ أما الرسالة فهي بعثة من الحق إلى الخلق، فتطلب السلام والتسليم، وقبولَ المُهِمّة والتوفيق في أدائها، ولفظ: "السلام" يُفيد هذا المعنى.
ثمَّ إننا حينما نعبِّر بلفظ "سيِّدنا" فإننا نقول: يا رب، ارحم رئيسنا الذي هو رسولك عندنا، ورسولُنا في بابك، كي تسريَ تلك الرحمة إلينا أيضًا.
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ عَبدِكَ ورَسُولِكَ، وعَلَى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعِينَ
المسألة الثانية:
(جواب قصير عن سؤال طويل طرحه أحد الإخوة):
إن قلت: ما هذه الطبيعة التي زلَّ فيها أهلُ الضلالة والغفلة، حتى سقطوا في الكفر والكفران، فرُدُّوا إلى أسفل سافلين بعد أن كانوا في أحسن تقويم؟
— 326 —
الجواب: إن ما يسمُّونه بی"الطبيعة" هو الشريعة الفطرية الإلٰهيّة الكبرى، وهي عبارة عن مجموعة قوانين عاداتِ الله المُظهِرة لتنظيم الأفعال الإلٰهيّة وأنظِمَتها التي تُشاهَد في الموجودات.. ومن المعلوم أن القوانين أمور اعتبارية لها وجود علميّ، وليس لها وجود خارجيّ؛ إلّا أنَّ الغفلة والضلالة أدَّت بهم إلى الجهل بالكاتب والنقَّاش الأزلي، فظنُّوا الكتابَ والكتابة كاتبًا، والنَّقْشَ نَقّاشًا، والقانونَ قُدرةً، والمِسطَر مصدرًا، والنِّظامَ ناظِمًا، والصَّنعةَ صانِعًا!
فكما أن إنسانًا بدائيًّا لم يشاهد حياة البشر الاجتماعية من قبل، إذا دخل ثكنةً عسكرية عظيمة، وشاهد حركات الجيش المُطَّردة وفقَ أنظمةٍ معنوية، خُيِّل إليه أنهم مربوطون بحبال مادية.. أو إذا دخل مسجدًا كبيرًا، ورأى حركات المسلمين المباركة المُنتَظِمة في صلوات الجماعة والعيد، توهَّم أنهم مربوطون بروابط مادية..
كذلك أهل الضلالة الذين هم أكثر توحُّشًا من ذلك الإنسان البدائيّ، حينما يدخلون هذا الكون الذي هو ثكنة عسكرية عظيمة لسلطان الأزل والأبد، ومن له جنود السماوات والأرض، ويدخلون هذا العالم الذي هو مسجد كبير للمعبود الأزلي، ثمَّ يُطلقون على أنظمة ذلك السلطان اسمَ الطبيعة، ويتخيَّلون شريعته الكبرى المشحونة بحكمٍ غيرِ متناهية مجرَّدَ مظاهرَ صمّاءَ عمياءَ جامدةً ومختلطة، كأمثال القوة والمادة؛ فلا شكَّ أنَّ أمثال هؤلاء لا يَصدُق عليهم أنهم بشرٌ، بل حتى لا يَصلُح أن يُقال عنهم: حيوانات وحشيّة.
لأن توهُّمَ هذه الطبيعة يوجِبُ أن تُمنَح كلُّ ذرّةٍ وكلُّ سببٍ قوّةً قادرةً على خلق الموجودات كلها، وعلمًا محيطًا بكلِّ شيء، بل أن تُمنَح كلُّ ذرّة وكلُّ سبب جميعَ صفاتِ الواجب الوجود، وما ذاك إلّا مُحالٌ في منتهى الضلالة، بل هذَيانٌ نابع من جنون الضلالة.
فی"الكلمات" ورسائل أخرى قد أَرْدَت مفهومَ الطبيعة قتيلًا في مئةِ موضع منها، بحيث لم تَعُد تقوم له قائمة، وكذا "الكلمة الثانية والعشرون" أثبتت هذا الأمر إثباتًا قاطعًا.
— 327 —
الحاصل: لقد أُثبِت في "الكلمات" إثباتًا قاطعًا: أنَّ من كان معتقِدًا بالطبيعة فهو مضطرٌّ لقبول آلهة غيرِ متناهية، لإنكاره الإلٰهَ الواحد، ولزومِ اتِّحادِ جميع تلك الآلهة في نظام هذا الكون! إضافة إلى لزوم كون كلِّ إلٰه منها قادرًا على كلِّ شيء، وضدَّ جميع الآلهة ونِدًّا لها.. والحال أنه ليس للشريك موضعُ جناح ذُبابة يتدخَّلُ فيه، ابتداءً من جناح الذباب حتى المنظومة الشمسية.
والدستور القطعيّ: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ يُحطِّم أساسات الشرك والاشتراك ببراهين دامغة.
المسألة الثالثة:
لقد أُثبت في الكلمة الثانية والثامنة وكلمات أخرى: أنَّ الكُفر بذرةٌ لجهنَّمَ معنوية، كما أن ثمرتَه جهنَّمُ مادية؛ وأنه سببٌ لوجود جهنَّم، كما أنَّه سببٌ لدُخُولها؛ فلو أنَّ رجلًا سيِّئَ الخُلُق قال لِحاكمٍ صغيرٍ ذي عِزّةٍ ضئيلةٍ وغَيرةٍ قليلةٍ وجلالٍ يسير: "لا تؤدِّبُني، ولستَ قادرًا على تأديبي"، فإنه بلا شك سيُنشِئُ سجنًا خاصًّا لأجله، ويَزُجُّه فيه، وإن لم يكن لديه سجن.
كذلك حال الكافر، فإنه بإنكاره لجهنم يسيء إلى مَن له منتهى الغيرة والعزة والجلال، ويكذِّبُه ويتَّهِمُه بالعجز والكذب، فيَمَسُّ عِزَّته بشدّة، ويتعرَّض لجلاله بسفاهة؛ فلو فرضنا یی مُحالًا یی أن ليس لإيجاد جهنم أيُّ سببٍ، فسيخلقها اللهُ سبحانه لأجلِ ذلك الكفر المُتضمِّن للاتِّهام بالعجز والتكذيب إلى هذا الحَدِّ، وسيُلقي فيها هذا الكافرَ.
المسألة الرابعة:
إن قلت: لماذا يتغلَّبُ أهلُ الكفر والضَّلال على أهل الهداية في الدنيا؟
الجواب: لأنَّ اللطائف الإنسانية واستعداداتِها الموهوبةَ لشراء الألماس الأبديِّ، تُحيلُها بلاهةُ الكفر وسُكرُ الضلالة وبلادةُ الغفلة إلى قطع زجاجية تافهةٍ وبلورات
— 328 —
ثلجيّة فانية؛ فلا شك أن الجليد وقِطع الزجاج المتكسِّر حينما تُشتَرى بثمن الألماس، استُحقَّ أجودُ أنواع الزجاج وأفخمُ أنواع الجليد.
أصاب الجنونُ يومًا صائغ ألماس، ولمّا ذهب إلى السوق أخذ يعطي خمس ليرات ذهبية لقطعة زجاجية لا تساوي شيئًا؛ ولمّا رأى الناسُ ذلك، جعلوا يُقدِّمون له أجودَ ما لديهم من أنواع الزجاج، حتى الأطفال الصغار أخذوا قطع جليدٍ جميلة وسلَّموها له مقابل قطعةٍ ذهبية.
كما سَكِر سلطانٌ في زمن ما، ودخل بين الأطفال ظنًّا منه أنَّهم وُزراءُ وأُمراءُ حرب، وبدأ بإصدار أوامرَ سلطانية إليهم؛ فسُرَّ الأطفالُ بذلك، وأمضى هو بعض اللَّهوِ بينهم مستمتعًا بطاعتهم له.
وهكذا، فإنَّ الكفر جنون، والضلالة سُكْر، والغفلة حيرة، بحيث يشتري الكافر متاعًا فانيًا بدلًا من الباقي؛ وهذا هو السِّرُّ في قوّة مشاعر أهل الضلالة، فيشتدُّ العناد والحرص والحسد وأمثالها من الحِسِّيّات لديهم، فتجدُ الواحدَ منهم يُعانِدُ لسنةٍ كاملة ما لا يستحقُّ دقيقةً واحدة من الاهتمام.
أجل، إنه بجنون الكفر وسُكرِ الضلالة وحَيرةِ الغفلة، تسقطُ اللطيفةُ الإنسانية المخلوقةُ یی فطرةً یی للأبد، وتنشُدُ الأبديّة، فتشتري أشياءَ فانيةً بدلًا من الباقية، وتبذُلُ لأجلها ثمنًا غاليًا.
وهنالك مرض عصبي أو مرض قلبي ينتاب المؤمن أيضًا، إذ إنه يهتمُّ اهتمامًا شديدًا بما لا يستحقُّ الاهتمام كحال أهل الضلالة؛ إلّا أنَّه سرعانَ ما يُدرك خطأَه، فيستغفر ربه ولا يبقى مُصِرًّا عليه.
﴿ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ﴾
— 329 —
المسألة الخامسة:
سرٌّ مهمٌّ من أسرار آية:
مثلما كان القرآن المعجز البيان بمجموعه معجزةً بحدِّ ذاتِه، كذلك كلُّ سورة منه معجزةٌ بحدِّ ذاتها، بل كثيرٌ من آياته كلٌّ منها معجزةٌ أو على هيئةٍ تُظهِرُ لَمعةَ إعجازٍ.
فالآية الواردة مثلًا في آخر سورة الفتح، والتي تتحدَّث عن الصحابة، تبدأ بی مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، وتتضمَّن جميع الحروف الهجائية، وتُشير إلى عدد أسماء مشاهير الصحابة ممَّن نالوا شهرة عالمية، وهم: أصحاب بدرٍ، وشهداء أُحُد، وأصحاب الصُّفّة، وأهل بيعة الرضوان.
كما أن الآية التي تسبق هذه الآية تبدأ بی هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ، وتتكون من ثلاثة وستين حرفًا، فتشيرُ بذلك إلى عُمُر النبي (ص)؛ كما أنها تُظهرُ معَ الآية التي تحدَّثنا عنها عددَ أصحاب بدر والصُّفّة وأُحُد، وأهل بيت النبيِّ (ص).
وأما عددُ الآية الأخيرة فهو مئتان وستُّون، وهو عدد أصحاب بدر وشهداء أُحُد، شريطة احتساب شهداء أُحد ممَّن حضر بدرًا واستُشهدَ في أُحُدٍ، وعدِّ مَن كان يحمل الاسمَ نفسَه واحدًا.
كما أن عدد حروف الآية نفسها هو عدد أصحاب بدرٍ مع أصحاب الصُّفّة بالشروط التي ذكرناها مُسبقًا، وهو مئتان وأربعٌ وستُّون، والزائد عن الآية أربعة، وهذه الأربعة إشارة إلى الخلفاء الأربعة أو إلى الأربعة من آل العباءِ الخمسة.. فتدبَّر في الأحرف الآتية لتُدرك كم مرةً تكرر كلُّ حرف في الآية، ومدى ما أظهرت من أعدادٍ مُوافقة لأعداد أصحاب بدر وأُحد والصُّفّة:
الهمزة الملفوظة توافق (٩) وغير الملفوظة توافق (١٥)، ب توافق (٤) ت توافق (٨) ث توافق (٢) ج توافق (٨) ح توافق (٣) خ توافق (١٠) د توافق (٦) ذ توافق (٣) ر توافق (١٦) ز توافق (٦)، س من أُحد وصُفَّة توافق (٧)، ش من صُفَّة
— 330 —
توافق (٢)، ص من صُفَّة توافق (٢)، ض من بدر توافق (٢) من صُفَّة، ط توافق (١)، ظ توافق (٣)، ع من العبادلة السبعة في أُحد والخلفاء الثلاثة توافق (١٠) من صُفَّة، غ توافق (٦)، ف توافق (١٤)، ق توافق (١) في بدر، ك توافق (٦)، ل توافق (٣٤)، م توافق (٢٤)، ن توافق (١٦)، هی توافق (١٦)، و توافق (١٥)، ي توافق (١٢)، لا توافق (٢)، أ توافق (١٨).
يظهر توافقُ نصف عدد الحروف مع أصحاب بدر والصُفَّة وأُحد أنَّ غير المتوافقة تتوافق مع طبقات أخرى مشهورة، كأهل بيعة الرضوان وأمثالهم.
ومن اللافت للنظر أن الآية: ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا... تتضمن جميع الأحرف الهجائية أيضًا، كالآية السابقة تمامًا، إلا أنَّ تكرار حروفها جاء على نحو عجيب جدًّا، على عكس هذه الآية؛ أما هذه الآية فلا ينظر بعضُها إلى بعض، ولا يُوافق الأخ أخاه؛ ما يعني أن وظيفة الحروف في هذه الآية تؤيِّد معناها، وتتوجَّه إلى أسماء الصحابة الذين تتحدث عنهم.
أجل، كما تُظهر هذه الآيةُ الكريمة الحِكَمَ نفسَها التي أشارت إليه بجُمَلِها، كذلك تُشِير إلى المعنى ذاته بكلماتها وحروفها أيضًا؛ وكما تتوجَّهُ حروفُ هذه الآية إلى الصحابة، فإن قيودها أيضًا تتوجَّه إلى أشهر صفات الصحابة؛ فبإظهارها لتلك الصفات تُشير إلى أصحاب تلك الصفات.
مثلًا: الآية وَالَّذِينَ مَعَهُ تذكِّر بالصحبة المخصوصة وتشير إلى المعيَّة الخاصة لأبي بكر الصِّدِّيق التي هي مبعث فخرِه وشُهرتِه.
و أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ تُظهر یی كالمرآة الساطعة یی سيِّدنا عمر المشهور بحميَّتِه الإسلامية الشديدة وانتصاره القاطع على الكفار.
و رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تشير إلى سيِّدنا عثمان ذي النورين المشهور بالشفقة والرأفة.
— 331 —
وبقيد تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا تُشير إلى سيِّدنا عليّ المرتضى المشهور بكثرة ركوعه وسجوده والمداومة على ذلك.
وجملة يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا تُشير إلى أهل بيعة الرضوان، و سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ إلى أهل الصُّفة، ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ إلى فقهاء الصحابة وعلمائهم، وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ تُشير إلى الصحابة المُشتهِرين بالشجاعة في حُنين والفتح وأُحد وبدر؛ وتشير أيضًا بتلك الصفات والقيود إلى السَّجايا السّامية والأخلاق العالية والمعاملات الغالية التي هي مبعث التفضيل ومنشأ الامتياز ومعدن المزايا للصحابة الذين هم أرفع بني البشر وأشهرُهم وأكثرُهم امتيازًا بعد الأنبياء.
فتُخبِرُ تلك القيود أن موقف الصحابة من الناس هو: أنهم أشداء على الأعداء، رحماء بالصحب والمؤمنين؛ وأما في جانب الحق سبحانه فهم يتميَّزون بكمال الطاعة في الركوع والسجود؛ ويتحلَّون بكمال الإخلاص في ابتغائهم رضا الحقِّ سبحانه وفضله في جميع أمورهم.
كما أنها تستنطق الماضي بصورةٍ معجزة، لتُحضر شهادةً من التوراة والإنجيل على التفوُّق والثبات والمتانة والرقيِّ الذي أظهره الصحابة في ميادين العلم والعمل والسياسة والجيش؛ وتخبر في المستقبل یی على سبيل الإعجاز یی عن تحرُّكاتهم في أداء وظيفة العبادة والجهاد، فتجمع بذلك بين إخبارين غيبيَّينِ من الماضي والمستقبل، لتُظهرَ بذلك لَمعةَ إعجازٍ حين تُخبر عن أحوال الصحابة المذهلة.
هذا إضافةً إلى إشارات كثيرة وإيضاحات طويلة تشتمل عليها هذه الآية، وإنما اقتصرنا على ما قدَّمنا لنقصِ إحاطتنا وقِصَرِ يدِنا.
فهذه الآية مع ما تقوم به جُمَلُها وكلماتُها وحروفُها من وظائف مختلفة، إلا أنها تتكاملُ حولَ المعنى المقصود وتتوجَّهُ إليه.. أفلا يُفهَم من هذا أن الآية تجمع من الأسرار العجيبة كثيرًا ممّا لا نعرفُه ولم نُبيِّنه؟!
— 332 —
السادسة: مسألة صغيرة:
إنَّ سببَ إطلاق اسم "رسائل النور" على مجموع "الكلمات" (وهي ثلاث وثلاثون كلمة)، و"المكتوبات" (وهي ثلاثة وثلاثون مكتوبًا)، و"اللمعات" (وهي إحدى وثلاثون لمعة)، و"الشعاعات" (وهي ثلاثة عشر شعاعًا)، هو أن كلمة "النور" قد صادفتني طوال حياتي في شتى النواحي، فمنها:
أن قريتي اسمها: "نُورْس"، واسم والدتي المرحومة: "نورية"، وأستاذي في الطريقة النقشبندية: "سيد نور محمد"، وأستاذي في الطريقة القادرية: "نور الدين"، وأستاذي في تعلُّم القرآن: "نوري"، وأكثرُ من يُلازِمُني من طلابي هم ممَّن يحملون اسم النور، وأكثر ما يوضِّح كتبي وينوِّرُها هي أمثلة النور؛ وإن أوَّل ما أشرق لعقلي وقلبي وشغَلَ فكري، من القرآن الحكيم هي الآية: اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ؛ وأكثر ما حلَّ غالبَ مشكلاتي في الحقائق الإلٰهيّة من بينِ الأسماء الحسنى الاسمُ النوراني: "النور"؛ ولشدة شوقي نحو القرآن وانحصار خدمتي في ميدانه، فإنَّ إمامي الخاصَّ هو سيِّدُنا عثمانُ ذو النُّورَينِ رضي الله عنه.
اللَّهُمَّ يا نُورَ النُّورِ ويا مُنَوِّرَ النُّورِ ويا مُصَوِّرَ النُّورِ ويا مُقَدِّرَ النُّورِ ويا مُدَبِّرَ النُّورِ ويا خَالِقَ النُّورِ ويا نُورًا قَبلَ كُلِّ نُورٍ ويا نُورًا بَعدَ كُلِّ نُورٍ ويا نُورًا فَوقَ كُلِّ نُورٍ ويا نُورًا لَيسَ مِثلَهُ نُورٌ
سُبحَانَكَ يا لا إِلٰهَ إلاَّ أنتَ، الأمَانَ الأمَانَ، أَجِرنَا (وعَلِيًّا) مِنَ النَّارِ، وأَدخِلنَا (وَأدخِل عَلِيًّا) الجَنَّةَ مَعَ الأبرَارِ، ونَوِّر قُلُوبَنَا وقَلبَهُ وقُبُورَنَا وقَبرَهُ بِأَنوَارِ الإيمَانِ والقُرآنِ، يا رَحِيمُ يا غَفَّارُ.. وَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ المُختَارِ، وآلِهِ الأَطهَارِ، وصَحبِهِ الأَخيَارِ
آمينَ آمينَ آمينَ.
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 333 —
(جواب على سؤال خلوصي بك بخصوص تغليف الأسنان):
لا يمكنني الإجابة بالتفصيل على سؤالكم الوارد بتاريخ ١٩٣٢؛ إلا أنني سأتحدَّثُ باختصار عن بعض المسائل الشرعية ذات الصِّلة بهذا الموضوع:
إن المضمضة أثناء الوضوء سنة وليست فرضًا، لكن هي فرضٌ في الغُسل، فلا يجوز بقاءُ موضعٍ داخلَ الفم دون غَسل ولو كان يسيرًا وفيه ضرر؛ ولهذا لم يتجرَّأ العلماء على الفتوى بجواز تغليف الأسنان، وأمّا فتوى الإمام أبي حنيفة والإمام محمد رضي الله عنهما بجواز تغليف الأسنان بالفضة أو بالذهب، فهي یی على الأغلب یی مقيَّدة بشرط ألّا يكون تغليفًا ثابتًا.. على أنَّ هذه المسألة من المسائل التي عمَّت بها البلوى لما لها من انتشار واسع، ولا يمكن رفعُها.
فكَّرتُ في وسيلة للتخلُّص من هذه البلوى العظيمة التي ابتُليَتْ بها الأُمّة، فوردت إلى القلب فجأةً هذه النقطةُ: إنه ليس من حقِّي وحدِّي الخوضُ في وظيفة أهل الاجتهاد، لكن رغم أنني لستُ مؤيِّدًا للفتاوى، إلا أنني أقول اعتمادًا على ضرورة عموم البلوى: إن كان التغليفُ بناءً على توصيات طبيبٍ متديِّن حاذقٍ، فحينئذٍ تخرجُ السِّنُّ من كونها من ظاهر الفم، وتأخذُ حُكمَ الباطن، فلا يضرُّ عدم غسلها أثناء الغُسل، ويكفي غسلُ الغلاف الذي فوقه بدلًا عنه.
فكما يحلُّ شرعًا غسلُ الضِّماد الذي يوضعُ على الجُرح دون رفعه، بدلًا عن غسلِ الجرح نفسه، وذلك خشيةَ الضَّرر؛ فكذلك يقومُ غسلُ هذا الغلاف الثابت یی باعتبارِ الحاجة یی مقامَ غسل الأسنان، ولا يُبطِل الغُسل؛ والعلم عند الله.
ولمّا كانت هذه الرخصة تقع للحاجة، فلا شك أن الذي يقوم بتغليف الأسنان أو حشوها لأجل التجميل والزينة لا يستفيد من هذه الرخصة، حتى لو عمل ذلك بسوء اختياره وعلى علمٍ منه فهذه الضرورة لا تُعدُّ سببًا للإباحة، ولكن إن حدث التغليف دون علمه فالقول بالجواز عملًا بالضرورة.
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 334 —
(فقرة من روح واحدة في ثلاثة أجساد: الحافظ علي، صبري، علي صاري بِچاق)
تلقَّيتُ "رسالة الإخلاص" التي أصبحت اللَّمعةَ العشرين بعد أن كانت المسألةَ الثانية من المسائل السبعة للمُذكِّرة السابعة عشرة للَّمعة السابعة عشرة من المكتوب الحادي والثلاثين؛ كما تلقَّيتُ مع أخي "علي أفندي" من "قُلَه أُونو" اللمعةَ الحادية والعشرين، وهي رسالة مباركة وقيِّمة ومؤثِّرة أشبهُ بمِسلاطٍ قويٍّ (بروجكتُر) يحوِّل الليل إلى نهار؛ ووصَلَتنا أيضًا اللَّمعة الثانية والعشرون التي دخلت في عداد اللَّمَعات بعد أن كانت المسألةَ الثالثة من المذكرة السابعة عشرة.
في اللحظة التي كانت تُبذَلُ فيها الجهود لمحو الفطرة الحقيقية من أذهان عالَمِ الإنسانية، وذلك عبر ألاعيب الاشتراكية والبلشفية، ورميِ البشرية في هاوية الظلمات الأبدية، ودفعِ الأمة الإسلامية یی باستثاءِ أنفُسِهم یی تحت مُسمَّى المساواة إلى عالمٍ ليس لِدَرَكِه قرارٌ.. وفي اللحظة التي خيَّم فيها ظلامُ الليل بما لبَّدوا به السماء من غيومِ قنابلِهم الدُّخانيّة، وأوقدوا الحرائقَ في الأراضي المعنوية التي احتلُّوها، فخَلَّفَتها بوارًا لا زرع فيها ولا نبات ولا حياة.. في هذه اللحظة ظهرت هذه اللَّمعةُ فجأةً، وأماطت السِّتارَ عن ضوء الشمس، فأنارَت تلك العوالمَ، وضخَّت ماء الحياة في تلك الأراضي المُحرَّقة، وأنبتت فيها الزروع والثمار.
سيدي المحترم.. قبل أسبوع تلقَّيتُ منكم یی بواسطة بكر بك یی رسالةً صغيرةَ الحجم كبيرةَ المعاني، تبلغُ معارفُها قوّةَ جيشٍ جرّار؛ فنحمدُ الله غايةَ الحمدِ أن لم يَحرِم يومًا أمثالَنا من عبادِه الضُّعَفاء العاجزين والفُقَراء المذنبين من نشر فيوضات رحمتِه بطاقتِها المادِّية والمعنويّة.. صحيح أننا مقصِّرون في أمر القراءة، إلّا أنَّنا نسير في الكتابة بخُطًى ثابتة بحمد الله تعالى، وهذا من فضل ربي؛ مثَلُنا في ذلك كمَثَل منزل تَهُبُّ الرياح فتَدخُلُه لبعض الوقت، إلا أنَّ صاحبَه يُسارع لِغَلقِ أبواب المنزل ونوافذِه، ويعمل على تدفئته من جديد.
سيدي الموقَّر.. تسألني كيف وجدتُ هذه الرسائل؟ فماذا أقول أستاذي! لقد
— 335 —
شخَّصتُم جراحَنا وأمراضَنا المعنوية، واستخلصتُم لنا من فيض الإحسان الإلٰهيِّ ترياقًا مُغذِّيًا في غاية النفع والتأثير، مَمزُوجًا بشتَّى أصناف الأدوية، ليَبُثَّ فينا أنفاسَ الحياة.. وإنِّي كلما قرأتُ بتقدير وامتنان الرسائلَ التي تتحدَّثُ عن الإخلاص، سواءٌ التي تلقَّيناها سابقًا أو لاحقًا، أَشعُر بألمٍ في جسدي وارتعادٍ في جميع ذَرّاتي؛ وعندما بدَأَتِ الديدانُ المُتولِّدة من الجراح المُتعدِّدة تستيقظ، كشَفَت رسائلُ الإخلاص للعِيان حُمْقَ حركاتي وبَلَهَ تصرُّفاتي.
وحين نَسخِها تُنبِّهُ هذه الكلمات جميع إخواني برُقيِّها، وتسقي بسُمُوِّها كلًّا منهم ماءَ زمزم، وهذا ثابت بالتجربة؛ فكأنها تخاطبُ كلًّا منهم على حِدةٍ بشكل مباشر، فيتوجَّهُ من بين إخواني كلُّ من يملك الإخلاص التامَّ، والوجدان النقيَّ، والرُّوح المسلِّمة، والجسد اللطيف، والنَّسب الطاهر، إلى أرحم الراحمين بالتضرُّع والدعاء قائلين: "يا ربِّ نجِّ جميع إخواننا من كلِّ ضرر، وارزُقهُم الإخلاصَ التامَّ تفضُّلًا منك وإحسانًا".
وأمّا من لا يملكون هذه الخصالَ الخمسة وليسوا من أهلها، فخلطوا أنوارًا متعدِّدة بأرواحهم الكثيفة، وغَدَوا بظاهر حالهم وسيلةً لمثل هذه الرسائل، ويطلبون في كلِّ آنٍ دعاء الجميع وهمَّتهم، ويَسعَون في سبيل رسائل النور وينقادون لأوامرها؛ فأسأل الله بحرمة الحبيب الأكرم (ص)، وبحرمة القرآن الحكيم وحزب القرآن، أن يكتب لهم المغفرة، ويمُنَّ عليهم بالتوفيق في الخدمة التي سَعَوا في طلبها، وعقدوا النيةَ على النهوض بها.. آمين.
وإن حالَنا تجاه الرسائل كحالِ رجلٍ يعاني من ارتفاع الحرارة حين يُصادِفُ الماء، فلو كان في وعاء صغير لَرغِب أن يسلُكَه في وعائه، ولو كان بحرًا أو بحيرةً عظيمة لَرغِب أن يُلقيَ بنفسه في مياهها؛ وكذلك حال هذه الرسائل المباركة، إذ تشير إلى بحر الإخلاص في هذا الزمان المُلتهبِ عديمِ النور، فتُضفي على حرارة أجوائه رقّةً ولطافةً، وتكشفُ عمّا في البحر من شتَّى أنواع الجواهر والألماس، وتدعو الجميع للإقبال عليها.
— 336 —
إن الذين ينفُثُون سُمومَ الرياء وحبِّ الجاه وغيرها من رغبات النفس الأمّارة، هم كالأفاعي المُضِرّة من شتَّى الجوانب، إذ يَطمَعون بنيلِ متاع الدنيا تحت ستار العبادة، ثمَّ يُدرِكون خطَأَهم وهم على شفيرِ القبر، فيرغبون یی رغبةَ فرعونَ الغريقِ یی بالتراجُع عن شهوة إقبال الناس عليهم، ولكن هيهات! فلو أنهم أناروا قلوبهم بما تحويه هذه اللَّمَعات من معالم الهداية، لَطَرح حتى منافقو هذا الزمان عُبّادُ الشُّهرة ما بأيديهم من قطع جليديّة اغترُّوا بزيفها، وستحترقُ أجسادهم في المآلِ بزمهريرها، ولَانصَرَفوا بمَحضِ الإخلاص نحو الإيمان، ولَالتقطوا الجواهر والألماس من خزائنِ القرآن، بتوفيق الله تعالى وفقَ مراده.
سيدي المحترم.. إن رسالة "الكرامات العلوية" إضافةً لكونها كرامةً متعدِّدة الجوانب، فهي تبثُّ في تلاميذ رسائل النور اليقظة والحماسة، وتدفعهم إلى الهِمّة والسَّعي، وتحملُهم على الشجاعة والقوة؛ وتوضحُ لهم أنهم ليسوا وحيدين في الطريق الذي يَسلُكونه، وأن مَن أمامهم من الأعداء ليسوا أعداءَهم خاصّةً، بل هم أعداءُ الأرواح السّامية التي تُطلُّ من الماضي وتُراقبُهم عن كثب، فكأنَّ تلك الأرواح العالية مرشدون أمامنا، وحُرّاسٌ حولنا، يقدِّمون العونَ لنا، فيُرافقون الأقوياء، ويَشحَنون بالقوّة قلوبَ الضُّعفاء، وبالشجاعة نُفُوسَ الخائفين؛ كما تُؤكِّد هذه الرسالة أن كلًّا من التلاميذ محتاجٌ لها في كل حين.
وتخبر عن علماء السوء الذين جرَّهم عِلمُهم للسُّقوط في براثن الأنانية، ودينُهم إلى الانشغال بالدُّنيا، وشخصُهم إلى دخول الخمَّارات، كلُّ ذلك تحت حجابِ المظهر العلميِّ وتمثيل الدِّين وإرشاد الأُمّة في هذا الزمان!! فهي بذلك تدعو أهلَ الإيمان والعرفان إلى الإنصاف والاتفاق والاتحاد.
ننحني جميعًا إجلالًا لمقامِكم، ونقبِّلُ تبرُّكًا أيديكم.
الباقي هو الباقي
عليّ (رحمه الله) عليّ
من قرية (إسلام) من (قُولَه أونو)
٭٭٭
— 337 —
(رسالة كُتبت خطابًا لخسرو):
باسمه سبحانه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
السلام عليك وعلى والِدَتِك وعلى أخيك وعلى إخوانِك، ورحمة الله وبركاته
أخي العزيز المبارك الوفِيّ..
أولًا: إن الرؤيا المباركة التي أُرِيتَها قبل شهرين من شروعك بی"الكلمات" جميلة جدًّا، وهي حقيقةٌ في الوقت نفسِه.
أجل يا أخي؛ ومِثلَما تُبشِّرك هذه الرُّؤيا، نبشِّرُك نحن أيضًا بأنك عُيِّنت كاتبًا في أخصِّ رُتبة وأعلى مرتبة، ضمن جماعةٍ مباركة من أمثالك، متحلِّقة على هيئةِ مُسنَّناتٍ حول تفسير الحقائقِ القرآنية التي هي بحُكمِ مصنعِ حقائقَ نورانيّة غير محدودة للوَرد المُحمديِّ المتفتِّح من جنة الحديقة الأبديّة "القرآن الحكيم".
ثانيًا: إن رسالة المعجزات الأحمدية (ص) التي كتبتَها لنا هذه المرة جميلةٌ جدًّا، فما شاهدها أحد إلا شعر بأذواقٍ حقيقية؛ ما يعني أن الأحاسيس المعنوية المُخلِصة النقيّة تُبْرِز نفسَها على صورة نقوشٍ مادِّية.
وحينما اطَّلعتُ على هذا السِّرِّ، لاحظتُ أنَّ أخي "غالب" يشاركُني هذا الإحساسَ أيضًا، حتى إنَّه قابل هذا الأمر بأن فضَّل خطَّك على خطِّه قائلًا: "إن تحت هذا السِّرِّ تبسُّمًا معنويًّا".
ثمّةَ أناسٌ كثيرون الآن يقوُّون إيمانهم بسبب هذه الرسالة التي كتبتَها، وتزداد المحبة الأحمدية في قلوبهم، وتنعدمُ لديهم الشُّكوكُ حول "الإشارات الغيبيّة"؛ ناهيك عن كتابة هذا الأجر والثواب في سجلِّ أعمالك.
إن الكلمات التي أشرتَ إليها یی سوى كلمتي: القرآن والرسول الأكرم (ص) یی لها معانٍ غزيرة، كما أنها أُسُسٌ وحُجَجٌ للتوافق المبارك في هاتين الكلمتين، وتدلُّ
— 338 —
في الوقت نفسه على أنَّ من لم يراعِ جميع تلك التوافقات لا يُمكِنُه أن يخلط القلمَ في توافق هاتين الكلمتين.. إننا نعتقدُ أنك وجدتَ الخطَّ الحقيقي لهذه الرَّسائل، أو أنَّك اقتربتَ من ذلك.
ثالثًا: إن الرابطة التي بيننا معنوية وروحية وحقيقية، لذا لا يمكن للزمان والمكان أن يتدخَّلا فيها؛ فحينما أتوجَّهُ إلى باب الحضرة الإلٰهيّة، أجدُ خسرو بقُربي حاضرًا معي، ولِمَرّاتٍ عدّة في اليوم الواحد؛ كما أننا نُحضِرُك إلينا بأَخيِلَتِنا كلَّما تراءت لنا كتاباتُك اللطيفة، وبخاصّة خطُّك المباركُ في "المكتوب التاسع عشر".
إنني والصَّحبُ هنا نرغب أن نراك بيننا، لكن "إسبارطة" تحتاجُك أكثر؛ ويبدو أنَّ الوضع الحاليَّ والطقس غيرُ مناسبَينِ، لذا لا أرغب أن أُتعب أخي بإحضارِه لبعض الوقت، وإلا فحضورُك ضروريٌّ بالنسبة إلينا.. نقضيه في وقتٍ لاحقٍ إن شاء الله.
رابعًا: إن شهر رمضان المبارك لتضمُّنِه ليلة القدر، فإنَّه بالجملة يمثِّیلُ ليلةَ قدرٍ في عمر الفرد، إذ يُضفي آلافَ الأعمارِ إلى عُمُرِ المُوفَّقِ فيه، فهو بمثابةِ عُمُرٍ باقٍ: فدقيقةٌ واحدة منه تعدلُ يومًا، وساعة واحدة تُعَدُّ شهرين، ويوم واحد بحُكمِ سنوات عدة.. فأرجو الدعاءَ منكما أنت وأختي في الآخرة، أعني أُمِّي الثانية ووالدة أخي الفاضلة، وما دُمتُ أُشرِكُكما في دعائي، فلعلَّ دعاءَكما يقع بحكم التأمين على دعائي.
أُسلِّم على أخي علي أفندي، وأدعو له أيضًا؛ وهو يرقى لأن يكون أخًا تامًّا لائقًا لخسرو تمامًا.. أُوكِّلُك بسائر الإخوة، وأدعو لهم، وأُسلِّم عليهم؛ فليذكروني بدعواتهم في هذه الأيام المباركة.
يسلِّم غالب عليك كثيرًا، ويقول: إنني أشعر برابطٍ معنوي بخسرو..
سلامي الخاصّ ودعواتي الكثيرة لی"لطفي أفندي" الساعاتي، أسأل الله سبحانه أن يَمُنَّ عليه بنُورٍ في قلبه، ورحمةٍ في روحه، وحقيقةٍ في عقله، وبركةٍ في ماله، بعدد حروف "رسالة النوافذ" التي كتبها.. آمين آمين آمين.
— 339 —
وكان غرضي من استكتابه هذه الرسالة أن أُدخِلَه في دائرة خواصِّ التلامذة، وإلا فليس مقصدي أن أَشُقَّ عليه.
لقد رسَمتَ خاتمَ المعجزات الأحمدية (ص) بشكل جميل جدًّا! ما شاء الله! فأرجو ممَّن اقتنعوا بهذا الخاتم من الإخوة ذوي الصِّلة بی"الكلمات" أن يكتبوا لي أسماءَهم، لِأُدرِجها في الدائرة الثانية، ويكون لهم سهم من هذا النور.
نسختك من "رسالة الشكر" قد أعطاها مصطفى من "قُولَه أونو" لرجل لم يُحافظ عليها، إذ تضرَّرت بعضَ الشيء بما أصابها من المطر، لذا استَحْيا أن يرسلها إليك، فبَعَث بها إليَّ، فسأُرسل إليك بدَلًا منها نسخةً لديَّ جميلة الكتابة، فلك أن تعتمدَها في كتابة نسخة جديدة لك.
وأما النسخة المباركة التي تتحدَّث عن الشكر والتي كتبتَها لأجلي، فكنتُ أرسلتها قبل شهر إلى نواحي قرية "أتابك"، ولا أعلم مَن أخذها! ولم أستطع الحصولَ عليها.
كما أرسلُ لك خاتمة المسألة الثامنة من المكتوب الثامن والعشرين، وهذه الخاتمة تردُّ الانتقادات الواردة على خاتم الإعجاز، وتُثبِتُ أنه خاتَمُ تصديقٍ ساطع؛ وقد أرسلنا لك نسخةً من تلك الخواتم، فيمكنك أن تدوِّن في المواضع الفارغة منها الأسماءَ المناسبة لِمَن شاهدوا الخاتم وتقبَّلوه، وممَّن هم على صلة بی"الكلمات".
الباقي هو الباقي
سعيدٌ النُّورْسيّ بن مِيرْزا
٭٭٭
— 340 —
باسمه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
أخي في الآخرة العزيز الهُمام، ورفيقي في خدمة القرآن: صبري الأول وخلوصي الثاني..
لقد أدركتَ جيدًا قيمة المكتوب العشرين، وكتبتَه بشكل جميل أيضًا.. ما شاء الله!
تذكرُ في رسالتك أنك ترغبُ بتلقِّي دروس علم الكلام مني، وأنت تتلقَّى هذه الدروس فعلًا، فجميع "الكلمات" التي تكتبُها هي في الحقيقة دروسٌ نورانية لعلم الكلام الحقيقي.
وقد قال بعض مُحقِّقي أهل العلم كالإمام الربّاني: "سيوضِّح أحدُهم في آخر الزمان علم الكلام یی أي: المسائل الإيمانية الكلامية التي هي مذهب أهل الحق یی توضيحًا جليًّا يؤدِّي إلى انتشار هذه الأنوار بما يفوق صنيعَ أهل الكشف وأرباب الطريقة"، حتى إن الإمام الربّاني قد رأى نفسَه ذلك الرجل.
ولا يمكنُ لأخيك هذا الفقير العاجز اللاشيء أن يدَّعيَ أنَّه ذلك الشخص المُنتَظَر، فذلك فوق حدِّي بألف درجة؛ ولستُ لائقًا بهذا المقام بأيِّ اعتبار؛ لكن أظن نفسي خادمًا لذلك الرجل العُجاب الذي سيأتي في المستقبل، أُهيِّئُ البيئة المناسبة لقدومه، وجنديٌّ مقدام لذلك القائد العظيم.. ومن أجل هذا فإنك استشعرت تلك النفحة العجيبة في النصوص المكتوبة.
كما تسأل في رسالتك عن الأسرار التي تدور حول قوله تعالى: اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ...
أجل، تجد رشحاتها وقطراتها في أغلب "الكلمات"، وتقفُ على معينها وينابيعها على وجه الخصوص في المكتوب العشرين، والمكتوب الثالث والثلاثين، والكلمة
— 341 —
الثانية والثلاثين، والكلمة الثانية والعشرين.. وإن في تلك الآية طبقاتٍ كثيرةً بكل تأكيد، وقد نالت كلُّ طائفة سهمًا وحظًّا من إحدى تلك الطبقات.
تتمنَّى روحي أن أكتب عن بعض أنوار تلك الآية، وما كُتبَ حتى اليوم ظلَّ كما هو لأنَّه جاء في صورٍ متفرقة، فلذلك أكتفي به في الوقت الحاضر.
الباقي هو الباقي
أخوكم سعيد
٭٭٭
باسمه سبحانه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أبدًا دائمًا
إخواني الأعزاء الأوفياء، وأصحابي في الخدمة القرآنية المُضحِّين، السّادة الكرام: صبري، الحافظ علي، خسرو، رأفت، بكر، لطفي، رشدي..
إخواني، في هذه الأيام من شهر رمضان الشريفِ، كنتُ أودُّ أن أتحدَّث إليكم عن قضايا تَخُصُّ عالمَ النور، لكن وقَعَت حادثةٌ ألزمتني یی مع الأسف یی الحديثَ عن عالم الظلمات، وذلك نزولًا عند رغبة مَن في الجوار من الأصحاب، يدفعهم الفضول والقلق لطلب بعض التوضيحات حول هذه الحادثة الجديدة بلسان حالهم ومقالهم؛ وحتى أُزيل عنكم وعنهم هذا القلقَ، سأُوضِّحُ بعض الجوانب المتعلِّقة بهذه الحادثة، وعلى قسمين:
القسم الأول: إن هذه الحادثة الكارثية المُؤلمة لنا قد حوَّلَها الحقُّ سبحانه بعنايته ورحمته إلى صورة مغايرة، أجل، فجهنم ليست زائدةً عن الحاجة، كما أن الجنة ليست رخيصة! وإنَّ الوَجْهَ المُتوجِّهَ إلينا من هذه الحادثة تبدو فيه الرحمة، كما أنَّ وجهَها المُتَّجِه نحو أهل الدنيا يُثبِتُ لُزومَ جهنَّم؛ فالحادثة في هذا الوقت من شهر
— 342 —
رمضان الشريف كانت قبيحةَ الوجهِ جدًّا، لكنَّنا في عين العناية وفي كنف حفظِها كما قال الغوث الأعظم، فلذا تظهرُ لَمَعاتُ الرحمة في حقِّنا من جهات عديدة.
الثاني: حمَلَتني هذه الحادثة في هذا الشهر الشريف بطريقةِ التنبيه والتهييج إلى استشعار الضعف والعجز، وشدة الفقر وتمام الاحتياج، ومن ثَمَّ الالتجاء إلى الحق سبحانه؛ فباتت هذه الحادثة دافعًا لي مُهِمًّا لملازمة المناجاة التي أُداومُ على قراءتها حاليًّا في هذا الشهر.. والحقيقة أن المصائب ما هي إلا سياطُ القدر تسوقُ الناسَ للُّجُوء إلى أعتاب الحضرة الإلٰهيّة.
فغَدَت كلُّ كلمة أقرؤُها وكلُّ دعوةٍ ومناجاة أُردِّدُها، ذاتَ أذواقٍ ومشاعرَ شديدة، لا مجرَّدَ أورادٍ رسميةٍ أكرِّرُها بلا روح؛ وما سِرُّ تفوُّقِ الصحابة في العبادة إلا في هذه المزيّة: أنَّهم يُردِّدُون أذكارَ التسبيح وأورادَ الذِّكر بحضورٍ واستشعارٍ تامٍّ لجميع معانيها.
حاشية: لقد أُزيلت تتمة هذه الرسالة من هذا الموضع بناءً على مَقصَد معيَّن.
سعيدٌ النُّورْسيّ
٭٭٭
(خطابٌ موجَّه لخلوصي بك):
باسمه سبحانه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أبدًا دائمًا
أخي العزيز الوفي المخلص..
أولًا: لقد أحزنني جدًّا المُصابُ الدنيويّ الذي حلَّ بابن أخي "خليل ناجي"، أسأل الله أن ينجيَه منه، وأن يَمُنَّ عليك بالصبر والتحمُّل.. آمين.
ولا شكَّ أنَّ بطلًا مُخلِصًا من أبطال النور، أصيلًا ثابتًا لا يتزعزع، لن يضطربَ ويَضعُفَ یی بإذن الله یی بسبب أحوال دنيوية تافهة، ولن يُهزَم أمام أعراضٍ مؤقتة فانية.
— 343 —
ثانيًا: أبعث سلامي وتقديري للشيخ محمد أفندي الآلْواري، أحدِ خُلَفاءِ الشيخ محمد الكُفْرَوي (قدِّس سرُّه)، وهو الذي علَّمني آخرَ درس مبارك في سلسلتي العلمية، وكان يُعاملُني بحنانٍ يفوقُ حدِّي بكثير، فأُسلِّم عليه وعلى إخوانه؛ كما أُسلِّم على أصحابك ذوي الصِّلة بالأنوار في تلك المناطق، وأدعو لهم بالتوفيق في خدمة النُّور.
الباقي هو الباقي
أخوكم المريض
سعيدٌ النُّورْسيّ
٭٭٭
باسمه سبحانه
أخي العزيز..
لا تقلق عليَّ، فإنَّ العناية الربانيّة ما زالت حاضرة؛ وإن القناعة والاقتصاد في المعيشة ينقذانني من الاحتياج للآخرين.. حذارِ أن ترسل إليَّ شيئًا، فأنت تُنفِق على ستِّ أو سبعِ أنفُسٍ، أمّا أنا فنصفُ شخصٍ.. والواجب يُملي عليَّ أن أهتمَّ بشأنك لا أن تَشغَل بالك أنت بي.
رسالة صبري لم تصل إليه بعدُ، وإن لك ولخلوصي سهمًا في كلِّ عملٍ أُخرويٍّ أقومُ به، وفي شهر رمضان تُضاعَفُ المكاسب مقابل الواحد ألفًا.. فمدُّوا لي يدَ العون أنتم أيضًا من خلال دعواتكم.
سعيدٌ
هل صادَقتُم على ما ورد من الإشارات العَلَويّة مصادقةً تامّة؟ وهل وجدتم في رسالة الحشر القوّةَ الفائقة؟
٭٭٭
— 344 —
باسمه سبحانه
آلافَ السلام.. إنك تُرسَل إلى أماكن شتَّى بمقتضى رتبتك المعنوية الرفيعة التي هي أرفعُ من رتبتك المادية، فإنَّ لتلك الأماكن حاجةً إليك.. لا تقلق أبدًا، فإن رسائلك حول رسائل النور تؤدِّي الخدمة النورية نيابةً عنك، وتقوم مقامَ كثيرٍ من الطلاب، وتجعلُك تحظى دومًا بصدارة المراتب.
أخوك سعيدٌ النُّورْسيّ
٭٭٭
(رسالة النجم):
﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ﴾
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إخواني الأعزاء الأوفياء، وأصحابي العاملين في الخدمة القرآنية: صبري، خُسرَو، الحافظ علي، رأفت، بكر، لطفي، رُشدي..
أودُّ أن أبيِّن لكم مسألة تتعلَّق بحادثٍ سماويٍّ وقع في شهر جمادى الآخرة، وهي على النحو التالي:
في زمن ظهور صاحب الجناب الأحمدي عليه الصلاة والسلام، تساقطت النجومُ بكثرةٍ أمارةً على رجم الشياطين، ومُظهِرةً بذلك مثالًا للآية: وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ.
وأمّا في نظرِ أهلِ التحقيق فكان ذلك علامةً وإشارةً إلى وضع سدٍّ أمام أخبار الكهنة الغيبية والسماوية، والتي يتلقَّونها بواسطة الجِنِّ؛ وذلك كيلا تَرِدَ الشُّبهات على الوحي، إذ الزمان زمان نزول الوحي.
وأمّا أهل الكشف والحقيقة فكان حكمُهم أن هذا الأمر علامةُ سرورٍ، وأشبهُ بعيدٍ ومِهرجانٍ أقامه أهلُ السماوات بمناسبةِ تشريف صاحب الجناب الأحمدي (ص)
— 345 —
مبعوثًا للإنس والجن؛ كما أنه إشارة غيبية وسماوية إلى أن هذا الرسول منبعُ نيران مُحرِقة لأهل الكفر والضلالة، ومشعلُ أنوار مُشرِقة لأهل الإيمان والهداية.
وإن سقوط النجوم هذه المرة في شهر جمادى الآخرة، وعلى نحوٍ مُنعدمِ النظير یی إذ بدأ في الساعة الرابعة ليلًا، واستمر حتى الخامسة أو الخامسة والنصف یی لَیيُعدُّ حادثةً سماوية جليلة؛ وبما أن حوادث السماوات تتوجَّهُ إلى أرضنا، فلا بدَّ أن وراء هذه الحادثة أيضًا أثرًا في كُرتِنا الأرضية.. فيجب علينا بكلِّ حالٍ الالتجاءُ إلى كنف رحمته سبحانه، كي يحوِّلها إلى أنوار مُشرقة، ولا يجعلَها نيرانًا مُحرقة.
أجل، فكما أن الآياتِ في سُوَرِ القرآن الحكيم تنظرُ إلى بعضها، ويشير بعضُها إلى بعضٍ، كذلك السُّور العُلوية والسفلية لهذا الكون الذي يعدُّ قرآنًا كبيرًا للحق سبحانه، تنظر إلى بعضها، ويُظهِر بعضُها نِكاتَ بعضٍ.
في سورة السماء لا توجد كتابة لفظ الجلالة باللون الأحمر فقط كما فعلناه نحن، بل هنالك نجوم نُقشَت بماء نوراني مُذهَب على هيئة لفظ الجلالة، كما أن هنالك نقاطًا نورانية تتفجَّر من تلك النجوم؛ فمن شأن السورة السماوية المعجزة أن تُعلِنَ أسرارًا هي بحُكمِ طلَقاتِ السِّباق الإشارية الخطّاطة متمثِّلةً في هذه النِّقاط، وإننا نَعُدُّها فألَ خيرٍ لنا.
ثانيًا: إن تكرُّر لفظ الجلالة (٢٨٠٦) مرة في القرآن، يذكِّر المرء بنجوم السماء الحمراء، إذ زُيِّنت سماءُ القرآن بتلك النُّجومِ النيِّرة؛ وزاد لطافَتَها جمالًا وزِينةً ما وقع بينها من المُناسبات التوافقية لتلك الأعداد ذات المعاني العميقة، وذلك باعتبار الصَّحائف والأوراق والسُّوَر.
أُرسِلُ إليكم هذه المرة نُسختي القرآنيّة الخاصّة، وقد وضعتُ فيها إشاراتٍ بحَسَب الجدول المُرسَلِ إليكم، وإشاراتٍ مختلفةً على اسم الجلالة واسم الربّ.
إن توافُق اسم الجلال مُنتَظِمٌ ويحملُ معانيَ عميقة، إلّا أنَّه يتطلَّبُ بعضَ التدبُّر والنظر، إذ ليس من نوعِ التوافقات المعهودة في الرسائل أن تتوجَّه صحيفة إلى صحيفة أخرى، فقد لا تنظر الصحيفةُ إلى مُقابلَتِها أحيانًا، وإنما إلى الصَّحيفة التي خلفها أو حتى التي خلفهما، وقد تقفزُ أحيانًا على ورقة واحدة.
— 346 —
وقد تتوجَّه صحيفة واحدة أحيانًا إلى مجموع صحيفتين معًا، فمثلًا: في الصحيفة ٣٥ ورد لفظ الجلالة ١٣ مرة، وخلفها جاء ٨ مرات، ثم ٥ مرات في التي بعدها، ما يعني أن العدد ١٣ ينظر إلى كلا الرقمين في الصحيفتين معًا، بحيث بلغ مجموعُهما ١٣، وهكذا..
وأحيانًا تتوجَّه صحيفةٌ واحدة إلى مجموع صحيفتين معًا، بحيث يردُ بعدها عددان يوافقان بمجموعهما العدد، ويُبيِّن كلٌّ منهما جزءًا منه؛ فمثلًا: في الصحيفة ١٨٨ من سورة التوبة، ورد لفظُ الجلالة ١٦ مرة، وخلفها جاء ٦، ووراءَها جاء ١٠، فلو قُرِئت معًا من الأعلى لبلَغَت ١٦ وأظهَرَت التوافق.
وفي الصحيفة ٤٢٢ من سورة الأحزاب: يَردُ اسم الجلالة ١٦ مرة، ولا يوجد توافقٌ ظاهرًا، لكن في الصحيفة التي قبلها يَرِدُ ١٠ مرات، وفي التي تُقابلُها يَرِدُ ٦ مرات؛ فإن جُمِعَت مع بعضها كانت النتيجة ١٦ وحصل التوافق.
وقد تتوافق أحيانًا مع اسم الربّ، وأحيانًا لا تنظر الصحيفةُ إلى الصحيفة الأخرى، وإنما الورقة إلى الورقة، كما أنها تتوجَّه أحيانًا إلى رقم الصحيفة.
إن الرقم (٩) يتوجَّه مرّاتٍ كثيرةً إلى رقم الصحيفة، فلذلك شعرتُ كأنه خرج عن التوافق، (حاشية): الحاصل: إن التوافقات تُغيِّر أشكالها أحيانًا لبعض الأسرار الغيبية، وإن أحد التوافقات اللطيفة الفاتنة ذات المعاني الجليلة للفظ الجلالة: أن العدد سبعة أو ثمانية يردان ٥١ مرة في ١٥١ صحيفة مع صفحة سورة الفاتحة في البداية. فعلى كلِّ حالٍ دقِّقوا في الأمر أنتم أيضًا، وبعد التشاور فيما بينكم نكتب الأرقام التي تُظهر التوافقات المخفيَّة، ونُقيِّدُها في النسخة الجديدة الذي كتبناها بعد تصويبها والموافقة عليها؛ وفي مقدمة ذلك أنه في أوَّل ١٥٠ صحيفة: يَرِدُ سبعة أو ثمانية ٥١ مرة، ففي الصحيفة ٢٨ يَرِد ٨ مرات، وفي الصحيفة ٢٣ يَرِد ٧ مرات، وقد قُبِل ٧ و٨ على التوافقِ بينهما، فلا يختلُّ التوافق بالانتقال من ٧ إلى ٨، ومن ٨ إلى ٧؛ وأشعر أن لهذين العددين أسرارًا مهمة في القرآن.
— 347 —
ثالثًا: عندي صحيفة قديمة تالفة، تحوي سلسةً عظيمة تُظهر أن صاحب الجناب الأحمدي (ص) شجرة طوبى، وأن الأصفياء والأولياء والصديقين ثمرات هذه الشجرة النورانية، وأن المسالك والطرق أغصانها؛ فأطلب سادةً خطوطهم جميلة، ولديهم خبرة في رسم الجداول، لأجل تبييضها بشكل جميل؛ فليأتِ خسرو والحدَّاد محمد أفندي حينما يصلُهم الأمرُ مع الحافظ عليّ، مصطحبين معهم خمس عشرة طبقًا من الورق وفقَ المقاييس الموجودة عند بكر آغا.
رابعًا: أرسلتُ إليكم بعض فقرات جديدة لإخواننا كي تُلحَق بالمكتوب السابع والعشرين، وهذه الفقرات وجميع فقرات المكتوب السابع والعشرين ذاتُ أهمِّيةٍ كبيرة في الحقيقة، إذ احتوت دروسًا أنيقة، ومعانيَ مُهِمّة، ومُحفِّزات رائعة، وأحاسيسَ مشوِّقةً رائقة، وأنا شخصيًّا أستفيد منها استفادةً لطيفة، خصوصًا في الأوقات التي أشعر فيها بالكسل، فتغدو سَوطَ تشويقٍ وتحفيزٍ مُهِمًّا لي.
على كل حال إخواني، أرجو منكم ألا تتضايقوا مني، فمنذ مُدّة صرتُ أجمعُ في رسائلي التي أكتبُها إليكم مسائلَ متباعدة وغير متلائمة، فتصبح كلُّ رسالة بحكم حساءِ عاشوراء.
خامسًا: إنني راضٍ بعباءَتي ذات الأكمام والقامة القصيرة، ولا يلزمُني شيءٌ آخر؛ وكان مِعطفُ خسرو ضيفًا مقبولًا عندي، وها أنا أُرسِلُه إليكم؛ ولقد سُرِرتُ كثيرًا لاستعادةِ والدتِه بعضَ عافيتها. كتب الله لها الصِّحّةَ والعافية؛ وسلامي للإخوة ذوي الصِّلة بالكلمات هنالك، أمثال علي حسن شقيق خسرو، والحدَّاد محمد أفندي، والحافظ أحمد، وغيرهم.
أخوكم سعيدٌ النُّورْسيّ
لقد ضاع الورق الذي أرسل كعينة ولم نجده، فاختاروا أنتم من الورق الأبيض، وقد وصلنا سلفاتو (كينين) لكنه كثير. أسعدني كثيرًا قيام محمد أفندي بكتابة لوحة جديدة لي؛ أسأل الحق سبحانه أن يكتبَ له مقابل كل حرف كتبه ألف حسنة.. آمين آمين.
٭٭٭
— 348 —
باسمه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته بعدد حروف القرآن وأسرارها..
يا مبعث سلواني في هذه الدار الفانية، ومُؤنسيَّ في ديار الغربة، ومُخاطَبِيَّ الأذكياء أولي الفراسة، الذين يظهرون الاشتياق فينطقونني بالأسرار القرآنية..
كنتُ أرسلتُ إليكم سابقًا "فهرس الحروف" مكتوبًا بخطِّ يدي، دون تصحيحه، لتُدركوا بمجرد مطالعة يسيرةٍ لدقيقة أو دقيقتين ما أُعانيه من حالٍ مضطربة، وتشتُّتٍ في الخطِّ والكتابة؛ ولتعلموا مدى أهمِّيةِ أقلامِكم القيِّمة عندي.. إلا أنكم عكفتُم على مطالعتِه لساعاتٍ، وتدوينه وضبطه لأيّامٍ، بدلًا من تأمُّله لدقيقة أو دقيقتين، ففهمتُ من اهتمامِكم البالغ هذا أنكم تهتمُّون به كثيرًا، لذلك أُرسِلُ إليكم القائمة نفسها بعد تبييضها، فبإمكانكم أن تنسخوا منها إن شئتم.
لكن اعلموا جيدًا أن هذا الفهرس قد كُتِب على وجهٍ تقريبي ليكون مرجعًا موقَّتًا، فلأجل السهولة كتبتُه بخطِّي المُضطرِب في غضون تسع ساعات، وقد كتبتُ قسمًا منه استنادًا إلى محفوظاتي السابقة، وقسمًا آخر بناء على مقياسين اثنين، ثم أدركتُ بعد ذلك أنَّ في قريتنا تفسيرًا من هذا القبيل، فجلبناه، وقابلناه مع فِهرِسنا، فوجدنا أن بينهما توافقًا في الغالبية العظمى، وأنَّ الاختلاف منحصرٌ في خمسة عشرَ موضعًا جزئيًّا تخصُّ الأعدادَ الكبيرةَ.
وبعد التحقيق وجدنا أن هذا الاختلاف هو نتيجة أخطاءٍ طباعية وسهوٍ من الناسخين، فقُمنا بتصحيح موضعين أو ثلاثة من مسوَّدة فِهرِسنا، ثم أدركنا أن تصحيحنا هذا كان خطأً، ولم نغيِّر الفهرسَ بعدَ ذلك.
ووجدنا أن التفسير بحاجة إلى تصحيح الأخطاء الطباعية، ولكن لم نجترئ على التصحيح، لأن صاحبه مدقِّق كبير، والمطبعة إلى جانب الجامع الأزهر، وقد أشرف على الطباعة علماءُ أزهريُّون.
— 349 —
فأُرسِلُ إليكم التفسير نفسه مع الفهرس المُبيَّض، لتنظُروا فيه وتطالعوه دون انتقادِه، لأنَّ فِهرِسي تقريبيٌّ لم أُحقِّقه بعدُ؛ أمّا التفسيرُ فيعتمدُ في أكثرِه على المَروِيّات، كما أُدخلَت آياتٌ مدنية في بعض السور المكِّية، وربما لم تُحتسَب في العدِّ، فقد ذكر في سورة العلق أن عدد حروفها مئةٌ ونيِّف، ومراده النصف الأول منها الذي نزل أوَّلًا، وقد أصاب في قوله، إلا أنني اعتمادًا على محفوظاتي القديمة أخطأتُ فيما أصاب فيه، حيث احتَسَبتُ السُّورةَ بمجموعها.
كما أن أسرار التوافقات تأخذ بنظر الاعتبار المجاميع الكُلِّية، فالفهرس التقريبي كافٍ لنا؛ والتوافقات المذكورة في النِّكات الثلاث لی"كنیز العرش" لا تتغير بتغيُّر الكسور، بل ولا تختلُّ حتى بتغيُّر المجاميع الكبيرة؛ فسورة الكهف مثلًا تتَّفق في عدد الألف مع تسع وثلاثين سورة، فإذا ما فقَدَت سورةٌ أو اثنتان منها ذلك العدد الألف، فلن يختلَّ ذلك التوافقُ المُهمُّ، وهكذا..
ورغم أن للكسور أسرارًا، إلا أنَّها لم تنكشف أمامنا بعدُ بجَلاء، فإن انكشَفَت لنا بإذن الله، حينها يأخذ الفِهرِسُ صورتَه التحقيقية.
سعيدٌ النُّورْسيّ
٭٭٭
(فقرة خسرو):
أستاذي العزيز.. بمشاركة رأفت وبكر ولطفي ورشدي ومصطفى أفندي اللبَّاد وأخي الكبير علي أفندي، وبحضور أخينا الحافظ عليّ، قرأنا مكتوبكم القيِّم الذي يشرحُ درسَ التوافقات العجيبة اللطيفة، لنجوم لفظ الجلالة المتلألئة في سماء القرآن، ويوضِّح حقيقةَ الحادثة السَّماوية التي وقَعَت في شهر جمادى الآخرة، والتي باتت مثالًا للآية الكريمة: وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ.
كانت جلسةً لطيفة جدًّا في تلك الليلة، تلقَّينا فيها الحوادثَ السَّماوية بكمال الحيرة والعَجَب، وبغاية السُّرور والغبطة، وشاركنا فيها أعيادَ الملأِ الأعلى.
— 350 —
فكما أدَّى وقوعُ هذه الحادثة السماوية في المرّة الأُولى إلى هلاك مشركي قريش الذين اتَّخذوا (٣٦٠) صنمًا آلهةً لهم، وفي مقدِّمتهم صنمُهم الأكبر: "هُبل" الذي صُنع على هيئة إنسان؛ كذلك كان وقوعها للمرّةِ الثانية في القرنِ الرابعَ عشَر من الهجرة الأحمديّة، وفي الزمن الذي أَطلَق عليه المفتونون برُقيِّ أوروبّا اسمَ القرن العشرين، إذ جاءت مُعلِنةً أنَّ عبادة الصُّور التي اتَّخذت شكلًا أسوأ بكثيرٍ من عبادة أهل الفترة للأصنام، سوف تُستأصَلُ من جذورها.
إن هذا الإعلان يُبشِّر الأُمّة المحمدية المرحومة بأنَّ ثمّةَ فتوحاتٍ بديعةً وخيِّرةً تُعَدُّ وتُهيَّأُ لهم، ممّا أدخل السعادة والسرور على قلوبنا الحزينة، وأعاد الفرحةَ والبشاشة إلى وجوهِنا المُكتئبة الباكية، وأطلق البسمة على طوالعنا الواجمة، وأحيا في أذهاننا ذكرياتِ عصر السَّعادة الجميل؛ وهذا التحوُّل من الماضي إلى المستقبل جعلنا نُمضي قدرًا من الوقت في تلك العوالم، وبين أناس يتمتعون بصفاء الرُّوح ورقيِّ الفِكر.
ثانيًا: غرقنا في مشاهدةِ ما في لفظ الجلالة من توافقاتٍ، وما انطوت عليه من جميل المعاني وجليلِ المُناسَبات! فقد كانت تَلفِتُ أنظارنا إليها وتشدُّنا نحوها بغير اختيارٍ منّا! وأمّا التوازن المُبهر الذي ظهَر في أعدادها واللطائفُ العالية التي بَدَت في أقسامها، فقد منَحَنا انشراحًا في قلوبنا ورُقيًّا في أفكارِنا وغذاءً لأرواحنا.
ولِشَدِّ انتباهنا نحوَه أكثر، فإن (١٥٠) صحيفة من القرآن الكريم المكتوب مع هوامشه، قد حافظ فيها العددان ٧ و ٨ على توافقهما (٥١) مرة، فختم ذلك المكتوب بختام الشَّهد! فإن شكل كتابة هذين الرقمين واحد، وهما أخوان في صفٍّ واحد، وما أظهراه في صحائف القرآن من التوافقات هو أيضًا واحد!
أستاذي الحبيب، لقد أصبحتم وسيلةً لتغذية أفكارنا بالفواكه اللذيذة، وسببًا لِسَدِّ جَوعَتِنا وتسكين اضطرابنا بالثمار الجديدة، فرضي الله عنكم غايةَ الرِّضا.
خسرو
٭٭٭
— 351 —
(فقرة خسرو):
سيدي وأستاذي الحبيب ومُعلِّمي العزيز.. أقبِّل أيديَكم وأدعو لكم بدوامِ الصِّحّة والعافية.
أقدِّم إليكم هذا المكتوبَ تعبيرًا عن مدى سُروري بإتمام كتابة الجزء العاشر والجزء السادس والعشرين خلال هذا الأسبوع، وبالتالي إنهاء كتابة القرآن الكريم بتمامه.
أستاذي الحبيب، اسمحوا لي أن أتحدَّث قليلًا عن بعض عنايات القرآن المُبِين التي احتفَّت بي أثناء الكتابة:
عندما تكرَّمتُم بتوجيهنا لكتابةِ القرآنِ الكريمِ على نحوٍ يحافَظُ فيه على توافقاتِ لفظ الجلالة ولفظ الربِّ، إضافةً إلى توافُق الكلماتِ الأخرى؛ حينها تناولتُ القلمَ وشرعتُ بالكتابة بسرور بالغ؛ إلا أنِّي في بدايات عملي في الأجزاء الثلاثة الأولى كنتُ أُعاني الكثيرَ من الصُّعوبات في أثناء الكتابة، حتى استولى اليأسُ على نَشوَتي، وسيطرَ الفُتورُ على هِمَّتي؛ وممّا عزَّز يأسي ورسَّخ فتوري أكثرَ عدمُ إجادتي كتابةَ الخطِّ العربي وفقَ أصوله وقواعده.
لكن لم تَدُم هذه الحالُ طويلًا أستاذي الحبيب، ففي الأيام الأولى كنتُ أعمل من الصباح حتى المساء، وكنتُ بالكاد أكتب خمسَ أو ستَّ صفحات، وكان هذا الأمر يُشكِّلُ بالنسبة إليَّ نجاحًا عظيمًا، حتى أَنجَدَني عونُ القرآن العظيمِ البُرهانِ، فحلَّ السُّرور بدلَ المشقّة، والسعادة بدل الحزن؛ فكنت في بعض الأحيان أتمنى أن يتأخَّر دخولُ وقتِ الصلاة أو ألّا تغرب الشمس، كيلا يُفارِق القلمُ يدي، وفي بعض الأحيان كنتُ أرغب بالاستمرار في الكتابة حتى الصباح، وأحيانًا أطلب العون من القرآن في إنجاز الصفحات التي أجد صعوبةً في كتابتها، فكان يُسعفني التوفيق فأكتبها بسهولة تامة، وكنتُ في أحيان أخرى أجدُ كتابةَ بعضِ الصفحات سهلة، فلا أطلبُ عونَ القرآن، وإذا بالقلم يقفُ عاجزًا عن الكتابة، بل ربَّما وقع في الخطأ، فأُضطرُّ على إثر ذلك لتغيير الصَّفَحات التي أكتبها.
— 352 —
وبين جميع هذه التسهيلات وجدتُ أنَّ خطِّي العربيَّ بدأ يُغيِّر شكلَه، فحين أُقابل كتاباتي الأولى بما كتبتُه اليوم أقول في نفسي: كيف خُضتُ هذا الميدان كمُصارع شجاع اقتحم ميادينَ النِّزالِ بخطٍّ سيِّئٍ كهذا؟! حتى استحوذَ عليَّ في أوَّل الأمر يأسٌ شديدٌ، إلا أني في نهاية المطاف بِتُّ سعيدًا مسرورًا شاكرًا لله.
كنتُ كلما أرى كتاباتِ إخواني الذين يكتبون معي التوافقات القرآنية، أمثال الحافظ علي والأستاذ صبري والحافظ زهدي، تنهضُ هِمَّتي بشدّة، وتزدادُ خبرتي فوق حدود آمالي؛ فكان جزءٌ من العنايات في هذه المرحلة يَطلُع على قلبي، وجزءٌ آخرُ ينعكسُ على إدارة أمور معيشتي، وقسمٌ ثالث يظهر عند الكتابة؛ وسأذكر مثالًا على ذلك من خلال حادثة وقَعَت في الآونة الأخيرة:
في الصفحة رقم (١٩٧) من سورة التوبة التي كتبتُها مُؤخَّرًا، وقفتُ على ستّةٍ من ألفاظ الجلالة، فرسمتُ في ذهني مخطَّطَ كتابة الصفحة أوَّلًا، ثم شرعتُ بالكتابة على أن يبقى لَفْظَا الجلال اللَّذَين في الآية الجليلة: سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ خارجَ التوافق، فحين كتبتُ لفظ الجلالة الذي في الآية: فَمَا كَانَ اللَّهُ، لم أستطع تحقيقَ التوافق الذي أرغبُ به، فقلت في نفسي: فليكن التوافق في ثلاثة ألفاظ معًا، وفي اثنين آخرين معًا. لكن لاحظتُ أنِّي كلما اقتربتُ من لفظ الجلالة الذي أرغب بتحقيق التوافق فيه، أجدُه يبتعد عن التوافق كثيرًا، فلم أتمكَّن من كتابته على النحو المطلوب.. حتى استقر الأمرُ على ما هو عليه الآن.
أردت أن أغيِّر الصفحة التي أكتبها، فوقع في نفسي أنَّ هذه الصفحة لم تَستَجِب لرغبتي، فقلتُ: لعل في الأمر حكمةً وغاية! ولم أجرؤ على إتلاف الصفحة؛ وبعد أن فرغت من كتابة الصفحة (١٩٨) دقَّقتُ في الأمر، فوجدتُ أن لفظَيِ الجلالة الموجودين في سطر واحد في الصفحة (١٩٧)، والخارجين عن التوافق، موضعُهما فوق لفظَيِ الجلالة الموجودين على سطر واحد في الصفحة (١٩٨) تمامًا، وأنَّ لفظ الجلالة الآخر فوق لفظ الجلالة الموجود في الصفحة (١٩٩) مع انحراف بسيط جدًّا
— 353 —
لا يَعدُو نصف سم، فقلتُ: الحمد لله، هذا من فضل ربي! واعترتني سعادةٌ غامرة إذ يستخدم الحق سبحانه عبدًا عاجزًا كثير الذنوب مثلي في خدمة قدسية كهذه.
إن هذا التوفيق والتيسير والتعظيم، وهذه العناية والفضيلة، ما هي إلا كرامةٌ من كراماتٍ غيرِ محدودة، ولَمْعةٌ مضيئةٌ من معجزاتٍ غيرِ متناهية، لذلك الفرقان المُبين الذي يؤمُّ ثمانيًا وعشرين عالمًا، ويلقِّنهم العلوم والدروس بضياء فياض وعظمة منيرة، وبهديرٍ لا يسكت ولا يمكن إسكاته، بل يتغلَّب على الجميع.
أسأل الله سبحانه أن يتقبَّل هذا العمل، وكم هي سعادة عظمى لعبد مثلي عاجز مذنب، تغشاه الذِّلّة والمسكنة من شتَّى جوانبه!
أستاذي الحبيب، لقد أصبحتُ بفضل همَّتكم العالية وسيلةً لكتابة هذا القرآن الكريم من أجل الأمة المحمدية، وببركة الهِمَم السامية لنبيِّنا (ص) منبع الفيوضات، الذي غدا مظهرًا لخطاب ذي العِزَّةِ القائل: "لولاك لولاك لما خلقت الأفلاك"؛ وبفيض كرامات القرآن العظيم الذي أصبح لي رفيقًا بعون الحق سبحانه ولُطفِه؛ وكذا في سبيل نيلِ رضاهم جميعًا.. وها أنا أُقدِّمُه إليكم على أملِ أن يكون تلميذُكم الفقير طالبًا جادًّا وأخًا حقيقيًّا وولدًا بارًّا بكم، وأحدَ أفرادِ أمة نبيِّنا محمد (ص)، وعبدًا مطيعًا للخلَّاق الكريم سبحانه.
أقبِّل أيديَكم بكمال الاحترام والتبجيل سيدي.
طالبكم الفقير
أحمد خسرو
٭٭٭
— 354 —
(فقرة خليل إبراهيم من ميلاس):
سيدي، لدي رغبة أن أَضُمَّ صوتي الخافتَ إلى الأصوات الصدّاحة الرَّنانة التي في المكتوب السابع والعشرين، ولكن هيهات! فلستُ أملك الأهليةَ للتحدُّث عمّا هو في الحقيقة معدِنُ بحرِ الأسرار، وإنما تقتصر رغبتي وتنحصر لهفتي في دخول تلك الحديقة الغنّاء وشمِّ عبق وُرُودها، وإلا فعجزي وقصوري يَحُولانِ دون التعبير.. صحيح أن كثيرًا من المعاني تجيش في قلبي، لكن أمرًا ما يَحجُبُ لساني عن القيام بترجمة مشاعري، إلّا أنني سأتحدَّث ببضع كلمات فقط:
فقد تبيَّن لي یی بحسب ما لديَّ من الرسائل، وبحسب ما رأيته في الفهرس یی أن أجزاء رسائل النور تمثِّلُ شجرةً نورانية تَمُدُّ أغصانُها النُّورَ في شتى أرجاء الأرض، وستستمرُّ في الانتشار حتى القيامة.
فكما أن القمر والنجوم البادية في وجه السماء، تقومُ بمُهِمّة الدَّلالة والهداية في الليالي الظلماء لمن هم على وجه الأرض، كذلك أجزاء رسائل النُّور تقوم بمثلِ هذه المُهِمّة.
وكما تشتدُّ الحاجة في وقت الظُّلمات إلى النور، كذلك الأمر مع الحاجة إلى رسائل النور.
وكما أن سفينة نوح عليه السلام تعمل كمنقذ بين أمواج بحر الضلال، ومن دخلها كان آمنًا من المعاصي والذنوب، كذلك أجزاء رسائل النور تشكِّلُ ربيعًا لطيفًا في سياق الفصول الأرضية الأربعة، وتهبُ الحياة كما يفعلُ الربيعُ.
وكما يَهَبُ الربيعُ سطحَ الأرض الميتة معالمَ الحياة ومظاهرَها، كذلك أجزاء رسائل النور تهبُ القلوبَ الأرضيةَ الميتةَ حياةً جديدة.
إنها مرشدٌ يحوِّل الإنسان من الباطل إلى الحقّ، ومن الحيوانية إلى الإنسانية، ويرقِّيه من أسفل سافلين إلى أعلى عليِّين.
— 355 —
وأمّا الكلمة الثالثة والثلاثون والمكتوب الرابع والعشرون وغيرهما، فتَبعثُ انشراحًا في الرُّوح، وتفتح نوافذ في القلب، لإبصار حكمة الصانع الحكيم سبحانه.
إن أجزاء رسائل النور تُغِيث الإنسان في وقت الضرورة والشدة، وتمنحُه السُّلوان.. وقد أبصرتُ هذا الأمر تمامًا بعيني.
والحاصل: مهما تحدَّثتُ عن رسائل النور، فستبقى كلماتي قاصرةً أمامها؛ وإذا كان حال فِهرِس الفهارس هكذا، فليتفكَّر أولو الألباب بما هو أعظم!
الباقي هو الباقي
أخوكم خليل إبراهيم (رحمه الله)
٭٭٭
(فقرة خلوصي بك):
تلقَّيتُ اليوم الكلمة التاسعة والعشرين المثيرة للحَيرة والعَجَب، إذ تجذب نظرَ قارئها، وتحملُه على التأمُّل والتدقيق فيما انطَوَت عليه من المعاني الرقيقة، والترتيبات الأنيقة؛ والتوافقات النقية، والإعجازات البهية؛ وما تضمَّنته من براهين مختصرة، وإضاءاتٍ باهرة، فغدت بذلك رسالةً جامعةً لأركان الإيمان، ولمعةً مشتملةً على إعجاز القرآن المكتوب بشكلٍ جميل وخطٍّ بديع من قبل خسرو المبارك؛ كما تلقَّيتُ في المرفقات اللَّمعةَ السادسة عشرة الجامعة لمسائلَ في غاية الأهمِّية، وإجابات بديعة بهية، ومعها المكتوب الذي هو بمثابة درسِ تنبيهٍ لأمثالي من الكسالى.
ولأجل هذا فأنا أعدُّ نفسي اليوم محظوظًا، وعاجزًا عن الشكر لما أولاني الحقُّ من نعمة الوصال بالأنوار التي حُرِمتُ منها زمنًا طويلًا.
اطَّلعتُ على مكتوبات الإخوة حول العبادات الخمسِ، ونظرتُ في أحوالي المُتوجِّهة حصرًا إلى القرآن والإيمان والنور والحقائق، لا إلى شخصيتي السيِّئة، وراجعتُ قناعاتي فيها، فوقع في نفسي بعضُ الأمور، وبتُّ مقتنعًا بها:
— 356 —
یی الجهاد ضدَّ أهل الضلالة: إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ.
یی مساعدة الأستاذ في نشر الحقائق: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ.
یی خدمة المسلمين في ميدان الإيمان بحسب ما جاء في الآيات: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ . وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا، إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ، وفي الحديث الشريف القائل: «الدِّينُ النَّصِيحةُ، الدِّينُ النَّصِيحةُ، الدِّينُ النَّصيحةُ».
یی تحصيلُ العلم بالقلم: ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ، وبما أنَّ علمَ الحقيقة لا يُدرَّس، فإن هذه الدروس التي وقعت في أيدي أناسٍ محدودين أو طرقَت أسماعَهم، بناءً على حِكم خفية، ستُحقِّقُ فائدتَها المرجوَّة لكاتبها، خصوصًا أولئك الذين يجيدون الكتابة، إذ إنَّ كتابة شيءٍ ما تعني قراءتَه وفهمَه، ومن ثَمَّ نَقْلَه إلى ورقة أخرى، وبذلك تتحقَّق الفائدة المرجوَّة دون شكٍّ.
یی التفكُّر الذي تعدلُ ساعةٌ منه عبادةَ سنة: ولعلَّنا جميعًا ممَّن شهد مثل هذه الساعات أثناء الاستفادة من الأنوار، وإن التفكُّر في الحقائق الواردة في "الكلمات" يعني البحثَ في معاني كنوز القرآن، إذ يُسعِفُك اسمُ "الفتاح" فيفتح أمامك آفاقَ تفكُّرٍ عظيمة تَحارُ فيها العقول ولا تملُّ من التلذذ بها؛ وحينما تتوجَّهُ إلى القرآن بدون واسطة أو دون حجاب، تتجلَّى الحقائقُ كالزُّلال، وتُشاهَد كالشمس برّاقةً في جوٍّ لا يَسُوده سحابٌ، وكالقمر بدرًا لا تكدِّر صفوَه غِشاوةٌ، حيث السماء تتلألأ بزينة النجوم.
وليس لمذنب مثلي أيُّ استعدادٍ أو قابليّة لنيل تلك المكرمة، لكن أدركتُ یی بفضل الله وجميل عنايته ووافر رحمته، وبيقينٍ كيقين أنَّ (٢٭٢) : (٤) یی أنَّ دعاء حضرة الغوث، ودعاء أستاذه نبيِّنا فخر العالمين (ص) وهِمّتَه، تَحُفُّ تلاميذ القرآن؛ وكلُّنا إيمان وثقة بدوام هذه الصحبة والرعاية ما لم نُفسِدهما نحن بسوء اختيارنا.
— 357 —
إن ما دفعني لكتابة هذه السطور هو ما حظيتُ به من فيوضات مؤلَّفات النور وما نلتُه من تشريفاتها، وهي تمنحني یی بإذن الله تعالى یی ثوابَ إحياء ليلة القدر المستترة في العشر الأواخر من شهر رمضان، وتغدو وسيلتي لنيلِ الرضا الصمداني، ومن ثَمَّ نيلِ السعادة الأبدية.
إخواني الأعزَّاء الأجلاء، أصحاب أستاذي في هذا العالم الفاني ورفقاءَه في الآخرة بإذن الله.. هذا خطابٌ قلبيٌّ أكتبه دون اختيارٍ منِّي: إن الطريق الذي أشار إليه حضرة الأستاذ هو نفسُه جادّة القرآن الكبرى، فالواجب يُحتِّم علينا أن نلازمه ولا نفارقَه، وأن نحرصَ على الخدمة دون ملل أو فتور، وألا تدفعنا الدعايات السياسية التي رأسُ مالها الكذبُ والبهتان إلى الاجتراء والخوض في المشيئة الإلٰهيّة، واتِّهام القدر بما اكتسبناه من المساوئ بسوء اختيارنا.
إننا عبادٌ لله، وإن الغاية من خَلقِنا وإيجادنا تتمثَّل في أن نتعرَّف على سيِّدَنا ونصل إلى خالقنا ورازقنا، وأن نبذُل جُهدَنا في اتِّباع أحكام القرآن الذي كُرِّمنا به وأُنزل بواسطة خلاصة الموجودات: نبينا (ص)، وأن نسير بمُقتضَيات سُنَّته (ص).. وإن ذلك النور الذي بين أيدينا هو المربِّي والدليل الهادي الذي يُرافقُنا.. فلنعمل على نشر النور فيما بيننا، والاستماع إلى مربِّينا ومعرِّفنا، ولنستمرَّ في أداء وظيفة عبوديَّتنا، وترك النتائج والمكافآت لخالقنا الرحيم، ولنحرص على عدم حرمانِ بعضنا من أكبر عون لنا، وهو الدعاء.
كانت قد أُهديت للعبد الفقير نسخةٌ عربية من "الزَّهرة"، و"الحَبّة"، و"القَطْرة وذيلها".. وأُشير إلى أنَّها ستُتَرجَمُ يومًا، ممّا يعني أنه حان وقتُها، فأصبحت الرغبات المعنوية لإخوةٍ أمثالي ممَّن لا يجيدون العربية وسيلةً لترجمة "الزَّهرة".
وسأسجِّلُ أحاسيسي حولها بإيجاز شديد:
المُذكِّرة الأولى: تُفيد وجوبَ الارتباط بالمعبود الحقيقي من خلال كلمة التوحيد: "لا إلٰه إلا الله".
— 358 —
المُذكِّرة الثانية: تُبيِّن أن صاحب الكبرياء والعظمة هو الله ذو الجلال والكمال وحده، وذلك من خلال كلمة التكبير الأعظم: "الله أكبر الله أكبر، لا إلٰه إلا الله والله أكبر، الله أكبر ولله الحمد".
المُذكِّرة الثالثة: تُفصِحُ من خلال هذا النصِّ العظيم: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ عن الحقيقة التالية: ما دام كلُّ شيء مصيرُه الهلاك، فيا أيها الإنسان الضعيف، افهم أن لحياتك یی التي لا تُشكِّل ذَرّةً أمام الشمس یی سهمًا من هذا الزوال، فعُدْ إلى رُشدك، وفكِّر في الحكمة من خلقك، واعرِف حدَّك، واصرِفْ حياتك وعمُرَك فيما يحقِّقُ لك السَّعادة الأبدية.
المُذكِّرة الرابعة: توضِّحُ أنَّ سرَّ الآية: ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ سيظهر بعد الموت، وأنه في يوم الجزاء والحساب وفي حضرة مالك يوم الدين سيُحشَرُ الإنسان الذي هو أشرفُ المخلوقات وأكرمُ الموجودات لِيَمثُلَ أمامه سبحانه؛ وذلك مُؤيَّد بآيات كثيرة نحو: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ، قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ.
المُذكِّرة الخامسة: تبيِّن بالحقائق القرآنية فسادَ الحضارة الأوروبية الظاهرية؛ وتُدرِّسُ الآية القرآنية: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ على صورة محاورة.
المُذكِّرة السادسة: تُؤكِّد من خلال بعض الآيات أمثال: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ. كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً غلبةَ حزب الله المُتقلِّدين تاجَ الإيمان، وتوضِّح قيمة المشركين المخلوقين على صورة الإنسان ظاهرًا یی في نظر القرآن یی وكذا قيمةَ بعضٍ منهم ممَّن ينكرون كل شيء.
المُذكِّرة السابعة: تُذكِّر بمعاني الآيات وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا. إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ. وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى.
— 359 —
المُذكِّرة الثامنة: تفسير جليل للآيات الأربعة المذكورة في نهايتها.
المُذكِّرة التاسعة: عبارة عن بذرة الكلمة التاسعة التي بين أيدينا.
المُذكِّرة العاشرة: تُشِيرُ إشارةً خفيةً إلى "الكلمة العاشرة" التي ستَفتَح طريقًا إلى المعرفة الإلٰهيّة، وستأخذ لقبَ رسائل النور في زمن تكثرُ فيه البِدع، وأنها بخطابها القائل: "يا أهل الإيمان، استيقظوا، ثمّةَ بعثٌ بعد الموت، وهنالك يومٌ للحساب والجزاء"، ستنال الصَّدارةَ في ميدان الانتشار.
المُذكِّرة الحادية عشرة: تومئُ إلى الرسائل التي تتحدَّثُ عن القرآن، أمثال: الكلمة الحادية عشرة، والثانية عشرة، والثالثة عشرة، والرابعة عشرة، وتشيرُ بشكل خاصٍّ إلى قدومِ الكلمة الخامسة والعشرين التي تحتلُّ مكانةً مرموقة بين هذه الرسائل.
المُذكِّرة الثانية عشرة: تعطي درسًا في العجز والفقر والشفقة والتفكُّر، يمكنه أن يكون مفتاحًا لجميع المسلمين يجنون من خلاله ثمار السير والسُلوك في الطرق المختلفة.
المُذكِّرة الثالثة عشرة: تَعرِضُ الكلمةَ السادسة والعشرين، وآية: إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللهِ، وخبر: "من عرف نفسَه فقد عرف ربَّه"، والكلمة الأولى، والدرجة المعقولة في المحبة المجازية، ثم تؤكِّد بعدها على لزوم الانتقال من التقليد إلى التحقيق.
المُذكِّرة الرابعة عشرة: تخصُّ مكتوبَ التوحيد العشرين الذي يُعَدُّ مؤلَّفًا منوَّرًا وفي غاية الأهمِّية.
المُذكِّرة الخامسة عشرة: تكشف بوضوح یی من خلال مسائلها الثلاث یی مدى دقّة الأوامر والنواهي الواردة في القرآن، ومدى ارتكاز دساتير الشريعة الأحمدية إلى أُسُسٍ معقولة ومنطقية.
لا يمكن لطالبكم المذنب العاجز هذا أن يعبِّر عمّا تلقّاه من الفيوضات بغير تكرارِه لِما ورد في المتن، وأكتفي بذلك تجنُّبا للإطالة.
خلوصي
٭٭٭
— 360 —
(فقرة الدكتور عبد الباقي بك الذي كتب المعجزات الأحمدية وقام بتذهيبها):
سيدي الحبيب وأستاذي الشفوق..
فرغتُ قبل يومين من كتابة "المكتوب التاسعَ عشَر" من أجزاء رسائل النور، وهو بحثٌ قيِّم للغاية، وحريٌّ بشتَّى أشكال المدح والثناء وأبلغ الاستحسان؛ وقد أضحى قلمي الذي كتبتُه به شاهدَ صدقٍ على مدى العناية التي لقيها هذا المكتوب أثناء انتشاره.
وكم كنتُ أرغب أن أكتب لأستاذي عن مشاعري القلبية حول هذا المكتوب، لكن قلمي وقلبي لا يملكان التعبير عمّا بداخلي، نعم، لا يمكنُ التعبير عمّا أحدثه هذا المكتوب من التغييرات في كياني، فلقد نفذ إلى أعماق قلبي ليَبعَث فِيَّ الضِّياء والنور، ويزيلَ الغِشاوة عن روحي حول عصر السعادة، حتى باتت دعوتي الوحيدةُ هي أن أَختِم حياتي واحدًا من طلّابِ أستاذي الحبيب، ومن أتباعِ النبيِّ (ص) الذي مزَّق الظلمات وأنار العصور وأنقذ البشرية من الهلاك، ودعا الناسَ إلى السعادة، وعرَّف نفسه بالمعجزات الأبدية التي بين يديه وعلى لسانه، مقدِّمًا ذلك لا للبشريّة فحسبُ، بل لجميع الموجودات، بل حتى للدنيا والآخرة.
أقبِّل أيديكم وأقدامكم سيِّدي.
عبد الباقي
٭٭٭
(جواب على سؤال أحد الإخوة عن ثلاثة أوهام لا أصل لها، أثارها أهلُ الدنيا بحقِّ أستاذنا):
بقي أستاذُنا وحيدًا في "بارلا"، ولم يكن معه كتبٌ يطالعها، فانقطع رجاؤه من الدنيا، وبات حديثُه مع نفسه حديثًا إيمانيًّا وأُخرويًّا فقط، لذا كان يُكثرُ في كتاباته أن يقول: "يا نفسي.. يا نفسي".
— 361 —
ولمّا تخلَّص من هذه الحالة ونجا من ذلك البلاء، وقدم إلى هذه البلدة، لم يكتب خلال ستة أشهر ما كان يكتبه هناك في ستة أيام؛ بل ما كان يقوم بالنشر أصلًا.
لكن ثمّة بعضُ المسائل التي قيَّدها لنفسه على شكل ملاحظات، فكان بعضُ خواصِّ الأصحاب يطلبُون مطالعتَها لأجل ما يعترضُهم من شبهاتٍ حول الإيمان، فكانوا يحصلون عليها بصعوبة.
وقد قام أحد المُدراء بتقديم أحدِ مؤلَّفاتِ الأستاذ المُهِمّة على هيئة شكوى، إلى والٍ لديه تحفُّظاتٌ وتعسُّفٌ بحقِّ الأستاذ؛ وبعد تدقيق الوالي لهذا المؤلَّف أدرك الحقيقة فقال: "ليس في هذا المؤلف ولا في نشره ما يمسُّ بالسياسة!"، وقام بتوبيخ ذلك المدير.
ويحرص أستاذُنا دومًا على القول لأصحابه: "إن هذا الزمان ليس زمانَ الطريقة، بل زمان إنقاذ الإيمان"، بدليل أنه منذ تسع سنوات لم يُعطِ أحدًا دروسًا في الطريقة، غيرَ أن أوراده التي يتلوها بعد الصلاة مطوَّلة بعض الشيء باعتبارِ مذهبه الشافعي، وهي عبارة عن قراءة «لا إلٰه إلا الله» عشرَ مرات أو ثلاثًا وثلاثين مرة عقبَ التسبيحات، وهي عند الشافعية من السُّنن، وكذا قراءة الصلوات ثلاث مرات.
وأثناء عبادته الخاصّة لا يسمح لأحد بالدخول عليه، حتى أخصِّ القائمين على خدمته، ويقول: "لست شيخًا، إنَّما أنا أستاذ فقط؛ وذنوبي كثيرة بسبب ما كنتُ أخوض فيه قديمًا من الأمور الدنيوية، وإنني أستغفر من هذه الذنوب".
وسبق أن تساءل أهلُ الدنيا ورجالُ الحكومة: "بماذا يعيش أستاذكم"؟ ومرادُهم بسؤالهم هذا: هل يعيش على صدقات الآخرين وهداياهم؟
الجواب: نحن نقوم على خدمته بشكل دائم، ونعلم أنه لا يرتضي الهدايا ولا يقبل الصدقاتِ من أحدٍ أبدًا، لكن إن اضطُرَّ لقبولها فإنَّه لا يتركُها دون مقابل؛ وتمكَّن أيام إقامته في "بارلا" من تطبيق قاعدته في الامتناع عن قبول الأُعطيات لقِلّة عدد سُكّانها،
— 362 —
إلّا أنَّه حينما قدم إلى هذه البلدة لم يكن رفضُه المتكرِّر يُجدي نفعًا، وقد اضطرَّ في بعض الأوقات لتناول شيء من الطعام الذي أحضره له بعض الإخوة جبْرًا لخواطرهم، إلا أنَّ شهيته للطَّعام انقطعت بعدها فجأةً رغم أنه ما كان مريضًا! الأمرُ الذي رَجَّح لدينا أنه تنبيهٌ وعتابٌ معنويٌّ كيلا يأكل الصدقات ويقبل الهدايا من أيٍّ كان.
أجل؛ فكما سبق أن كفَتْه وأربعةً من قططه ثلاثةُ أرغفةِ خبز وأوقيةُ أَرُزّ طوال شهر رمضان، وذلك قبل عامين، كذلك كفَتْه قبل عام ثلاثة أرغفة من الخبز الفرنسيِّ الطويل الشكل على مدار رمضان! وقد عاينَّا هذا بأَنفُسِنا خلال أيام الشهر الثلاثين، إذ لم يأكل سوى نصف أوقية من اللبن، وأقل من نصف أوقية من الأَرُزّ، ورغيفَ خبز فرنسيٍّ قيمتُه أربعة قروش، إضافةً إلى بضعة أقداح من الشاي، وملعقة صغيرة من العسل قبل الإفطار.
(حاشية): ولا يرتضي أستاذُنا بقاءَ أحد عنده سوى من يقوم على خدمته بشكل خاصّ، بل لا يقبل أن يجتمع عنده اثنانِ أو ثلاثة منا یی نحن الذين نقوم على خدمته بشكل دائم یی وهو على نظامه هذا حتى اليوم، ولم يوافق على إقامة أحد سوى القائمين على خدمته ولو مرةً واحدة خلال خمسة أو عشرة أيام، بل يَرجِعه فورًا.. ومن يستحضر سابقَ عهده ويتوهم أنه ما زال على علاقة بالسياسة وأحداث العالَم حتى اليوم، فسيجد في نظام حياته ما يردُّ أوهامه التي لا أصل لها:
لقد كان قبل ثلاثة عشر عامًا يقرأ في اليوم الواحد قرابةَ تسعِ صُحف، أمّا اليوم فلم يقرأ على مدار تسعة أعوام جريدة واحدة ولم يَطلب من أحدٍ أن يقرَأها له، ولا حتى طلبها أو رغب بها، ونحن نشهد بذلك.
الذي يحضر عنده بالتناوب الذي يحضر عنده بالتناوب الذي يحضر عنده بالتناوب
سليمان رُشدي خسرو رأفت
صاحبه القائم على خدمته صاحبه
منذ ثمانية أعوام في "بارلا" بشكل دائم الذي قام على خدمته ثمانية أعوام
بكر مصطفى چاويش سليمان من بارلا
وقد حصل مرّةً أن اشترى رشدي أفندي یی أحدُ المُداوِمين على خدمته یی ثلاثة أفراخٍ مقليّة من السَّمك الفاخر الذي يبلغ ثمنُ ثلاثة أواقٍ منه خمسةَ قروش، وألحَّ
— 363 —
على الأستاذ أن يأكل منه، فتناول أستاذُنا شيئًا منه كيلا يكسر خاطرَ رشدي أفندي، إضافةً لكونِه يحبُّ أكلَ السمك، وعلى إثر تناوُله السمك بدأ يعاني مغصًا في أمعائه امتدَّ لخمسِ ساعات، وبعد مرور ثلاثِ ساعاتٍ قال لرشدي أفندي: "خُذ ثمنَ السَّمك من مالي الموجود عند خسرو، لأن الألم لا يتوقَّف"، فلم يرضَ رشدي أفندي أخذ المال، واستمرَّ الألم ساعتين إضافيَّتين، فخاطبه قائلًا: "أرجوك أن تأخذ ثمنه، وتُنقِذَني من هذا الاضطراب والألم"، وفي اللحظة التي قبض فيها رشدي أفندي ثمن السمك انقطع الألم فجأة! لقد شاهدنا هذه الواقعة العجيبةَ بأُمِّ أعيننا.
وهذا الكلام موجَّهٌ لمن يثير هذا التساؤلَ عن أستاذنا: "بماذا يعيش؟" لعلَّهم يصحِّحون أخطاءَهم.
بكر، رأفت، خسرو، رُشدي
٭٭٭
(رسالة خلوصي بك):
﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ﴾
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته من الأزل إلى الأبد بلا انقطاع
أيها الأستاذ السَّعيد..
رغم أنني أضعف الأفراد الذين يشكِّلون الشخصية المعنوية لتلاميذ رسائل النور وأعجزُهم وأقلُّهم نفعًا، إلا أنِّي اعتمادًا على كرم الربِّ الرحيم وعنايته، واستنادًا إلى القوة التي يمنحها هذا الانتساب، واتكاءً على بركات أدعية أفرادها المعنويِّين وحماياتهم القدسية، طالعتُ المُؤلَّفات النُّورانيّة الذي تلقَّيتُها مؤخَّرًا، وعزمتُ على التعبير عن مدى سرورِنا بانتشارها في محيطنا، لتكون ترجمانًا لمشاعرنا المعنوية المستدامة، وإظهارًا لأحاسيسنا بلسان العجز، وإيفاءً لديون الشُّكر والدعاء لإخواننا
— 364 —
الناقلين والناشرين النَّشِطين في هيكل الشخصية المعنوية لتلاميذ رسائل النور، والذين هم أجلُّ معاوني أستاذنا الموقَّر الشَّفوق العزيز؛ فلذلك أشرعُ بكتابة هذه الرسالة:
سأتحدَّث أوَّلًا عن الكرامة العلوية والغيبية: وجدتُ عند فتحي بك القصيدة المباركة المُسمّاة: "الأرجوزة"، والمدرجة في "مجموعة الأحزاب"، وقرأتُ الكثير من فِقراتها ولم أتمكَّن من تأمُّل معانيها بدقّة؛ إلا أنني وجدتُ دعاءَ "السَّكينة" متضمِّنًا لِاسم الله الأعظم في ستة أسماء هي: "الفرد، الحيّ، القيوم، الحكم، العدل، القدوس جل جلاله"، وإنني أُحِيلُ إليكم أمر السماح بجعل هذه الأسماء وِردًا، وكيفية المواظبة عليه.
وافق انتشارُ هذا المؤلف المبارك في تلك الأماكن الوقتَ ذاتَه الذي تحدَّث فيه جدِّي المرحوم عن حادثة الكرامة المنسوبة لسيِّدنا عليٍّ رضي الله عنه، من باب تصديق الدُّستور القائل: "كرامات الأولياء حقٌّ"؛ وهذا الأمر مُوجِبٌ للحيرة حقيقةً، ودليل صغير على أن أفعالنا لا علاقة لها بالتصادُف، وإشارةٌ إلى أنَّه لن تخلو رسائل النور من مثل هذه الحوادث المُعجِزة، لأنها نابعةٌ من المعجزة الأحمدية الكبرى: القرآنِ العظيم الشأن.. فالحمد لله، هذا من فضل ربي.
وأمّا عن إدراج اسم طالبكم العاجز في نهاية هذا السِّفر النَّفيس باسم تلاميذ النُّور، فقد قابلتُ هذا الأمرَ بالشكر وبالحمد إشارة إلى أنني لن أتردَّد لحظة واحدة في تصديق لَمَعات رسائل النور التي ألِّفت أو التي ستُؤلَّف في المستقبل.
كذلك ظهَرَت جملةٌ متنوِّعةٌ من الكرامات والإعجازات الغيبية من مُبتدَأ انتشار رسائل النور حتى يومنا هذا، مثَلُها مثَلُ تكرار الآية الجليلة: فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ في سورة الرحمٰن، وغيرها من الحوادث التي تشجِّع تلاميذَ رسائل النور وتستنهض هِمَمَهم، وتصبح وسيلة لزيادة إيمانِهم، وتُزوِّدُهم بأسلحتِها المعنوية.
لقد ورَدَت الإشارةُ إلى أنَّ فعاليةً قرآنية ستحصل في فتنة آخر الزمان، وذلك في القرآن الكريم، والأحاديثِ النبويّة، وعلى لسانِ سيِّدنا عليٍّ وأحدِ أحفادِه (الغوث
— 365 —
الأعظم)، باسم الصحابة وآل البيت الكرام، وذلك في قصيدتهم المباركة؛ وجاء هذا الإخبار على طريقة الرمز والدَّلالة والإشارة، وربما وقع التصريحُ به.. وقد قام ناشرُ رسائل النور بالإبانة عن هذه الإخبارات القرآنية في جميع مؤلَّفاته، وكرَّر التصريحَ بها في دروسه؛ فهل بعد هذا البيان محلٌّ للتردُّد والشُّبهة؟! كلَّا أبدًا.. فلِلَّه مئاتُ الآلاف من الحمد والشُّكر على عميم إحسانه.
وبهذه المُناسبة وتحدُّثًا بالنعمة، سأتكلَّمُ لإخواني من تلاميذ رسائل النور بإيجازٍ عن مظاهر الحفظِ والعناية الغيبية التي صرتُ مَظهَرًا لها رغم عجزي وذنوبي، الأمر الذي يُعدُّ شرفًا للخدمة السّامية التي نُؤدِّيها، وإكرامًا للإخلاص المُتمثِّل في الوحدة المعنوية:
یی إقبال الناس عليَّ وتحلُّقهم حولي صغارًا وكبارًا، مع جهلهم بذنوبي التي لا يعلمها إلا الله.
یی أتحدَّث بالدروس التي تعلَّمتُها والحقائق التي تعرَّفتُها دونما تردُّد كلما اقتضت الحاجة، وكلما سنحت الفرصة، وكلما سُئلت سؤالًا؛ ولا يُبدي أحدٌ من رفقائي في المهنة والوظيفة أيَّ اعتراض، بل يُبادرون ببذل معاني المحبة والودّ.
یی لستُ أجدُ من كبار أصحاب الرتب العسكرية الرفيعة إلا كلَّ التقدير في السرِّ والعلَنِ، رغم أنهم يعلمون ويلاحظون أنني لا أُقدِّم تنازلاتٍ في الأحكام الدينية قدرَ الإمكان، ورغم أنَّ بعض أحوالهم وتصرفاتهم لا تعجبُني.
یی تصلُ إليَّ اللَّمَعات النّابعة من فيض رسائل النور یی بإذن الله یی دون أيّة مصاعب، رغم أنني أسكنُ في منطقة "العزيز" بعيدًا جدًّا بحسب المقاييسِ المادية.
یی استماع أساتذتي القدامى لرسائل النور عبر لسان هذا العاجز واطِّلاعُهم عليها عن طريقي.
یی أعملُ بحمد الله على نشر مؤلَّفات النور التي تصلُني هاهنا، مراعيًا في ذلك قيود الخصوصية، ولم يظهر جرّاءَ ذلك أيّةُ موانع أو شرور، فلِلَّه الحمد والشُّكرُ بمئات الآلاف.
— 366 —
وما هذه الأمور إلا دلائلُ حمايةٍ ورعاية معنوية ظاهرة، ونتيجةُ محافظة جلية وقطعية باهرة، ومظاهرُ تجلٍّ للإخلاص، وثمرة التساند الكامن بين تلاميذ رسائل النور.
وتعبيرًا عن الحقيقة من غير تواضعٍ متكلَّف، فإنني أُوردُ هنا ما ذكرتُه لأخينا صبري أفندي في رسالة صغيرة: إن مكانة أخيكم المسكين في الجسد المعنوي لتلاميذ رسائل النور لا يعدو حجمَ أصبعِ قدمٍ صغيرة، إلا أن خالقنا قد أَوجَد في هذا العبدِ المُذنب أهليةً لإنعامه الدائم وإحسانه الأبدي، فجعَلَه طالبًا لناشر رسائل النور وصاحبًا لتلاميذها ورفيقًا لخدَّام القرآن؛ وإن حكمةً صمدانية عالية تكمنُ وراء هذا الإكرام المخصوص بعبدٍ مذنبٍ مثلي، لا يجيد العربية والفارسية، ولم يختلف إلى المدارس؛ ولا جرمَ أنها مكرمةٌ مُخصَّصةٌ لِأجل الصفاءِ والإخلاص الذي يجمع بين من لهم صِلة برسائل النور، وإشارة إلى مرتبة رسائل النور عند الله وسموِّ هذه الخدمة وشرفِها.
فإن كان أقلُّ أفراد النوريِّين نفعًا قد حظي بكلِّ هذا القدر الظّاهر من العناية والحِفظِ الإلٰهيّ كما تقدَّم، فلَكُم أن تقيسُوا بأنفسكم مدى الإكرام والعناية الإلٰهيّة التي ستلحق بباقي الأفراد المنوَّرين.
وإنَّ الأسرار الكامِنة في الآيات: فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، ستُرافقُ جلَواتُها بإذن الله ناشرِي رسائل النور وتلاميذَها وفي مقدِّمتهم أستاذنا الشَّفوق، بما يرتكزون إليه من العناية الربانية، والإمداد الرُّوحيِّ لسيِّدنا محمَّد المُصطفى (ص)، وبما يبذلونه من خدمة في سبيلِ الله تعالى وحدَه، وبحقِّ الأُخوّة المعنويّة والأُخرويّة التي تجمعُهم.
إن الرسالة التي تتحدَّث عن الاقتصاد تحوي نصائحَ إنسانية واجتماعية عالية، وتوجيهاتٍ دينيةً ودنيوية وأخلاقية قيِّمة، وإرشاداتٍ إيمانيةً ونورانية بليغة.
وما أصدقَ الكلماتِ التي صرَّح بها بعضُ إخواني هنا حول مؤلَّفات النور، حين قالوا بصورة عفويّةٍ: "عند قراءة إحدى هذه الرسائل نقولُ في أنفُسِنا: لا مُؤلَّفَ أسمى من هذه الرسالة! فإذا استمعنا للثانية وجدناها أكثرَ سموًّا ورِفعةً من سابقتها".
— 367 —
وأنا أقول: يا إخواني.. إن في سائر أجزاء رسائل النور قوّةً عظيمة، فكلُّ من استمع لرسالة منها فقط، أو حظي بقراءتها أو كتابتها، فسيجد فيها بتوفيق الله تعالى من الحقائق ما يُنقِذ إيمانَه.. وإنَّ لكلِّ جزءٍ من أجزائها صلةً معنوية بالأجزاء الأخرى، فهي تُسِرُّ القولَ لكلِّ من يقرؤها أو يستمع إليها: إن في الكتاب الذي تقرؤُه دلائلَ وإشاراتٍ إلينا، وعبقَ الحقائق التي لدينا؛ فإن أنت أنعمتَ النظر فسوف تراها، وإن بذلتَ جهدك فسوف تفهمُها، وإن دفعتَ جُزأَك الاختياريَّ في هذا السبيل وحالَفَك التوفيق، فستجدُها وتعرفُها.
اللمعتان العشرون والحادية والعشرون المؤلَّفتان حول الإخلاص:
اللمعة العشرون: تشرح أسبابَ الخلاف والتنافُسِ بين المؤمنين من أتباع المسالك المختلفة شرحًا رائعًا مفصَّلًا لدرجة أننا لو أردنا وصفَه فلا سبيل لدينا سوى كتابته كما هو! جعَلَنا اللهُ جميعًا من عباده المخلصين.. آمين.
اللمعة الحادية والعشرون التي وجَّهتُم بوجوب قراءتها مرةً على الأقل كلَّ خمسة عشر يومًا، هي ذات أهمية كبيرة أيضًا، لدرجة وجوب جعلِها وردًا دائمًا.. فمن المعلوم أن القلعة تُفتَح من داخلها، فإن زال الإخلاص الذي يحقِّق النجاح والتوفيق في أيامنا هذه، فسيتولَّد حينَها یی عياذًا بالله یی نتائجُ وخيمة.
إنَّ أكبر عدوٍّ لنا هو أنفُسُنا، وأجد هذا التنبيهَ كافيًا لإسكاتها: أيتها النفس، لا يُمكنكِ خداعي، فما دام الرسول المعظَّم ونبيُّ الله يوسفُ المكرَّم عليه السلام قد نطق قائلًا: وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي، فلن يُمكنكِ خِداعُ أحد؛ وأَلتجِئُ إلى كنف الحقِّ سبحانه مستعيذًا به منكِ ومن شرور أقرانِكِ من شياطين الإنس والجن، ومن شرور أهل البدعة وعلماء السوء.
اللمعة الثانية والعشرون المؤلَّفة على لسان سعيد القديم تشكِّلُ دفاعًا مُكمَّلًا في وجه هَجَمات فِرَق الظَّلَمةِ، وردٌّ مناسب وجوابٌ في غاية السُّموّ، فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ.
— 368 —
اللمعة الخامسة والعشرون من المكتوب الحادي والثلاثين: دواءٌ جامع ناجع لجميع الأمراض المادِّية والمعنويّة.. وقد أثار فضولي تكرارُ الدواء السادس مرتَينِ، وتعجَّبتُ من ذلك، فخطر في بالي فجأةً جمعُ أعداد الأدوية حتى الدواء الخامس والعشرين، فإذا مجموعُها (٣٢٥)، وعند ضمِّ الدواء (٦) المُكرَّر بلغ المجموعُ (٣٣١)، وإذا أخذنا بعين الاعتبار أنَّ العدد (ألف) يُحذَف في أغلب الأحيان لفظًا أو كتابةً، فيكون الرقمان (١٣٢٥) و(١٣٣١)، وبذلك توصَّلتُ إلى أن في هذه اللمعة إشاراتٍ خفيةً إلى المصائب التي حلَّت بالعالَمِ الإسلامي.. وآمُل أن يستخرجَ أصحابي من ذوي البصيرة والنور حقائقَ خفيّةً أخرى.
ذهبنا بصحبة الحافظ عمر أفندي في زيارةٍ لطالبكم القديم الحافظ حسين أفندي لتقديم العزاء، وذلك بعد وفاة والده ببضعة أيام، ووافق ذلك يومَ عرفة، فقرأنا له هذه اللمعة، فما كان منه إلا أن دعا كثيرًا للأستاذ العزيز الذي وجد فيه الطبيبَ الماهرَ الذي وصف له العلاجَ الشافِيَ لأمراضه المادِّية والمعنويّة.. وإنَّ مُلخَّص الأثرِ الذي تركه هذا المؤلَّف المبارك في نفسه يتجلَّى في جوابه لكلِّ من يسأل عن مرضه من أحبابه وأصحابه: "لقد وجدتُ دواءً رائعًا.. لقد تخلَّصتُ من دفع ثمن الأدوية للأطباء.. وبدأتُ أتماثلُ للشِّفاء يومًا بعد يوم".
١٧ ذي الحجة ١٣٥٣
طالبكم العاجز وأخوكم في الآخرة
خلوصي
٭٭٭
— 369 —
(فقرة الحاج عثمان من "قُولَه أونو"، أحدِ تلاميذ رسائل النور):
أستاذي المحترم..
منذ بضع سنين وأنا أستمع للرسائل، فكانت تقوم بمُهِمّة العلاجِ لأَحدِ جراحي المعنوية التي تبلُغُ ألفَ مُصاب؛ إلا أنني حين قرأتُ واستمعتُ بغاية اللهفة إلى اللمعة الخامسة والعشرين "رسالة المرضى" واللمعة السادسة والعشرين "رسالة الشيوخ" مع مصطفى وبقيّة أصحابي، وجدتُ لهما تأثيرًا قويًّا في التخفيف من الجراح التي تُثقِلُ كياني! فقلتُ لأصحابي بأَسًى: "ما دام تأثير رسائل النور بهذا القَدر من القوّة، فقد قرَّرتُ الاشتغالَ بكتابتها أيضًا؛ لكن المشكلة أنِّي لا أُجيد القراءة والكتابة، لذا ألتمسُ منكم أن تعيِّنوني خادمًا أو مراسلًا، كي أَمُدَّ يدَ العون لهذه الرسائل النوريّة النَّفيسة".
في تلك الليلة رأيتُ في المنام أنني قد متُّ وغُسِّلتُ وأُدخلتُ القبر، ثم حان ميقاتُ الحشر، وبُعِثتُ من قبري بكفني حاسرَ الرأسِ حافيَ القدمين؛ وبينما كنتُ عائدًا إلى بلدتي خائفًا مررتُ بقرية كبيرة، وإذا فيها حارسان يقفان على حافتي الجسر، فأمّا الأول فاستطعتُ تجاوزَه، وأمّا الآخر فلم أستطع تخطِّيَه، فأمسك بي وجعل يسوقني وأنا أرتعدُ من شدّةِ الخوف لا أدري أين يأخذني! سِرْنا لبرهة، وقبل أن ينتهيَ الجسر قام بتسليمي لأستاذي، فغسَّلني الأستاذُ وتركني.
بعد ذلك اجتمع جميع الأهالي في الجامع على هيئة جنود، فأتى أحدُهم نحوي وقال لي: "لقد عُيِّنتَ خادمًا عند قائد عظيم، اذهب في هذا الاتِّجاه"، فقلت له معترضًا: "كيف لجنديٍّ بسيط مثلي أن يخدم عند ضابط مُشيرٍ رفيع الرتبة؟!"؛ فقال مكرِّرًا: "سوف تذهب!"، فمشيتُ خائفًا، لكن عندما شاهدتُ أستاذي هناك شعرتُ بسرورٍ بالغ، فقال لي: "اتبعني"، فصعد قصرًا مرتفعًا، وقال لي: "أدِّ هذه الخدمات البسيطة"، وبينما كنتُ أتأمَّل وأتفكَّر حضر سليمان أفندي من "بارلا"، وبعد اجتماعنا دخل أستاذي بستانَ ورود جميلًا، فإذا شابٌّ صغير جالسٌ فيه، فقال لي: "إنك ستخدم هذا الشاب"، واستيقظتُ من نومي على إثرها.
— 370 —
يا إخواني.. ما دام أستاذنا يعلن منذ ثماني أو تسعِ سنين قائلًا: "إنني لا أملك شيئًا، إنني دلال القران فحسبُ، وللجميع حاجاتٌ من مخزن الجواهر الذي عُيِّنتُ فيه"، إذًا لدى الجميع حاجةٌ لقراءة رسائل النور وكتابتها والاستماع إليها، لذا يا أيُّها المسلمون.. إن أردتُم علاجَ جراحكم المعنوية، فها هي رسائل النور، احرصوا على قراءتها وكتابتها، فإنها ترتقي بإيمانكم، وتُزيلُ أيَّ شبهة لديكم.
أقبِّل يديكم المباركتين وأبارك عيدكم.
الحب في الله
طالبكم العاجز الجاهل
الحاج عثمان
٭٭٭
(فقرة إحدى طالبات رسائل النور وأخوات الآخرة: مُزيَّنة):
أستاذي المحترم..
إن عينيَّ الغارقتين في آلام هذه الدنيا الفانية قد ارتبطتا من أعماق الرُّوح والقلب بكلماتكم النورانية ورسائلكم المؤثرة الشافية، وأَقبَلنا على قراءتها ومطالعتها؛ وإنِّي كلما قرأتُها أُدرِكُ كم هي مُرشِدٌ عظيم أعجِزُ عن وصفِ عظمته.
أجل؛ إنَّها تُمزِّق حُجُبَ الظلمات والغفلة التي أَرْخَت سدولَها وخيَّمت على الدنيا في هذا الزمان، وتُبدِّد هذه الغفلة وتشتِّتُ تلك الظُّلُمات.. فأيُّ عقل يا تُرى يستطيعُ أن يغمض عينيه ويرتميَ في أحضان الظلمات ويخضع لحُجُبها بعد أن شاهد أنوار الحقيقة تَسطَعُ من بين تلك الحُجُب؟! لا، لن ألقي بنفسي في أسرِ الظلمات، فلقد أصبحتُ محظوظةً بشِقِّ الأنفُس، فلن أكون سيِّئةَ الحظِّ مرةً أخرى بإذن الله.
أستاذي، إنني أُحرَمُ من تلقِّي الدرس منكم مباشرةً على غرار سائرِ إخواني، إلا أنني أستمعُ في كل أسبوع أو في كل شهر إلى كلماتكم الرفيعة، فأشعر كأنني أتلقَّى
— 371 —
الدرس منكم شخصيًّا، وأتضرَّع إلى الحق سبحانه طوالَ اليوم أن يكتب النجاةَ والسلامة للمسلمين، وأن يُبدِّل أحوالنا وأحوالكم، ويُحوِّل ظلامَنا نُورًا.. وأعترفُ بعجزي وقصورِ لساني عن متابعة الحديث والإسهاب في الكلام.
وبإذن الله يأتي اليومُ الذي نتخلَّص فيه بتأثير رسائلكم وبإرشاد كلماتكم من الأحوال التي سقطنا فيها بغير قصدٍ منّا ولا اختيار، تمامًا كما فعل الأخُ من أهل التقوى والاستقامة: "لطفي أفندي".
تسلَّمنا من أخينا ذكائي "الكلمة السابعة عشرة" و"المكتوب الثامن عشر" و"المكتوب العشرين" ورسالة "النوافذ" القيِّمة السّاطعة بالأنوار الثَّلاثِ والثَّلاثين، ونطالعها الآن وبين أيدينا أستاذُنا الحقيقيّ: "القرآن العظيم".
مُزيَّنة
٭٭٭
(فقرة أخرى لمُزيَّنة):
أستاذي.. من قرأ رسائلَكم النفيسة فسيفتح مغاليقَ القلوب الخافتة المأسورة بمفاتيحها الفِضِّيّة والمَطليّة بماء الذهب، وسيُنقِذُ قلبَه وينوِّرُه؛ ولذا لا يجد المرءُ بُدًّا من حَمدِ المولى عز وجل وشُكرِ العاملين في خدمة نشرِ هذه الرسائل.
آهٍ من أحوال الدنيا الفانية، ومن آلامها وهمومها التي تحجُبُني عن خدمة الأنوار! وكم يؤلمني جدًّا ويحزُّ في نفسي عدمُ قيامي بحقِّ خِدمتِها مثلَما يفعلُ إخواني.. سمعتُ هذه الأيام الخبر التالي: "صدر العفوُ عن الأستاذ، وسيتوجَّهُ نحوَ إسطنبول"، فسُررتُ بهذا الخبر یی من جهة یی إذ تخلَّص أستاذي من الأسر، وحزنتُ بشدّة یی من جهة أخرى یی لرحيلكم، فكأنَّ كلَّ جبال "أتابك" قد هَوَت على رأسي.
أشكر الله تعالى على صدور العفو وخلاصِكم من أذى الأشرار، وأُهنِّئُكم على ذلك؛ لكن يَعُزُّ علينا أن يبتعد عنّا صاحبُ هذه الرسائل النيِّرة القيِّمة، وكيف يصحُّ
— 372 —
ذلك وهو الذي أضاء قلوبنا بالأنوار وأنار بها أرجاء جبال "بارلا"؟! فلهذا لا تحتملُ القلوبُ فراقَه..
لقد حظِيَت "بارلا" بالحظِّ الأوفر إذ حازت قصبَ السَّبق في الاستماع إلى الرسائل اللطيفة طازجةً، وفي كل وقت، ومن فمِ الأستاذ مباشرةً.
مُزيَّنة
٭٭٭
باسمه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخويَّ الهُمامَينِ الذَّكيَّينِ الجادَّينِ الوفيَّينِ الحقيقيَّينِ: الأستاذ صبري أفندي، والحافظ علي..
غفوتُ صباح هذا اليوم (الجمعة) قليلًا بسبب سوء حالتي الصحية، فرأيتُ خيالًا ما يُشبِهُ الرُّؤيا وليس برؤيا: أنَّ صبري ظهر أمامي وخلفَه الحافظ علي، وهو يقول لي: "أستاذي، بما أن العنايات الكبيرة جاءت موضَّحة تحت مسمَّى: "العنايات السبعة"، فما السبب والحكمة وراء مَنحِكم العنايةَ الجزئية الورادة في "الكلمة العاشرة" تلك الأهمِّية الكبيرة؟"، قال لي هذا وانصرف.. استيقظتُ بعدها وتفكَّرتُ في الأمر، فقلتُ: "لقد قرأ صبري الرسالةَ التي كتبتُها لإسبارطة أو هو يقرؤُها الآن، وقد أشفق عليَّ من جرّاء كتابتي المُتَّقِدة، فرغب بالسُّوال عن سببها"، وبكلِّ حالٍ فإنِّي أقول لصبري یی وهو مخاطَبي الثاني بعد خلوصي یی وليُصغِ الحافظ عليٌّ أيضًا لهذا الكلام:
إن وراء تخصيص أهمِّية كبيرة للعناية الجزئية المذكورة في الكلمة العاشرة ثلاثَ حِكَم:
— 373 —
الأولى: إن "الكلمة العاشرة" لم تُقْدَر حقَّ قَدْرِها؛ فقد طالعتُها بنفسي ما يَقرُب من خمسين مرة، وكنتُ في كل مرة أجد لذّةً مختلفة، وأشعر بالحاجة إلى قراءتها مجدَّدًا؛ والحال أن هذه الرسالة تحتوي على جملةٍ من العلوم الإيمانية التي تتجدَّد الحاجةُ إليها في كلِّ وقت كحاجتنا إلى الخبز كلَّ يوم.
فكانت روحي ترغب بشِدّة في لفت الأنظار إلى هذه الرسالة، لكن ما كنت أستطيع فعلَ شيء، فمنحني الحقُّ سبحانه من رحمته إشارةً، كان لها بالغُ الأهمِّية مهما كانت إشارةً خفيَّة، لأنها جاءت مطابقةً تمامًا لرغبتي الجادّة.
الثانية: تعلمون جيدًا أنه قد يأتي أحدُهم لزيارتي من مكان بعيد، ويستغرقُ وصولُه في بعض الأحيانِ خمسة أيام، لا يدفعه لذلك سوى الحرصِ على لقائي وعلى الاستفادة الأُخرويّة؛ لكن حالتي الصِّحِّية لا تسمح بلقائه أكثر من بضعِ ساعات؛ والحالُ أنَّ بيان قيمة الرسائل لهذا الضيف، وتوجيهَه لدرايتها ومعرفة سُبُل الاستفادة منها، وإعانتَه على التزوُّد بالطّاقة الإيمانية والقوة المعنوية التي يحتاجُها في مُهمَّته، يستدعي إنجازُ ذلك أيامًا عديدة، إذ لا يمكن لكل شخص أن يُدركَ ما في الرسائل من البراهين القوية ويستوعبها تمامَ الاستيعاب.
وكانت روحي ترغب بشدّة في إيجاد وسيلة خفيفة ومُوجَزة لتجاوُز هذه العقبة، كيلا تذهب مشقّةُ هؤلاء الضيوف سدًى؛ ولستُ صاحبَ كرامات، ولا حيلة في يدي! فكنتُ أتَّكئُ على صدقِ نية الضيوف وإخلاصِهم فحسبُ، وأُحِيلُ مكافأتَهم إلى مقامِ الرحمة الإلٰهيّة.. فإذا بالإحسان الإلٰهيّ يُسعِفُنا بأثرِ عناية من شأنه أن يُورِث القناعة القطعية بطريقة أكثرَ سرعة، ويولِّد الثقة، ويؤدي إلى الاعتماد على الرسائل؛ وكان أوَّلُ ظُهور تلك العنايات في "إشارات الإعجاز"، ثمَّ في "الكلمة العاشرة"؛ وبات الأمر بالنسبة إليَّ في غاية السُّهولة والراحة، فصرتُ في وقت قصير أُطْلِعُ الكثيرَ من الفضلاء على أَماراتٍ ظاهرةٍ للجميع رأيَ العين على أحقِّية القرآن الحكيم، وأشحن بذلك نفوسَهم بقوّةٍ معنوية تُحطِّم عنادَ كثيرٍ من المُعاندين، وتهدي إلى الإيمان الكثيرَ من المُلحِدين.
— 374 —
إلا أنَّ ما تتضمَّنُه "إشارات الإعجاز" من هذه العنايات لا يتسنَّى إيضاحُه في ساعة أو ساعتين أو حتى ثلاثِ ساعات، وكنتُ أبذلُ في شرحها جهدًا مُرهِقًا؛ فكان أن أنعم الله علينا بكمال رحمته بما هو أسهل، وذلك من خلال "الكلمة العاشرة" التي تقدِّم في دقيقتين أو ثلاثِ دقائق من الفوائد ما تقدِّمُه "إشارات الإعجاز" في ساعتين.
وإنَّ أثرًا كهذا من آثار العناية نراه في هذا الزمان رأيَ العين یی مهما كان جُزئيًّا یی لَهُو أشدُّ تأثيرًا من أعظم الكرامات المعنوية.. ولأجل ما وفَّره لي ولإخواني أمثالكم من السُّهولة واليُسر، فقد أَولَيتُه هذه الأهمِّيةَ الكبيرة.
وما دام "التوافقُ" الحاصلُ في هذه الكلمة مفيدًا لنا وللضيوف، وينطوي على نتائج ذاتِ خيرٍ ونفعٍ كبير، فلا جرمَ أنَّ فيه أثرَ عناية؛ بل هو بالنسبة إلينا مظهرُ عناية وإكرام فوق العادة، مهما كان عاديًّا ومتكرِّرًا.
الثالثة: تعلمون جيدًا أن التفكيرَ المُرهقَ من كثرة الاشتغال، يتوقُ صاحبُه إلى الاسترواحِ والترويحِ عن نفسه قليلًا؛ ومن خلال عملنا في الحقائق القرآنية والإيمانية ذات المعاني الجادّة والعميقة، أظهَرَت لنا تلك الحقائقُ بعضَ ألطافها على هيئة صنعةٍ بديعةٍ لطيفة من نوعِ التوافقات، كي تُخفِّف من تعبنا الناجم عن انهماكنا في الاشتغال بها، وتريحَ تفكيرَنا المُرهَقَ، وتُدخلَ إلى نفوسنا بعضَ الطمأنينة والسُّرور.
كما أن العناية البارزة في ذلك "التوافق" اللطيف الخفيف المُحبَّب واللّافت للأنظار، صارت بحُكمِ مفتاح ودَلّال لخزينة أسرار القرآن، فلهذا أَولَيتُها أهمِّيةً بالغة، وإلا فإن العناية الرَّبانيّة المترتبة على خدمتنا والمُعينةَ لها كثيرةٌ جدًّا، بحيث لو أحصيتُها الآن لَتَجاوَز تعدادُها الألفَ؛ لكن لمّا كان السِّرُّ الكامنُ في حروف "الكلمة العاشرة" یی وبتصديق الجميع یی حاصلًا بغيرِ صنيعِ أحدٍ واختيارِه، حظي عندي بهذه الأهمية الكبيرة.
إلا أنني اهتممتُ بالإشارة المطلقة، ولم أدقِّق كثيرًا بتفاصيلها، ولم أوضِّحها بصورة أجمل، إذ وضعتُ خلال ساعة أو ساعتين إشاراتٍ هي من قبيل الملاحظات،
— 375 —
معتمِدًا فيها على النصِّ الأوَّليِّ دون تدقيق لاحق.. والحال أنَّ في عباراتي بعضَ العيوب التي يَعسُرُ معها الفهمُ، ولهذا لم يظهر مرادي لإخواني في "إسبارطة"، ولديهم الحقُّ في ذلك، لأن تلك العبارة لا تُوضِّح المقصود؛ وما دام الأمر كذلك، فلتُستبدَل جملة: "باعتبار أنَّ في كلٍّ من الصحائفِ المكتوبة اثنين وعشرين سطرًا" من مبحث توافقات الحروف اللطيفة لهذه الكلمة بجملة: "يُصبح العدد (١٣٤٢) بإضافة السطر الأول المدوَّن على الغلاف الذي كتب عليه الاسم، إلى الأسطر الحقيقية والاعتبارية في الصحف التي تجاوزت الكتابةُ فيها نصفَ مساحتها.. إلخ".
ولتُستبدَل كذلك الجملةُ التالية في ذلك المبحث: "باحتساب الصَّحيفة البيضاء التي في الآخر تبلغُ سِتًّا وستِّين، فتوافق الأحرف الملفوظة السِّتة والستين الآيةَ الموجودة في المقدِّمة"؛ بجملة: "باحتساب الصحيفتين الموجودتين في الآخر، تبلغ سبعةً وستين، وتوافق الأحرف الملفوظة السبعة والستين للآية الموجودة في المُقدِّمة، كما أن هذه الآية توافقُ حروف سورة الإخلاص، والحسابَ الأبجديَّ للفظ الجلالة: الله".
وقد أصلحنا نسخةً بهذا الشكل، وها نحن نُرسلُها إليكم، فأصلحوا النسخ التي لديكم وكذا النُّسخ التي في "أغيردِر" على شاكلتها.
الباقي هو الباقي
أخوكم سعيدٌ النُّورْسيّ
٭٭٭
— 376 —
باسمه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إخواني الأعزاء الجادِّين الأوفياء، وأصحابي الأقوياء الأَوُدّاء في الخدمة القرآنية: صبري، خسرو، علي، رأفت، بكر، لطفي، رشدي..
لله الحمد حمدًا لا نهاية له أن وهبكم لي أصحابًا ورفاقًا مُؤنِسين لي في صحراءِ حقيقةٍ لا يَحُدُّها بُعدَ؛ وإن السَّير والسُّلوك في هذه الصحراء العجيبة يُحقِّق فوائدَ جليلة حتى في الأشياء التي تُرى صغيرةً وتافهة جدًّا، لذا فإنني أُتابع المسائلَ التي لا قيمة لها في الظاهر باهتمام بالغ، وأَلفِتُ أنظارَكم إليها كثيرًا.
وأَعرِض لكم كمثال على ذلك توافُقاتِ حرف الألف الحاصلة في "الكلمة العاشرة" كمسألة مُهِمّة، والسِّرُّ في الأمر أنني أحسستُ إحساسًا جازمًا بوجودِ إشارةٍ شديدةِ الخفاء لتوجُّهٍ خاصٍّ، فلِشِدّة فرحي وبالغِ سروري صرختُ بدهشةٍ وذهول وبغير شعور: "هلُمُّوا! تعالوا.. لِتَشهدُوها أنتم كذلك".
أجل، فمثلما يبتهجُ المرء إذا أصبح مظهرًا لإشارة خاصّة من سلطان مهما كانت بسيطة، وتكون مبعثَ سرور له يفوقُ منحَه رُتبةَ المُشيرِ وفقَ القانون العام؛ كذلك حالُ أبسطِ إشارةٍ خفيّة من توجُّهٍ خاصٍّ للخالق ذي الجلال؛ فلو كان للمرء مئةُ ألفِ رُوح وافتَداه بها، ومئةُ ألفِ سنة من العمر وصَرَفها في سبيله، لكانت رخيصةً أمام ذلك التوجُّه.
وإنني من خلال الدهشة الهائلة التي نتَجَت عن السُّرور المُنبَعِث من هذا السِّرّ، تحدَّثتُ إلى غير أهل التدقيقِ بشيءٍ حولَ هذه التوافقات التي تُعَدُّ من فضول العلم.
وسأتناولُ الآن الموضوع من جانبٍ آخرَ: حين أثار الزنادقةُ فكرةَ إنكارِ الحشر الجسماني بين الناس بشكل رسميٍّ، بهدفِ إنكار ثلُثِ القرآن؛ أظهَرَت "الكلمة العاشرة" شُعلةَ إعجازٍ قرآنية خارقة أخرَسَت هؤلاء الزنادقة؛ وأَحسَسْنا إجمالًا
— 377 —
وبأمارات كثيرة أن لها ماهيّةً فائقة للعادة لصالح الإعجاز المعنوي للقرآن.. وحتى أَلفِتَ اليوم نظرَ العامّة مرّةً أخرى إلى "الكلمة العاشرة"، فإنني شُغِلتُ بها وبمُطالعتِها دون اختيارٍ مني.
لقد أظهر الحرفُ الأوَّل من لفظ الجلالة "الله" هذه المرّةَ توافقًا عجيبًا في "الكلمة العاشرة"، بحيث لا يُمكِن أن نُحِيلَه إلى المصادفة، أضف إلى ذلك أماراتٍ أخرى شعرتُ من خلالها أن في ذلك التوافق إشارةً غيبية، فوضعتُ إشاراتٍ لها.
وإنَّه قد يُومَأُ بإشارات مُهِمّة في ثنايا حُجُب عادية بسيطة، فيفهمُها أهلُوها، وحتى تكون مدارًا للإشارات، لا يلزم أن تكون خارقةً للعادة.
وإذا ما وُجدت الإشارات الغيبية، فلا بدَّ أن تَتَنكَّبَ عنها الصُّدفةُ، بحيث لا يمكن لها أن تُجرِيَ حُكمَها فيها، بل تُحال إلى تلك الإشارة أدنى الأرقام جزئيةً.
وإذا ما وُجدت في مجموعها إشاراتٌ، فستكون جميعُ الأجزاء تابعةً لحِكمة تلك الإشارة، ولا يمكن للصدفة أن تلعبَ فيها أيَّ دور.
حتى إنَّ الألِف الذي في الحقيقة الثالثة من الصفحة التاسعة والعشرين ما كان يلزمُ احتسابُه، إلا أنني احتسبتُه سهوًا، فأدركتُ بعدها أن هنالك أمرًا مّا دفعني لإضافته.
وإن جملة "الكلمة العاشرة" التي في المقدِّمة كانت في مقدِّمة الصفحات مع "الحقيقة الثالثة"، وكان حقُّهما أن تُحتَسبا، وقد دُفِعتُ إلى عدِّهما واحتسابهما بهدف تأدية بعض الوظائف، شأنُهما شأنُ سائر أرقام الصفحات الأخرى.
على كل حال، أجريتُ بعض المُقارَنات لا لأجل تردُّدي، فقد بتُّ على قناعة قطعية من الأمر، بل لِأُزيلَ شبهات الآخرين وتردُّدَهم:
ورد في نهاية "الكلمة العاشرة": أحصيتُ توافُقاتِ كتابٍ مبارك مؤلَّف من أكثر من (٦٠٠) صحيفة، فبلَغَت (١٢٥) توافقًا، وأحصيتُ توافقاتِ كتاب آخرَ بلغ عدد صحائفه أكثر من (٣٥٠) صحيفة، فكان الناتجُ (٥٠) توافقًا، كذلك أحصيتُ حروف
— 378 —
الألِف من أحد كُتُبي المؤلَّفة قديمًا باللغة العربية والتركية، والبالغ (٢٨٠) صحيفة، فلم تتعدَّ توافقاتُه الأربعين.
ما يعني أن توافقات الأكثرية المُطلَقة في "الكلمة العاشرة" وفي "إشارات الإعجاز"، تتضمَّن إشارةً غيبيّةً خفيّة؛ وظهورُ الإشاراتِ في مجموعها كافٍ، إذ لا يلزم إظهارُها في كلِّ جزء، لكنَّ كلَّ جزء منها هو ملكُ الإشارات وتحت حُكمِها.
لقد تعجَّلتُ بإرسالي إليكم النسخة الأولية التي وضعتُ عليها الإشارات، إلا أنني أضفتُ إليها بعضَ الحواشي فيما بعدُ.. فقابِلُوها مع النسخة المُرسَلة هذه المرّةَ مع "سليمان أفندي" وأكمِلُوها، وقابِلُوها أيضًا مع النسخة المُرسَلة مع "خليل إبراهيم أفندي"، ثمَّ أرسِلُوها إلى "عاصم بك".
وقد أرسلتُ إليكم رسالةَ خلوصي بك هذه المرة، فليُدرَج القسمُ المُشارُ إليه بين قوسين في الذيل الثالث للمكتوب السابع والعشرين، وأمّا ما كان خارج الأقواس ووضعتُ تحتَه خطًّا أحمرَ فلا يُدرَج.
أبلِّغ سلامي لأصحابي مُنتَسِبي الطُّرق الصُّوفية، أمثال "الحافظ أحمد ومحمد جلال والحافظ ولي"، وسائر إخواني السائرين في طريق الحقيقة.. صحيح أننا تعرَّفنا بی"الحافظ وليّ" مؤخَّرًا، إلا أنَّ له هاهنا صاحبًا اسمُه "محمد أوسطه"، وقد مضى على صُحبتهما عشرُ سنوات، و"محمد أوسطه" هذا أخٌ لي في طريق الآخرة منذ ثمانية أعوام، لذا فإنني أنظُر إلى "الحافظ وليّ" على أنَّه صاحبٌ قديم لي؛ وقد كتب رسالة إليَّ، إلا أنني لا أجد الوقت لأُجيبَ على رسالته، وربَّما كان السُّكوت عند أرباب القلوب في بعض الأحيان بمثابة الحديث.
الباقي هو الباقي
أخوكم سعيدٌ النُّورْسيّ
إخواني، أرجو المعذرة، ما كنتُ أرغب بالتحدُّث إليكم بهذه الرسالة المُشتَّتة وغير المُنتظِمة، فقد كتبناها على عجل من طرف الفكر، في الوقت الذي كنا منشغلين فيه بأمور عديدة
— 379 —
ومراجعات كثيرة؛ وتعلمون حالَ كاتبها حين يُخلِّف ذهنَه في موضعٍ آخر؛ فلذا خرَجَت الرسالةُ مشتَّتةً مضطربةً، فألتمس منكم غضَّ الطرفِ عن التقصير.
سبق أن وضَّحتُ لكم بمثال في إحدى الرسائل معنى التدخُّلِ الغيبيِّ الحاصلِ في التوافقات، وهو على النحو التالي: لو كان في كفِّي موادُّ كالحِمِّص واللُّبِّ المُحمَّص والزبيب والحنطة، فرميتُها على الأرض، فاصطفَّ الزبيبُ مقابلَ الزبيب، واللُّبُّ المُحمَّص مقابلَ مثله؛ فهل ثمّةَ أدنى شبهة في أنَّ يدًا غيبيّةً تدخَّلت فصفَّتها بهذا الشكل المُنظَّم؟! كذلك حال الأحرف والكلمات التي هي بمثابة هذه الموادِّ، وحالُ فَمِنا الذي هو بمثابة تلك الكَفّ.
٭٭٭
(فقرة غريبة لمسعود):
في وقت الحصاد، وبينما كنتُ أضربُ بمِنجَلي الشَّعيرَ المُكتَسِي طراوةً من برودة الليل وضوء القمر الذي يَسطَعُ نورُه، وقَفتُ أَرقُبُ جمالَ القمر وشفافيتَه، وأتفكَّرُ في يأسٍ وحيرة بانصرافي الكليِّ إلى أعمال الحصاد، وحرماني من كتابة الأنوار؛ فوردت إلى خاطري هذه الكلمات، ولست أدري هل هي نتاجُ الغفلة أو طلوعاتٌ قلبية أُنطِقتُ بها:
"يا ربِّ.. إن اسمي مسعود، غير أني لا أمتلك نصيبًا من اسمي! كافحتُ كثيرًا لكن لم أبلغ السعادة"، قلتُ هذا وتابعتُ عملي في حصاد الشعير؛ وبعد حينٍ غلبني النُّعاس فنِمتُ قليلًا، فرأيتُ فيما يرى النائمُ قائلًا يقول لي: "لازِمْ أُستاذَك سعيدًا، تكُن سعيدًا"، فاستيقظتُ على إثرِها، وإذا بالقمر قد أوشك على الغروب، فقلت: "يا ربِّ، لا أطلبُ السعادةَ الدنيوية.. وها أنا تائبٌ إليك".
فيا سيِّدي، لقد لُقِّنتُ أن سعادتي الأخروية ستحصلُ ببركة دعائكم، فأرجو ألّا تحرموني من دعواتكم التي أحتاجُها.. وأُقبِّلُ أيديَكم وأقدامَكم.
مسعود (رحمه الله)
٭٭٭
— 380 —
بداية ونهاية المسألة الأولى للمبحث الرابع من المكتوب السادس والعشرين
باسمه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم وعلى والديكم وعلى إخوانكم ورحمة الله وبركاته
أخي العزيز الوفي، الصادق المُخلِص، نقيَّ السريرة: إبراهيم خلوصي بك..
تتحدَّث في رسالتك أنك لم تُوفَّق في تلك المناطق على نحوِ ما كان في "أغيردِر"، فلا تقلق من ذلك، وهنالك أسبابٌ كثيرة كان بإمكانها أن تتسبَّب بالتوقُّف والتعطيل التامّ، فلِلَّه الحمدُ أنَّه لم يحصل توقُّفٌ، بل ثمّةَ توفيقٌ ونجاح.
ومن تلك الأسباب المعنوية: أنَّ شياطين الإنس الذين تلقَّوْا دُروسَهم من شياطين الجِنِّ، حاولوا جاهدين في الخفاء ودون إشعارِ أحدٍ، أن يضعوك تحت قيود المشاغل الدنيوية، وذلك كي يَحُدُّوا من نشاطك في خدمة الأنوار.
كما وقَعَت سابقًا في تلك النواحي أعمالٌ وإجراءات شنيعة، بثَّتِ الخوفَ والوحشة في نفوس الأهالي، ولولا الجرأة القوية التي تحملُها في قلبك، لَما كان للأنوار أن تُشِعَّ ضِياءَها هناك، فالخدمة اليسيرة في تلك الأماكن لها قيمةٌ عظيمة.
ثانيًا: إن ذكر رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بعد عبارة رَبِّ الْعَالَمِينَ تُفيد الانتقالَ من الإجمال إلى التفصيل، فكما أنَّ ذِكرَ جملة: "حاكم الأناضول وآسيا وأفريقيا" عقِبَ عبارة: "حاكم المملكة الإسلامية"، يُظهِرُ عظمة السَّلطنة على وجه التفصيل، كذلك هذه العبارة تُظهِر مفصَّلًا عظمةَ الربوبية بعد ذِكرِ الربوبية المُطلَقة.
على كل حال.. لا يمكنني حاليًّا الإجابةُ على سؤالك إجابةً تامّة، لكن سأذكرُ لك عوضًا عن ذلك نُكتتَينِ صغيرتين حول إعجاز القرآن؛ فقُم بإدراجِ هاتين النُّكتتَينِ
— 381 —
كحاشية في نهاية النكتة الأولى للإشارة الثامنة عشرة من الجزء الخامس للمكتوب التاسع عشر.
وها هي النكتة الأولى: "وهي الحاشية رقم (٢) الموجودة في الصفحة (٢٦١) من المكتوبات"، وهذا القسم إضافة لها:
"فهل هنالك حقيقةٌ يُمكِنُها أن تُواجِه هذه الحقائق الثلاثَ؟ ومن لديه الطاقة والمَقدِرة حتى يتجرَّأ على تقليدها؟
أجل، فكما أن أسلوبَ إفادةٍ كهذا لا يُمكن أن يكون مُصطَنعًا، كذلك لا يُمكِن تقليدُه.
أجل، من ذا الذي يتجرَّأ على تجاوز حدِّه بكثير ليُنطِقَ خالقَ الكون بهذا الشكل؟"
النكتة الثانية: تُختَتَمُ نهايات جميع صحائف القرآن الحكيم بآية تامّة، واختتامُ الخواتيم بقافية لطيفة، ووجود موافقة أو مناسبة عدَديّة لِلفظ الجلالة "الله" في صحيفتي الورقة الواحدة، أو في الصحيفتين المتقابلتَينِ، أو في الصَّحائف المتقارِبة، أَمارةٌ من أماراتِ الإعجاز، وسِرُّ هذا: أنَّ "آية المُدايَنة" التي هي أطولُ الآيات، اتُّخِذَت وَحْدةً لقياسِ الصَّفحات، كما اتُّخِذَت سورتا "الكوثر" و"الإخلاص" وَحْدةً لقياس السُّطور، فمِن هنا ظهَرَت هذه المَزِيّة الجميلة والعلامة الإعجازية للقرآن الحكيم، ما يعني أن هذا الأمر مهارةٌ قرآنيةٌ وليس مهارةَ فُضَلاءَ من أمثال "الحافظ عثمان"، لأن هذه الوضعية إنَّما نشأت من آيات القرآن وسُوَرِه.
ثالثًا: لقد فهمتُ من رسالتك أنَّك تقومُ بكتابةِ نسخةٍ لنفسك من الرسائل التي تُرسَلُ إليك، ثمَّ تُرسِلُ أصلَها إلى عبد المجيد.
أخي العزيز، صحيحٌ أن عبد المجيد أخي في النَّسَب وتلميذي منذ عشرين عامًا، لكن لا يمكنُ له ولا لغيره أن يَبلُغ مقامَ خلوصِيِّي؛ فالأكثرية المُطلَقة من تلك المكتوبات إنَّما كُتِبَت باسمِك وأُرسِلَت إليك، فليَكُن عبدُ المجيد في المرتبة الثانية؛
— 382 —
وسبق أن ذكرتُ لك في إحدى الرسائل أنَّ بإمكانِك أن تُشرِكَه أيضًا في مُطالعتِها أو كتابةِ نُسخةٍ منها لنفسه، لكن إن قرَّرت أن تُفضِّلَ أخاك هذا على نفسك، وأن تُعانيَ الصِّعابَ كيلا تُتعِبَه، فلن أُخالِفَك في ذلك.
أُبلِّغ سلامي ودعائي لوالديك، ولأصحابك أمثال فتحي بك، ولأساتذتك القُدامى؛ وألتمسُ دعاءَهم.
الباقي هو الباقي
أخوكم سعيدٌ النُّورْسيّ
٢١ رمضان الشريف..
(وضعتُ الرسالة المخصَّصة لعبد المجيد ضمنَ رسالتك.. أرجو أن تُرسِلَها إليه).
٭٭٭
(قطعة من الرسالة التي كتبها لشَقيقِه):
..إن أردت أن تفهم أحوالي الروحية، فالفقرتان الآتيتان ترجمانٌ لها، وأقول كما قال أحد الشعراء:
إنني كی"ناي" أذكر كلَّ لحظة أيامي الخالية..
وأصرخ في جسدي الخاوي ما دام فيه نَفَس..
ذهب عمري هباءً دون أن أقوم بتجارة..
عدتُ إلى رشدي، لكن وجدت القوافل راحلة، وأنا لا أعلم..
فبكيت وصرخت، وركبت الطريق غريبًا..
العين تدمع، والصدر يحترق، والعقل حيران، ولا أعلم شيئًا..
أجل، لقد أسرفنا في عمُرِنا الماضي وضيَّعناه، وفقدنا الكثيرَ من الفضلاء والأحباب المُبارَكين، وخُلِّفتُ وحيدًا لم أعمل لآخرتي مع أولئك المباركين!
٭٭٭
— 383 —
النكتة الثانية للمسألة الثامنة من المكتوب الثامن والعشرين
إن قيل: لو كانت هذه التوافقات الغيبية مزيةً بلاغيةً، لوَجَب أن يكونَ القرآنُ المُعجِز البيان سبّاقًا في عرضِها، مثلما كان الأسبقَ في سائر أنواع البلاغات؛ وإن لم تكن مزيةً بلاغية فلماذا تَعُدُّها إكرامًا إلٰهيًّا عظيمًا؟ كما أنَّه يمكنُ إيجادُ هذا النوع من الصدفة في أيِّ كتاب!
الجواب: يتحتَّم أن يُدوَّن القرآن الحكيم في كل زمان تدوينًا معنويًّا في صدور أكثرَ من مليون حافظ، وذلك بمقتضى قول الله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ، وهذا النوع من التوافقات المتشابهة يجعل عمليّةَ الحفظ أشدَّ صعوبةً، ويُقلِّل كثيرًا من عدد الحُفّاظ، لذا لم يَبْرُز كثيرًا في القرآن الحكيم؛ فكان من ألطفِ مظاهر الرحمة وأَخَصِّها أن قدَّم القرآن الحكيم بلاغةً معنويةً مطابقةً لمُقتضَى حال أهل الحفظ، وأعرَضَ عن هذه المزيّة البلاغية، وذلك أشبهُ باختصار الكلام في كثير من المواضع لِتُفيدَ معاني عميقة ومديدة.
حتى لو لم تظهر هذه التوافقات البلاغيّة، فما دام يُرَى فيها أثرُ القصدِ والشُّعور اللَّذين ثبت بالمشاهدة والإقرار أنهما لا يَعُودانِ للمؤلِّف ولا النُّسّاخ، فلا جرمَ أنها من تنظيم يدٍ غيبية؛ وهذا الوجه من مداخلة اليد الغيبية لَهُو أمارةٌ على القبول والرِّضا، كما أنه بهذه الأمارة يَرمُز إلى أن هذه الحقائق المُؤلَّفة لا تَشُوبُها شائبة، وأنها أُظهرت في صورةٍ حقّة.
ويُمكن لهذا النوع من التوافقات إن وُجِد في كتب أخرى أن يُسنَد إلى المصادفة؛ أما التوافقات الغيبيّة الشعورية الحاصلة في هذه الرسائل، فلا يمكن إحالتها إلى الصدفة التي لا تملك شعورًا، ولا إمكان لذلك أصلًا باتفاق جميع الفضلاء الذين شاهدوها؛ بل لقد أيقنتُ أنا واثنان من أهمِّ الناسخين ومن خلال صفحة واحدة منها لا في رسالة
— 384 —
كاملة، أن هذا الأمر لا يمكن أن تتدخَّل فيه الصدفة، بل ليس هو من حدِّها أصلًا، إذ يقع التناظر في كلمتين أو ثلاثِ كلمات متماثلة ينظر بعضها إلى بعض، ممّا يُومئ بشكل ظاهر إلى وجود قصدٍ وإرادة.
فمثلًا: إننا ننظر الآن إلى الصحيفة التي أمامنا، إذ تتكرر فيها كلمة "العُمُر" ثلاث مرات، وفي وضعية تُظهرُ تناظُرَ بعضِها مع بعض، بما لا يدع شبهة أنه تنظيمٌ غيبيٌّ.
كما نجد في هذه الصحيفة التي ننظر إليها ذِكرَ كلمة "الحزن" ستَّ مرات، فشكَّلت هذه الكلمات الستُّ في ثلاثة أسطر قوسينِ لطيفينِ، يبعثان في نفس الناظر إليهما حُزنًا ذا نشوة.
هذا، ولا يلزم لوقوع إشارة غيبية ألّا تُوجَد في كتاب آخَر، فإننا نجد بلاغةً متفاوتةَ المراتب في سائر كتب أهل البُلَغاء وأرباب الفصاحة، ووقوعُ البلاغة في هذه الكتب لا يُنافي إعجازَ القرآن وبلاغتَه التي بلَغَت غاية الإعجاز وأضحَت معجزةَ الرسالة.
فكذلك وجودُ التوافقات في سائر الكتب لا يَضرُّ بظهورِ جلوةِ نوعٍ من مئات الأنواع الخاصة بإعجاز القرآن، وذلك من قبيلِ الإكرام الإلٰهيِّ المُشاهَد في "الكلمات" التي هي نوعٌ من تفسير القرآن، إشارةً إلى حسن انتظام الحقائق القرآنية، لأنها لا يمكنها بلوغُ هذه الدرجة؛ فنوعُ التوافُقِ الذي في "الكلمات" بلغ درجةً تُورِثُ من يتأمَّلُه بدقّة قناعةً قطعيّة بأن هذا الأمر ليس حصيلةَ فِكرٍ بشريٍّ أو نتيجةَ جُهدٍ إنساني؛ بل إنَّ ظِلَّ ظلِّ نوعٍ نقشيٍّ لإعجاز القرآن يتمثَّل في مرآةِ تفسيره، هو مظهرُ إكرام إلٰهيّ.
الحمد لله؛ هذا من فضل ربِّي
٭٭٭
— 385 —
النكتة الثالثة للمسألة الثامنة من المكتوب الثامن والعشرين
﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾
﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ﴾
السلام عليكم وعلى والديكم وعلى إخوانكم وعلى رفقائكم في درس القرآن
أخي العزيز..
أولًا: سُرِرتُ كثيرًا برأيك الذي توضِّح فيه عدمَ الحاجة لما اقترَحَه أخي عبد المجيد من أن المبحث الثالث للمكتوب السادس والعشرين زائدٌ لا داعيَ له، بناءً على حذر واحتياطٍ في غير محلِّه.. علينا أن نُدرِك أننا نحظى بمظهريّة سِرِّ: فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا، حَنِيفًا مُسْلِمًا، وأننا مكلَّفون باتباع سيدنا إبراهيم عليه السلام الذي بات مظهرًا لتقدير القرآن، والقائل: وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللهِ.
ثانيًا: كتب إليَّ عبد المجيد أن مفتيًا من أهالي مدينةٍ تُكِنُّ لي بجميعِ أفرادها معانيَ الودِّ والصداقة، أورد انتقاداتٍ واهيةً بنظرٍ سطحيٍّ على تفرُّعاتٍ من "الكلمة العاشرة"؛ وإنَّ الأجوبة التي أجابَ بها عبدُ المجيد معظمُها كافٍ باستثناء موضعين اثنين، أجاب فيهما على سؤال الرجل السَّطحي بجواب سطحيٍّ أيضًا، وهما:
أحدهما: قال ذلك المفتي: "إنَّ حقائق "الكلمة العاشرة" لا تتوجَّه للمُنكِرين، لأنها مؤسَّسةٌ على الصفات الإلٰهيّة والأسماء الحسنى"، فكان جواب عبد المجيد: "إنها حمَلَت المُنكِرين على الإيمان والإقرار عبر الإشارات الأربع التي تسبقُ الحقائق؛ وبعد ذلك سرَدَت لهم الحقائق".
والجواب الحقيقي: أنَّ كل حقيقة من الحقائق تُثبِت ثلاثة أشياء في آنٍ واحد، وهي: وجود واجب الوجود، وأسماؤه، وصفاتُه، ثم تبني الحشرَ على تلك الأمور
— 386 —
وتُثبته؛ فبإمكان كلِّ شخص من أعتى المنكرين إلى أخلص المؤمنين أن ينال حظَّه من كلِّ حقيقة، لأنها تَلفِتُ الأنظارَ إلى الموجودات والآثار.
فتقول: إن في هذه الموجودات أفعالًا مُنتَظِمة، والفعل المُنتظِم لا يمكن أن يكون بدون فاعل؛ إذًا فلها فاعل.. ولمّا كان ذلك الفاعل يؤدِّي فعلَه بميزان وانتظام، لَزِم أن يكون حكيمًا وعادلًا؛ وحيث إنَّه حكيم فهو إذًا لا يقوم بأفعالٍ عبثيّة؛ وإذا كان يؤدِّي العملَ بالعدالة فهو إذًا لا يُضيِّع الحقوق سُدًى.. وما دام الأمر كذلك فلا بد إذًا من محشرٍ أكبر ومحكمة كبرى.
فالحقائق تسير وفقَ هذا المنوال، ولأنها مُجملَة فهي تُثبِتُ الدَّعاوى الثلاثَ دُفعةً واحدة، فيَعجِزُ النظر السطحيُّ عن تمييز ذلك؛ علمًا أنَّ كلَّ حقيقة من تلك الحقائق المُجمَلة قد فُصِّلت ووُضِّحت بكمال الإيضاح في الرسائل والكلمات الأخرى.
الجواب الثاني الناقص الذي أورده عبد المجيد هو: أنه قام بمسايرة السُّؤال الخطأ الصادر من ذلك الفاضل، وقد أخطأ إذ قَبِل بهذا الخطأ؛ لأنه لم يُذكَر في حاشية "الكلمة العاشرة" أن الاسم الأعظم هو عبارة عن مرتبة مّا لكل اسمٍ فقط، بل ذكرنا في مواضع كثيرة: أن الحشر يتظاهر من الاسم الأعظم ومن المرتبة العظمى لكل اسم، فمع إثبات هذه الكلمة للاسم الأعظم، إلا أنَّ لكلِّ اسمٍ مرتبةً عظمى أيضًا، فكما حظي الرسولُ الأكرم (ص) بمظهريّة هذه المراتب، فكذلك الحشر الأعظم يتوجَّه إليهم.
فمثلًا: اسم "الخالق" له مراتبُ كثيرة، ابتداءً من كونه سبحانه وتعالى خالقي، حتى المرتبة العظمى المتمثِّلة في كونه خالقَ كلِّ شيء.
وبغَرَضِ ردِّ وجودِ مرتبةٍ عظمى لكل اسم وتزييفه، قال ذلك الفاضل المُتشكِّكُ: إنَّ هذا من أفكارِ فلاسفة المُتصوِّفة. والحالُ أنَّ الصِّدِّيقين من المُحقِّقين وفي مقدِّمتهم الإمام الأعظم والإمام الغزّالي وجلال الدين السُّيوطي والإمام الرَّبّاني والشاه الگيلاني وغيرهم، رأى كلُّ واحدٍ منهم الاسم الأعظم بشكل مختلف، فقال الإمام الأعظم: هو العدل والحَكَم.. وهكذا.
— 387 —
وعلى كل حال.. فهذا القدر من الحديث عن هذه المسألة كافٍ، غير أنَّ انتقادات ذلك الفاضل السطحيّة جعلتني مسرورًا من ثلاثة أوجه:
الأول: أنه أراد النقد فلم يتمكَّن من ذلك، ممّا يُؤكِّد أن حقائق "الكلمة العاشرة" غيرُ قابلةٍ للنَّقد؛ إلّا ما كان موجَّهًا إلى بعض العبارات في الفرعيات.
الثاني: أنه أثار هِمّة عبد المجيد الفطن الهُمام ليُصبح رفيقًا متيقِّظًا نشيطًا ولائقًا بخلوصي إن شاء الله.
الثالث: أن ذلك الفاضل راغبٌ في الرسائل، ولهذا انتقد، إذ الذي لا يرغب في شيء لا يهتمُّ به؛ لذا سيستفيد من الرسائل في المستقبل استفادةً تامّةً إن شاء الله.
فأرجو منك أو من عبد المجيد صياغةَ ملخَّص جيِّد لهذه النكتة، وإرسالَه إلى ذلك الفاضل، مع سلامي وامتناني له.
بلِّغ سلامي للحافظ عمر أفندي إمامِ منطقتكم، وقل له: "إنني قبِلتُه في عداد الطلاب"، وبلِّغه شروط التلمذة..
يُسعدني كثيرًا استماعُ والدكم وفتحي بك والأستاذ عبد الرحمن بشكل جادٍّ للكلمات.. إنني أدعو لهم وأرجو منهم أن يدعوا لي.
إن الفاضل الذي يحمل اسم "سَيْدَا" ليس ذلك الشخص الذي ينتسب إليه والدكم، بل هو شخصٌ مشهورٌ معتبَرٌ جاء قبله.. يُقرِئُكم السلامَ جميع إخواني، وفي مقدِّمتهم صبري وسليمان وتوفيق.
أخوكم سعيدٌ النُّورْسيّ
٭٭٭
— 388 —
﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ﴾
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته بعدد عاشرات دقائق أيام الفراق..
أخي العزيز الوفي.. أُرسِلُ إليك هذه المرّةَ القسمين الثالث والخامس من المكتوب التاسع والعشرين. وفي القسم الثالث سِرٌّ ما، فقد أُلِّف في غاية السُّرعة، وخرج بهذا الشكل الذي ترونه في مدة لم تتجاوز ساعةً واحدة من شهر رمضان، رغم مرضي أنا والفاضل الذي يُعاونني في الكتابة، ممّا حيَّرنا وأثار عجَبَنا نحن أيضًا؛ وأدركنا بذلك صوابَ نيَّتِنا حولَ كتابة القرآن، ولزومَ هذا الأمر، ولولا ذلك لم يصدُر بهذه الطريقة.
كما أرسلتُ الجزأين الرابع والخامس من ذلك المكتوب، ليكونا أيضًا دليلًا قطعيًّا للتوافقات التي في "المعجزات الأحمدية"، فقد وجدنا فيهما توافقًا عجيبًا يفوقُ مأمولَنا بكثير، رغم أنَّ التدقيق فيهما جاء بعد عامين، ورغم أنهما نُسِخا من المُسوَّدة الأصلية عقبَ تأليف الرسالة ومن قِبَل ناسخٍ غِرٍّ قليلِ الخبرة، لدرجة أنَّه كتَبَ بدل الصَّلوات رمزَ "ع ص م"!
بعدها قلتُ لناسخٍ آخر أقلَّ خبرةً منه: أَعِد كتابةَ هذه النسخة كما هي، وضَعْ كلمات "الرسول الأكرم ع ص م"، و"القرآن" باللون الأحمر. والحال أن هذا الناسخ الثاني كان قليلَ الخبرة جدًّا، فأفسد قسمًا من التوافق الموجود في نسخةِ سلَفِه وأخلَّ بلطافتها، وذلك لأنه تعلَّق بها شعوريًّا؛ ورغم ذلك تظلُّ حُجّةً للتوافق أيضًا، فقوموا بتبييضها لأنفسكم تبييضًا حسنًا، واحتفظ أنت بصورةٍ من المُسوَّدة الأولى عندك أو عند عبد المجيد.
نعملُ الآن بحمد الله على كتابة عدة مصاحف تُظهِر للعِيان جزءًا من مئتي جُزءٍ لإعجاز القرآن المُعجِز البيان، وقد شارف أحدُها على النهاية؛ ويُشاهَد فيه توافقُ (٢٨٠٦) من ألفاظ الجلالة في أسلوبِه الغيبيِّ، باستثناء واحد بالمئة منها؛ واخترنا كتابة لفظ "الله" باللون الأحمر حتى يقول كلُّ من يُشاهدها: "إنني أرى إعجاز القرآن بأُمِّ عيني".
— 389 —
وسيحافظ هذا الجزءُ من الإعجاز على الخطِّ القرآني، ويُنقِذه من التحريف بإذن الله.
وقد قسَّمتُه على إخواني ذوي الأقلام الألماسية، فكان أخونا حقِّي أفندي هو الأوَّلَ فكتب الجزء الأول، ولديه رغبة شديدة بكتابة الجزء الثاني والثالث بدلًا عنك.
أبعث بسلامي لكلِّ من لهم صلةٌ بالكلمات، وفي مقدِّمتهم والداك وفتحي بك والأستاذ عبد الرحمن وتلميذي الجديد الإمام عمر أفندي، وأدعو لهم جميعًا وأرجو دعاءَهم.
وبشِّر المفتي الأسبق كمال أفندي بأنَّ كلَّ ساعة من عُمُره الذي يُمضيه مع المرض يعدلُ عبادة يوم كامل؛ وهذا الأمرُ هو أجلُّ صور الحياة في هذا الزمان؛ وإننا نتضرَّع إلى الحضرة الإلٰهيّة أن يكتب له الخير، وسنظلُّ ملازِمين للدعاء، والأدعيةُ من أمثاله مُجابة، فألتمسُ منه أن يدعوَ لي.
إن الأستاذ عبد الرحمن وفتحي بك مخصوصان بالأدعية من بين طلابي، ولهما سهمٌ من أدعيتي، فليدعُ كلٌّ منهما لي كذلك.. وكان لي طالبٌ قديم اسمُه "عمر"، واليومَ أصبح عمر أفندي الذي عندك رفيقًا له في الدعاء.
الباقي هو الباقي
أخوكم سعيدٌ النُّورْسيّ بن مِيرْزا
٭٭٭
القسم الرابع من المكتوب التاسع والعشرين طويل، ولا يوجد منه سوى نُسخةٍ واحدة فقط، لذا لم أستطع إرسالَه هذه المرة.. وهذا القسم مؤلَّف من (٣٨) صحيفة، إلا أنَّه بمثابة مرآةٍ لإعجاز القرآن بشكل مباشر، وذو أهمِّيّة كبيرة.
يُسلِّم عليكم الجميع، وفي مقدِّمتهم صبري وسليمان وخسرو وبكر وتوفيق وغالب.
— 390 —
وقد صحَّحتُ الجزء الرابع من المكتوب التاسع عشر حتى قسم: "الإشارة الخامسة عشرة" ذات النِّكات، فاستوجب الأمرُ إرسالَه بسرعة، ولم أجد الوقتَ الكافي لأُصحِّحه كاملًا.. فقابِل أنت أوَّلًا القسمَ الذي يلي "الإشارة الخامسة عشرة ذات النكات" مع النسخة الموجودة عندك، وصحِّحه، ثمَّ بيِّضْه بعد ذلك.
وقد لاحظتُ توافقًا عجيبًا في المسألة السابعة من المكتوب الثامن والعشرين، فقد ورد حرف الألف في بدايات تسعة وعشرين سطرًا من صحيفتين كاملتين یی باستثناء السطر الذي في المقدِّمة یی بشكل غير شعوريٍّ ولا اختياريّ! لتُخبِرَنا حروف الألف هذه أنَّ ثمّةَ إشارةً غيبية مُهِمّة، من المكتوب الثامن والعشرين إلى المكتوب التاسع والعشرين.
وسنُرسل لكم نموذجًا منه فيما بعد.
سعيدٌ النُّورْسيّ
٭٭٭
(فقرة سعيدٌ النُّورْسيّ):
باسمه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخي العزيز الوفي الصادق، وصاحبي الجادَّ الشجاع..
سبق أن سأَلتَني سؤالًا ولم أُجب عليه جوابًا مفصَّلًا لانشغال ذهني حينها بأمر آخر، وهو أنَّه ورد في مقدمة حواشي القرآن الحكيم أن عدد آيات القرآن (٦٦٦٦) آية، فهل يُعدُّ هذا الأمرُ إشارةً إلى أن الأنوار القرآنية والحقائق الفرقانية سوف يجري حُكمُها على وجه الكرة الأرضية (٦٦٦٦) عامًا بالأيام الشرعية؟
فأُخطِر إليَّ بعدها أن سؤال عاصم ذو أهمية، فأَجِب عليه؛ وبناءً على هذا الإخطار سأوضِّح بعضَ الأمر في ثلاثة أُسُس:
— 391 —
الأساس الأول: كما أن النور المُحمَّدي والحقيقة الأحمدية هما فاتحة ديوان النبوة وخاتمتُه، وأن جميع الأنبياء يستفيضون من هذا الأصلِ المُنير، وباتوا بحُكم أعوانه ووُكلائِه في نشر حقيقةِ دينه، وأن النور الأحمدي (ص) قد تظاهر مُتسلسِلًا بدءًا من جبهة آدم عليه السلام وصولًا إلى ذاتِه المباركة، وانتقَلَ يَنشُرُ النُّورَ حتى استقرَّ في شخصِه على الوجه الأتمّ.. وكما أنَّ الماهيّة الأحمدية المعظَّمة أصبحت النواةَ الأصليةَ والثمرةَ الأكملَ والأخيرة لشجرة الكون، كما أُثبِت بصورة قطعيّة في "رسالة المعراج"..
كذلك الحقيقةُ القرآنية نشَرَت أنوارها مع الحقيقة المحمدية (ص) مُتسلسِلةً في صحف الأنبياء وكتُبِهم، من لدن آدم حتى بلغت غايةَ الكمال في نسختها الكبرى ومظهرها الأتمِّ في صورة القرآن العظيم الشأن.
وقد اتفق أهلُ التحقيق وأرباب الحقيقة على أن أصول أديان جميع الأنبياء وأُسُس شرائعهم وخلاصاتِ كتُبِهم موجودةٌ في القرآن، وبناءً على هذا السِّرِّ فإنَّ عدد الآيات يُشير إلى أن الحقيقة القرآنية التي تَنشُر أسرارَ الدِّين الإسلامي، سوف تَنشُر أنورَاها على وجه الأرضِ تحت حُجُبٍ وأستار مختلفة، إلى نحوِ سبعة آلاف عام كما ورد في الروايات المشهورة، فيكون الناتج (٦٦٦٦) سنة بعد اطِّراحِ أيام زمنِ الفترة المُطلَقة من عدد الأيام الشرعية التي تبدأ من زمان آدم إلى قيامِ السّاعة.
الأساس الثاني: من المعلوم أن الكرة الأرضية بدورانها على محورها تُنتِج الليلَ والنهار، وبدورانها على مدارها السَّنوي تحصل السنوات؛ وكذلك سائرُ السَّيارات مع الشمس، بل حتى الثوابت وشمس الشموس، لكلٍّ منها دورانٌ حول محورها يُظهر أيامَها، ودوارن حول مدارها يُظهر سنواتها.
والدليل على إرادة خالق الأرض والسماوات لتلك الأيام والسنوات أيضًا في خطاباته الأزلية ما ورد من الآيات في الفرقان الحكيم أمثال: ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ، تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ، فهذه الآيات تُثبِتُ هذا الأمر.
— 392 —
أجل، هنالك أيامٌ ربّانية ابتداءً من اليوم الذي تقتصرُ مدَّتُه على أربع ساعات فقط من الطلوع حتى الغروب، وذلك في مناطق الشَّمال وفي أوقات الشتاء؛ ومرورًا بالأيام التي تمتدُّ لثماني أو تسعِ ساعات فقط في أيام الشتاء في هذه الأماكن؛ وبالأيام التي تستغرقُ حوالي شهرٍ كامل من دوران الشمس على محورها، وباليوم المكوَّن من ألف سنة لشمس هي أكبر من شمسنا، والتي أطلق عليها الفلكيُّون اسم "الشِّعرى" ووَرَد التصريحُ بها في القرآن بعبارة: رَبُّ الشِّعْرَى، ووصولًا إلى اليوم المكوَّن من خمسين ألف سنة ناتج عن دوران شمس الشموس على محورها.
فحينما يتحدَّث ربُّ تلك السماوات والأرضين، وخالق شمس الشموس والشِّعرى، فإنه يذكر تلك الأيامَ في كلامه القدسي المُوجَّه إلى أجرام تلك السماوات والأرض وعوالمها، وذِكرُه هذا في محلِّه تمامًا.
وما دام للأيام على لسان الشرع مثلُ هذه الإطلاقات، فلو سلَّمنا بقولِ أرباب علم طبقات الأرض والجغرافيا وتاريخ البشرية من أنه مضى على البشر لا سبعة آلاف عام فحسبُ، بل مئات آلاف السنوات، فإن هذا القول لا يكون مُنافيًا لصِحّةِ الروايات المشهورة من أن عُمُرَ البشر من لدن آدم حتى قيام الساعة سبعة آلاف عام، ولا مُنافيًا لما أوضحنا من أنَّ حُكم نور القرآن امتدَّ لی(٦٦٦٦) عامًا، لأن للأيام الشرعية حكمًا وشمولًا ابتداءً من أربع ساعات حتى خمسين ألف سنة، فلا مطعَنَ في هذا الأمر.
لكن لم ينكشف حاليًا لقلبي وفي هذه اللحظة: أيُّ هذه الأيام هو المقصودُ في تلك الروايات المشهورة، ما يعني أن كشف ذلك السِّرّ أمرٌ غير مناسب.
الأساس الثالث: "لا يعلم الغيب إلا الله" سأعرضُ قضيةً في هذا الأساس، لكن لا يمكنُني الآن إظهارُ دليلها؛ وهي على النحو التالي: إن لهذه الدنيا عُمُرًا، وللكرة الأرضية التي فيها عُمُرًا آخرَ أقصرَ من عُمُرِها، وللنوع الإنساني الذي يعيش على هذه الكرة الأرضية عُمُرًا آخر أقصر من عُمُرِها.. فبين أعمار هذه الأنواع الثلاثة من المخلوقات المُتداخِلة في بعضها نسبةٌ كالنسبة التي بين المُسنَّنات التي تَعُدُّ الثواني
— 393 —
والدقائق والساعات داخلَ الساعة؛ فكما أن عُمُرَ نوع الإنسان يُحسَبُ بالأيام الناتجة من حركتي الكرة الأرضية، فمِن غير المُستبعَد على الحكمة الربانية أن يتشكَّل عمُرُ الأرض یی ابتداءً من اللحظة التي صارت فيها مظهرًا لوجود ذوي الحياة یی من الأيام الناتجة من حركة الشمس على محورها، والتي هي مركزُ ارتباطها؛ وكذا عمر الدنيا يُحتَسَبُ من الأيام الناتجة من الحركة المحورية لشمس الشموس.
وفي هذه الحالة: فإن كان عُمرُ النوع الإنساني سبعةَ آلاف سنة بالأيام الأرضية المعلومة، فحينها يكون عُمرُ الكرة الأرضية من اللحظة التي صارت فيها منشأً لذوي الحياة حتى خرابها يتجاوز مئتي ألف عام بالأيام الشمسية؛ أما عمر الدُنَى المنفصلة عن عالم البقاء، والناظرة إلى كرتنا الأرضية، والتابعة لشمس الشموس، وباعتبار كلِّ يوم من أيام شمس الشموس خمسين ألف سنة كما أشار إليه القرآن، فتكون حينها سبعة آلاف عام من تلك الأيام تساوي حوالي (١٢٦) مليار سنة.. (حاشية): لقد جرى هذا الحساب ذهنًا خلال دقيقة واحدة، وذلك بشهادة الحافظ الشامي ومصطفى من "قُولَه أونو" وصاحبه الحافظ مصطفى. (وذلك باحتساب السنة (٣٦٠) يومًا، فإن وُجد خطأٌ فلا يُلتفَتُ إليه). ما يعني أنه يمكن أن تكون هذه الأعمار أيضًا داخلةً في الأيام القرآنية التي يُعبَّر عنها بالأيام الشرعية.
أجل، إن ورود هذه الأيام في خطاب خالق الأرض والسماوات الموجَّه إلى الأرض والسماوات، وفي أثناء خطابه لشخصية هي سببُ خلق الأرض والسماوات، وهي نواتُها الأصلية وآخر ثمراتها وأكملُها.. يليق بعلوِّ القرآن وكمال المخاطب، وهو عين البلاغة. (والعلم عند الله، والله أعلم بأسرار كتابه).
﴿ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ﴾
سعيدٌ النُّورْسيّ
٭٭٭
— 394 —
المسألة الثالثة للمذكرة الخامسة عشرة
أيها الإنسان، وأي نفسي.. اعلم يقينًا أنَّ ما أنعم الحق سبحانه به عليك من بدنك وأعضائك وجسدك ومالك وحيواناتك، هي إباحة لا تمليك، بمعنى أنَّه وضع مُلكَه بين يديك لإفادتك، وأباحه لك على وجه الانتفاع، ولم يملِّكه لشخص مثلك عاجزٍ حقيقةً عن إدارته وجاهلٍ عن تدبيره، لأنه لو ملَّكَك إياه لاستوجب هذا أن يترك إدارتَه لك!
فيا عجبًا! مثلُك يعجِزُ عن إدارة المَعِدة التي هي أسهل إدارةٍ وأظهرُها، وداخلة ضمن دائرة الاختيار والشعور، فكيف يمكن أن تكون مالكًا للعين والأذن وأمثالهما من الحواس التي تستدعي إدارة خارجة عن دائرة الاختيار والشعور؟
فما دامت الحياة ومتطلَّباتها التي مُنِحَت لك ليست للتمليك بل للإباحة، فما عليك إلّا العملُ وفق دستور الإباحة؛ مثَلُك في ذلك كمَثَل مُضِيفٍ جوادٍ يدعو الضيوف إلى مأدُبةٍ، ويبيحُ لهم في مجلس ضيافته الانتفاعَ بالضيافة والأشياء الأخرى من دون تملُّكِها، فقاعدة الإباحة والضيافة هي التصرُّف حسَبَ رضا القائم بالضيافة، ولا يمكن في هذه الحالة الإسرافُ فيما أُبيح للضيف، ولا إكرامُ أحدٍ بشيء منه، ولا رفعُ أشياءَ من المائدة وتقديمُها صدقةً للآخرين، ولا رميُها وإتلافُها، إذ لو كان تمليكًا لكان يستطيع أن يتصرَّف فيه وفقَ رغباته وأهوائه.
فكذلك الأمر هنا تمامًا، فالحياة التي منحك الحق سبحانه إياها في صورة الإباحة لا يجوز أن تنهيها بالانتحار، ولا يجوز أن تفقأ عينك، ولا أن تصرف بصرك إلى الحرام في خارج رضا من منحك العين، إذ يُعدُّ ذلك إعماءً معنويًّا للعين؛ وكذا الأذن واللسان وما شابهها من الجوارح والحواس والأجهزة لا يجوز قتلُها معنًى بالخوض في الحرام؛ ولا يجوز لك أن تعذِّب حيوانًا لا يُؤكَل لحمُه وتقتله دون حاجة.
— 395 —
وهكذا يجب أن تتصرف بجميع النعم التي مُنحَت لك وفق قوانين الشريعة التي حدَّدها الكريم ذو الجلال صاحب المضافة الدنيوية هذه.
سعيدٌ النُّورْسيّ
٭٭٭
باسمه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخي العزيز رأفت بك..
تلقَّيتُ رسالتك وكتابك بكل سرور وامتنان.. وأحسستُ فيك روحَ أحد طلابي "خلوصي بك" الذي أُكنُّ له حبًّا عميقًا، وقد قبِلتُك كتلميذٍ قديمٍ مثل خلوصي ولا طالبًا جديدًا؛ وإنَّ خاصِّية هذه التلمذة هي: أن يَعُدَّ "الكلمات" المؤلَّفة كأنها مِلكُه وهو صاحبُها، وأن ينظر إليها كأنه هو الذي ألَّفها وكتبها، فيسعى جاهدًا في نشرها وإبلاغها إلى مَن هم أهلٌ لها.
خطُّك جميل، ما شاء الله! فإن كان لديك مُتَّسع من الوقت فاكتب بعضًا منها؛ ويقوم بالكتابة قسم من الطلّاب الجادِّين أمثال "خسرو"، فخُذ منهم وشاركهم في عملهم.
ومنذ ستِّ سنوات وأنا أنتظر أن يظهر في "إسبارطة" طلَبةٌ جادُّون، وقد ظهر الآن عددٌ منهم وأنت أحدُهم بفضل الله ومنَّته، إنَّ تلميذًا واحدًا يَرجَحُ على مئة صديق.
أما الأنوار القرآنية المُسمّاة بی"الكلمات" فهي من نوع العبادة التفكُّرية التي تُعَدُّ من أهمِّ العبادات. والوظيفة الأهمُّ في هذا الزمان هي خدمة الإيمان، فالإيمان مفتاح السعادة الأبدية.
الباقي هو الباقي
أخوكم سعيدٌ النُّورْسيّ
٭٭٭
— 396 —
باسمه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخي الجادَّ الوفي المدقِّقَ الصادقَ: رأفت بك..
أسأل الله أن يبارك لك في حياتك الزوجية الجديدة، وأن يجعل رفيقةَ دَربِك مظهرًا للوعد والصفات الواردة في رفيقة الحياة، ضمن الإشارة الثالثة التي في أواخر الموقف الثالث من الكلمة الثانية والثلاثين.. آمين.
إن رسالتك هذه المرة لطيفة جدًّا، وسوف أُدرِجُها بين فقرات أصحابك ضمن "المكتوب السابع والعشرين"؛ ولو اغتنمتَ بعضَ الفُرص السانحة بالكتابة فهو حسن؛ وستوقظُ فيك حياتُك الزوجية الجديدة شوقًا وحافزًا جديدًا تجاهَ حقائق الرسائل إن شاء الله.
أخي.. إن لك ولخسرو ولعاصم مكانةً كبيرة عندي، فأسأل الله لكم ولأمثالكم الثباتَ وكمال التضحية، ودوامَ الوفاء وحُسنَ التوفيق في خدمة القرآن.. آمين.
سلامي لإخواني هناك أمثال الشيخ مصطفى ولطفي ورشدي.
الباقي هو الباقي
أخوكم سعيدٌ النُّورْسيّ
٭٭٭
باسمه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخي في الآخرة العزيز الجادَّ الوفي، وصاحبي الهُمام في الخدمة القرآنية: رأفت بك..
سُرِرتُ برسالتك كثيرًا.. اعلم أنَّ أُخوّةً جادّة حميمةً جمَعَتنا قبل عامين، إلّا أنَّ بعض الموانع والعوارض حالت دون تقدُّمها، فأُبشِّرُك بأنها بدَأَت تتقدَّمُ اليوم، لأن
— 397 —
خسرو أوضح لي في رسالته أنَّه راضٍ عنك، ويَصِفُك بعد عودتي من "بارلا" على النحو الذي أرغبُ فيه، ما يعني أنك اتَّحَدتَ معه وتشاركُه في عمله بصورةٍ تامّة، فحاوِل قدرَ المُستطاع تقويةَ علاقتك به.
كما أنَّ أهمَّ وظيفة لكلِّ تلميذ خاصٍّ هي تعليم القرآن لأحد الأطفال، وها قد شرعتَ بأداء هذه الوظيفة؛ وما دُمتَ من الطلاب الأوائل فسيكون ابنك أيضًا من الأوائل إن شاء الله؛ وما دام ابنُك من أولادي المعنويِّين، فنصفُ الدرس الذي تُعلِّمُه باسمك والنِّصفُ الآخر على حسابي.
أمّا رُؤياك فهي مباركة جدًّا، وتعبيرُها ظاهرٌ جدًّا: فإسبارطة عبارة عن جامع، والشخصية المعنوية للهيئة المُسانِدة بصدقٍ لی"خسرو ورأفت ولطفي ورشدي وغيرهم" أُرِيتَها على صورة "سعيد"، وأما درسُ رسائل النور الذي تُلقيه فأُظهِرَ لك في صورة وعظٍ وإرشاد.
وأما تأخُّرك بسبب عدم أداء الصلاة واستعجالُك حتى تُدركَ الدرس، فتعبيرُه أن بعض وظائفك الدينية التي تُؤدِّيها خارج سياق نشر "الكلمات" تُورِثُك شيئًا من الكسل، وتُبقِيك في المرتبة الثانية في الدرس الذي حقُّك أن تنال فيه المرتبة الأولى.
على كل حال.. إنني اليوم راضٍ عنك تمامَ الرِّضا، وسائر الإخوة هناك.. فأسألُ اللهَ تعالى أن يرزقنا وإياكم الثبات على طريق الحق في خدمة القرآن.. آمين. سلامي لوالد زوجتك الحاج إبراهيم أفندي، وأدعو كثيرًا لأختي ولبدر الدين.
الباقي هو الباقي
أخوكم سعيدٌ النُّورْسيّ
٭٭٭
— 398 —
باسمه سبحانه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخي العزيز الوفي الهُمام..
لقد فهمتُ من سليمان أفندي أنك تُعاني بعضَ المشاكل الخاصّة، وأجد من نافلة القولِ أن أُوصيَ أمثالَك من أهل الثَّبات بالصبر.. وفي تقديري أنَّ شرفَ الخدمة، وما تنطوي عليه من الأذواق، والحافز الكبير الذي في همَّتك، كلُّ ذلك سيكون عونَك في مواجهة تلك المشكلات الخاصة الأليمة، وفي التغلُّب عليها.
فاجتَهِد في عدم الاكتراث للأمر، فصاحبُ الحانوتِ الذي يضمُّ بضاعةً قيِّمة لا تشوبُها شائبة، ليس بحاجة لاستجداء الزبائن؛ فإن كان للمشتري عقلٌ كان هو الذي ينبغي أن يُناشد ويسترضي.. وبسرِّ: "خيرُ الأمور أَحمَزُها"، فإن الخيرات العظيمة تُواجِهُ مشكلاتٍ كثيرة، وكلَّما كثُرت المشاكل ازداد أهلُ الحمية ثباتًا وإصرارًا لا فتورًا وإعراضًا، وأنت بإذن الله من أولئك الأثبات.
الباقي هو الباقي
أخوكم سعيدٌ النُّورْسيّ
٭٭٭
باسمه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخي العزيز الوفي: رأفت بك..
أنت اليوم تُتابع الرسائل وتكتُبُها على الوجه الذي كنتُ آمُلُه، ما شاء الله! وإنَّ السعيَ القليل من أمثالك له حُكمُ الكثير، لأن الكثيرين يثقون بك، ويحاولون تقليدَك..
ومع وجودِ إخوانٍ جادِّين مثلَك، صارت بلادُ الغُربة هذه في حُكمِ وطنٍ حقيقيٍّ
— 399 —
لي، بل وأنسَتْني موطني الأصلي؛ وإن مصدر علوِّ المؤلَّفات وسموِّها یی بعد القرآن الذي هو مأخَذُها ومعدِنُها القدسيُّ یی نابعٌ من وجود مخاطَبِين أمثالِكم يُدرِكونها حقَّ الإدراك، ويشتاقون إليها اشتياقًا جادًّا؛ فلئن شكَرتَ الله مرّةً واحدة لأنك وجدتَني، فإنني أشكرُه ألفَ مرّةٍ لأنني وجدتُك.
تسألُ في رسالتك عن الاسم الأعظم.. إن الاسم الأعظم مخفيٌّ كخَفاء الأجَل في العمر وليلة القدر في رمضان؛ ولِاستتارِه ضمن الأسماء حِكَمٌ عظيمة، وفي نظري أن الاسم الأعظم الحقيقيَّ مخفيٌّ لكن يُعرَّفُ للخواصِّ فقط، غير أنَّ لكلِّ اسم مرتبةً عظمى تجعلُه بمثابة الاسم الأعظم.
ولأجل هذا السِّرِّ تبايَنَت ترجيحاتُ الأولياء للاسم الأعظم، فالاسم الأعظم عند الإمام علي رضي الله عنه في ستَّة أسماء، كما ذَكَر في أرجوزته المُدرَجة في "مجموعة الأحزاب"، وقد شرح الإمام الغزّالي في رسالة له باسم: "جنّة الأسماء" هذه الأسماء السِّتة التي ذكرها سيِّدُنا عليّ، والتي تحيط بالاسم الأعظم، وبيَّن خصائصَها، وتلك الأسماء هي: "فرد، حيٌّ، قيُّوم، حَكَم، عدلٌ، قُدُّوس".
لقد صحَّحنا القسم الثاني من "الكرامات الغيبية"، وأضفنا إليها قسمًا آخر، وأرسلتُها إليك.
إن التقدُّم السريع لی"بدر الدين" نابعٌ من فيض كرامة القرآن الحكيم.. أسأل الله له التوفيق.
بلِّغ سلامي الخاصَّ للحاجِّ إبراهيم أفندي، كما أُسلِّمُ على لُطفي ورشدي والحافظ أحمد وسزائي، وأدعو لأُختي في الآخرة. وقد أدرجنا قسمًا من رسالتك هذه المرّةَ ضمن "المكتوبات".
الباقي هو الباقي
أخوكم سعيدٌ النُّورْسيّ
٭٭٭
— 400 —
باسمه سبحانه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخي العزيز الوفيّ، ورفيقي الصادق في خدمة القرآن: رأفت بك..
یی إن الرسالة التي نسَختَها هذه المرّة لطيفةٌ جدًّا، إذ أظهرت لي هِمَّتك ووفاءَك ومدى جِدِّيتِك، وأثبَتَت أن رأفت ليس بالرجل الكسول؛ وقد صحَّحتُها وأعدتُها إليك؛ وبعد ذلك سمعتُ أن الرجل الذي أخذها تركها في "إسلام كوي".
یی لم أجد الوقتَ الكافي لتأليف اللمعة الثالثة والرابعة من المكتوب الحادي والثلاثين، فأخشى أن يفوتَ أوانُها أيضًا مثلَما حصل في بيان سِرِّ الآية: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ، فلا تُؤلَّفَ بالطريقة المناسبة.
وإن اشتياق أمثالك يحملني على السَّعي في هذا السبيل بإذن الله، لكن هذه الشهور الثلاثة ذات أهمِّية عظيمة، لذا يجب الاشتغالُ بخير الأمور وأفضل الأعمال في هذا الوقت الذي يُنالُ فيه من المكاسب یی بسِرِّ ليلة القدر یی ما يوازي ثمانين عامًا من عُمُرِ الإنسان؛ وإن الاشتغالَ بالمسائل العائدة إلى القرآن هو في حُكم القراءة التدبُّرية للقرآن إن شاء الله، وباعتقادي أن في مطالعة الرسائل وكتابتها حظًّا من معاني العبادة والعلم والمعرفة والتفكر وتلاوة القرآن، ولعلَّك ممَّن يُقدِّر هذا الأمر جيِّدًا.
یی تمَّ الانتهاءُ من نسخ "المُعجزات الأحمدية" التي استكتَبتُها لأجلك، لكن يلزمُ استنساخُ نسخة أخرى على نسَقِها، ولذا ستبقى عندي مُؤقَّتًا.
یی في رسالتك ما يدلُّ على أنَّ الحافظ سزائي على صلة جدِّيّة بنا، ويهتمُّ بأمورنا؛ وكان لديَّ شعورٌ وجدانيّ بأننا سنجدُ يومًا ما في "إسبارطة" أخًا جديدًا وفيًّا لنا ونشيطًا كذكائي من "آغروس"، وسزائي هذا سيكون ذلك الشخص الذي شعرتُ به إن شاء الله، فبمجرَّد سماعي به تخيَّلتُ أنَّه هو؛ فإن كان الأمرُ كما تصوَّرتُ فهو خير، وإن لم يكن فليَجتَهِد حتى يكون كذلك؛ وإن كان لديه الفُضُول لمعرفة كيف
— 401 —
كان ذكائي، ففي المكتوب السابع والعشرين فِقراتٌ تُبيِّن ماهيّةَ ذكائي ومدى وفائه، فليُراجِعها.
یی بلِّغ سلامي الحارَّ لوالد زوجتك الحاجّ إبراهيم أفندي، وإنني قبِلتُه كأخٍ أُخرويٍّ جادٍّ، وله سهمٌ في سعيك وحظٌّ من هِمَّتك الجديدة بإذن الله تعالى.
وقد أدخلتُ بدر الدِّين رغم صِغَرِه في عداد التلامذة الكبار، فهو كبيرُ الصِّغار.. كثَّر الله من أمثاله؛ كما أدعو لوالدته، فلها يعودُ النصيبُ الأكبر في حُسن تربيته، فهي أستاذتُه الأُولى.
وبلِّغ سلامي أيضًا لباقي الإخوة أمثال: بكر آغا ولطفي أفندي والحافظ أحمد وسزائي.
الباقي هو الباقي
أخوكم سعيدٌ النُّورْسيّ
٭٭٭
باسم مَن تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخي العزيز الوفي..
أولًا: دفَعَك الفضولُ لتعرُّف ماهيّةِ الحادثة الجديدة، وإنَّ الرسالتين الطويلتين الموجَّهتَينِ إلى تلك النواحي تُبيِّنان لك ماهيَّتَها؛ وإن ضَرَبات آية: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ تنزل وستنزل كالصّاعقة على رؤوس المُتسبِّبين بهذه الحادثة، ولكنَّنا قومٌ عَجِلُون، ولكل شيء ميقاتٌ معيَّن؛ وهذه الحادثة تتوجَّه إلينا بنَظَرات الرحمة، وأمّا وجهُها المُواجِهُ للمُلحِدين فينظر إليهم نظَرَ القهر والعذاب، مصداقًا للآية: فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ.
— 402 —
وعلى كل حال، فكما أن الجنة ليست رخيصة، كذلك جهنَّم ليست زائدةً عن الحاجة.
ثانيًا: كنتُ أرغب بالاستماع إلى بدر الدين هاهنا، إلا أن الوقت لم يسمح بذلك؛ غير أنِّي أستمعُ إليه الآن معنًى وخيالًا من هناك.. إنه يمضي قُدُمًا بإذن الله من مرتبة الولديّة إلى مرتبة التلمذة.
ثالثًا: تَطلُب مني رسالةً بخطِّ يدي! قيل لرجل فاقدِ الشَّفتين: انفخ على المصباح لتُطفِئَه. فقال: تطلبون مني أمرًا بالغَ المشقّة! لا يُمكنني ذلك.
نعم، إن الله سبحانه وتعالى لم يرزقني جَوْدةَ الخطِّ، حتى إنني أشعرُ بالملل من مجرَّد كتابة سطر واحد وكأنه عمل مرهق؛ وكنت في السابق أقول في نفسي یی لا من باب التشكِّي یی: يا ربّ، رغم احتياجي إلى الخطِّ ومحبَّتي الشديدة لنظم الشِّعر، إلا أنِّي لم أُرزق هاتين النِّعمتين!
ثمَّ تبيَّن لي بعدها بشكل قاطعٍ أن حرماني من الشِّعر والخطِّ فيه إحسانٌ عظيم، فإن معاونة أمثالكم من أبطال الأقلام والكتابة تَسُدُّ هذه الحاجة، فلو كنتُ أجيد الكتابة لَاعتمدتُ على خطِّي، ولَمَا أُقِرَّت المسائلُ في روحي ونُقِشَت فيها؛ فأيُّما علمٍ شَرَعتُ بتعلُّمه قديمًا كنتُ أكتبُه في روحي بسبب رداءة خطِّي، فأُحسِن إليَّ بمَلَكة فوق العادة.
أما الشِّعر فرغم كونه وسيلةَ تعبيرٍ لطيفةً ومُهمّةً، إلا أنَّ الخيال يتحكَّم فيه بشكل كبير، فيختلط بالحقائق ويُغيِّر صُورتَها، وربَّما تداخَلَت الحقائقُ في بعض الأحيان؛ ولأنه قُدِّر لنا أن نكون في المستقبل في خدمة القرآن الحكيم التي تُعَدُّ حقًّا خالصًا ومحضَ حقيقة، فلهذا لم يفتح القدرُ الإلٰهيُّ لي بابَ الشِّعر عنايةً منه وتفضُّلًا، وسِرُّ الآية: وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ مُتوجِّهٌ إلى هذا الأمر.
قد ذكرتُ لك الآن نُكتتَينِ مقابلَ خطِّي، وسأكتب بيدي بضعةَ أسطر في وقت لاحقٍ إن شاء الله وأتكبَّدُ المشقّةَ لأجل خاطرك.
— 403 —
إن لی"غالب بك" يدَينِ يكتب بهما، فأعطاني اليُمنى منهما يكتب بها لحسابي، وبقيت له يدُه اليُسرى؛ وهذا المكتوب كُتب بهاتين اليدين.
يُسلِّم عليك مسعود وغالب وسليمان أفندي ومصطفى چاويش وعبد الله چاويش، وأُسلِّمُ أنا على جميع الإخوة وفي مقدِّمتهم خسرو وبكر بك، وأخُصُّ بسلامي والدَ زوجتك الحاج إبراهيم أفندي، وأختي المحترمة، وبدر الدين المبارك، وأدعو لهم جميعًا.
الباقي هو الباقي
أخوكم سعيدٌ النُّورْسيّ
٭٭٭
أخي في الآخرة العزيزَ الوفيَّ المُدقِّق، ورفيقي في خدمة القرآن..
أولًا: تسألُني في رسالتك عن سبب استهلالي مُقدِّماتِ كلِّ رسائلي بالآية: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ، والحكمة في ذلك: كونُها أوَّلَ باب فُتح لي من أبواب خزائنِ القرآن الحكيم القُدسيّة، فإنَّ الحقيقةَ أنَّ هذه الآية هي أوَّلُ ما ظَهَر لي من بين الحقائق القرآنية العالية، وقد سَرَت هذه الحقيقة في معظم الرسائل.
وثمّة حكمةٌ أخرى هي: أن أساتذتي الأجلّاء الذين أثقُ بهم قد استهَلُّوا بها رسائلَهم.
وتسألُني في رسالتك أيضًا عن الكبائر السبع، فأقول: إن الكبائر كثيرة، إلا أن أكبر الكبائر وأعظم الذنوب التي يُطلَق عليها "المُوبِقات" سبعُ كبائر: "القتل، الزِّنى، الخمر، عقوق الوالدين (أي: قطع صلة الرحم)، المَيسِر، شهادة الزور، تأييدُ البدع التي تَضُرُّ بالدِّين".
ثانيًا: كُنّا في هذا الصَّيف نُبيِّن نِكاتِ الحروف القرآنية المتعلِّقة بالتوافقات، والتي هي بالنِّسبة إلى الحقائق القرآنية أشبهُ بالثمرات؛ أمّا الآن فقد تبدَّلت الفصول، وازدادت الحاجةُ إلى الحقائق أكثرَ من الحروف، لذا اختَرنا ألّا نَطرُقَ هذا الباب
— 404 —
مؤقَّتًا حتى الصَّيف المُقبل؛ إلا أننا والإخوان تفاءَلنا بمدى كون البيانات العائدة إلى الحروف حقًّا من خلال "ديوان مولانا جامي"، وقُلنا: يا جامي، ماذا تقول في النِّكات التي بيَّنَّاها حول الحروف القرآنية؟
قرأنا الفاتحة، وفتحنا الفألَ، فظهر لنا في مقدِّمة الفأل الآتي:
جَامِى اَزْ خَطِّ خُوشَشْ پَاكْ مَكُنْ لَوْحِ ضَمِيرْ
كِينْ نَه حَرْفِيسْتْ كِه اَزْ صَفْحَهءِ اِدْرَاكْ رَوَدْ
أي: إن هذه الحروف ليست بالحروف العادية حتى تبتعد عن صحيفة العقل والإدراك، فحروفٌ قدسية مثلُ هذه، وخطٌّ حسنٌ كهذا، يجب أن تُكتَب على صحائف القلب، وألّا تُمحَى أبدًا.
والغريب في الأمر أنَّنا لم نجد في جميع ديوانه عبارةً بهذا المعنى وشبيهةً بهذا الفأل! ما يعني أن هذا الفأل نبذةٌ من كرامات "مولانا الجامي".
الباقي هو الباقي
أخوكم سعيدٌ النُّورْسيّ
٭٭٭
لقد استكتبتُ لك "المعجزات الأحمدية (ص)" بشكل جميل، وبخاصِّية التوافقات؛ وقد كُتبت لك نسخة منها مشابهة وموافقة تمامًا لنسخة قيِّمة كتبها لي خسرو بقلمه ذي الكرامات؛ وسأُرسلها لك قريبًا.
أحتاج إلى نسخة شبيهة برسالة "إعجاز القرآن" المكتوبة حديثًا، والموجودة عندك، لأن قلم الحافظ لم يتمكن من الحِفاظ على التوافقات الموجودة فيه.. فلو قسمتموها بينكم بشكل مشترك تحت إشراف خبير التوافقات خسرو، وكتبتم لي نسخة تذكاريةً من "إعجاز القرآن"، كان ذلك حسنًا.
٭٭٭
— 405 —
١٤ شوال ١٣٥٢، كانون الثاني ١٩٣٤
(٭): تاريخ ورودها إلى رأفت بك.
باسمه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخي الأُخرويَّ العزيزَ الوفي المدقِّق، وصاحبي المُتفكِّر الصدوق: رأفت بك..
أولًا: تتحدَّث في رسالتك أنك كلَّما قرأتَ موازينَ رسائل النور استفدتَ أكثر.
أجل يا أخي، إن تلك الرسائل هي بمثابة القوت والغذاء معًا، لأنها مُستمَدّة من القرآن؛ فكما يَستَشعر الإنسان الحاجة إلى الغذاء كلَّ يوم، كذلك يَستَشعر الحاجةَ إلى هذا الغذاء الروحي؛ فلا يسأم من قراءتها أمثالُك ممَّن ارتقت أرواحُهم وتيقَّظ قلوبُهم.
فالرسائل القرآنية إنَّما هي غذاء، وليست مجرَّدَ نوعٍ من التفكُّه كحال سائر الرسائل حتى تُورِث المللَ.
ثانيًا: هنالك أولياءُ كالغوث الأعظم، هم بعد مماتهم مظهرٌ لنوعِ حياةٍ شبيهةٍ بحياة الخضر، فالغوث الأعظم أكثرُ مظهريّةً للحياة من سائر أهل القبور، والسِّرُّ في ذلك أنَّ الاسم الأعظم الخاصَّ به هو: "يا حيُّ"؛ وكذلك مماتُ أقطابٍ عِظامٍ یی بعد حضرة الغوث یی هو بمثل حياتهم، كالقطبِ العظيم المشهور بی"معروف الكرخي"، والقطبِ الآخر الذي يُدعى "الشيخ حياة الحرَّاني"؛ وهذا الأمر مشتهِرٌ بين الأولياء.
ثالثًا: إنَّ عَزْم "الحدَّاد محمد أفندي" على التوجُّه لحفظ القرآن عزمٌ مبارك جدًّا، أسأل الله له التوفيق؛ وسنُعِينه بالدعاء قدر المستطاع؛ ففضلًا عن نيلِه بكلِّ حرف من القرآن العظيم الشأن عشرَ حسناتٍ على الأقل، كذلك كلَّما كرَّر التلاوةَ، وكلَّما وافَقَت التلاوةُ أوقاتًا مباركة، وكلَّما استمع لتلاوته المَلَكُ وسائر الروحانيِّين من ذوي الشعور، يصبح كلُّ حرف من حروفه بذرةً عظيمة تُنبِتُ من الحسنات سنابلَ معنويّةً
— 406 —
عظيمةً، وتغدو كلُّ حبّة منها أشبهَ بكلمة تخرج من الفم، وتتكاثر لتُشكِّلَ ملايينَ الكلمات المُتمثِّلة في مرايا تموُّجات الهواء.
كم هي مكرُمة عظيمة ظاهرة وبيِّنة أن يُنقَش في القلب كلامٌ مقدَّسٌ كهذا! يُمكن لكلِّ حرف من حروفه أن يغدو مفتاحًا لخزينة أبديّة! وسيُصبح "بدر الدين" بإذن الله قدوةً حسنةً للكثيرين، وسيحملُهم على حفظ القرآن.
أُهنِّئُ بالعيد جميعَ إخواني، وفي مقدِّمتهم "بدر الدين"، ووالدُ زوجتك الحاجُّ إبراهيم، وأختي في الآخرة؛ وأُسلِّم عليهم، وأدعو لهم.. وإن كان "باباجان" هناك فأبلغه سلامي أيضًا.
الباقي هو الباقي
أخوكم سعيدٌ النُّورْسيّ
٭٭٭
٥ شباط ١٩٣٤م
باسمه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخي العزيز الوفي المُدقِّق المشتاق: رأفت بك..
بقدر ما ترغب بمحادثتي أرغب بهذا الأمر أكثرَ، لكنَّني للأسف في حالة مضطربة ولأسباب عدّة؛ وحين أجدُ فرصة سانحة لساعة أو ساعتين، أغتنمها بكتابة سبعِ أو ثماني رسائل؛ وكان "غالب" يأتيني بين الحين والآخر، إلا أنَّه مُنع أيضًا، ولم يبقَ سوى الشاميِّ المسكين، وحتى هذا الشاميُّ لا يُمكنُه الحضورُ في كلِّ وقت.
كما أنهم يجترحون هذه الدواهي فيهاجموننا بها بطريقة وحشيّة، ويسعون لتضييق الخناق علينا كلما سنحت لهم الفرصة؛ على أنِّي ما كنت یی أصلًا یی آمُل خيرًا
— 407 —
من النُّوّاب، فقد تعرَّضوا لهؤلاء وتركوهم هنا دون أن يتَّخذوا قرارًا بنقلهم، ليصبحوا أعداءً لي.
إن هؤلاء يتسبَّبون بصرفِ ذهني إلى التفكير بالدنيا بكلِّ أسف، ممّا يؤدِّي إلى توقُّف طلوعاتي القلبية! وإن انشغال الفكر بدنيا أهل الدنيا يشكِّلُ سُمًّا لي.. ألا فلْتكُن وبالًا عليهم! إنَّني لا أتدخَّل بشؤون دنياهم القذرة، وأطلُبُ منهم ألّا يدفعوني للتفكير بها، إلا أنهم يأبَوْن ذلك!
وقد تضرَّعتُ إلى الحقِّ سبحانه أن يَمُنَّ عليَّ بجميلِ الصَّبْرِ وتجريدِ الذهن، كيلا أشغَلَ فكري بذلك، فورد إلى قلبي هذا الأصل: "مهما بلغت المشاقُّ التي نتعرَّض لها في هذه الخدمة القرآنية فنحن مستعدُّون للتضحية والتحمُّل، فلو كان لي عدّةُ رؤوس، وقُطع كلَّ يوم واحدٌ منها، فإن اللَّذّة الروحية في هذه الخدمة السّامية تُقابلُ هذا التعذيبَ وتُكافئُ هذه التضحية"، وهكذا اتَّخذتُ یی بحمد الله یی مرشدًا لي ودليلًا الدستورَ التالي: «الرِّضا بالقضاء، والاستسلامُ للقدر، وتفويضُ الأمور إلى الحق سبحانه مع كمال التسليم».
وإني أُخاطبك اليوم بما كنتُ كتبتُه إلى نوحٍ مِن قبل: كان في السّابق رجلٌ يتَّبعُ مسلكًا باطلًا، ويظنُّه مسلكَ حقٍّ، فامتُحن في سبيل ذلك، فأظهر إرادةً بطوليةً بصبره على سلخِ جلده وهو حيٌّ، وتحمَّل كلَّ ذلك الألم لأجل ما يُكنُّه لمسلكه من محبّة! فكيف باللَّذّة السّامية المتمثِّلة في خدمة الحقيقة القرآنية التي هي عينُ الحق ومحضُ الحقيقة، ومنبع جميع أنوار الحقائق ومعدِنُها؟! ألا تكون ترياقًا وبلسمًا لاعتداءات هؤلاء المُلحِدين التافهة المُؤقَّتة، وللجراح التي يُحدِثونها في قلوبنا؟! بالطبع كانت وستكون.
ثانيًا: إن سؤالك بحقِّ سيِّد الزيديِّين إمام اليَمَن، سؤال قيِّمٌ ذو أهمية ويُمْنٍ، إلّا أنه صادف وقتًا غيرَ ميمون، حيث وضعي لا يسمح، وذهني مشتَّت، و... و... إلّا أنني أقول: إن الإمامَ زيدًا المشهور، هو أحد السّادات العِظام، من أئمّة آل البيت الكرام، وهو
— 408 —
الذي ردَّ غلاة الشِّيعة المتعصِّبين بقوله: "اذهبوا، أنتم الروافض"، ولا يقرُّ ولا يرضى بالتبَیرُّؤ من حضرة أبي بكر وسيدنا عمر رضي الله عنهما، بل يجلُّهما ويُقِرُّ لهما بالخلافة؛ وأتباعُه هم أكثرُ الشِّيعة اعتدالًا وأقربُهم إلى السُّنّة، وهم طائفة تتحلَّى بالإنصاف والإذعانِ للحقِّ سريعًا؛ فكما سيَغدُو الزيديُّون سببًا لإعمار ما خرَّبه الوهّابيّة، سيستقيمُ یی بإذن الله یی عُدولُهم عن سبيلِ أهل السنة والجماعة، وسيلتحقون بأهل السُّنة ويمتزجون بهم.
إن آخِرَ الزمان هذا يَمُوجُ ويضطربُ كثيرًا، وفتنةُ آخرِ الزمان هذه تُشعِرُ بولادة أمورٍ عجيبة!
سلامي لأصحابي ذوي الصِّلة بالرسائل، ولبدر الدين، ولأختي، وللحاج إبراهيم؛ وأدعو لهم.
الباقي هو الباقي
أخوكم سعيدٌ النُّورْسيّ
٭٭٭
١٥ شباط ١٩٣٤م
باسمه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخي العزيز الوفي النَّبيه: رأفت بك..
أولًا: في نهاية الإشارة الأولى للكلمة العاشرة ورَدَت جملة: «أجل، إنَّ خَلْقَ كلِّ شيءٍ من شيءٍ واحدٍ، وخَلْقَ شيءٍ واحد من كلِّ شيء: شأنٌ خاصٌّ بخالق كلِّ شيء» ، وقد أُثبِتت هذه الجملةُ وأُوضِحت في نوافذ المكتوب الثالث والثلاثين، وفي الكلمات الإحدى عشرة للمكتوب العشرين.. وإن الكُلِّية الواردة هاهنا نسبيةٌ وعُرفية، فليس المقصودُ من: "خلق كلِّ شيءٍ من شيءٍ واحدٍ" خلْقَ جميع موجودات الكون وإيجادَها من شيء واحد، بل المقصود أنه سبحانه يَخلُق من شيءٍ واحدٍ یی أي: من قطرةِ ماءٍ
— 409 —
مثلًا یی كلَّ شيء من أمور الإنسان والحيوان، وكلَّ جزءٍ من أجزائه وعضوٍ من أعضائه، وأنه يَخلُق أيضًا من شيء واحد یی وهو التراب یی جميعَ لوازمِ النبات والحيوان.
كما أنَّ الكُلِّية التي في جملة: "خَلْقَ شيءٍ واحد من كلِّ شيء" مُقيَّدةٌ ونسبيّة، بمعنى أنَّ كلَّ نوع من أنواع الأطعمة التي يأكلها الإنسانُ يتحوَّل في جسده إلى جلد مديد ودم ولحم، وهكذا..
والحاصل المقصود من هذه الكُلِّية: أنَّ تحويل شيءٍ واحدٍ إلى أشياءَ مختلفةٍ، وصُنعَ شيءٍ واحدٍ من أشياءَ مختلفةٍ، إنَّما هو شأنٌ خاصٌّ بخالق كلِّ شيء لا غير.
ثانيًا: سُرِرتُ كثيرًا لكتابتك "منهاج السنة" بخطِّ يدِك، فإن قلَمَك يُؤنسُني كقلم عبد الرحمن رحمه الله.
ثالثًا: إن مباشرة "الحدَّاد محمد أفندي" بالحفظ أمرٌ مبارك جدًّا، أسأل الله له التوفيق؛ وسوف نُعِينُه بأدعيتنا، وليُساعِدْنا هو أيضًا بالدُّعاء كلَّما قرأ.
وإنني أدعو لبدر الدين ووالدته وجدِّه.
إن سزائي بك عندي كذكائي "إسبارطة"، ولي أيضًا رغبةٌ بلقائه، لكنَّنا نعيشُ هذه الأيامَ شتاءً ماديًّا ومعنويًّا؛ على أنِّي قلت لكم: لا أهمية لشخص "سعيد" حتى يُرغَبَ بمُجالسته ومُحاورته..
فأمّا "سعيد" الذي هو أستاذكم، فبإمكانكم مجالسَتُه ومحاورَتُه كلَّما فتحتُم رسالة من الرسائل؛ وأمّا "سعيد" الذي هو أخوكم في الآخرة، فهو معكم صباحَ مساءَ في محراب الدُّعاء والتضرُّع ببابِ الحضرة الإلٰهيّة؛ فيُمكن لسزائي بك أن يلتقيَ بأستاذه وأخيه في الوقت الذي يشاء.
أما شخص "سعيد" فالسماعُ به أفضل من رؤيته، بل ربما شَعَر بعضُ من يُقابلُه بالنَّدم، على حدِّ المَثَل القائل: "تَسمعَ بالمُعَيديِّ خيرٌ من أن تراه"، ويقول: ليتني لم أره! فهو شبيهٌ بطبلٍ حسنِ الصوت من بعيد، فارغِ المحتوى من قريب!
— 410 —
سلامي ودعواتي لإخواني الخواصّ، وفي مقدِّمتهم خسرو وبكر بك والحافظ أحمد وسزائي والشيخ مصطفى اللَّباد، والحدّاد محمد أفندي.
الباقي هو الباقي
أخوكم سعيدٌ النُّورْسيّ
٭٭٭
باسمه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخي العزيز رأفت بك..
التفتُّ في هذا الصباح بعد الصلاة، فظننت أنِّي رأيت رأفت بك؛ وكنت قد رأيتُ الليلةَ الماضية في المنام أني أُعطي أحدَ طُلّابي المباركين كيسًا من العسل وفي داخله الذهب؛ ما يعني أن الشخص الذي كان خلفي يحملُ قلبَ رأفت بك ورُوحَه؛ وهو يرغب أن يشتري بواسطتنا أثمنَ وألطفَ مُقتَنيات الخزينة التي أعمل دلّالًا لها؛ ثمَّ وجدتُه بعدها نسخةً ثانيةً منك، أي: أنه "سَيْرانِيّ"، فإن لكِلَيكُما سهمًا من هذه الرؤيا، فتقاسماها فيما بينكما.
على كلِّ حال.. إن الكلمة التي كتبتَها هذه المرّة أعجَبَتني كثيرًا، وكنتُ أخبرتُك سابقًا أنَّ خطَّك يبدو لناظري خطًّا قديمًا مألوفًا قياسًا على باقي الخطوط، فأدركتُ سِرَّ هذا الأمر، وهو أنَّ خطَّك يُشبِه خطَّ ابن أخي عبد الرحمن رحمه الله! فيتوجَّب على هذا الخطِّ أن يَبْرُز إلى الميدان، لذا فمن أهمِّ الأعمال المباركة أن تغتنم الفرصة كلَّما وجدتَ في نفسك حافزًا لكتابة ما تختارُه بنفسك من الرسائل.
صحيح أن خلوصي قد حلَّ محلَّ عبد الرحمن، إلا أن هذا التَّشابُه في الكتابة يُبشِّرني بظهور نسخة أخرى من عبد الرحمن في شخص رأفت.
— 411 —
یی إن ما تفكِّر به حول الحِبر جيِّد، فليكن ما كتبتَه للتداولِ حبْرًا ثابتًا شريطة أن يكون جميلًا، وليكن ما تكتبُه لنفسك مشرقًا منيرًا، لأن ذلك يفتح الشهية والاشتياق للمطالعة.
سلامي ودعائي لمن لهم علاقة جديدة بالكلمات، أي: للحافظ محمود أفندي، إضافةً إلى الحُفّاظ الثلاثة السابقين؛ وقد أدخلتهم في دائرة الأخوّة، فليَثبُتُوا، وليجتهدوا في الدخول في دائرة الطلبة.. وإنني أَقبَل كلَّ من تَختارُه أنت بنفسك.
أُسلِّم على الأستاذ إسماعيل حقِّي أفندي، وأدعو له كثيرًا؛ فإذا كانت "إشارات الإعجاز" التي تُخاطبُ قلّةً من الناس، قد تحدَّثت إليه مطوَّلًا، فإنني أَقبَل شخصًا كهذا على الرأس والعين؛ فليقرأ الكلمات والمكتوبات التي تفسِّر "إشارات الإعجاز" وتوضحُ حقائقَها وتظهرُها رأيَ العين، ولا يكتفِ بإشارات الإعجاز فقط، وليقرأ على وجه الخصوص: الكلمتين الخامسة والعشرين والسادسة والعشرين، والمكتوبين العشرين والثالث والثلاثين، وما يختارُه من الرسائل.
وأسلِّم على إخواني وفي مقدِّمتهم بكر وخسرو، وأدعو لهم، وأرجو دعاءَهم.
إن مسألة الوهابية وصَلَتني البارحة، فطالعتُها ورغِبَت روحي أن أُرسلها إليك، إلا أن رأفت أتى بنفسه بصورة مغايرة، وأخذ كتابه بنفسه.
الباقي هو الباقي
أخوكم سعيدٌ النُّورْسيّ
إن كتابتك وكتابة خسرو لا تُتعِبُني أبدًا، لأن الأخطاء فيهما قليلة، لكن غيرهما من النُّسخ تردني قبل أن يراجعها النُّسّاخُ بأنفسهم ولو مرةً واحدة، لذا أعتمد على ذاكرتي في تصحيحها فأتعبُ كثيرًا؛ فلو قابلتم ما يكتُبُه الآخرون قبل إرساله إليَّ، فذلك حسن.
٭٭٭
— 412 —
باسمه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخويَّ العزيزَينِ الوفيَّينِ، الغيورَينِ الجادَّينِ: رأفت بك وخسرو أفندي..
لقد غدوتُما قدوةً حسنة ومبعثَ يقظة للكثيرين؛ وبناءً على قاعدة "السَّببُ كالفاعل"، فإن سائر الحسنات التي يكتسِبُها الداخلون في الخدمة القرآنية بواسطتكما أو بالاقتداء بكما، يُسجَّل مثلُها في صحيفة أعمالكما إن شاء الله.
وأمّا الإخوة الذين أرسلتُما أسماءَهم هذه المرة كالسادة الأفاضل الحافظ بكر والحافظ طاهر والحافظ شكري، فقد قبلتُهم كإخوة لي، وليجتهدوا وليَبذُلوا وُسعَهم كي يُحرِزوا مرتبة الطُّلاب.. بلِّغوهم سلامي.
سوف أتحدَّث لكما هذه المرة عن حادثتين جزئيَّتين هما أَشبهُ بكرامات عوامِّ المسلمين، ممّا يُطلَق عليه مصطلح: المعونة الإلٰهيّة:
الأولى: كتب بعضُ أصحابي المكتوب التاسع عشر، فنظرتُ في الجزء الرابع من نسخة أحدهم فإذا بجميع الصلوات الشريفة جاءت مُتَناظِرة باستثناء بضع صلوات في صحيفتين أو ثلاثة، فتعجَّبتُ من الأمر ووضعتُ إشارة عليها؛ ثم نظرتُ في الجزء الثاني والثالث من نسخةِ آخَر، فوجدتُ جميع الصلوات متوازية مُتَناظرة باستثناء خمسِ أو ستِّ صحائف، فوضعتُ عليها إشارة أيضًا؛ وجعلتُ أعرضُها على بعض الإخوة، فما من أحد شاهدها إلا تعجَّب من الأمر؛ على أنَّ سائرَ من اطَّلعوا عليها أقرُّوا بالاتِّفاقِ أنَّ الإعجاز المعنوي للقرآن الكريم الذي انعَكَس شعاعُه في سائر "الكلمات"، قد تراءى في المكتوب التاسع عشر بشكل خاصٍّ على صورةِ الصلوات الشريفة، كنوعٍ من المعجزات الأحمدية.
كما أقرَّ كلُّ من شاهده أن لی"الكلمات" طرازًا خطِّيًّا خاصًّا بها، وبشكلٍ أخصَّ في المكتوب التاسع عشر، فلو أنه كُتب وفقَ هذا الطِّراز من الخطِّ، فستظهرُ فيه لطائفُ
— 413 —
عجيبة! وكنتُ أقول وأؤكِّد دومًا لكلِّ كاتب: اُكتُب بشكل منبسطٍ مُتباعدٍ وجميل. فكأني كنتُ أُستنطَقُ بذلك من قَبِيل الإنطاق بالحقِّ، كي أُوصيَ بذلك الخطِّ المعنوي الخاصِّ! وإن الأقرب إلى هذه الحقيقة وهذا الطراز من الخطِّ المعنوي: خطوط الحافظ زهدي الصغير وأشرف ومصطفى من "قُولَه أونو"، إذ إن تلك التوافقات والتوازنات تبدو أظهرَ ما تكون في كتاباتهما.
كنتُ أُلاحظ دومًا أن الكَتَبة المدقِّقين ربما سها أحدهم فأسقط سطرًا ما، وأنَّ من لم يكن منهم يُخطئ بكتابة كلمة واحدة، ربما أخطأ بكتابة سطرٍ بأكمله! ما يعني أنَّ التوافقات كانت تدفَعُهم للوقوع في هذه الأخطاء كأثرٍ من آثار اللطافة الفائقة للعادة، الظاهرة في "الكلمات".
لم يسمح الورقُ الذي لدينا بكتابة الحادثة الثانية، لذا اختَصَرتُ الحديث.
الباقي هو الباقي
أخوكم سعيدٌ النُّورْسيّ
٭٭٭
رأفت بك..
لقد زيَّنتُ مُتحَفي بمعجزتَيْ قدرةٍ بديعتين تعودان لك، وتنبِّهانِ فكري إلى التساؤل: كم من أمور عظيمة خارقة للعادة تَكمُن في أمور نَعُدُّها عادية؟!
فهذا التَّناظُر الواقع في الصلوات الشريفة الواردة في الجزأين الثاني والثالث من المكتوب التاسع عشر لا يمكن أن يكون مجرَّدَ صُدفة، فالتصادف قد يُحدِثُ توافُقًا بنسبة واحدٍ بالعشرة، أما هنا فالتوافق يبلغُ تسعةً بالعشرة.
ممّا يرجِّح أن هذا الأمر ليس من شأن الصُّدفة التي لا تملك الشُّعور، وليس من عملي ولا عملِ الكُتَّاب؛ وذلك لأنني ما أدركتُها إلّا الآن، والكتَّاب أدركوها من
— 414 —
بعدي؛ فثمّة إذًا قصدٌ وإرادة لإظهار لطافةٍ خارقة للعادة في "الكلمات" عامّةً، وفي الصلوات الشريفة الواردة في المكتوب التاسع عشر خاصةً؛ وبالتالي فليست هذه التوافقات إلا ترشُّحاتِ بلاغةٍ ولطافةٍ أُدرجتا بقصدٍ غيبيٍّ.
سعيدٌ النُّورْسيّ
٭٭٭
الأربعاء ١١ نيسان ١٩٣٤
باسمه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخي العزيز الوفي، ذا التدقيق والاهتمام: رأفت بك..
في الوقت الحالي لا أجدُ حاجةً لإيضاح النِّقاط المطلوبة في اللمعة الثانية عشرة التي كُتبت باسمكم، فالمقصد الأصل هو الاقتصارُ على دفع الأوهام المُثارة حول الآية؛ ومن هذا الجانب يُمكِن للجميع فهمُها بدرجة كافية؛ وإنَّ لكلِّ فردٍ سهمًا ينالُه من كلِّ رسالة، وليس بالضرورة أن يُدرك كلَّ شيء فيها.
كيف وجدتَ رسالة "مرقاة السنة" ومبحث "وحدة الوجود"؟ فنظراتُك المُقدِّرة لا بدَّ أن تتلقّاها بالتقدير.
إن سؤالك الواردَ هذه المرة ذو جهتين:
الأولى: جهة سرِّ آل العباءة، فهي سِرٌّ، ولستُ أهلَ ذلك السِّر لأُجيبَ عليه، كما أنَّ مثلَ هذا السِّرِّ لا يُمكِن الإفصاحُ عنه لأحد، لأن جلوةً من جلوات الحقيقة المحمدية تتظاهر في آل العباءة.
أما الجهة الظاهرة الثانية: فهي بادية بيِّنة، فمن جملة ذلك: ما ورد في صحيح مسلم عن أُمِّ المؤمنين عائشة. ڤ قالت:
— 415 —
خَرَجَ النَّبِيُّ غَدَاةً وعَلَيهِ مِرطٌ مُرَحَّلٌ مِن شَعَرٍ أَسوَدَ، فجَاءَ الحَسَنُ فأَدخَلَه، ثُمَّ جَاءَ الحُسَينُ فدَخَلَ مَعَه، ثُمَّ جَاءَت فَاطِمَةُ فأَدخَلَهَا، ثُمَّ جَاءَ عَلِيٌّ فأَدخَلَه، ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا
هذا، وفي الصِّحاح السِّتة أحاديثُ كثيرة بهذا المعنى تتحدَّث عن آل العباء.. ولدفع البلاء وللاستشفاء والاستشفاع قال أحدُ الفضلاء:
لي خَمسَةٌ أُطفِي بِهَا نَارَ الوَبَاءِ الحَاطِمَه
اَلمُصطَفَى والمُرتَضَى وابنَاهُمَا والفَاطِمَه
وأكتفي حاليًّا بهذا القدر، فلا تتضايق.. سلامي لكلِّ من ورَدَت أسماؤُهم في رسالتك فردًا فردًا، وأدعو لهم.
الباقي هو الباقي
أخوكم سعيدٌ النُّورْسيّ
أرسلتُ إليك سبعًا من إشاراتِ اللمعة الثالثة عشرة التي تتحدَّث عن سرِّ الاستعاذة، فاطَّلِع عليها، فإن وجدتَ فيها نقصًا يحتاجُ للإتمام یی لا الإيضاح یی فأَبلِغني.
٭٭٭
الأربعاء ٩ أيار ١٩٣٤
باسمه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخي العزيز الوفي المدقِّق: رأفت بك..
أولًا: أهنِّئك بمناسبة قدوم المولودة الجديدة المباركة، وآمُلُ أن تكون فألَ خير لكم، وأن تكون بإذن الله تعالى مظهرًا لسرِّ: وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى؛ وبما أنَّك
— 416 —
رُزقتَ بمولودةٍ أنثى یی كما رُزِق أخونا عاصم بك یی وبما أن أهمَّ أساسٍ في مشربنا هو "الشفقة" والبناتُ هنَّ بطلاتُ الشفقة والحنان، وهنَّ ألطفُ المخلوقات.. لذا فإنك تستحقُّ مزيدَ التبريك والتهنئة أكثر وأكثر. . وفي نظري أنَّ المخاطرَ الخاصّة بالأولاد الذكور في هذا الزمان هي أكثرُ منها لدى الإناث.
أسأل الله تعالى أن يجعَلَها مبعثَ سُلوان وأُنسٍ لكم، وأن يجعلها كملاك صغير يطوفُ في بيتكم.. وأُفضِّل أن يكون اسمُها "زينب" بدلًا من "رنگي گُول"، فهو مناسبٌ أكثر.
ثانيًا: إن الإفاداتِ التي كتبتَها أنت وشريف أفندي حول رسالتي: "حكمة الاستعاذة" و"أسرار البسملة الشريفة" قصيرة مقتضَبة، فلا يكادُ يُفهَم المرادُ منها: هل هي نقد أو تقدير؟ علمًا أنني قلت مِرارًا: ليس كلُّ شخص بحاجة لفهمِ عموم المسائل الواردة في كل رسالة، بل يكفيه المقدارُ الذي فَهِمه.
ثالثًا: إن عالَم المثال برزخٌ بين عالمِ الأرواح وعالمِ الشهادة، فهو يُشبِه كلًّا منهما من وجهٍ؛ إذ ينظر أحدُ وجهيه إلى هذا والآخرُ إلى ذاك، فمثلًا: مثالُك في المرآة يُشبِه جسمك صورةً، وهو لطيفٌ مثل روحك مادّةً؛ فعالَمُ المثال ثابت قطعًا قطعيةَ ثبوت عالَمِ الشهادة وعالَمِ الأرواح، (حاشية): وعندي أن وجود عالم المثال مشهود، وتَحقُّقَه بَدَهيٌّ بداهةَ عالم الشهادة، حتى إن الرُّؤيا الصادقة والكشف الصادق والتمثُّلات في الأشياء الشفّافة، هي ثلاثُ نوافذ مُطلّة من هذا العالم إلى ذلك العالم، بحيث تُظهِر للعوامِّ وللناس كلِّهم جوانبَ من ذلك العالَم. وهو مَشهَر العجائب والغرائب، ومُتَنَزَّه أهل الولاية.
فكما أن القوة الخيالية موجودةٌ في الإنسان الذي هو عالمٌ صغير، كذلك عالَم المثال موجودٌ في العالم الذي هو إنسان كبير يُؤدِّي تلك الوظيفة؛ فهو عالَمٌ ذو حقيقة، ومثلَما تُشير القوة الحافظة في الإنسان إلى اللوح المحفوظ، كذلك القوةُ الخيالية أيضًا تُخبر عن عالم المثال.
— 417 —
سلامي لجميع الإخوة هناك، وفي مقدِّمتهم خسرو وبكر بك ورشدي ولطفي والحافظ أحمد وسزائي والأساتذة الثلاثة والمحمَّدون الثلاثة والأبرياء الثلاثة في بيتك ووالد زوجتك، وأدعو لهم جميعًا.
الباقي هو الباقي
أخوكم سعيدٌ النُّورْسيّ
٭٭٭
الأربعاء ٣٠ أيار ١٩٣٤م
باسمه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخي العزيز الوفي، ذا التدقيق والاهتمام: رأفت بك..
إن لك فِيَّ أُستاذًا وأخًا وصاحبًا.. فلك أن تُشاهد أستاذَك وتلتقيَ به في كلِّ رسالة، وكما يراك أخوك یی خيالًا ومعنًى یی بدعواته في ديوان الحضرة الإلٰهيّة في كلِّ صباحٍ ومساء، فبإمكانك أن تراه أيضًا بتلك الصُّورة؛ فلا تُكلِّف نفسك تعبَ الحضور إلى هنا كي تُقابِل صاحبك، فصاحبُك هذا لا يليق بالزيارة، لأنه واحد وأنتم كثيرون، لذا سيأتي لزيارتكم هناك إن شاء الله.
وقتي الآن لا يسمح بالإجابة فيما يتعلَّق بالآية: وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى، لكن يُروى حديثٌ لا أعرف مدى صحَّتِه: أن الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام أمر بحُبِّ الأولاد الذكور، فقيل: لماذا استثنيتَ البنات؟ فقال: إنهن يُحبِّبنَ أنفُسَهن بأنفُسِهنَّ، فهُنَّ محبوباتٌ فطرةً.
أجل، لأنَّ البنات مظهرُ الشفقة والجمال، لذا تحظى بالمحبّة أضعافَ الذكور، خصوصًا في هذا الزمان، فهنَّ أكثرُ بركةً بحقِّ الأبوين، لقلّة تعرُّضهنَّ للمخاطر الدينية.
— 418 —
سؤالك الثاني: قول "إبراهيم حقي": "إن الجوعَ اسمٌ أعظمُ" لا أعلم المراد به، إذ لا معنى له في الظاهر، بل ربما كان خطأً؛ لكن أقول: ما دام اسمُ "الرحمٰن" يؤدِّي وظيفة الاسم الأعظم لدى الكثيرين، فلعلَّ فيه إشارةً إلى أن الجوع المادي والمعنوي وسيلةٌ للوصول إلى ذلك الاسم الأعظم، فيمكنُ القولُ على سبيل المجاز: إنَّ الجوعَ اسمٌ أعظمُ، أي: باعتباره وسيلةً إلى اسمٍ أعظم.
أدعو للأبرياء الموجودين في دارك، وسلامي لرفاقك في الدرس جميعًا.
الباقي هو الباقي
أخوكم سعيدٌ النُّورْسيّ
٭٭٭
الأربعاء ٢٠ حزيران ١٩٣٤م
باسمه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخي العزيز الوفي المُدقِّق: رأفت بك..
تسألني في رسالتك عن اللطائف العشر، فإنَّ لمحقِّقي الطريقة النقشيَّة آثارًا ومؤلَّفاتٍ حول اللطائف العشر، إلا أنَّ هذا الزمان ليس زمانَ تعليم الطريقة.
أما وظيفتنا في الوقت الحاضر فهي استخراج الأسرار لا نقلُ المسائل الموجودة، فلا تتضايق لعدم سردي تفاصيلَ الأمر، غير أنِّي أقول: أفاد الإمام الرباني أن اللطائف العشرَ هي: القلب، والروح، والسِّر، والخفي، والأخفى، وذكر أنَّ لكلِّ عنصر من العناصر الأربعة في الإنسان لطيفةً إنسانيةً تُناسِبُه، كما تحدَّث إجمالًا
— 419 —
عن رقيِّ كلِّ لطيفة من تلك اللطائف وأحوالها في كلِّ مرتبة من المراتب أثناء السَّير والسلوك.
أمّا بالنِّسبة إليَّ فأَرى أنَّ لطائفَ كثيرةً مُندرجةٌ في ماهيّة الإنسانِ الجامعةِ، وفي استِعداداتِه الحياتية، إلّا أنَّ ما اشتَهَر عشرةٌ منها فقط؛ حتى إن الحُكَماء وعلماء الظاهر اتَّخذوا من تلك اللطائف العشر أساسًا لحِكمتِهم، لكن بصورة مغايرة، فجعلوا الحواسَّ الخمس الظاهرة والحواسَّ الخمس الباطنة نوافذَ لتلك اللطائف العشر أو نماذجَ لها.
بل ثمّة تناسبٌ بين لطائفِ الإنسان العشر المتعارفِ عليها لدى العوامِّ والخواصِّ، وبين لطائف أهل الطريقة العشر؛ فمثلًا: لطائفُ "الوجدان، الأعصاب، الحِسّ، العقل، الهوى، القوة الشَّهَوية، القوة الغضبية" وأمثالها، إذا أُضِيفت إلى "القلب، والروح، والسِّر"، فستظهر اللطائف العشر في صورة مختلفة.
وهنالك لطائف أخرى كثيرة غير هذه المذكورة، كی"السائقة، والشائقة، والحِسّ المُسبَق قبل الوقوع"، فلو كتبتُ حقائقَ هذه المسألة لَطالت كثيرًا، لذا اضطررت إلى الاختصار لضيق الوقت.
أما بالنسبة إلى سُؤالك حول المعنى الاسمي والمعنى الحرفي، فقد وُضِّحَت هذه المسألة في جميعِ مقدِّماتِ كتب علم النحو، إضافةً إلى ما تشتمل عليه رسائلُ علم الحقيقة أمثال "الكلمات" و"المكتوبات" من بياناتٍ وافية، وذلك من خلال الأمثلة؛ وإنَّ الإسهابَ في الإيضاح لِأمثالك ممَّن يملكُون ذكاءً ودِقّةَ ملاحظةٍ ضربٌ من الإسراف.
فلو أنَّك نظرتَ إلى المِرآة بقصد رؤية زجاجها، فإنك ترى مادَّتها الزجاجية ابتداءً، وتكون صورةُ رأفت فيها أمرًا تبعيًّا، فتلحَظُها ببصرِك كأمرٍ ثانويّ؛ بينما إذا نظرتَ فيها لرؤية محيّاك المبارك المُتمثِّل فيها، فإنك ترى رأفت المحبوب ابتداءً
— 420 —
وتقول: فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ! ويظلُّ زجاجُ المرآة حينها أمرًا تبعيًّا، فتراه كأمرٍ ثانويٍّ.
فزجاجُ المرآة في الصورة الأولى هو "المعنى الاسميّ"، ورأفت هو "المعنى الحرفي"؛ بينما زجاجُ المرآة في الصورة الثانية هو "المعنى الحرفي"، إذ ليس هو المقصودَ بالنظر، بل نظرُك إليها لغرضٍ آخر وهو الصورة المنعكِسة؛ فهذا الانعكاس هو "المعنى الاسمي".
ومن هنا جاء تعريف الاسم: "ما دلَّ على معنًى في نفسه"، وأما تعريف الحرف فهو: "ما دلَّ على معنًى في غيره".
فبحسب النظر القرآني إلى الكون، فإن جميع موجوداته عبارة عن حروف تُعبِّر بمعناها الحرفي عن معانٍ في غيرها، بمعنى أنها تعبِّر عن تجلِّيات الأسماء الحسنى والصفات الجليلة للخالق العظيم المتجلِّية على الموجودات.
أما نظرة الفلسفة المادِّية الميتة، فهي تَنظُر على الأغلب بالنَّظر الاسمي إلى الموجودات، فتزِلُّ قدَمُها إلى مُستنقَع الطبيعة.
وعلى كل حال فليس لديَّ الآن متَّسعٌ من الوقت للحديث أكثر، حتى إنَّني لا أستطيعُ أن أكتُب القسمَ الأخيرَ والأهمَّ من "الفِهرِس" رغم أنه سهلٌ يسيرٌ.
سلامي لجميع رفقائك في الدرس، خصوصًا خسرو، بكر، رشدي، لطفي، الشيخ مصطفى، الحافظ أحمد، سزائي، المحمَّدين والأساتذة، وأدعو للأبرياء المباركين في منزلك المبارك.
الباقي هو الباقي
أخوكم سعيدٌ النُّورْسيّ
٭٭٭
— 421 —
الأربعاء ٢٧ حزيران ١٩٣٤م
باسمه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخي العزيز الوفي، كثيرَ التحرِّي والاستفسار: رأفت بك..
إنَّ ذكاءَك الوقَّاد ونباهتَك الفائقة يمكنُهما الإجابةُ على الأسئلة التي تطرحها، لذا تجدني أختصر الجوابَ على أكثر أسئلتك، فلا تتضايق من ذلك.. صحيحٌ أنني أرغب بمحاورتك، لكن لا أجدُ الوقت الكافي لذلك.
إن معنى «مسلم غير مؤمن، ومؤمن غير مسلم» هو ما يلي: في بدايات عهد الحرية، كنت أجد أنَّ بعضَ من انضمَّ لصفوف الاتِّحاديِّين من اللادينيِّين، كانوا يُقرُّون بأن في الإسلام والشريعة الأحمدية قوانين ساميةً قيِّمة، وأنها نافعةٌ للمجتمع البشري ولا سيما لسياسة الدولة العثمانية؛ وكانوا يُؤيِّدون الشريعة الأحمدية بكل ما يملكون من قوة؛ فهم من هذه النقطة مسلمون، أي: يلتزمون الحقَّ ويوالونه، مع أنهم غير مؤمنين، بمعنى أنَّهم يستحقُّون أن يُطلَق عليهم وصف: «مسلم غير مؤمن».
أما الآن فهناك مَن يحملُ في قلبه الإيمانَ بالله تعالى ورسوله (ص) واليوم الآخر، ويَعرِفُ نفسَه بأنَّه مؤمن، إلّا أنه يُوالي التيّارات ذات الأصول الإفرنجية والمُناقضة للشريعة والمؤيدة للمُحدَثات والبدع، تحت مسمى المدنية؛ فلمّا كان غيرَ ملتزِم بقوانين الشريعة الأحمدية التي هي الحقُّ والحقيقة، ولا يُواليها حقَّ الموالاة، صار بذلك «مؤمنًا غيرَ مسلم».
ويمكن أن يقال: كما أن الإسلام بلا إيمان لا يكونُ سببًا للنجاة، كذلك الإيمان بلا إسلام یی على علم یی لا يمنح النجاة.
سؤالك الثاني: جوابُه أنَّ عبارة "الأجل المُبرم والأجل المُعلَّق" يعبَّر عنها أيضًا بی"الأجل المسمَّى وأجل القضاء" كما لا يخفى عليك.
— 422 —
سؤالك الثالث: إن عدد "الكلمات" ثلاث وثلاثون، وكذا "المكتوبات" ثلاث وثلاثون، و"النوافذ" ثلاث وثلاثون، فيبلغ مجموعُها تسعًا وتسعين؛ وكذلك الحركات الفكرية الأولى لأخيكم الفقير بدأت بحسب مراتب "سبحان الله، والحمد الله، والله أكبر" التي يُقرَأُ كلٌّ منها ثلاثًا وثلاثين مرّةً عقِبَ الصلاة، وقد شعرتُ بتسعٍ وتسعين مجاهدةً فكرية وتظاهرةً في المقامات الروحية، ورأيتُ على صورة خيال من بعيدٍ أسرارَ المظهرية لجلوات الأسماء الحسنى التسع والتسعين، كما هو موضَّح في مقدِّمة "رسالة القطرة" المؤلَّفة بالعربية؛ فمن ذلك تجد العدد (٣٣) المبارك يجري حكمه في كثيرٍ من حركاتي العلمية والنَّشرية.
سلامي لإخواني وفي مقدِّمتهم رفقاؤك في الدرس، والحاج إبراهيم؛ وأدعو للأبرياء في منزلك.
الباقي هو الباقي
أخوكم سعيدٌ النُّورْسيّ
أرجو من خسرو أن يكتب الفِقرة التي تحتها إشارة في بداية رسالة أخي عبد المجيد إلى خلوصي بك، وكذا الفقرة التي خلفها والمقتبسة من رسالة رأفت بك، ثم ليُرسِلْها إلى الحافظ علي، لكي تُدرَج بين فِقرات المكتوب السابع والعشرين.
٭٭٭
— 423 —
الأربعاء ١١ تموز ١٩٣٤م
باسمه سبحانه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخي العزيز الوفي، ذا التدقيق والاهتمام: رأفت بك..
كنت أدعو دائمًا یی بغير حقٍّ یی أخًا لطيفَ الحديث مثلك إلى السُّكوت وترك السؤال، مع أنني معذور في هذا الأمر، بل مُجبَرٌ على ذلك؛ فقد جلستُ في هذا اليوم أنتظرُ الكاتب أربعَ ساعات لأكتب رسالة، إلا أنه لم يحضر، ممّا اضطرَّني للسَّير عشرين دقيقة لأجدَه عند رأس عين السِّقاية مُنهَكًا وناعسًا يغفو! فأغريتُه بالعمل بدعوى أنَّه عملٌ قليل، فظنَّ الأمرَ يستغرقُ عشَرةَ دقائق، إلا أنني جعلته يعملُ في كتاباتي الضرورية مدةَ ساعتَينِ؛ فضلًا عمّا كنتُ أعانيه من إرهاقٍ ذهنيٍّ والحاجة إلى الاستراحة.
غير أنِّي تعرَّضتُ لصفعةٍ معنوية جزاءَ إسكاتي لمُشتاقٍ مثل رأفت، فبَدَلًا من سؤالك السَّهل اللَّطيف الذي تريد أن تسألَه هذا الأسبوع، سألَني أصحابُنا في "سِنِر كَنْت" أسئلةً مُزعجةً تستلزمُ قوّةَ ذاكرة سعيدٍ القديم، فقُلت لنفسي: تستحقُّ ذلك! ما دُمتَ لم تُصغِ إلى رأفت فأصغِ إلى هؤلاء.
والواقعُ أنَّ الإجابة على أسئلة هؤلاء ضرورية لازمة، لأنَّ المُلحِدين يجترئُون عليهم ويُحرجونهم في مثل هذه المسائل، فاضطُرِرتُ لتحرير جوابٍ ناقصٍ قصيرٍ ومختصر، جبْرًا لخاطر رأفت؛ فاقرأ هذه الأجوبة مع خسرو، واقرأ كذلك الأجوبة المُرسَلة سابقًا حول الأسئلة الأربعة، والجوابَ القصير حول أسئلة صبري أفندي والحافظ علي عن المغيَّبات الخمسة، فإن وجدتُماها مناسبةً فأَدرِجوا ثلاثة أجوبة معًا في اللمعة السادسة عشرة، أو في موضع المكتوب الرابع عشر الذي لم يُؤلَّف بعدُ؛ مع تصحيح الأخطاء إن وُجدت، إذ إنَّ أصل الأجوبة من قبيل السُّنوحات، فربما اختلط فكري حين الخوض في تفصيلاتها فوقع بعض الأخطاء.
— 424 —
كانت لدى الحافظ أحمد رغبةٌ بكتابة المكتوب التاسع عشر، فهل باشر الكتابةَ يا تُرى؟ أبلغه سلامي الحارّ، وإن خدمة الكتابة مهمة جدًّا، وهي عبادة من عدّة جهات.
أدعو للأبرياء في بيتك المبارك، وأبلغ سلامي الحارّ لأصحابك في الدرس.
وقد كان الشيخ مصطفى أفندي الكَچَجي يكتب بعض الرسائل، فعسى أن يشترك في هذه الخدمة السّامية شخصيّاتٌ مباركة أمثاله إن شاء الله، وأسلِّم عليه بشكل خاصٍّ وأرجو دعاءَه.
وكلما تذكَّرتُ رأفت خطر ببالي الحاج إبراهيم أفندي وبدر الدين، فسلامي ودعائي لهما بشكل خاصّ.
الباقي هو الباقي
أخوكم سعيدٌ النُّورْسيّ
٭٭٭
باسمه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخي العزيز الوفي المُدقِّق: رأفت بك..
إن أسهل جواب لسؤالك وأفضلَه وأقربَه للرخصة هو جوابك أنت، فقد ورد في "شرح الملتقى" لداماد وفي "مراقي الفلاح": إنَّ كفارة واحدة كافية لوقائعَ متعدِّدة بسبب حصول التداخل، فتكفي كفارة واحدة ولو كانت الأيام من رمضانَينِ. وقد قالا: "هو الصحيح".
وإن في هذه المسألة عزيمةً ورخصةً معًا من زاوية نظر الحقيقة، فالعزيمة أنَّ لكلِّ رمضان كفارتَه ما دام الشخص مُطيقًا، أمّا الرخصة فالواجبُ كفارةٌ واحدة لعدّة
— 425 —
شهور من رمضان، وذلك بمقتضى سرِّ التداخل، وتبقى الكفارة عن كلِّ شهر في درجة المستحبّ؛ ولأن معنى العقوبة ومعنى العبادة مندرجان في هذه الكفارة فلذلك لا يُجبَر عليها كرهًا، فضلًا عن التداخل.
أخي العزيز.. بما أنني منشغلٌ بأُسُس الإيمان التي هي "الفقه الأكبر"، فلا يتوجَّه ذهني بشكلٍ جادٍّ إلى مراجعة دقائق المسائل الفرعية التي تبحث في النُّقول وفي مدارك الأئمة المجتهدين ومآخذهم؛ ناهيك عن عدم وجود الكتب لديَّ أصلًا، ولا أجد متَّسعًا من الوقت كي أُراجعها؛ أضف إلى ذلك أن علماء الإسلام قد بحثوا هذه المسائل بتدقيقات صائبة كثيرة بحيث لم تُبقِ حاجةً لتدقيقات عميقة في المسائل الفرعية؛ فلو أنِّي شعرتُ بحاجة حقيقية لرجعتُ إلى المآخذ العميقة للمجتهدين حول هذه المسائل الفرعية، وبيَّنتُ بعضَ ما فيها.. وربما لم يَحِن بعدُ زمنُ الاشتغال بمثل هذه الحقائق.. على كل حال.
أرسلتُ إليكم هذه المرّةَ البيانات التي تدورُ حول نهاية سورة الفتح، ومناسبتها لسياقِ البيانات التي تعود للآية: فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وكذا المحاكمات الدّائرة حول سرِّ: إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى المُدرَجة في لمعة "منهاج السنة"، فكيف وجدتُموها؟
ومن المُستحسَن أن تقُومَ أنت وأخوك خسرو بإعداد نسخة تامّة من الكرامات الغيبية للشيخ الگيلاني بجميع أجزائها، وإرسالِها إلى خلوصي بك، وينبغي أن تُرسَل جميعًا إلى عاصم بك أيضًا.
سلامي لجميع الإخوة، وفي مقدِّمتهم "بكر بك" یی بتعبير الغوث الأعظم یی و"بكر آغا" یی بتعبيرنا نحن یی وإلى أحمد خسرو، لطفي، رشدي، الحافظ أحمد، والد زوجتك الحاجّ إبراهيم بك، سزائي، وغيرهم، وأدعو لهم جميعًا.
أقبِّل رأسَ بدر الدين المبارك الموفَّق، فليدعُ لي كلَّما قرأ القرآن، فإن دعاء أمثاله من الأبرياء مُجابٌ بحقِّنا إن شاء الله؛ كما أدعو بشكل خاصٍّ لوالدته وأُختي في الآخرة،
— 426 —
فهي تستحقُّ التبريك لأن لها ولدًا كبدر الدين؛ وإن لكلِّ حرف قرآنِيٍّ يقرؤه بدرُ الدين ثمراتٍ أُخرويّةً كثيرة، بدءًا من العشرة حتى الألف، كما تُكتَب هذه الحسنات في سجلِّ أعمال والدته وصحائفِ أساتذته ومُعلِّميه.
الباقي هو الباقي
أخوكم سعيدٌ النُّورْسيّ
٭٭٭
(فقرة من رسالة خسرو كتبها ظنًّا منه أن أستاذه غاضبٌ منه بسبب أحد المواقف):
أستاذي الكريم الحبيب..
بين ثنايا الحزن الذي كان يَلُفُّني أثناءَ مطالعة رسالتك، كانت تَرِدُ إلى قلبي خواطرُ عديدة! إن طالبكم المليءَ بالنواقص والعيوب من جميع جوانبه وأحواله، كان قد فرش كلَّ كيانه تحت أقدام أُستاذه الحبيب؛ ولو أنه تعرَّض في كلِّ يوم لصنوفٍ من الاضطهاد أشدَّ بكثير مما يتعرَّض له الآن، بل حتى لو كان له ألفُ روح، فهو مُستعِدٌّ یی باعترافٍ قلبيٍّ لا شكليٍّ یی لأن يُضحِّيَ بها جميعًا ودونما تردُّد في سبيل أستاذه.
لقد كان طالبُكم المذنبُ يطلب من خالقه منذ سنين من يَحمِيه، ولو دُقِّق في صحيفة أعماله المُتَّشِحة بالسواد من بدايتها حتى نهايتها، لوُجِدَت بهذا الخصوص تضرُّعاتٌ كثيرة ودموعٌ غزيرة؛ ولو كان لي من الأرواح بقدر أعداد سُكّانِ الأرض لرضيتُ أن أُضحِّيَ بها جميعًا في سبيل خدمة القرآن، بل لي بذلك غايةُ الشَّرفِ والسعادة.
أستاذي الحبيب، ومُعلِّمي الجليل.. يا مُرشدي الذي أبحث عنه منذ سنين، ويا دلَّال القرآن العزيز.. أشعر بأنَّ أحزاني تنقلب سعادةً وسرورًا، إذ يستحضرُ قلبي هذه العبارة: "إنَّما تُوجَّه الصَّفَعاتُ لمن هو قريب، ولا يُلتَفت إلى البعيد ذي التقصير"
— 427 —
فيقول: هذا من فضل ربي.. على أنَّه ليس يُغادرُ ذاكرتي أنِّي كنتُ سببًا في آلام أستاذي العزيز وأحزانه!
مرشدي المُوقَّر.. مَن هذا الذي يمتلكُ الكفاءة والأهليةَ كي تتطاول يدُه على شيء من الرسائل، أو ينالَ بلسانه صحيفةً منها، أو ينتقدَ جملةً من جُمَلها، أو يعترض على كلمة بل حتى حرف ونقطة فيها؟!
ومن أين لي الجرأةُ حتى أُقدِمَ على فعلٍ كهذا، في الوقت الذي تحصُدُ فيه الرسائلُ استحسانَ سائر الناس بدون استتثناء؟! لا أستاذي الحبيب، كن مطمئنَّ البال، ولا تتوقَّع منِّي أدنى ميلٍ إلى أولئك الذين يَرُومُون مُضاعفةَ عذاباتك التي تُقاسيها، والتي هي أشدُّ من عذابِ رجلٍ محكومٍ عليه بالإقامة الجبرية في أحد الأبراج! أجل، دع عنك التفكيرَ بهذا الأمر، فأنا أُعارِضُه بشدّة وبكل كياني، وإنَّ تصديقَ وِجداني خيرُ شاهد على ذلك.
أحمد خسرو
٭٭٭
(فقرة الحافظ علي):
أستاذي العزيز..
لقد عُرِف هذا العصرُ بأنه عصرٌ ضبابيٌّ يغُصُّ بالأوبئة والسُّموم، حتى حَكَم بالزوال والفناء على ثمرة شجرة الكائنات (الإنسان) بما تَملِكُه نواتُها ولُبُّها وقُشورُها من فوائد، وساقها إلى الذلَّة والغرور، وإلى الفراق والأفول، وإلى إحكام الباطل والعدم العاطل، وإلى الحرص والحيوانية، والجمود والعبثية، وإلى التشرذم والعدم؛ فقضى على الجزء الأكبر من تلكم الثمرات.
وفي اللحظة التي أوشكت فيها أجزاؤها المتبقِّية على التفسُّخ والموت، نبَتَت فجأة (مذكِّرات الترياق) بالقُربِ من مركز تلكم الشجرة، وراحت تنمو مُتعلِّقةً
— 428 —
بأغصان "إسبارطة"، ومستمدّة من أتمِّ مشافي الحكيم المُطلَق وأكملها: "القرآن"، فهَبَّت للنجدة بآلاف حروفها وقَطَراتها، وسَقَت وجه الأرض من معينِها، ووهبت الحياة لآلاف الثمرات؛ وستظلُّ حتى قيامِ السّاعة تفيضُ یی كمنبعها یی بكرامة خارقة وطغراء فائقة.. فأحمد الله تعالى أن وفَّقني لنسخ هذا المؤلَّف المبارك.
أجل أستاذي، فكما أن واحدًا من آلاف مصاديقِ الآية الكريمة: وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ أن يشترك جميعُ أفراد البشر في التكوين من حيث الوجوه والأصوات، والأطوار والأخلاق، وغيرها من اللطائف والأجهزة، إلا أنَّه لا يُشبِه أحدٌ أحدًا، بل كلُّ فردٍ بحدِّ ذاته عالمٌ مستقلّ، يدفع كلَّ ذي شعور للإقرار بأنَّها بضاعةُ الواحد الأحد، ومصنوعُ الفرد الصمد، ومُوظَّفُه المأمور.
كذلك كلُّ قطعة من "كلمات النور" و"مكتوباته" التي هي الثَّمراتُ الحيّة للقرآن الحكيم، أظهَرَت قدرةً غير محدودة في عالَمِها الخاصِّ، وكشَفَت في كلِّ مبحث من مباحثها طِلسمًا من طلاسم أحدِ آلاف العوالم: "عالَمِ الشُّهود"، فكانت كلُّ رسالة منها بحُكم مفتاحٍ لمُعمَّى هذا العالم، وروحٍ له تنبضُ بالحياة.
فلو كُتب ونُشر بعد اليوم الآلافُ من هذه الإحسانات الإلٰهيّة والرحمات السُّبحانية، فثمّة حاجةٌ لها، وحولَ العالم الكثيرُ من الأماكن الخاوية المظلمة التي تنتظرُ بزوغ تلك الشُّعاعات من شمس الحقيقة.
أسألُ الحقَّ سبحانه في زمن العَنَت هذا أن يكتب لرسائل النور الشهرة والكثرةَ، فهي أشبهُ بعصا موسى بما تنطوي عليه من المزايا والخوارقِ في كثير من النواحي، وقد أَضحَت سببًا لفتوحات عديدة، وستظلُّ كذلك مستقبلًا إن شاء الله... آمين. آمين. آمين.
طالبكم المقصِّر: علي (رحمه الله)
٭٭٭
— 429 —
إخواني الأعزاء الأوفياء...
أرسلت بالبريد سبعًا وعشرين ليرة من أصل ثلاثين ليرةً أَرسَلَها رشدي، فأَعيدُوها إليه؛ وقد كتبتُ إليه بأنِّي لم أقبلها إذ لا حاجةَ لي بها، إضافةً لكون قبولها مُخالفًا لقاعدتي؛ لكن لأجل نواياه الخيِّرة أخذتُ منها ثلاثَ ليراتٍ فقط لتُصرَف باسمه في بعض جوانب الخيرات المُهِمّة.
سلامي للجميع، ولمن هم على صلة بكم، وأدعو لكم جميعًا.
أخوكم سعيدٌ النُّورْسيّ
٭٭٭
باسمه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخي العزيز الوفي المُخلِص..
إن نقلَ مكانِ إقامتي إلى "إسبارطة" قد تسبَّب لي بفتور الطُّلوعات القلبية من جهة، وفي انقطاع التواصل معكم من جهة أخرى.
أولًا: ستُرسَل إليك الأمانات بواسطة "أغيردِر" أيضًا بناءً على رغبة أخوَيْنا صبري وحقِّي أفندي، وقد أرسل إليك صبري یی أو سيُرسِل یی المذكِّرات المُسمّاة بی"اللَّمعة السّابعةَ عشرة"، وأنا أُرسِلُ إليك هذه المرة أيضًا "الكلمة التاسعة والعشرين" ذات الأسرار والكرامات.
وإنَّ من التوافقات اللطيفة المفيدة: أنَّه في الوقت الذي كان خسرو يكتب فيه "الكلمة التاسعة والعشرين" لأجلك، جاءت هديةُ رمضان المباركةُ جدًّا عن طريقه، وفي تلك الليلة نفسها رأيتُ في المنام أنِّي آتي منزلَك وأجلسُ بجواره، كما رآك سليمان رشدي (الذي هو خسرو الثاني وسليمان الثاني) في منامه قبل ليلتين! فعَلِمنا من هذا
— 430 —
الأمر أننا بحُكمِ رجالٍ في منزل واحد، وأنه لا تأثيرَ للبُعدِ الماديِّ، وأنَّ جميع أمورنا قيد التوثيق، حتى العلاقات والمناسبات العاديّة التي بيننا.
ثانيًا: إن "الكلمة التاسعة والعشرين" بدأت أسرارُها بالظهور من خلال مقاربة أحد الناسخين لخطِّها اللازم، كما استطاع ناسخٌ آخرُ أن يُوافقَ خطَّها الحقيقيَّ مثلما جاء في وصفها.. إنها في الحقيقة تُجبِرُ كلَّ شخص على التصديق أيًّا كان فِكرُه؛ حتى لقد أقرَّ بها علماءُ معتبَرُون وناقدون، ووقَّعوا على إقرارهم قائلين: إنَّنا نُصادق على ما فيها من التوافق، ونُقرُّ به كما الشَّمسُ في رابعة النهار.
فلم يبقَ لدينا أيُّ شك في أنَّ جزءًا من مئة جزءٍ من إعجاز القرآن قد انعكس على هذا التفسير، لكن الفارقَ أن الإعجاز مقصودٌ فلا يُمكِن لأحدٍ أن يُعارضَه ولو قصدًا، أمّا ما تضمَّنته هذه الرسالة من توافقات فيكون خارقًا بشرط كونه عفويًّا غيرَ اختياريّ، فمن هنا يُعَدُّ كرامةً؛ ولا يُعتَرَض عليه بصورة قصديّة أو صُنعيّة.
وعلى كل حال، فليطَّلع أخوكم عبد المجيد على هذه النسخة مرّة واحدة، وستُكتب له نسخة منها أيضًا في وقت ما إن شاء الله.. وإن أراد أحد هناك نَسخَها كما هي، فعليه أن يكون دقيقًا جدًّا، لأن حروف هذه الرسالة ذاتُ أسرار أيضًا، فلا يَكتُبْها من لا يثقُ بنفسه.
ثالثًا: كيف حال أخينا فتحي بك؟ لماذا لا تلتقي به إلا قليلًا؟ لقد دعوتُ وأدعو له كثيرًا، وقد أحزَنَني جدًّا قلةُ لقائك به من أجل موظَّف مؤذٍ! وقد دعوت له كذلك مرات عديدة، أسأل الله القبول.
إن الحافظ عمر الذي أصبح صاحبًا ومخاطبًا تامًّا لك سيكون بإذن الله واسطةً مُهمّة لانتشار رسائل النور، وإنني أجدُه ذا علاقة جادّة في كلِّ رسالة من رسائلك.
وقد استكتبتُ لأجلك الرسالة المُسمّاة: "اللمعة السادسة عشرة"، وهي عبارة عن ثلاثِ مسائل مُهِمّة؛ فإن تمَّ الانتهاء منها فسأُرسِلُها كذلك.. وأحمدُ اللهَ أنَّ تلاميذ
— 431 —
رسائل النور وكتَّابَها يتكاثرون هاهنا يومًا بعد يوم، ومتى حصل شيءٌ من الفُتور ظهَرَ حينها ما يُشبِهُ سوطَ التَّشويق والتحفيز، فمن جملة ذلك الرسالةُ التي كُتِبَت لبعضِ إخواننا من أصحاب الطُّرق الصوفية ممَّن أظهروا بعضَ التكاسُل في الكتابة، وقد أرسلتُ إليك نسخة منها ضمنَ المرفقات كي يطَّلِع عليها عبد المجيد المُتكاسِل غير الكسول.
كيف حال والدتك الفاضلة؟ إنني قلقٌ بشأنها أيضًا، وأدعو لها كثيرًا.. فقل لها وللأستاذ عبد الرحمن نيابةً عني: إنَّ كلَّ ساعة من المرض بحُكمِ عبادةِ يوم.
سلامي لجميع أصحابي وفي مقدِّمتهم والدُك، وفتحي بك، والأستاذ عبد الرحمن، والإمام عمر، وكمال الدين؛ وأدعو لهم جميعًا، وأرجو دُعاءَهم.
الباقي هو الباقي
أخوكم سعيدٌ النُّورْسيّ
٭٭٭
هذه ثلاثةُ أو أربعةُ أمثلة من التوافقات اللطيفة التي هي مبعثُ شوقٍ وذوقٍ لِمَسلكِنا..
الأول: توافق أحرف الألف في ستِّ نُسخ من "رسالة الاقتصاد"، كتبها ستةُ ناسخين دون علم أو تنسيق فيما بينهم، وذلك في العدد (٥٣) الذي يوافق سنة تأليف هذه الرسالة ونسخها، ثمَّ قمتُ بمراجعة مسوَّدتها الأولى الأصلية فوجدتُ أنها حافظت على سرِّ العدد (٥٣) رغم كثرة إجراءات الحذف والتصحيح، فتعجَّبنا من ذلك.
الثاني: بعد إتمام "رسالة الفِهْرِس" كاملة، كتب المسوِّد الأول وبشكل عفويّ: "تمَّ هذا الفِهرِس الجميل"، دون أن يخطر بباله شيء، إذ لم يكن على علمٍ بالحساب
— 432 —
الأبجدي أصلًا، إلا أنَّ جملة: "تمَّ هذا الفهرس الجميل" تُشِيرُ بالحساب الأبجدي إلى العام (١٣٥٢)، وهو عام تأليف "رسالة الفهرس" ونَسخِها.
الثالث: بعد الفراغ من تبييض "اللمعة الثالثة والعشرين" وجدنا أنَّ عدد حروف الألف فيها بلغ (١٢٨) حرفًا، ويتوافق هذا العدد مع رقم هذه الرسالة وهو (١٢٨).
الرابعة: جلسنا البارحة نُصحِّح "المعجزات الأحمدية"، فحصل توافقان لطيفان بفاصل عشر دقائق بينهما، وهما على النحو التالي:
كان أربعة من الأصحاب يصحِّحون رسالتَي "المعجزات الأحمدية" و"المعراج"، كلُّ اثنين على حِدة، وهنالك سطرٌ واحد فقط من بين سطور "المعراج" البالغة (٦٠٠) سطرًا يتحدَّث عن حنين الجذع؛ كما تتحدَّث صفحة واحدة فقط من بين (١٥٠) صفحة لرسالة "المعجزات الأحمدية" عن المسألة نفسها؛ وبينما كان أعضاءُ الهيئتَينِ مُنهمِكِينِ بالتصحيح إذا بهم يتلفَّظون بنفس الكلمة، فتنبَّه للأمر أحدُ الفضلاء وقال: لقد تلفَّظ أعضاء الهيئتين بنفس الكلمة معًا! فدقَّقنا الأمر فوجدنا أن التصحيحين توقَّفا عند كلمة واحدة، على صورة تفوق العادة!
وبعد عشر دقائق، وأثناء تصحيح مبحثِ الأطفال السبعة الذين باتُوا مظهرًا للمعجزات السَّبع، جاءت في وقت غيرِ مُعتادٍ طفلةٌ صغيرة في الخامسة من عمرها تسمَّى "مليحة"، وهي في نظر الحضور طفلةٌ مباركة، فجلست تستمعُ إلى مبحث الأطفال بلهفة، وقدَّمنا لها الشاي فلم تشربه إلا بعد إنهاء قراءته! فبِتنا نحن الأربعةَ الحضور على يقين لا يداخلُه شكٌّ أن "المعجزات الأحمدية" التي هي المنبع الأول لسرِّ التوافقات، مثلما أظهرت كرامتها وقتَ تأليفها ونسخها وقراءتها بتوافقٍ بارع، فإنها بهذين التوافقين الصغيرين أظهرت لطيفتين صغيرتين من شعاع تلك الكرامة أيضًا.
إضافةً إلى ذلك: أنني قبل قرابة سنة، وبينما كنت أتنزَّه خارجَ المنزل، لاحظتُ أن ورائي أمرأة وطفلة صغيرة، فخرجتُ عن الطريق وأفسحتُه لهما، إلّا أنهما لم
— 433 —
تتقدَّماني، فتضايقتُ من هذا الأمر، وأسرعتُ الخُطا حتى دخلتُ أحدَ البساتين فوجدتُهما دخلتا البستان أيضًا، فتملَّكني الغضبُ والحيرة معًا؛ وكانت "المعجزات الأحمدية" بيدي، ففتحتُها متفائلًا، فكان أوَّلَ ما وقع بصري عليه اسمُ امرأة لم يَرِد ذِكرُها في هذه الرسالة إلا مرةً واحدة فقط، فرفعتُ رأسي ونظرتُ إلى تلك المرأة التي كانت تتعقَّبُني فعرفتُها، وكان اسمُها مطابقًا للاسم الوارد في الرسالة! فقلتُ: سبحان الله! لو أنني نظرت مُسبقًا إلى الكتاب حتى أعرف من هؤلاء لنجوتُ حينها من هذه الحيرة! فتعجَّبت من هذه الحادثة أنا والحافظ الشامي الذي كان بصُحبتي، وكذا تلك المرأة وآخرون.
سعيدٌ النُّورْسيّ
٭٭٭
بسبب اضطرابي القلبيّ فإنني من اليوم حتى عيد الأضحى لا أقبل زيارةَ أحدٍ سوى سليمان أفندي والحافظ توفيق الشامي وعبد الله چاويش ومصطفى چاويش؛ فأرجو المعذرة، ولا يتضايق مني أحد.
سعيدٌ النُّورْسيّ
٭٭٭
— 434 —
إلى الادِّعاء العامِّ الجمهوري في "إسبارطة"
منذ تسع سنوات وُضِعتُ تحت الإقامة الجبرية في هذه المدينة ودونما سبب، ولأني ممنوع من الاختلاط بالناس لم أستطع العمل، فبقيتُ وحيدًا في هذه الغربة الأليمة.
ومن الدلائل على عدم صلتي بالسياسة بأي وجهٍ كان: أنني منذ ثلاثة عشرَ عامًا لم أقرأ جريدةً ولم أَستمِع إليها؛ ويشهدُ على ذلك أهالي ناحية "بارلا" التي لبثتُ فيها ثمانية أعوام.
وإن رجلًا أمضى ثلاثة عشرَ عامًا من عمره دون أن يقرأ جريدةً هي لسانُ السِّياسة في هذا الزمان، ولم يستمع إليها أو حتى يطلُبْها، وبشهادةٍ ممَّن هم على صلة به منذ ثمانية أعوام في مركز هذه الولاية، ألا يُعدُّ ذلك خيرَ دليلٍ على أنه لم يتعرَّض لأيٍّ من المسائل التي تمسُّ بالسياسة؟!
وفضلًا عن ذلك: فإنَّني لا أرغبُ باستقبال الزائرين، ولا تستطيبُ نفسي مجالسةَ الناسِ، حتى إني في عيد الأضحى لهذا العام كتبتُ بضعةَ أسطر أعتذر فيها عن مقابلة الناس، وعلَّقتُها على باب المنزل؛ ورغم أنه لم يأتِ أحدٌ لزيارتي أصلًا، إلا أنهم وضعوا على بابي یی أنا الرجل الغريب الهَرِم المريض یی شرطيًّا يُراقبُني طوالَ أيام العيد الأربعة، ويترصَّدُ جميعَ تحرُّكاتي الشخصية دون أيِّ داعٍ سوى مُضايقتي وزيادة اضطرابي!
وكأنَّ هذا كلَّه غيرُ كافٍ، لأُفاجَأ بتفتيش منزلي في اليوم الرابع من شهر نيسان لهذا العام، وذلك أنِّي أصِبتُ بالسَّآمة الشديدة لعدم خروجي من المنزل، بسبب ظروف الشتاء ونتيجةَ المُراقبة الدائمة لتحرُّكاتي وتصرُّفاتي، فخرجتُ في ذلك اليوم أتجوَّل في الهواء الطلق مُغتنمًا اعتدالَ الجوِّ، لِأستنشقَ بعضَ من الهواء النَّقيِّ، ولأُخفِّف عن نفسي بعضَ الاضطرابِ الذي دام ستة أشهر؛ وحين عودتي إلى مكانِ إقامتي فُوجِئتُ بشُرطيَّين وقائدِهم خارج حديقةِ المنزل، وبمثلهم أيضًا على باب المنزل، وما إن دخلتُ حتى تعقَّبوني وصعدوا خلفي إلى غرفتي، وبدؤوا بتفتيش الغرفة.
— 435 —
وبما أنني مُنِعتُ من الاختلاط بالآخرين على مدى تسعة أعوام، حصرتُ هِمَّتي یی وفقَ مسلكي یی في الاشتغال بالقرآن والإيمان، لذا لم يعثروا سوى على بعض المؤلَّفات التي استنسختُها، فقاموا بمصادرتها على وعدٍ بإعادتها لي، وهذه المؤلَّفات هي:
أكثرُ من عشرين جزءًا من أجزاء القرآن المكتوبة بخطٍّ جميل وفريدٍ جدًّا، مُظهِرةً سِرَّ الكرامة ونقشَ الإعجاز لأكثرَ من ألفين وثمان مئة موضعٍ من ألفاظ الجلالة في القرآن الحكيم.
"الكلمة التاسعة والعشرون" التي يدورُ الحديثُ فيها حول بقاء الروح، والملائكة، وحقِّيّة الحشر؛ فأظهرت هذه الرسالة سرًّا عظيمًا، جعَلَها تُساوي عندي قيمة ألف ليرة على الأقل.
"المكتوب التاسع عشر" المسمى "رسالة المعجزات الأحمدية" التي تمكَّنت من إثبات البعثة النبويّة إثباتًا جليًّا كالشمس، وهي المكوَّنة من حوالي (١٥٠) صحيفة، والمؤلَّفة خلال اثنتي عشرةَ ساعة، مُظهِرةً بذلك كرامةً خارقةً لتلك المعجزات، مع سِرٍّ عظيم تحت مسمَّى التوافق، ما جعل هذه الرسالة وحدَها تُعادلُ قيمة ألف ليرة.
"المكتوب الثالث والثلاثون" المسمَّى بی"النوافذ الثلاث والثلاثون"، وهي التي أثبتت الوحدانية الإلٰهيّة كالشمس في وضَحِ النهار، وفسَّرت ثلاثًا وثلاثين آيةً عظيمة من آيات القرآن؛ وفضلًا عن سرِّ التوافقات الذي تنطوي عليه، فإنَّ لها أهميةً علمية وأدبية لدى أهل التوحيد، وتقدَّر قيمتُها المادية عندنا بألف ليرة.
نسختان من الرسالة المسمّاة بی"الكلمة الثانية والثلاثون"، التي اقتلعت الشِّركَ من أساسِه، وأثبتت الوحدانية بقوّة، وهي رسالة فريدة لا يتردَّد من فقَدَها من أهل العلم في دفع ألف ليرة في سبيل الحصول عليها من جديد.
ثلاثُ نسخ من رسالتي المسمّاة: "رسالة الاقتصاد"، وهي رسالة صغيرة، إلا أنها ذاتُ أهمِّية جليلة؛ وقد ألَّفتُها لأُنقِذ هذا الشعب الفقير من الإسراف، وأُعوِّدَه على الاقتصاد.
— 436 —
ما كتبتُه من أنوار الرجاء والسُّلوان نتيجةَ شيخوختي، وقد استقيتُها من المُنطلَقات الإيمانية الكامنة في القرآن؛ وهي عبارة عن خمس نسخ: ثلاثٌ منها تامَّات، ونسختان ناقصتان؛ وقد كُتِبت هذه الرسالة بحقيقة سامية لا تُقدَّر بثمن، من رجل هَرِمٍ على شفيرِ القبر.
تفسيرُ "إشارات الإعجاز" الذي طُبع باللغة العربية قبل خمسَ عشرةَ سنة، وقد ألِّف بين نيران الحرب العالمية، وقام حينها القائدُ العامُّ بالتبَرُّع بأوراق طباعته كي يُشاركَ في خيرات هذه الذِّكرى الحربيّة.
وكذا إحدى مجموعاتي المطبوعة باللغة العربية، المتضمِّنة لرسائل أمثال: "القطرة" و"الشَّمّة" و"الحَبّة" و"ذيل الحَبّة" المطبوعة في إسطنبول سنة (١٣٣٥)، و"ذيل ذيل الحبة" الذي طُبع في مطبعة "يني گُون" بأنقرة، و"الحَباب" التي طبعت في مطبعة أنقرة، و"الزهرة" و"الشُّعلة" التي طُبعت في إسطنبول؛ ونسختان من رسالتي القيِّمة الموسومة بی"السُّنوحات"، وقد طُبعت قبل خمسة عشر عامًا في إسطنبول؛ وثلاثُ نسخٍ تامّة وخمسُ أو ستُّ نُسَخ ناقصة من رسالتي المطبوعة التي تتحدَّث عن "سيرة حياتي"، والتي طبعت قبل خمسة عشَرَ عامًا من قِبَل ابن أخي عبد الرحمن في إسطنبول؛ ورسالتي المُسمّاة "الكلمة العاشرة" التي طبعتُها في إسطنبول قبل ظهور الأحرف المُستحدَثة، وهي رسالة قيِّمةٌ تُثبِت الحشرَ والقيامة كضوء النهار.. وغيرها من رسائلي وأوراقي الخصوصية والشخصية والإيمانية التي لا أستحضرُها.
وقد تجاوز أمرُ هذا التفتيش حدَّه، حيث إنَّهم صادروا القائمة التي تضمُّ مجموعةً من المقتنيات المنزلية كالكراسي والأواني والحديد وأشياءَ أخرى كانت قد سُجِّلت قبل ستّة أشهر حينما انتقلتُ من المنزل الذي كنتُ أُقيم فيه، ولم يعيدوها حتى اليوم.
إنني أعيشُ في هذه البلدة منذ تسعة أعوام، وخالطتُ فيها الكثيرَ من الأصحاب، ومع ذلك لم يُسنَد إليَّ حتى اليوم أيُّ جُرمٍ أو تُهمة، ولم تُسَجَّل بحقِّي أيّةُ حادثة، ولا
— 437 —
تُوجَد في حياتي أيّةُ أَمارة تَدعُو إلى الشَّكِّ أو الاشتباه؛ أما نفيي فكان نتيجةً لبعض الهواجس ولمجرَّد أخذ الحيطة دون أيِّ سببٍ فِعليّ، فكان أن أُخرِجتُ من المغارة التي كنتُ مُنزويًا فيها، ونُفِيتُ مع المَنفيِّين.
وخيرُ دليل على عدم صلتي بالدنيا والسياسة خلال هذه المدة، ما يشهد به نمط الحياة التي أعيشُها في هذه البلدة على مدى تسعة أعوام، وعدمُ استطاعة أحدٍ من دوائر الأمن أو الحكومة إيجادَ ما يُثيرُ الشبهة أو الرِّيبة في شيءٍ من رسائلي.. فإن كان لديَّ جُرمٌ فعلى الذين يدقِّقون في شؤوني خلال تسعة أعوام دون أن يقفوا على تُهمة أو أن يتمكَّنوا من إظهارِ جرمٍ، أن يُبرزُوه الآن.
(حاشية): وممّا يثير العَجَب أنهم فتَّشوا بشكل مفاجئ كلَّ الأوراق وصادروا أقدم الأوراق وأخصَّها عندي، وهي التي اضطُررتُ لإخفائها على مدى ثمانية أو تسعة أعوام تحت الظلم والاضطهاد، فأخذوها جميعًا ولم يتركوا منها شيئًا، إلّا أنهم لم يعثروا فيها على شيءٍ يثيرُ الشَّك أو يدعو للارتباك أو حتى ما يبعث على الخجل! ممّا يُظهر مدى بشاعة ما يقومُ به أهلُ الدنيا المُغرضون من أساليب الاضطهاد والمضايقة والمراقبة الظالمة نتيجةَ أوهامهم وسوء ظنونهم.
فيا تُرى! لو أُخِذ یی من بين مَن يُثير هذه الاتِّهامات یی أصغرُ أو أكبر مُوظَّف يَعُدُّ نفسه صادقًا وأمينًا تجاهَ وطنه وشعبه، وصُودرت جميع أوراقِه الخاصّة المدوَّنة في ثمانية أشهر لا ثمانية أعوام، ودُقِّق فيها، ألا يُمكن أن تُوجد فيها ثماني أو تسعُ موادَّ تُقلِقُه وتُخجِلُه؟!
لقد تضرَّرت شخصيًّا من فقدِ هذه الكتب بما تُقَدَّرُ قيمتُه المادِّية بألفَي ليرة على أقلِّ تقدير، إذ لم يتركوا عندي نسخةً واحدةً لأيٍّ من هذه الكتب والرسائل، وقد أنفقتُ في وقت مضى (٢٥٠) ليرةً لطباعة تفسير "إشارات الإعجاز" فقط، و(٣٠٠) ليرة لطباعة المجموعة العربية؛ ناهيك عن أنَّه ليس ثمّة عالمٌ ولا أديبٌ يُنكر أنَّ ما في الكلمتين "التاسعة عشرة" و"التاسعة والعشرين" من الأسرار الجليلة ما تفوق قيمتُه ألف ليرة.
ولا يفوتكم أنَّ الحكومة نظرت إليَّ قبل ثلاثة عشر عامًا باعتباري رجلًا قادرًا على تقديم أعمالٍ في "دار الحكمة" تستحقُّ من الأجرِ مئةَ ليرة، فخصَّصت لي هذا الراتب شهريًّا.
— 438 —
أما في هذه الأعوام الثمانية فمُنِعتُ من التجوال والاختلاط بالآخرين، لدرجة أنه لم يُسمَح لي سوى مرَّتين بالذهاب إلى قرية "إيلاما" التي تبعد مسافة نصف ساعة، وليس لديَّ موردٌ أو مالٌ، ولم أستطع إيجادَ عملٍ مناسبٍ لِسِنِّي في هذه القرية، ومسلكي في حياتي يقومُ على عدم قبول شيء من الآخرين.. فلأجل ذلك كلِّه أُحيلُ إلى الادِّعاء العامِّ أمرَ تقديرِ مدى ما أعانيه من تشتُّتٍ وخسارٍ وأضرارٍ، وأُطالبُ برفع دعوى لأجل إعادة جميع كتبي، أو تضمين المُتسبِّبين بهذه الأضرار بتعويضِ هذه الخسائر.
تتمّة: إن قوانين الحكومة لا تسمح بتقديم دروس في الطريقة، ولا بكتابة الرُّقى والتمائم، ولا بكسب النفوذ بين الناس؛ ولستُ ممَّن يهتمُّ بهذه الأمور، كما أنَّ الحكومة لا توافق على قدومِ الناسِ لزيارتي، وقد رغب بعضُ الأشخاص عدة مرات بزيارتي من أجل تلقِّي دروس الطريقة وكتابة الرقية، ورفضتُ بدوري هذا الأمر مراعاةً لقوانين الحكومة، ولكيلا أُثيرَ شُكوك موظفي الحكومة تجاهي، وبحسَبِ ما بلغني فإن الذين تذمَّروا من حالتي هذه، نسبوا إليَّ أمورًا كاذبةً لا أصل لها!
فهذا التضييق الشديدُ عليَّ لأجل هؤلاء الأشخاص الذين رفضتُ استقبالَهم رعايةً لقوانين الحكومة، وهذا الاضطهادُ الممارَس ضدِّي لأنني لم أتصرَّف خلافًا للقانون.. ألا يُفهَم منه معنى إجبار الناس على عدم الإصغاء للقوانين؟!
لقد تحمَّلتُ على مدى تسعة أعوام شتَّى صُنُوف التعذيب التي تعرَّضتُ لها في شؤون حياتي الدنيوية، وصبرتُ عليها ولازمتُ السكوت؛ ولم أتدخَّل في حياتهم الدنيوية، إلا أنَّ صبري نَفِد حينما بلغ الأمر درجةَ اعتدائهم على حياتي الأُخروية، فاضُطِررتُ لرفع دعوى حتى أَحصُل على حقوقي.
سعيدٌ النُّورْسيّ
٭٭٭