— 439 —
(هذا القسم يضمُّ المكتوبات التي كُتبت حينما كان الأستاذ في "قَسْطَموني" و"أميرداغ"، وأُدرجت بين نسخ المخطوطة بخطِّ اليد)
(استخرج هذه الفقرة أحمد نظيف چلبي أحد تلاميذ رسائل النور النَّشِطين، فاستُحسِن توثيقُها كآية ثانية وثلاثين للشعاع الأول، وبين فقرات المكتوب السابع والعشرين):
يقول: استمعتُ إلى آياتٍ من سورة الأحزاب على لسانِ أحدِ الحَفَظة، وشعرتُ أنَّها تتضمَّن إيماءً ورمزًا إلى رسائل النور، بل لربَّما إشارةً أيضًا، وهي الآيات التالية:
﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ٭ وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ٭ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ٭ تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا ٭ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ٭ وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا ٭ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا
أجل، ما دامت الآيات التي تتحدَّث یی كهذه الآية یی عن مُهمّة الرسالة والدعوة، تتوجَّه إلى كل عصر، ولها في كل عصر أفرادٌ ومصاديق..
— 440 —
وما دام الإعجازُ المعنويُّ للقرآن الكريم من شأنه یی بل من مقتضاه ولازِمِه یی استمرارُ المزايا والنُّعوت التي أُوتيَها الرسولُ الأكرم (ص) في هذه الآيات في كلِّ زمان، وتجدُّدُ حُكمِها في كلِّ عصر، وشُمولُها بالمعنى الرمزي تحت تلك الصفات لمؤلَّفاتٍ كرسائل النور، ولشخصيّاتٍ متجدِّدة تُؤدِّي هذه الوظيفة في دائرة إحاطة هذه الآيات..
وما دامت رسائل النور تقوم بالوظيفة التي أشارت إليها هذه الآية في هذا العصر العصيب وبغاية البراعة، وترقى لأن تكون أحدَ أفراد معانيها الكلِّية..
فيُمكنُنا القول: إن هذه الآية آيضًا یی كسائر الآيات الإحدى والثلاثين الواردة في الشعاع الأول یی تتوجَّه إلى رسائل النور بالمعنى الإشاريّ، بأمارات متعدِّدة وقرائن خفيّة كثيرة؛ وهي على النحو التالي:
تقول جملة: لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا بمعناها الإشاري: يا أهل الإيمان والقرآن، إننا ننظر إلى عصرنا هذا وإلى لَمْعة قرآنية مُظهِرةٍ لاسم النور واسم الرحيم، وفي اسمها نور، وفي معناها الرحمة والشفقة، وأخرجَتْكم من ظلام دامس وقَتام حالكٍ ظلَّ مخيِّمًا عليكم حتى سنة (١٣٧٠)، إلى الأنوار النابعة من القرآن، وإلى أضواء الإيمان.
وثمّة أمارة وقرينة أخرى سوى المطابقة المعنويّة، وهي أن المقام الجفري لجملة: إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا تساوي (٩٤٧) باحتسابِ الشَّدة والتنوين، وتتوافق تمامًا مع مقام اسم "رسالة النور" البالغ عدده (٩٤٧).
أما المقام الجفري لجملة: إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا فيُشير إلى العام (١٣٢٣)؛ ويبشِّر أهلَ الإيمان ممَّن تسلَّل إليهم اليأسُ جراءَ وقوع الانقلابات الرهيبة في دار الخلافة في ذلك الوقت، كما يشير إلى شاهدٍ حقيقيٍّ يشهد شهادةً عالية على أحقِّية الإسلام وقوَّته، واستمرار الدعوة النبويّة عبر وُرّاثها من أهل العلم والدعوة.
— 441 —
أما المقام الجفري لجملة: وَنَذِيرًا ٭ وَدَاعِيًا إِلَى اللهِ
(حاشيةیی١): كما أن كلمة وَدَاعِيًا إِلَى اللهِ تتوافق مع المقام الجفري لاسم حقيقي لرسائل النور: "بديع الزمان"، وكذلك كلمة وَدَاعِيًا فقط تشتركُ مع اسم ترجمان رسائل النور: "سعيد" بثلاثة أحرف، وتتوافق معه بفارق ثلاثة، لأن مجموع التنوين والألف والواو تساوي (٥٧) وتنقص ثلاثة عن حرف السين.
من طلاب رسائل النور تحسين (عبد الرحمن الصغير)
فيُحتسَب التنوين لأنه ليس في موضع وقف، ويشير بالتالي إلى العام (١٢٥٦)، وينظر إلى المقدِّمات التي أُعدَّت قبل قرنٍ واحد لخسف الإسلام في هذا العصر؛ وتساوي كلمة: وَدَاعِيًا إِلَى اللهِ العدد (١٩١) المقامَ الجفري للاسم الحقيقي لرسائل النور: "بديع الزمان"، فتومئ بذلك إلى أن رسائل النور أيضًا من الدُّعاة إلى الله في ثنايا ذلك الخسف.
أما بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا
(حاشيةیی٢): إذا حسبنا التنوينَينِ ألفًا كان المقامُ الجفري (١٣٣٠)، وبذلك يرمز إلى سنة ظهور تفسير "إشارات الإعجاز" الذي هو فاتحة رسائل النور؛ وإذا حسبنا التنوين الأول في وَسِرَاجًا مُنِيرًا كان الناتجُ (١٣٨٠)، ويرمز إلى أن رسائل النور سراجٌ منير سيضيء وجه الأرض بعد (٢١) عامًا. من طلاب رسائل النور تحسين
فإنَّ كلمة وَسِرَاجًا مُنِيرًا وحدَها تنظر بالتوافق لفظًا ومعنًى وجفرًا لأحد أسماء رسائل النور: "سراج النُّور"؛ فيُقابلُ حرفا (الميم والياء) في مُنِيرًا حرفَ النون المشدَّد في "النُّور".. يُمكننا القولُ بكلِّ ثقة ودونما تردُّد: إن إطلاق سيِّدنا عليٍّ كرَّم الله وجهه یی بكرامةٍ غيبية یی اسم "سراج النُّور" على هذه الرسائل، إنما هو مُستلهَمٌ من هذه الجملة التي في الآية.
أما المقام الجفريُّ لجملة: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا فيُشير یی باحتساب الشَّدّة یی إلى العام (١٣٥٩)، ويتوجَّه إلى السَّنة التي نعيشُها في هذا العصر، فتُخبر بالمعنى الرمزيِّ أن هنالك إحسانًا عظيمًا سيتلقّاه أهل الإيمان.
— 442 —
ونجد أن أعظم إحسان في هذا الزمان هو إنقاذ الإيمان، وأن في مقدِّمة المنقذين للإيمان رسائل النور ببراهينها الدّامغة؛ وبالتالي فتعدُّ فَضْلًا كَبِيرًا بالنسبة إلى هذا الزمان.
ومما يُقوِّي هذه الإشارة أن كلمة فَضْلًا في جملة: فَضْلًا كَبِيرًا تساوي (٩٦٠)، فعندما ينقلب اسم "رسالة النور" من الإضافة إلى الوصف يصبح "رسالة نورية"، فيكون مقامه (٩٦٢)، ويتوافق مع السابق بفارق عددين فقط، ويُشير إليه رمزًا وإيماءً.
فيا ربي وإلٰهي، احفظ رسائل النور ومؤلِّفها أستاذَنا سعيدًا النورسي وطلاب رسائل النور وتلاميذها ومنتسبيها في كنف حفظك، وظِلِّ أَمنِك وأمانِك، ودائرة حصنك الإلٰهيّ.. آمين؛ وثبِّتهم في خدمة الإيمان والقرآن على الدَّوام.. آمين؛ وسدِّدهم وأَعِنهُم واكتب لهم التوفيقَ في خدماتهم المقدَّسة.. آمين؛ واجعلهم مظهرًا للسرِّ الأعظم للقرآن المعجز البيان العظيم الشأن، وللسرِّ القدسيِّ لمعرفة الله ومحبة الله ومحبة رسول الله، وللسرِّ الأعظم لی حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، وللُطف وجمال رضا الله ورؤية جمال الله... يا رب العالمين.
وصلَّى الله على سيِّدنا محمَّدٍ وعلى آله وأصحابه وأهلِ بَيته أجمَعين الطَّيِّبين الطَّاهرِين.. آمينَ آمينَ، بحرمة سيِّد المُرسَلين، والحمدُ لله رَبِّ العالَمين.
طالبكم وخادمكم الفقير العاجز الضعيف المذنب
أحمد نظيف چلبي من إينه بولو
٭٭٭
— 443 —
(فقرة لأحمد نظيف چلبي، وكان قد كتَبَها بسبب رفضي هدية قدَّمها لي بمناسبة العيد):
باسمه سبحانه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أبدًا دائمًا
سيدي وأستاذي العزيز الجليل، الشَّفوق المُضحِّي العظيم...
تلقَّيتُ رسالتك القيِّمة من مكتب البريد ليلةَ الثالث والعشرين من شهر رمضان المبارك، قُبيل الإفطار بعشر دقائق، فألفيتُها رسالة نفيسة تفوقُ قيمتُها خزينةً ملأى بالجواهر، بل لا تُقاسُ بمقاييس مُتَع الحياة الفانية؛ فكان إفطاري يومَها إفطارَين.. أسأل الله القبولَ، والحمد لله هذا من فضل ربي.
كنتُ أتوجَّسُ خائفًا من تعرُّضي لانتقادات أستاذي العزيز، بسبب ما كتبتُ له سابقًا من بضعة أسطر سطحية تافهة؛ وإشغاله أكثر من اللازم، إضافةً إلى قبولي للهدايا المتواضعة المقدَّمة من أخينا زكريا دون إذنه، واجترائي على تقديمها له ضمن هدايانا؛ فما إن استلمتُ رسالتَكم من ساعي البريد، حتى أسرعتُ لفتحِها وأنا واقف على قدميَّ رغم اقترابِ وقت الإفطار، فكأنَّ ابتسامتكم تراءت أمام عيني بلمح البصر، وأنتم تخاطبونني بخطِّكم الجميل اللطيف الأخّاذ قائلين: "لا تخف"؛ فلم أتمكَّن لفرط سعادتي من إتمام قراءة الرسالة، وطفقتُ أركضُ مسرعًا باتجاه المنزل، وأتممتُ قراءَتها مع الإفطار.
أستاذي الحبيب الشَّفوق، وردت إلى خاطري بشارات محيي الدين ابن عربي، وأيقنتُ بما وجدتُه فيكم من معاني الشفقة الأبوية، أنكم نلتُم جزءًا من شفقة الأبوّة التي بشَّر بها هذا العالِم الجليل؛ فأسأل الله القدير المطلق أن يرضى عن أستاذنا كثيرًا كثيرًا، وأن يرزقنا الثبات والدوام في خدمته وخدمة القرآن، وأن يجعلنا مظهرًا لأدعية أستاذنا القيِّمة وإشاراته السّامية... آمين بحرمة سيِّد المرسلين (ص).
— 444 —
أستاذي الشَّفوق، لا يمكنُ التعبيرُ عن مدى فرحة خادمِكم الضعيف الفقير العاجز، وسرورِ طالبِكم المُقصِّر المحدودِ الإدراك والضيِّقِ الإحاطة والمُختلِّ الشعور، إذ أضحى مظهرًا لحُسن قبولكم ورضاكم عن مساعيه التي لا تَعدُو مقدارَ ذرّة في خدمة القرآن ونشر رسائل النور.
ولستُ أدري كيف أشكرُ الله تعالى الفياض المُطلق، المطَّلع على حاجات عباده، والسّامع المجيب لمطالبهم بصرف النظر عن ذنوبهم، والمُمسِك بزمام جميع الموجودات بعظيم قدرته، ووليُّ كلِّ شيء ومالكه وحاكمه، أن جعَلَنا مظهرًا لمثل هذه التقديرات المعنوية السّامية، ومنَّ علينا بكم أستاذَنا رغم ذنوبنا وتقصيرنا، تتويجًا لبحثنا ولهفتنا على مدار ثلاثين عامًا، واستجابةً لأدعيتنا ومناجاتنا على مدى عشرة أعوام.
أستاذي الجليل، نسألُكم الدعاء لنا أن يجعلنا الله مظهرًا لسرِّ "تقبل الله" لقاء خِدمتنا اليسيرة، ولقاء ما نقدِّمه من حمد وشكرٍ لا يبلغ مقدارَ قطرة في حياتنا الدنيوية القصيرة.
ومع استحضاري دومًا لمكتوبكم الثاني من مجموعة "المكتوبات"، وحرصي على إجابة أوامركم، إلا أنَّ دافعًا مجهولًا في داخلي يسوقني تجاه مخالفته! غير أنَّ نيَّتي خالصة، ووفائي جادٌّ، وعلاقتي متينة.
لقد أكرمنا الله نحن وسائر أبناء هذا الوطن بصاحبِ شخصية عظيمة كی"وديعة الله"، مُبَرَّأ من شتى أنواع الرياء، ولا ينتظر ولا يلتفت إلى أيِّ منفعة مادية، ويعمل في سبيل الرضا الإلٰهيّ فقط، وباسم القرآن، وبهدف خدمة رسائل النور، وخدمة الحقائق الإيمانية؛ ويسعى جاهدًا لإرشاد العاجزين العصاة والمذنبين من أمثالنا إلى سبيل الهداية والرشاد، ولدعوة أهل الضلالة وأهل البدعة إلى طريق الحق.. وكما يقدِّم هذا الضيفُ العزيز العونَ المعنوي لأمثالنا من المذنبين، ويسعى جاهدًا ليل نهار لإرشادنا إلى سبيل نيل العفو وغفران الذنوب، فكذلك نشعر نحن أيضًا بأننا مكلَّفون بالمضيِّ قدُمًا في بذل العون المادي له في سبيل مرضاة الله وحده؛ كما أن الأوامرَ القرآنية والتوجيهات النبوية توصينا بی وَتَعَاوَنُوا أي: قدِّموا يدَ العون للغرباء.
— 445 —
أستاذي الحبيب الجليل، أرجو المعذرة، أعلمُ أنك لا تقبل الهدايا، إلا أنني اضطررت تحت إلحاح الأصحاب لإحصاءِ بعض المساعدات كالزكاة والصدقة، وقدَّرتُ أنَّها تلزمكم لتوفير بعض حوائجكم المادِّية، وفي دفعِ إيجار المنزل والمستلزمات الضرورية الأخرى كالحطب والفحم.
على أنِّي أُوصي أصحابي وأعلِّمُهم دومًا صرفَ التفكير عن أيِّ منفعة مادِّية، كيلا تختلَّ قاعدة أُستاذِنا بعدم استخدام الدِّين أداةً للدنيا، فلا يليق أن يُستغَلَّ الدِّينُ لتحصيل المنافع المادِّية، حتى إنني أقلِّد أستاذي في عدم الدخول تحت مِنّة أحد أثناء نشر رسائل النور.
أستاذي الجليل الشَّفوق، بقي أمرٌ واحد، وهو أنَّ خادمَكم هذا يودُّ أن يُقدِّم لكم بعضَ العونِ المادِّيِّ، لا باعتبارِكم أُستاذًا له، وإنما باعتباركم ضيفًا عزيزًا غريبًا حلَّ بنا، وحرصًا على مرضاةِ الله وحدَه؛ وأتضرَّعُ إلى الحق سبحانه ذي القوة والقدرة والعظمة أن يجعل من هذا العون مظهرًا لحسن القبول، كيلا يُلحِق بكم الضررَ المعنوي.
أستاذي العزيز، كلُّنا أملٌ بزيارتكم في العيد وتقديم الاحترام والتوقير لكم، كما أبارك لكم أنا وجميع أصحابي وباسم عموم طلّاب وتلاميذ رسائل النور وخُدّام القرآن الحكيم، قدومَ شهر رمضان الشريف وليلة القدر وعيد الفطر المبارك السعيد، ونسأل الله تعالى ونتضرع إليه أن يبلِّغنا رمضانات عديدة، مع المزيد من الأصحاب والإخوة، وأنتم قائمون على رؤوسنا، ونقبِّل أيديَكم المباركة، ونرجوكم الدعاءَ بالخير، ونبتغي إرشادَكم النافع أستاذي الجليل.
طالبكم وخادمكم المذنب،
المحتاج دومًا لدعائكم السّامي
أحمد نظيف
٭٭٭
— 446 —
(فقرة عبد الرحمن تحسين):
أستاذي الجليل، إنني أَعُدُّ نفسي محظوظًا وسعيدًا على الدوام بما تلقَّيتُه من هذا الدرس القيِّم النفيس، الذي يشكِّل منبعَ فيض الإيمان، وماء كوثر الحياة؛ وكذا بقبولي في دائرة رسائل النور.. إلا أنني لا أملك السُّرعةَ اللازمة للكتابة، فينتابُني الحُزنُ قليلًا لتأخُّرها.
ألتمسُ منكم الدُّعاءَ بالخير والتيسير، وأن يكتب الله لنا التوفيق والنجاح.. أُقبِّل أيديكم بكمال الإجلال والاحترام أستاذي الموقَّر.
يومه صائم وليله قائم..
كأنه في مقام العاشقين..
ليلة نصف الرغائب..
تارك الدنيا وتائب..
ناشر رسائل النور
بديع الزمان محب الجَيلان
يا فريد عصر الزمان
إنك حكيم القلوب
طالبكم الفقير
عبد الرحمن تحسين
٭٭٭
— 447 —
(فقرة من رسالة أحمد نظيف):
نحن لسنا عديمي الإحساس والمسؤولية في فطرتنا وخِلقتنا حتى نتأخَّر عن أداء واجب الخدمة، كيف ونحن نَعُدُّها دَينًا ماديًّا ومعنويًّا في أعناقنا! وبما أنَّ الخالقَ الرحيم قد خلَقَنا بشرًا، فعلينا أداءُ ولو واحدٍ بالألف من المسؤوليات التي كُلِّفنا بها، ومن غير اللائق بنا إهمالُ المسؤوليات التي تُمليها علينا فطرتُنا الإنسانية كليًّا.
وأمّا أستاذنا العزيز یی ذاك الضيفُ المبارك الغريب، ذو الهِمّة والتضحية والتصبُّر یی فمع أنَّه يجدُنا مُعذَرِين في هذا الأمر، إلا أنَّه يملأ بالأنوار قلوبَنا نحن العُصاةَ المذنبين؛ ورغم أنَّ سواعدَنا لا ترقى لتلقِّي هذه المعاني، إلا أنَّنا نجدُ السُّلوان حين نُوفي بعضَ ديونِه بما نقدِّمه من مادِّيات هزيلة زَهيدة.
وأرجو المعذرة منك أستاذي، لكن هل في العالم كلِّه إنسانٌ مسلمٌ يسمع نداءات دَلّال القرآن فيَصُمُّ أذُنَيه عنها؟! حاشا ثم حاشا.. فشُعاعات أنوارك تكاد تبهر أبصارنا، وما تزال تربط قلوبنا بتمام النقاء لله وللقرآن، ولمحبة رسول الله (ص) ووَرَثة قائد العالمين، مثلما كانت على الدوام.
وأمّا هذه الرابطة ففي غاية القوّة والمتانة، فلو اجتمعت قُوَى سائرِ كفرة العالَم یی وليس المادِّيين والمُلحِدين وفِرَق الضلالة فقط یی فلن يمكنهم أن يَفصِموا عُرَى هذه الرابطة القلبية المُقدَّسة.. الحمد لله، هذا من فضل ربي.
ولستُ أرضى بتكلُّفِكم مشقّةَ كتابة رسالة لي ما دمتُم ترون الأمرَ غيرَ لازمٍ أو ضروري، ولا يَشغَلْ بالَكم حُزني على فوات هذا الأمر، فأعظمُ الأخطاء في نظري أن أُشكِّل مانعًا لأُستاذِنا الجليل من تأدية وظيفته السّامية، بل أَعُدُّ ذلك قِلّةَ احترام.
أحمد نظيف چلبي
٭٭٭
— 448 —
باسمه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته بعدد حروفات رسائل التي كتبتم وتكتبون
إخواني الأعزاء الأوفياء..
لقد عزَّز أملي وتفاؤلي كتابتُكم القسم الثاني من الفهرس الموسوم بالشعاع العاشر! حقًّا لقد وجَدَت رسائلُ النور فيكم یی وما تزال یی أمثالًا كثيرة من "السعيدين" الشباب الأقوياء بدلًا منِّي أنا الضعيف المسكين والعاجز الهَرِم.. لذا فإنني أعتقد أنَّ مسؤولية إتمام رسائل النور باتت بعد هذا اليوم مُلقاةً على عواتقكم، وذلك من خلال إيضاحها وبيانها وإثباتها ووضع الحواشي والتعليقات الشارحة لها، ولعلَّ من أمارة ذلك أنني حاولتُ مرّاتٍ عدّةً تدوينَ الحقائق التي أُخطِرت في هذا العام، إلا أنني لم أُفلِح.
أجل، تمتلك رسائلُ النور الكفاءةَ لأن تكون مرجعًا تامًّا لكم، فلو جُمِعت فِقراتٌ متفرِّقة من الرسائل حول كلِّ ركن من أركان الإيمان، مثلَ إثباتِ أنَّ القرآن كلامُ الله، أو إيضاحِ نكاتِ إعجازه، أو جمعِ البراهين المتنوِّعة حول الحشر، وهكذا.. فيمكن أن تكون إيضاحًا وشرحًا وحاشيةً جيدةً ومتمِّمة.
وفي اعتقادي أن رسائل النور قد أحاطت بالحقائق الإيمانية السامية بشكل تامٍّ، بحيث يُغني النظرُ فيها عن المراجع الأخرى، سوى ما تستدعيه الحاجة أحيانًا من بعض التوضيح والتفصيل؛ ولهذا فإني أعتقدُ أنَّ وظيفتي قد انتهت، وأن وظيفتكم ما زالت مستمرّة، وذلك من خلال الشرح والإيضاح، والتكميل ووضع الحواشي، وعبر النشر والتعليم، ولربما بتأليف المكتوبين الخامس والعشرين والثاني والثلاثين، وإتمام المقامات التسعة للشعاع التاسع، إضافةً إلى تنظيم رسائل النور وترتيبها وتفسيرها وتصحيحها.
— 449 —
إن شخصًا معنويًّا مُترشِّحًا من قوّةِ تعاضُد وإخلاص هيئة تلامذة النور الجادِّين المُخلِصين، لهو بحقٍّ مرشدٌ قدير وركنٌ شديد.
تَذكُرون في رسالتكم أن هيئةَ المباركين تجمع المكاتيبَ المرسلة منّا على شكل رسالة واحدة، وأنَّ خسرو قد أحال إلى كلٍّ من الحافظ علي وصبري طيَّ بعضِ الجمل الفرعية الخصوصية وبعض الفِقرات غيرِ اللازمة، فإن ما ارتآه خسرو بحقِّ رسائل النور نظرٌ صحيح صائب، فهو ذو نظر دقيقٍ صائبٍ ثاقبٍ ذي كرامات.. فلو طُوِيت بعض كلماتٍ خاصّة فرعية مؤقَّتة من مؤلَّفٍ كُتب له البقاء، لكان أمرًا حسنًا.
وجدنا في رسالتكم الواردة هذه المرة ثلاثَ نقاطٍ ذاتِ كرامات:
الأول: قدم إلينا طالبٌ نشيط من طلاب رسائل النور بعد أن أنهى خدمته في الجيش، وهو الخسرو الصغير: محمد فيضي، وقد ظهر من هذا الطالب إخلاصٌ واقتدارٌ وارتباطٌ يمكِّنه أن يكون بمثابة خسرو لهذه المنطقة؛ وما كدنا نلتقي به مرتين حتى وجدنا في رسالتكم اسمَ فيضي، فقلنا: إن تلاميذ رسائل النور هؤلاء مهما كانوا بعيدين عن بعضهم، إلا أنهم قريبون جدًّا حتى إنهم شعروا بهذا الأمر وكتبوه.
الثانية: عندما كان فيضي (خسرو الصغير) مؤخَّرًا في إسطنبول، شغَلَني أمرُه جدًّا، نظرًا لدوره في خدمة رسائل النور، فكنتُ في غاية الحزن! تُرى هل هو مريض؟! وفجأةً انصرف ذهني عنه وصرتُ أفكِّر بالحافظ علي، فأدركتُ أنَّ ثمّةَ أمرًا يستدعي القلقَ، لكن من جهة الحافظ عليّ الذي يُعَدُّ مركزًا نشيطًا لرسائل النور.
وبدأتُ أدعو بالشِّفاء للحافظ عليّ بشكل مستمرّ، وقبل وصول رسالتكم سألتُ فيضي: هل اشتكيتَ من مرضٍ ما؟ فأجابني: لا. فقلت له: ما دام الأمرُ كذلك، فإن ركنًا قويًّا ومُهِمًّا من أركان رسائل النور في "إسبارطة" يعاني مرضًا شديدًا.. إلا أن حَدْسي لم يُصِب في تحديد الجهة حتى وصَلَت رسالتُكم، فاتَّضحت الحقيقة.
الثالثة: قبل عشرين يومًا وبعد مرور الأيام المباركة، تذكَّرتُ أمر طيِّ بعض الأسماء بشكل مؤقَّت، وكان أصحابُها ضمن دائرة التلاميذ الخواصِّ بأسمائهم الخاصّة؛ وكأنه
— 450 —
قيل لي: حسبُ من لا يستخدمون أقلامَهُم يوميًّا في الوظيفة ما ينالونه من أسهُمٍ وأجورٍ تتجاوز مئة مرة يوميًّا وعلى مدار أربع وعشرين ساعة، وذلك ضمن الصفة الإجمالية الجامعة لطلاب رسائل النور؛ وإنَّ من بين هؤلاء أخانا حقِّي أفندي.. واستمرَّ الأمر هكذا بضعةَ أيام، وإذا بحقِّي يعود مجدَّدًا لصحبة خلوصي ودون أيِّ سابق إنذار، فيدخل باسمه وشكله ضمن دائرة الطلاب الخواصّ! وإننا نعتقدُ أنه في ذات اللحظة التي قال فيها حقي: "لا ينسني من دعائه" یی كما ورد في رسالتكم یی قد حاز على الدعاء الخاصِّ هنا.
وفي هذه الأيام ظهرت لَمَعاتٌ كثيرة تُشبه هذه العنايات، وسوف يقوم "أمين" بتوثيقها في فقرة يسمِّيها: "الأحداث اليومية"، وقد يرسِلُها إليكم أيضًا؛ وأمّا طُلّاب رسائل النور الصغار فهم ينالون سهمَهُم الآن ضمن دائرة الطلاب، وذلك باعتبارهم تلاميذَ للأنوار نُشَطاءَ أجلّاء في المستقبل.
عندما كان محمد فيضي يبحث عن مؤلَّفات سعيد القديم في إسطنبول، جمع البطل رشدي في اليوم نفسه كلَّ ما وجده في إحدى الدكاكين واشتراهم جملةً، فدفع الحزن خسرو الصغير للبحث في مكان آخر حتى وجد "إشارات الإعجاز"، فقال: لعلَّ الذي سبقني في هذا الأمر هو أحدُ إخواني من "إسبارطة" السبَّاقين لي دومًا.
على كل حال.. تتطلَّب هذه النسخة من "إشارات الإعجاز" كتابة الكرامات التوافقية الموجودة في نسخ الحافظ علي وصبري، وأسهل طريقة لذلك كتابة حروف الهجاء (ألف.. تاء..) في دفتر صغير في كل صحيفة، مقابل صحيفة من التفسير؛ وإن وجدتم هذا العمل غيرَ ميسَّر لكم فاتركوه.
سلامي لجميع إخواني فردًا فردًا، وخاصة من لهم علاقة برسائل النور، وأدعو لهم جميعًا، وأرجو دعاءَهم.
ملاحظة: يُسلِّم عليكم أمين وخسرو الصغير والحافظ توفيق.. وأمّا تحسين فقد غادر لأداء الخدمة في الجيش.
أخوكم سعيدٌ النُّورْسيّ
٭٭٭
— 451 —
(فقرة لأحدِ أهمِّ تلاميذ رسائل النور: يوسف):
﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾
وبه نستعين
إنَّ من لُطف ربِّنا الرؤوف الرحيم وعظيم منَّتِه سبحانه: أن أهدى لعباده مفتاحًا لنيلِ كرمه وكسبِ إحسانِه، وهو التوبة والاستغفار؛ وإنني یی أنا يوسف طوپراق، المذنب المحدود الأدب یی لم أَقدُر قدرَ التجلِّيات التي منحني الله إيّاها لاعتسافي وكبيرِ فضائحي، ولم أَشكُره على تلك المنح حقَّ شُكره، بل قابلتُ ذلك الإكرامَ بكُفران النعمة ونقض العهد وتعمُّد الكذب وارتكاب الخيانة؛ لذا ابتُلي قلبي بقسوة شديدة وظلمة كثيفة، واجتاحت روحي ضلالةٌ رهيبة، خلَّفت في نفسي جروحًا عميقة وقروحًا سحيقة، فشرعتُ أتحرَّى السبيلَ لعلاجها، وأضعتُ في هذا السبيل عقلي، وفقدتُ ذوقي، وصرتُ شِبهَ مجنون!
ولم تتمكَّن من تضميدِ جراحي وإقناعِ عقلي وإسكاتِ لَهفَتي سائرُ الأدوية التي تلقَّيتُها من كلِّ طبيبٍ معنويٍّ راجعتُه؛ وفي الوقت الذي كنت أبحثُ فيه عن مرشد يساعدني في تطهير ما ران على قلبي من سوادِ الذنوب، ويكونُ عونًا لي في طريق الحقِّ، مُتوسِّلًا هديَ الآية الجليلة: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، إذا بي أتعرَّضُ للنفي من مدينتي إلى "قَسْطَموني" دون أيِّ سبب ظاهر! ما حزَّ في نفسي كثيرًا، وجعل اليأسَ والأسى يلفُّني.
وما كنت أعلم أنني بهذا النفي سأغدو مظهرًا للآيات الكريمة: وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ، فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا؛ وما كنتُ أُدرِك أنَّ هذا النفي إنما كان لأتعرَّف أطبّاءَ حاذقين، قادرين على معالجة جراحي المعنوية، ولأُعاين بنفسي مدى تأثير ما يملكون من علاجٍ قويّ؛ ولأُبصرَ جلوة اسمَي: "الحيّ والحكيم"؛ فأُغدقَ عليَّ بذلك مِنّةٌ أُخروية فوق مِنّة، وتملَّكني العَجَبُ من هذا الأمر، فمن أنا رغمَ كلِّ أخلاقي
— 452 —
الفاسدة حتى أنال هذا الإحسانَ العظيم؟! غيرَ أنِّي تذكَّرتُ إشاراتٍ جليلةً أمثال: "من طلبني وجَدَني"، و وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا، و يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا، ووجدتُ فيها السُّلوانَ.
يا طبيبَ جروحي، ويا منقذ روحي الهاوية في وديان الضلالة، ويا مرشد السَّبيل الإلٰهيِّ المقدَّس..
حينما التقينا لأوَّل مرة رأيتك عَرَضًا عند القلعة، ولم يكن بيننا سابقُ معرفة، إلا أنِّي سأَلتُك: هل ثمّة طريقٌ قصير يُنجينا من الضلالة، ويوصِلُنا إلى رحمة الباري سبحانه؟ فتفضَّلتُم قائلين: "هنالك سبيلٌ قرآني قصيرٌ جدًّا"، إلا أنني بتأثير ضلالتي واستحكام غفلتي وتسلُّط أنانيتي لم أدقِّق كثيرًا فيما انطوى عليه هذا الجواب القصير من عظيم الحكمة وفيوض الرحمة، وظلَلتُ سادرًا في دروب الهلاك المعنويِّ مُدّةً أخرى من الزمن.
حتى وقَعَت بيدي نسخةٌ من مكتوبات رسائل النور، حقيقٌ بها أن يُطلَق عليها: أنهار النور، فأبحرتُ في حقائق محتوياتها؛ وبأثرٍ من العناية الربانية والمعجزات القرآنية والهِمَم السُّبحانية والكراماتِ الروحانية، دقَّت مطرقةُ التنبيه في قلبي القاسي وروحي العاصي وعقلي الغافل ووجداني المغرور وفكري السقيم، وأحدَثَت في نفسي ثغرةَ يقظة! ففكَّرتُ على الفور في أن مداد أقلام العلماء أغلى من دماء الشهداء، وتذكَّرتُ أحاديثَ نحو: "العلماء ورثة الأنبياء"، "علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل"، واستحضرتُ ما عرَضَه سيِّدنا عيسى عليه السلام على الحواريِّين، وما أخبر به سيِّدنا محمد (ص) الأنصارَ، وما أجابوهما به.
وفي هذا الزمان الجدير بأن يُوصَف بأنَّه: "زمن الفترة"، أدركتُ یی بل أيقنتُ یی أنَّ من الضرورة بمكان اتِّباعَ رجل في مقام وُرّاثِ النبوة، يسعى في سبيل إعلاء كلمة الله بكل ما يملك، ويبذُل جُهدَه ليُنيرَ طريقَ الحق، ويُنقِذَ المُنجَرِفين في أمواج الضلالة.
وأن من اللازم مَدَّ يدَ العون لهذا الرجل، لعلَّها تكون فرصةً أغتنمُها لأحظى بمظهرية الانتقال من الظلمات إلى النور.. إلا أنِّي لم أُدرك معنى هذه الفضائل
— 453 —
والمعاني، إذ إن تقدير الفضيلة إنَّما يكون بمعرفة الفضيلة، وأنا مخلوقٌ بسيط مُستَكينٌ تحت تأثير حجب الضلالة الكثيفة الشديدة النازلة على قلبي.
ورغم تصرُّفاتي المُشعِرة بالتردُّد، إلا أنَّكم بجميلِ لُطفِكم قبلتموني في مجلسكم، وأيقظ الآمالَ والرغبةَ في نفسي ما أبديتُم من الشفقة الخالصة النابعة من روحكم، وغمَرَني بسرور بالغ ما أظهرتُم من الرأفة الحقيقية والالتفات الحليم وحُسن قبولكم الكريم، فدفعني بغيرِ اختيارٍ منِّي إلى المحبة ومزيد التعلُّق.
وتيقَّنتُ أن شخصًا يرتضي لصُحبته رجلًا هو أعجزُ خلق الله وأبسطُهم، وأكثرُهم ذنبًا وأشدُّهم ظلمًا، لا بدَّ أن يكون شخصيةً عظيمة، وليس بشخصية عادية، بل يحظى بتأييد قويٍّ وإرادة لا تكلُّ ولا تملُّ.
﴿ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ، وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا. ﴾
وقد أثَّر في نفسي غايةَ التأثير ما ينبع من فكركم السليم وأحوالكم الجادّة وإرشادكم القويم في سبيل اتِّباع القرآن والتمسُّك به، وما ينطوي عليه من الشفاء الناجع والرجاء القويّ، وأورثني الطمأنينة ما طرق سمعي من كلماتكم الصادقة، وتلقيناتكم المُخلِصة، وأحاسيسكم التوّاقة للخير والموجَّهة إلى قلبي وروحي الجريحة، ووافَقَت روحي المُضطربة بما أحدثته فيها شتَّى الأوهام الشديدة من تصدُّعات، واستقرَّت في ذهني الحقائقُ أمثال:
﴿ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ، وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ، وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا، وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى، وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ، هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ، تِلْكَ حُدُودُ اللهِ، قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ، وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا، مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ ﴾
— 454 —
فكانت هذه الحالة بالنسبة إليَّ بمثابة الحجِّ الأكبر وطريق السعادة، وبشائرِ الفأل وغنيمةِ الأنفال، أفلا يحقُّ لي بعد كل ذلك المُفاخرةُ بسعادتي، وإزجاءُ الشُّكرِ لمُنقذ آلامي وطبيب أسقامي، والإفصاحُ عن مدحه؟!
كانت هذه الواسطة هي الدّافعَ لي لاتِّخاذ القرار وقطع عهدٍ لربي الرحيم بما غمَرَني من لطفه وكرمه، أن أندرج في عداد تلاميذ دلّالِ القرآن ومؤلِّف رسائل النور، وأن أسخِّر قلمي وأُضحِّي بحياتي في هذا السبيل قدرَ المستطاع، أبدًا ما حَيِيتُ.
ولأنني لا أملك أهليّة الإطناب في الحديث، وليس لي في هذا المقام أيُّ استحقاق، فإنني أقتصر على ما تقدَّم.
أسأل الله أن يكتب لخدمتكم الاشتهار والانتشار، ويُحقِّق بها التنوير والتأثير، وأن يرزقكم التوفيق في مقاصدكم، وأن يُعليَ رايتكم ويباركَ همَّتكم، وأن يجعل جُهدَكم مبرورًا وسعيَكم مشكورًا، وعيشَكم سعيدًا وعمُرَكم مديدًا، مع تمام الصِّحة والعافية.
سيدي.. تقبَّلوا فائق إجلالي واحترامي.. أدام الله همَّتكم وتوجُّهَكم المعنويّ، وأُقبِّل أيديَكم النُّوريّة العاملة بخدمة الأنوار.
(١٥ شباط ١٣٥٩)
المرشح لأن يكون طالبًا لكم
يوسف طوپراق
٭٭٭
— 455 —
(فقرة إحسان سرِّي الذي أصبح فيما بعد أحدَ أهمِّ طلّابِ رسائل النور):
﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾
إلى حضرة الواقف بأسرار السُّبحان، الفريد بديع الزمان، السيِّد سعيد الكردي..
السلام عليكم أيها المرشد الكامل.. أطلبُ منكم السماح لي بأن أُعفِّر وجهي عند أعتابكم، وأُقبِّل أيديكم المباركة.
مقدِّم هذا الرجاء لفضيلتكم: ولدُ الفقير إلى الله "سراج أحمد أفندي"، وأحدُ الحيارى المحكومين بما كتب عليهم صاحبُ القدر في لوح القضاء من الأزل.
وبينما كنت في مقام نبيِّ الله يوسف، أُشاهِد جَلَوات الطّالَع بانقيادٍ تامٍّ للتقدير الإلٰهيّ، إذا بي أتلقَّى رسالة شفقةٍ من والدي يبلِّغني فيه سلامَكم الذي يحملُ البشرى بالمحبة المعنوية، فتسلَّل السُّرور والفرح من بين أطلال قلبي وروحي؛ إلا أنِّي لم أتمكَّن أمام حضوركم المعنويِّ الذي نوَّر ذاكرتي المظلمة من ستر خجلي البارز على وجهي المُتَّشح بالسواد والشبيه بأَسطُري هذه، أو إخفاءِ ظُلمة سيِّئاتي التي ارتكبتُها في الماضي، وتغطيةِ آثار أعمالي القبيحة الكثيرة.
أعلم أنكم منذ سنين تُسعِفون من ضلَّ عن السَّبيل، وتَهدُون من حُرِم من إبصار نورِ الحقيقة، وتقدِّمون له من خلال رسائل النور المرشدَ النجيع والمُستَنَد الشَّفيع؛ ولأجل هذا قصدتُ بابكم، راجيًا من صميم روحي أن أُدرَج في حلقة إرشادكم، كي أحجز مكاني بين سالكي طريق الهداية.
سيِّدي ومرشدي الكبير.. أودُّ في النهاية أن أبلِّغكم أنني محتاجٌ لنُصحِكم وإرشادكم على الدوام، وأُقبِّل أيديَكم المباركة بكمال الإجلال والاحترام.
سيأتي يومٌ يُنطِق المولى فيه الظالمين بالقول: تَاللَّهِ لَقَدْ آَثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا..
من تلاميذ رسائل النور
إحسان سرِّي
٭٭٭
— 456 —
(فقرة خسرو الصغير: محمد فيضي):
باسمه سبحانه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
سيدي وأستاذي الجليل..
نظرتُ إلى رسائل النور نظر الإمعان
ليس بمقدور أحد أن يؤلف مثلها
يا لها من ألفاظ! يا لها من معانٍ! يا لها من أسلوب حسن!
كلما قُرِئت ظهر حُسن وجمال جديد
بارك الله بك يا نور الهدى السامي
فيك تتجلى أنوار التوفيق الإلٰهيّ
نور الشمس هذا زائل، أما هذا النور
يشعُّ لعيون المؤمنين في صباح المحشر
كل حرف منها تظهر شمعة من الفيض الإلٰهيّ
يتلذذ الإنسان كلما نظر إليها، ويتخلى عن كل شيء
تُعلِّم الإيمان التحقيقي لجميع الناس
من قرأها بصدق نزل فيض الرحمٰن على قلبه
تحلُّ طِلسم الكائنات، وكلُّ حرف منها يُساوي الدنيا
علمُها نافع، ويُكتب بها الأجر الجزيل حتى يوم القيامة
— 457 —
الحاصل: جميعها مكنوزات حكمة
وكلٌّ منها شمس حقٍّ منيرة لمُطالِعها
يا إلٰهي بحقِّ الأسماء الحسنى
انشرها حتى يوم القيامة، كي ينقشع الزيغ عن أعيُن أهل الحق
يا مؤلف رسائل النور.. إن افتخرت فإنه يليق بك ذلك
وإن غبطك جميع إخوانك فلائقٌ بك كذلك
لأنك أقمت سبيلًا إلى الإيمان التحقيقي
فاكتسبنا بأمير المؤلفات ذخرًا ليوم المَفرّ
أعلَمُ بأنك لست نبيًّا من الأنبياء
(حاشية): يقول مولانا جامي بحق مولانا جلال الدين الرومي:
مَن چِه گُويَمْ دَرْ وَصْفِ آنْ عَالِى جَنَابْ
نِيسْتْ پَيْغَمْبَرْ وَلِى دَارَدْ كِتَابْ
فوددتُ أن أشير إلى معنى فقرة مولانا جامي هذه.
لكن ما هذا النور المعتبر الذي بيدك؟
لا تُكثر الحديثَ يا فيضي
فسينال هذا المؤلف استحسانَ أهل العرفان
طالبكم الفقير إلى الله، خسرو الصغير
محمد فيضي
٭٭٭
— 458 —
باسمه سبحانه
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته بعدد عاشرات دقائق أيام الفراق..
أخي العزيز الوفي المخلص نقيَّ السَّريرة..
أولًا: أبارك من صميم روحي وقلبي عيدَك وسعيَك الجادَّ في خدمة الأنوار، وحفاظَك دومًا على الصَّدارة في درس النور بكلِّ وفاء.
ثانيًا: لا تقلق أبدًا، فالتواصل معك يدوم معنًى، وحين أقول في عموم مكتوباتي: "إخوتي الأعزّاء الأوفياء"، فإن خلوصي المُخلِص في مقدِّمة المخاطَبين.
ثالثًا: إن فتوحات النور مستمرة بسطوعاتها وانتصاراتها في دوائر واسعة، والحقيقة أنَّ أكثر عملِها من وراء حجاب، وذلك بسِرّ مقولة: "سرًّا تنوَّرَت"؛ وسوف تُنير بدروسها وجهَ الأرض قاطبة إن شاء الله، مع توفُّر كاتبَينِ يمتلكانِ ألفًا وخمسَ مئة قلم.
أخي، أُوافقُك الرأيَ بأنَّ القدر الإلٰهيّ يوجِّهُك لخدمة النور، ويَسُوقك إلى أشدِّ الأماكن حاجةً، فتلك الأماكن على وجه الخصوص هي موطني.
أرسلنا لوحة الحقيقة الجميلة إلى تلاميذ النور، حتى تُلحَق بالملاحق التي لديهم.
سلامي لذوي الصِّلة بالأنوار في تلك النواحي.
الباقي هو الباقي
أخوك المريض الذي لا ينساك
سعيدٌ النُّورْسيّ
أُقبِّل ابن أخي نهاد بين عينيه، وهو ووالدُه ضمن أدعيتي على الدوام.
٭٭٭
— 459 —
باسمه سبحانه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أبدًا دائمًا
إخواني الأعزاء الأوفياء..
أولًا: التقيتُ بطاهري نيابةً عنكم جميعًا، وأرسلتُه إليكم عمومًا بالنيابةِ عني في رسالة حية يحملها، وهو سعيدٌ خاصٌّ؛ ولقد جاءني اليوم من "صندقلي" الأستاذان أدهم ومصطفى، ثمَّ انطلقا نحو وظيفتهما النورانية.
ثانيًا: يطلب أخونا خلوصي بك "ذو الفقار" و"سراج النور"، وبعدها "السكة الغيبية"، فليتواصل معه مِرسالُ النور "صبري"، وليجتهد في إرسالها إليه.
ثالثًا: بحسَبِ ما ورَدَنا من أنباءٍ: فإن رسائل النور تنتشر بنفسها في داخل البلاد وخارجها محقِّقةً الفتوحات، وإنها أجبرت أعتى الملحدين على الإذعان والاستسلام، إلا أنَّنا في الظروف الراهنة نحتاج إلى شيء من الحيطة والحذر، لا سيَّما الشعاعُ الخامس المُدرَج في "سراج النور"، فلا يُسلَّم للأيدي غير اللائقة به.
إن في إطلاق الإمام عليٍّ رضي الله عنه على رسائل النور اسم: "سراج النور"، وقوله بحقِّها: "سرًّا تنوَّرَت"، إشارةٌ إلى أن "سراج النور" سينتشر من وراء الحُجب بشكل أوسع، وإننا نتلقَّى هذا الأمر من الإمام إشارةً غيبية.. سلامنا للجميع.
الباقي هو الباقي
أخوكم سعيدٌ النُّورْسيّ
٭٭٭
— 460 —
باسمه سبحانه .. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أبدًا دائمًا.. آمين
أخي العزيز الوفي المخلص، وصاحبي القوي الثابت في خدمة الإيمان..
أولًا: اعلم جيدًا أنك ما زلتَ تحتفظ احتفاظًا تامًّا بمكانتك السابقة في دائرة النور، وأنَّ التواصل معك لم ينقطع يومًا؛ فحينما أقول في رسائلي التي أكتبها لإخواني: "إخوتي الأعزّاء الأوفياء"، فإن خلوصي دومًا في مقدِّمة المُخاطَبين.. وإزاءَ خدمتك التي تتمُّ تحت وطأة هذه الظروف الصعبة نقول: "بارك الله بك ألف مرة"، ونؤمِّنُ على أدعيتك التي تدعو بها لأخيك المسكين هذا: "آمين آلاف المرات".. فرضي الله عنك، وتستحقُّ التهنئةَ على هذا الأمر.
ثانيًا: إنَّ للأنوار فتوحاتٍ في جميع الأماكن بحمد الله، إذ يتمُّ إرسالُ أبطالٍ أمثالك إلى أماكنَ مُهِمّة..
سلامي لإخواني الذين لهم علاقة بالأنوار في تلك المناطق، وفي "قارْص"، وخاصة لابن أخي نهاد؛ وأدعو لهم بالسلامة، وأرجو دعاءَهم.
يُسلِّم عليكم جميعُ طلاب النور هنا.
الباقي هو الباقي
أخوك المريض الذي لا ينساك
سعيدٌ النُّورْسيّ
٭٭٭
— 461 —
أخي العزيز...
لا تقلق عليَّ، فعناية الحقِّ سبحانه ما زالت تَحُفُّ بنا على الدوام؛ وبما أن الدنيا ماضية، فهي لا تستحقُّ القلقَ بشأنها.. إني أذكرُك في أدعيتي اليومية أكثرَ من عشرين مرة.
س ع
٭٭٭
إن "خليل إبراهيم" و"الخيَّاط محمد" وهما من حِرْفيِّي النور ومن تلاميذ مدرسة الزهراء النُّشطاء الأقوياء، وكذا "طَلْعت" ورفاقُه من الأبطال الصغار الأبرياء، قد أدخلوا السُّرورَ في نفسي وفي نفوس سائر تلاميذ النور، وسوف يحقِّقون لهذا الوطن منافعَ جليلة في المستقبل إن شاء الله، وذلك من خلال الخدمة النورية.
أما المسألة الشرعية التي يسألون عنها: فإن وضعي ومسلكي في الوقت الحاضر لا يسمحان لي بالاشتغال بهذه المسائل، إلا أنَّ الذي يمكنُني قولُه: إن الرخصة الشرعية الخاصّة بقصر الصلاة وتقديمها وتأخيرها لا تُقاسُ بوسائط النقل، إذ هي ليست على مستوًى ثابت، وإنما تُقاس بالمسافة لأنها ثابتة.
فإن قيل: إن الذي يسافر بالطائرة والقطار يصل خلال ساعة واحدة، ولا يعاني المشاقَّ حتى يستعمل الرخصة؟
فالجواب: إن الوضوء في الطائرة والقطار، والصلاةَ على وقتها فيهما، لهي أشدُّ صعوبةً منها لدى الذين يسافرون سيرًا على الأقدام، لذا كان سببًا للرخصة.
على كل حال هذا ما أمكن كتابتُه الآن.. ولقد فصَّل علماءُ الإسلام الكلامَ على هذه المسألة الشرعية بحيث لم يدَعُوا حاجة لنا..
يسلِّم عليكم الدكتور خيري والخيَّاط مصطفى الجالسون معي الآن.
سعيدٌ النُّورْسيّ
٭٭٭
— 462 —
باسمه سبحانه .. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السَّلامُ عَلَيكُم، وأَحسَنَ الله عَزَاءكُم، وأعطَاكُم صَبرًا جَمِيلًا، وغَفَرَ لِمَيِّتِكُم، ونَوَّرَ قَبرَهُ بِنُورِ الإِيمَانِ والقُرآنِ، وجَعَلَهُ في قَبرِهِ مُشتَغِلًا بِرِسَالَةِ النُّورِ بَدَلَ الفَلسَفَةِ السَّقِيمَةِ.. آمِينَ
أخي العزيز، إن هذه الحادثة حجة أيضًا یی كحادثة عبد الرحمن یی على أن نمط الحياة الحاضرة لا يصلحُ لنا، فلقد أُحسِن إلينا ونحن في هذه الدنيا بأصفى حياة نزيهة، وأقدس عيشة سامية؛ لذا كان من الواجب أن نرضى بها ونقنع.
صحيح أن المرحوم عبد الرحمن قد انخدع بشكل مؤقَّت، إلا أنَّ له خدماتٍ كبيرةً لبواكير رسائل النور في إسطنبول، كما أنه نجا بالكلمة العاشرة بصورة تامّة، ورحل.
كذلك المرحوم "فؤاد" قد منَّ الله عليه بإنقاذ إيمانه بفيض رسائل النور، كما يتَّضح جليًّا من رسالته، وكما تفضَّلتَ أنت أيضًا، ولقد شعرتُ أن افتخاره الشديد بانتسابه إلى عائلتكم وارتباطه القويّ بكم، إنما كان من جهة رسائل النور.
وإنِّي لا أُعزِّيكم، بل أهنِّئه وأبارك لكم، فلقد نجا من تلكم الحياة الضالّة المروِّعة لهذا الزمان، ورحل بريئًا دون أن يتلوَّث أكثر، وأصبح ولدًا يليق بكم في الجنة، ومظهرًا لسرِّ: وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ؛ وكما أنِّي أَذكُر حتى اليوم المرحومَ عبد الله وعبد الرحمن وعُبَيد في أكثر دعواتي، فسوف أُضيفُ إليهم المرحوم فؤاد إن شاء الله.
نعم يا أخي، إن رسالة فؤاد رحمه الله تُظهِر شُعلةً من كرامة رسالة النور كما قلت، مثَلُها في ذلك مثَلُ رسالة عبد الرحمن، إلا أنه لا يملك عباراتِ عبد الرحمن الصافية الخالصة، وإفاداتِه المُجرَّدة من أنماط الحياة الحاضرة وتعابيرِها؛ فلو أنَّه بقي في الدنيا لكان احتمالُ هزيمته قائمًا، فكان أن اختاره أرحمُ الراحمين لجواره ورحمته، رحمةً
— 463 —
به وبأُسرة رسائل النور ودائرتها، ولم يَرتَضِ له الهزيمة، بل أبقاه في مقامه ضمن دائرة طلاب رسائل النور الصغار.
فأحمدُ الله غاية الحمد أن أصبح اثنان من أبناء إخوتي بإعلان وفاتهما مثالَينِ ودليلَينِ على البشارة القرآنية بأن تلاميذ رسائل النور يدخلون القبر بسلامة الإيمان.
بلِّغ السلامَ نيابة عني لكلِّ من لهم صلةٌ برسائل النور، ولمن يُكنُّون لنا الودَّ والصداقة؛ وإنني أدعو لهم، كما أُشرِكُهم بجميع مكاسبي المعنوية اليوميّة: داوُد ونهاد والمُحمَّدَينِ مع عبد المجيد.
أخوكم سعيدٌ النُّورْسيّ
٭٭٭
— 464 —
اللمعة العاشرة
"رسالة صفعات الشفقة"
﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾
﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ﴾
هذه اللَّمْعةُ تفسِّر سرًّا من أسرار هذه الآية الكريمة، عبر ذِكرِ صَفَعاتِ عتابٍ رحيمةٍ، يتلقّاها أصحابي العاملون في الخدمة القرآنية، وذلك نتيجة خطأٍ أو سهوٍ أو غفلةٍ وقَعُوا فيها بمُقتضى جِبلَّتهم البشريّة.
وستُبيَّن في هذه الرسالة سلسلةُ كراماتٍ يُجريها الحقُّ سبحانه في الخدمة القرآنية، مع بيانِ نوعٍ من كرامة الغوثِ الأعظم الذي يزوِّدُ هذه الخدمة السّامية بأنظاره بإذن إلٰهيّ، ويمدُّ لها يدَ العون بهمَّته ودعائه، تثبيتًا للعاملين فيها، وزيادةً في جدِّيتهم وإقدامهم.
إن كرامة هذه الخدمة السّامية على ثلاثة أنواع:
النوع الأول: جهة إعداد تلك الخدمة وتجهيزها، ودفع خدَّامها إليها.
القسم الثاني: إزالة العراقيل مِن حولها، ودفع شرور المُضِرِّين، وتوجيه الصَّفَعات لهم.
— 465 —
وحوادث هذين القسمين كثيرة، والحديث عنها يطول، (حاشية): فمثلًا: إن ما قام به بعض أعضاء حزب الشعب من تعريضِ طلاب النور للإهانة والتضييق والعذاب، قد لاقوا جزاءَه في الدنيا مِثلهم تمامًا، بل قاسُوا ما هو أشدُّ. لذا نؤجِّلُه إلى وقت لاحق؛ وسنتحدَّث عن أخفِّ الأقسام، وهو القسم الثالث.
القسم الثالث: أنَّ العامِلِينَ المُخلِصِين في هذه الخِدمةِ حِينَما يَعتَرِيهم بعضُ الفتور، فإنهم يتلقَّون صفعة رحمةٍ تُنبِّههم ليعودوا للاجتهاد في الخدمة مجدَّدًا؛ وإن حوادث هذا القسم تَربُو على المِئةِ، إلّا أنَّنا نَسُوقُ هنا ما يَقرُبُ من عشرين حادثةً جَرَت لإخوانِنا، تلقَّى منهم قرابةُ ثلاثة عشر أو أربعة عشر شخصًا فقط صفَعاتِ الرحمة، بينما تلقَّى الستّة أو السَّبعة الباقون صفَعاتِ الزَّجر.
الأول: هذا المسكين «سعيد» ، فكلَّما أصابني الفتور عن النهوض بالخدمة وانشغلتُ بالأعمال التي تعود إلى خاصّة نفسي قائلًا: "ما لي!"، تلقَّيتُ حينها صفعةً؛ فأيقنَتُ على يَقِينٍ أنَّ هذه العُقُوبةَ لم تَنزِل إلّا نَتِيجةَ إهمالي وفُتُوري في الخِدمة، لأنَّني كنتُ كلما ساقَني مَقصَدٌ إلى الغفلة، أَتلقَّى صفعةً بعكس هذا المقصد.
ثمَّ بَدَأْنا بالتدقيق في صفعات الشفقة التي تلقَّاها سائرُ إخواني المخلصين، فوجدنا أنهم مثلي تمامًا: متى أهملوا الخدمة لأجل مقصدٍ معين، فإنهم يتلقَّون صفعةً بضِدِّ ما كانُوا يَقصِدُونه، لِذا حصَلَت لدينا القناعةُ أن تلك الحوادث إنَّما هي كَرامةٌ من كرامات الخدمة القرآنية.
مثلًا: حين كنت یی أنا السعيد المسكين یی منشغلًا بدروس الحقائق القرآنية في مدينة "وان"، لم تتعرَّض لي الحكومة التي تساوِرُها الأوهامُ والهواجس حينَها، ولم يستطيعوا إيجادَ ثغرة للتعرُّض من أيِّ جهة، رغم وقوع حادثة "الشَّيخ سَعِيدٍ" وتفاقُمِها؛ ولكن ما إن قلتُ: "ما لي!"، وفكَّرتُ في نفسي فقط، وانزَوَيتُ في مكانٍ أشبهَ بمغارة مُهدَّمة في جبل "آراك" كي أُنقِذ آخرتي، إذا بي أُخرَجُ من داخل المغارة، وأُنفَى دونما سبب إلى ولاية "بُورْدُور".
— 466 —
وخلالَ مدّة إقامتي في هذه المدينة، وعملي في الخدمة القرآنية هنالك، كان المَنفيُّون يُراقَبون مراقبةً شديدة، وكان عليهم إثباتُ وجودِهم حُضُوريًّا في كلِّ ليلة، إلّا أنَّني وطُلّابي المُخلِصين استُثنينا من هذا الأمر، فلم أذهب يومًا لإثباتِ حضوري، ولم أتعرَّف أحدًا من موظَّفي الحكومة هنالك، حتَّى إنَّ الواليَ اشتكى من عمَلِنا هذا إلى "فَوزي باشا" حينما زار المدينة، فقال له فوزي باشا موصيًا: "احتَرِموه، ولا تتعرَّضوا له"! وإنَّ الذي أنطق "فوزي باشا" بهذا الكلام إنما هو شرفُ الخدمة القرآنية لا غير.. وحينما استَولَت عليَّ الرَّغبةُ في إنقاذ نفسي وإصلاحِ آخِرَتي، وفتَرتُ عن العمل القرآنيِّ بشكلٍ مُؤقَّت، تلقَّيتُ صفعةً بخلاف ما كنتُ أَقصِدُه وأَطلبُه، فنُفِيتُ من "بُورْدُور" إلى منفًى آخَر.. هو "إسبارْطة".
وأمّا في "إسبارْطة" فباشرتُ الخدمة أيضًا، إلا أنه بعد مُضيِّ عشرين يومًا نبَّهني بعضُ الجُبناء بالقول: "ربما لن ترضى الحكومة عن هذا الوضع! فلو صبرت وتريَّثتَ قليلًا لكان ذلك أفضل"، فتقوَّت لديَّ مرة أخرى فكرةُ التفكير بخاصّة نفسي، وتركتُ مقابلةَ الناس، وانسحبتُ من ميدان العمل، وطلبتُ ألا يزورني أحد؛ فجاء النَّفيُ مجدَّدًا إلى منفًى ثالث، وهو "بارلا".
وكنتُ في "بارلا" كلَّما أصابني الفتور في العمل، واستَولَت عليَّ فكرةُ الانشغالِ بخاصّة نفسي، تسلَّط عليَّ أحدُ ثعابين أهل الدنيا ومنافقيها؛ ويمكنُني أن أسرُد ثمانين حادثةً في ثماني سنوات قضيتُها في "بارلا"، أذكرُها لأنها جَرَت معي، ولكن خشيةَ المللِ أقتصِرُ على ما ذَكَرتُ.
إخواني، تحدَّثتُ عن صفعات الشفقة التي نزلت بي، وسأتحدَّث هنا عن التي حلَّت بكم إن أذنتم لي بذلك، فلا تتضايقوا مني؛ وأما من لا يرتضي الأمرَ فلن أصرِّح باسمه.
الثاني: شقيقي "عبد المجيد"، وهو من أوائل طلابي وأكثرهم سموًّا وتضحية.. كان يملك بيتًا جميلًا في "وان"، وكان يُزاول مهنة التدريس، وأحوالُه المعيشية على
— 467 —
ما يُرام؛ فعندَما استَوجَبَت خدمةُ القُرآن ذهابي إلى الحُدُود بعيدًا عن المدينة، إلّا أنَّه لم يُوافِق على الذَّهاب، وكأنَّه رَأَى أنَّ من الأفضلِ عدمَ ذهابي أنا كذلك، إذ قد يَشُوبُ العملَ للقرآن شيءٌ من الخلل والخوض في السِّياسة، ممّا يعرِّضُه للنَّفي، ولم يَشتَرِك معنا.. فتلقَّى صفعةَ رحمةٍ بخلافِ مقصودِه، إذ أُخرِج من المدينة وأُبعدَ عن منزله الجميل، وأُرغِم على الذَّهاب إلى "أرْغاني".
الثالث: "خُلُوصي"، وهو أحد الأعضاء البارزين في خدمة القرآن.. عندما ذهب من "أغيردِر" إلى مدينته، تَهيَّأت له الأسبابُ للتمتُّع بمَباهج الدُّنيا والتلذُّذِ بها، ممّا أدَّى به إلى شيء من الفتور في الخدمة القرآنية التي هي خدمةٌ أخروية خالصة، حيث التَقَى والدَيه اللَّذَينِ كان قد فارَقَهُما منذ زمن طويل، وعاد إلى مدينته وهو بكامل عزَّته، مُرتديًا بِزَّتَه العسكريّة ورُتبَه العالية، فبَدَتِ الدُّنيا له حُلْوةً خَضِرة.
والحال أن العامل في الخدمة الإيمانية لكي ينهض لأداء هذه الخدمة بإخلاص وجدية: إمّا أن يُعرِض عن الدُّنيا، أو تُعرِضَ الدُّنيا عنه.. ورغم أن قلب خلوصي ثابت لا يتزعزع، إلا أن هذه الأحوال قد دفَعَته إلى القليل من الفتور؛ فتلقَّى صفعةَ رحمةٍ على الفور، إذ تسلَّط عليه بعضُ المنافقين على مدى سنة أو سنتين، فسلبوه لذّةَ الدنيا، وأَعرَضت الدنيا عنه، وعزفت نفسُه عن الدنيا، وحينها استمسك بوظيفته المعنوية بجدٍّ ونشاط.
رابعهم: المهاجر الحافظ أحمد.. إذ يقول: أقرُّ بأنني أخطأتُ في اجتهادي في خدمة القرآن من منطلقٍ أُخرويٍّ فقط، وأَعقَب هذه الرغبةَ لديَّ حصولُ فتورٍ في الخدمة، فتلقَّيتُ صفعةً رحيمة رغمَ ما فيها من قُوّةٍ وشدّةٍ، وأرجو أن تكون كفارة للذَّنب؛ وهي على النحو التالي:
لم يكن أستاذنا يُوافِقُ على مُحدَثاتِ الأمور، وكنتُ أَؤُمُّ الناسَ في الجامعِ الذي بجوار مسكنه، وقد أقبَلَت الشُّهور الثلاثة، فإن أنا تركتُ الجامع فسوف أخسرُ الثوابَ الجزيل، وسيعتاد الأهالي على إهمال الصلاة؛ وإن لم ألتزم بالمُحدَثات الجديدة
— 468 —
فسأُوقَفُ عن الإمامة! فداخلَتْني رغبةٌ یی بحَسَب هذا الاجتهاد یی بأن يُغادر أستاذي الذي أحبُّه محبّةَ الرُّوح إلى قرية أخرى بشكل مؤقَّت، لكن ما كنتُ أعلم أنه لو غيَّر مكانَه وانتقل إلى مدينة أخرى فسيَحدُثُ فتورٌ في الخدمة القرآنية ولو بشكل مُؤقَّت! فتلقَّيتُ الصفعة في هذه الأثناء، وكانت صفعةً شديدة مع ما فيها من رأفة، لدرجة أنني لم أستفق من هولها ولم أَعُد إلى رشدي منذ ثلاثة أشهر.
على أنِّي لا أقطع أملي في سعة الرحمة الإلٰهيّة بأن تُجعلَ كلُّ دقيقة من دقائق هذه المصيبة بمثابة عبادةِ يوم كامل، كما أخبرني أستاذي بما ألهَمَه اللهُ، فلِلَّه الحمد.. حيث إنَّ هذا الخطأ لم يصدر منِّي بنوايا مبيَّتة، وإنما من مُنطلَق التفكير بالآخرة فقط.
خامسهم: حقِّي أفندي.. ولعدم وجوده هنا فسأنوب عنه أيضًا كما فعلتُ مع خلوصي: عندما كان حقي أفندي يؤدِّي وظيفته طالبًا في الخدمة بحقٍّ ووفاء، عُيِّن هنا "قائمَّقام" جديد وعديم الأخلاق، فقرَّر حقي أفندي أن يُخبِّئ ما لديه من مكتوبات كيلا يَلحَقَ الضَّررُ به وبأستاذه، وتَرَك الخدمة النورية مُؤقَّتًا؛ وإذا بصفعةِ رحمةٍ تُفاجئُه برفع دعوى بحقِّه، تقضي بدفعِه ألفَ ليرة لينال البراءة، وظلَّ تحت وطأة هذا التهديد طَوالَ سنةٍ كاملةٍ، حتى رجع إلينا وباشر بأداء وظيفة الطالب، فرُفِع عنه الحُكم، وصدر قرارُ براءته.
بعدها فُتِح أَمامَ الطُّلّابِ مَيدانُ عَمَلٍ جَدِيد، وهو كتابةُ القرآن وفق الطِّراز الجديد، وأُعطي "حقي أفندي" حصّةً من تلك الوظيفة، فأَجادَ القِيامَ بما كُلِّف، وكَتَب جُزءًا كاملًا من القُرآن الكريم أَحسَنَ كِتابة، إلّا أنَّ همومَ العيش ألجَأَته للانصراف إلى العمل، وعدَّ نفسه بذلك في حالة اضطرار، فبدأ يُزاوِلُ العملَ سرًّا كوكيلٍ للدَّعاوى أمامَ المحاكم؛ وإذا به يتلقَّى صفعةَ رحمة أخرى بشكل مفاجئ، فكُسِرت أُصبعه التي كان يُمسِك بها القلم! فتلقَّى تنبيهًا مُفاده: "إنَّ إصبعك تلك التي تغمسُها في وكالة الدعوى لا يليق أن تكتب القرآن"، وكنا حائرين أمامَ ما نَزَل بأصبعه من مُصاب، إذ ما كنّا نعلم
— 469 —
بأمر اشتغالِه في تلك الوظيفة؛ وبعد ذلك أدركنا أنَّ الخدمة القرآنية المُقدَّسة الصّافية النَّقية لا ترضى أن تُشارِك الأصابعُ الخاصّة بها في أعمال أُخرى.
وعلى كل حال، لقد وَضَعتُ نَفسِي موضعَ "خُلُوصِي"، وتحدَّثتُ نيابةً عنه؛ و"حقي أفندي" مثله تمامًا.. فإن لم يَرْضَ بوكالتي عنه فليتحدَّث عن صَفعَته بنفسه.
سادسهم: بكر أفندي.. وسأَتَولَّى مُهِمّةَ الكلامِ عنه لِعدمِ حُضُورِه معنا مِثلَما فعلتُ مع أخي عبد المجيد، اعتمادًا على صداقته والثقة به، واستنادًا لِلمعلومات والأخبار التي نقلها أصحابي الخواصُّ أمثال الحافظ الشامي وسليمان أفندي:
تولَّى "بكر أفندي" مهمّةَ طباعة "الكلمة العاشرة"، ثمَّ أرسلنا له "الكلمة الخامسة والعشرين" التي تتحدَّث عن إعجاز القرآن لأجل طباعتها أيضًا، وذلك قبل صدور الأحرف اللاتينية، وذكرنا له في الرسالة بأننا سنُرسل ثمنَ طباعة هذه الكلمة كما فعلنا مع "الكلمة العاشرة"؛ إلا أن بكر أفندي حين لاحظ أن تكاليف الطباعة حوالي (٤٠٠) ليرة ورقية، تذكَّر حالي وفقري، وأنَّه إن دفع المالَ من حسابه فقد لا أرتضي ذلك، فخدعَتْه نفسُه من هذه الجهة، ولم يقم بطباعة الكلمة، فلَحِق بالخدمة القرآنية ضررٌ بالغ نتيجةَ ذلك؛ وبعد مرور شهرين سُرق منه مبلغ (٩٠٠) ليرة، فتلقَّى بذلك صفعةَ رحمةٍ شديدة، وإنَّ هذا المال الذي فقَدَه هو بمثابة صدقة عنه إن شاء الله تعالى.
سابعهم: "الحافظ توفيق الشامي".. يقول: أعترف بأنني تلقَّيتُ صفعتَيْ رحمةٍ نتيجة تصرُّفات صدَرَت مني أدَّت بي إلى الفتور في الخدمة القرآنية، وذلك إمّا لجهلٍ منِّي، أو نتيجةَ تفكيري الخطأ؛ وأيقنتُ أن هاتين الصَّفعتَينِ إنَّما جاءتا من تلك الجهة.
الأولى: لقد أنعم اللهُ عليَّ بحُسن كتابة الحروف العربية، وبخط جميل في كتابة القرآن الكريم، وحين قسَّم أستاذي القرآن على زملائي لأجل كتابته، كان نصيبي ثلاثةَ أجزاء؛ إلا أنَّ شوقي ولهفتي لكتابة هذا المصحف تسبَّبا بحصول فتورٍ في خدمة تبييض الرسائل وكتابة مسوَّداتها، كما أصابني شيءٌ من الغرور، إذ كنتُ أجزم بأنِّي
— 470 —
سأتفوَّق على سائر أصحابي الذين لا يجيدون الكتابة بالخطِّ العربيّ؛ حتَّى إنَّه عندما أراد الأستاذُ إرشادي إلى أُمورٍ تَخُصُّ الكتابةَ العربيّة، قلتُ له: "هذا الأمرُ يعودُ لي"، وتابعتُ قولي بغرور: "أنا أعرف ذلك، فلا حاجةَ لتعلُّمي الدروس!"، فتلقَّيتُ صفعةً فوق المعتاد لا تخطر بالبال نتيجة خطئي هذا، فلم أتمكَّن من اللَّحاق حتى بالأخ خسرو الذي أتفوَّقُ عليه خبرةً في الخطِّ العربي! وقد تعجَّبتُ من ذلك ووقعتُ في حَيرة! لكنِّي أدركتُ الآن أنها كانت صفعةَ رحمة.
الثانية: كان لديَّ حالتانِ تُخِلّانِ بصفاء العملِ في الخدمة القرآنية، وفي إخلاصه لوجه الله تعالى، فتلقَّيتُ بسبب ذلك صفعةً قويّة، وهاتان الحالتان:
كُنتُ أَعُدُّ نَفسِي غَرِيبًا في هذه المدينة، بل كُنتُ غَرِيبًا بحقٍّ؛ وابتُليتُ بالفقر یی أسأل الله ألّا يكون من باب الشَّكوى یی ولعدمِ رعايتي لأهمِّ دساتيرِ الأستاذ: (الاقتصاد والقناعة)، اضطُرِرتُ للاختلاط بأُناس مغرورين لا يفكِّرون إلا بأنفسهم، فتعلَّمتُ منهم الرياء والإعجابَ بالنفس؛ وكان أستاذي كثيرًا ما ينبِّهُني ويُوقظني، وينتقدُني في بعض الأحيان، لكن للأسف لم أتمكَّن من إنقاذ نفسي! أسأل الله عفوَه ومغفرتَه..
فكان أن استغلَّ شياطينُ الجن والإنس حالتي هذه التي تُنافي روحَ خدمة القرآن الحكيم، وتُورِثُ السَّآمةَ والفتور في خدمتنا؛ وأمام تقصيري هذا تلقَّيتُ صفعةً قوية، إلا أنها كانت صفعةَ رحمة إن شاء الله؛ فأَيقَنتُ بما لا يَدَعُ مجالًا للشَّكِّ أنَّ هذه الصفعة إنَّما وُجِّهت بسبب هذا التقصير.
وهذه الصفعة هي: رغم أنِّي بقيتُ طوالَ ثمانية أعوام موضعَ خطابِ الأستاذِ وكاتبَ مُسَوَّداتِ رسائلِه والمكلَّفَ بتبييضها؛ إلا أنني لم أتمكَّن من الاستفادة من الأنوار مقدارَ ما يتحصَّل في ثمانية أشهر؛ فكنتُ أنا والأستاذُ حائرَينِ إزاء هذه الحالة، وشرعنا نتحرَّى أسبابَها!! أمّا الآن فقد علمنا عِلمًا جازِمًا أنَّ تلك الحَقائِقَ إنَّما هي نُورٌ
— 471 —
وضِياءٌ، ولا يمكن للنور أن يمتزج مع ظلمات الرِّياء والتصنُّع والتزلُّف للآخرين؛ ولذا ابتَعَدَت عنِّي معاني حقائقِ هذه الأَنوارِ وبَدَت كأنَّها غريبةٌ عنِّي..
أسألُ الحقَّ سبحانه أن يرزقني إخلاصًا يليق بواجب هذه الخدمة، وأن ينقذني من الرِّياء والتصنُّع والتذلُّل لأهل الدنيا.. وأرجو من إخواني یی وفي مقدِّمتهم أستاذي یی أن يدعوا لي بذلك.
صاحب العيوب: الحافظ توفيق الشامي
ثامنهم: "سَيْراني".. هذا الرجل صِنوُ "خُسرَو"، كان أحدَ المشتاقين لرسائلِ النُّور، ومن طُلّابي الأذكياء المُجدِّين..
جمعتُ ذات يومٍ أراء الطلّاب في "إسبارطة" حول التوافقات التي تُعَدُّ مفتاحًا مُهِمًّا لأسرار القرآن ولعلم الجفر؛ فوافق الجميعُ على الاقتراح؛ إلا أن «سَيْراني» كان له تفكيرٌ مغاير وتوجُّه مختلف، ولم يكتفِ بعدم الموافقة، بل أراد منِّي أن أتخلَّى عمّا أعلمُه من الحقائق علمَ اليقين! فكتب إليَّ رسالة جارحةً جدًّا، فقلتُ: "أيواه! لقد فقدتُ طالبي هذا"، ورغم أنني حاولتُ أن أُنيرَ رأيه، إلا أنه خَلَط في الأمر معنًى آخر؛ فتلقَّى صفعةَ رحمةٍ، ومكث موقوفًا في السجن زُهاءَ سنة.
تاسعهم: "الحافظ زهدي الكبير".. كان هذا الأخُ يشرفُ على عمل طلاب النور في "آغرُوس"، فكأنَّه لم يكتفِ بالمنزلة المعنويّة الرَّفيعة والشَّرف السّامي الذي يتمتَّعُ به طُلّابُ النُّور، لاتِّباعِهم السُّنّةَ السَّنية واجتنابِهم البِدَع، فرغبَ في العُثور على مكانةٍ لدى أهل الدُّنيا، فتسلَّم وظيفةً تتضمَّنُ تعليمَ بدعةٍ سيِّئة، مُرتكِبًا خطأً جسيمًا مُنافيًا لِمَسلكِنا؛ فتلقَّى صفعةَ رحمةٍ رهيبة، إذ تعرَّض لموقفٍ كاد يُودِي بشرفه وشرفِ عائلته كلِّيًّا؛ وقد مَسَّ الموقفُ "الحافظَ زُهدِي الصَّغير" أيضًا بكلِّ أسفٍ رغمَ أنَّه لا يستحقُّ هذه الصفعة! نسأل اللهَ أن يَصرِفَ هذا الموقفُ قلبَه عن الدنيا، وأن يُوجِّهَه للإقبال التّامِّ على العمل القُرآنِيِّ، فيكونَ بحكم عملية جراحية نافعة له.
— 472 —
عاشرهم: رجل يُدعى «الحافظ أحمد رحمه الله» ، ظلَّ هذا الرجل على مدار عامين أو ثلاثة مُقبلًا على كتابة الرسائل بشغفٍ ولهفة، وينهل من أنوارها الكثيرَ؛ ثمَّ اختلط بأهلِ الدُّنيا لعلَّه يَدفعُ أذاهم عنه، ويتمكَّنُ من إسماعِهم الكلامَ الطيِّبَ، ولِيحظى بمنزلةٍ لديهم يُوسِّع من خلالها ما ضاق عليه من أمور الدُّنيا وهموم العيش، فاستغلَّ أهلُ الدنيا نقطةَ الضَّعف هذه، فأفسدوا لهفته وفَتَر شوقُه.. ومقابل هذا الفتور والضرر الذي لَحِق بالخدمة القرآنية تلقَّى صفعتَينِ:
الأُولى: أنَّه أُضِيف إلى أفراد عائلته خمسةُ أشخاص آخرين رغم ضيقِ معيشته، الأمرُ الذي زاد من شتاتِه واضطرابِه.
الصفعة الثانية: كان هذا الرجل شديدَ العِزّة والمروءة، ومرهفَ الإحساسِ جدًّا بحيث لا يتحمَّل نقدًا واعتراضًا من أيِّ أحد، إلا أن بعض الأشخاص الانتهازيِّين اتَّخذوا منه دون علمِه سِتارًا لأنفسهم ومصالحهم، حتى انقلبت عِزَّتُه رأسًا على عقب، وفَقَد تسعين بالمئة من مكانته، وبات تسعون بالمئة من الناس ضِدَّه.
وعلى كل حال، نسأل الله أن يعفو عنه، وأن يوفِّقه لتجاوُزِ هذا المُصاب، ومعاودةِ العمل في وظيفته.
الحاديَ عشر: لم تُكتب.. ربَّما لا يرضى بذلك.
الثانيَ عشر: " المُعلِّم غالب رحمه الله".. لقد أدَّى هذا الرجل بصدقٍ وتفانٍ خدماتٍ جليلةً في تبييض الرسائل، ولم يَصدُر منه أيُّ بادرةِ ضعفٍ أمام الكثير من العقبات؛ فكان يحضر الدروس في غالب الأوقات، ويُنصِتُ بكلِّ اهتمامٍ وشوقٍ، ويَستنسِخُ الرسائلَ لنفسه أيضًا، حتَّى استَكتب لنفسه جميعَ "الكلماتِ" و"المكتُوباتِ" لِقاءَ أجرةٍ قدرُها ثلاثون ليرةً؛ وكان هدفُه نشرَها في مدينته وتنويرَ أبنائها.. وبعد ذلك أعرض عمّا كان يهتمُّ به من نشر الرسائل نتيجةً لبعض الهواجس والأفكار، وأودعها داخلَ صندوق؛ ففُوجِئ بحادثة أليمة جرَّعته الغُصصَ وأورثته الغمَّ عامًا كاملًا، وفَقَد
— 473 —
بعضَ أعزِّ أصحابه، ووجد نفسَه أمامَ أعدادٍ غفيرةٍ من الأعداء الطُّغاة الظالمين، بدلًا من بضعةِ أعداءٍ من المُوظَّفين الرسميِّين كانوا سيُعادونه في حال اشتغاله بنشرِ الرسائل.
الثالثَ عشر: "الحافظ خالد رحمه الله".. إذ يقول: حين كنتُ أعمل بجدٍّ ونشاط في كتابة النُّسخ المسوَّدة لمؤلَّفات أستاذي التي ينشُرها في الخدمة القرآنية، احتيج لشخصٍ يقوم بوظيفة الإمامة في الجامع الذي في محلَّتِنا؛ وبرغبة مني في ارتداءِ جُبِّتي العلمية القديمة ووضع عمامتي على رأسي، حصل لديَّ فتورٌ في تلك الخدمة، وانسحبتُ منها بجهل مني؛ فإذا بي أتلقَّى صفعةً رحيمةً خلافَ ما كنتُ أقصدُه! فرغم أنني تولَّيتُ مُهِمّة الإمامة ثمانية أو تسعة أشهر، ورغم الوعود الكثيرة التي قطعها المُفتي على نفسه، إلا أنني لم أتمكَّن من لُبس الجبّة ووضع العمامة! فأيقنتُ أنَّ هذه الصَّفعة جاءت نتيجةَ ذلك التقصير.
كنتُ مُخاطَب الأستاذ وكاتبَ مسوَّداتِ الدروس في الوقت نفسه، فأوقعَه انصرافي عن العملِ في معاناة وضيق شديد.. وعلى كل حال، نحمدُ الله أن أدركنا تقصيرَنا، وعرفنا مدى شرفِ هذه الخدمة وسموِّها، وبِتنا واثقين بأنَّ لنا أستاذًا ظهيرًا كالشيخ الگيلاني يحرُسُنا كالمَلَك.
أضعف العباد: الحافظ خالد
الرابع عشر: ثلاثُ صفَعات صغيرة تلقّاها ثلاثةُ أشخاص يُدعى كلٌّ منهم "مُصطَفى".
الأول: " مصطفى چاويش رحمه الله".. الذي كان يتولَّى خدمةَ جامعنا الصغير الخاصّ طوالَ ثمانية أعوام، كما كان يُعالجُ مِدفأته ويُزوِّد مصابيحَه بالكازِ، بل يحضر حتى الكبريت، بل لقد علمنا فيما بعدُ أنه كان يشتري الكاز والكبريت منذ ثمانية أعوام من نفقته الخاصّة! وما كان يتخلَّف عن الجماعة أبدًا، ولا سيَّما في ليالي الجُمَعِ، إلا إذا كان لديه عملٌ ضروريٌّ جدًّا.
— 474 —
بعدها استغلَّ بعضُ أهلِ الدنيا صفاءَ قلبه ونقاءَ سريرته، وقالوا له: "بلِّغ الحافظَ فلانًا یی وهو أحدُ كُتّاب رسائل النُّور یی أن يَنزِعَ عِمامتَه قبلَ أن يُعتدَى عليه ويُجبَرَ على نزعِها بالقوّة، واطلب من الجماعة أن يتركُوا مؤقتًا الأذانَ سِرًّا".
ولم يكن الرجل الذي أنذَرَه بهذا الكلام يعلمُ أن التهديدَ بخلعِ عمامة رجلٍ يعمل في الخدمة القرآنية أمرٌ ثقيلٌ على رجلٍ ذي روحٍ ساميةٍ كمصطفى چاويش، إلا أنَّه قام بإبلاغ كلامهم وتهديدهم؛ فرأيتُ تلك الليلةَ في المنام مصطفى چاويش يسيرُ خلفَ "القائِمَّقام" ويداه ملوَّثتان، ويدخُلانِ معًا غرفتي؛ وفي اليوم التالي سألتُه: "مصطفى چاويش! بمن التقيتَ اليوم؟ لقد رأيتُك في المنام تسيرُ خلفَ "القائِمَّقام" ويداك ملوَّثتان!"، فقال: "أيواه! لقد أبلَغَني المختارُ كلامًا، وأنا بدوري بلَّغتُه الحافظَ الكاتبَ، ولم أكن أعلمُ ما وراءَه".
ثمَّ حَدَث في اليوم نفسه أن جاء بأُوقيَّتَي كازٍ إلى الجامع، وحصل أمر لم يحصل من قبل، إذ ظلَّ بابُ الجامع مفتوحًا، ودخل جَدْيٌ صغير إلى حرم الجامع، فلوَّث قريبًا من سَجّادتي، وجاء رجلٌ هرمٌ ورأى ما حدث من تلويث، فأراد تنظيفَ المكان، فلم يجد غيرَ إناءِ الكاز، فرشَّ ما فيه على أطراف المسجد ظنًّا منه أنَّه ماءٌ، والعجيبُ أنَّه لم يَشَمَّ رائحتَه! فكأنَّ المسجدَ يقول بلسانِ حالِه لی"مصطفى چاويش": "لا حاجةَ لنا إلى كازِك بعد الآن، لقد ارتكبتَ خطأً جسيمًا، فلذا لم أقبل به"، وإشارةً لهذا الكلامِ المعنويِّ لم يَشعُر ذلك الرجلُ الهَرِم برائحة الكاز؛ بل لم يتمكَّن مصطفى من المشاركة ليلةَ الجمعة، وفوَّت بعضَ الصلوات المُهِمّة في ذلك الأسبوع رغم سعيه وحرصه الجادِّ.. فندم على ذلك الأمر ندمًا شديدًا، واستغفر لذنبه، وعاد إلى سابقِ نقائه وصفائه.
الشَّخصانِ الآخَرانِ المُسمَّى كلٌّ منهما "مصطفى": أوَّلُهما: مصطفى من قرية: "قُلَه أُونو"، وهو أحدُ أهمِّ طُلّابي المُجدِّين؛ والآخَرُ صديقُه الصادق المُضحِّي: "الحافظُ مصطفى"..
— 475 —
كنتُ أرسلتُ إليهما یی رحمهما الله یی ألّا يأتيا لزيارتي بعد العيد في الوقت الحاضر، كيلا يُضيِّق أهلُ الدنيا الخناقَ علينا، ممّا يؤدِّي إلى فتور العمل في الخدمة القرآنية؛ وإن أراد أحدٌ منهم الحضورَ فليأتِ منفردًا.. فإذا بي أُفاجَأ بثلاثة أشخاص أتَوا معًا في نفس الليلة، وعزموا الذهاب قبل الفجر إن سَمَحت أحوالُ الجوِّ بذلك، ونسينا أنا ومصطفى چاويش وسليمان أفندي جميعًا اتِّخاذَ أسباب الحيطة الظاهرية رغم عدم حصول ذلك من قبل، بل ربما أُنسِينا ذلك، فأوكل كلٌّ مِنّا الأمرَ إلى الآخر؛ وغادروا قبل الفجر.
فوُجِّهت إليهم صفَعاتٌ فاجأتهم بعواصفَ وأمطار غزيرة لم يقع مثلُها في هذا الشتاء، دامت حوالي ساعتين متواصلتين، لدرجة أنني قلقتُ عليهم قلقًا شديدًا لم يسبق لي مثله، وخفتُ ألّا يَنجُوا من هذا الإعصار! وعزمتُ على إرسال سليمان خلفهم لِيتلقَّى أخبارَهم ويطمئنَّ على سلامتِهم، وعقابًا له لعدم أخذه بالحيطة والحذر، إلا أن مصطفى چاويش قال لي: "إن ذهب سليمان فسيُحبَس هو كذلك ولن يتمكَّن من العودة، وسأتبعُه أنا أيضًا، ومن بعدي عبد الله چاويش.."، ففوَّضْنا الأمر إلى الله قائلين: "توكَّلنا على الله" وجلسنا ننتظرُهم.
٭٭٭
سؤال: إنَّك تَعُدُّ المصائبَ التي تَحُلُّ بإخوانك صفَعاتِ تأديب، وتتلقَّى الأمر عتابًا بسبب فتورهم في الخدمة القرآنية! في حين يعيشُ الذين يُعادُونك ويُعادُون الخدمةَ القرآنية بشكل حقيقي بسلام وأمان، فلماذا تُوجَّهُ الصَّفعاتُ للأصحاب، ولا يتعرَّض لها الأعداءُ؟!
الجواب: بسرِّ مقولة: "الكفر يدوم، والظلم لا يدوم"، فإن أخطاء الأصحاب تصبح بمثابة ظلم في خدمتنا، لذا يتعرَّضُون للعقاب بسُرعة، فيتلقَّون صفعةَ رحمة ليعودوا إلى رشدهم ما داموا عاقلين.. أما العدوّ فمُخالفتُه للخدمة القرآنية ومنعُه إيّاها
— 476 —
إنَّما هو لصالح الضلالة، وكذا اعتداؤه على خدمتنا یی بعلمٍ أو بغير علم یی إنَّما هو من قبيل الزندقة؛ وحيث إنَّ الكفر يدوم، فلا يتلقَّى معظمُهم الصَّفَعات بالسرعة ذاتها، فكما يُعاقَب من يرتكبُ أخطاءً طفيفةً في القضاء أو النّاحية، بينما يُساقُ مرتكبُو الجرائمِ الكبيرة إلى محاكِمِ الجزاءِ الكبرى، كذلك الأخطاءُ الصَّغيرةُ والهَفَواتُ التي يرتكبُها أهلُ الإيمانِ وخواصُّ الأصحاب يتلقَّون على إثرِها صفَعاتِ العقابِ بسرعة في الدُّنيا تكفيرًا لسيِّئاتِهم وتطهيرًا لذنوبِهم؛ أمّا جرائمُ أهلِ الضَّلالة فهي كبيرةٌ وجسيمةٌ إلى حدٍّ لا تتَّسِعُ معه هذه الحياةُ الدُّنيا القصيرةُ لعقابِهم، فيُمهَلُون إلى عالَم البقاء والخُلود، ويُحالون إلى المحكمة الكُبْرَى لِتقتصَّ منهم العدالةُ الإلٰهيّةُ القِصاصَ العادلَ، لذا لا يتعرَّضون للعقاب في هذه الدُّنيا غالبًا.
ويشير الحديث الشريف: «الدُّنيا سِجنُ المُؤمِنِ وجَنّةُ الكافِرِ» إلى هذه الحقيقة التي ذكرنا، أي: أنَّ المؤمن ينالُ في هذه الدنيا قسمًا من جزاء تقصيره، فتكونُ الدنيا في حقِّه دارَ الجزاء، فالدنيا بالنِّسبة إلى ما في آخرته من السَّعادة زنزانةٌ وعذابٌ.. أمّا الكُفّار فلأنَّهم مُخلَّدون في النّار، فهم ينالون قسمًا من ثوابِ حسناتِهم في الدُّنيا، وتُؤجَّلُ سيِّئاتُهم العظيمة إلى الآخرة، فتكون الدُّنيا بالنِّسبة إليهم دارَ نعيمٍ، لِما يُلاقونه من عذابِ الآخرة.
وإلّا فالمؤمنُ يجدُ من النَّعيم المعنويِّ في هذه الدُّنيا أيضًا ما لا يجدُه الكافر، فهو أسعدُ منه بكثيرٍ من زاوية نَظَرِ الحقيقة؛ وكأنَّ إيمانَ المؤمنِ بمثابة جَنّةٍ معنويّةٍ في روحِه، وكأنَّ كُفرَ الكافرِ يَستَعِرُ جحيمًا في ماهيَّتِه.
﴿ سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴾
٭٭٭