— 4 —
بِاسمِه سُبحَانَهُ
مِثلَما يَحتاجُ أَهلُ الإِيمانِ إلى "رَسائِلِ النُّورِ"، ويَحتاجُ مُعَلِّمُو المَدارِسِ الحَدِيثةِ في هذا العَصرِ العَجِيبِ إلى "عَصَا مُوسَى"، فإِنَّ العُلَماءَ وحُفَّاظَ القُرآنِ الكَرِيمِ بِحاجةٍ ماسّةٍ إلى "ذُو الفَقَارِ".
نعم، لَقَد أُثبِتَتْ لَمَعاتُ الإِعجازِ ولَطائِفُ النِّكاتِ القُرآنيّةِ في المَواطِنِ الَّتي أُثِيرَت حَولَها الشُّبُهاتُ والِاعتِراضاتُ في مُعظَمِ الآياتِ الوارِدةِ في مَبحَثِ "إِعجازِ القُرآنِ".
باسمِ جميعِ تلاميذِ النُّور
سَعِيدٌ النُّورْسِيُّ
— 5 —
بِاسمِه سُبحَانَهُ... وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِه
السَّلام عليكم ورحمةُ الله وبركاتُه أَبدًا دائمًا...
إِخوَتي الأَعِزّاءَ الصِّدِّيقِينَ..
نَظَرًا لِشُرُوعِ رَسائِلِ النُّورِ بِالِانتِشارِ بآلةِ "الرُّونيُو"، والتِفافِ الكَثِيرِينَ مِنَ الطُّلَّابِ والمُدَرِّسِينَ الَّذِينَ يَقرَؤُونَ الفَلسَفةَ الحَدِيثةَ في المَدارِسِ حَولَ رَسائِلِ النُّورِ، لَزِم بَيانُ الحَقِيقةِ الآتيةِ:
إِنَّ الفَلسَفةَ الَّتي تُهاجِمُها رَسائِلُ النُّورِ وتَصفَعُها بِصَفَعاتِها القَوِيّةِ، هي الفَلسَفةُ المُضِرّةُ وَحْدَها، ولَيسَتِ الفَلسَفةُ على إِطلاقِها، ذلك لِأنَّ قِسمَ الحِكْمةِ مِنَ الفَلسَفةِ الَّتي تَخدُمُ الحَياةَ الِاجتِماعِيّةَ البَشَرِيّةَ، وتُعِينُ الأَخلاقَ والمُثُلَ الإِنسانيّةَ، وتُمَهِّدُ السُّبُلَ لِلرُّقيِّ الصِّناعِيِّ، هي في وِفاقٍ ومُصالَحةٍ معَ القُرآنِ الكَرِيمِ، بل هي خادِمةٌ لِحِكْمةِ القُرآنِ، ولا تُعارِضُها، ولا يَسَعُها ذلك؛ لِذا لا تَتَصَدَّى رَسائِلُ النُّورِ لِهَذا القِسمِ مِنَ الفَلسَفةِ.
أَمَّا القِسمُ الثَّاني مِنَ الفَلسَفةِ، فكما أَصبَح وَسِيلةً لِلتَّرَدِّي في الضَّلالةِ والإِلحادِ والسُّقُوطِ في هاوِيةِ المُستَنقَعِ الآسِنِ لِلفَلسَفةِ الطَّبِيعِيّةِ، فإِنَّه يَسُوقُ الإِنسانَ إلى الغَفْلةِ والضَّلالةِ بِالسَّفاهةِ واللَّهوِ.. وحَيثُ إِنَّه يُعارِضُ بِخَوارِقِه الَّتي هي كالسِّحرِ الحَقائِقَ المُعجِزةَ لِلقُرآنِ الكَرِيمِ، فإِنَّ رَسائِلَ النُّورِ تَتَصَدَّى لِهَذا القِسمِ الضّالِّ مِنَ الفَلسَفةِ في أَغلَبِ أَجزائِها، وذلك بِنَصبِها مَوازِينَ دَقِيقةً ودَساتِيرَ رَصِينةً، وبِعَقْدِها مُوازَناتٍ ومُقايَساتٍ مُعَزَّزةً بِبَراهِينَ دامِغةٍ؛ فتَصفَعُها بِصَفَعاتِها الشَّدِيدةِ، في حِينِ أنَّها لا تَمَسُّ القِسمَ السَّدِيدَ النّافِعَ مِنَ الفَلسَفةِ.
ومِن هُنا لا يَعتَرِضُ طُلَّابُ المَدارِسِ الحَدِيثةِ على رَسائِلِ النُّورِ، بل يَنضَوُونَ یی ويَنبَغِي لَهُم أن يَنضَوُوا یی تَحتَ لِوائِها دُونَ تَرَدُّدٍ وإِحجامٍ.
— 6 —
بَيْدَ أنَّ المُنافِقِينَ المُتَستِّرِينَ، الَّذِينَ استَغَلُّوا عَدَدًا مِن عُلَماءِ الدِّينِ، وجَعَلُوهُم یی لِأَسبابٍ تافِهةٍ جِدًّا ولا مَعنَى لها إِطلاقًا یی في عَداءٍ معَ رَسائِلِ النُّورِ الَّتي هي بِضاعةُ المَدارِسِ الشَّرعِيّةِ وهُم أَصحابُها الحَقِيقِيُّونَ، فلَرُبَّما يَستَغِلُّونَ أَيضًا الغُرُورَ العِلمِيَّ لَدَى بَعضِ أَربابِ الفَلسَفةِ ويُثِيرُونَهُم على رَسائِلِ النُّورِ، لِذا أَرَى مِنَ الأَنسَبِ كِتابةَ هذه الحَقِيقةِ في مُستَهَلِّ كُلٍّ مِن مَجْمُوعةِ "عَصَا مُوسَى" و"ذُو الفَقَارِ".
سَعِيدٌ النُّورْسِيّ
— 7 —
بِاسمِه سُبحَانَهُ
أَثبَتَ الشُّعاعُ الثّامِنُ واللَّمْعةُ الثّامِنةُ والعِشرُونَ أنَّ الإِمامَ عَلِيًّا رَضِيَ الله عَنهُ أَخبَر في "القَصِيدةِ البَديعيّةِ" عن رَسائِلِ النُّورِ وبَعضِ أَجزائِها المُهِمّةِ إِخبارًا قَوِيًّا أَقرَبَ إلى التَّصرِيحِ؛ وقد أَخبَرَ عن آخِرِ رِسالةٍ مِن رَسائِلِ النُّورِ في "البَديعيّةِ" بِقَولِه: «واسْمُ عَصَا مُوسَى بِه الظُّلمةُ انجَلَتْ» ؛ وكُنّا قَبلَ نَحوِ سَنتَينِ ظَنَنَّا أنَّ "الآيةَ الكُبْرَى" هي آخِرُ الرَّسائِلِ، إِلّا أنَّنا تَبَينَّا أُمُورًا رَدَّتْ هذا الظَّنَّ.
مِنها: أنَّ اكتِمالَ تَأْليفِ الرَّسائِلِ يكُونُ في عامِنا هذا، العامِ الرّابعِ والسِّتِّينَ بعدَ الأَلفِ والمِئةِ الثَّالِثةِ لِلهِجرةِ (١٩٤٨م)، ومِنها: مَعنَى هذه الجُملةِ العَلَوِيّةِ، فإِنَّها تُخبِرُ عن رِسالةٍ تُبدِّدُ الظُّلُماتِ، وتَنشُرُ النُّورَ، وتُبطِلُ السِّحرَ كعَصَا مُوسَى عَلَيهِ السَّلَام، ومِنها: أنَّ قِسمَ "الثَّمَرةِ" في هذا المَجمُوعِ أَصبَح لائِحةَ دِفاعٍ أَزالَتْ ما تَوالَى علَيْنا مِن مَظالِمَ رَهِيبةٍ وظُلُماتٍ هائِلةٍ، كما أنَّ قِسمَ "الحُجَجِ" بَدَّد ظُلُماتِ الفَلسَفةِ الَّتي جابَهَتِ الأَنوارَ، وهُو ما اضْطَرَّ لَجْنةَ الخُبَراءِ بِأَنقَرةَ إلى التَّسلِيمِ لِلرَّسائِلِ واستِحسانِها.
ومِنها: وُجُودُ أَماراتٍ كَثِيرةٍ تَدُلُّ على أنَّ الظُّلُماتِ ستُبدِّدُ في المُستَقبَلِ، ومِنها: أنَّ هذا المَجمُوعَ يتَضَمَّنُ في قِسمِ "الثَّمَرةِ" إِحدَى عَشْرةَ مَسأَلةً نُورانيّةً، ويتَضَمَّنُ قِسمُ "حُجّةُ اللهِ البالِغةُ" مِنه إِحدَى عَشْرةَ حُجّةً قاطِعةً، وهذا يُقابِلُ ويُشابِهُ ما جَرَى لِعَصَا مُوسَى عَلَيهِ السَّلَام إِذِ انفَجَر بِها مِنَ الصَّخرِ اثْنَتا عَشْرةَ عَيْنًا، وتَحَقَّقَت بِها إِحدَى عَشْرةَ مُعجِزةً..
فكُلُّ هذا جَعَلَنا على يَقِينٍ بأَنَّ الإِمامَ عَلِيًّا كانَ بِقَولِه المَذكُورِ آنِفًا يَنظُرُ مُباشَرةً إلى المَجمُوعِ المُسَمَّى: "عَصَا مُوسَى" ويُخبِرُ عنه بِاستِحسانٍ.
سعيد النُّورْسِيّ