Risale-i Nur

عصا موسى
— 3 —
من كُلِّياتِ رَسَائِل النُّور
عَصَا مُوسَى
تأليف
بَدِيع الزَّمَان سَعِيد النُّورْسِيّ
ترجمة
إحسَان قَاسِم الصَّالِحِي
— 4 —
بِادرَتِهُبحَانَهُ
مِثلَما يَحتاجُ أَهلُ الإِيمانِ إلى "رَسائِلِ النُّورِ"، ويَحتاجُ مُعَلِّمُو المَدارِسِ الحَدِيثةِ في هذا العَصرِ العَجِيبِ إلى "عَصَا مُوسَى"، فإالِكَ لعُلَماءَ وحُفَّاظَ القُرآنِ الكَرِيمِ بِحاجةٍ ماسّةٍ إلى "ذُو الفَقَارِ".
نعم، لَقَد أُثبِتَتْ لَمَعاتُ الإِعجازِ ولَطائِفُ النِّكاتِ القُرآنيّةِ في المَواطِنِ الَّتي أُثِيرَت حَولَها الشّ عن أنُ والِاعتِراضاتُ في مُعظَمِ الآياتِ الوارِدةِ في مَبحَثِ "إِعجازِ القُرآنِ".
باسمِ جميعِ تلاميذِ النُّور
سَعِيدٌ النُّورْسِيُّ
— 5 —
بِاسمِه سُبحَانَهُ... وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِه
امُ سَام عليكم ورحمةُ الله وبركاتُه أَبدًا دائمًا...
إِخوَتي الأَعِزّاءَ الصِّدِّيقِينَ..
نَظَرًا لِشُرُوعِ رَسائِلِ النُّورِ بِالِانتِشارِ بآلةِ "الرُّونيُو"، والتِفاا ازْدَثِيرِينَ مِنَ الطُّلَّابِ والمُدَرِّسِينَ الَّذِينَ يَقرَؤُونَ الفَلسَفةَ الحَدِيثةَ في المَدارِسِ حَولَ رَسائِلِ النُّورِ، لَزِم بَيانُ الحَقِيقةِ الآتيةِ:
إِنَّ الفَلسَفةَ الَّتي تُهما سُئا رَسائِلُ النُّورِ وتَصفَعُها بِصَفَعاتِها القَوِيّةِ، هي الفَلسَفةُ المُضِرّةُ وَحْدَها، ولَيسَتِ الفَلسَفةُ على إِطلاقِها، ذلك لِأنَّ قِسمَ الحِكْمةِ مِنَ الإلى الةِ الَّتي تَخدُمُ الحَياةَ الِاجتِماعِيّةَ البَشَرِيّةَ، وتُعِينُ الأَخلاقَ والمُثُلَ الإِنسانيّةَ، وتُمَهِّدُ السُّبُلَ لِلرُّقيِّ الصِّناعِيِّ، هي في وِفاقٍ ومُصالَحةٍ معَ القُرآنِ الكَرِيمِ، بل هي خادِمةٌ لِحِكْمةِ القُرآنِتَّدبِتُعارِضُها، ولا يَسَعُها ذلك؛ لِذا لا تَتَصَدَّى رَسائِلُ النُّورِ لِهَذا القِسمِ مِنَ الفَلسَفةِ.
أَمَّا القِسمُ الثَّاني مِنَ الفَلسَفةِ، فكما أَصبَح وَسِيلةً لِلتَّرَدِّي في الضَّلالةِ والإِلحادِمٍ مَعُقُوطِ في هاوِيةِ المُستَنقَعِ الآسِنِ لِلفَلسَفةِ الطَّبِيعِيّةِ، فإِنَّه يَسُوقُ الإِنسانَ إلى الغَفْلةِ والضَّلالةِ بِالسَّفاهةِ واللَّهوِ.. وحَيثُ إِنَّه يُعاالرَّحِخَوارِقِه الَّتي هي كالسِّحرِ الحَقائِقَ المُعجِزةَ لِلقُرآنِ الكَرِيمِ، فإِنَّ رَسائِلَ النُّورِ تَتَصَدَّى لِهَذا القِسمِ الضّالِّ مِنَ الفَلسَفةِ في أَغلَبِ أَجزائِها، وذلك بِنَصبِها مَوازِينَ دَقِيقةً ودَساتِيرَ مِن نِةً، وبِعَقْدِها مُوازَناتٍ ومُقايَساتٍ مُعَزَّزةً بِبَراهِينَ دامِغةٍ؛ فتَصفَعُها بِصَفَعاتِها الشَّدِيدةِ، في حِينِ أنَّها لا تَمَسُّ القِسمَ السَّدِيدَ النّافِعَ مِنَ الفَلسَفةِ.
ومِن هُنا ِ تَوقتَرِضُ طُلَّابُ المَدارِسِ الحَدِيثةِ على رَسائِلِ النُّورِ، بل يَنضَوُونَ یی ويَنبَغِي لَهُم أن يَنضَوُوا یی تَحتَ لِوائِها دُونَ تَرَدُّدٍ وإِحجامٍ.
— 6 —
بَيْدَ أنَّ المُنافِقِينَ المُتَستِّرِينَ، المكِنُ َ استَغَلُّوا عَدَدًا مِن عُلَماءِ الدِّينِ، وجَعَلُوهُم یی لِأَسبابٍ تافِهةٍ جِدًّا ولا مَعنَى لها إِطلاقًا یی في عَداءٍ معَ رَسائِلِ النُّورِ الَّتي هي بِضاعةُ المَدارِسِ الشَّرعِيّةِ وهُم أَصحابُها الحَقِيقِيُّونَ، فلَرُبَّما يَستَغِلُّونَ
وكا الغُرُورَ العِلمِيَّ لَدَى بَعضِ أَربابِ الفَلسَفةِ ويُثِيرُونَهُم على رَسائِلِ النُّورِ، لِذا أَرَى مِنَ الأَنسَبِ كِتابةَ هذه الحَقِيقةِ في مُستَهَسانَ الٍّ مِن مَجْمُوعةِ "عَصَا مُوسَى" و"ذُو الفَقَارِ".
سَعِيدٌ النُّورْسِيّ

* * *

— 7 —
بِاسمِه سُبحَانَهُ
أَثبَتَ الشُّعاعُ الثّاَبلُغُاللَّمْعةُ الثّامِنةُ والعِشرُونَ أنَّ الإِمامَ عَلِيًّا رَضِيَ الله عَنهُ أَخبَر في "القَصِيدةِ البَديعيّةِ" عن رَسائِلِ النُّورِ وبَعضِ أَجزائِها المُهِمّةِ إِخبارًا قَوِيًّا أَقرَبَ إلى التَّصرِيحِ؛ وقد أَخبَرَ عن آخِرِ را نُشا مِن رَسائِلِ النُّورِ في "البَديعيّةِ" بِقَولِه:"واسْمُ عَصَا مُوسَى بِه الظُّلمةُ انجَلَتْ"؛وكُنّا قَبلَ نَحوِ سَنتَينِ ظَنَنَّا أنَّ "الآيةَ الكُبْرَى" هي آخِرُ الرَّسائِلِ، إِلّا أنَّبْرَى"َينَّا أُمُورًا رَدَّتْ هذا الظَّنَّ.
مِنها:أنَّ اكتِمالَ تَأْليفِ الرَّسائِلِ يكُونُ في عامِنا هذا، العامِ الرّابعِ والسِّتِّينَ بعدَ الأَلفِ ِنَ الةِ الثَّالِثةِ لِلهِجرةِ (١٩٤٨م)، ومِنها: مَعنَى هذه الجُملةِ العَلَوِيّةِ، فإِنَّها تُخبِرُ عن رِسالةٍ تُبدِّدُ الظُّلُماتِ، وتَنشُرُ النُّورَ، وتُبطِلُ السِّحرَ كعَصَا مُوسَى عَلَيهِ السَّلَام، ومِنها: أنَّ قناعِ "الثَّمَرةِ" في هذا المَجمُوعِ أَصبَح لائِحةَ دِفاعٍ أَزالَتْ ما تَوالَى علَيْنا مِن مَظالِمَ رَهِيبةٍ وظُلُماتٍ هائِلةٍ، كما أنَّ قِسمَ "الحُجَجِ" بَدَّد ظُلُماتِ الفَلسَفةِ الَّطَفِقاَهَتِ الأَنوارَ، وهُو ما اضْطَرَّ لَجْنةَ الخُبَراءِ بِأَنقَرةَ إلى التَّسلِيمِ لِلرَّسائِلِ واستِحسانِها.
ومِنها:وُجُودُ أَماراتٍ كَثِيرةٍ تَدُلُّ على أنَّ الظُّ السَّ ستُبدِّدُ في المُستَقبَلِ،ومِنها:أنَّ هذا المَجمُوعَ يتَضَمَّنُ في قِسمِ "الثَّمَرةِ" إِحدَى عَشْرةَ مَسأَلةً نُورانيّةً، ويتَضَمَّنُ قِسمُ "حُجّةُ اللهِ البالِغةُ" مِنه إِحدَى عَشْرُملَتاّةً قاطِعةً، وهذا يُقابِلُ ويُشابِهُ ما جَرَى لِعَصَا مُوسَى عَلَيهِ السَّلَام إِذِ انفَجَر بِها مِنَ الصَّخرِ اثْنَتا عَشْرةَ عَيْنًا، وتَّتي هقَت بِها إِحدَى عَشْرةَ مُعجِزةً..
فكُلُّ هذا جَعَلَنا على يَقِينٍ بأَنَّ الإِمامَ عَلِيًّا كانَ بِقَولِه المَذكُورِ آنِفًا يَنظُرُ مُباشَرةً إلى المَجمُوعِ المُسَمَّى: "عَصَا مُوسَى" ويُخبِرُ عنه لُماتِحسانٍ.
سعيد النُّورْسِيّ

* * *

— 9 —
القسم الأول
من عصا موسى
ثَمَرةٌ من ثِمارِ سِجنِ دَنِيزْلي
هذه الرِّسالةُ: دفاعُ الإيمانِ تَرفَعُه رسائلُ النُّور لِصَدِّ الزَّندَقةِ والكُفرِ الم٦
ا، فليس لنا دِفاعٌ حقيقيٌّ عن قَضِيَّتِنا في سِجنِنا هذا إلّا هذا الدِّفاعُ، فنحن لا نَسعَى إلّا له.
وهي خاطِرةُ ثَمَرةٍ أَثمَرَها سِجنُ "دَنِيزْلي" في يومَينِ مِلُ الَامِ الجُمَعِ المُبارَكةِ.
سعيدٌ النُّورْسِيّ
— 11 —
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ
نَفهَمُ مِن أَسرارِ هذه الآيةِ الكَريمةِ أنَّ يُوسُفَ عَلَيهِ السَّلَام هو قُ مَهِيلمَسجُونينَ ورائِدُهم، فيُصبِحُ السِّجنُ إذًا نَوعًا مِن "مدرسةٍ يُوسُفِيّة".. وحيثُ إنَّ عَدَدًا غَفيرًا مِن طُلّابِ النُّورِ قد دَخَلُوا هذه المَدرَسةَ مرَّتَينِ، لذا يَنبَغي لهم أن يَتَدارَسُوا ويُدَرِّسوا قِمِ وأَِن خُلاصةِ المَسائلِ الإيمانيّةِ الَّتي أَثبَتَتْها رسائلُ النُّورِ ولها مَساسٌ بالسِّجنِ، للِاستِرشادِ بها ولِتقوِيمِ الأَخلاقِ والسُّلُوكِ في هذه المَدرَسةِ المَفتُوحةِ لتلَقِّي التَّربيةِ.. وها نحنُ أُولاءِ نُبيَعلُومِضعًا مِن تلك الخُلاصاتِ.
المسألة الأولى
يُمكِنُ تلخيصُ هذه المَسأَلةِ الَّتي تمَّ إيضاحُها في "الكَلِمةِ الرَّابعةِ" كما يأتي:
إنَّ رأسَةِ في حَياتِنا هو هذه السَّاعاتُ الأَربعُ والعِشرُون الَّتي يَحمِلُها إلَينا اليَومُ نِعمةً خالِصةً مِن نِعَم خالِقِنا الكَريمِ جلَّ جلالُه، لِنَكسِبَ بكلِّ ساعةٍ مِن هذه السَّاعاتِ ما يَلزَمُنا، وما هوَدَرِ ريٌّ في حَياتَينا كِلْتَيهِما الدُّنيَويَّةِ والأُخْرَويَّةِ.
وما لم نَصْرِف ساعةً واحِدةً یی وهي كافيةٌ لِأَداءِ الصَّلَواتِ المَفرُوضةِ یی لِحَياتِنا الأُخرَوِيَّةِ الخالِدةِ، بَينَما نَصرِفُ ثلاثًا دٍ (ص)ن ساعةً في سَبِيلِ هذه الحياةِ الدُّنيا القَصيرةِ، نكُونُ قدِ ارتَكَبنا خَطَأً جَسِيمًا لا يَستَصْوِبُه عَقلٌ سَلِيمٌ؛ فلا جَرَمَ أنَّنا نُعاني نَتيجةَ هذا الخَطَأِ الفادِحِ غِلظةَ القَلبِ وقَسوَتَه، وانقِباضَ الرُّوحِ وظُلمَتَها، اِدِيهاِّيةَ بمَجمُوعِها إلى تَعكِيرِ صَفْوِ الأَخلاقِ، وتَلَوُّثِ نَقاوةِ الرُّوحِ.. وفوقَ هذا تَمضِي حَياتُنا رَتِيبةً مُمِلَّةً يائِسةً
— 12 —
خاوِيةَ المَعنَى، فيُصارةِ ا الضَّجَرُ، فلا نكادُ نُفِيدُ مِن دُرُوسِ هذه المَدرَسةِ اليُوسُفِيّةِ، ومِن مِحنةِ الِامتِحانِ والِابتِلاءِ ما يُرَبِّينا ويَرقَى بنا، فنَخسَرُ بهذا خُسرانًا مُبِينًا.
أمَّا إذا صَرَفْنا ساعةً واحِدةً في بَّةَ الصَّلَواتِ الخَمسِ، فكلُّ ساعةٍ مِن ساعاتِ الِابتِلاءِ وأَوقاتِ المِحَنِ تَتَحوَّلُ إلى يومٍ مِنَ العِبادةِ، فكَأنَّ السَّاعاتِ الفانِيةَ قدِ اكتَسَبَت ببَرَكةِ هذه السَّاعةِ صِفةَ الخُلُودِ، وأَصبَحَت في حُكمِ ساعاتٍ أَبَديّةٍ باقِيةٍ؛ فتجَميعِ عنِ القَلبِ سُحُبُ اليَأْسِ، ويَتَبَدَّدُ عنِ الرُّوحِ ظَلامُ القُنُوطِ.. وتُصبِحُ هذه السَّاعةُ مِنَ العِبادةِ كَفَّارةً لِبَعضِ ما ارتُكِبَ مِن أَخطاءٍ وذُنُوبٍ، رُبَّما كانَتِ السَّبَبَ في الدُّخُولِ إلى السِّجنِ.. وبذَلك َنظارِِفُ حِكمةَ ابتِلائنا بالسِّجنِ، ويَغدُو السِّجنُ مَدرَسةً نَتَلقَّى فيها الدُّرُوسَ النَّافِعةَ، ونَجِدُ فيه مع إخوَتِنا في المُصِيبةِ والبَلاءِ العَزاءَ والسُّلوانَ.
وقد ذُكِرَ ّةِ هوكَلِمةِ الرَّابعةِ" أَيضًا مِثالٌ يُبيِّنُ فَداحةَ الخَسارةِ الَّتي تُصِيبُ مَن يَلْهَثُ وَراءَ حَظِّه مِنَ الدُّنيا ويَعزِفُ عنِ الآخِرةِ وهو:
هناك مَن يَدفَعُ خَإنسانٍو عَشْرًا مِن أَربعٍ وعِشرين لَيرةً يَملِكُها في شِراءِ بطاقةِ قِمارِ اليانَصيبِ، رُبَّما يكُونُ احتِمالُ الفَوزِ بها واحِدًا مِن أَلفٍ لوُجُودِ ألفٍ مِنَ المُشتَرِكين معَه.. بَينَما لا يَصرِفُ واحِدًا مِن أَربعٍ وعِشريٍ مِنهً يَملِكُها في شِراءِ بِطاقةٍ تُرْبِحُه كَنزًا خالِدًا أُخرَوِيًّا؛ عِلمًا أنَّ احتِمالَ الفَوزِ بها للمُؤمِنين الَّذين خُتِمَت أَعمالُهم بالحُسنَى هو بيَقينِ تِسعٍ وتِسعين وتِسعِ مِئةٍ من أَلفٍ، كما أَكَّدَيمُونجَميعُ الأَنبِياءِ والرُّسُلِ الكِرامِ عَلَيهِم السَّلَام، وصَدَّقَهم یی كَشْفًا وتَحقِيقًا یی الأَولِياءُ والأَصفِياءُ الَّذين لا يَحصُرُهمُ العَدُّ.
فهذا الدَّرسُ البَلِيغُ مِن رَسائلِ صَراحرِ يَنبَغي أن يَرتاحَ إلَيه مَسؤُولُو السِّجنِ وكلُّ مَن يَعنِيه أَمرُ البِلادِ وشُؤُونُها، لأنَّه قد ثَبَت بالتَّجرِبةِ: أنَّ إدارةَ أَلفٍ مِنَ المُ وهو َ المُشفِقينَ مِن عَذابِ سِجنِ جَهَنَّمَ والمُستَجِيرينَ باللهِ مِنها، هي أَسهَلُ بكَثيرٍ مِن إدارةِ عَشَرةٍ مِن تارِكِي الصَّلاةِ، ومِن فاسِدِي العَقِيدةِ والأَأُسلُو الَّذين لا يَرتَدِعُون إلّا بعِقابِ الدُّنيا وسِجنِها ولا يُميِّزُون الحَلالَ عنِ الحَرامِ.

* * *

— 13 —
خلاصة المسألة الثانية
مِثلَما بَيَّنَتْ رِسالةُ "مُرشِدِ عراجٍ ابِ" ووَضَّحَتْ إيضاحًا جَمِيلًا أنَّ المَوتَ لا مَفَرَّ مِنه أَبدًا، بل إنَّ مَجِيئَه أَيقَنُ مِن مَجِيءِ اللَّيلِ لَهذِا النَّهارِ، ومِن تَعاقُبِ الِحِكمءِ لِهذا الخَريفِ؛ وكما أنَّ هذا السِّجنَ مَضِيفٌ مُؤَقَّتٌ لا يَكادُ يَفرَغُ حتَّى يُملَأَ مِن جَديدٍ، فالدُّنيا كَذلِك كالفُندُقِ، وكمَنزِلِ حِلٍّ وَوتُ اٍ مُقامٍ على طَريقِ القَوافِلِ المُسرِعةِ.
فالمَوتُ الَّذي يُفرِّغُ كلَّ مَدينةٍ مِن سُكَّانِها مِئةَ مرّةٍ، ويَدفَعُ بهم إلى المَقابرِ، لا بُدَّ أنَّه يَطلُبُ شيئًا أَكثَرَ مِمّا تَطلُبُه مِن هذه الحَياةِ الفَانِيةِ.
ولقد حَلَّتْ رَسَائئيّةٍ نُّورِ لُغْزَ هذه الحَقيقةِ المُدهِشةِ، وكَشَفَتْها.. وخُلاصَتُها هَي:
مَا دامَ المَوتُ لا يُقتَلُ، وبابُ القَبْرِ لا يُغلَقُ، فإنَّ أَعظَمَ ما سيَشغَلُ بالَ الإنسانِ ويُشَكِّلُ أَكبَرَ مُعضِلةٍ له هو النَّجاةُتُفَصَّدِ جَلَّادِ المَوتِ هذا، والخَلاصُ مِن سِجنِ القَبْرِ المُنفَرِدِ.
ولقد أَثبَتَت رَسائلُ النُّورِ إثباتًا جازِمًا بفَيضٍ مِن نُورِ القُرآنِ الكَريمِ أنَّ لِهذه المُعضِلةِ عِلاجًاضَيَّعاصَتُه هي: أنَّ المَوتَ إمّا هو إعدامٌ أَبَدِيٌّ، وفَناءٌ تامٌّ يُصِيبُ المَرءَ وأَحِبَّتَه، وذَوِي قُرْباه جَميعًا؛ أو هو تَسرِيحٌ مِنَ العَمَلِ للذَّهابِ إلى عالَمٍ آخَرسِيّةًَلَ، وجَوازُ سَفَرٍ للدُّخُولِ إلى قُصُورِ السَّعادةِ بشَهادةِ الإيمانِ ووَثيقَتِه.. أمّا القَبْرُ فهو إمَّا سِجنٌ انفِرادِيٌّ مُظلِمٌ وبِئرٌ سَحِيقةٌ، أو هو بَابٌ إلى رَوضَاتٍ خَالِدةٍ، ومَضِيفٌ مُنَوَّأوَلا َ السَّراحِ مِن سِجنِ الدُّنيا.
وقد أَثبَتَت رِسالةُ "مُرشِدِ الشَّبابِ" هذه الحَقيقةَ بمِثالٍ وهو: أنَّه نُصِبَت في فِناءِ هذا السِّجنِ أَعوادُ مَشانِقَ تَستَنِدُ على جِدِ عن وَلفَه دائرةٌ عَظيمةٌ تَمنَحُ جَوائزَ سَخِيّةً يَشتَرِكُ فيها النَّاسُ كلُّهم؛ ونحن المَساجِينُ الخَمسُ مِئةٍ نَنتَظِرُ دَوْرَنا لِنُدعَى إلى ذلك المَيدانِ، فسنُدعَى إلَيه فَرْدًا فَرْدًا شِئنا أم أَبَينا، فلا نَجاعُورٍ مَّا أن يُقالَ لِكُلٍّ مِنّا: "تَعالَ
— 14 —
تَسَلَّمْ أَمرَ إعدامِكَ واصْعَدِ المِشنَقةَ"، أو: "تَسَلَّمْ أَمرَ السِّجنِ الِانفِرادِيِّ الأَبَديِّ وادخُلْه مِن هذا البابِ المَفتُوحِ"، أو يُقالَ: "بُشراكَ! فقد فُزتَ ببِطاقةٍ تُرب عاجِزَلايينَ اللَّيراتِ الذَّهَبيّةِ.. هيَّا خُذْها".
فهَا نحنُ أُولَاءِ نُشاهِدُ إعلَاناتِ هَذه الدَّعوةِ مُنتَشِرةً هُنا وهُناك، ونَرَى أُناسًا يَصعَدُون المَشانِقَ بالتَّعاقُبِ ومِنهم مَن يَتَدلَّى، ومِنهم مَن يتَّخِذامَ كَرَجًا وسُلَّمًا للبُلُوغِ إلى دَائرةِ الجَوائزِ الوَاقِعةِ خَلْفَها، وقد أَصْبَحْنا على يَقينٍ جازِمٍ بما يَدُورُ في تِلك الدَّائرةِ كأنَّنا نَراه رَأْيَ العَينِ، استِنادًا إلى ما يَروِيه الشَُّ مُوَظَّفي تلك الدَّائرةِ مِن رِواياتٍ صادِقةٍ لا تَقبَلُ الشَّكَّ.
دَخَلَتْ سِجْنَنا في هَذِه الأَثناءِ طائفَتانِ، تَحمِلُ إحداهُما آلَن يُظهطَّرَبِ وقَناني الخَمرِ مع حَلْوَيَاتٍ، ظاهِرُها العَسَلُ وباطِنُها السُّمُومُ، دَسَّتْها شَياطِينُ الإنسِ، وهُم يُقَدِّمُونَها إلَينا ويُرَغِّبُوننا في تَناوُلِها؛ أمَّا الجَماعةُ الثَّانيةُ ففي أَيدِيهم كُتُبَ شُؤَُويّةٌ ومَنشُوراتٌ أَخلاقِيَّةٌ مع مَأْكُولاتٍ طَيِّبةٍ ومَشرُوباتٍ مُبارَكةٍ، يُقَدِّمُونَها هدايا لَنا، ويَذكُرُون لنا بالِاتِّفاقِ والِاطمِئنانِ الكامِلِ وُودِ فنِ التّامِّ:
أنَّ ما تُقَدِّمُه الطَّائِفةُ الأُولَى لَكُم مِن مَأكُولاتٍ مَا هِي إلَّا للِامتِحانِ والِاختِبارِ، فإذا ما قَبِلتُمُوها ورَضِيتُم بها فسَيَكُونُ مَصِيرُكم كَمَا هُو ماثِها بماَامَكم في المَشانِقِ؛ أمَّا إذا رَضِيتُم بِهَدايَانا الَّتي نُقَدِّمُها إلَيكُم باسمِ حَاكِمِ هذه البِلادِ وبِأَمرِه، وتَلَوْتُم ما في تلك الكُتُبِ مينِ اللِيماتٍ وأَذكارٍ فسَتَنجُون مِنَ الإعدامِ وتَستَلِمُون بطاقةَ الجائزةِ مِن تلك الدَّائرةِ، لِتَفُوزُوا بالرِّبحِ العَظيمِ، هَدِيَّةً مِنَ السُّلطانِ وكَرَمًا مِنه وفَضلًا..
صَدِّقُوا بَما نَقُولُه لَكم واعتَقِدُوا به اعتِقادًا ر وَإِ كأنَّیكُم تَرَونه في وَضَحِ النَّهارِ.. ولَكِن حَذارِ مِن تَلِك الحَلْوَى المُعَسَّلةِ المُحَرَّمةِ أوِ المُرِيبةِ، فلو أَكَلتُم مِنها تَلَوَّت بُطَُ المُ بمَغْصٍ شَديدٍ مِن أَثَرِ السُّمُومِ، فتُقاسُون مِنها الآلامَ لِحِينِ صُعُودِكمُ المَشانِقَ.
وهكذا، على غِرارِ هذا المِثالِ، سيَهَبُ القَدَرُ الإِلٰهي وإِيجُؤمِنينَ الَّذين قَضَوا حَياتَهم بالطّاعةِ، وخُتِمَت أَعمالُهم بالحُسنَى خَزائنَ أَبَديّةً لا تَنضُبُ بعدَ أن يَنتَهِيَ
— 15 —
أَجَلُهم في الدُّنيا. أمَّا أُولئك المُتَمادُون في الضَّلالةِ والفِسقِ مِن دُونِ أن يَتُوبُوا إلى رَبِّهم فسي فلقد ون إعدامًا نِهائيًّا (لِمَن لا يُؤمِنُ بالآخِرةِ) أو يُزَجُّون في سِجنٍ انفِرادِيٍّ مُظلِمٍ أَبَدِيٍّ (لِمَن يَتَمادَى في غَيِّه وسَفَهِه مع إيمانِه ببَقاءِ الرُّوحِ)؛ فهؤلاء يَتَسَلَّمُون قَرارَ شَقائِهمُ الأَبَد القَديَقينٍ يَبلُغُ تِسعًا وتِسعين بالمِئةِ.
نعم، يُخبِرُ بهذا الخَبَرِ الصّادِقِ مِئةٌ وأَربعةٌ وعِشرُون أَلفًا مِنَ الأَنبِياءِ عَلَيهِم السَّلَام، وبينَ أَيدِيهم مُعجِزاتٌ تُصَدِّقُهم، ويُخبِرُ أَكثَرُ مِن مِئةٍ وأَرَنَّ معِشرِين مِليُونًا مِنَ الأَولياءِ یی قَدَّسَ اللهُ أَسرارَهُمُ یی المُقتَفِين آثارَ الأَنبِياءِ والمُصَدِّقين بما أُخبِرُوا به كَشْفًا وذَوْقًا، ويُخبِرُ به كذلك مَن لا يُحصِيهِمُ العَدّون جُد العُلَماءِ المُحَقِّقين (حاشية): إنَّ أحد أولئك العُلَماء المحقِّقين هو: رسائلُ النُّور التي أَلجَمَت أَعتَى الفلاسفةِ المادِّيِّين، وأرِّدّةت أشَدَّ الزَّنادقة تَمَرُّدًا، طَوالَ العِشرين سنةً التي خَلَتْ، وما تَزالُ قائمةً على قَدَمٍ وساقٍ في مَيدانِ التَّحَدِّي والمُبارَزةِ، وهي في مُتَناوَلِ الجميعِ، فبِوُسعِ أيِّ واحِدٍ قِراءَتُها دون تَفنيدِها. والمُجتَهِدين والصِّدِّيقِينحْدةٍ ين أَثبَتُوا دَعواهُم وتَصدِيقَهُم عَقلًا وفِكرًا بالبَراهينِ الدَّامِغةِ والحُجَجِ القاطِعةِ، فأَخبَرُوا يَقِينًا ما أَخبَرَ به أُولَئك الأَ"أَسْكمِن تِلكُما الطّائفَتَينِ.. فهؤلاء الطَّوائفُ الثَّلاثُ العَظِيمةُ والجَماعاتُ الغَفِيرةُ مِن أَهلِ الحَقِّ والحَقيقةِ یی هم رُوَّادُ الإنسانيّةِ وشُمُوسُ البَشَريّةِ وأَقمارُها یی يُخبِرُون جَميعًا بتلك الحَقيقةِ إجمَاعًا وتَونِ كًا..
فيا خَسارةَ مَن لا يَهتَمُّ بأَوامِرِهم، ولا يَسلُكُ الصِّراطَ السَّوِيَّ المُؤَدِّيَ إلى السَّعادةِ الأَبَدِيّةِ بإرشاداتِهم، ولا يَكْتَرِثُ بمَصِيرِه المُؤلِمِ وهو بيَقينٍ يَبلُغُ تِسعًا وتِسعين بالمِئةِ، في حِينِ أنَّه لا يِ قُدر طَريقًا فيه احتِمالٌ واحِدٌ مِنَ الخُطُورةِ واستِنادًا على قَولِ مُخبِرٍ واحِدٍ، بل يَستَبدِلُ به طَريقًا آخَرَ ولو كان أَطْوَلَ.
فهؤلاء أَشبَهُ بسِكِّيرٍ أو مَعتُوهٍ شَقِيٍّ يَلتَهِي بِلَسْعِ الذُّبابِ عنِ انقِضا:الجحُوشٍ كاسِرةٍ عليه، إذ قد فَقَد عَقْلَه وأَضاعَ قَلبَه وأَفسَدَ رُوحَه ودَمَّرَ إنسانِيَّتَه؛ لأنَّه رَغمَ التَّبلِيغاتِ الصَّادِقةِ الصَّادِرةِ مِن أُولَئك المُخبِرين الَّذين لا يَحصُرُهمُ العَدُّ فقد تَرَكَ الطَّريقَ اُلُوفِرَ والأَسهَلَ المُؤَدِّيَ إلى الفَوزِ المُحَقَّقِ بالجَنّةِ والسَّعادةِ الأَبدِيّةِ، واختارَ
— 16 —
طَريقًا أَطوَلَ مِنه وأَوْعَرَ وأَضْيَقَ، والَّذي يُؤَدِّي به إلى سِجنِ ج" الَّمَ والشَّقاءِ الأَبَدِيِّ حَتْمًا.
بَينَما الإنسانُ یی كما قُلْنا یی لا يَلِجُ طَريقًا قَصيرًا في الدُّنيا فيه احتِمالُ واحِدٍ بالمِئةِ مِنَ الخُطُورةِ، أو فيه سِجنُ شَهرٍ واحِدٍ وبِناءً على كلامِ مُخبِرٍ واحِدٍ، وقد يرٍ؛ فذكاذِبًا؛ بل يُفَضِّلُ علَيه طَرِيقًا آخَرَ ولو كان طَوِيلًا، أو مِن دُونِ نَفْعٍ، وذلك لِمُجَرَّدِ خُلُوِّه مِنَ الضَّرَرِ.
فما دامَت حَقيقةُ الأَمرِ هذه، فيَنبَيجازِه نحنُ مَعاشِرَ المُبتَلَينَ بالسِّجنِ أن نَقبَلَ بكُلِّ رِضًا وسُرُورٍ هدايا الطّائفةِ الثّانيةِ لِنَثأَرَ لأَنفُسِنا مِن مُصِيبةِ السِّجنِ؛ إذ كما أنَّ لَذّةَ دَقيقةٍ في الِانتِقامِ، ومِانتِظبِضعِ دَقائقَ أو ساعاتٍ في السَّفاهةِ قد زَجَّتْ بنا في السِّجنِ، فيَقضِي فيه بَعضُنا خَمْسَ عَشْرةَ سَنةً، والبَعضُ الآخَرُ عَشْرَ سَنَواتٍ، وآخَر الزّامْسَ سَنَواتٍ، أو سَنةً أو سَنَتَينِ أو ثلاثًا مِنَ الأَحكامِ.. فعَلَينا إذًا یی وأَنفُ السِّجنِ راغِمٌ یی أن نُحَوِّلَ بقَبُولِنا هَدايا القافِلةِ الثّانيةِ، هذه السّاعاتِ القَلِيلةَ إلى أَيّامٍ مِنَ العِبادةِ مِثلِهامَلُّكَوِّلَ سنَتَينِ أو ثلاثًا مِن عِقابِنا إلى عِشرِينَ وثَلاثينَ سَنةً مِنَ العُمُرِ الخالِدِ، ونُبَدِّلَ بعِشرِينَ سَنةً أو ثلاثين سَنةً مِن مُكُوثِنا في السِّجنِ مَلايينَ السَّنَواتِ الخالِدةِ؛ فتكُونَ الأَحكامُ الصَّادِرةُ علَينا وَسِيلةَ نَجَّبَوين سِجنِ جَهَنَّم.. وحِينَها تَبتَسِمُ حَياتُنا الأُخرَى وتُسَرُّ إزاءَ بُكاءِ دُنيانا وحُزنِها، ونكُونُ بذلك قد ثَأَرْنا لِأَنفُسِنا مِن تلك المِحنةِ، وأَظهَرْنا حَقَحَدٌ َّ السِّجنَ مَدرَسةٌ تَربَوِيّةٌ لِتَقويمِ الأَخلاقِ.
فلْيُشاهِدْ مَسؤُولُو السِّجنِ ومَن يَتَوَلَّوْن أَمرَه، أنَّ مَن ظَنُّوهم مُجرِمِين قَتَلَةً، وحَسِبُوهُم سُفَهاءَ مُخِلِّين بالنِّظامِ، قد أَصبَحُوا طُلَّابَ مَدلعَجزِتَربَوِيّةٍ مُبارَكةٍ يَتَعلَّمُون فيها الأَدَبَ الجَميلَ والخُلُقَ القَوِيمَ، وغَدَوْا أَعضاءً نافِعِين للبِلادِ والعِبادِ.. فلْيَشْكُرُوا رَبَّهم أَجزَلَ شُكْرٍ.

* * *

— 17 —
المسألة الثالثة
وهي حادِثةٌ ذاتُ عِبرةٍ، سَبَق ذِكرُهَدِ مَمُرشِدِ الشَّبابِ" مُفَصَّلًا، وخُلاصَتُها هي:
كُنتُ في أَحَدِ أَيّامِ عِيدِ الجُمهُورِيّةِ جالِسًا أَمامَ شُبَّاكِ سِجنِ "أَسكِي شَهِر" الَّذي يُطِلُّ على مَدرَالشَّجنَوِيّةٍ، وكانَت طالِباتُها اليافِعاتُ يَلعَبْنَ ويَرقُصْنَ في ساحةِ المَدرَسةِ وفِنائِها ببَهجةٍ وسُرُورٍ، فتَراءَى لي فَجأةً على شاشةٍ مَعنَوِيّةٍ ما طانِ أُ إلَيه حالُهُنَّ بعدَ خَمسِين سَنةً، فرَأَيتُ: أنَّ نَحْوًا مِن خَمسِين مِن مَجمُوعِ ما يُقارِبُ السِّتِّين طالِبةً يَتَحَوَّلْنَ إلى تُرابٍ ويُعَذَّبْنَ في القَبرِ، وأنَّ عَ الَّتمِنهُنَّ قد تَحَوَّلْنَ إلى عَجائِزَ دَمِيماتٍ بَلَغْنَ السَّبعينَ والثَّمانينَ مِنَ العُمُرِ، شاهَتْ وُجُوهُهُنَّ وتَشَوَّهَ حُسْنُهُنَّ، يُقاسِينَ الآلامَ مِن نَظَراتِ التَّقَزُّزِ والِاستِهجانِ مِنَ الَّذين كُنَّ يَتَوقَّعْنَ مِنهُانٍ لِعجابَ والحُبَّ، حيثُ لم يَصُنَّ عِفَّتَهُنَّ أيّامَ شَبابِهنَّ!.. نعم، رَأَيتُ هذا بيَقينٍ قاطِعٍ، فبَكَيتُ على حالِهِنَّ المُؤلِمةِ بُكاءً ساخِنًا أَثارَ انتِباهَ البَعضِ مِن زُمَلاءِ السالمَرا فأَسرَعُوا إلَيَّ مُستَفسِرينَ، فقُلتُ لهم: "دَعُوني الآنَ وحالي.. انصَرِفُوا عنِّي..".
أَجَل، إنَّ ما رَأَيتُه حَقيقةٌ وليس بخَيالٍ، إذ كما سيَؤُولُ هذا الصَّيفُ والخَريفُ إلى الشِّتاءِ، فإنَّ ما خَلْفَ صَيفِ الشَّخاصٍّ،وَراءَ خَرِيفِ الشَّيبِ، شِتاءَ القَبْرِ والبَرزَخِ؛ فلَو أَمكَنَ إظهارُ حَوادِثِ ما بعدَ خَمسِينَ سَنةً مِنَ المُستَقبَلِ مِثلَما يُمكِنُ ذلك لِحَوادِثِ الخَمسِين سَنةً الفائتةِ بجِهازٍ كجِهازٍ السِّينِما، وعُرِضَتزةً باِثُ أَهلِ الضَّلالةِ وأَحوَالُهم في المُستَقبَلِ، إذًا لَتَقزَّزُوا ولَتَألَّمُوا ولَبَكَوْا بُكاءً مُرًّا على ما يَفرَحُون مِنه الآنَ ويَتَلمةٍ قدن به مِنَ المُحَرَّماتِ في الوَقتِ الحاضِرِ.
وبَينَما كُنتُ غارِقًا في التَّأَمُّلِ، ومُنصَرِفًا إلى مَشاهِدِ الشّاشةِ المَعنَوِيّةِ المَعرُوضةِ أَمامِي في سِجنِ ، إنَِّي شَهِر" إذِ انتَصَبَ أَمامي شَخصٌ مَعنَوِيٌّ كأنَّه يُمَثِّلُ الشَّيطانَ
— 18 —
الإِنسِيَّ يَدعُو إلى السَّفاهةِ، ويُرَوِّجُ للضَّلالةِ قائلًا لي: "نحن نُريدُ أن نَستَمتِعَ بجَميعِ لَذائذِ الحةٍ یی ونُمَتِّعَ الآخَرين بها.. دَعْنا وشَأْنَنا، وإلَيكَ عَنَّا".
فأَجَبتُه قائلًا: "ما دُمتَ تَرمِي بنَفسِك في أَحضانِ الضَّلالةِ والسَّفاهةِ حُصُولًا على لَذّةٍ جُزئيّةٍ وذَوْقٍ ضَئِيلٍ مُتَناسِيًا المَوويُثبَِ آبِهٍ به، إذًا فاعْلَمْ: أنَّ "الماضِيَ" كُلَّه یی حَسَبَ ضَلالَتِك یی قد ماتَ واندَثَر وانتَهَى إلى العَدَمِ، فهو مَقبَرةٌ عَظيمةٌ :هو أةٌ مُرعِبةٌ، قد رَمَّت فيها الجُثَثُ وبَلِيَت فيها الآثارُ، لذا إن كانَت لك مُسْكةٌ مِن عَقلٍ أو كُنتَ تَملِكُ قَلبًا يَنبِضُ بالحَياةِ فإنَّ، وكانمَ المُتَوَلِّدةَ یی بمُقتَضَى ضَلالَتِك یی مِنَ المَوتِ الأَبَدِيِّ، ومِن أَنواعِ الفِراقِ غيرِ المَحدُودِ لِأَقارِبِك وأَحبابِك غيرِ المَعدُودِين تُزِيلُ تلك اللَّذّةَ الجُزئيّةََعمالَكِرةَ الَّتي تَتَذَوَّقُها في بُرهةٍ قَصِيرةٍ جِدًّا.
وكما أنَّ "الماضِيَ" مَعدُومٌ بالنِّسبةِ إلَيك، فی"المُستَقبَلُ" مَعدُومٌ لك كذلك، وذلك بسَبَبِ انعِدامِ إيمانِك، بل هو ساثابةِ وحِشةٌ رَهِيبةٌ مُظلِمةٌ مَيْتةٌ.. فما مِن أَحَدٍ مِنَ المَوجُوداتِ المِسكِينةِ يأتي ويَبْرُزُ إلى الوُجُودِ یی مارًّا بالحاضِرِ یی إلَّا ويَقبِضُه جَلَّادُ المَوتِ ويَقذِفُه إَمةَ رَدَمِ، وأنت لِكَونِك مُرتَبِطًا بتلك العَوالِمِ یی بحُكمِ عَقلِك یی فإنَّ المُستَقبَلَ يَصُبُّ على رَأسِك المُلحِدِ مَطَرَ السَّوءِ مِنَ الآلامِ المُوجِعةِ والقَلَقِ الشَّديدِ والِاضطِراباتِانيَّتيفةِ، حتَّى يَجعَلَ جَميعَ لَذائذِك الجُزئيّةِ السَّفيهةِ أَثرًا بعدَ عَينٍ.
ولكن ما إن تَنبِذُ طَريقَ الضَّلالةِ وتَتْرُكُ سُلُوكَ السَّفاهةِ داخِلًا حَظيرةَ الإيمانِ التَّحقِيقيِّ، مُستَقِيمًا علَيه حتَّىَطابِع بنُورِ الإيمانِ أنَّ ذلك الماضِيَ السَّحيقَ ليس بمَعدُومٍ وليسَ بمَقبَرةٍ تُبلي كلَّ شيءٍ وتُفنِيه، بل هو عالَمٌ نُورانِيٌّ مَوجُودٌ فِعلًا، الَّذي يَنقَلِبُ إلى المُستَقبَلِ، وهو ساحرةَ عمِظارِ الأَرواحِ الباقيةِ المُتَرقِّبةِ للبَعْثِ، دُخُولًا إلى فِردَوسِ السَّعادةِ الأَبَديّةِ المُعَدّةِ لهم؛ لذا يُذِيقُك یی وأنت ما زِلْتَ في الدُّنيا یی لَذَّةَُه البّةِ المَعنَويَّةِ حَسَبَ دَرَجةِ إيمانِك.. كما أنَّ المُستَقبَلَ ليسَ مُؤْلِمًا ولا مُقلِقًا ولَيسَ مَحَلًّا للوَحْشةِ ولا وادِيًا مُظلِمًا مُخِيفًا، بل هو بِنُورِ الإيمانِ مَنازِلُ سَعادةٍ أَبَديّةٍ للرَّحمٰنِ الرَّحيمِ لَمُه جَلالِ والإكرامِ، الَّذي وَسِعَت رَحمَتُه كلَّ شيءٍ وأَحاطَ كَرَمُه بكلِّ شيءٍ..
— 19 —
فكما فَرَشَ سُبحانَه الرَّبيعَ والصَّيفَ مائِدَتَينِ مَملُوءَتَينِ بأَنواعِ النِّعَمِ والمَطعُوماتِ ويُثببَسَط سُبحانَه مَوائدَ ضِيافَتِه الفاخِرةِ في تلك القُصُورِ العَوالي، وفَتَح مَعارِضَ إحسانِه وآلائِه العَميمةِ هناك، والنَّاسُ يُشَوَّقُون إلَيها بل يُساقُون.
نعم، هكَذا يَراها المُؤمِنُ بالشَّاشةِ الإيمانيّةِ كلٌّ حَسَبَ دَرَجَتِه، وبوُ ولا تن يَشعُرَ شيئًا مِن لَذائذِ ذلك النَّعِيمِ المُقِيمِ.
فإذًا، اللَّذّةُ الحَقيقيّةُ الصَّافيةُ الَّتي لا يُكَدِّرُها أَلَمٌ، إنَّما هي في ُجُودِانِ، وبالإِيمانِ وَحدَه يُمكِنُ الفَوزُ بها.
وهناك أُلُوفٌ مِنَ الثَّمَراتِ اللَّذيذةِ للإيمانِ في هذه الدُّنيا، وأُلُوفٌ مِنَ الفَوائدِ والنَّتائجِ، إلّا أنَّنا سنُبيِّنُ واحِدة استِفا بمِثالٍ:
تَصَوَّرْ أيُّها الأَخُ أنَّ ابنَك الوَحيدَ الَّذي تُحِبُّه كَثيرًا جِدًّا طَرِيحُ الفِراشِ يُعانِي مِن سَكَراتِ المَوتِ، وأنت تَغُوصُ في تَفكِيرٍ يائسٍ مَريرٍ، وتَتأَلَّمُ أَلَمًا مُوجِعًا شَديدًَزنًا،فِراقِه الأَبَديِّ المُؤلِمِ.. تَصَوَّرْ یی وأنت في هذه الحالةِ اليائِسةِ یی إذا بطَبيبٍ حاذِقٍ كالخَضِرِ أو لُقمانَ عَلَيهِمَا السَّلَام يأتي ويَسقِي الطِّفلَ دَواءً مُضادًّا للسموم، وإذا به يَفتَحُ عَينَيه فَرِحًا جَذُِنتَهََهجةِ الحَياةِ، وقد نَجا مِن قَبضةِ المَوتِ.. كم يكُونُ يا تُرَى فَرَحُك وسُرُورُك اللَّذانِ يَغمُرانِك؟
كذلك الحالُ في أُولَئك المَلاييِنِ المَدفُونينَ فيصَغِيررةِ الماضِي الَّذين تُحِبُّهم یی كهذا الطِّفلِ یی حُبًّا كَثيرًا وتَرتَبِط معَهم بوَشائجَ؛ فبَينَما هم على وَشْكِ أن يُبادُوا ويُفنَوا مِنَ الوُجَ مَوضي مَقبَرةِ الماضِي یی في نَظَرِك یی إذا بحَقيقةِ الإيمانِ تَبعَثُ مِن شُبّاكِ القَلبِ نُورًا یی كما فَعَل لُقمانُ الحَكيمُ معَ ذلك الطِّفلِ یی إلى تلك المَقبَرةِ الواسِعةِ الَّتي يُظَنُّ أنَّها مَقَرُّ الإعدامِ؛ ِبِها لأَمواتُ قِيامٌ أَحياءٌ بذلك النُّورِ في عالَمِ البَرزَخِ، يُنادُون بلِسانِ الحالِ: "لَسْنا أَمواتًا.. ولَن نَمُوتَ أبدًا.. وسنَلتَقي عَمَّا قَريبٍ..".ِيلةٍ م، مِثلَما يَبعَثُ شِفاءُ الطِّفلِ فَرَحًا وبَهجةً لا حَدَّ لَهُما بعدَ اليَأسِ والقُنُوطِ، كذلك الأَمرُ هنا، ممَّا يَجعَلُنا نَتيَقَّنُ أنَّ الإيمانَ یی ببَثِّه هذا الفَرَحَ والسُّرورَ في دُنيانا هذٍ.. أي20
يُثبِتُ أنَّ حَقيقَتَه بِذرةٌ تَحمِلُ مِنَ الحَيَويّةِ ما لو تَجَسَّمَتْ لَنَبَتَت علَيها جَنّةٌ خاصّةٌ لكُلِّ مُؤمِنٍ، ولَأَصبَحَت له شَجَرةَ طُوبَى.
هكذا قُلتُ لذلك ً لِتَطانِ الإِنسِيِّ العَنيدِ، إلّا أنَّه انبَرَى لي قائلًا: "دَعْنا نَحْيا ولو كالحَيَوانِ، غافِلِين عمَّا يَدُورُ حَولَنا مِن هذه الأُمُورِ الدَّقيقةِ، ولْنُمضِ حَنَهارَ بلَذّةِ اللَّهوِ ونَشوةِ اللَّعِبِ".
فأَجَبتُه: إنَّك لا تُقاسُ بالحَيَوانِ، ولن تكُونَ مِثلَه، إذ ليس للحَيَوانِ ما يُفَكِّرُ به مِن ماضٍ ومُستَقبَلٍ، فلا يَجِدُ الحَيَوانُ مِمّا مَضَى أَلَمًا ولا َميلةِا، ولا يأتيه قَلَقٌ ولا خَوفٌ مِنَ المُستَقبَلِ، لذا يَجِدُ لَذَّتَه كامِلةً فيَشكُرُ خالِقَه الكَريمَ؛ بل حتَّى الحَيَوانُ المُعَدُّ للذَّبحِ لا يُحِسُّ إلّا بأَلَمِ السِّكِّينِ وهي تَمُرُّ علىعَقْلِومِه، وسَرعانَ ما يَزُولُ هذا الإحساسُ، فيَنجُو مِن ذلك الأَلَمِ.
فيا لَلرَّحمةِ الإِلٰهيّةِ والشَّفَقةِ الرَّبّانيّةِ ما أَعظَمَها تَجَلِّيًا في إخفاءِ الغَيبِ وسَتْرِ المنَ الش والبَلايا.. ولا سِيَّما في الحَيَواناتِ والبَهائِمِ!
ولكِن أيُّها الإنسانُ.. لقد خَرَج شَيءٌ مِن ماضِيك ومُستَقبَلِك مِنَ الغَيبِ بحُكمِ ما تَحمِلُه مِن عَقلٍ، فأَنت مَحرُومٌ كُلِّيًّا مِمّا توَضًا َمُ به الحَيَواناتُ مِن راحةٍ واطمِئنانٍ بانسِدالِ سِتارِ الغَيبِ أَمامَها، فالحَسَراتُ والآهاتُ النّاشِئةُ مِمّا مَضَى، وأَنواعُ الفِراقِ الأَليمِ والمَخاوِفُ النّاجِمةُ مِنَ المُستَقبَلِ تُزِتلك الذَّتَك الجُزئيّةَ وتُبِيدُها، وتَهوِي بك في دَرَجةٍ أَدنَى بكَثيرٍ مِنَ الحَيَوانِ مِن حَيثُ اللَّذّةُ؛ فما دامَتِ الحَقيقةُ هكذا فما علَيك إذًا إلّا أن تَوتُبرَأَ مِن عَقلِك وتَرمِيَه خارِجًا، وتَعُدَّ نَفسَك حَيَوانًا فتَنجُوَ، أو تُنَوِّرَ عَقلَك بنُورِ الإيمانِ وتُنصِتَ إلى الصَّوتِ العَذْبِ للقُرآنِ الكَريمِ فتكُونَ أَرقَى دوةُ الحَيَوانِ وأَرفَعَ بِمِئةِ مَرّةٍ، مُغتَنِمًا لَذائذَ نَقِيّةً صافِيةً طاهِرةً وأَنتَ ما زِلتَ في هذه الدُّنيا الفانِيةِ.
فأَلزَمتُه بهذه الحُجّةِ، ولكِنَّه اعتَرَض قائلًا: "سنَعِيشُ في الأَقلِّ مِثلَ مَلاحِدةِ الأعِبادةِ".
فقُلتُ له جَوابًا: "لن تكُونَ حتَّى مِثلَ أُولَئك المَلاحِدةِ الأَجانبِ، لأنَّهم إن أَنكَرُوا نَبِيًّا واحِدًا فإنَّهم يُؤمِنُون بسائرِ الأَنبِياءِ؛ وحتَّى إذا لم يَعرِفُوا أَحَدًا مِنَ الأَنبِياَّغِير1
فقد يكُونُ لهم إيمانٌ باللهِ، وإن لم يَكُن لهم هذا الإيمانُ أيضًا فلَرُبَّما لهم ما يُوصِلُهم إلى الكَمالِ مِن سَجايا حَميدةٍ وخِصالٍ إنسانيّةٍ..
أمَّا إُبُوبِكَرَ المُسلِمُ خاتَمَ النَّبيِّين (ص) وجَحَد بالدِّينِ الَّذي لا دِينَ غيرُه في الحَقِّ والشُّمُولِ، وفَسَق عن دائرةِ هِدايَتِه، وحَلَّ رَقَبتَه مِنهاعُها سيَرضَى بنَبيٍّ آخَرَ، بل لا يَقبَلُ الإيمانَ باللهِ، لأنَّه ما عَرَف سائرَ الأَنبِياءِ ولا اهتَدَى إلى الإيمانِ بالله إلّا عن طَرِيقِه (ص) وبتَبلِيغِه وإرشادِه وهَدْيِه. الَّذلا يَبقَى في قَلبِه شيءٌ مِن أُولَئك دُونَ الإيمانِ به (ص).. ومِن هنا كان النّاسُ مِن سائرِ الأَديانِ منذُ زَمَنٍ سَحيقٍ يَدخُلُون دِينَ الإسلامِ أَفواجًا، بَينَما لم يَحدُثْ أن أَصبَحَ مُسلِمٌ واحِدٌ قَطُّ يَهُودى ما بحَقيقِيًّا ولا مَجُوسِيًّا ولا نَصْرانِيًّا، ورُبَّما يُصبِحُ مُلحِدًا فاسِدَ الأَخلاقِ والسَّجايا، مُضِرًّا بالبِلادِ والعِبادِ".
هكذا أَقَمتُ الحُجّةَ على ذلك العَنيدِ مِن أنَّه لا يَستَطِيعُ التَّشَبُّهَ حتَّى بمَلاحِدةِ ِيلُ انِبِ.. ولَمَّا لم يَجِد ما يَستَنِدُ إلَيه، خَنَس ووَلَّى إلى جَهَنَّمَ وبِئسَ المَصيرُ.
فيا زُمَلائي المُجتَمِعين في هذه المَدرَسةِ اليُادةً بةِ.. ما دامَتِ الحَقيقةُ هي هذه، ورَسائلُ النُّورِ قد نَشَرَت نُورَها یی ولا تَزالُ یی مُنذُ عِشرين سَنةً، وهي تَكسِرُ عِنادَ المُتمَرِّدين وتُرغِمُهم على الإيمانِ، فعلَينا إذًا التَّمَسُّكُ بالإيمانِ والصِّراطِ اليانِ ميمِ السَّهلِ النّافِعِ السَّليمِ لدُنيانا ومُستَقبَلِنا وآخِرَتِنا وبِلادِنا وأُمَّتِنا، وذلك بألّا نَقتُلَ أَوقاتَنا فيما لا يَعنِي مِن تُرَّهاتِ الخَيالِ وسَفْ، فقد لآمالِ، بل نُحيِيَها بتِلاوةِ ما نَعلَمُه مِن سُوَرِ القُرآنِ الكَريمِ آناءَ اللَّيلِ وأَطرافَ النَّهار، وبتَعَلُّمِ مَعانِيها مِن إخوانِنا العالِمِين بها، وبقَضاءِ مه مُخانا مِنَ الصَّلَواتِ المَكتُوبةِ، وبكَسْبِ الأَخلاقِ الحَمِيدةِ مِن بَعضِنا بعضًا، فلَعلَّ اللهَ سُبحانَه يَجعَلُنا مِمَّن يَغرِسُون في هذا السِّجنِ الغِراسَ لِتَخرُجَ مِنه أَشجارٌ مُثمِرةٌ نافِعةٌ. ونَسعَى جاهِدين ليكُونَ مَدًّا، و السِّجنِ أَساتِذةً مُرشِدين يُهيِّئُون في هذه المَدرَسةِ اليُوسُفيّةِ رِجالًا إلى الجَنّةِ، ومُشرِفين طَيِّبِين يَتَولَّوْن حُسنَ تَوجِيهِهم، وليسُوا زَبانيَةَ عَذابٍ على جُناةٍ قَتَلةٍ.
عم، إن
— 22 —
المسألة الرابعة
كذا فُصِّلَ في رِسالةِ"مُرشِدِ الشَّبابِ":سأَلَني يَومًا إخواني الَّذين يَتَولَّون خِدمَتي قائلِين:
لقد أَخَذَتِ الحالعِنالعالَمِيّةُ باهتِمامِ النَّاسِ، وشَغَلَتِ الكُرةَ الأَرضيّةَ وأَوقَعَتْها في اضطِرابٍ وقَلَقٍ وهي ذاتُ عَلاقةٍ بمُقَدَّراتِ العالَمِ الإسلاميِّ، إلّا أنَّنا نَراك لا تَسأَلُ عنها رَغمَ مُرُورِ خَمسِين يَومًا على نُشُوبِها ییّاظِريبعِ سِنين- (٭): هذه الجملة المعتَرِضة تعودُ إلى سنة (١٩٤٦م). في الوَقتِ الَّذي نَرَى مُتَديِّنين وعُلَماءَ يَدَعُون الجامِعَ والجَماعةَ مُهرَعِين إلى استي أَصغالمِذْياعِ.. فهل هُناك قَضِيّةٌ أَعظَمُ مِنها تَشغَلُ بالُك؟ أم أنَّ الِانشِغالَ بها فيه خَسارةٌ وضَرَرٌ؟
فأَجَبتُهم:إنَّ رأسَ مالِ العُمُرِ قليلٌ، ورِحلةَ العُمُرِالسَّلَصيرةٌ، بَينَما الواجِباتُ الضَّرُورِيّةُ والمُهِمّاتُ الَّتي كُلِّفنا القِيامَ بها كَثيرةٌ، وهذه الواجِباتُ هي كالدَّوائرِ المُتَداخِلةِ المُتَّحِدةِ المَركَزِ حَولَ الإنسانِ:
فابتِدالمُوان دائرةِ القَلبِ والمَعِدةِ والجَسَدِ والبَيتِ والمَحَلَّةِ والمَدِينةِ والبِلادِ والكُرةِ الأَرضِيّةِ والبَشَريّةِ، وانتِهاءً إلى دائرةِ الأَحياءِ قاطِبةً والعالَمِ أَجمَعَ، كلُّها دَوائرُ مُتَداخِلةٌ بَعضُها في بَعضٍ؛ فكِنُ ونسانٍ له نَوعٌ مِنَ الوَظيفةِ في كلِّ دائرةٍ مِن تلك الدَّوائرِ، ولكنَّ أَعظَمَ الواجِباتِ وأَهَمَّها، بل أَدوَمَها بالنِّسبةِ له هي في أَصغَرِ تلك الدَّوائرِ وأَقرَبِها إلَيه؛ بَينَما أَصغَرُ الواجِباتِ وأَقَلُّها شَأنًا ودَوامًا هي في أَعظَمومِيكاالدَّوائرِ وأَبعَدِها عنه.. فقِياسًا على هذا: يُمكِنُ أن تَتَناسَبَ الوَظائفُ والواجِباتُ تَناسُبًا عَكْسِيًّا معَ سَعةِ الدّائرةِ، أي: كُلَّما صَغُرَتِ الدّائرةُ وقَرُبَت عَظُمَتِ الوَظيفةُ، أنَّ َما كَبُرَتِ الدّائرةُ وبَعُدَت قَلَّت أَهَمِّيّةُ الوَظِيفةِ.. ولكن لمَّا كانَتِ الدّائرةُ العُظمَى فاتِنةً جَذّابةً، فهي تَشغَلُ الإنسانَ بأُمُورٍ غيرِ ضَرُورِيّةٍ له، وتَصرِفُ
— 23 —
فِكْرَه إلى أَعمالٍ لا تَعنِيه بشَيءٍ، حتَّى تَجعَلَه يُهةِ أَراجِباتِه الضُّرُورِيّةَ في الدّائرةِ الصَّغِيرةِ القَريبةِ مِنه، فيُهدِرُ عِندَئذٍ رَأسَ مالِ عُمُرِه، ويُضَيِّعُ حَياتَه سُدًى.. زِدْ على ذلك قد يَمِيلُ قَلبُه ويَنحازُ إلى إحدَى الجِهَتَينِ المُتلِيمِ َتَينِ لِتَتبُّعِه بلَهفةٍ أَخبارَ الحَربِ الطّاحِنةِ بَينَهما، فلا يَجِدُ في نَفسِه إنكارًا لِمَظالِمِ تلك الجَهةِ، بل يَرتاحُ إلَيها، ويكُونُ شَريكًا لها في ظُلمِها.
أمِّحةٌ بَوابُ عنِ النُّقطةِ الأُولَى فهو أنَّ أمامَ كلِّ إنسانٍ یی ولا سِيَّما المُسلِمِ یی مَسأَلةً مُهِمّةً، وحادِثةً خَطِيرةً، هي أَعظَمُ مِنَ ! فهل اعِ الدّائرِ بينَ الدُّوَلِ الكُبْرَى لِأَجلِ السَّيطَرةِ على الكُرةِ الأَرضِيّةِ.. تلك المَسأَلةُ هي مِنَ الأَهَمِّيّةِ والخُطُورةِ ما لوِ امتَلَكَ الإنسانُ العاقِلُ قُوّةَ الأَلْمانِ والإنكْلِيزِ وثَرْوَُودِك،معًا، لَمَا تَرَدَّد في أن يَضَعَها كُلَّها لِأَجلِ كَسْبِ تلك القَضِيّةِ المُبتَغاةِ.
تلك القَضيّةُ هي الَّتي أَعلَنَها مِئةُ أَلفٍ مِنَ المُصطَفَينَ الأَخيارِ، ورَفَع رايَتَها ما لا يُحَدُّ مِن نُجُومِ البَشَريّةِ ومُرشِيّةِ! المُستَنِدين إلى آلافٍ مِن مَواثيقِ ربِّ العالَمِين ومِن وُعُودِه وعُهُودِه، بل لقد شاهَدَها قِسمٌ مِنهم عِيانًا، تلك القَضيّةُ قَضِيّةٌ مَصِيريّةٌ للإنسانِ وهي:
أنْ يَكسِبَ الإنسانُ بالإيمانِ أو يَخسَرَ دُونَه مُلكًا َقامِها خالِدًا ومَساكِنَ طَيِّبةً في جَنّاتِ عَدْنٍ عَرضُها السَّماواتُ والأَرضُ.. فمَن لم يَفُزْ بشَهادةِ الإيمانِ ولم يَرْعَها حَقَّ رِعايَتِها فسَوفَ يُضَيِّعُ حَتمًا تلك القَضيّةَ ويَخسَرُها، وذلك هو الخُسرانُ المُبِينُ.
ولقد يمانِ الكَثِيرُون في عَصرِنا هذا مِمَّنِ ابتُلُوا بطاعُونِ المادِّيّةِ قَضِيَّتَهم هذه، حتَّى كَشَف أَحَدُهم وهو مِن أَهلِ العِلمِ والكَشْفِِاشتِرَدَ أنَّ أَفرادًا قَلائلَ فقط مِن كُلِّ أَربَعِينَ شَخصًا في مكانٍ مّا، همُ الَّذين نَجَوا بإيمانِهم في سَكَراتِ المَوتِ، وخُتِمَت حَياتُهُم بالحُسنَى، أمّا الباقُون فهَلَكوا! تُرَى لو عُوِّضَ أَحَدُ هؤلاء سُلطانَ الدُّنيا ومُلكَها وزِينَومَعِيَدِيلًا عن تلك القَضِيّةِ العُظمَى، أفَيكُونُ هذا البَديلُ كُفْئًا لِمَا فاتَه؟ أو يَسُدُّ مَسَدَّه بحالٍ مِنَ الأَحواِل؟ كَلّا!
ولهذا فنحن مَعاشِ كُلٌَّبةِ النُّورِ نَعلَمُ يَقينًا أنَّ تَرْكَ خِدْماتٍ عَظيمةٍ تُربِحُنا تلك القَضِيّةَ، وإهمالَ مُهِمّاتِ وَكيلِها الَّذي يَصُونُها لِتِسعين بالمِئةِ، والِانشِغالَ عنه مِن لا يَعني مِن أُمُورٍ خارِجيّةٍ واهتِماماتٍ تافِهةٍ كأنَّ الدُّنيا خالِدةٌ، ما هو إلّا مِن سَخافةِ العَقلِ وجُنُونِه.
— 24 —
فنحن على يَقينٍ تامٍّ واطمِئنانٍ كامِلٍ مِن هذا، لذا لو مَلَكَ أَحَدُنا عقلًا وإدراكًا للأُمُورِ أَضعافَ أَضعافِقّانِيملِكُه الآنَ، لَبَذَلَه كلَّه فيما يَلزَمُ تلك القَضِيّةَ وفي سَبِيلِها.
فيا إخوَتي الحَدِيثي العَهدِ بمُصيبةِ السِّجنِ.. إنَّكم لم تَطادُّ اوا بَعدُ على رَسائلِ النُّورِ كما اطَّلعَ علَيها إخواني السَّابِقُون الَّذين دَخَلُوا السِّجنَ مَعَنا، فإنِّي أُسْمِعُكم قَولًا وأُشهِدُ علَيه أُولَئك الإخوةَ جَميعًا وأُلوفًا مِن أَمثالِهم، وقد قُلتُه مِرارًا، وأَثبَتُّه تَك مَأمُ
إنَّ رَسائلَ النُّورِ قد أَكسَبَت تِسعينَ بالمِئةِ مِنهم تلك القَضِيّةَ العُظمَى، وهي الَّتي سَلَّمَت وَثيقةَ الفَوزِ وشَهادَتَه یی وهي الإيمانُ التَّحقِيقيُّ یی لِعِشرين أَلفًا مِنَ النّاسِ خِلالَ عِشرين سنةً خَرةٌ قافلا غَرْوَ فقد نَبَعَت مِنَ المُعجِزةِ المَعنَويّةِ للقُرآنِ الكَريمِ وأَصبَحَت في مُقدِّمةِ وُكَلاءِ القَضِيّةِ العَظيمةِ والمُدافِعين عنها في هذا الزَّمانِ، فرَغمَ انقِضاءِ ثَمانيَ عَشْرةَ سنةً والأَعداءُ والزَّنادِقةُ والمادِّيُّونلِأَجلكُون أَنواعًا مِنَ الدَّسائسِ والمَكرِ الخَبِيثِ، وما زالُوا يُحَرِّضُون قِسمًا مِنَ المُوَظَّفين علَينا، مُستَغْفِلِين إيّاهم في سَبيلِ إبادَتِنذا باشى زَجُّوا بِنا في غَياهِبِ السُّجُونِ مِثلَ هذه المَرّةِ.. إلّا أنَّهم لم يَفعَلُوا شَيئًا يُذكَرُ، ولن يَفعَلُوا بإذنِ اللهِ، ذلك لأنَّهم لم يَتَمكَّنُوا مِن أن يَتَعرَّضُوا لِقَلعةِ رَسائلِ النُّورِ الفُولاذِيّةِ ولا أن يَمَسُّوا أَعتِدَتِّنِ مبالِغةَ مِئةً وثلاثين عَتادًا (رِسالةً) سِوَى رِسالَتَينِ أو ثلاثٍ مِنها.
لذا فمَن أَرادَ أن يُوَكِّلَ مُحامِيًا يُدافِعُ عن قَضِيَّتِه يَكفِي أن يَتَحصَّنَ بها ويَقتَبِسَ مِن نُورِها.
فيا أيُّها الإخوةُ.. لا تَخافُوا، إنَّ رَسائلٌ، سائُورِ لن تُمنَعَ عنِ الأَنظارِ ولن تُحجَبَ عنِ الرُّؤيةِ، ولن تُرفَعَ مِنَ الأَوساطِ بإذنِ اللهِ، إذ يَتَداوَلُ أَجزاءَها المُهِمّةَ یی ماعدا رِسالَتَينَِحَقَّاثةً یی نُوّابُ البَرْلَمانِ وأَركانُ الدَّولةِ بحُرِّيّةٍ تامّةٍ.
وسيَأتي ذلك اليومُ الَّذي يُوَزِّعُ فيه المُوَظَّفُون والمُدَراءُ المَحظُوظُون إن شاءَ اللهُ رَسائلَ النلوَحداعلى المَسجُونين كما يُوزِّعُون علَيهِمُ الخُبزَ والعِلاجَ، وسيُحَوِّلُون السُّجُونَ إلى مَدارِسِ إرشادٍ وتَربِيةٍ وإصلاحٍ.

* * *

— 25 —
المسألة الخامسة
كما فُصِّلَ في رِسالةِ"مُ، وكُلالشَّبابِ":
إنَّ الشَّبابَ ذاهِبٌ وآفِلٌ، وسيَزُولُ لا مَحالةَ؛ إذ كما أنَّ الصَّيفَ يَخلُفُه الخَريفُ والشِّتاءُ، والنَّهارَ يَعقُبُه المَساءُ واللَّيلُ، فالشَّبابُ كذلك سيَتَحوَّلُ إلى مَشيبٍ وإلى المَوتِ، بمِثلِ هذه الحَقّةٍ.. لمُحَتَّمةِ.
فإذا ما بَذَل الشَّابُّ ما يَملِكُ مِن طاقةٍ مُؤقَّتةٍ في سَبيلِ الخَيرِ والصَّلاحِ، ضِمنَ دائرةِ الطُّهرِ والعِفّةِ والِاستِقامةِ، فإنَّ الأَوامِرَ السَّماوِيّة كلَّها تُبشِّرُه بأنَّه سيَغنَمُ به شَباأَجزائقِيًا لا زَوالَ له، وكما أنَّ غَضَب دَقيقةٍ واحِدةٍ قد يَدفَعُ الإنسانَ إلى ارتِكابِ جَريمةِ قتلٍ، فيَقضي المَلايينَ مِنَ الدَّقائقِ في مُقاساةٍ مِن عذابِ السِّجنِ، كذلك نَشوةُ الشَّبابِ وسَفاهَتُه، وأَذواقُه العابرةُ في غيرِ كُبْرَلَّ اللهُ، تُسبِّبُ له آلامًا أَكثَرَ وأَعمَقَ في ذاتِ اللَّذّةِ نَفسِها، فَضْلًا عنِ العِقابِ الرَّهيبِ في الآخِرةِ، والعَذابِ المَرِيرِ في الدَ كلّ، وعَلاوةً على مُعاناةِ الحَسَراتِ العَمِيقةِ المُنبَعِثةِ مِن زَوالِ اللَّذّةِ والعِقابِ في الدُّنيا المُتَرتِّبِ على الذُّنُوبِ والآثامِ، يَشهَدُ بصِدْقِ وُجُودِ هذه الآلامِ في اللَّذّةِ نَفسِها كلُّ شابٍّ حَصِيفٍ، بما مكافَأَلَيه مِن تَجارِبَ.
فمثلًا:إنَّ الحُبَّ المُحَرَّمَ، أوِ العِشقَ لِغَيرِ وَجهِ الحَقِّ، فيه مِنَ الآلامِ ما يُنَغِّصُ اللَّذّةَ الجُزئيّةَ فيه؛ مِنها الشُّعُورُ بأَلَمِ یی بعةِ والحَسَدِ، ومِنها أَلَمُ الفِراقِ عنِ المَعشُوقِ، ومِنها أَلَمُ عَدَمِ مُقابَلةِ المَحبّةِ بالمِثلِ.. وغيرُها كَثيرٌ مِنَ المُنَغِّصاتِ اولُونَتَجعَلُ تلك اللَّذّةَ الجُزئيّةَ بحُكمِ عَسَلٍ مَسمُومٍ.
فإن كُنتَ تُريدُ أن تَفهَمَ أنَّ سُوءَ تَصَرُّفَ الشَّبابِ وإسرافَهم في أَمرِهم يُستِ الم فيهم مِنَ الأَمراضِ ما يَسُوقُهم إلى المُستَشفَياتِ أوِ المَقابِرِ.. وإن كُنتَ تُرِيدُ أن تَفهَمَ
— 26 —
أنَّ غُرُورَ الشَّبابِ وطَيشَهم يَدفَعُهم إلى السُّجُونِ.. وإن كُنتَ تُريدُ أن تَفهَمَ أنَّ ما يُصِيبُهم مِن آلاهامِهمنَويّةٍ وهُمُومٍ نَفسِيّةٍ مِن الخَواءِ الرُّوحِيِّ والجُوعِ القَلبيِّ والفَراغِ يَسُوقُهم إلى أَبوابِ الحاناتِ والمَلاهي.. نعم، إنْ كُنتَ تُريدُ أنْ تَتَحِه، وعمِن هذا، فاسأَلِ المُستَشفَياتِ والسُّجُونَ والخَمَّاراتِ والمَقابرَ، فستَسْمَعُ حَتمًا أَنّاتٍ وآهاتٍ، وبُكاءً مَرِيرًا، وحَسَراتِ النَّدَمِ، وأَصواتَ الأَسَى والأَسَفِ، يُطلِقُها على الأَغلَبِ شَبابٌ أَشقِياءُ، تَلَقَّوُحَيثُ َفَعاتِ المُوجِعةَ والضَّرَباتِ الأَليمةَ لِخُرُوجِهم عَمَّا أباحَ اللهُ لهم مِنَ الطَّیيِّباتِ بدافِعِ نَزَواتِهم وإسرافِهم وسَيِّئِ أَعمالِهم، وارتِكابِهمُ المُحَرَّماتِ، وانسِياقِهم وَراءَ اللَّذّاتِ المَشؤُومةِ.
بنا أَه إذا ما قَضَى الشّابُّ عَهدَ شَبابِه بما أَمَرَه اللهُ به، واتَّبَع الصِّراطَ السَّوِيَّ واستَقامَ علَيه، فإنَّه يَجعَلُه أَحلَى نِعمةٍ إِلجَعَل وأَجملَ هِبةٍ رَحمانيّةٍ، ويَتَّخِذُه سَبيلًا قَويمًا مُمَهَّدًا إلى الصّالِحاتِ مِنَ الأَعمالِ، ولَأَثمَرَ له كذلك شَبابًا ناضِرًا، وفُتُوّةً خالِدةً دائمةً في الآخِرةِ بَدَلًا مِن هذا الشَّبابِ الفاني الزّائلِ.. ذلك ما تُبَشّحَكِيمبه الكُتُبُ السَّماوِيّةُ والصُّحُفُ المُنزَّلةُ جَميعُها، وفي مُقدِّمَتِها القرآنُ الكَريمُ بآياتِه المُحكَمةِ الكَريمةِ.
فما دامَت هذه هي الحمُطلَق.. وما دام مَيدانُ الحلالِ كافيًا ووافيًا للأُنسِ والمُتعةِ والنَّشوةِ.. وما دامَتِ اللَّذّةُ الواحِدةُ ضِمنَ المُحَرَّماتِ تُذيقُ صاحِبَها أَلَمًا يَدُومُ سنةً واحِدةً مِن عذابِ السِّجنِ وأَحيانًا عَشْرَ سَنِ.
. فيَلزَمُ إذًا قَضاءُ عَهدِ الشَّبابِ بالعِفّةِ والطُّهرِ والِاستِقامةِ على الصِّراطِ السَّوِيِّ أَداءً لِشُكرِ تلك النِّعمةِ اللَّذِيذةِ المُهداةِ، بل هذا هو الأَلزَمُ.

* * *

— 27 —
المسألة السادسة
هذه المسألة إشارةٌ مُختَصوتَزُفلى بُرهانٍ واحِدٍ فقط مِن بينِ أُلُوفِ البَراهِينِ الكُلِّيَّة حَولَ (الإيمانِ بالله)، والَّذي تَمَّ إيضاحُه مع حُجَجِهِ القاطِعةِ في عِدّةكُنُ وضِعَ مِن رَسائلِ النُّورِ.
جاءَني فَريقٌ مِن طُلّابِ الثّانَوِيّةِ في "قَسْطَمُوني" قائلِينَ:
"عَرِّفْنا بخالِقِنا، فإنَّ مُدَرِّسينا لا يَذكُرُون العادِلنا!".
فقُلتُ لَهم: "إنَّ كلَّ عِلمٍ مِنَ العُلُومِ الَّتي تَقرَؤُونَها يَبحَثُ عنِ اللهِ دَومًا، ويُعَرِّفُ بالخالِقِ الكَريمِ بلُغَتِه الخاصّةِ؛ فاستَمِعُوا إلى تلك العُلُومِ دُونَ المُدرِّسِين".
فمَثلًا:ٍ، ومَِت هُناكَ صَيدَليّةٌ ضَخمةٌ، في كلِّ قِنِّينةٍ مِن قَنانِيها أَدوِيةٌ ومُستَحضَراتٌ حَيَوِيّةٌ، وُضِعَت فيها بمَوازِينَ حَسّاسةٍ، وبمَقادِيرَ دَقيقةٍ؛ فكما أنَّها تُرالثُ:نَّ وَراءَها صَيْدَليًّا حَكِيمًا، وكِيميائيًّا ماهِرًا، كذلك صَيدَلِيّةُ الكُرةِ الأَرضِيّةِ الَّتي تَضُمُّ أَكثَرَ مِن أَربعِ مِئةِ أَلفِ نَوعٍ مِنَ ى أَوساءِ نَباتًا وحَيَوانًا، وكلُّ واحِدٍ مِنها في الحَقيقةِ بمَثابةِ زُجاجةِ مُستَحضَراتٍ كِيميائيّةٍ دَقيقةٍ، وقِنِّينةِ مَخالِيطَ حَيَويّةٍ عَجِيبةٍ؛ فهذه الصَّيدَلِيّةُ الكُبرَى تُرِي حتَّى للعُميورةً.
يدَليَّها الحَكيمَ ذا الجَلالِ، وتُعرِّفُ خالِقَها الكَريمَ سُبحانَه بدَرَجةِ كَمالِها وانتِظامِها وعَظَمَتِها، قِياسًا على تلك الصَّيدَليّةِ الَّتي في السُّوقِ، وَفْقَ مَقاييسِ عِلمِ الطِّبِّ الّبُ ثَمقرَؤُونَه.
ومَثلًا:كما أنَّ مَصْنعًا خارِقًا عَجِيبًا يَنسُجُ أُلُوفًا مِن أَنواعِ المَنسُوجاتِ المُتَنوِّعةِ، والأَقمِشةِ المُختَلِفةِ، مِن ه القُ بَسِيطةٍ جِدًّا، يُرِينا بلا شَكٍّ أنَّ وَراءَه مُهَندِسًا مِيكانِيكيًّا ماهِرًا، ويُعَرِّفُه لنا؛ كذلك هذه الماكِينةُ الرَّبّانيّةُ السَّيّارةُ المُسمَّاةُ بالكُرةِ الأَرضِيّةِ، وهذا
— 28 —
المَصنَعُ الإِلٰهِيُّ الَّذي فيه مِئاتُ الآلافِ مِن مرِ هذاَ رَئيسِيّةٍ، وفي كلٍّ مِنها مِئاتُ الآلافِ مِنَ المَصانعِ المُتقَنةِ، يُعرِّفُ لنا بلا شَكٍّ صانِعَه، ومالِكَه، وَفْقَ مَقاييسِ عِلمِ المَكائنِ الَّذي تَقرَؤونَه، يُعرِّفُه بدَرَجةِ َكَنةٍ هذا المَصنَعِ الإِلٰهِيِّ وعَظَمَتِه، قِياسًا على ذلك المَصنَعِ الإِنسانِيِّ.
ومَثلًا:كما أنَّ حانُوتًا أو مَخزَنًا للإعاشةِ والأَرزاقِ، ومَحَلًّا عَظِيمًا للأَغذِيةِ والمَو وذلك أُحضِرَ فيه مِن كلِّ جانِبٍ أَلفُ نوعٍ مِنَ المَوادِّ الغِذائيّةِ، ومُيِّز كلُّ نوعٍ عنِ الآخَرِ، وصُفِّفَ في مَحَلِّه الخاصِّ به، يُرِينا أنَّ له مالِكًا ومُدَبِّرًا؛ كذلك هفي وَجَخزَنُ الرَّحمانِيُّ للإِعاشةِ الَّذي يَسِيحُ في كلِّ سنةٍ مَسافةَ أَربَعةٍ وعِشرِين أَلفَ سنةٍ، في نِظامٍ دَقيقٍ مُتقَنٍ، والَّذي يَضُمُّ في ثَناياهُ مِئاتِ الآلافِ مِن أَصنافِ المَخلُوقاتِ الَّتي يَحتاجُ كلٌّ مِنها إلى نَوععَظيمًٍ مِنَ الغِذاءِ، والَّذي يَمُرُّ على الفُصُولِ الأَربعةِ فيَأْتِي بالرَّبيعِ كشاحِنةٍ مُحَمَّلةٍ بآلافِ الأَنواعِ مِن مُختَلِفِ الأَطعِمةِ، فَرَى " بها إلى الخَلْقِ المَساكِينِ الَّذين نَفِدَ قُوتُهم في الشِّتاءِ..
تلك هي الكُرةُ الأَرضِيّةُ، والسَّفينةُ السُّبْحانيّةُ الَّتي تَضُمُّ آلافَ الأَنواعِ مِنَ البَضائعِ وَسلُكُِزةِ ومُعَلَّباتِ الغِذاءِ، فهذا المَخْزَنُ والحانُوتُ الرَّبّانِيُّ يُرِي یی وَفْقَ مَقاييسِ عِلمِ الإعاشةِ والتِّجارةِ الَّذي تَقرَؤُونَه یی صاحِبَه ومالِكَه ومُتَصرِّفَه بدَرَجةِ عَظَمةِ هذا المَخءِ، وإ قِياسًا على ذلك المَخْزَنِ المَصنُوعِ مِن قِبَلِ الإنسانِ، ويُعَرِّفُه لنا، ويُحَبِّبُه إلَينا.
ومَثلًا:لو أنَّ جَيشًا عَظِيمًا يَضُمُّ تحتَ في اخِه أَربعَ مِئةِ أَلفِ نَوعٍ مِنَ الشُّعُوبِ والأُمَمِ، لكُلِّ جِنسٍ طَعامُه المُستَقِلُّ عنِ الآخَرِ، وما يَستَعمِلُه مِن سِلاحٍ يُغايِرُ سِلاحَ الآخَرِ، وما يَرتَدِيه مِن مَلابِسَ تَختَلِفوُجُوبَلبِسةِ الآخَرِ، ونَمَطُ تَدرِيباتِه وتَعلِيماتِه يُبايِنُ الآخَرَ، ومُدّةُ عَمَلهِ وأَوقاتُ رُخَصِهِ هي غيرُ المُدّةِ للآخَرِ.. فقائدُ هذا الجَيشِ الَّذي يُزَوِّدَضْمًاحدَه بالأَرزاقِ المُختَلِفةِ، والأَسلِحةِ المُتَبايِنةِ، والأَلبِسةِ المُتَغايِرةِ، دُونَ نِسيانِ أيٍّ مِنها ولا الْتِباسٍ ولا حَيرةٍ، لَهُو قائدٌ ذُو خَوارِقَ بلا رَيبٍ؛ فكَما أنَّ
— 29 —
هذا المُعَسْكَرَ العَجيبَ يُرِينا بَضِ كافذلك القائدَ الخارِقَ، بل يُحَبِّبُه إلَينا بكلِّ تَقديرٍ وإعجابٍ؛ كذلك مُعَسكَرُ الأَرضِ؛ ففي كلِّ رَبيعٍ يُجَنَّدُ مُجَدَّدًا جَيشٌ سُبحانِيٌّ عَظِيمٌ مُكَوَّنٌ مِن أَربعِ مِئةِ أَلفِ نَوعٍ مِن شُعُوبِ النَّباتاتِ أَلوامِ الحَيَواناتِ، ويُمنَحُ لكلِّ نَوعٍ أَلبِسَتُه وأَرزاقُه وأَسلِحَتُه وتَدرِيبُه ورُخَصُه الخاصّةُ به، مِن لَدُنْ قائدٍ عَظيمٍ واحِدٍ أَحَدٍ جلَّ وعلا، بلا نِسيانٍ لِأَحَدٍ ولا اختِلاطٍ ولا تَحَيُّرٍ وفي مُنتَهَى الكَمالِ وغايةِ الِانتِظامِ..ِه، ويالمُعَسكَرُ الشّاسِعُ الواسِعُ للرَّبيعِ المُمتَدِّ على سَطحِ الأَرضِ يُرِي یی لِأُولِي الأَلبابِ والبَصائرِ یی حاكِمَ الأَرضِ حَسَبَ العُلُومِ العَسكَريّةِ ورَبَّها ومُدَبِّرَها، وقائِدَهاتَفَرّدَسَ الأَجَلَّ، ويُعَرِّفُه لهم، بدَرَجةِ كَمالِ هذا المُعَسكَرِ المَهِيبِ، ومَدَى عَظَمَتِه، قِياسًا إلى ذلك المُعَسكَرِ المَذكُورِ، بل يُحبِّبُ مَلِيكَه سُبحانَه بالتَّحمِيدِ والتَّقديسِ والتَّسبِيحِ.
ومَثلًا:هَبْ أنَّ مَلايينَ المَيَدِه، الكَهْرَبائيّةِ تَتَجوَّلُ في مَدينةٍ عَجيبةٍ دُونَ نَفَادٍ للوَقُودِ ولا انطِفاءٍ، ألا تُرِي بإعجابٍ وتَقدِيرٍ أنَّ هناك مُهَندِسًا حاذِقًا، وكَهرَبائيًّا بارِعًا لِمَصنَعِ الكَهرَباءِ، ولتلك المَصابِيحِ؟.. فمَصابِيحُ النُّجُوميَويّةتَدلِّيةُ مِن سَقْفِ قَصرِ الأَرضِ وهي أَكبَرُ مِنَ الكُرةِ الأَرضِيّةِ نَفسِها بأُلُوفِ المَرّاتِ حَسَبَ عِلمِ الفَلَكِ، وتَسِيرُ أَسرَعَ مِنِ انطِلاقِ القَذيفةِ، مِن دُونِ أن ةِ، وحَ بنِظامِها، أو تَتَصادَمَ معَ بَعضِها مُطلَقًا ومِن دُونِ انطِفاءٍ، ولا نَفَادِ وَقُودٍ وَفْقَ ما تَقرَؤُونَه في عِلمِ الفَلَكِ..
هذه المَلامِيُ تُشِيرُ بأَصابعَ مِن نُورٍ إلى قُدرةِ خالِقِها غيرِ المَحدُودةِ. فشَمسُنا مثَلًا وهي أَكبَرُ بمِليُونِ مَرّةٍ مِن كُرَتِنا الأَرضِيّةِ، وأَقدَمُ مُِختَلِِليُونِ سنةٍ، ما هي إلَّا مِصباحٌ دائمٌ، ومَوقِدٌ مُستَمِرٌّ لدارِ ضِيافةِ الرَّحمٰنِ.. فلِأَجلِ إدامةِ اتِّقادِها واشتِعالِها وتَسجِيرِها كلَّ يومٍ يَلزَمُ وَقُه إلى َدْرِ بِحارِ الأَرضِ، وفَحْمٌ بقَدْرِ جِبالِها، وحَطَبٌ بقَدْرِ أَضعافِ أَضعافِ حَجْمِ الأَرضِ، ولكِنَّ الَّذي يُشعِلُها یی ويُشعِلُ جَميعَ النُّجُومِ الأُخرَى أَمثالِها یی بلا وَقُودٍ ولا فَحْمٍ ولا زَيتٍ ودُونَ انطِفاءِن كلّسَيِّرُها بسُرعةٍ عَظيمةٍ معًا دُونَ اصطِدامٍ، إنَّما هي قُدرةٌ لا نِهايةَ لها وسَلطَنةٌ عَظيمةٌ لا حُدُودَ لها.. فهذا الكَونُ العَظيمُ وما فيه مِن مَصابِيحَ مُضِيئةٍ وقَنادِيلَ مُتَدلِّيةٍ، يُبيِّنُ بوُضُوحٍ یی وَفْقَ مَقاييسِ عِلن تَحََهرَباءِ
— 30 —
الَّذي قَرَأتُمُوه أو ستَقرَؤُونه یی سُلطانَ هذا المَعرِضِ العَظيمِ والمَهرَجانِ الكَبِيرِ، ويُعرِّفُ مُنوِّرَه ومُدَبِّرَه البَديعَ وصانِعَه الجَليلَ، بشَهادةِ هذه النُّجُومِ المُتَلألِئةِ، ويُحَبِّبُه إلى المَحدُِ بالتَّحمِيدِ والتَّسبِيحِ والتَّقدِيسِ، بل يَسُوقُهم إلى عِبادَتِه سُبحانَه.
ومثلًا:لو كان هُناكَ كِتابٌ كُتِبَ في كلِّ سَطرٍ مِنه كِتابٌ بخَطٍّ دَقيقٍ، وكُتِبَ في كلِّ كَلِمةَنازِلكَلِماتِه سُورةٌ قُرآنيّةٌ، وكانَت جَميعُ مَسائلِه ذاتَ مَغزًى ومَعنًى عَميقٍ، وكُلُّها يُؤيِّدُ بَعضُه بعضًا، فهذا الكِتابُ العَجِيبُ يُبيِّ أَلَا شَكٍّ مَهارةَ كاتِبِه الفائقةَ، وقدُرةَ مُؤَلِّفِه الكامِلةَ؛ أي: إنَّ مِثلَ هذا الكِتابِ يُعرِّفُ كاتِبَه ومُصَنِّفَه تَعرِيفًا يُضاهِي وُضُوحَ النَّهارِ، ويُبيِّنُ كَمالَه وقُدرَتَه، ويُثيرُ مِنَ الإعجابِ والتَّقدِيرِ لَدَى الندٍ مُتن إلَيه ما لا يَملِكُون معَه إلَّا تَردِيدَ: تَبارَكَ اللهُ! سُبحانَ اللهِ! ما شاءَ اللهُ! مِن كَلِماتِ الِاستِحسانِ والإعجابِ؛ كذلك هذا الكِتابُ الكَبيرُ للكَونِ الَّذي يُكتَبُ في صَحيفةٍ واحِدةٍ مِنه، وهي سَطحُ الأَرضِ، ويُكتَبُ في مَلزَمتِه الِدةٍ مِنه، وهي الرَّبيعُ، ثلاثُ مِئةِ أَلفِ نَوعٍ مِنَ الكُتُبِ المُختَلِفةِ، وهي طَوائفُ الحَيَواناتِ وأَجناسُ النَّباتاتِ، كلٌّ مِنها بمَثابةِ كِتابٍ.. يُكتَبُ كلُّ ذلك معًا ومُتَداخِلًا بعضُه ببعضٍ بلا امٍ وبطٍ ولا خَطَأٍ ولا نِسيانٍ، وفي مُنتَهَى الِانتِظامِ والكَمالِ، بل يُكتَبُ في كلِّ كَلِمةٍ مِنه كالشَّجَرةِ، قَصيدةٌ كامِلةٌ رائعةٌ، وفي كلِّ نُقطةٍ مِنهك إمّاذرةِ، فِهرِسُ كِتابٍ كامِلٍ.
فكما أنَّ هذا مُشاهَدٌ وماثِلٌ أَمامَنا، ويُرِينا بالتَّأكِيدِ أنَّ وَراءَه قَلَمًا سيَّالًا يُسَطِّر، فلَكُم إذًا أن تُقَدِّرُوا مَدَى دَلالةِ كِتابِ الكَونِ الكَبِيرِ العَظيمِ اطُّ لِفي كلِّ كَلِمةٍ مِنه مَعانٍ جَمّةٌ وحِكَمٌ شَتَّى، ومَدَى دَلالةِ هذا القُرآنِ الأَكبَرِ المُجَسَّمِ یی وهو العالَمُ یی على بارِئِه سُبحانَه، وعلى كاتِبِه جافةٍ! لا، قِياسًا إلى ذلك الكِتابِ المَذكُورِ في المِثالِ.. وذلك بمُقتَضَى ما تَقرَؤُونَه مِن عِلمِ حِكمةِ الأَشياءِ أو فَنِّ القِراءةِ والكِتابةِ، وتَناوُلِه بمِقياسٍ أنَ حُب، وبالنَّظرةِ الواسِعةِ إلى هذا الكَونِ الكَبيرِ؛ بل تَفهَمُون كيفَ يُعرِّفُ الخالقَ العَظيمَ بی"اللهُ أَكبَرُ"، وكيفَ يُعلِّمُ التَّقديسَ بی"سُبحانَ الله!" وكيفَ يُحَبِّبُ اللهَ سُبحانَه إلَينا بثَناءِ "الحَمدُ للهِ".
— 31 —
وهكذا، فإنَّ كلّْنا نٍَ مِنَ العُلُومِ العَديدةِ جِدًّا، يَدُلُّ على خالِقِ الكَونِ ذِي الجَلالِ یی قِياسًا على ما سَبَق یی ويُعرِّفُه لنا سُبحانَه بأَسمائِه الحُسنَى، ويُعَلِّمُه إيّانا بصِفاتِه الجَليلةِ وكَمالاتِه، وذلك بما يَملِكُ مِن مَقاييى..
ِعةٍ، ومَرايا خاصّةٍ، وعُيُونٍ حادّةٍ باصِرةٍ، ونَظَراتٍ ذاتِ عِبرةٍ.
فقُلتُ لأُولئك الطَّلَبةِ الشَّبابِ: إنَّ حِكمةَ تَكرارِ القُرآنِ الكَريمِ مِن: خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ورَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إنَّما هي لا يَعِ الإِرشادِ إلى هذه الحَقيقةِ المَذكُورةِ، وتَلقينِ البُرهانِ الباهِرِ للتَّوحِيدِ، ولِأَجلِ تَعرِيفِنا بخالِقِنا العَظيمِ سُبحانَه.
فقالُوا: شُكرًا لِرَبِّنا الخالِقِ بغَيرِ حَدٍّ، على هذا الدَّرسِ الَّ، فإذاالحَقيقةُ السّامِيةُ عَينُها، فجَزاكَ اللهُ عنّا خَيرَ الجَزاءِ ورَضِيَ عنك.
قلتُ:إنَّ الإنسانَ ماكِينةٌ حَيَويّةٌ، يَتَألَّمُ بآلافِ الأَنواعِ مِنَ الآلامِ، ويَتَلذَّذُ بآلافِ الأَنواعِ مِنَ اللَّذائذِ، ومع ِ والرفي مُنتَهَى العَجزِ، فإنَّ له مِنَ الأَعداءِ ما لا يُحَدُّ، سَواءٌ المادِّيُّونَ أوِ المَعنَوِيُّون؛ ومع أنَّه في غايةِ الفَقرِ، فإنَّ له رَغَباتٍ باطِنةً وظاهِرةً لا تُحصَرُ، فهو مَخلُوقٌ مِسكِينٌ يَتَجرَّعُ آلامَ صَفَعاتِ الزَّوالِ ِبُ معاقِ باستِمرارٍ.. فرَغمَ كلِّ هذا، فإنَّه يَجِدُ بانتِسابِه إلى السُّلطانِ ذِي الجَلالِ بالإيمانِ والعُبُوديّةِ، مُستَنَدًا قَوِيًّا، ومُرتَكَزًا عَظْ مَدََحتَمِي إلَيه في دَفعِ أعدائِه كافّةً، ويَجِدُ فيه كذلك مَدارَ استِمدادٍ يَستَغِيثُ به لِقَضاءِ حاجاتِه وتَلبِيةِ رَغَباتِه وآمالِه كافّةً، فكَما يَنتَسِبُ كلٌّ إلى سَيِّدِه ويَفخَرُ مَّ إنِ انتِسابِه إلَيه، ويَعتَزُّ بمَكانةِ مَنزِلَتِه لَدَيه، كذلك فإنَّ انتِسابَ الإنسانِ بالإيمانِ إلى القَديرِ الَّذي لا نِهايةَ لِقُدرَتِه، وإلى السُّلطانِ فسيَسيمِ ذِي الرَّحمةِ الواسِعةِ، ودُخُولَه في عُبُودِيَّتِه، بالطّاعةِ والشُّكرانِ، يُبَدِّلُ الأَجَلَ والمَوتَ مِنَ الإعدامِ الأَبَدِيِّ إلى تَذكِرةِ مُرُورٍ ورُخصةٍ إلى العالَمِ الباقي!. فلَكُم أن تُقَدِّروا كم يكُونُ هذا الإنسانُ مَتَلَذّالبَدِحَلاوةِ العُبُوديّةِ بينَ يَدَيْ سَيِّدِه، ومُمتَنًّا بالإيمانِ الَّذي يَجِدُه في قَلبِه، وسَعيدًا بأَنوارِ الإسلامِ، ومُفتَخِرًا بسَيِّدِه القَديرِ الرَّحيمِ، شاكِرًا له نوتِسعٌالإيمانِ والإسلامِ.
— 32 —
ومِثلَما قُلتُ ذلك لإخواني الطَّلَبةِ، أَقُولُ كذلك للمَسجُونِين:
إنَّ مَن عَرَف اللهَ وأطاعَه سَعيدٌ ولو كان في غَياهِبِ السِّجنِ، ومَن غَفَلَ عنه ونَسِيَه شَقِيٌّ ولو كان في قُصُورٍ مُشَيَّدةٍ.. وكُنُصَرَخ مَظلُومٌ ذاتَ يومٍ بوَجهِ الظّالِمِين وهو يَعتَلِي مِنَصّةَ الإعدامِ فَرِحًا جَذِلًا وقائلًا:
إنَّني لا أَنتَهِي إلى الفَناءِ ولا أُعدَمُ، بل أُسَرَّحُ مِن سِجنِ الدُّنيا طَلِيقًا إلى السَّعادةِ الأَبَديّةِ، ولكِنِّي أَرهم وكََنتُم مَحكُومًا علَيكم بالإعدامِ الأَبَديِّ لِأنَّكم تَرَون المَوتَ فَناءً وعَدَمًا، فأنا إذًا قد ثَأَرْتُ لِنَفسِي مِنكم. فَسَلَّم رُوحَه وهو قَريرُ البَديعَيُردِّدُ:"لا إِلٰهَ إلَّا اللهُ".
سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ

* * *

#33 العالمسألة السابعة
(ثَمَرةٌ أَينَعَت في يوم جُمُعة من أيّام سِجنِ دَنِيزْلي)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ
مَا خَلْقُكُمْ وَلَا ٌ لِماكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ
فَانْظُرْ إِلَى آَثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
كُنتُ قد أَلقَيتُ ذاتَ يومٍ دَرِ مِنَ "قَسطَمُوني" بلُغةِ العُلُومِ المَدْرَسيّةِ على بعضِ طَلَبةِ الثّانَوِيّةِ الَّذين جاؤُوا يَسأَلونَني: "عَرِّفْنَا بخالِقِنا" كما جاءَ في "المَسأَلةِ السَّادِسةِ" المَذكُورةِ آنِفًءُ وعَِّلَع علَيها بعضُ مَنِ استَطاعَ الِاتِّصالَ معي مِنَ المَسجُونِين في "دَنِيزْلي"، فحَصَل لَدَيهم مِنَ الِاطمِئنانِ الإيمانِيِّ والقَناعةِ التّامّةِ ما جَعَلَهم يَستَشعِرُون شَوقًا غامِرًا نحوَ الآخِرةِ، فبادَرُوا بالقها، وا"عَلِّمْنا آخِرَتَنا أيضًا عِلْمًا كامِلًا، لا تُضِلُّنا بعدَه أَنفُسُنا وشَياطِينُ العَصْرِ، فتُلقيَ بنا إلى مِثلِ هذه السُّجُونِ!".
ونُزُولًا عندَ طَلَبِ هؤلاء وإسعافًا لِحاجةِ طَلَبةُوقاتِئلِ النُّورِ في سِجنِ "دَنِيزْلي" وللرَّغبةِ المُلِحّةِ مِن أُولئك الَّذين طالَعُوا "المَسأَلةَ السّادِسةَ"، فقد رَأَيتُ لِزامًا علَيَّ أن أُبيِّنَ خُلاصةً مُوجَزةً عنِ الرُّكنِ الإه: "إنِّ المُهِمِّ: "الآخِرة".
فأَقُولُ مُلَخِّصًا مِن رَسائلِ النُّورِ: كما أنَّنا سَأَلْنا في "المَسأَلةِ السّادِسةِ" الأَرضَ والسَّماواتِ عن خالِقِنا سُبحانَه وتَعالَى، فأَجابَتْنا بلِسانِ العُلُومِ الحاضِرةِ بما عَرَّفَنا بخالِبِيلِ لكَريمِ مَعرِفةً واضِحةً وُضُوحَ الشَّمسِ، فسنَسأَلُ كذلك أَوَّلًا رَبَّنا الَّذي عَرَفْناه
— 34 —
يَقِينًا عن آخِرَتِنا، ثمَّ نَسألُ رَسُولَنا الأَعظمَ (ص) ثودُعاءرآنَنا الكَريمَ، ثمَّ سائرَ الأَنبِياءِ عَلَيهِم السَّلَام، والكُتُبَ المُقدَّسةَ، ثمَّ المَلائكةَ، ثمَّ الكائناتِ.
فها نحن أُولاء في أُولَى المَراتبِ.. نَسأَلُ اللهَ سُبحانَه وتَعالَى عنِ "الآِ الأَ فيُخاطِبُنا جلَّ وعلا بجَميعِ أَوامِرِه وبجَميعِ رُسُلِه الكِرامِ، وبجَميعِ أسمائه الحُسنَى، وبجَميعِ صِفاتِه الجَليلةِ، قائلًا لنا: الآخِرةُ لا رَيبَ فيها، وأنتُم مُساقُون إلَيها.. وحيثُ إنَّ "الكَلةِ الصلعاشِرةَ" قد أَثبَتَتِ الآخِرةَ باثنَتَيْ عَشْرةَ حَقيقةً قاطِعةً ناصِعةً، وأَوْضَحَتْها بدَلالةِ قِسمٍ مِنَ الأَسماءِ الحُسنَى؛ لذا نُشيرُ هنا إشارةً مُختَصَرةً إلى تلك الدَّلالاتِ، مُكتَفِين بذلك الإيضاحِ.
نعم، إنَّه ليس هناك سُلطانلُ:
مٌ دونَ أن يكُونَ له ثَوابٌ للمُطيعين وعِقابٌ للعاصِين، فلا بُدَّ مِن أنَّ السُّلطانَ السَّرمَدِيَّ یی وهو في عَلْياءِ الرُّبُوبيّةِ المُطلَقةِ یی له ثَوابٌ للمُنتَسِبين إلَيه بالإيمانِ والمُستَسلِمين لأَوامِرِه بالطّنِّ، روعِقابٌ للَّذين أَنكَرُوا عَظَمتَه وعِزَّتَه بالكُفرِ والعِصيانِ.. ولا بُدَّ مِن أنَّ ذلك الثَّوابَ سيَكُون لائقًا برَحمَتِه وجَمالِه، وذلك العِقابَ سيَكُوةُ ابتائمًا لعِزَّتِه وجَلالِه.
وبهذا يُجِيبُنا اسمُ"السُّلطانُ الدَّيّانُ"و"رَبُّ العالَمِين"عن سُؤالِنا حَولَ الآخِرةِ.
ثمَّ إنَّنا نَرَى بأَعيُنِنا رُؤيةً واضِحةً وُضُوح في هذَمسِ أنَّ رَحمةً عامّةً ورَأفةً مُحِيطةً وكَرَمًا شامِلًا سابِغًا على وَجهِ الأَرضِ، فما إن يَحُلُّ الرَّبيعُ الزّاهي حتَّى تَرَى الرَّحمةَ تُزيِّنُ الأَشجارَ والنَّباتاتِ المُثمِرةَ، وتُلبِسُها ثِيابًا خُضْرًا كأَنَّها حُورُ الجَنّةِ، وفي مَمِمُ إلى أَيدِيها أَنواعًا مُختَلِفةً مِن ثِمارٍ شَتَّى، وتُقَدِّمُها إلَينا قائلةً: "هاكُم.. كُلُوا وتَفَكَّهُوا.."، وتَراها تُطعِمُنا عَسَلًا مُصَفًّى شافيًا لَذيذًا بأَيدِي حَشَرةٍ سامّةٍ! وتُلبِسُنا حَريرًا ناعِمًا تَنسُجُه حَشَرةٌ بوأُمهٍِ! وتَدَّخِرُ في حَفنةٍ مِن بُذَيراتٍ وحُبُوبٍ آلافَ الأَطنانِ مِنَ الغِذاءِ وتُحَوِّلُها إلى كُنُوزٍ احتِياطيّةٍ لنا.. فالَّذي له هذه الرَّحمةُ الواسِعةُ، وله هذه الرَّأفةُ العامَّةُ والكَرَمُ السَّابِغُ، لا رَيبَ أنَّه لرٌ ساميَ ولن يُعدِمَ عِبادَه المُؤمِنين المَحبُوبين لَدَيه، أُولئك الَّذين رَبَّاهم ومَنَّ علَيهم، وكَرَّمَهم إلى هذه الدَّرَجةِ مِنَ اللُّطفِ والريئًا موالعِنايةِ.. بل سيُنهي وَظيفَتَهم في الحَياةِ الدُّنيا لِيُهيِّئَهم لِرَحَماتٍ أَوسَعَ وأَعظَمَ.
— 35 —
وبهذا يُجِيبُنا اسمُ اللهِ"الرَّحمٰنُ"و"الكَريمُ"مِنَ الأَسماءِ الحُسنَى عن سُؤالِناعةِ
( الآخِرةِ، قائلَينِ لنا:"الجَنّةُ حَقٌّ".
ثمَّ إنَّنا نَرَى أنَّ وَظائفَ المَخلُوقاتِ تُنسَجُ على مِنوالِ الحِكمةِ وتُكالُ بمِيزانِ العَدْلِ، وهما مِنَ الدِّقّةِ والحَساسِيّةِ بحيثُ لا يَتَصوَّرُ الإنسانُ أَفضل العالما.. فنَرَى الحِكمةَ الأَزَليّةَ قد وَهَبَت للإنسانِ قُوّةَ حافِظةٍ كحَبّةِ الخَردَلِ حَجمًا، وكَتَبَت فيها تَفاصِيلَ حَياتِه وما يَمَسُّه مِن أَحداثٍ لاها هاهُّ، وكأنَّها مَكتَبةٌ وثائقِيّةٌ مُصغَّرةٌ جِدًّا، ووَضَعَتْها في زاوِيةٍ مِن دِماغِه، لتُذَكِّرَه دَوْمًا بيَومِ الحِسابِ، يومَ يُنشَرُ ما فيها مِن صَحائفِ الأَعمالِ.
ونَرَى العَدالةَ المُطلَقةَ تتُ المكلَّ عُضوٍ مِنَ الكائنِ الحَيِّ في مَوضِعِه اللّائقِ به، وتُنَسِّقُه بمَوازِينَ دَقيقةٍ حَسّاسةٍ، ابتِداءً مِن مَيكرُوبٍ صَغيرٍ إلى كَرْكَدنٍّ ضَخْمٍ، ومِن نَحلٍ ضَعَهما قى نَسْرٍ مَهِيبٍ، ومِن زَهرةٍ لَطيفةٍ إلى رَبيعٍ زاهٍ بمَلايينَ مِنَ الأَزهارِ.. ونَراها تَمنَحُ كلَّ عُضوٍ تَناسُقًا لا عَبَثَ فيه، ومُوازَنةً لا نَقِنَ الها، وانتِظامًا لا تَرَى فيه إلَّا الإبداعَ، كلُّ ذلك ضِمنَ جَمالٍ زاهِرٍ وحُسنٍ باهِرٍ حتَّى تَغدُوَ المَخلُوقاتُ نَماذِجَ مُجسَّمةً للإبداعِ والإتقانِ والجَمالِ.. فضلًا عن أنَّها تَهَبُ اطةَ عذي حَياةٍ حَقَّ الحَياةِ؛ فتُيَسِّرُ له سُبُلَ الحَياةِ، وتَنصِبُ له مَوازِينَ عَدالةٍ فائقةٍ؛ فجَزاءُ الحَسَنةِ حَسَنةٌ مِثلُها، وجَزاءُ السَّيِّئةِ سَيِّئةٌ مِثلُها.. وفي الوَقتِ نَفسِه تُشعِرُ قُوَّتَها وسَرمَدِيَّتَها بما تُنزِلُ مِن مَقبَ مُدَمِّرٍ على الطُّغاةِ والظّالِمين مُنذُ عَهدِ آدَمَ عَلَيهِ السَّلَام.. فكما لا تكُونُ الشَّمسُ دُونَ نَهارٍ، فتلك الحِكمةُ الأَزَليّةُ، وتلك العَدالةُ السَّرمَدِيّةُ لن تَتَحقَّقا تَحَقُّقًا كُلِّيًّا إلَّاَواكِبةٍ أُخرَى خالِدةٍ، لذا لن تَرْضَيا أَبدًا ولن تَسمَحا بحالٍ مِنَ الأَحوالِ بنِهايةٍ لا عَدالةَ فيها ولا حِكمةَ ولا إحقاقَ حَقٍّ، تلك هي المِحُك ملَّذي لا بَعْثَ بعدَه، والَّذي يَتَساوَى فيه الظّالِمُون العُتاةُ مع المَظلُومين البائِسِين! فلا بُدَّ إذًا أن تكُونَ وَراءَه حَياةٌ أُخرَى خالدةٌ كي تَستكمِلَ الحِكمةُ والعَدالةُ حَقيقَتَهما.
وبهذا يُجيبُنا إجابةً قاطِعةً الو كانلهِ"الحَكِيمُ"و"الحَكَمُ"و"العَدْلُ"و"العادِلُ"مِنَ الأَسماءِ الحُسنَى عن سُؤالِنا حَولَ الآخِرةِ.
— 36 —
ثمَّ إنَّنا نَرَى أنَّ كلَّ كائنٍ حَيٍّ تُوَفَّرُ له حاجاتُه الَّتي ليس في طَوهِيِّ،لحُصُولُ علَيها، وتُستَجابُ جَميعُ مَطاليبِه الَّتي يَسأَلُها یی بنَوعٍ مِن دُعاءٍ یی سواءٌ بلِسانِ حاجاتِه الضَّروريّةِ، أو بلُغةِ استِعداداتِه الفِطريّةِ، وتُسَلَّم إلَيه في أَنسَبِ وَقتٍ وأَفضلِه مِن لَدُن يَدِ رَحيمٍ واسِعِ الرَّحمةِ، الشٍَّ مُطلَقِ السَّمعِ، ورَؤُوفٍ شاملِ الرَّأفةِ.. وتُستَجابُ أيضًا أَغلَبُ دَعَواتِ الإنسانِ الإراديّةِ، ولا سِيَّما دَعَواتُ الأَصفِياءِ مِنَ النّاسِ، وبخاصّةٍ دَعَواتِ الأَنبياءِ عَلَيهِم السَّلَاتَها بتي يُستَجابُ أَغلَبُها استِجابةً خارِقةً للعادةِ، فتلك الِاستِجاباتُ تُفَهِّمُنا يَقينًا أنَّ وَراءَ الحِجابِ "سَمِيعًا مُجِيبًا" يَسمَعُ آهاتِ كلِّ ذِي مُصِيبةٍ، وأنَّاتِ كلِّ ذِي داءٍ، ويُصغي إلى دُعاءِ كلِّ مُحتاجٍ، ويَرَى أَدنَىِنَّ ا لِأَصغَرِ مَخلُوقٍ ويَسمَعُ أَخفَى أَنينٍ لِأَضعَفِ كائنٍ، فيَشمَلُه برَأفَتِه ويُسعِفُه فِعلًا فيُرضيه.. فما دامَ الأَمرُ هكذا، فإنَّ دُعاءً للسَّعادةِ الأُخرَوِيّةِ والبَقاءِ والخُلُودِ یی وهو أَفضَلُ دُعاءٍ وأَعَمُّه ويَتي جابجَميعَ الكائناتِ ويَرتَبِطُ بجَميعِ الأَسماءِ الحُسنَى وبجَميعِ الصِّفاتِ الجَليلةِ یی هذا الدُّعاءُ يَسأَلُه أَفضَلُ مَخلُوقٍ وهو الإنسانُ، ويَضُمُّه ضِمنَ أَدعِيَتلفَناءظَمُ عَبدٍ وأَحَبُّه إلى اللهِ، ذلك هو الرَّسولُ الأَعظَمُ (ص)، وهو إمامُ الأَنبِياءِ عَلَيهِم السَّلَام الَّذين هم شُمُوسُ البَشَرِيّةِ ورُوَّادُها فيُؤَمِّنون على دُعائه هذا، بل يُؤَمِّن على دُعائه بصَلَواته علَيه يَومِيًّا كلُّعِها انٍ مِن أُمَّتِه عِدّةَ مَرّاتٍ في الأَقَلِّ، بل تَشتَرِكُ جَميعُ المَخلُوقاتِ في دُعائه قائلةً: "استَجِبْ يا رَبَّنا دُعاءَه، فنحنُ نَتَوسَّلُ بك ونَتَضرَّعُ إلَيك مِثلَه"..
فمِثلُ هذا الدُّعاءِ الشّامِلِ للخُلُِيلةٌ لسَّعادةِ الأَبَديّةِ، مِن مِثلِ هذا الرَّسولِ الحَبيبِ (ص) وضِمنَ هذه الشُّرُوطِ الَّتي لا تُرَدُّ، لا شَكَّ مُطلَقًا أنَّه وَحدَه مُبَرِّرٌ كافٍ وسَبَبٌ وافٍ لإيجادِ الجَنّةِ الخالِدةِ وإحداثِ الآخِرةِ مِن بينِ أَسبابٍ لا تُعَدُّ ولا تعِين ممُوجِبةٍ لإيجادِها.. فَضْلًا عن أنَّ إيجادَها سَهلٌ على قُدرَتِه سُبحانَه وهَيِّنٌ علَيها كإيجادِ الرَّبيعِ وخَلقِه.
وهكذا يُجِيبُنا اسمُ اللهِ"المُجِيبُ"و"السَّميعُ"و"الرَّحيمُ"مِنَ الأَسماءِ الحُسنَى ِ.. وفالِنا حَولَ الآخِرةِ.
ثمَّ إنَّ ما في تَبَدُّلِ المَواسِمِ مِن مَظاهِرِ المَوتِ ومَشاهِدِ البَعثِ على الأَرضِ كافّةً يَدُلُّ دَلالةً واضِحةً كدَلالةِ النَّهارِ على الشَّمسِ على أنَّ وَراءَ الحِجابِ رَبًّا يُدِيرُ الأَرضَ
#3هايةٍ ئلةَ في غايةِ الِانتِظامِ وفي مُنتَهَى السُّهُولةِ، كإدارةِ حَديقةٍ صَغيرةٍ بل كإدارةِ شَجَرةٍ واحِدةٍ وبانتِظامِها، ويُدِيرُ الرَّبيعَ الشّاسِعَ ويأَسَفًنُه بسُهولةِ إدارةِ زَهرةٍ واحِدةٍ وبزِينَتِها المَوزُونةِ، ويُسَطِّرُ على صَحيفةِ الأَرضِ ثَلاثَ مِئةِ أَلفٍ مِن طَوائفِ النَّباتاتِ والحَيَواناتِ الَّتي هي بمَثابةِ ثَلاثِ مِئةِ أَلفِ كِتابٍ يَعرِضُ نِ والجَ الحَشرِ وأَمثِلةَ النُّشُورِ.
فهذا الرَّبُّ القَديرُ الَّذي يَكتُبُ هذه النَّماذِجَ المُتداخِلةَ دُونَ تَحَيُّرٍ ولا لَبْسٍ، ودُونَ سَهْوٍ ولا خَطَأٍ وبإتقانٍ وانتِظلُ بِأمَعانٍ بَلِيغةٍ رَغمَ تَشابُكِها وتَشابُهِها وتَماثُلِها، يُظهِرُ ضِمنَ جَلالِ العَظَمةِ قُدرةً فاعِلةً رَحيمةً حَكيمةً، فهو سُبحانَه يَشمََنَّمَُجُودَ برَحمَتِه وحِكمَتِه هذه، فيَهَبُ للإنسانِ مَقامًا سامِيًا ويُسَخِّر له الكَونَ الضَّخمَ ويَجعَلُه مَسكَنًا ومَهْدًا له، ثمَّ يُنَصِّبُه خَلِيفةً في الأَرضِ ويُحَمِّلُه الأَمانةَ الكُبرَى الَّتي أَبَتِ السَّماواتِ المَُرضُ والجِبالُ أن يَحمِلْنَها، ويُفَضِّلُه على سائرِ المَخلُوقاتِ، ويُشَرِّفهُ بكَلامِه الرَّبّانِيِّ وبخِطابِه السُّبحانِيِّ وبمُوالاته إيّاه، فَضْلًاِّفقِ َّه قد قَطَع على نَفسِه عَهْدًا، ووَعَد هذا الإنسانَ وَعْدًا في جَميعِ كُتُبِه المُنزَّلةِ، أنَّه سيُخَلِّدُه بالسَّعادةِ الأَبَديّةِ والبَقاءِ الأُخرَوِيِّ.. فلا رَيبَ أنَّه سيَفتَحُ له أَبوابَ سَعادةٍ دائمةٍ، وسيُحدِثُ الحَشرَ والقِياتَصَرّتْمًا وهو أَهوَنُ علَيه مِنَ الرَّبيعِ نَفسِه.
وبهذا يُجِيبُنا اسمُ اللهِ"المُحيِي"و"المُمِيتُ"و"الحَيُّ"و"القَيُّومُ"و"القَدِيرذِي حَالعَلِيمُ"عن سُؤالِنا حَولَ الآخِرةِ.
حَقًّا إنَّ القُدرةَ الإِلٰهيّةَ الَّتي تُحيِي أُصُولَ الأَشجارِ والأَعشابِ كافّةً في كلِّ رَبيعٍ، وتُوجِدُ نَماذِجَ ثلِها شائةِ أَلفِ نَوعٍ مِن حَشْرٍ ونَشرٍ في الحَيَواناتِ والنَّباتاتِ كافّةً، بل تُظهِرُ أَلفَ مِثالٍ للحَشرِ والنُّشُورِ وأَلفَ دَليلٍ علَيه، وهُولفَيْ رَبيعٍ، (حاشية): إنَّ كلَّ ربيعٍ يُقبِلُ هو بحُكمِ حَشرٍ للرَّبيع السابقِ الَّذي قامَت قيامتُه وانتَهَت حياتُه. عندَما يُنظَرُ خَيالًا إلى أَلفِ سنةٍ مِنَ السِّنينَ الَّتي قَضاها كلٌّ مقَ المّةِ مُحمَّدٍ ومُوسَى عَلَيهِمَا السَّلَام وقُوبِلا معًا! فكيف يُستَبعَدُ بَعثُ الأَجسادِ والحَشرِ الجِسمانِيِّ مِن هذه القُدرةِ المُطلَقةِ؟ ألَيسَ استِبعادُه عَمًى ما بَعدَه عَمًى؟!
— 38 —
ثمَّ إنَّ مِئةً وأَربعةً وعِشرالخارِلفًا مِن أَفضَلِ بَني آدَمَ وهُمُ الأَنبِياءُ عَلَيهِم السَّلَام، قد أَعلَنُوا السَّعادةَ الأَبَدِيّةَ وخُلُودَ الآخِرةِ، مُتَّفِقين مُستَنِدين إلى آلافِ الوُعُودِ والعُه التَّلَّتي قَطَعَها اللهُ سُبحانَه وتَعالَى على نَفسِه، وأَثبَتُوا صِدقَهم بمُعجِزاتِهمُ الباهِرةِ؛ وأنَّ ما لا يُحصَرُ مِن أَولياءِ اللهِ الصَّالِحِين يُصَدِّقُون الحَقيقةَ نفسَها بالكَِ، وتُالذَّوقِ.
فلا بُدَّ أنَّ تلك الحَقيقةَ ظاهِرةٌ ظُهُورَ الشَّمسِ في رابِعةِ النَّهارِ، فمَن شَكَّ فيها فقد حُرِمَ العَقلَ، لأنَّ حُكمَ مُتَخصِّصٍ واحِدٍ أو اثنَينِ في عِلمٍ أو مَهنةٍ في مَسأَلةٍ ضِمنَ اختِصاصِه، يُسقِطُ مِنَ الِكُونُ رِ قِيمةَ آراءِ وأَفكارِ أَلفِ مُعارِضٍ غيرِ مُتَخصِّصٍ في ذلك العِلمِ أوِ المَهنةِ ولو كانُوا أُولي اختِصاصٍ في عُلُومٍ أُخرَى.. وأنَّ حُكمَ تِها قِ مِن شُهُودِ الإثباتِ في مَسأَلةٍ يُرَجَّحُ على آلافٍ مِنَ المُنكِرِين أوِ النّافِين للمَسأَلةِ، كما هو في رُؤيةِ هِلالِ رَمَضانَ في يومِ الشَّكِّ، أوِ ادِّعاءِ وُجُودِ مَزارِعِ جَوزِ الّةِ، مالشَّبِيهةِ بعُلَبِ الحَلِيبِ في الأَرضِ؛ ذلك لأن المُثبِت يَكسِبُ القَضِيّةَ بمُجَرَّدِ الإشارةِ إلَيها أو إبرازِ جَوزِ الهِندِ أو بَيانِه لِمَكانِه..
أمَّا النةً أو الَّذي يُنكِرُ وُجُودَه فإنَّه لا يَستَطِيعُ أن يُثبِتَ دَعواه إلّا إذا جاسَ وجالَ في أَنحاءِ العالَمِ كُلِّه وتَحَرَّى دَعواه في الأَمكِنةِ كُلِّها.. وهكذا الَّذي ُطلَقُِ عنِ الجَنَّةِ ودارِ السَّعادةِ والخُلُودِ فإنَّه يُثبِتُها ويَكسِبُ القَضِيّةَ بمُجَرَّدِ إظهارِه أَثَرًا مِن آثارِ الجَنّةِ، أو أَمارةً مِن أَماراتِها، أو ظِلًّا مِن ظِلالِها كَشْفًا؛ في حِينِخالِدةستَطِيعُ مَن يَنفي وُجُودَها ويُنكِرُها أن يَجِدَ لإِنكارِه مَجالًا مَهْما كَدَّ، إلّا إذا شاهَدَ وأَشهَدَ الآخَرِين جَميعَ الأَكوانِ وجَميعَ الأَزمانِ مِنَ الأَزَلِ إلى الأَبَدِ، وأَظهَرَ عَدَمَ وُجُودِها وأَثبَتَِ الغََها!! فلِأَجلِ هذه الحِكمةِ ارتَضَى العُلَماءُ المُحَقِّقون على قاعِدةٍ أَساسٍ هي: "لا يُمكِنُ إثباتُ النَّفيِ غيرِ المُحَدَّدِ مَكانُه یی كالحَقائقِ الإيمانيّةِ الشَّامِلةِ للكَونِ قاطِبةً یی ما لم يكُنِ الأَمرُ مُحالًا بٍ للرّ.
فبِناءً على هذه الحَقيقةِ القاطِعةِ لا يَنبَغي أن يَجلِبَ إنكارُ آلافِ الفَلاسِفةِ ومُعارَضَتُهم أَيّةَ شُبْهةٍ ولا وَسوَسةٍ أَمامَ مُخبِرٍ صادِقٍ في مِثلِ هذه المَسائ إلى ايمانيّةِ.. فيا حَماقةَ مَن يَتَلوَّثُ بشُبْهةٍ یی مَهما كانَت یی في أَركانِ الإيمانِ بمُجَرَّدِ إنكارِ قِلّةٍ مِن
— 39 —
فَلاسِفةٍ مادِّيِّيك المَدَّرَت عُقُولُهم إلى عُيُونِهم، فلا يَرَوْن إلّا المادّةَ بل ماتَت قُلُوبُهم فلا يَشعُرُون بالمَعنَوِيّاتِ، بَينَما اتَّفَق على تلك الأَركانِ مِئةٌ وعِشرُون أَلْفًا مِنَ المُثبِتين أُولي الِاختِصاصِ مِنَ الَمِ بياءِ الصَّادِقين عَلَيهِم السَّلَام ومِمَّن لا يُحصَوْن ولا يُعَدُّون مِنَ المُثبِتين والمُختَصِّين مِن أَهلِ الحَقيقةِ الأَولياءِ وأَصحابِ التَّحقيقِ العُلَماءِ.
ثمَّ إنَّنَذي تَهِدُ سَواءٌ في أَنفُسِنا أو فيما حَوْلَنا رَحمةً عامّةً وحِكمةً شامِلةً وعِنايةً دائِمةً ناشِرةً نُورَها كالنُّهارِ، ونَرَى كذلك آثارَ رُبُوبيّةٍ مَهِيبةٍ وأَنَوارَ عَدالةٍ بَصِيرةٍ، وتَجَلِّياتِ إجراءاتٍ جَلِيلةٍ عَزِيزةٍ، بل نَوافَقحِكمةً" تُقلِّدُ الشَّجَرةَ حِكَمًا بعَدَدِ أَزهارِها وأَثمارِها، ونَرَى "رَحمةً" تُقِيمُ على كلِّ إنسانٍ إحسانًا وعَطايا بعَدَدِ حَواسِّه وقُواه وأَجهِزَتِه، ونَرَى "عَدالةً" الأَجعِزّةٍ تُهلِكُ بسَوْطِ عَذابِها أَقوامًا عُصاةً أَمثالَ قَومِ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ وقَومِ عادٍ وثَمُودَ وفِرعَونَ، وهي ذاتُ عِنايةٍ كذلك تُحافِظٍ، ويُحُقُوقِ أَصغَرِ مَخلُوقٍ وأَضعَفِه.. فالآيةُ الكَريمةُ الآتِيةُ تُبيِّنُ بإيجازٍ مُعجِزٍ عَظَمةَ تلك الرُّبُوبيّةِ الجَليلةِ وهَيبَتَها المُطرانِ ب وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ
إذ تُبيِّنُ ِ، ذلكلسَّماواتِ والأَرضَ تَمْتَثِلانِ الأَمرَ الإِلٰهيَّ كالجُنُودِ المُرابِطِين والرَّاقِدِين في مُعسكَرَينِ، فكما أنَّهم يُهرَعُون إلى أَخذِ مَواقِعِهم وتَسَلُّمِ أَسلِحَتِهم بدَعوةٍ مِنَ القائدِ وبنَفخةٍ مِن بُوقٍ، كذلك السَّماواتي في مَرضُ كمُعَسكَرَينِ حالَما يُنادَى بالأَمواتِ الرّاقِدِين فيهما بصُورِ إسرافيلَ عَلَيهِ السَّلَام، إذا بهم يَخرُجُون مِنَ الأَجداثِ سِراعًا لابِسِين ثِيابَ الجَسَد؛ بل نَرَى قدِ اتعَظَمةَ والطّاعةَ في كلِّ رَبيعٍ، إذ يُحشَرُ ما في مُعَسكَرِ الأَرضِ مِن جُنُودٍ ويُنشَرُون بنَفخةٍ مِن بُوقِ مَلَكِ الرَّعدِ.. فبِناءً على التَّحقيقاتِ السّابِقةِ، لا بُدَّ أنَّ تلك الرَّحمةَ والحِكمةَ والعِناوسُفيّلعَدالةَ والسَّلطَنةَ السَّرمَدِيّةَ ستُحَقِّقُ أَبعادَها وغاياتِها في دارٍ أُخرَى، أي: إنَّها تَقتَضي الحَشرَ بالضَّرُورةِ، كما أَثبَتَتْها "الكَلِمةُ العاشِرةُ"؛ إذ لا شَكَّ في مَجِيءِ الآخِرةِ، بل إيَتِهادَمَ مَجِيئِها مُحالٌ في أَلفِ مُحالٍ، حيثُ إنَّ عَدَمَها يعني: تَبَدُّلَ "الرَّحمةِ" الَّتي هي في مُنتَهَى الجَمالِ قَسوةً في مُنتَهَى البَشاعةِ، ويعني: تَحَوُّلَ
— 40 —
كَمالِ "الحِكمةِ" إلى نَقصٍِّ بعدَثِ القاصِرِ وغايةِ الإسرافِ، ويعني: انقِلابَ "العِنايةِ" الَّتي هي في مُنتَهَى الحُسنِ واللُّطفِ إلى إهانةٍ في مُنتَهَى القُبحِ والمَرارةِ، ويعني: تَغَيُّرَ "العَدُنيا فالَّتي هي في مُنتَهَى الإنصافِ والحَقِّ إلى ظُلمٍ في أَشَدِّ القَسوةِ والبُطلانِ..
زِدْ على ذلك فإنَّ عَدَمَ مَجِيءِ الآخِرةِ يعني أيضًا سُقُوطَ هَيبةِ السّس هو مِ السَّرمَدِيّةِ العَزِيزةِ، وبَوارَ أُبَّهَتِها وقُوَّتِها، ويعني اتِّهامَ كَمالِ الرُّبُوبيّةِ بالعَجزِ والقُصُورِ.. فكلُّ هذا باطِلٌ ومُحالٌ لا يَقبَلُه عَقلُ أيِّ إنسانٍ مَعٌ مِنن، وهو المُمتَنِعُ والخارِجُ عن دائرةِ الإمكانِ، لأنَّ كلَّ ذِي شُعُورٍ يَعلَمُ أنَّ اللهَ سُبحانَه قد خَلَق هذا الإنسانَ في أَحسَنِ تَقوِيمٍ، ورَبَّاه أَحسَنَ تَربِيةٍ، العُيدَه مِنَ الأَجهِزةِ والأَعضاءِ كالعَقلِ والقَلبِ ما يَتَطلَّعُ به إلى السَّعادةِ الأَبَديّةِ ويَسُوقُه نَحوَها، ويُدرِكُ كذلك مَدَى الَظيفةٍ والقَسوةِ إذا ما انتَهَى مَصِيرُ هذا الإنسانِ المُكَرَّمِ إلى العَدَمِ الأَبَدِيِّ! ويَفهَمُ كذلك مَدَى البُعدِ عنِ الحِكمةِ في عَدَمِ البَعثِ الَّذي يَجعَلُ جَميعَ الأَجهِزةِ والقُوَى الفِطرِيّةِ الَّتذا فَهآلافُ المَصالِحِ والفَوائدِ دُونَ جَدْوَى ودُونَ قِيمةٍ! في الوَقتِ الَّذي أَودَعَ سُبحانَه مِئاتٍ مِنَ الحِكَمِ والفَوائدِ في دِماغِه فحَسْبُ!.. ويَفهَمُ كذلك مَدَى العَجزِ الظّاهِرِ والجَهلِ التّامِّ المُنافِيَينِ كُلِّيصِدقِهعَظَمةِ تلك السَّلطَنةِ وكَمالِ الرُّبُوبيّةِ في عَدَمِ الإيفاءِ بآلافِ الوُعُودِ والعُهُودِ! تَعالَى اللهُ عن ذلك عُلُوًّا كَبِيرًا.. قِسْ على هذا كُلًّا مِنَ "العِنايةِ" و"العَدالةِ".
وهكذا يُجِيبُنا اسمُ اللهِ"الرَّحمٰنإِحاطةالحَكِيمُ"و"العَدْلُ"و"الكَرِيمُ"و"الحاكِمُ"مِنَ الأَسماءِ الحُسنَى بتلك الحَقيقةِ المَذكُورةِ عن سُؤالِنا الَّذي سَأَلْناه حَولَ الآخِرةِ، ويُثبِتُها لنا إثباتًا لا شُبهةَ فيه بل واضِحًا جَلِيًّا كوُضُوحِ الشَّمسِ وجَلائِها.
ثمَّ إنلتي تََرَى"حَفِيظِيّةً"مَهِيبةً مُحِيطةً بادِيةً للعِيانِ، تَحكُمُ على كلِّ شيءٍ حَيٍّ، وتُهَيمِنُ على كلِّ حادِثٍ، تَحفَظُ صُوَرَه الكَثيرةَ، تُسَجِّلُ أَعمولُ فيظِيفَتِه الفِطرِيّةِ، تُدَوِّنُ تَسبِيحاتِه الَّتي يُؤَدِّيها بلِسانِ الحالِ تِجاهَ الأَسماءِ الحُسنَى.. تُدَوِّنُها في لَوحاتٍ مِثاليّةٍ، وفي بُذَيراتِه ونَو أَوامي قُواه الحافِظةِ یی وهي نَماذِجُ مُصَغَّرةٌ لِلَّوحِ المَحفُوظِ یی ولا سِيَّما في حافِظةِ الإنسانِ الَّتي هي مَكتَبةٌ عُظمَى مُصَغَّرةٌ جِدًّا مَوضُوعةٌ في دِماغِه، وتُسَجِّلُها سائرُ نَ الِيا والمَعاكِسِ المادِّيّةِ والمَعنَوِيّةِ..
— 41 —
وما إن يَحُلَّ الرَّبيعُ یی تلك الزَّهرةُ المُجَسَّمةُ للقُدرةِ الإِلٰهيّةِ یی حتَّى تُبْرِزَ لنا الحَفِيظِيّةُ تلك الكِتاباتِ المَعنَوِيَّةَ ظاهِرةً مَشهُودةً مُجَسَّمةً؛ وتَعرِضَ في تلَ في يَهرةِ العُظمَى حَقيقةَ الحَشرِ الَّتي تَتَضمَّنُها الآيةُ الكَريمةُ: وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ، وتُعلِنُها بأَلسِنةِ مَلايِينِ المَلايِينِ مِنَ الأَمثِلةِرِ الرَلائلِ، وتُؤَكِّدُ لنا يَقينًا أنَّ الأَشياءَ جَميعَها یی ولا سِيَّما الأَحياءُ یی لم تُخلَقْ لِتَنتَهِيَ إلى الفَناءِ، ولا لِتَهوِيَ إلى العَدَمِ، ولا لِتُمحَى إلى غيرِ شيءٍ ول، ذلك َما الإنسانُ، بل خُلِقُوا للمُضِيِّ بسُمُوِّهم إلى البَقاءِ، وللدُّخُولِ بتَزكِيةِ أَنفُسِهم إلى عالَمِ الحَياةِ الخالِدةِ، وللوُلُوجِ بالِاستِعدادِ الفِطرِيِّ إلى وَظيفةٍ سَرمَدِيّةٍ لرَّبيِرُهم في دارِ الخُلُودِ.
نعم، إنَّ كلَّ شَجَرٍ وجَذْرٍ وكلَّ حَبّةٍ ونَواةٍ مِنَ النَّباتاتِ غيرِ المَحدُودةِ الَّتي ماتَت في قِيامةِ الخَريفِ، ما إن يَحِينُ حَشرُ الرَّبيعِ إلّا ويَتلُو الآيةَ الكَريمةَ:َ أَفضذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ بلِسانِه الخاصِّ ويُفَسِّرُ مَعنًى مِن مَعانيها، وذلك بقِيامِ كلِّ جُزءٍ مِن أَجزائِه بمِثلِ الوَظائفِ الفِطرِيّةِ الَّتي قامَذا الإي السِّنِينَ السَّابِقةِ، ويُبيِّنُ في الوَقتِ نَفسِه عَظَمةَ الحَفِيظيّةِ في أَوسَعِ مَداها كما تَتَضمَّنُها الآيةُ الكَريمةُ: هُوَ الْأَوَّلُ ِ الشَّخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ، وتُرشِدُنا إلى أَربَعِ حَقائقَ جَلِيلةٍ في كلِّ شيءٍ، وتُقيمُ الحُجَّةَ الدّامِغةَ على حَتمِيّةِ الحَشرِ كحَتمِيَّةِ مَجِيءِ الرَّبيعِ ومَجمِه.
نعم، إنَّ أَنوارَ هذه الأَسماءِ الحُسنَى الأَربعةِ وتَجَلِّياتِها تَسرِي وتَنفُذُ مِن أَصغَرِ جُزئيٍّ إلى أَكبَرِ كُلِّيٍّ.. ولْنُوَضِّحْ هذا بمِثالٍ:
فا الكَوُ الَّتي هي أَصلُ الشَّجَرةِ تُبيِّنُ عَظَمةَ الحَفِيظيّةِ بتَعَرُّضِها لِأَنوارِ اسمِ اللهِ"الأوَّل"،وذلك بما تَحوِي مِن خُطّةٍ دَقيقةٍ كامِلةٍ للشَّجَرةِ، وبما تَضتِيٍّ"ِن أَجهِزةٍ بَدِيعةٍ لإيجادِها ونُشُوئِها كامِلةً غيرَ مَنقُوصةٍ، وبما تَشتَمِلُ علَيه مِن شَرائطِ تكوينِ الشَّجَرةِ رَغمَ أنَّها عُلبةٌ صَغيرةٌ جِدًّا.
والثَّمَرةُ أيضًا تَشهلَت.. هادةً صادِقةً على تلك الحَفِيظيّةِ بتَعَرُّضِها لِأَنوارِ اسمِ اللهِ"الآخِر"،وذلك بما تَحوِي مِن فِهرِسِ جَميعِ الوَظائفِ الفِطرِيّةِ لتلك الشَّجَرةِ، وبما تَضُمُّ
— 42 —
مِن ص مَثِي أَعمالِها، وبما تَنطَوِي علَيه مِن قَوانينِ حَياتِها الثّانيةِ، عِلمًا أنَّها صُندُوقٌ صَغيرٌ جِدًّا.
أمَّا ظاهِرُ الشَّجرةِ المُجَسَّمِ فإنَّه يُظهِرُ عَظَمةَ المامَكم وكَمالَ الحِكمةِ وجَمالَ الرَّحمةِ ضِمنَ الحَفِيظيّةِ المُطلَقةِ، ويُبرِزُها للعِيانِ مَشهُودةً بتَعَرُّضِها لِأَنوارِ اسمِ اللهِ"الظَّاهِر"،وذلك بحُلَلِها البَهِيّةِ المُزدانةِ بالنُّقُوشِ الٍ وإكبةِ المُتَنوِّعةِ والأَوسِمةِ المُرَصَّعةِ كأنَّها ثِيابُ الحُورِ العِينِ المُلَوَّنةِ بسَبعِين لَوْنًا.
أمّا الأَجهِزةُ الدّاخِليّةُ لتلك الشَّجَرةِ الَّتي أَصبَحَت كأنَّها مِرآةٌ تَعكِسُ أَنوارَ اسمِ اللهِ"الباطِن"،فهي أيضًا تُثبِتُ إحَقِّي ساطِعًا كالشَّمسِ كَمالَ القُدرةِ والعَدالةِ، وجَمالَ الرَّحمةِ والحِكمةِ، إذ إنَّها مَصنَعٌ خارِقٌ كامِلُ النِّظامِ، بل مُختَبَرُ كِيمياءٍ عَظِيمٌ، بل مقَّبُ َعُ إعاشةٍ وأَرزاقٍ لا يَدَعُ غُصنًا ولا ثَمَرًا ولا وَرَقًا إلَّا ويُزَوِّدُه بالغِذاءِ الَّذي يَحتاجُه.
وكما يُظهِرُ كلٌّ مِنَ البِذرةِ والثَّمَرةِ، وظاهِرُ الشَّجَرةِ وباطِنُها تَجَلِّياتِ الأَسماءِ الحُسنَى الأَربَعلَّذي أوَّل، والآخِر، والظَّاهِر، والباطِن"،فالكُرةُ الأَرضِيّةُ كذلك تُظهِرُها وتُبيِّنُ بَداهةً أنَّ الحَفِيظَ ذا الجَلالِ والإكرامِ إنَّما يَعمَلُ بقُدرةٍ وعَدالةٍ وحِكمةٍ ورَحمةٍ مُطلَقةٍ؛ إذ إنَّها یی أيِ: المَلةٍ الأَرضِيّةَ یی كالشَّجَرةِ مِن حيثُ تَبَدُّلُ المَواسِمِ السَّنَوِيّةِ، فجَميعُ النَّوَى والحُبُوبِ الَّتي أُودِعَتْ في الخَريفِ بتَجَلِّي اسمِ اللهِ"الأوَّل"،أَمانةً إلى الحَفِيَّبِيع تُرسِلُ ما لا يُعَدُّ مِنَ السُّوقِ والأَغصانِ، وتَمُدُّها إلى شَتَّى الجِهاتِ، وتَفتَحُ ما لا يُحصَى مِنَ الأَزهارِ البَهِيجةِ والأَثمارِ الطَّيِّبةِ، فتُلبِسُ الأَرضَ وِشاحَ الرَّبيعِ البَهِيجَ.. ذلك لذِي الُلًّا مِنها تَضُمُّ كُرّاساتٍ مُصَغَّرةً سُطِّرَت فيها الأَوامِرُ الرَّبّانيّةُ، وتُبطِنُ صَحائفَ مُصَغَّرةً دُوِّن فيها ما أُنجِزَ في السَّنةِ الماضِيةِ مِن أَعمالٍ، بل تَستَوعِبُ تلك البُذُورُ والنَّوَى جَميعَ ما يَعُودُ إ غايةََكُّبِ شَجَرةِ الأَرضِ العَظِيمةِ.
أمَّا آخِرُ شَجَرةِ الأَرضِ السَّنَوِيّةِ فهو ما يَضَعُه في عُلَبٍ مُتَناهِيةٍ في الصِّغَرِ مِن جَميعِ الوَظائفِ الَّتي قامَت بها ِن وُجَرةُ في الخَريفِ، وجَميعِ التَّسبِيحاتِ والأَذكارِ الفِطرِيّةِ الَّتي أَدَّتْها تِجاهَ الأَسماءِ الحُسنَى، وجَميعِ ما يُمكِنُ نَشرُه في حَشرِ الرَّبيعِ المُقبِلِ مِن
— 43 —
صَحائفِ الأَعمالِ، ويُسَلِّمُ هذا جَميعًا إلى يَدِ ا المَلِ للحَفيظِ ذِي الجَلالِ تالِيًا بهذا اسمَ اللهِ:"الآخِر"بأَلسِنةٍ لا حَدَّ لها على أَسماعِ الكائناتِ وأَنظارِها.
أمَّا ظاهِرُ هذه الشَّجَرةِ فهو: تلك الأَزهَيثُماكُلِّيّةُ المُتَنوِّعةُ المُتَبايِنةُ الَّتي تُفصِحُ عن ثَلاثِ مِئةِ أَلفِ نَوعٍ مِن أَمثِلةِ الحَشرِ وأَماراتِه، وهو تلك المَوائدُ المَنصُوبةُ للرَّحمٰنِ الرَّحيمِ والرَّزَّاقِ الكَريمِ، وهو تلك الضِّيافاتُ المَفتُوحةُ لِذَوِي الحَُعقَلُافّةً، فكُلُّ ما في ظاهِرِ تلك الشَّجَرةِ يَذكُرُ ويَتلُو اسمَ اللهِ:"الظَّاهِر"بأَلسِنةِ ثَمَراتِها وأَزهارِها وطُعُومِها مُظهِرًا حَقيقةَ: وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ ساطِعةً كالشَّمسِ في كَبِدِ السَّماءِ.
أمَّا باطِنُ هذه الشَّجََبّانةعَظيمةِ فهو مَعمَلٌ ومَصنَعٌ يُحَرِّكُ ما لا يُعَدُّ ولا يُحصَى مِن مَكائنَ مُنتَظِمةٍ ومَعامِلَ دَقيقةٍ، حتَّى إنَّه يُعِدُّ طَنًّا مِنَ الأَطعِمةِ ويُنضِجُها مِن دِرهَمٍ مِنَ المَوادِّ ويُوصِلُلعَاشِالجائِعِين، ويَنهَضُ بأَعمالِه في مُنتَهَى الدِّقّةِ بما لا يَدَعُ مَجالًا لِتَلعَبَ به الصُّدْفةُ، فيَذكُرُ الوَجهَ الباطِنَ للأَرضِ اسمُ اللهِ:يها الطِن"،بل يُثبِتُه ويُعلِنُه بمِئةِ أَلفٍ مِنَ الأَنماطِ والصُّوَرِ، كما يُعلِنُه قِسمٌ مِنَ المَلائكةِ الَّذين يُسَبِّحُون بمِئةِ أَلفالكَرِنٍ.
وكَما أنَّ الأَرضَ مِن حيثُ حَياتُها السَّنَويّةُ كالشَّجَرةِ بَيَّنَتِ"الحَفِيظيَّةَ"الَّتي في تلك الأَسماءِ الحُسنَى الأَربعةِ بوُضُوحٍ، وجَعَلَتْها مِفتاحًا لِبابِ الحَشرِ، فهي كاظِ عللشَّجَرةِ المُتَناسِقةِ جِدًّا مِن حيثُ حَياةُ العُصُورِ وحَياةُ الدُّهُورِ، إذ تُرسِلُ ثَمَراتِها یی على مَدَى العُصُورِ والدُّهُورِ یی إُضُورًقِ الآخِرةِ.
وهكذا تُصبِحُ الأَرضُ بأَسرِها مِرآةً واسِعةً جِدًّا لِتَجَلِّياتِ تلك الأَسماءِ الأَربَعةِ، وتَفتَحُ سَبِيلًا واسِعًا جِدًّا إلى الآخِرةِ بحَيثُ تَظَلُّ عُقُولُنا ولُغا بل تُاصِرةً وعاجِزةً عنِ الإحاطةِ بها.. لذا نَكتَفي بالآتي ولا نَزِيدُ:
إنَّ عَقارِبَ السَّاعةِ الَّتي تَعُدُّ الثَّوانِيَ والدَّقائقَ والسَّاعاتِ والأَيّالكَونَتَشابَهُ فيما بَينَها، فالواحِدُ يَدُلُّ على الآخَرِ ويُثبِتُه، فمَن يُراقِبُ حَرَكةَ عَقْرَبِ الثَّواني يُضطَرُّ إلى تَصدِيقِ حَرَكةِ التُّرُوسِ الأُخرَى؛ كذلك الدُّنيا كساعةٍمِ مَخَى لِخالقِ السَّماواتِ والأَرضِ، حيثُ تَتَشابَهُ الأَيّامُ الَّتي تَعُدُّ ثَوانِيَ هذه السّاعةِ الكُبْرَى، والسَّنَواتُ الَّتي تُحصِي دَقائقَها،
— 44 —
والعُصُورُ الَّتي تُظهِرُ ساعاتِنَ الألأَحقابُ الَّتي تُعرِّفُ أَيّامَها.. فمعَ تَشابُهِ بَعضِها معَ بَعضٍ، فإنَّ كُلًّا مِنها يَدُلُّ على الآخَرِ ويُثْبِتُه.
ومِن هذه الزّاوِيةِ نَرَى الأَرضَ تُخبِرُ بأَماراتٍ لا حَدَّ لها عن مَجِيءِ رَبيعٍ خالِدٍ وصُبحٍ سَرْمَدِيعلَيهمَ شِتاءِ الدُّنيا الفانيةِ المُظلِمِ.. تُخبِرُ عنه بحَتمِيّةِ مَجِيءِ الصُّبحِ لهذا اللَّيلِ، وبقَطعِيّةِ مَجِيءِ الرَّبيعِ بعدَ هذا الشِّتاءِ.. وبهذه الحَقيقةِ يُجِيبُنا اسمُ"الحَفيظِ"مع الأَسماءِ الحُسنَى.
ابَعةِ:"الأوَّل، والآخِر، والظَّاهِر، والباطِن"عن سُؤالِنا الَّذي سَأَلناه حَولَ الحَشرِ.
وما دُمنا نَرَى بأَعيُنِنا ونَفْقَهُ بعُقُولِنا أنَّ الإنسانَ:
هو آخِرُ ثَمَرةٍ لِشَجَرةِ الكَونِ وأَجمَعُها..
وهوَسِ لِتُها الأَصلِيَّةُ مِن حَيثُ الحَقيقةُ المُحَمَّدِيّةُ..
وهو الآيةُ الكَونيّةُ الكُبْرَى لِقُرآنِ الكَونِ.. بل هو الآيةُ الحامِلةُ لِتَجَلِّياتِ الِاسمِ ضِمنَ َمِ في ذلك القُرآنِ الكَونِيِّ كآيةِ الكُرسِيِّ في القُرآنِ الكَريمِ..
وهو أَكرَمُ ضَيفٍ في قَصرِ الكَونِ..
وهو أَنشَطُ مُوَظَّفٍ مَأذُونٍ له بالتَّصَفذاذُ في سَكَنةِ ذلك القَصرِ..
وهو المَأمُورُ المُكَلَّفُ عن حَرثِ مَزرَعةِ الأَرضِ، والنَّاظِرُ المَسؤُولُ عن وارِداتِها ومَصارِيفِها، بما جُهِّزَ مِن مِئاتِ العُلُومِ وأُلُوفِ المُؤَهِّلاتِ..
وهو ُ ما يةُ الأَرضِ، والمُفَتِّشُ الباحِثُ في مَملَكةِ الأَرضِ، والمُرسَلُ مِن لَدُن سُلطانِ الأَزَلِ والأَبَدِ، والعامِلُ تحتَ رَقابَتِه..
وهو المُتَصرِّفُ في شُؤُونِ الأِ الثّعَ تَسجِيلٍ كامِلٍ لِأَعمالِه بجُزئيّاتِها وكُلِّيّاتِها..
وهو عَبدٌ كُلِّيٌّ، مُكَلَّفٌ بعِبادةٍ واسِعةٍ شامِلةٍ..
والحامِلُ للأَمانةِ الكُبْرَى الَّتي أَبَتِ يشةِ ااواتُ والأَرضُ والجِبالُ أن يَحمِلْنَها، فانفَرَجَت أَمامَه طَرِيقانِ عَجِيبانِ، فهُو في أَحَدِهِما أَشقَى ذَوِي الحَياةِ، وفي الآخَرِ أَسعَدُهُم..
— 45 —
وهو الَّذي يَعكِسُ كالمِرآةِ جَميعَ تَجَلِّياتِ الأَسماءِ الحُسنَى، ويَتَجلَّى فيه اسِ المُهِ الأَعظَمُ..
وهو المُخاطَبُ المَقصُودُ للخِطابِ السُّبْحانِيِّ، والأَكثَرُ فَهمًا للكَلامِ الرَّبّانِيِّ..
وهو الأَكثَرُ فاقةً وعَجْزًا مِن بينِ أَحياءِ الكَونِ..
وهو الكائنُ الحَيُّ العاجِزُ الفَقِيرُ بلا حُدُودٍ،للهَ لَّ له أَعداءً ومُؤذِياتٍ بلا عَدٍّ، ومَقاصِدَ وآلامًا بلا حَدٍّ.. وهو أَغنَى استِعدادًا مِن بينِ ذَوِي الحَياةِ..
وهو أَشَدُّ إحساسالعالَعُورًا بالأَلَمِ ضِمنَ لَذّةِ الحَياةِ، حيثُ تَمتَزِجُ لَذّاتُه بآلامٍ مُنَغِّصةٍ..
وهو أَشَدُّ شَوقًا إلى البَقاءِ، وأَكثَرُ حاجةً إل هذا تلُودِ، بل هو الأَجدَرُ به..
وهو الَّذي يَتَوسَّلُ لِأَجلِ البَقاءِ والخُلُودِ بأَدعِيةٍ غيرِ مَحدُودةٍ، فلو أُعطِيَ له ما في الدُّنيا مِن مُتَعٍ لَمَا شَفَتْ غَلِيلَه للخُلُودِ..
ِ والمالَّذي يُحِبُّ الَّذي أَنعَمَ علَيه حُبًّا لِحَدِّ العِبادةِ، ويُحَبِّبُه للآخَرِين، وهو المَحبُوبُ أَيضًا..
وهو أَعظَمُ مُعجِزاتِ القُدرةِ الصَّمَدانيّةِ، بل هو أُعجُوبةُ الخَلْقِ لِما انطَوَى فيه العالَلَ أن َكبَرُ، ولِما تَشهَدُ جَميعُ أَجهِزَتِه بأنَّه مَخلُوقٌ للسَّيرِ قُدُمًا نحوَ الأَبَديّةِ والخُلُودِ.
فهذا الإنسانُ الَّذي يَرتَبِطُ بمِثلِ هذه الحَقائقِ العِشرِينَ الكُلِّيّةِ باسمِ اللهِ"الحَقّ"،ذاتُ عي هو وَثيقُ العَلاقةِ باسمِ اللهِ"الحَفيظ"الَّذي لا يَعزُبُ عنه شيءٌ في السَّماواتِ والأَرضِ، يَرَى أَدنَى حاجةٍ لِأَصغَرِ حَيٍّ، ويَسمءِ،
#2داءَ حاجَتِه، فيُغِيثُه، فيُدَوِّنُ كَتَبَتُه الكِرامُ جَميعَ أَعمالِ هذا الإنسانِ وأَفعالِه المُتَعلِّقةِ بالكائناتِ.. فهذا الإنسانُ یی بحُكمِ هذه الحَقائقِ العِشرِينَّةِ وا بُدَّ أن يكُونَ له حَشرٌ ونُشُورٌ، ولا رَيبَ أنَّه سيُكافَأُ باسمِ اللهِ"الحَقّ"على ما قَدَّم مِن خِدْماتٍ وأَعمالٍ، وسيُجازَى على ما قَصَّر فيها، ولا شُبهةَ أنَّه سيُساقُ إلى المُحاسَبةِ والِاستِجوابِ عمَّا دُوِّنفي إحدأَعمالِه
— 46 —
باسمِ"الحَفيظ"جُزئيِّها وكُلِّيِّها، ولا شَكَّ أن ستُفتَحسُ أَمامَه أَبوابُ سَعادةٍ خالِدةٍ وضِيافةٍ أَبَدِيّةٍ، أو أَبوابُ سُجُونٍ رَهِيبةٍ وشَقاءٍ مُقِيمٍ؛ وأنَّه لا يُمكِنُ ألّا يها لكاَ ويَتَوارَى عنِ الأَنظارِ ضابِطٌ قادَ أَكثَرَ مَخلُوقاتِ هذا العالَمِ وتَدَخَّل في شُؤُونِها، ولا يُمكِنُ ألّا يُنَبَّه مِن رَقْدَتِه!
لأنَّه لا يُعقَلُ قَطُّ أن يُسمَعَ دُعاءٌ أَخفَتُ مِن طَنينِ الذِّ المُويُغاثَ فِعلًا بلَوازِمِ الحَياةِ، ثمَّ لا يُسمَعَ أَدعِيةٌ لها مِنَ القُوّةِ ما يَهُزُّ العَرشَ والفَرْشَ، والَّتي تَنطَلِقُ مِن تلك الحَقائقِ العِشرينَ، وتَسأَلُ البَقاءَ والخُلُودَ.. ولا يُعقَلُ قَطُّياةٍ؛ هو خارِجٌ عنِ الإمكانِ یی أن تُهدَرَ وتُضَيَّعَ كُلِّيًّا تلك الحُقُوقُ الكَثِيرةُ، بل لا يُمكِنُ لِحِكمةٍ لا عَبَثَ فيها قَطُّ یی ولو بمِقدارِ جَناحِ ذُبابةٍ بشَهادةِ انتِظامِهاَقائقِنِها یی أن تَعبَثَ كُلِّيًّا باستِعداداتِ الإنسانِ المُرتَبِطةِ بها تلك الحَقائقُ، وتَعبَثَ بجَميعِ آمالِه ورَغَباتِه المُمتَدّةِ إلى الخُلُودِ، وتَعنَّ شَجَميعِ تلك الرَّوابِطِ وحَقائقِ الكائناتِ العَدِيدةِ الَّتي تُنَمِّي تلك الِاستِعداداتِ والرَّغَباتِ، لأنَّ هذا الاحتِمالَ ظُلمٌ فَظِيعٌ وقُبحٌ مُشِينٌ تَرُدُّه جَميعُ المَوجُوداتِ وتَرفُضُه قائلِه أَعَّ ذلك مُحالٌ في مُحالٍ بمِئةِ وَجهٍ، ومُمتَنِعٌ مُستَحِيلٌ بآلافِ الوُجُوهِ، بل تَرُدُّه جَميعُ المَوجُوداتِ الشَّاهِدةُ على الأَسماءِ الحُسنَى:"الحَقُّ"و"الحَفِيظ"و"الحَكِيم"و"الجَمِيل"و"الرَّحِيم".
لافٍ م تُجِيبُنا هذه الأَسماءُ الحُسنَى:"الحَقُّ"و"الحَفِيظُ"و"الحَكِيم"و"الجَمِيل"و"الرَّحِيم"،عن سُؤالِنا حَولَ الآخِرةِ، فتُخاطِبُنا تلك الأَسماءُ قائلةً: "إنَّ الحَشرَ حَقٌّ لا رَيبَ فيه، وهوه مُلكةٌ راسِخةٌ لا مِراءَ فيها، مِثلَما أنَّنا حَقٌّ ومِثلَما تَشهَدُ لنا حَقيقةُ ثُبُوتِ المَوجُوداتِ".
ولولا أنَّ المَسأَلةَ أَوضَحُ مةِ والشَّمسِ لَزِدتُّ بَيانًا، ولكنِّي اختَصَرتُ مُكتَفِيًا بالأَمثِلةِ المَذكُورةِ، وقِياسًا على ما في الفِقْراتِ السَّابِقةِ؛ فإنَّ كلَّ اسمٍ مِنَ الأَسماءِ الحُسنَى المِئةِ النَّأَلفِ المُتَوجِّهَ إلى الكَونِ، يُثبِتُ مُسَمَّاه سُبحانَه بَداهةً بتَجَلِّياتِه وبمَراياه الَّتي هي المَوجُوداتُ، كما يُظهِرُ الحَشرَ والدَّارَ الآخِرةَ ويُثبِتُه إثباتًا قاطِعًا.
— 47 —
ومِثلَما يُجِيبُنا رَبُّنا سَ واجِه وتَعالَى جَوابًا قُدسِيًّا وجازِمًا بجَميع أَوامِرِه في جَميعِ ما أَنزَلَ مِن كُتُبٍ، وبجَميعِ أَسمائِه الَّتي سَمَّى بها نَفسَه، عن سُؤالِنا الَّذي سَأَلْناه حلأَرزالآخِرةِ، كذلك يُجِيبُنا سُبحانَه بأَلسِنةِ مَلائكَتِه ويُعَرِّفُنا الآخِرةَ بنَمَطٍ آخَرَ، إذ تقُولُ المَلائكةُ:
"هناك أَماراتٌ ودَلالاتٌ لا حَدَّ لها على وُجُودِنا والعالَمِ الرُّوحانِيِّ، وقد جَرَت لِقاءاتٌ ومُكالَماتٌ وتَعارُفٌ بَقةِ ونوبَينَنا وبينَ الرُّوحانِيِّين مُنذُ زَمَنِ آدَمَ عَلَيهِ السَّلَام، وهي حَوادِثُ يَقِينيّةٌ مُتَواترةٌ لا تَقبَلُ الرَّيبَ، ولقد ذَكَرنا ودَومًا نَذكُرُ ما مِنهاخِلالَ تَجوالِنا في مَنازِلِ الآخِرةِ ومَشاهِدِها إلى قادَتِكُم أَثناءَ لِقائِنا معَهم: إنَّنا نُبَشِّرُكم بِشارةً لا رَيبَ فيها أنَّ هذه الأَرْوِقةَ الدَّائِمةَ وما وَراءَها مِن قُصُورٍ خالِدةٍ ومَنازِلَ مُعَدَّةٍ إنَّما أُعِدَّتْ لِّ آنقبالِ ضُيُوفٍ كِرامٍ مُكْرَمِين وهُيِّئَت لِقُدُومِهم".
وبهذا تُجِيبُنا المَلائكةُ الكِرامُ عن سُؤالِنا حَولَ الآخِرةِ.
ثمَّ إنَّ خالِقَنا الُ شَها قد عَيَّن لنا أَعظَمَ مُعَلِّمٍ، وأَكمَلَ أُستاذٍ، وأَصدَقَ قُدوةٍ، وأَقوَمَ رائدٍ.. ألا وهو مُحَمَّدٌ الهاشِميُّ عليه أَفضَلُ الصَّلاةِ والسّالَّتي وقد أَرسَلَه خاتَمًا للرُّسُلِ الكِرامِ عَلَيهِم السَّلَام، فعلَينا إذًا وقبلَ كلِّ شيءٍ أن نَسأَلَ أُستاذَنا ما سَأَلْناه مِن خالِقِنا عزَّ وجَلَّ حَولَ الآخِرةِ لَعلَّنا نَتكامَلُ في مَعر نَتِيا ونَتَرقَّى مِن مَرتَبةِ عِلمِ اليَقينِ إلى عَينِ اليَقينِ وإلى حَقِّ اليَقينِ، لأنَّ هذا النَّبيَّ الحَبيبَ الصَّادِقَ المُصَدَّقَ مِن لَدُ وَحْدالِقِ العَليمِ بأَلفٍ مِنَ المُعجِزاتِ، مِثلَما أنَّه مُعجِزةُ القُرآنِ الكَريمِ، فأَثبَتَ للعالَمِ أَجمَعَ أنَّه كِتابُ رَبِّ العالَمِين لا يَأتيه الباطِلُ مِن بينِ يَدَيه ولا مِن خَلفِه تَمَلأَصبَحَ القُرآنُ الكَريمُ أيضًا مُعجِزةً مِن مُعجِزاتِه (ص)، ودَليلًا على أنَّه الصَّادِقُ المُصَدَّقُ، وأنَّه رَسُولُ رَبِّ العالَمِين.
فكِلتا المُعجِزَتِ.. فإی إحداهما لِسانُ عالَمِ الشَّهادةِ ومعَها تَصدِيقُ جَميعِ الأَنبِياءِ عَلَيهِم السَّلَام والأَولياءِ، والأُخرَى لِسانُ عالَمِ الغَيبِ المُتَِ.. مِ جَميعَ الكُتُبِ السَّماوِيّةِ وجَميعَ حَقائقِ الكَونِ یی قد أَقامَتا الحُجَجَ على حَقيقةِ الحَشرِ والنُّشُورِ راسِخةً واضِحةً وُضُوحَ الشَّمسِ والنَّهارِ، بجَميعِ حَياةِ المُعجِزةِ الأُولَى وآهذه الِن آياتِ المُعجِزةِ الثّانيةِ.
— 48 —
حَقًّا إنَّ"مَسأَلةَ الحَشرِ والآخِرةِ"مِنَ المَسائلِ الَّتي هي فوقَ طاقةِ العَقلِ وحُدُودِه، ورَّبِيهَمُ إلّا بتَعلِيمِ هذَينِ الأُستاذَينِ المُعجِزَينِ: "القُرآنِ الكَريمِ والرَّسُولِ الحَبيبِ (ص)" وإرشادِهما.
أمّا لِمَاذا لَمْ يُوَضِّح الأَنبِياءُ السّابقُون عَلَيهِم السَّلَام مَسأَلةَ الحَشرِ لِأُمَمِهم كما هو واضِحٌ صَيدَلُرآنِ الكَريمِ؟ فلِأنَّ عُصُورَهم كانَت عُصُورَ طُفُولةِ البَشَريّةِ وبَداوةِ الإنسانيّةِ، والإيضاحُ يكُونُ وَجِيزًا في الدُّرُوسِ الِابتِدائيّةِ كما هو مَعلُومٌ.
وصَفوةُ القَولكنٍ وادامَ أَكثَرُ الأَسماءِ الحُسنَى تَقتَضي الآخِرةَ وتَدُلُّ علَيها، فلا بُدَّ أنَّ الحُجَجَ والدَّلائلَ الدّالّةَ على الأَسماءِ الحُسنَى هي بدَورِها دَلائلُ على ثُبُوتِ الآخِرةِ وقيامِها..
وما دامَ المَلائكةُ يُخبِرُون عَمّا يُشاهُ يا رمِن مَنازِلِ الآخِرةِ وعالَمِ البَقاءِ، فلا بُدَّ أنَّ الدَّلائلَ الشّاهِدةَ على وُجُودِ المَلائكةِ والعالَمِ الرُّوحانِيِّ وعِباداتِهم هي بدَورِها دَلائلُ إثباتٍ على العالَمِ الآخَرِ..
وما دامَ أَهَمُّ ما أَعلَنَه مُحمَّدٌ (ص) خِلرةٍ: يياتِه المُطَهَّرةِ المُبارَكةِ، وأَساسُ ما دَعا إلَيه بعدَ التَّوحِيدِ هو الآخِرةَ، فلا بُدَّ أنَّ جَميعَ المُعجِزاتِ والحُجَجِ الدَّالَّةِ على نُمَ مِنِه وصِدْقِه (ص) هي بدَورِها شاهِدةٌ على حَقيقةِ مَجِيءِ الآخِرةِ..
وما دامَ رُبُعُ القُرآنِ الكَريمِ يَبحَثُ عنِ الحَشرِ والآخِرةِ، ويُقيمُ الدَّلائلَ علَيه بآلافٍ مِن آياتِه ويُوزَوَّعنه، فلا بُدَّ أنَّ الشَّواهِدَ والحُجَجَ والدَّلائلَ والبَراهِينَ الدّالّةَ كُلَّها على أَحَقِّيّةِ القُرآنِ هي بدَورِها شاهِدةٌ على تَحَقُّقِ الآخِرةِ ودالّةٌ علَيها.
وهكذُ أنََّمَّلُوا في هذا الرُّكنِ الإيمانِيِّ العَظيمِ لِتُقدِّرُوا مَدَى قَطِعيّةِ"الإيمان بالآخِرة"ومَدَى ثُبُوتِه ورُسُوخِه.

* * *

— 49 —
خلاصة المسألة الثامنة
لقد أَرَدْنا في "المَسأَ ذُكِرسَّابعةِ" أن نَستَوضِحَ مَسأَلةَ الحَشرِ مِن مَقاماتٍ كَثيرةٍ، إلّا أنَّ جَوابَ خالِقِنا بأَسمائِه الحُسنَى كان شافيًا ووافيًا جِدًّا، أَورَثَ اليَقينَ الجازِمَ والقَناعةَ التّامّةَ، فأَغنانا عن أَيِّ استِفسارٍ آخَالمَساقتَصَرنا هناك على ذلك الإثباتِ.
أمَّا في هذه المَسأَلةِ فسنُلَخِّصُ واحِدةً مِن مِئاتِ الثَّمَراتِ والفَوائدِ والنَّتائجِ الَّتي يُحَقِّقُها"الإيمانُ بالآخِرةِ"،مِنها ما يَعُودُ إلى سَعادةِ الإنسانِ في الآخِذْ ليسمِنها ما يَعُودُ إلى سَعادَتِه في الدُّنيا.
أمَّا ما يَعُودُ إلى السَّعادةِ الأُخرَوِيّةِ فليس بعدَ إيضاحِ القُرآنِ الكَريمِ إيضاحٌ آخَرُ، فلْيُرجَعْ إلَيه، أمّا ما يَعُودُ إلى "السَّعادةِ الدُّنَّلًا ِ" فتُوَضِّحُه رَسائلُ النُّورِ؛ وسنُبيِّنُ هنا بَيانًا مُوجَزًا بِضعَ نَتائجَ فقط مِن بينِ المِئاتِ مِنَ النَّتائجِ الَّتي يُحَقِّقُها"الإيمانُ بالآخِرة"لإسعادِ الإنسانِ في حَياتِه الشَّخصِيّةِ والِاجتِماعيّةِ.
زِيَّتمرةُ الأُولى:
كما أنَّ الإنسانَ یی خِلافًا للحَيَوانِ یی ذُو عَلاقةٍ معَ بَيتِه، فهو أَيضًا ذُو ارتِباطٍ وَثيقٍ معَ الدُّنيا، ومِثلَما أنَّه مُرتَبِطٌ بأَقارِبِه برَوابِطَ ووَشائجَ، فهو كذلك ذُو عَلاقةٍ فِطرِيّةٍ بالجِجتِماعبَشَرِيِّ؛ وكما أنَّه يُحِبُّ البَقاءَ في الدُّنيا الفانيةِ فهو يَتُوقُ إلى بقائِه في الدّارِ الباقيةِ؛ وكما أنَّه يَسعَى دائمًا لِتأمينِ حاجاتِ مَعِدَتِه إلى الغِذاءِ، فهو مُضطَرٌّ بفِ، وصار یی بل يَسعَى یی لِتأمينِ الأَغذِيةِ لِعَقلِه وقلَبِه ورُوحِه وإنسانيَّتِه وتَناوُلِها مِنَ المَوائدِ المُمتَدّةِ على سَعةِ الدُّنيا، بلِ المُمتَدّةِ إلى الأَبَدِ، وله آمالٌ ومَطالِبُ لا يُشبَِيه بلِوَى السَّعادةِ الأَبَديّةِ.
— 50 —
لقد حَدَّثتُ خَيالي في عَهدِ صِباي: أيُّ الأَمْرَينِ تُفضِّلُ؟ قَضاءَ عُمُرٍ سَعيدٍ يَدُومُ أَلفَ أَلفِ سَنةٍ معَ سَلِرِ الالدُّنيا وأُبَّهَتِها على أن يَنتَهِيَ ذلك إلى العَدَمِ، أم وُجُودًا باقِيًا مع حَياةٍ اعتِيادِيّةٍ شاقّةٍ؟ فرَأَيتُه يَرغَبُ في الثّانيةِ ويَضجَرُ مِنَ الأُولَى، قائلًا: "إنَّني لا أُرِزرائيلعَدَم بلِ البَقاءَ ولو كان في جَهَنَّمَ!".
فما دامت جَميعُ لَذائذِ الدُّنيا لا تُشبِعُ الخَيالَ الَّذي هو أَحَدُ خُدّامِ الماهِيّةِ الإنسانيّةِ، فلا بُدَّ أنَّ حَقيقةَ الماهِيّةِ الإنسانيّةِ الجامِِن أَقشّامِلةِ جِدًّا مُرتَبِطةٌ فِطرةً بالخُلُودِ والبَقاءِ.
فكم يكُونُ"الإيمانُ بالآخِرة"إذًا كَنزًا عَظِيمًا كافِيًا ووافِيًا لهذا الإنسانِ الوَثيقِ الصِّلةِ بهذه الرَّغَباتِ والآمالِ الَّتي لا تَُهُ ال وهو لا يَملِكُ سِوَى جُزءٍ مِنَ الِاختِيارِ الجُزئيِّ، ويَتَقلَّبُ في الفَقرِ المُطلَقِ! وكم يكُونُ هذا الإيمانُ مِحوَرًا للسَّعادةِ المَطلُوبةِ واللَّذّةِ المُبتَغاةِ! وكم يكُونُ مَرجِعًا ومَدارَ استِمدادٍ وسَلْوةً له تِجاهَ هُمُومِ الدُّيمٍ يَرِ المَحصُورةِ؟ فلو ضَحَّى هذا الإنسانُ بكلِّ حَياتِه الدُّنيا في سَبِيلِ الفَوزِ بهذا الإِيمانِ لكانَت إذًا زَهِيدةً!
الثَّمَرةُ الثانية المُتوجِّهةُ لحياة الإنسان الشَّخصية:
إنَّ ما يُقلأَهَملإنسانَ دَومًا ويُنَغِّصُ حَياتَه، هو تَفكِيرُه الدّائمُ في مَصِيرِه، وكَيفيّةِ دُخُولِه القَبْرَ، مِثلَما انتَهَى إلَيه مَصِيرُ أَحِبَّتِه وأَقارِبِه؛ فتَوَهُّمُ الإنسانِ المِسكِينِ الَّذي يُضَحِّي برُوحِه لِأَالخاصّديقٍ عَزِيزٍ، وتَصَوُّرُه أنَّ آلافًا بل مَلايِينَ المَلايِينِ مِن إخوانِه البَشَرِ يَنتَهُون إلى العَدَمِ بالمَوتِ یی ذلك الفِراقِ الأَبَدِيِّ الَّذي لا لِقاءَ وَراءَه یی سيُذِيقُه هذا التَّصَوُّرُ أَلَمًا شَديدًا يُنبِئُ بآلامِ جَها يَست.. وحِينَما يَتَلوَّى هذا الإنسانُ مِن أَلَمِ ذلك العَذابِ الأَليمِ النّابِعِ مِن ذلك التَّفكِيرِ، يأتي"الإيمانُ بالآخِرة"فاتِحًا بَصِيرتَه، مُزِيلًا الغِشاوةَ عن عَينَيه، قائلًا له: "انظُر.."، فيَنظُرُ بنُورِ الإيمانًِ بِكَ به يَكسِبُ لَذَّةً رُوحِيّةً عَمِيقةً تُنبِئُ بلَذّةِ الجَنّةِ، بما يُشاهِدُ مِن نَجاةِ أَحِبَّتِه وخَلاصِهم جَميعًا مِنَ المَوتِ النِّهائيِّ والفَنِدُّ بلبِلَى والِاندِثارِ، ومِن بَقائِهم خالِدِين في عالَمِ النُّورِ الأَبَديِّ مُنتَظِرِين قُدُومَه إلَيهم.. نَقتَصِرُ على هذا حيثُ وَضَّحَتْ رَسائلُ النُّورِ هذه النَّتيجةَ والخَجَجِها.
— 51 —
الثَّمرةُ الثالثة التي تعودُ لِلحَياةِ الشَّخصِيّة:
إنَّ مَقامَ الإنسانِ الرّاقي وتَفَوُّقَه على سائرِ الأَحياءِ وامتِيازَه علَيها إنَّما هو لِسَجاياه السّامِيةِ، ولِاستِعداداتِه فهذا ِيّةِ الجامِعةِ، ولِعُبُودِيَّتِه الكُلِّيّة، ولِسَعةِ دَوائرِ وُجُودِه، لذا فالإنسانُ المُنحَصِرُ في الحاضِرِ فقط، المُنسَلِخُ مِنَ الماضِي، المَ حِينٍ الصِّلةِ بالمُستَقبَلِ یی وهما مَعدُومانِ مَيِّتانِ مُظلِمانِ بالنِّسبةِ له یی هذا الإنسانُ يَكسِبُ سَجايا المُرُوءةِ والمَحَبّةِ والأُخُوّةِ والإِنسانيّةِ على أَساسِ حاضِرِه الضَّيِّقِ، وتَتَحدَّدُ عندَه على وَفقِ مَقايِيسِه ومَوازِينِه اتَبَرُودةِ، فيُوْلي المَحَبّةَ لِأَبيه أو أخِيه أو زَوجَتِه أو أُمَّتِه أو وَطَنِه، ويَقُومُ بخِدمَتِهم على وَفقِ تلك المَقايِيسِ الضَّيِّقةِ وكأنَّه لا يَعرِفُهم سابِقًا ولن يَراهم مُستَقبَلًا، فلا يَرقَى أَبَدًا إلى مَرتَبةِ الصالإِشافي الوَفاءِ، ولا إلى مَكانةِ الإخلاصِ في الصَّداقةِ، ولا إلى دَرَجةِ الوُدِّ المُصَفَّى مِنَ الشَّوائبِ في المَحَبّةِ، ولا إلى الِاحتِرامِ المُبَرَّأِ مِنَ الغَرَضِ في الخِدمةِ، لأنَّ سَعةَ تلك يُخَصجايا والكَمالاتِ قد تَضاءَلَت وصَغُرَت بالنِّسبةِ نَفسِها، وحِينَها يَتَردَّى الإنسانُ إلى دَرَكِ أَدنَى الحَيَواناتِ مِن ناحِيةِ العَقلِ.
ولكن ما إن يأتي"الإيمانُ بالآخِرة"إلى هذا الإنسُستَوديُنقِذَه ويُمِدَّه ويُغِيثَه، حتَّى يُحَوِّلَ ذلك الزَّمَنَ الضَّيِّقَ الشَّبِيهَ بالقَبْرِ إلى زَمانٍ فَسِيحٍ واسِعٍ جِدًّا بحيثُ يَستَوعِبُ المبالرِّالمُستَقبَلَ معًا، فيُرِيه وُجُودًا واسِعًا بسَعةِ الدُّنيا، بل بسَعةٍ تَمتَدُّ مِنَ الأَزَلِ إلى الأَبدِ؛ وعندَئذٍ يقُومُ هذا الإنسانُ باحتِرامِ والِدِه وتَوقيرِه بمُقتَضَى الأُبُوّةِ المُمتَدّةِ إلى عَينِ لسَّعادةِ وعالَمِ الأَرواحِ، ويُساعِدُ أخاه ويُعاوِنُه بذلك التَّفكِيرِ بالأُخُوّةِ المُمتَدّةِ إلى الأَبدِ، ويُحِبُّ زَوجَتَه ويَرفُقُ بها ويُعاوِنُها لأنَّها أَجمَلُ رَفيقةِ حَياةٍ له حتَّى في الِ ويُن، ولا يَجعَلُ هذه الدَّائرةَ الحَياتيّةَ الواسِعةَ الفَسِيحةَ وما فيها مِن عَلاقاتٍ وخِدماتٍ مُهِمّةٍ، وَسيلةً لأُمُورٍ تافِهةٍ دُنيَوِيّةٍ ولا لِأَغراضِها الجُزئيّةِ ومَنافِعِها الزَّهِيدةِ.. لذا يَظفَرُ بالصَّدالِ هذهتّامّةِ، والوَفاءِ الخالِصِ، والإخلاصِ الأَتَمِّ، في علاقاتِه وخِدْماتِه، فتَبدَأُ كمالاتُه وخِصالُه بالسُّمُوِّ والرُّقيِّ بالنِّسبةِ نَفسِها، وتَتَعالَى إنسانيَّتُه، ولِكُلٍّ حَسَبَ دَرَجَتِه..
— 52 —
فذلك واستِانُ الَّذي ما كان له أن يَرْقَى إلى مُستَوَى عُصفُورٍ في تَذَوُّقِه الحَياةَ، أَصبَحَ الآنَ بفَضلِ الإيمانِ بالآخِرةِ ضَيفًا مَرمُوقًا في الدُّنيا، وكائنًا سَعِيدًا، ومَخلُوقًا مُمتازًا فيها، يَرقَى فوقَ جَميعِ الحَيَواناتِ، وتُرُصبِحُ أَحَبَّ مَخلُوقٍ، وأَكرَمَ عَبدٍ عندَ ربِّ الكَونِ ومالِكِه.
اكتَفَيْنا بهذا القَدْرِ في بَيانِ هذه النَّتيجةِ حيثُ بَيَّنَتْها رَسائلُ النُّورِ بحُجَجٍ وبَراهِينَ.
الفائدة َقِيمةة التي تتطلَّع إلى الحياة الاجتماعية:
وهي الَّتي وَضَّحَها "الشُّعاعُ التّاسعُ"، وخُلاصَتُها هي: أنَّ"الأطفال"الَّذين يُمثِّلُون رُبُعَ البَشَرِيّةِ، لا يُمكِنُهم أن يَعيشُوا عِيشةَ إنسانٍ سغيرِ ا يَنطَوي على نَوازِعَ إنسانيّةٍ إلّا بالإيمانِ بالآخِرةِ؛ إذ لولا هذا الإيمانُ لَاضطَرُّوا أن يَقضُوا حَياةً مِلْؤُها الوَقاحةُ والِاضطِرابُ والهُمُومُ الأَليمةُ، فلا يَهنَؤُون بأَلعابِهم ولا يَتَسَلَّون بلُعَبِهم، لأنَّ المَوتَ الَّذي يا طَيّ مَن حَولَهم مِنَ الأَطفالِ يُؤثِّرُ بالِغَ التَّأثيرِ في نَفسِ كلِّ طِفلٍ، وفي شُعُورِه المُرهَفِ الرَّقيقِ، وفي قَلبِه الَّذي يَنطَوِي على آمالٍ مُستَقبَلِيّة ور بُذُوٍ كَثيرةٍ، وفي رُوحِه الَّتي لا تَستَطِيعُ الثَّباتَ فتُصابُ بالقَلَقِ والحَيرةِ، حتَّى تُصبِحَ حَياتُه وعَقلُه وَسِيلَتَي عَذابٍ له، فلا يُجدِي ما يَتَسَتَّرُ به مِن لَهْوٍ ولَعِبٍ نَفْعًا قبَى قِييَجِدَ لِتَساؤُلِه وحَيرَتِه جَوابًا.. إلّا أنَّ إرشادَ"الإيمان بالآخِرة"يَجعَلُه يُحاوِرُ نَفسَه على النَّحوِ الآتي:
"إنَّ صَدِيقي أو أخي الَّذي تُوُفّْها جَأَصبَح الآنَ طَيرًا مِن طُيُورِ الجَنّةِ، فهو أَكثَرُ مِنّا أُنْسًا وانطِلاقًا وتَجْوالًا؛ وإنَّ والِدَتي وإن تُوُفِّيَت إلّا أنَّها مَضَت إلى الرَّحمةِ الإِلٰهيّةِ الواسِعةِ، وستَضُمُّني أيضًا إلى صَدرِلِهاتََنُونِ في الجَنّةِ، فأَرَى تلك الوالِدةَ الشَّفِيقةَ". وبهذا يُمكِنُه أن يَعيشَ هادِئًا مُطمَئِنًّا عَيشًا يَلِيقُ بالإنسانِ.
وكذا"الشُّيُوخُ"الّجُزءًاُمَثِّلُون رُبُعَ البَشَرِيّةِ، فإنَّهم لا يَرَون السُّلوانَ حِيالَ انطِفاءِ حَياتِهم قَرِيبًا، ودُخُولِهم تحتَ التُّرابِ، وقد أَوصَدَتِ الدُّنيا الجَمِيلةُ الحُلوةُ أَب ثمَّ في وُجُوهِهم إلّا بی"الإيمانِ بالآخِرة"،إذ لولا هذا الإيمانُ لَتَجرَّعَ أُولئك الآباءُ المُحتَرَمُون
— 53 —
الرُّحَماء، وتلك الأُمَّهاتُ الفِدائيّاتُ الشَّفِيقاتُ الوَيلَ تِلْوَ الوَيلِ، ولَبَاتُوا في َّا.. نَفسِيّةٍ تَعِسةٍ جِدًّا، وفي قَلَقٍ قَلبِيٍّ عَنيفٍ، ولَأَصبَحَتِ الدُّنيا تَضِيقُ علَيهم كالسِّجنِ، ولَغَدَتِ الحَياةُ نَفسُها عَذابًا مُقِيمًا لا يُطاقُ.
بَينَما"الإيمانُ بالآخِرةِ"يَهتِفُ بهم قائلًا: "لا تَغتَمُّوا أيُّها الشُّيُوخُُ"و"ُبالُوا كَثيرًا، فإنَّ لكم شَبابًا خالِدًا وهو أَمامَكم وسيأتي حَتْمًا.. وإنَّ حَياةً ساطِعةً بَهِيجةً، وعُمُرًا مَدِيدًا أَبَديًّا في انتِظارِكم، وستَلتَقُون أنتُم وأَولادُكم وأقارِبُكم الَّذين فَقَدتُمُوهم، وجَميعُ حَسَناتِكُم مَغيرِ اٌ وستَأخُذُون ثَوابَها.."، وهكذا يَمنَحُ"الإيمانُ بالآخرة"سُلْوانًا وانشِراحًا لهم، بحيثُ لو حَمَلَ أَحَدُهم أَثقالَ مِئةِ شَيخُوخةٍ ائلِ امَّلَها صابِرًا في انتِظارِ ما سيَعقُبُها مِن حياةٍ أُخرَوِيّةٍ سَعِيدةٍ.
وكذا"الشَّبابُ"الَّذين يُمَثِّلُون ثُلُثَ البَشَرِيّةِ، قد لا يُصغُون لِصَوتِ عُقُولِهمُ الجَريئةِ، فرَغَباتُهم وهَواهم وفَرْرةٍ وجَيَشانٍ، وهم مَغلُوبُون على أَمرِ حَواسِّهم ونَوازِعِهم، فإذا ما فَقَد هؤلاء الشَّبابُ"الإيمانَ بالآخِرة"،ولم يَتَذكَّروا عذابَ جَهَنَّمَ، فإنَّ أَموالَ النّاسِ وأَعراضَهم وراحةِيغالًُعَفاءِ وكَرامةَ الشُّيُوخِ تُصبِحُ مُهَدَّدةً بالخَطَرِ، إذ قد يُدَمِّرُ أَحَدُهم سَعادةَ بيتٍ آمِنٍ هَانئٍ لِأَجلِ لَذّةٍ طارِئةٍ، ومِن ثَمَّ يَذُوقُ وَبالَ أَمرِه عَذابًا لِسِنين عَدِيدةٍ في مِث تُنكِ السُّجُونِ، فيَتَحوَّلُ إلى ما يُشبِهُ الحَيَوانَ الكاسِرَ.
ولكن إذا أَمَدَّه"الإيمانُ بالآخِرة"وأَغاثَه، فسَرعانَ ما يَستَرجِعُ صَوابَه ويَستَرشِدُ بعَقلِه، ويُخاطِبُ نَفسَه قائلدِ وبُلى الرَّغمِ مِن أنَّ شُرْطةَ الحُكُومةِ وعُيُونَها لا يُمكِنُهم رُؤيَتِي لِكَوني في خَفاءٍ عنهم، فإنَّ مَلائكةَ السُّلطانِ الأَعظَمِ ذِي الجَلالِ السَّيّيَملِكُ سِجنَ جَهَنَّم یی ذلك السِّجنَ الأَكبَرَ الدّائمَ یی يُسَجِّلُون علَيَّ سَيِّئاتي.. فأنا إذًا لَستُ طَلِيقًا مُفلَتَ الزِّمامِ، بل أنا ضَيفٌ عابِرٌ ذُو مُهِمّةٍ.. وسأَكُونُ لا مَحالةلإجماعومٍ مّا ضَعِيفًا وشَيخًا مِثلَهم"، فتَتَرشَّحُ قَطَراتُ الرَّحمةِ والرَّأفةِ والشَفَقةِ عِندَئذٍ مِن أَعماقِ قَلبِه، ويَشعُرُ بالِاحتِرامِ لأُولَ ألّا َذين كان يُرِيدُ أن يَتَعدَّى على حُقُوقِهم ظُلْمًا؛ وحيثُ إنَّ رَسائلَ النُّورِ قد وَضَّحَتْ هذا المَعنَى، نَقتَصِرُ على هذا القَدْرِ.
— 54 —
وكذلك"المَرضَى والمَظلُومُون وأَمثالُنا مِن ذَوِي المَصائبِ والفُقراءُ والم حاجةٍون الَّذين حُكِمَ عَلَيهِم بعُقُوباتٍ مُشَدَّدةٍ"،كلُّ هؤلاء يُمَثِّلُون الجُزءَ الأَهَمَّ مِنَ البَشَرِيّةِ، فإن لم يُعِنْهمُ"الإيمانُ بالآخِرة"،وإن لم يَتَسَلَّوا به فإنَّ المَوتَ الَّذي يَجِدُونه أَمامَهم دائمًا بموَالْأَهم مِن مَرَضٍ، وإنَّ الإهانةَ الَّتي يَرَونَها مِنَ الظَّلَمةِ دُونَ أن يَتَمكَّنُوا مِنَ الِاقتِصاصِ مِنهم ولا مِن إنقاذِ شَرَفِهم وكَرامَتِهم مِن بينِ مَخالِبِهم، وإنَّ اليَأْسَ الأَليمَ النّابِعَ مِمّا أَصابَ أَموالَهم وأَوُوبةِ مِنَ الضَّياعِ في الكَوارِثِ، وإنَّ الضِّيقَ الشَّدِيدَ النّاشِئَ مِن آلامِ السِّجنِ وعَذابِه لِسَنَواتٍ عِدّةٍ نَتيجةَ لَذّةٍ طارِئةٍ لا تَستَغرِقُ دَقائقَ أو ساع * *
كلُّ ذلك يُصَيِّرُ الدُّنيا بلا رَيبٍ سِجْنًا كَبيرًا لِهؤلاء المَنكُوبِينَ، ويَجعَلُ الحَياةَ نَفسَها عَذابًا أَليمًا لهم! ولكن ما إن يُمِدُّهمُ"الإيمانُ بالآخِرة"بالعَزاءِ والسُّلوانِ إلّلكَونَشَرِحُون فَورًا، ويَتَنفَّسُون الصُّعَداءَ، لِما يُزِيلُ عنهم مِنَ الضِّيقِ واليَأسِ والقَلَقِ والِاضطِرابِ وسَوْرةِ الثَّأْرِ إزالةً كُلِّيّةً أو جُزئيّةً كلٌّ حَسَبَ دَرَجاتِ إيمانِه.
حتَّى يُمكِنُني القَولُ: إنَّه لَولا الإيماندِها تخِرةِ الَّذي أَمَدَّني وإخواني في مُصِيبَتِنا الرَّهيبةِ ودُخُولِنا السِّجنَ هذا دُونَ ذَنبٍ اقْتَرَفناه، لكان تَحَمُّلُ مَرارةِ يومٍ واحِدٍ مِن أيّامِ اَامَ تِ كالمَوتِ نَفسِه، ولَساقَتْنا هذه المُصِيبةُ إلى تَرْكِ الحَياةِ ونَبْذِها.. ولكن شُكْرًا لله بلا عَدٍّ ولا حَدٍّ أن جَعَلَني أَتحَمَّلُ آلمِن جَثيرٍ مِن إخواني الَّذِينَ هم أَحَبُّ إلَيَّ مِن نَفسِي، وأَتحَمَّلُ ضَياعَ آلافٍ مِن رَسائلِ النُّورِ الَّتي هي أَعَزُّ مِن عُيُوني، وأَتحَمَّلُ فِقدانَ كَثيرٍ مِن مُجَلَّداتي الزّاهِيةِ الثَّمِينةِ جِدًّي لا يَتحَمَّلُ كلَّ هذا الحُزنَ والأَسَى بذلك"الإيمانِ بالآخِرة"،رَغمَ أنَّني ما كُنتُ أَتحَمَّلُ أَيّةَ إهانةٍ وتَحَكُّمٍ مِن أَحَدٍ مَهما كان، فإنِّي أُقسِنكارَ لِتَطمَئِنُّوا: إنَّ نُورَ الإيمانِ بالآخِرةِ وقُوَّتَه قد مَنَحَني صَبرًا وجَلَدًا وعَزاءً وتَسلِيةً، وصَلابةً وشَوْقًا للفَوْزِ بثَوابِ جِهادٍ عَظِيمٍ في هذا الِامتِحانِ إلى حَدٍّ بِتُّ أَعُدُّ نَفسِي في مَدرَسةٍ كلُّها خَيرٌ وجٍ، ويُ. وحَقٌّ أن تُطلَقَ علَيها "المَدرَسةُ اليُوسُفِيّةُ" كما ذَكَرتُه في مُستَهَلِّ هذه الرِّسالةِ، فلولا المَرَضُ الَّذي كان يَنتابُني أَحيانًا، ولولا الحِدَّةُ الحاصِلةُ مِنَ الكُهُولةِ، لَكُنتُ أَسعَى بجِدٍّ أَكثَرَ لِأَتَللَّهِ دُرُوسي في هذه المَدرَسةِ معَ ما أَحمِلُه مِنِ اطمِئنانٍ وسَكِينةِ قَلْبٍ..
على كلِّ حالٍ فقد خَرَجْنا عنِ الصَّدَدِ.. أَرجُو العَفوَ عن هذا الِاستِطرادِ.
— 55 —
وكذلك فإنَّ"بَيتَ كلِّ َثمانِ"هو دُنياه الصَّغيرةُ بل جَنَّتُه المُصَغَّرةُ، فإن لم يكُنِ"الإيمانُ بالآخِرة"حاكِمًا ومُهَيمِنًا في سَعادةِ هذا البَيتِ لَوَجَد كلُّ فَردٍ مِن أَفرادِ تلك العائلةِ اضطِرابًا أَليمًا، وعَذابًا شَدِيدًا يَتَجااقةِ بَعضِهم ببَعضٍ حَسَبَ دَرَجاتِ رَأْفَتِه ومَحَبَّتِه لهم، فتَتَحوَّلُ تلك الجَنّةُ إلى جَحِيمٍ لا يُطاقُ، وقد يَخْدَرُ عَقلُه باللَّهْوِ والسَِّ، وكالمُؤَقَّتِ، فيكُونُ مَثَلُه في هذا كمَثَلِ النَّعامةِ إذا رَأَتِ الصَّيّادَ تُخفي رَأسَها في الرَّملِ كَيلا يَراها الصَّيّادُ وهي عاجِزَسماءِ الفِرارِ والطَّيَرانِ، فهو كذلك يَغمُرُ رَأسَه في الغَفلةِ، لِئلَّا يَراه المَوتُ والزَّوالُ والفِراقُ، مُلغِيًا شُعُورَه مُؤَقَّتًا ببُتعةَ ، وكأَنَّه وَجَد عِلاجًا لِما يُعانِيه!
فمَثلًا:الوالِدةُ الَّتي تُضَحِّي بنَفسِها لِأَجلِ وَلَدِها كلَّما رَأَتِ ابنَها يَتَعرَّضُ للخَطَرِ ارتَعَشَت هَلَعًا وبالَ وا عليه، والأَولادُ كذلك حِينَما لا يَستَطِيعُون إنقاذَ آبائِهم أو إخوانِهم مِنَ المَصائبِ الَّتي لا تَنقَطِعُ، يَظَلُّون في قَلَقٍ دائِمٍ ويُحِسُّون خَوف، وهُوتَمِرًّا.. فقِياسًا على هذا فإنَّ حَياةَ تلك العائلةِ الَّتي يُظَنُّ أنَّها حَياةٌ سَعِيدةٌ، تَفقِدُ سَعادَتَها في هذه الدُّنيا المُضطَرِبةِ الزّائلةِ حيثُ لا تُعطِي الرَّابِطةُ بينَ الأَفرادِ، ولا عَلاقةُ الق مِن تفيما بَينَهم یی ضِمنَ حَياةٍ قَصِيرةٍ جِدًّا یی الصَّداقةَ الحَقيقيّةَ والوَفاءَ الخالِصَ والإخلاصَ الكامِلَ، والخِدمةَ والمَحَبّةَ الصّافِيتَينِ، بل تعَ دَعَرُ الأَخلاقُ وتَنكَمِشُ بنِسبةِ قِصَرِ الحَياةِ نَفسِها، ورُبَّما تَسقُطُ وتَنعَدِمُ كُلِّيًّا.
ولكن ما إن يَحُلُّ"الإيمانُ بالآخِرة"في ذلك البَيتِ حتَّى يُنَوِّرَ أَرجاءَه مُباشَرةً ويَستَضِيءَ، لأنَّ عَلاقةَ القُربَى والرَّأفةَ والمَحَنِ النالَّتي تَربِطُهم لا تُقاسُ عِندَئذٍ ضِمنَ زَمَنٍ قَصيرٍ جِدًّا، بل تُقاسُ على وَفقِ عَلاقاتٍ تَمتَدُّ إلى خُلُودِهم وبَقائِهم في دارِ سَطحِ ةِ والسَّعادةِ الأَبَديّةِ، فيَقُومُ عِندَئذٍ كلُّ فَردٍ باحتِرامٍ خالِصٍ تِجاهَ الآخَرين، ويُولِيهم مَحَبّةً صافِيةً، ويُظهِرُ رَأفةً صادِقةً، ويُبدِي صَداقةً وَفِيّةً، صارِفًا النَّظَرَ عنِ التَّقصيراتِ.. فتَتَعالَى الأَخلاقُ وتَسمُو، وتَ! حاشاالسَّعادةُ الإنسانيّةُ الحَقّةُ بالتَّأَلُّق في ذلك البَيتِ.
وقد بُيِّنَ هذا المَضمُونُ في رَسائلِ النُّورِ.. اكتَفَينا هنا بما سَلَفَ.
— 56 —
وه والحَإنَّ كلَّ"مَدِينة"هي بحَدِّ ذاتِها بَيتٌ واسِعٌ لِسَكَنَتِها، فإن لم يكُنِ"الإيمانُ بالآخِرة"مُسَيطِرًا على أَفرادِ هذه العائلةِ الكَبيرةِ والأَْتَولي علَيهِمُ الحِقدُ والمَنافِعُ الشَّخصِيّةُ والِاحتِيالُ والأَنانيّةُ والتَّكلُّفُ والرِّياءُ والرِّشوةُ والخِداعُ، بَدَلًا مِن أُسُسِ الأَخلاقِ الحَميدةِ الَّتي هي الإخلاصُ والمُرُوءةُ والفَضِيلةُ والمَحَبّةُ والتَّض وُجُوورِضا اللهِ والثَّوابُ الأُخرَوِيُّ.. وكانَت مَعاني الإرهابِ والفَوضَى والوَحشِيّةِ حاكِمةً ومُسَيطِرةً تحتَ اسمِ النِّظامِ والأَمْنِ والإنسانيّةِ الَّتي يُظهِرُونَها، وحِينئذٍ تَتَسمَّمُ حَياةُ تلك المَدينةِ، فيَتَّصِفُ الأطفالُ بالوَقالِنُكْلإهمالِ، والشَّبابُ بالسُّكْرِ والعَرْبَدةِ، والأَقوِياءُ بالظُّلمِ والتَّجاوُزِ، والشُّيُوخُ بالبُكاءِ والأَنينِ.
وقِياسًا على هذا: فإن بها فبِلاد"بأَكمَلِها ما هي إلّا بَيتٌ واسِعٌ جِدًّا، والوَطَنَ بَيتُ عائلةِ الأُمّةِ؛ فإذا ما حَكَمَ"الإيمانُ بالآخِرة"هذه البُيُوتَ وسَيْطَر، فإنَّ الفَضائلَ تَتَكشَّفُ وتَنبَسِطُ وتَتَوضَّحُ وِي الفتُظهِرُ الِاحتِرامَ المُتَبادَلَ والرَّحمةَ الجادّةَ، والمَحَبّةَ الخالِصةَ بلا عِوَضٍ، والمُعاوَنةَ معَ الخِدمةِ الحَقّةِ بلا احتِيالٍ، والمُعاشَرةَيفِ، وسانَ بلا رِياءٍ، والفَضِيلةَ والتَّوقيرَ بلا استِكبارٍ، وتُشِيعُ الفَضائلَ الأُخرَى جَميعًا؛ حيثُ يَهتِفُ"الإيمانُ بالآخِرة"بأُولئك الأَطفالِ قائلًا لهم: "دَعُوا الوَقاحةَ والإهمالَ الأَرّامَكم جَنّةُ النَّعيمِ، فلا تَشغَلُوا أَنفُسَكم عنها بالأَلاعيبِ"، فيُمَكِّنُ الأَخلاقَ عِندَهم بإرشادِ القُرآنِ الكَريمِ.
ويُخاطِبُ الشَّبابَ: "إنَّ أَ المُت نارَ جَهَنَّم، فانتَهُوا عنِ السُّكْرِ والعَرْبَدةِ"، ويَجعَلُهم يَثُوبُون إلى رُشدِهم.. ويُخاطِبُ الظَّالِمَ: "احذَرْ.. فإنَّ عَذابًا شَديدًا سيَحُلُّ بك"، فيَردَعُه عنِ الظُّلمِ ويَجعَلُه يَرضَشَهادةَدالةِ.. ويُخاطِبُ الشُّيُوخَ: "أَبشِرُوا.. فإنَّ أَمامَكم شَبابًا خالِدًا ذا نَضارةٍ، وفي انتِظارِكم سَعادةً أُخرَوِيّةً دائمةً باقِيةً، ْرةِ یمَى مِمّا فَقَدتُمُوه مِن أَنواعِ السَّعادة وأَعلَى مِنها، فهَلُمُّوا واسْعَوْا للفَوزِ بها"، فيُحوِّلُ بُكاءَهم إلى بَهجةٍ وفَرَحٍ.
وقِياسًا على هذا: فإنَّ"الإيمانَ بالآخِرة"يُبيِّنُ تأثيرَه الطَّيِّبَ وياجتَمَ شُعاعَ نُورِه إلى كلِّ طائفةٍ: جُزئيِّها وكُلِّيِّها، عامِّها وخاصِّها، قَليلِها وكَثيرِها.
فلْتَرِنَّ آذانُ الِاجتِماعيِّين والأَخلاقيِّين مِنَ المَعنيِّين بشُؤُونِ الإنسانِ!
— 57 —
وإذا قِيسَ على ما ذَكَرناهالقُرآا مِن فَوائدِ الإيمانِ بالآخِرةِ ما بَقي مِنَ الفَوائدِ، فسيُفهَمُ بوُضُوحٍ وبشَكلٍ قاطِعٍ أنَّمِحوَرَ السَّعادةِ في الدّارَينِ وفي كِلْتا الحَياتَينِ إنَّما هو الإيمانُ وَحْدَه.
ولقد جاءَت في "الكَلِمةرِ الصامنةِ والعِشرين" وفي رَسائلِ النُّورِ الأُخرَى أَجوِبةٌ قَوِيّةٌ جِدًّا، رَدًّا على شُبُهاتٍ تافِهةٍ حَولَ: "جُسمانِيّةِ الحَشرِ" نَكتَفي بها، إلّا أنَّنا نُشِيرُ إلَيها هنا إشارةً مُختَصَرةً وقَصِيرةً جِدًّا، فنقُوِ:
إنَّ أَكثَرَ الأَسماءِ الإِلٰهيّةِ الحُسنَى تَتَجَلَّى في الجُسمانيّةِ، فهي أَجمَعُ مِرآةٍ لها.. وإنَّ أَقصَى المَقاصِدِ الإِلٰهيّةِ مِن خَلْقِ الكائناتِ تَظهَرُ في الجُسمانيّةِ، فهي أَغنَى مَركَزٍ لتلالصُّوقاصِدِ وأَكثَرُها فَعّاليّةً.. وإنَّ أَكثَرَ أَنواعِ الإحساناتِ الرَّبّانيّةِ المُختَلِفةِ وآلاءَها العَمِيمةَ تَتَبيَّنُ في الجُسمانيّةِ.ا سِيَّ أَغلَبَ بُذُورِ الأَدعِيةِ الَّتي يَرفَعُها الإنسانُ بلِسانِ حاجاتِه، وأَكثَرَ أُصُولِ الشُّكرِ والحَمدِ المُقَدَّمِ مِنه إلى خالِقِه الرَحيمِ نابِعةٌ مِنَ الجُسمانيّةِ.. وإنَّ أَزيَدَ النَّوَى ِ: ما ُعًا لِعَوالِمِ المَعنَوِيّاتِ والرُّوحانيّاتِ هي كذلك تَكمُنُ في الجُسمانيّةِ.
فقِياسًا على هذا: إنَّ الجُسمانيّةَ تَتَمركَزُ فيها مِئاتٌ مِنَ الحَقائقِ الكُلِّيّةِ، لذا فإنَّ الخالِقَ َل بُكمَ يُكَثِّرُ مِنَ الجُسمانيّةِ ويَزِيدُها على سَطحِ الأَرضِ كي تَتَجلَّى فيها تلك الحَقائقُ المَذكُورةُ، فيَهَبُ للمَوجُوداتِ وُجُودًا بسُرعةٍ مُتَنفِ الك وبفَعّالِيّةٍ مُدهِشةٍ، قافِلةً إثرَ قافِلةٍ، مُرسِلًا إيّاها إلى مَعرِضِ العالَمِ هذا، ثمَّ يُنهي خِدْماتِها ويَبعَثُ عَقِبَها مَوجُوداتٍ أُخرَى باستِمرارٍ.. وهكذا يَجعَلُ ماكِينةَ الكائناتِ في عَمَلٍ دائبٍ وشُغكُونُ ئمٍ، ناسِجًا مَحاصِيلَ جُسمانيّةً على الأَرضِ، جاعِلًا الأَرضَ مَزرَعةَ الآخِرةِ ومَشْتَلَ الجَنّةِ، حتَّى إنَّه سُبحانَه لِأَجلِ أن يُطَمْئِنَ مَعِدةَ رَى، فنِ (الجُسمانيّةَ) ويَجعَلَها في امتِنانٍ ورِضًا، يَسمَعُ دُعاءَها الَّذي تَرفَعُه بلِسانِ الحالِ لِأَجلِ بَقائِها، ويَستَجِيبُ له فِعلًا بما يَخلُقُ ما لا يُحصَرُ ولا يُحصَى مضَعَكممَطعُوماتِ اللَّذيذةِ المُتقَنةِ الصُّنْعِ، وبإيجادِه النِّعَمَ النَّفيسةَ بمِئاتِ الآلافِ مِنَ الأَنماطِ والأَنواعِ، مِمّا يُظهِرُ بَداهةً وبلا رَيبٍ أنَّ أَغلَبَ أَنواعِ
رةِ نالَّذائذِ المَحسُوسةِ في الجَنّةِ إنَّما هي جُسمانيّة.. وأنَّ أَهَمَّ نِعَمِ السَّعادةِ الأَبَديّةِ الَّتي يَطلُبُها الجَميعُ ويَأنَسُ بها إنَّما هي جُسمانيّةٌ أيضًا.
فيا تُرَى هل يُمِ رَساهل يُعقَلُ وهل هناك احتِمالٌ قَطُّ أن يَقبَلَ القَدِيرُ الرَّحيمُ والعَلِيمُ الكَريمُ دَوْمًا دُعاءَ لِسانِ حالِ المَعِدةِ البَسِيطةِ لِاستِبقائِها، ويَستَجِيبَ لها قَصْدًا وفِعلًا یی َتِ الا تَدَخُّلٍ للمُصادَفةِ یی بما يَخلُقُ لها مِن أَغذِيةٍ مادِّيّةٍ مَحسُوسةٍ في مُنتَهَى الإتقانِ والإعجازِ، فيُرضيَ بها تلك المَعِدةَ، ثم لا يَقْبَلَ سُبحانَه أَدعِيةً عامّةً ودَعَواتٍ غيرَ نِهاُسعِفُتَرفَعُها المَعِدةُ الإنسانيّةُ الكُبرَى وفِطرَتُها الأَصِيلةُ، ولا يُغدِقَ علَيها لَذائذَ جُسمانيّةً في الآخِرةِ، تلك الَّتي تَأنَسُ بها وتَرجُوها فِطرةًلِ اللرِيدُها في دارِ الخُلُودِ؟! وهل يُمكِنُ ألّا يُلَبِّيَ تلك الأَدعِيةَ فِعلًا ولا يُنجِزَ الحَشْرَ الجُسمانِيَّ؟! ولا يُرضِيَ هذا الإنسانَ الَّذي هو نَتِيجةُ الكائناتِ وخَلِيفةُ الأَرضِ والعَبدُ المُعَزَّزُ المُكَرَّمُ رِضاءً أَبَدِيًّا؟! مَ اخت. ثمَّ كلَّا!.. فهذا مُحالٌ في مِئةِ مُحالٍ بل باطِلٌ كُلِّيًّا، إذ كيف يَسمَعُ طَنِينَ الذُّبابِ ولا يَسمَعَ رُعُودَ السَّماءِ، وكيف يُراعي عُدّةَ الجُندِيِّ البَسِيطِ ولا يُبالي بالجَيشِ العَظِيمِ؟! فتَعالَى اللهُ عن ذلك عُاتِ ال كَبِيرًا.
نعم، إنَّ الصَّراحةَ القاطِعةَ للآيةِ الكَريمةِ: وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ تُبيِّنُ أنَّ أَكثَرَ ما يَأْنَسُ الإنسانُ به مِنَ اللَّذائذِ المادِّيّةِ المَحسُوسةِ یی والَّذي يَتَذوَّقُ نَماذ والإِفي الدُّنيا یی سيَراها ويَتَذوَّقُها بصُورَتِها اللّائقةِ بالجَنّةِ؛ وأنَّ ثَوابَ ما يُؤدِّيه اللِّسانُ والعَينُ والأُذُنُ وسائرُ الأَعضاءِ والجَوارِحِ مِنَ الشُّكرِ الخالِصِ والعِباداتِ الخاصّةِ سيُمنَحُ لها بتلك اللَّذِيبُنالجُسمانيّةِ المَخصُوصةِ بها.. فبَيانُ القُرآنِ الكَريمِ للَّذائذِ الجُسمانيّةِ صَريحٌ في غايةِ الصَّراحةِ، بحيثُ لا يُمكِنُ أن يَتَحمَّلَ أيَّ تَأوِيلٍ يَصرِفُه عنِ المَعنَى الظّاهِرِيِّ، بل يَمتَنِعُ عَدَمُ قَبُولِ المَإِبانةلظّاهِرِيّ.
وهكذا تُظهِرُ ثَمَراتُ الإيمانِ بالآخِرةِ ونَتائجُه أنَّه مِثلَما تَدُلُّ حَقيقةُ مَعِدةِ الإنسانِ وحاجاتُها دَلالةً قاطِعةً على وُجُودِ الأَطعِمةِ، فإنَّ حَقيقةَ الإنسانِ وكَمالاتِه وحاجاتِه الفِطرِيّةَ وآمالَه الأِأهْلِةَ وحَقائقَه واستِعداداتِه الَّتي تَتَطلَّبُ النَّتائجَ والفَوائدَ
— 59 —
المَذكُورةَ للإيمانِ بالآخِرةِ، تَدُلُّ قَطعًا على الآخِرةِ وعلى الجَنّةِ وعلىرَّحْمذَ مادِّيّةٍ مَحسُوسةٍ باقيةٍ، وتَشهَدُ على تَحَقُّقِها.. وإنَّ حَقيقةَ كَمالاتِ هذا الكَونِ أيضًا وآياتِه التَّكوينيةَ الحَكِيمةَ وجَميعَ حَقائقِه المُرتَبِطةِ بالحَقائقِ الإنسانيّة بِتَبلُّ دَلالةً قاطِعةً أيضًا على وُجُودِ الآخِرةِ وعلى تَحَقُّقِها، وتَشهَدُ شَهادةً صادِقةً على مَجِيءِ الحَشرِ وانفِتاحِ أَبوابِ الجَنّةِ والنّار المُطولَمّا كانَت رَسائلُ النُّورِ قد أَثبَتَت هذه المَسأَلةَ بصُورةٍ رائعةٍ وبحُجَجٍ قَوِيّةٍ جِدًّا دُونَ أن تَترُكَ غُبارًا للشُّبهةِ، ولا سِيَّما "الكَلِمةُ العبَدِيع و"الثّامنةُ والعِشرون" بمَقامَيها و"التّاسعةُ والعِشرون"، و"الشُّعاعُ التاسِعُ"، و"رِسالةُ المُناجاةِ"، فإنَّنا سنَكتَفي بها.
إنَّ رةِ ال القُرآنِ الكَريمِ فيما يَخُصُّ جَهَنَّمَ واضِحٌ جَلِيٌّ لم يَدَعْ مَجالًا لِأَيِّ إيضاحٍ آخَرَ، إلّا أنَّنا سنُبيِّنُ باختِصارٍ شَديدٍ ما يُزِيلُبِّرُ شُبُهاتٍ تافِهةٍ في نُكتتَينِ، مُحِيلِين تَفاصِيلَها إلى رَسائلِ النُّورِ:
النُّكتة الأُولى:
إنَّ التَّفكيرَ في جَهَنَّمَ والخَوفََليلةً لا يُزيلُ لَذائذَ ثَمَراتِ الإيمانِ المَذكُورةَ ولا يُفَوِّتُها، لأنَّ الرَّحمةَ الرَّبّانيّةَ الواسِعةَ تَهتِفُ بذلك الخائفِ: "تَعالَ إلَيَّ، فدُونَك بابَ التَّوبةِ، ادخُلْ مِنه"، الأَجاوُجُودَ جَهَنَّمَ ليس للتَّخوِيفِ، بل لِيُعَرِّفَك لَذائذَ الجَنّةِ مَعرِفةً كامِلةً، ولِيُذِيقَك إيّاها تَذَوُّقًا كامِلًا، ولِيَأخُذَ لك ولِمَخلُوقاتٍ غيرِ مَحدُودةٍ الثَّأْرَ والِانتِقامَ مِمَّنِ الرِّسا حُقُوقَ الجَميعِ واعتَدَى علَيها، ولِيُفرِحَكُم جَمِيعًا بِهَذا ويُدخِلَ السُّرُورَ عَلَيكُم.
فيا غارِقًا في الضَّلالة وليس بمُستَطِيعٍ أن يَخرُجَ مِنها.. إنَّ وُجُودَ جَهَنَّمَ لهُو أَفضَلُ لك مِنَ العَدَمِ الأَبَدِيِّ، إذ في وُجُودتُنا قوعٌ مِنَ الرَّحمةِ حتَّى للكُفّارِ أَنفُسِهم، لأنَّ الإنسانَ یی والحَيَواناتِ الوَلُودةَ یی يَستَمتِعُ بتَمَتُّعِ أَقارِبِه وأَولادِه وأَحبابِه ويَسعَدُ یی مِن جِهةٍ یی بسَعادَتِهم.. فيا أيُّها المُلحِد نُقطةّا أنَّك ستَسقُطُ في هاوِيةِ العَدَمِ باعتِبارِ ضَلالَتِك، أو ستَدخُلُ نارَ جَهَنَّم.. ولَمّا كان العَدَمُ شَرًّا مَحْضًا، فإنَّ الإعدامَ النِّهائيَّ لِأَحبابِك
— 60 —
جَميعًا ومِمَّن ت وما أ بسَعادَتِهم مِن أَقارِبِك وآبائِك ونَسلِك، سيُحرِقُ رُوحَك ويُعذِّبُ قَلبَك ويُؤلِمُ ماهِيَّتَك الإنسانيّةَ أَكثَرَ مِن عَذابِ جَهَنَّمَ بأَلفِ مَرّةٍ؛ لأنَّه لو لمِه وقَجَهَنَّمُ لَمَا كانَت هناك جَنّةٌ أيضًا.. فيَسقُطُ كلُّ شيءٍ إذًا بكُفرِك إلى العَدَمِ؛ ولكن إذا دَخَلْتَ جَهَنَّمَ وبَقِيتَ ضِمنَ دائرةِ الوُجُودِ، فإنَّ أَحبابَك وأَقارِبََأْسَه أنَّهم سيُسعَدُون في الجَنّةِ أو أنَّهم يكُونُون ضِمنَ دَوائرِ وُجُودٍ تحتَ رَحمةِ اللهِ سُبحانَه.. فلا مَناصَ لك إلّا أن تَقبَلَ بوُجُودِ جَهَنَّمَ، إذِ العَداءُ لوُجُودِها ورَفضُه يعني الِاناهِرٌ إلى العَدَمِ المَحْضِ، الَّذي هو إبادةُ سَعادةِ جَميعِ الأَحِبّةِ والأَصدِقاءِ وإفناؤُهم!
نعم، إنَّ جَهَنَّمَ دارُ وُجُودٍ تُؤَدِّي مُهِمّةَ السِّجنِ بحِكمةِ الحَكيمِ الجَليلِ وعَدالَتِه، وهَضَعُ ِعٌ مُرعِبٌ ومَهيبٌ ضِمنَ دائرةِ الوُجُودِ الَّذي هو الخَيرُ المَحضُ، زِدْ على ذلك: لها وَظائفُ أُخرَى وخِدماتٌ جَليلةٌ وحِكَمٌ شَتَّى تَخُصُّ عالَمَ البَقاءِ؛ فهي مَسكَنٌ ذُو جَلالٍ وهَيبةٍ لكَثيرٍ مِن ذلِ فَجلحَياةِ أَمثالَ الزَّبانِيَةِ.
النُّكتةُ الثانية:
إنَّ وُجُودَ جَهَنَّمَ وعَذابَها الشَّديدَ لا يُنافي قَطعًا الرَّحمةَ غيرَ المَحدُودةِ، ولا العَدالةَ الحَقيقيّةَ، ولا الحِكمةَ المَوزُونةَ النَدَه،ا إسرافَ فيها، بل إنَّ الرَّحمةَ والعَدالةَ والحِكمةَ تَتَطلَّبُ وُجُودَ جَهَنَّمَ وتَقتَضيه، لأنَّ قَتلَ حَيَوانٍ افتَرَسَ مِئةً مِنَ الحَيَواناتِ، أو إنزالَ عِقابٍ بظالِمٍ هَتَكَ حُرُماتخُ للعٍ مِنَ الأَبرِياءِ، هو رَحمةٌ بآلافِ الأَضعافِ للمَظلُومِين مِن خِلالِ العَدالةِ.. وإنَّ إعفاءَ ذلك الظّالِمِ مِنَ العِقابِ أوِ التَّجاوُزَ عنه، وتَرْكَ ذلك الحَيَوانِ الوَحشِيِّ طَليقًا، فيه ظُلمٌ شَنيعٌ وعَدَمُ رَحمةٍ لِمِئاتِ َتَنعّكينِ بمِئاتِ الأَضعافِ، إزاءَ رَحمةٍ في غَيرِ مَوضِعِها.
ومِثلُ هذا أيضًا الكافرُ المُطلَقُ الَّذي يَدخُلُ سِجنَ جَهَنَّمَ، فإنَّه بكُفرِه يُنكِرُ حُقُوقَ الألإِنكا الإِلٰهيّةِ الحُسنَى، أي: يَتَعدَّى على تلك الحُقُوقِ.. وبتَكذِيبِه لِشَهادةِ المَوجُوداتِ الشّاهِدةِ على تلك الأَسماءِ، يَتَعدَّى على حُقُوقِها أيضًا.. وبإنكارِه للوَظائفِ السَّامِيةِ للمَخلُوقاتِ یی وهي تَسبِيحاتُها تِجاهَ الأَسماءِ یی للَّذّوَزُ على حُقُوقِها.. وبجُحُودِه
— 61 —
لِأَنواعِ العِباداتِ الَّتي تُؤَدِّيها المَخلُوقاتُ تِجاهَ تَظاهُرِ الرُّبُوبيّةِ والأُلُوهيّةِ یی وهي غايةُ خِلْقَتِها وسَبَبٌ مِن أَسبابِ وُجُودِها وبَقائها یی يَتَعدَّى تَع في أَا صارِخًا على حُقُوقِ جَميعِ المَخلُوقاتِ؛ لذا فالكُفرُ جِنايةٌ عَظيمةٌ وظُلمٌ شَنيعٌ تَتَجاوَزُ بَشاعَتُه كلَّ حُدُودِ العَفوِ والمَغفِرةِ، فيَحِقُّ عليه إذًا تَهديدُ الآيةِ الكَريمةِفي "الَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ...، بل إنَّ عَدَم إلقاءِ مِثلِ هذا الشَّخصِ في جَهَنَّمَ رَحمةً به هو أَمرٌ يُنافي الرَّحمةَ مُنافاةً كُلِّيّةً في حَقِّ هذه الأَعدادِ الهائلةَ الوُ المَخلُوقاتِ والكائناتِ الَّتي انتُهِكَت حُقُوقُها.
وهكذا مِثلَما يُطالِبُ أَصحابُ الدَّعاوَى بوُجُودِ جَهَنَّمَ، فإنَّ عِزّةَ جَلالِ اللهِ وعَظَمةَ كَمالِه سُبحانَه تَطلُبانِها قَطعًا.
نعم، ِيدُ الَ سَفيهٌ أو شَقِيٌّ عاصٍ لِحاكِمٍ عَزِيزٍ للبِلادِ: "إنَّك لا تَستَطيعُ أن تَقذِفَني في السِّجنِ، ولن تَقدِرَ على ذلك أَبَدًا"، مُتَجاوِزًا حَدَّه ومُتَعدِّيًا على عِزّةِ ذلك الحاكِمِ وعَظَمَتِه، فلا بُدَّ أنَّ ذلك الحاكِمَ سيُنشِئُ سِجنًا لَماذِجسَّفيهِ المُتَعدِّي حتَّى لو لم يكُن هناك سِجنٌ في البِلادِ. كذلك الأَمرُ في الكافِرِ المُطلَقِ، فإنَّه بكُفرِه يَتَعدَّى بشِدّةٍ على عِزّةِ جَلالِه سُبحانَه، وبإنكارِه يَتَحدَّى عَظَمةَ قُدرَتِه، وبتَجاوُزِه يَمَسُّ كَمالَ رُبُوبيَّتِه، فلشُّعايكُن هناك حتَّى تلك الأَسبابُ المُوجِبةُ وتلك المُبَرِّراتُ الكَثيرةُ والحِكَمُ العَديدةُ والوَظائفُ الكَثيرةُ لِجَهنَّمَ ولِوُجُودِها؛ فإنَّ خَلْقَ جَهَنَّمَ لِمِثلِ هؤلاء الكُفّارِ وإلقاءِ، ولاها هو مِن شَأنِ تلك العِزّةِ وذلك الجَلالِ.
ثمَّ إنَّ ماهِيّةَ الكُفرِ نَفسَها تُوحِي بجَهَنَّمَ، إذ كما أنَّ ماهِيّةَ الإيمانِ إذا تَجَسَّمَت يُمكِنُ أن تَبنيَ بلَذائذِها احِدٍ؟ِ جَمالِها جنةً خاصّةً في وِجدانِ الإنسانِ وقَلبِه، هي جَنّةٌ مُصَغَّرةٌ تُومِئُ وتُخبِرُ عن جَنّةِ الخُلدِ الَّتي تَنتَظِرُه في الآخِرةِ؛ كذلك الكُفرُ یی ولا سِيَّما الكُفرُ المُطلَقُ یی والنِّفاقُ والصرُخُ ُ، فيه مِنَ الآلامِ والأَعذِبةِ والظُّلُماتِ المُرعِبةِ بحيثُ لو تَجَسَّمَت وتأَصَّلَت في نَفسِ صاحِبِها لكَوَّنَت له جَهَنَّمَه الخاصّةَ به، تلك الَّتي تُشِيرُ مَ إلى سيُفضِي إلَيه في آخِرَتِه مِن جَهَنَّمَ هي أَشَدُّ هَوْلًا وأَشَدُّ عَذابًا.. ولقد أَثبَتْنا هذا بدَلائلَ قاطِعةٍ في رَسائلِ النُّورِ، وأُشِيرَ إلَيه في مُستَهَلِّ المَسائلِ السّابِقةِ أيضًا.
— 62 —
ولَمّا كانَت هذه الدُّنيا مَزرَعةقاتِ، ِرةِ، فالحَقائقُ الصَّغيرةُ الَّتي فيها تُثمِرُ وتَتَسَنبَلُ في الآخِرة، فهذه البِذرةُ السّامّةُ (الكُفرُ) تُشِيرُ مِن هذه الزّاوِيةِ إلى شَجَرةِ الزَّقُّومِ تلك، وتقُولُ: "أنا أَصلُ تلك الشَّجَرةِ وجَوهَرُها.. فمَن يَحمِلُني فِذًا بِه مِنَ المَنكُوبين سأُثمِرُ له نَمُوذَجًا خاصًّا مِن تلك الشَّجَرةِ المَلعُونةِ".
وما دامَ الكُفرُ تَعَدِّيًا على حُقُوقٍ غيرِ مَحدُودةٍ، وتَجاوُزًا فاضِحًا، فهو إذًا جِنايةٌ غيرُ مَحدُودأنَّه ا يَجعَلُ صاحِبَه مُستَحِقًّا لِعَذابٍ غيرِ مَحدُودٍ؛ فلَئِن كان القَتلُ الَّذي يَحدُثُ في دَقيقةٍ واحِدةٍ يُذِيقُ القاتِلَ خَمسَ عَشْرةَ سنةً مِنَ العَذابِ (ما يُقارِوْفُ مانيةَ مِليونِ دَقيقةٍ)، ويُعتَبرُ ذلك مُوافِقًا للعَدالةِ البَشَريّةِ ومُوافِقًا للمَصلَحةِ العامّةِ وحُقُوقِها؛ فلا جَرَمَ أنَّ دَقيقةً واحِدةً مِنَ الكُفرِ المُطلَقِ یی على اعتِبارِ الكُفرِيرًا ع قَتلٍ یی تُقَابَلُ إذًا بعَذابٍ يَقرُبُ مِن ثَمانيةِ مِلياراتٍ مِنَ الدَّقائقِ، على وَفقِ تلك العَدالةِ الإنسانيّةِ، فالَّذي يَقضِي سَنةً كامِلةً مِن عُمُرِه في الكُفرِ إذًا يَستَحِقُّ عَذابَ تِرليُونَينِ وثَمانِ مِئةٍ وثَ بل سَمِليارًا مِنَ الدَّقائقِ، أي: يكُونُ أَهلًا لی: خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا
هذا، وإنَّ الأُسلُوبَ المُعجِزَ للقُرآنِ الكَريمِ في بَيانِه الجَنّةَ والنّارَ، وما في "رَسائلِ النُّورِ" یی الَّتيعةٍ، ويضٌ مِنه وتَفسِيرُه یی مِن حُجَجٍ حَولَ وُجُودِهما، لم يَتْرُكا مَجالًا لِأَيِّ إيضاحٍ آخَرَ.. فآياتٌ كَثيرةٌ جِدًّا أَمثالُ: وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَ أي: أَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّالعُقُبَهَا كَانَ غَرَامًا ٭ إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا، وأَغلَبُ ما كان يُرَدِّدُه الرَّسُولُ الأَكرَمُ (ص) في أَدعِيَتِه في كلِّ وَقتٍ، والأَنبِياءُ عَلَيتِ الحسَّلَام وأَهلُ الحَقيقةِ مِن:"أَجِرْنا مِنَ النّارِ".. "نَجِّنا مِنَ النّارِ".. "خَلِّصْنا مِنَ النّارِ"...الَّذي حازَ عِندَهم قَطعِيّةً تامّةً بِناءً على الوَحيِ والشُّهُودِ.. كلُّ ذلك يُبيِّنُمادّةٍنَّ أَعظَمَ قَضِيّةٍ للبَشَريّةِ على الأَرضِ إنَّما هي النَّجاةُ مِنَ النّارِ، وأنَّ أَعظَمَ حَقيقةٍ وأَدهَشَها مِن حَقائقِ الكائِناتِ، بل أَكثَرَها أَهَمِّيّةً إنَّما هي "جَهَنَّمُتَأَمّتي يُشاهِدُها قِسمٌ مِن أُولَئك المُحَقِّقين وأَهلِ الشُّهُودِ والكَشْفِ، ويَرَى آخَرُون أَلسِنةَ لَهِيبِها وظُلمةَ سَوادِها، ويَسمَعُ بَعضُهم أَزِيزَ تَضَرُّمِها وفَوَرانِها، فيَصرُخُون مِن هَوْلِها:"أَجِرْنا مِنالآيةِارِ".
— 63 —
نعم، إنَّ تَقابُلَ الخَيرِ والشَّرِّ في هذا الكَونِ، واللَّذّةِ والأَلَمِ، والنُّورِ والظَّلامِ، والحَرارةِ والبُرُودةِ، و الصَّلِ والقُبحِ، والهِدايةِ والضَّلالةِ؛ وتَداخُلَ بعضِها ببَعضٍ، إنَّما هي لِحِكمةٍ كُبْرَى، لأَنَّه ما لم يكُن هناك الشَّرُّ فلا يُفهَمُ الخَيرُ، وما لم يازِمِ اك الأَلَمُ فلا تُعرَفُ اللَّذّةُ، والضِّياءُ مِن دُونِ ظَلامٍ إزاءَه لا يَبِينُ جَمالُه، ودَرَجاتُ الحَرارةِ تَتَحقَّقُ بوُجُودِ البُرُودةِ، وتُصبِحُ حَقلى العاحِدةٌ مِنَ الجَمالِ أَلفًا مِنَ الحَقائقِ بوُجُودِ القُبحِ، بل يَكتَسِبُ آلافًا مِن أَنواعِ الجَمالِ ومَراتبِ الحُسنِ، ويَختَفي الكَثيرُ مِن لَذائذِ الجَنّةِ بعَدَمِ وُجُودِ جَهَنَّمَ.. فقِياسًا على هذا يُ على أن يُعرَفَ كلُّ شيءٍ مِن جِهةٍ بضِدِّه، وبوُجُودِ الضِّدِّ يُمكِنُ أن تُثمِرَ حَقيقةٌ واحِدةٌ حَقائقَ عِدّةً.
فما دامَت هذه المَوجُوداتُ المُختَلِطةُ تَسِيل سَيلًا مِن دارِ اهواه مِ إلى دارِ البَقاءِ، فلا بُدَّ أنَّ الخَيرَ واللَّذّةَ والنُّورَ والجَمالَ والإيمانَ وأَمثالَها تَسِيلُ إلى الجَنّةِ، ويَتَساقَطُ الشَّرُّ والأَلَمُ والظّعِشرِيوالقُبحُ والكُفرُ وأَمثالُها مِنَ الأَمُورِ المُضِرّةِ إلى جَهَنَّم؛ فتَسِيلُ سُيُولُ هذه الكائناتِ المُتَلاطِمةِ دائمًا إلى ذَينِك الحَوضَينِ وتَهدَأُ ساكِنةً عِندَهما نِهخَوْفًلمَطافِ.
نكتَفي بهذا القَدْرِ ونُحيلُ إلى ما جاء في نِهايةِ "الكَلِمة التَّاسِعةِ والعِشرين" مِن نِكاتٍ رَمزِيّةٍ.
يا زُمَلاءَ الدِّراسةِ في هذه المَدرَسةِ اليُلُ الأة..
إنَّ السَّبيلَ اليَسِيرةَ للنَّجاةِ مِنَ السِّجنِ الأَبَدِيِّ المُرعِبِ "جَهَنَّمَ" إنَّما هي في اغتِنامِنا فُرصةَ بَقائِنا في السِّجنِ الدُّنيَوِيِّ، هذا الَّذي قَصَّر أَيدِيَنا عن كَثيرٍ مِنَ الآثامِ فأَنقَذَنا مِنها؛ فما علَفي كلًّا إلّا الِاستِغفارُ والتَّوبةُ عمّا اقتَرَفناه مِن ذُنُوبٍ سابِقةٍ، مع أَداءٍ للفَرائضِ، كي نُحَوِّلَ كلَّ ساعةٍ مِن ساعاتِ هذا السِّجنِ بحُكمِ يومٍ مِنَ العِبادةِ، فهي إذًا أَفضَلُ فُرصةٍ لنا للنَّجاةسَّلِي السِّجنِ الأَبَديِّ، ولِدُخُولِنا الجَنّةَ النُّورانيّةَ.. فلَئِن فاتَتْنا هذه الفُرصةُ فسَنُغرِقُ آخِرَتَنا بالعَبَراتِ كما هي حالُ دُنيانا، ويَحِقُّ علاتِ ذلولُه تَعالَى: خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ
— 64 —
كانَت أَصواتُ تكبِيرةِ عِيدِ الأَضحَى المُبارَكِ تَتَعالَى حِينَما كان هذا البَحثُ يُكتَبُ، فذَهَب بي الخَيالُ إلى أنَّ خُمُسَ البَشَريّةِ يُرَدِّدُون:"اللهُ َظِمةُِ"،وأنَّ أَكثَرَ مِن ثَلاثِ مِئةِ مِليُونِ مُسلمٍ يُرَدِّدُونَه معًا، فكأنَّ صَوتَ"اللهُ أَكبَرُ"يَتَعالَى بكِبَرِ كُرةِ الأَرضِ وبسَعَتِها فتُسمِعُ الأَرضُ أَخَواتِها الكَواكِبَ السَّيّارةَ هذه الكَلِِك مِنمُقدَّسةَ في أَرجاءِ السَّماواتِ.. وهناك أَكثَرُ مِن عِشرِين أَلفًا مِنَ الحُجّاجِ في عَرَفةَ والعِيدِ يُرَدِّدُون معًا صَدَى ما قالَه الرَّسُولُ الأَكرَمُ (ص) قبلَ أَلفٍ وثلاثِ مِئةِ سنةٍ معَ الآلِ والأَصحابِ الكَراَ ذلك مَرَ به.. فأَحسَسْتُ إحساسًا كامِلًا، بلِ اقتَنَعتُ اقتِناعًا تامًّا أنَّ تلك الأَصداءَ والأَصواتَ والتَّردِيداتِ إنَّما هي عُبُودِيّةٌ واسِعةٌ كُلِّيّةٌ تُقابِلُ تَجَلِّيَ الرُّبُلكَلِم الإِلٰهيّةِ الكُلِّيّةِ بعَظَمةِ "رَبِّ الأَرضِ" "رَبِّ العالَمِينَ".
ثمَّ سَأَلتُ نَفسِي: تُرَى ما وَجهُ العَلاقةِ بينَ الآخِرةِ وهذه الكَلِمةَالًا قدَّسةِ "اللهُ أَكبَرُ"؟ فتَذَكَّرتُ فَورًا أنَّ هذه الكَلِمةَ معَ الكَلِماتِ الطَّيِّباتِ الباقياتِ الصّالِحاتِ:"سُبحانَ اللهِ، والحَمدُ للههِيّات إِلٰهَ إلّا اللهُ"وأَمثالِها مِن كَلِماتِ شَعائرِ الإسلامِ تُذَكِّرُ یی بلا شَكٍّ یی بالآخِرةِ سَواءٌ بصُورةٍ جُزئيّةٍ أو كُلِّيّةٍ وتُشِيرُ إلى تَحَقُّقِها.
إنَّ أَحَدَ أَوجُهِ مَعاني "اللهُ أَكبَرُ" هو: أنَّ قُدرةَ اللهِ وعِلمَه ه يُصبِ كلِّ شيءٍ وأَكبَرُ وأَعظَمُ مِن كلِّ شيءٍ، فلن يَخرُجَ أيُّ شيءٍ كان مِن دائرةِ عِلمِه، ولن يَهرُبَ مِن تَصَرُّفِه وقُدرَتِه، ولن يُفلِتَ مِنها قَطعًا، فهو سُلرِّزق أَكبَرُ مِن كلِّ كَبيرٍ نَخافُه ونَستَعظِمُه؛ أي: أَكبَرُ مِن إيجادِ الحَشرِ الَّذي نَستَهوِلُه، وأَكبَرُ مِن إنقاذِنا مِنَ العَدَمِ، وأَكبَرُ مِن مَنْحِنا السَّعادةَ الوَحْدِيّةَ؛ فهو أَكبَرُ مِن أيِّ شيءٍ عَجِيبٍ، ومِن أيِّ شيءٍ خارِجَ نِطاقِ عَقلِنا، إذ يقُولُ سُبحانَه: مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ، فصَراحةُ هذه بِيلِ الكَريمةِ تُبيِّنُ أنَّ حَشْرَ البَشَريّةِ ونَشرَهم جَميعًا سَهلٌ وهَيِّنٌ على القُدرةِ الإِلٰهيّةِ كإيجادِ نَفسٍ واحِدةٍ، فلا عَجَبَ أن يَجرِيَ مَجرَى الأَمثالِ قَولُ الإنسانِ: "اللهُ أَكبَرُتَناوَُ أَكبَرُ" كلَّما رَأَى شَيئًا عَظِيمًا أو مُصِيبةً كُبرَى أو غايةً عُظمَى، مُسَلِّيًا بها نَفسَه، جاعِلًا مِن هذه الكَلِمةِ العَظيمةِ قُوّةً عَظيمةً يَستَنِدُ إلَيها.
— 65 —
نعم، إنلاتِها الكَلِمةَ معَ قَرِينَتِها:"سُبحانَ اللهِ، والحَمدُ للهِ"فِهرِسُ جَميعِ العِباداتِ وبُذُورُ الصَّلاةِ وخُلاصَتُها یی كما جاءَت في "الكَلِمةِ التاسِعةِ" یی فتَكرارُ هذه الكَلِماتِ یی وهي حَقائقُ عُظمَى ثلاثٌ في الصَّلاةِ وفي ا.. تأِها یی إنَّما هو لتَقوِيةِ مَعنَى الصَّلاةِ وتَعمِيقِه وتَرسِيخِه، وهي إجابةٌ قاطِعةٌ للأَسئلةِ الَّتي تَنشَأُ مِنَ التَّعَجُّبِ واللَّذّةِ والهَيبةِ الَّتي تَاحةِ وبأَقطارِ نَفسِ الإنسانِ حِينَما يُشاهِدُ الكَونَ ويَرَى ما يُثيرُه ويُحيِّرُه وما يَسُوقُه إلى الشُّكرانِ، وما هو مَدارُ العَظَمةِ والكَِها الِ مِن أُمُورٍ عَجيبةٍ وجَميلةٍ وعَظيمةٍ ووَفيرةٍ وما هو فوقَ ما اعتادَه.
نعم، إنَّ الجُندِيَّ يَدخُلُ إلى حَضرةِ السُّلطانِ ودِيوانِه في العِيدِ بمِثلِ دُخُولِ القائدِ العامِّ إلَيه، بَينَما في سائرِ الأَيّامِ يَعرِفُ سُلطاعةِ، ِن رُتبةِ الضّابطِ ومِن مَقامِه یی كما جاءَ في خِتامِ "الكَلِمة السّادِسةَ عَشْرةَ" یی فكلُّ شَخصٍ في الحَجِّ كذلك يَبدَأُ بمَعرِفةِ مَولاانِهم قِّ سُبحانَه وتَعالَى باسمِ "رَبِّ الأَرضِ ورَبِّ العالَمين" مَعرِفةً أَشبَهَ ما تكُونُ بمَعرِفةِ الأَولياءِ الصّالِحين؛ فكُلَّما تَفتَّحَت مَراتايةَ اكِبْرِياءِ والعَظَمةِ الإِلٰهيّةِ في حَنايا قَلبِه أَجابَ بی"اللهُ أَكبَرُ"، لِما تَستَولي على رُوحِه مِن أَسئِلةٍ مُكرَّرةٍ مُلِحّةٍ مُحَيِّرةٍ، فی"اللهُ أَكبَرُ" هو الجَوابُ القاطِعُ لِدابِرِ أَهَمِّ دَسائسِ الشَّيطانلِحُو جاءَ في "اللَّمعةِ الثّالثةَ عَشْرةَ".
نعم، فكما أنَّ هذه الكَلِمةَ:"اللهُ أَكبَرُ"تُجِيبُ عن سُؤالِنا حَولَ الآخِرةِ إجابةً قَصيرةً وقَوِيّةً في ذاتِ الوَقتِ، فإنَّ جُملةَ"الحَمدُ للهِ"هي الأُخرَى تُذَكِّرُ بالحَشرِ وتَستَدعِيه، إَثُ مِلُ لنا: "لا يَتِمُّ مَعنايَ دُونَ الآخِرةِ"، لأنَّ مَعنايَ يُفِيدُ: "كلُّ حَمدٍ أو شُكرٍ يَصدُرُ مِن أيِّ حامِدٍ ويَقَعُ على أيِّ مَحمُودٍ كان، ابتِداءً مِنَ الأَزَلِ إلى الأَبَا، وعل خاصٌّ به سُبحانَه"، ولِأَنَّ السَّعادةَ الأَبَديّةَ هي أَصلُ جَميعِ النِّعمِ وذِروَتُها، وهي الَّتي تُحِيلُ النِّعَمَ نِعَمًا حَقيقيّةً لا تَزُولُ ولا تَحُولُ، وهي تَتَظي تُنقِذُ جَميعَ ذَوِي الشُّعُورِ مِن مَصائبِ العَدَمِ وتُخَلِّصُهم مِنها، لذا فهي وَحْدَها يُمكِنُ أن تُقابِلَ مَعنايَ الكُلِّيَّ.
نعم، إنَّ تَرديدَ كلِّ مُؤمنٍ يَومِيًّا عَقِبَ الصَّلاةِ بما يَأمُرُ به الشَّرِ والقكثَرَ مِن مِئةٍ وخَمسِين مَرّةً:"الحَمدُ للهِ"في الأَقَلِّ، والَّتي تُفيدُ حَمْدًا وثَناءً وشُكْرًا واسِعًا جِدًّا مُمتَدًّا
— 66 —
مِنَ الأَزلِ إلى الأَبدِ إنَّما هو ثَمَنٌ يَدفَعُه موابَ امًا لِنَيلِ السَّعادةِ الأَبَديّةِ في الجَنّةِ، إذ لا يُمكِنُ أن يُحصَرَ مَعنَى الحَمدِ على نِعَمِ الدُّنيا القَصيرةِ الفانيةِ المُنَغَّصةِ بالآلامِ، ولا يُمكِنُ أن يكُونَ مُقتَصِرن يُبَيها؛ بل حتَّى لو تَأَمَّلتَ في تلك النِّعَمِ نَفسِها تَرى أنَّها ليست إلّا وَسائلَ لِنَعَمٍ أَبَديّةٍ خالِدةٍ تَستَحِقُّ الشُّكرَ علَيها.
أمّا كَلِمةُ"سُبحانَ اللهِ"فإنَّها تَعني: تَنزِيهَ اللهِ سُبحانَه وتَقدِيسَه مفي إِحِ شَريكٍ وتَقصِيرٍ ونَقصٍ وظُلمٍ وعَجْزٍ وقَسْوةٍ وحاجةٍ وحِيلةٍ، وكلِّ ما يُخالِفُ كَمالَه وجَمالَه وجَلالَه؛ وهذا المَعنَى يُذَكِّرُ بالسَّعادةِ الأَبَديّةِ ويَدُلُّ عجِزةٍآخِرةِ الَّتي هي مِحوَرُ عَظَمَتِه سُبحانَه وجَلالِه وكَمالِه.. ويُشِيرُ أيضًا إلى ما في تلك الدّارِ مِن جَنّةِ نَعيمٍ ويَدُلُّ علَيها، وإلّا فلِنَ الكُن هناك سَعادةٌ أَبَديّةٌ فإنَّ أَصابعَ الِاتِّهامِ تَتَوجَّهُ إلى عَظَمَتِه سُبحانَه وكَمالِه وجَلالِه وجَمالِه ورَحمَتِه، فتَشُوبُها بالتَّقصِيرِ والنّفٍ مِن، تَعالَى اللهُ عن ذلك عُلُوًّا كَبِيرًا.. أي: إنَّ الآخِرةَ لا رَيبَ فيها، إذ هي مُقتَضَى سُلطانِ اللهِ وكَمالِه وجَلالِه وجَمالِه ورَحمَتِه سُبحانَه.
وهكذا، فعِها اذه الكَلِماتِ المُقدَّسةَ الثَّلاثَ معَ"باسمِ اللهِ"و"لا إِلٰهَ إلّا اللهُ"وسائرَ الكَلِماتِ المُبارَكةِ، كلٌّ مِنها بِذرةٌ مِن بُذُورِ الأَركانِ الإيمانيّةِ، وكلٌّ مِنها خُلاصةٌ لِحَقائقِ الأَركانِ الإيمانيّةِ والحَقائقِ القُرآنيّةِ.
وضِدَّا أنَّ هذه الكَلِماتِ الثَّلاثَ هي نَوَى الصَّلاةِ وبُذُورُها فهي نَوَى القُرآنِ الكَريمِ أيضًا، كما تُشاهَدُ في بَدْءِ بعضِ السُّوَرِ الباهِرةِ حيثُ تُفتَتَحُ وكأنَّها جَوهَرةٌ لامِعةٌ في مُستَهَلِّها، وهي كُنُوزٌ حَقيقيّةٌ وأُسُسٌ مَتينةٌ لنِ سَنءٍ مِن رَسائلِ النُّورِ الَّتي تُستَهَلُّ أَكثَرُ سَوانِحِها في أَذكارِ الصَّلاةِ، وهي أَيضًا أَورادُ الطَّرِيقةِ المُحَمَّديّةِ تُذكَرُ عَقِبَ الصَّلاةِ ضِمنِدةٌ لةٍ واسِعةٍ جِدًّا للوِلايةِ الأَحمَدِيّةِ والعُبُودِيّةِ المُحَمَّديّةِ، فعِندَ كلِّ صَلاةٍ هنالك أَكثَرُ مِن مِئةِ مِليُونِ مُؤمِنٍ في تلك الحَلْقةِ الكُبْرَى للذِّكْرِ يلادَهمدُون معًا ثلاثًا وثلاثين مَرّةً:"سُبحانَ اللهِ"وثَلاثًا وثَلاثين مَرّةً:"الحَمدُ للهِ"وثَلاثًا وثَلاثين مَرّةً:"اللهُ أَكبَرُ"،فلا بُدَّ أنَّك تُدرِكُ مَدَى أَهَمِّيّةِ قِراءةِ تلك الكَلِماتالرابعبارَكاتِ الثَّلاثِ الَّتي هي بُذُورُ القُرآنِ
— 67 —
والإيمانِ والصَّلاةِ وخُلاصَتُها، ومَدَى ثَوابِ تَردِيدِها بثَلاثٍ وثَلاثين مَرّةً عَقِبَ الصَّلاةِ ضِمنَ تلك الحَلْقةِ الواسِعةِ.
وهكذا، فكما أنَّ "المَسأَلةَ الأُولَى" مِن هذهفإنَّ سالةِ كانَت دَرْسًا قَيِّمًا في الصَّلاةِ، فإنَّ آخِرَ الرِّسالة هذه أَصبَحَ یی دُونَ اختِيارِي یی دَرْسًا مُهِمًّا حَولَ أَذكارِ الصَّلاةِ!َ مُحممدُ للهِ على نَعمائِه.
سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ

* * *

— 68 —
المسألة التاسعة
ِ وَمَِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسم، بل .. إلى آخر الآية.
إنَّ السَّببَ الَّذي أَدَّى إلى إيضاحِ هذه الآيةِ الجامِعةِ السَّامِيةِ العَظِيمةِ ودَعا إلى بَيانِها، هو حالةٌ خِبَدامُعَيَّنةٌ نَتَجَت عن سُؤالٍ مَعنَويٍّ مُثيرٍ، وعنِ انكِشافِ نِعمةٍ إِلٰهيّةٍ عَظِيمةٍ، كالآتي:
فقد وَرَد إلى الرُّوحِ هذا السُّؤالُ: لِمَ يُعتَبَرُ كافِرًا مَن يُنكِرُ وكُنْ مِن حَقيقةٍ إيمانيّةٍ، ولا يُعَدُّ مُسلِمًا مَن لم يَقْبَلْها، معَ أنَّ نُورَ الإيمانِ باللهِ واليَومِ الآخِرِ كالشَّمسِ يَنبَغِي أَن يُبَدِّدُ كلَّ ظَلامٍ؟
ثمَّ، لِمَبَدِيعحُ مُرتَدًّا مَن يُنكِرُ حَقيقةً أو رُكنًا إيمانيًّا ويُردِيه إلى الكُفرِ المُطلَقِ، ومَن لم يَقبَلْها يَخرُجْ مِن دائرةِ الإسلامِ؛ بَينَما يَنبَغِدقِ هُنقِذَه إِيمانُه بالأَركانِ الأُخرَى یی إنْ وُجِدَ یی مِن ذلك الكُفرِ المُطلَقِ؟
الجَوابُ:إنَّ الإيمانَ حَقيقةٌ واحِدةٌ نابِعةٌ مِن سِتّةِ أَركانٍ مُتَّحِدةٍ ومُوَحَّدةٍرشِدِ قبَلُ التَّفريقَ، وهو كُلِّيٌّ لا يَتَحمَّلُ التَّجزِئةَ، وهو كُلٌّ لا تَقبَلُ أَركانُه الِانقِسامَ، ذلك لأنَّ كلَّ رُكنٍ مِن تلك الأَركانِ الإيمانيّةِ معَ حُجَجِه الَّتي تُثبِتُه، يُثبِتُ قُوّيّةَ الأَركانِ، فيُصبِحُ كلُّ رُكنٍ حُجّةً قاطِعةً عُظمَى لكلٍّ مِنَ الأَركانِ الأُخرَى.. لذا فالَّذي لا يَتَمكَّنُ مِن جَرحِ جَميعِ الأَركانِ مع جَميعِ أَدِلَّتِها يَعجِزُ كُلِّيًّا مِن جِهةِ الحَقيقةِ عن نَفيِ رُقُ أنّحِدٍ مِنها، وتَفنِيدِ حَقيقةٍ واحِدةٍ مِن حَقائقِها؛ إلّا أن يُغمِضَ المُنكِرُ عَينَيه ويَتَشبَّثَ بعَدَمِ القَبُولِ أوِ
— 69 —
الرَّفضِ، فيَدخُلُ عِندَئذٍ الكُفرَ العِنادِيَّلبِلادُوقُه ذلك بمُرُورِ الزَّمَنِ إلى الكُفرِ المُطلَقِ، فتَنعَدِمُ إنسانِيَّتُه ويُولِّي إلى جَحيمٍ مادِّيٍّ فَضلًا عمَّا هو فيه مِن جَحِيمٍ مَعنَوِيٍّ.

وكما قد بَيَّنَّا باقتِضابٍَثٌ غَسائلِ "الثَّمَرةِ" دَلالةَ الأَركانِ الإيمانيّةِ على الحَشرِ، كذلك سنُبيِّنُ هنا بإشاراتٍ مُختَصَرةٍ جِدًّا ومُجمَلةٍ: المَغزَى العَمِيقَ العَظيمَ لهذه الآيةِ، مُعتَمِدِين علىْمٍ مَِتِه سُبحانَه.. وذلك في سِت hNنِقاطٍ:

النُّقطةُ الأُولى:
إنَّ"الإيمانَ بالله"بحُجَجِه القاطِعة يُثبِتُ"الإيمانَ بالآخِرةِ"،مع إثباتِه سائِرَ الأَركانِ الإيمانيّةِِنَ الرَى، كما وُضِّح في "المَسأَلةِ السّابعةِ".
نعم، إنَّ سَلطَنةَ الرُّبُوبيّةِ وقُدرَتَها الأَزَليّةَ وقُوَّتَها الباقيةَ وغِناها المُطلَقَ وحاكِمِيّةَ الأُلُوهيّةِ الأرارِ فةَ والدَّائمةَ الَّتي تُدِيرُ هذا الكَونَ غيرَ المَحدُودِ یی معَ جَميعِ لَوازِمِه وضَرُورِيّاتِه یی كإدارةِ قَصرٍ أو مَدِينةٍ.. والَّتي تُصَرِّفُ جَميعَ شيلُ لَه ضِمنَ نِظامٍ ومِيزانٍ، وتُغيِّرُه على وَفقِ حِكَمٍ كَثيرةٍ.. والَّتي تُديرُ الذَّرّاتِ والكَواكِبَ، وتُجَهِّزُ الذُّبابَ والنُّجُومَ معًا كالجُنُودِإذنٍ مِيعين للجَيشِ المُنَسَّقِ.. والَّتي تَسُوقُ الجَميعَ ضِمنَ إرادَتِها وأَمرِها إلى استِعراضٍ هائلٍ عامٍّ للعُبُودِيّةِ الخالِصةِ، مِن خِلالِ مُناوَرةٍ سامِيةٍ وابتِلاءٍ واختِبارٍ وتَدرِيبٍ على الوَظائفِ وتَع.. ولِها، بفَعّاليّةٍ ونَشاطٍ دائمٍ وسَيرٍ وجَوَلانٍ مُستَمِرٍّ.. هل يُمكِنُ، أم هل يُعقَل، لا بل هل هناك أيُّ احتِمالٍ قَطُّ في ألّا يكُونَ هُناك مَقَرٌّ باقٍ، ومَملَكةٌ دائمةٌ، وظُهُورٌ خالِدٌ، وتَجَلٍّ سَرمَدِيٌّ في دارٍ أَبَلائكة لِمِثلِ هذه السَّلطَنةِ الأَبَديّةِ ولِمِثلِ هذه الحاكِمِيّةِ الباقيةِ الدّائمةِ؟! حاشا وكلَّا.. وأَلفُ مَرّةٍ: كلَّا.
فسَلطَنةُ رُبُوبيّةِ اللهِ جَلَّ وعَلا وعَظَمَتُها إذًا، وأَغانِ صََسماءِ اللهِ الحُسنَى یی كما جاءَ في "المَسأَلةِ السّابعةِ" یی وجَميعُ دَلائلِ وحُجَجِ وُجُوبِ وُجُودِه سُبحانَه وتَعالَى، تَشهَدُ جَميعًا وتَدُلُّ على"الآخِرةِ"وتَقتَضِيها.
فما أَعظَمَ مُرتَكَزَ هذا الرُّكنِ الإيمانِيِّ العَظيمِ! قُوّةَمْتَنَ نُقطةَ استِنادِه! أَلَا فأَدْرِكْ ذلك، وصَدِّقْ به كأَنَّك تَراه.
— 70 —
ثمَّ إنَّ"الإيمانَ باللهِ"كما لا يُمكِنُ أن يكُونَ دُونَ"الإيمانِ بالآخِرةِ"،كذلك الكَريكِنُ ولا يُعقَلُ أن يكُونَ"الإيمانُ بالله"دُونَ"الإيمانِ بالرُّسُلِ"مِثلَما ذُكِرَ مُلَخَّصًا في"رِسالةِ الحَشرِ".
وذلك: أنَِّنَ ال تَعالَى الَّذي خَلَق هذا الكَونَ إظهارًا لِأُلُوهيَّتِه ومَعبُودِيَّتِه، على هَيئةِ كِتاب صَمَدانِيٍّ مُجَسَّمٍ بحيثُ تُعَبِّرُ كلُّ صَحيفةٍ مِن صَحائفِه عن مَعاني كِتابكمةِ..ظهِرُ كلُّ سَطرٍ مِن أَسطُرِه مَعنَى صَحيفةٍ.. وخَلَقَه على شَكلٍ قُرآنٍ سُبحانِيٍّ مُجَسَّمٍ بحيثُ إنَّ كلَّ آيةٍ مِن آياتِه التَّكوينيّةِ، وكلَّ كَلِمةٍ مِن كَلِماتِه، بل حتَّى كلَّ حرفٍ مِنه وكلَّ نُقطةٍ بمَثابةِ مَُ المَ تُقدِّسُه وتُسَبِّحُه.. وخَلَقَه على صُورةِ مَسجِدٍ رَحمانِيٍّ مَهِيبٍ، وزَيَّنه بما لا يُحَدُّ مِنَ الآياتِ والنُّقُوشِ الحَكيمةِ، بحيثُ إنَّ في كلِّ زاوِيةٍ مِن زَواياه طائفةً مُنهَمِكةً بنَوعٍ مِنَ العِبادةِ الفِطريّةِ لخاائِناتُ الرَّحمٰنِ..
فهل يُمكِنُ ألّا يُرسِلَ هذا الخالقُ المَعبُودُ الحَقُّ أساتِذةً ليُدَرِّسوا مَعانِيَ ما في ذلك الكِتابِ الكَبيرِ ويُعلّالًا مما فيه؟! أم هل يُمكِنُ ألّا يَبعَثَ مُفسِّرين ليُفَسِّروا آياتِ ذلك القُرآنِ المُجَسَّمِ الصَّمَدانِيِّ؟! أم هل يُمكِنُ ألّا يُعيِّنَ أَئمّزَليُّك المَسجِدِ الأَكبَرِ ليَؤُمُّوا الَّذين يَعبُدُونه بأَنماطٍ وأَشكالٍ مُختَلِفةٍ مِنَ العِباداتِ؟! أم هل يُمكِنُ ألّا يُزَوِّدَ أُولَئك الأَساتِذةَ والمُفَسِّرين والأَئمّةَ بالأَلحامِد السُّلطانيّةِ؟! حاشا للهِ وكلَّا.. وأَلفُ مَرّةٍ كلَّا.!
ثمَّ إنَّ الخالقَ الرَّحيمَ الكَريمَ الَّذي خَلَق هذا الكَونَ إظهارًا لِجَمالِ رَحمَتِه على ذَوِي الشُّعُورِ وحُسنِ رَأفَتِه بهم وكَمِن أيّبُوبيَّتِه لهم، ولِيَحُثَّهم على الشُّكرِ والحَمدِ، قد خَلَقَه على هَيئةِ دارِ ضِيافةٍ فَخْمةٍ، ومَعرِضٍ رائعٍ واسِعٍ، ومُتَنزَّهٍ جَميلٍ بَديعٍ؛ وأَعَدَّ فيه.
يُحَدُّ مِنَ النِّعَمِ اللَّذيذةِ المُتَنوِّعةِ المُختَلِفةِ؛ ونَظَّم فيه ما لا يُعَدُّ مِن خَوارِقِ الصَّنعةِ وبَدائعِها الرَّائعةِ..
فهل يُمكِنُ ألّا يَتَكلَّمَ هذا الخالقُ الرَّحيمُأَذكاريمُ بواسِطةِ رُسُلِه، مع ذَوِي الشُّعُورِ مِن مَخلُوقاتِه في دارِ ضِيافَتِه الفاخِرةِ هذه؟! أم هل يُعقَلُ ألّا يُعَلِّمَهم وَظائفَ شُكرِهم
— 71 —
وكَيفيّةَ امتِنانِهم تِجاهَ تلك النِّعَمِ الجَسِيمةِ، ومَهامَّ عياءِ ايَّتِهم تِجاهَ رَحمَتِه السّابِغةِ وتَوَدُّدِه الظّاهِر؟! كلَّا.. ثمَّ أَلفُ أَلفِ مَرّةٍ: كلَّا!!
ثمَّ إنَّ الخالقَ الَّذي يُحِبُّ خَلْقَه وصَنْع ما يَويُرِيدُ جَلْبَ الإعجابِ والتَّقدِيرِ إلَيه، بل يَطلُبُ استِحسانَه وإكبارَه، بدَلالةِ إيداعِه الإحساسَ بآلافِ الأَنواعِ مِنَ الأَذواقِ في الأَفواهِ، فيُعَرِّفُ نَفسَه سُبحانَه بكلِّ مَخلُوقٍ مِن مَخلُوقاتِه ويُظهِرُ به ا الَّ مِن جَمالِه المَعنَوِيِّ ويَجعَلُه مَوضِعَ حُبِّ مَخلُوقاتِه، فزَيَّن هذا الكَونَ ببَدائعِ صَنائعِه ومَخلُوقاتِه.
فهل يُعقَلُ ألّا يَتَكلَّمَ هذا الخالقُ البَديعُ معَ أَفاضِلِ الإنسانِ الَّذي هو سَيِّدُ المَخلُوقاتِ؟! وهل يُمكِنُخلُوقايَبعَثَ مِن أُولَئك الأَفاضِلِ رُسُلًا، فتَظَلَّ تلك الصَّنائعُ الجَميلةُ دُونَ تَقدِيرٍ، ويَظَلَّ جَمالُ تلك الأَسماءِ الحُسنَى الخارِقةِ دُونَ استِحسانٍ ولا إعجابٍ، ويَظَلَّ تَعرِيفُه وتَحبِيبُه دُونَ مُقابِلٍ؟! حاشا لله وكلنَها بثمَّ أَلفُ مَرّةٍ: كلَّا!
ثمَّ إنَّ المُتكلِّمَ العَليمَ الَّذي يَستَجِيبُ في الوَقتِ المُناسِبِ لِدَعَواتِ جَميعِ ذَوِي الحَياةِ، مُلَبِّيًا حاجاتِها الفِطرِيّةَ، ومُغِيثًا تَضَرُّعاتِها ورَغَباتِها المَرفُوعةَ إليهِ الِسانِ الحالِ، فيَتَكلَّمُ صَراحةً فِعلًا وحالًا بإحسَانَاتِه غيرِ النِّهائيّةِ لهم وإنعاماتِه غيرِ المَحدُودةِ علَيهم، مُظهِرًا القَصْدَ والِاختِيارَ والإرادةَ؛ فهل يُمكِنُ وهل يُعقَلُ أن يَتَكلَّمَ هذكلَّهاتَكلِّمُ العَليمُ معَ أَصغَرِ كائنٍ حَيٍّ فِعلًا وحَالًا، ويُسعِفَ داءَه ويُغِيثَه بإحسانِه ويَسُدَّ حَاجَاتِه، ثمَّ لا يُقابِلَ الرُّؤَساءمِن خِعنَويِّين للإنسانِ الَّذي هو سَيِّدُ أَغلَبِ المَخلُوقَاتِ الأَرضِيّةِ، وهو خَليفةُ اللهِ في أَرضِه، وهو النَّتيجةُ المُستَخلَصةُ مِنَ الكائناتِ؟! أم هللجامِعلُ ألّا يَتَكلَّمَ معَهم قَولًا وكَلامًا مِثلَما يَتَكلَّمُ معَ كلِّ ذِي حَياةٍ فِعلًا وحالًا؟! أم هل يُمكِنُ ألّا يُرسِلَ معَهم أَوامِرَه وصُحُفَه وكُتُبَه المُقَدَّسةَ؟ حاشآلائِه كلَّا.. ثمَّ أَلفُ مَرّةٍ: كلَّا.!
وهكذا يُثبِتُ"الإيمانُ بالله"مع حُجَجِه القاطِعةِ الثّابتةِ الإيمانَ"بكُتُبِه"المُقدَّسةِ"وبرُسُلِه"الكِرام عَلَيهِم السَّلَام.
ثمَّ إنَّ الَّذي جَعَل الكَونَ يُدَوِّي بحَقيقةِ القُرآنِ ويَتَروعِشريبها، والَّذي عَرَفَ وعَرَّفَ بأَكمَلِ وَجهٍ ذلك الخالقَ البَديعَ فأَحَبَّه وحَبَّبه، وأَدَّى شُكرَه له ودَلَّ الآخَرين على القيامِ
— 72 —
بشُكرِه، بل جَعَل الأَرضَ تُردِّدُ:"سُبحانَ اللهِ، والحَمدُ للهِ، واللهُ في آخُ"حتَّى أَسمَعَتِ السَّماواتِ العُلا.. والَّذي قابلَ الرُّبُوبيَّةَ الظَّاهِرةَ للخالقِ بعُبُودِيّةٍ واسِعةٍ كُلِّيّةٍ، فقادَ خُمُسَ البَشَريَّةِ كَمِيَّةً ونِصفَها نَوعِيَّةً خِلالَ ويَدُ وثلاثِ مِئةِ سنةٍ قِيادةً أَهاجَ بها البَرَّ والبَحرَ ومَلَأَهما شَوقًا ووَجْدًا.. والَّذي هَتَف بالقُرآنِ الكَريمِ في أُذُنِ الكَونِ وعلى مَدَى جَميعِ العُصُورِ إزاءَ المَقاصِدِ الإِلٰهيّة، فأَلقَى دَرْسًا عَظيمًا، ودَعا بدَعوةٍ كِرُ أَ، مُظهِرًا وَظِيفةَ الإنسانِ وقيمَتَه، ومُبيِّنًا مَرتَبَتَه ومَنزِلَتَه.. ذلك هو مُحمَّدٌ الأَمينُ (ص) الصَّادِقُ المُصَدَّقُ بأَلفِ مُعجِزةٍ ومُعجِزةٍ.
فهل يُمكِنُ ألّا يكُونَ هذا العَبدُ العَزيزُ المُصطَفَىِقةِ وتارُ أَكرَمَ رَسولٍ لذلك المَعبُودِ الحَقِّ؟! وهل يُمكِنُ ألّا يكُونَ أَعظَمَ نَبيٍّ له؟ حاشا وكلَّا.. أَلفُ أَلفِ مَرّةٍ: كلَّا!!
فحَقيقةُ"أَشهَدُ أنْ لا إِلٰهَ إلّا اللهُ"معَ حُجَجِها إذًا تُثبِتُ حَقيقةَ"أَشهَدُ أنّقَ تِجَّدًا رسولُ اللهِ".
ثمَّ إنَّ الخالقَ الَّذي جَعَل مَخلُوقاتِه يَتَبادَلُون الكَلامَ بمِئاتِ الآلافِ مِنَ الأَلسِنةِ واللُّغاتِ، وهو الَّذي يَسمَعُ كَلامَ الجَميعِ ويَعرِفُه، فهل يُمكِنُ ألّا يَتَكلَّم هو؟! كلَّا ثمَّ كلَّا! ثمَّ هل يٍ واحِ ألّا يُعَلِّم مَقاصِدَه الإِلٰهيّةَ بكِتابٍ عَظيمٍ كالقُرآنِ الكَريمِ الَّذي يُجِيبُ عن ثلاثةِ أَسئِلةٍ تَحارُ العُقُول أَمامَها: مِن أينَ تأتي هذه المَخلُوقاتُ؟ والى أينَ المَصِيرُ؟ ولماذا تَتَعاقَبُ ثمَّ لا تَلبَثُ أِ الحَيبَ؟.. كلَّا.
فالقُرآنُ الكَريمُ الَّذي نَوَّر ثلاثةَ عَشَرَ قَرْنًا وأَضاءَها.. والَّذي يَتَناقَلُه في كلِّ ساعةٍ مِئةُ مِليُونِ لِسانٍ بكلِّ إجلالٍ وتَوقيرٍ.. والَّذي سُطِّر في صُدُورِ مَلايينِ الحُفّاظِ بكلِّ سُمُوٍّ وقَنةَ هي. والَّذي أَدارَ بقَوانينِه القِسمَ الأَعظَمَ مِنَ البَشَريّةِ، ورَبَّى نُفُوسَهم وزَكَّى أَرواحَهم، وصَفَّى قُلُوبَهم وأَرشَد عُقُولَهم.. والَّذي هو مُعجِزةٌ خالِدةٌ كما أَثبَتْنا إعجازَه بأَربعُ المَجهًا في رَسائلِ النُّورِ، فوَضَحَ أنَّ له إعجازًا لكلِّ طَبَقةٍ مِنَ الطَّبَقاتِ الأَربعينَ للنَّاسِ یی كما جاءَ في "المَكتُوبِ التّاسِعَ عَشَرَ" ذي الكَرامةِ الخارِقةِ یی. هذا
— 73 —
القُرآنُ العَيه، بِستَحَقَّ بحَقٍّ أن يُطلَق علَيه: "كَلامُ اللهِ"، فأَصبَحَ مُحمَّدٌ (ص) معَ آلافٍ مِن مُعجِزاتِه مُعجِزةً باهِرةً له.
فهل يُمكِنُ ألّا يكُونَ هذحِيازَرآنُ الكَريمُ كَلامَ ذلك المُتكَلِّمِ الأَزَليِّ سُبحانَه؟! وهل يُمكِنُ ألّا يكُونَ أَوامرَ ذلك الخالِقِ السَّرمَدِيِّ جلَّ وعلا؟! حاشا لله وكلَّا.. أَلفُ أَلفِ مَرّةٍ: كلَّا!
فی"الإيمانُ بالله"معَ جَميعِ حُجَجِه إذًا يُثبِتُ أنَّ القِسْطِ الكَريمَ كَلامُ اللهِ عزَّ وجلَّ.
ثمَّ إنَّ السُّلطانَ ذا الجَلالِ الَّذي يَملَأُ سَطْحَ الأَرضِ بذَوِي الحَياةِ باستِمرارٍ ويُفرِغُه، مُعمِّرًا دُنيانا بذَوِي الشُّعُورِ لِأَجلِ مَعرِفَتِه سُبحانَه وعِبادَتِه وتَسأَسباب..
هل يُمكِنُ لهذا السُّلطانِ ذي الجَلالِ أن يَتْرُكَ السَّماواتِ والنُّجُومَ خاليةً فارِغةً، ولا يُعمِّرَ تلك القُصُورَ السَّماوِيّةَ بأَهالي وستِه بل تُناسِبُها؟..
وهل يُمكِنُ أن يَتْرُكَ هذا السُّلطانُ العَظيمُ سَلطَنةَ رُبُوبيَّتِه في أَوسَعِ مَمالِكِه بلا هَيْبةٍ وعَظَمةٍ، وبلا مُوَظَّفِين مَأمُورِين، وبلا سُفَراءَ رُسُلٍ، وبلا ناظِرِين مُشرِفِين، وبلا مُشاهِدِين مُعجَبِين، وبا أَثبادٍ مُكرَمِين، وبلا رَعايا مُطِيعِين؟! حاشا لله وكلَّا.. بعَدَدِ المَلائكةِ.
ثمَّ إنَّ الحاكِمَ الحَكيمَ والعَليمَ الرَّحيمَ الَّذي كَتَب هذا الكَونَ بشَكلِ فيُبَ، حتَّى سَجَّل تارِيخَ حَياةِ كلِّ شَجَرةٍ في كلِّ بِذْرٍ مِن بُذُورِها، ودَوَّن وَظائفَ حَياةِ كلِّ عُشبٍ ومَهامَّ كلِّ زَهرٍ في جَميعِ نَواها.. وكَتَب جَميعَ حَوادِثِ الحَياةِ لكلِّ ذِي شُه قد أفي قُواه الحافِظةِ الصَّغيرةِ كحَبّةِ الخَرْدَلِ.. واحتَفَظَ بكلِّ عَمَلٍ في مُلكِه كافّةً وبكلِّ حادِثةٍ في دَوائرِ سَلطَنَتِه بالْتِقاطِ صُوَرِها المُتَعدِّدةِ.. واحِ أَبخَلَق الجَنّةَ والنّارَ والصِّراطَ والمِيزانَ الأَكبرَ لِأَجلِ تَجَلِّياتِ وتَحَقُّقِ العَدالةِ والحِكمةِ والرَّحمةِ الَّتي هي أَهَمُّ أَساسُ بِيَُبُوبيّةِ..
فهل يُمكِنُ لهذا الحاكِمِ الحَكيمِ ولهذا العَليمِ الرَّحيمِ ألّا يُسَجِّلَ أَعمالَ الإنسانِ الَّتي تَتَعلَّقُ بالكائناتِ؟!
— 74 —
وهل يُمكِنُ ألّا يُدَوِّنَ أَفعالَه للثَّوابِ والعِقابِ، ولا يَكتُبَ سَيِّئاتِه وحَسَناتِه فيُّورِ حِ القَدَرِ؟! حاشا لله وكلَّا بعَدَدِ حُرُوفِ ما كُتِبَ في اللَّوحِ المَحفُوظِ للقَدَرِ.
أي: إنَّ حَقيقةَ"الإيمانِ بالله"معَ حُجَجِها تُثبِتُ حَقيقةَ"الإيمانِ بالمَلائكةِ"،كما تُثبِتُ حَقيقةَ"الإيمانِ بالقَدَرِ"أَيضًا إثباتًا قمْئِنُ، كالشَّمسِ الَّتي تُظهِرُ النَّهارَ والنَّهارِ الَّذي يَدُلُّ على الشَّمسِ.
وهكذا، فالأَركانُ الإيمانيّةُ يُثبِتُ بعضُها بَعضًا.
النُّقطةُ الثانية:
إنَّ جَميعَ ما دَعَت إلَيه الكَّعوَىوالصُّحُفُ السَّماوِيّةُ وفي مُقَدِّمَتِها القُرآنُ الكَريمُ، وجَميعَ الدَّعَواتِ الَّتي قامَ بها الأَنبِياءُ عَلَيهِم السَّلَام وفي مُقَدِّمَتِهم مُحمَّدٌ (ص)، تَدُورُ على أُسُسٍ ثابِتةٍ وأَركانٍ مُعيَّنةٍ؛ ولقد سَعَى جَميعُهمَطَأٍ تِ الأُسُسِ وتَلقِينِها للآخَرين.. لِذا فجَميعُ الحُجَجِ والدَّلائلِ الَّتي تَشهَدُ على نُبُوَّتِهم وصِدقِهم مُتَوجِّهةٌ معًا إلى تلك الأُسُسِ والأَركانِ مِمّا يَزِيدُها قُوّةً وأَحَقِّيّةً. وما تلك الأُسُسُ إلّا الإه، وهُباللهِ، وباليومِ الآخِرِ، وبمَلائكَتِه، وكُتُبِه، ورُسُلِه، وبالقَدَرِ خَيرِه وشَرِّه مِنَ اللهِ تَعالَى.
فلا يُمكِنُ إذًا التَّفريقُ بينَ أَركانِ الإيمانِ اِن أَحةِ إطلاقًا، حيثُ إنَّ كُلَّ رُكنٍ مِنَ الأَركانِ يُثبِتُ الأَركانَ عامّةً بل يَستَدعِيها ويَقتَضِيها، لذا فإنَّ الأَركانَ السِّتّةَ كلٌّ لا يَقبَلُ التَّجزِئةَ البَتّةَ، وكُلِّيٌّ لا يُمكِنُ أن يَنقلُ أنّبدًا؛ فكما أنَّ كلَّ غُصنٍ مِن أَغصانِ الشَّجَرةِ المُبارَكةِ یی شَجَرةِ طُوبَى یی المُمتَدِّ جَذرُها في السَّماءِ، وكلَّ ثَمَرٍ مِن ثِمارِها وكلَّ وَرَقةٍ مِن أَوراقِها يَستَنِدُرارًا:لحَياةِ الخالِدةِ لتلك الشَّجَرةِ، فلا يُمكِنُ لِأَحَدٍ أن يُنكِرَ حَياةَ وَرَقةٍ واحِدةٍ مُتَّصِلةٍ بتلك الشَّجَرةِ ما لم يَتَحقَّقْ له إنكارُ حَياةِ تلك الشَّجَرةِ الظّاهَبَديُّهُورًا ساطِعًا كالشَّمسِ؛ ولَئِن أَنكَرَ فإنَّ تلك الشَّجَرةَ تُكَذِّبُه بعَدَدِ أَغصانِها وثِمارِها وأَوراقِها وتُسْكِتُه، كذلك الإيمانُ بأَركانِه السِّتّةِ هو بالصُّورةِ نَف الأوّ هذا، ولقد كانَتِ النِّيّةُ مَعقُودةً على بَيانِ الأَركانِ الإيمانيّةِ السِّتّةِ في سِتِّ نِقاطٍ وفي كلِّ نُقطةٍ خَمسُ نِكاتٍ ذاتِ مَغزًىَقصاه َتِ الرَّغبةُ مُتَوجِّهةً إلى إجابةِ السُّؤالِ
— 75 —
المُثيرِ الوارِدِ في المُقدِّمةِ ببَيانٍ أَكثَرَ وتَوضِيحٍ أَوْسَعَ، إلّا أنَّ عوائقَ وعَوارِضَ حالَت دُونَ ذلك؛ بَيْدَ أنَّني أَخالُ أنَّ "النُّقطةَ الأُولَى" لم ت مُتَفَبِيلًا لإيضاحٍ أَكثَرَ لِأَهلِ الدِّرايةِ، حيثُ إنَّها مِقياسٌ كافٍ للمَوضُوعِ.
وهكذا وُضِّحَ تَمامًا أنَّه: إذا ما أَنكَرَ المُسلِمُ أيّةَ حَقيقةٍ إيمانيّةٍ كانحالٍ أَّه يَتَردَّى إلى الكُفرِ المُطلَقِ، إذ تَسَلسَلَتِ الأَركانُ الإيمانيّةُ بعضُها ببَعضٍ، وفُصِّلَ في الإسلامِ ووُضِّحَ ما أُجمِل في الأَديانِ الأُخرَى.. فالمُسلِمُ الَّذي لا يَعرِفُ مُحمَّدًا (صاصّةٌ يُصَدِّقُ به فلا يَعرِفُ اللهَ سُبحانَه (بصِفاتِه) ولا يَعرِفُ الآخِرةَ كذلك.. فإيمانُ المُسلِمِ قَوِيٌّ ورَصِينٌ إلى دَرَجةٍ لا يَتَزَعزَعُ أَبَدًا، ولا يَدَعُ مَجالًا لَ على رِ قَطعًا، لِاستِنادِه إلى حُجَجٍ كثيرةٍ جِدًّا، حتَّى كأنَّ العَقلَ يَرضَخُ رُضُوخًا لِقَبُولِ هذا الإيمانِ.
النُّقطة الثالثة:
قلتُ ذاتَ مَرّةٍ:"الحَمدُ للهِ"، الباربَحَثتُ عن نِعمةٍ عَظيمةٍ جِدًّا تُقابِلُ مَعناها الواسِعَ جِدًّا، فخَطَر على القَلبِ الجُملةُ الآتيةُ:
الحَمدُ للهِ على الإيمانِ باللهِ، وعلى وَحْدانيَّتِه، وعلى وُجُوبِ وُجُودِه، وعلى صِفاتِه، وأَسمائِه، حَمْدًا بعَدَدِ تَجَلِّونَعيمَسمائِه مِنَ الأَزَلِ إلى الأَبَدِ.
فتَأَمَّلتُ فيها فوَجَدتُها مُطابِقةً تَمامًا للمَعنَى.. وهي كالآتي:

..............

* * *

— 76 —
المسألة العاشرة
زهرة أميرداغ
(ردٌّ شافٍ ومُقنِعٌ على اعتراضاتٍ تَرِدُ حولَ التَّكالإِعاي القرآنِ الكريم)
إخواني الأعِزّاءَ الأوفياءَ..
كنتُ أُعاني مِن حالةٍ مُضطَرِبةٍ بائِسةٍ حِينَما تَناوَلْتُ هذه المَسأَلةَ بالكِتابةِ، لِذا صاحِبَفَها شيءٌ مِنَ الغُمُوضِ لِكَونِها بَقِيَت كما جاءَت عَفْوَ الخاطِرِ؛ ولكنِّي أَدرَكتُ أنَّ تلك العِباراتِ المُشَوَّشةَ تَنطَوِي على إعجازٍ رائِعٍ.. فيا أَسَ، وخُلْ لم أَستَطِع أن أُوفِيَ حَقَّ هذا الإعجازِ مِنَ الأَداءِ والتَّعبِيرِ، فعِباراتُ الرِّسالةِ مَهما كانَت خافِتةَ الأَنوارِ، إلّا أنَّها تُعَدُّ یلُ الوحيثُ تَعَلُّقُها بالقُرآنِ الكَريمِ یی "عِبادةً فِكرِيّةً" وصَدَفَةً تَضُمُّ لَآلِئَ نَفيسةً سامِيةً، فالرَّجاءُ أن تَصرِفُوا النَّظَرَ عن قِشرَتِها وتُنعِمُوا النَّظَرَ بما فيها مِن لَآلِئَ ساطِعةٍ.. فإأنَّ ادتُمُوها جَدِيرةً حَقًّا فاجْعَلُوها "المَسأَلةَ العاشِرةَ" لرِسالةِ الثَّمَرةِ، وإلّا فاقبَلُوها رِسالةً جَوابيّةً عن تَهانِيكُم.
ولقدِ اضطُرِرتُ إلى كِتابَتِها في غايةِ الإجمالِ والِاقتِضابِ، لِما كُنتُ أُكاِنَّهُِن سُوءِ التَّغذِيةِ وأَوجاعِ الأَمراضِ، حتَّى إنَّني أَدرَجتُ في جُملةٍ واحِدةٍ مِنها حَقائقَ وحُجَجًا غَزِيرةً، وأَتمَمتُها بفَضلِ اللهِ في يَومَينِ مِن أَيّامِ شَهرِ رَمَضانَ المُبارَكِ.. فأَرجُو المَعذُِوحٍ اَّا بَدَر مِنِّي مِن تَقصِيرٍ. (حاشية): هذه المسألة زُهَيرة لطيفة وَضَّاءة لهذا الشَّهر الكَرِيم ولِمَدِينة "أَميرْداغْ"، أُلحِقَت بی"ثَمَرَة" سجنِ "دَنِيزْلي" على أنَّها "المَسأَلة العَاشِرة"، فَهي تُزيلُ بإذن الله مَا يَنفُثُه أهلُ الضِنا حَة مِن سُمُومِ الأوهامِ العَفِنةِ حولَ ظاهرةِ التَّیكرار في القرآن، وذَلك بِبيَانِها حِكمةً مِن حِكَمِها الكَثيِرة.
— 77 —
إخوَتي الأَوفياءَ الصّادِقين..
حِينَما كُنتُ أَتلُو القُرآنَ المُعجِوسَميعَيانِ في الشَّهرِ المُبارَكِ (رَمَضانَ)، تَدَبَّرتُ في مَعاني الآياتِ الثَّلاثِ والثَّلاثين الَّتي وَرَدَت إشارَاتُها إلى رَسائلِ النُّورِ في "الشُّعاعِ امَصابِلِ"، فرَأَيتُ أنَّ كلَّ آيةٍ مِنها، بل آياتِ تلك الصَّفحةِ في المُصحَفِ ومَوضُوعَها، كأنَّها تُطِلُّ على رَسائلِ النُّورِ وطُلّابِها مِمةِ؛ فِ نَيلِهم غَيضًا مِن فَيضِها وحَظًّا مِن مَعانيهاٍ، لا سِيَّما آيةَ النُّورِ في سُورةِ النُّورِ، فهي تُشِيرُ بالأَصابعِ العَشرِ إلى رَسائلِ النُّورِ، كما أنَّ الآياتِ الَّتي تَعقُبُها یی وهي آيةُ الظُّلُماتِ یی تُطِلُّ ِ لِلحعارِضِي الرَّسائلِ وأَعدائِها، بل تُعطِيهم حِصّةً كُبْرَى، إذْ لا يَخفَى أنَّ مَقامَ تلك الآياتِ وأَبعادَها ومَرامِيَها غيرُ قاصِرةٍ على زَمانٍ ومَكانٍ مُعَيَّنَينِ، بل تَشمَلُ الأَزمِنةَ والأَمكِنةَ جَمِيعَها، أي: تَخرُجُ مِن جُزئيَّ المََمكِنةِ والأَزمِنةِ إلى كُلِّيَّتِهما الشّامِلةِ؛ لِذا شَعَرتُ أنَّ رَسائلَ النُّورِ وطُلّابَها إنَّما يُمَثِّلُون في عَصرِنا هذا یی حَقَّ التَّمثيلِ یی فَردًا واحِدًا مِن أَفرادِ تلك الكُلَّرِيُّالشَّامِلةِ.
إنَّ خِطابَ القُرآنِ الكَريمِ قدِ اكتَسَب الصِّفةَ الكُلِّيّةَ والسَّعةَ المُطلَقةَ والرِّفعةَ السَّامِيةَ والإحاطةَ الشَّامِلةَ، الأَمُورِه مُباشَرةً مِنَ المَقامِ الواسِعِ المُطلَقِ للرُّبُوبيّةِ العامَّةِ الشّامِلةِ للمُتَكلِّمِ الأَزَليِّ سُبحانَه.. ويَكتَسِبُها مِنَ المَقامِ الواسِعِ العَظيمِ لِمَن أُنزِل علَيه هذا الكِتابُ، ذلِكُمُ النَّبيُّ اِفَتِنُ (ص) المُمَثِّلُ للنَّوعِ البَشَريِّ والمُخاطَبُ باسمِ الإنسانيّةِ قاطِبةً، بل باسمِ الكائناتِ جَميعًا.. ويَكتَسِبُها أيضًا مِن تَوَجُّهِ الخِطابا إِنّالمَقامِ الواسِعِ الفَسِيحِ لِطَبَقاتِ البَشَريّةِ كافّةً وللعُصُورِ كافّةً.. ويَكتَسِبُها أيضًا مِنَ المَقامِ الرَّفيعِ المُحيطِ النّابعِ مِنَ البَيانِ الشَّافي لِقَوانينِ اللهِ ضعةِ نَه المُتَعلِّقةِ بالدُّنيا والآخِرةِ، بالأَرضِ والسَّماءِ، بالأَزَلِ والأَبَدِ، تلك القَوانينِ الَّتي تَخُصُّ رُبُوبيَّتَه وتَشمَلُ أُمُوافِهةًَخلُوقاتِ كافّةً.
فهذا الخِطابُ الجَليلُ الَّذي اكتَسَب مِنَ السَّعةِ والسُّمُوِّ والإحاطةِ والشُّمُولِ ما اكتَسَب، يُبرِزُ إعجازًا رائعًا وإحاطةً شامَِّ"الحيثُ: إنَّ مَراتِبَه الفِطرِيّةَ والظّاهِرِيّةَ الَّتي تُلاطِفُ أَفهامَ العَوامِّ البَسِيطةَ یی وهم مُعظَمُ المُخاطَبِينَ یی تَمنَحُ في الوَقتِ نَفسِه حِصّةً
— 78 —
وافِرةً لِأَعلَى المُستَوَياتِ الفِكرتَّوحِولِأَرقَى الطَّبَقاتِ العَقلِيّةِ، فلا يَهَبُ لِمُخاطَبِيه شَيئًا مِن إرشاداتِه وَحدَها، ولا يَخُصُّهم بعِبرةٍ مِن حِكايةٍ تارِيخيّةٍ فَقَطْ، بل يُخاطةَ حُجَ ذلك كلَّ طَبَقةٍ في كلِّ عَصْرٍ یی لِكَونِها فَرْدًا مِن أَفرادِ دُستُورٍ كُلِّيٍّ یی خِطابًا نَدِيًّا طَرِيًّا جَدِيدًا كأنَّه الآنَ يَنزِلُ علَيهم.
ولا سِيَّما كَثرةُ تَكرارِه: ارْضِ رِمِينَ.. الظَّالِمِينَ.. وزَجْرُه العَنيفُ لهم وإنذارُه الرَّهِيبُ مِن نُزُولِ مَصائبَ سَماوِيّةٍ وأَرضِيّةٍ بذُنُوبِهم ومَظالِمِهم، فيَلفِتُ الأَنظارَ بهذا الَخاصِمرِ إلى مَظالِمَ لا نَظِيرَ لها في هذا العَصرِ، بعَرضِه أَنواعًا مِنَ العَذابِ والمَصائبِ النَّازِلةِ على قَوْمِ عادٍ وثَمُودَ وفِرعَونَ؛ وفي الوَقتِ نَفسِه يَبعَثُ السُّلوانَ والطُّمَأنينةَ إلىإذا قابِ المُؤمِنين المَظلُومين، بذِكرِه نَجاةَ رُسُلٍ كِرامٍ أَمثالَ إبراهِيمَ ومُوسَى عَلَيهِمَا السَّلَام.
ثمَّ إنَّ هذا القُرآنَ العَظيمَ يُرشِدُ كلَّ طَبَقةٍ مِن كلِّ عَصرٍ إرشادًكما أنحًا بإعجازٍ رائعٍ مُبَيِّنًا: أنَّ "الأَزمِنةَ الغابِرةَ" والعُصُورَ المُندَثِرةَ الَّتي هي في نَظَرِ الغافِلين الضّالِّين وادٍ مِن عَدَمٍ سَحِيقٍ مُوحِشٍ رَهِيبٍ، ومَقبَرةٌ مُندَرِسة لَا إمةٌ كَئيبةٌ، يَعرِضُها صَحيفةً حَيّةً تَطفَحُ عِبَرًا ودُرُوسًا، وعالَمًا عَجِيبًا يَنبِضُ بالحَياةِ ويَتَدفَّقُ بالحَيَويّةِ مِن أَقصاه إلى أَقصاه، ومَملَكةً رَبّانيّةً تَرتَبِطُ معَنا بوَشلنُّورأَواصِرَ فيُبيِّنُها بإعجازِه البَدِيعِ واضِحةً جَلِيّةً كأنَّها مَشهُودةٌ تُعرَضُ أَمامَنا على شاشةٍ، فتارةً يأتي بتلك العُصُورِ ماثِلةً شاخِصةً أَمامَنا، وتارةً يَأخُذُنا إلى تلك العُصُورِ.
ويُبيِّنُ بالإعجازِ نَفسِه ا..
#2نَ" الَّذي يَراه الغافِلُون فَضاءً مُوحِشًا بلا نِهايةٍ، وجَماداتٍ مُضطَرِبةً بلا رُوحٍ تَتَدحرَجُ في دَوّامةِ الفِراقِ والآلامِ، يُبيِّنُه القُرآنُ كِتابًا بَليغًا، كَتَبه الأَحَدُ الصَّمَدُ، ومَدِينةً مُنَسَّقةً عَمَرَها اَّذِي ٰنُ الرَّحِيمُ، ومَعرِضًا بَدِيعًا أَقامَه الرَّبُّ الكَريمُ لإِشهارِ مَصنُوعاتِه؛ فيَبعَثُ بهذا البَيانِ حَياةً في تلك الجَماداتِ، ويَجعَلُ بَعضَها يَسعَى لإِمدادِ الآخَرِ، وكلُّلِاستِ يُغيثُ الآخَرَ ويُعِينُه كأنَّه يُحاوِرُه مُحاوَرةً وُدِّيّةً صَمِيميّةً، فكلُّ شيءٍ مُسَخَّرٌ وكلُّ شيءٍ أُنِيطَ به وَظيفةٌ وواجِبٌ.. وهكذا يُلقِي القُرآنُ دُرُوسَ الحِكمةِ الحَقُزَيِِّ والعِلمِ المُنَوَّرِ إلى الإنسِ والجِنِّ والمَلائكةِ كافّةً.. فلا رَيبَ
— 79 —
أنَّ هذا القُرآنَ العَظيمَ الَّذي له هذا الإعجازُ في البَيانِ قَمِينٌ بأن يَحُوزَ خَواصَّ راقيةً عاليةً، ومِيزاتٍ مُقَدَّسةً سامِيةً، أَمثالَ:
ٍ، وقَِ حَرفٍ مِنه عَشْرُ حَسَناتٍ، بل أَلفُ حَسَنةٍ أَحيانًا، بل أُلُوفُ الحَسَناتِ في أَحيانٍ أُخرَى.. وعَجْزُ الجِنِّ والإنسِ عنِ الإتيانِ بمِ، فقد لوِ اجتَمَعُوا له.. ومُخاطَبَتُه بَني آدَمَ جَمِيعَهم بلِ الكائناتِ برُمَّتِها مُخاطَبةً بَلِيغةً حَكِيمةً.. وحِرْصُ المَلايينِ مِنَ النّاسِ في كلِّ عَصْرٍ على حِفظِه عن ظَهريقُولُبٍ بشَوقٍ ومُتعةٍ.. وعَدَمُ السَّأَمِ مِن تِلاوَتِه الكَثيرةِ رَغمَ تَكراراتِه.. واستِقرارُه التّامُّ في أَذهانِ الصِّغارِ اللَّطِيفةِ البَسِيطةِ معَ كَثرةِ ما فيه مِن جُمَلٍ وخِرةِ"عَ تَلتَبِسُ علَيهِم.. وتَلَذُّذُ المَرضَى والمُحتَضَرين الَّذين يَتَألَّمُون حتَّى مِن أَدنَى كَلامٍ بسَماعِه، وجَرَيانُه في أَسماعِهم عَذْبًمِثالٍِبًا.. وغَيرُها مِنَ الخَواصِّ السَّامِيةِ والمَزايا المُقدَّسةِ الَّتي يَحُوزُها القُرآنُ الكَريمُ، فيَمنَحُ قُرَّاءَه وتَلامِيذَه أَنواعًا مِن سَعادةِ الدَّارَينِ.
ويُظهرُ إعجازَه الجَميلَ أيضًا في "أُسلُوبِ إرشادِه البَلِيغِ" حيثُ رازةً وقحسَنَ الرِّعايةِ أُمِّيّةَ مُبَلِّغِه الكَريمِ (ص) باحتِفاظِه التّامِّ على سَلاسَتِه الفِطرِيّةِ، فهو أَجَلُّ مِن أن يَدنُوَ مِنه تَكَلُّفٌ أو تَصَنُّعٌ أو رِياءٌ مَهماِكُما َوعُه، فجاءَ أُسلُوبُه مُستَساغًا لَدَى العَوامِّ الَّذين هم أَكثَريّةُ المُخاطَبِين مُلاطِفًا بَساطةَ أَذهانِهم بتَنَزُّلاتِه الكَلامِيّةِ القَرِيبةِ مِن أَفدَخُّل.. باسِطًا أَمامَهم صَحائفَ ظاهِرةً ظُهُورًا بَدِيهيًّا كالسَّماواتِ والأَرضِ.. مُوَجِّهًا الأَنظارَ إلى مُعجِزاتِ القُدرةِ الإِلٰهيّةِ وسُطُورِ حِكمَتِه البالِغةِ المُضمَرَتَينِ تحتَ العادِيّاتِ مِنَ الأُمورِ والأَشياءِ.
ثَّطٍ رَّ القُرآنَ الكَريمَ يُظهِرُ نَوعًا مِن إعجازِه البَدِيعِ أَيضًا في "تَكرارِه البَليغِ" لِجُملةٍ واحِدةٍ، أو لِقِصّةٍ واحِدةٍ، وذلك عِندَ إرشادِه طَبَقاتٍ مُتَبايِنةً مِنَ المُخاطَبين إلى مَعانٍ عِدّةٍ وعِبَرٍ كَثيرةٍ في تلك الآيةِ امًا مقِصّةِ، فاقتَضَى التَّكرارَ، حيثُ إنَّه كِتابُ دُعاءٍ ودَعوةٍ كما أنَّه كِتابُ ذِكرٍ وتَوحيدٍ، وكلٌّ مِن هذا يَقتَضِي التَّكرارَ، فكلُّ ما كُرِّرَ في القُربةً تَكَريمِ إذًا مِن آيةٍ أو قِصّةٍ إنَّما تَشتَمِلُ على مَعنًى جَديدٍ وعِبرةٍ جَديدةٍ.
— 80 —
ويُظهِرُ إِعجازَه أَيضًا عِندَ تَناوُلِه "حَوادِثَرَ لِوّةً" وَقَعَت في حَياةِ الصَّحابةِ الكِرامِ أَثناءَ نُزُولِه وإرسائِه بِناءَ الإسلامِ وقَواعِدَ الشَّرِيعةِ، فتَراه يَأخُذُ تلك الحَوادِثَ بنَظَرِ الِاهتِمامِ البالِغِ، مُبيِّنًا بها أنَّ أَدَقَّ اُ بَقِرِ لِأَصغَرِ الحَوادِثِ جُزئيّةً إنَّما هي تحتَ نَظَرِ رَحمَتِه سُبحانِه، وضِمنَ دائرةِ تَدبِيرِه وإرادَتِه، فَضْلًا عن أنَّه يُظهِرُ بها سُنَنًا إِلٰهيّةً جارِيةً في الكَونِ ودَساتيرَ كُلِّيّةً شامِلةً؛ َورِ ألى ذلك أنَّ تلك الحَوادِثَ الَّتي هي بمَثابةِ النُّوَيّاتِ عِندَ تَأسِيسِ الإسلامِ والشَّرِيعةِ، ستُثمِرُ فيما يأتي مِنَ الأَزمانِ ثِمارًا يانِعةً مِنَ الأَحكامِ والفَوائدِ.
إنَّ حِرمانُرَ الحاجةِ يَستَلزِمُ التَّكرارَ. هذه قاعِدةٌ ثابِتةٌ، لذا فقد أَجابَ القُرآنُ الكَريمُ عن أَسئِلةٍ مُكرَّرةٍ كَثيرةٍ خِلالَ عِشرِين سَنةً، فأَرشَدَ بإجاباتِه المُكَرَّرةِ طَبَقاتٍ كَثيرةً مُتَبايِنةً مِنَ المُخاطَبِين؛ فهو يُكََبابِ جُمَلًا تَملِكُ أُلُوفَ النَّتائجِ، ويُكَرِّرُ إرشاداتٍ هي نَتِيجةٌ لِأَدِلّةٍ لا حَدَّ لها، وذلك عِندَ تَرسِيخِه في الأَذهانِ وتَقرِيرِه في القُلُوبِ ما سيَحدُثُ مِنِ انقِلابٍ عَظِيمٍ وتَبَدُّلٍ رَهيبٍ في العالَمِ، وما سيُصِيبُه مِن دَمَقِيقةَفَتُّتِ الأَجزاءِ، وما سيَعقُبُه مِن بِناءِ الآخِرةِ الخالِدةِ الرّائعةِ بَدَلًا مِن هذا العالَمِ الفاني.
ثمَّ إنَّه يُكَرِّرُ تلك الجُمَلَ والآياتِ أيضًا عِندَ إثباتِه أنَّ جَميعَ الجُزئيّاتِ والكُلِّيّاتِ ابتِداءً مِنَ الذَّرّاتِ إلى الكَمالِمِ إنَّما هي في قَبْضةِ واحِدٍ أَحَدٍ سُبحانَه وضِمنَ تَصَرُّفِه جَلَّ شَأنُه.
ويُكرِّرُها أيضًا عِندَ بَيانِه الغَضَبَ الإِلٰهيَّ والسَّخَطَ الرَّبّاةَ لِمعلى الإنسانِ المُرتَكِبِ للمَظالِمِ عِندَ خَرْقِه الغايةَ مِنَ الخَلقِ، تلك المَظالِمِ الَّتي تُثيرُ هَيَجانَ الكائناتِ والأَرضِ والسَّماءِ والعَناصكلِّ شُؤَجِّجُ غَضَبَها على مُقتَرِفيها.
لِذا فإنَّ تَكرارَ تلك الجُمَلِ والآياتِ عِندَ بَيانِ أَمثالِ هذه الأُمُورِ العَظِيمةِ الهائلةِ لا يُعَدُّ نَقصًا في البَلاغةِ قَاثنَينل هو إعجازٌ في غايةِ الرَّوعةِ والإبداعِ، وبَلاغةٌ في غايةِ العُلُوِّ والرِّفعةِ، وجَزالةٌ یی بل فَصاحةٌ یی مُطابِقةٌ تَطابُقًا تامًّا لِمُقتَضَى ال، وأُسفعلى سَبِيلِ المِثالِ:
— 81 —
إنَّ جُملةَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هي آيةٌ واحِدةٌ تَتكرَّرُ مِئةً وأَربَعَ عَشْرةَ مَرّةً في القُرآنِ الكَريمِ، ذلك ومُوازها حَقيقةٌ كُبرَى تَملَأُ الكَونَ نُورًا وضِياءً، وتَشُدُّ الفَرْشَ بالعَرْشِ برِباطٍ وَثيقٍ یی كما بَيَّنّا في اللَّمْعةِ الرّابعةَ عَشْرةَ یی فما مِن أَحَدٍ إلّا وهو بحاجةٍ مَسِيسةٍ إلى هذه الحَقيقةِ في كلِّ حِيَ مِن و تَكَرَّرَت هذه الحَقيقةُ العُظمَى مَلايِينَ المَرّاتِ، فالحاجةُ ما زالَت قائمةً باقيةً لا تَرْتَوِي، إذ لَيسَت هي حاجةً يَومِيّةً كالخُبزِ، بل هي أيضًا كالهَواءِ والضِّياءِ الَّذي يُضطَرُّ إلَيه ويُشتاقُ جُزئيدَقيقةٍ.
وإنَّ الآيةَ الكَرِيمةَ: وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ تَتكَرَّرُ ثَمانِيَ مَرّاتٍ في سُورةِ "الشُّعَراءِ"، فتَكرارُ هذه الآيةِ العَظِيمةِ الَّتي تَنطَوِي على أُلُوفِ الحَقائقِ في سُورةٍ تَذْكُرُ نَجاةَ الأَنبِياوالنََّيهِم السَّلَام وعَذابَ أَقوامِهم، إنَّما هو لِبَيانِ: أنَّ مَظالِمَ أَقوامِهم تَمَسُّ الغايةَ مِنَ الخَلْقِ، وتَتَعرَّضُ إلى عَظَمةِ الرُّبُوبيّةِ المُطلَقةِ، فتَقتَضي العِزّةُ الرَّبّانيّةُ عَذِرون اك الأَقوامِ الظّالِمةِ مِثلَما تَقتَضي الرَّحمةُ الإِلٰهيّةُ نَجاةَ الأَنبِياءِ عَلَيهِم السَّلَام؛ فلو تَكَرَّرَت هذه الآيةُ أُلُوفَ المَرّاتِ لَمَا انقَضَنَّك لاجةُ والشَّوقُ إلَيها، فالتَّكرارُ هُنا بَلاغةٌ راقِيةٌ ذاتُ إعجازٍ وإيجازٍ.
وكذلك الآيةُ الكَريمةُ: فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ المُكَرَّرةُ فين يُستِ "الرَّحمٰنِ"، والآيةُ الكَريمةُ: وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ المُكَرَّرةُ في سُورةِ "المُرسَلاتِ"، تَصرُخُ كلٌّ مِنهما في وَجهِ العُصُورِ ق وعَجز وتُعلِنُ إعلانًا صَرِيحًا في أَقطارِ السَّماواتِ والأَرضِ أنَّ كُفْرَ الجِنِّ والإِنسِ وجُحُودَهم بالنِّعَمِ الإِلٰهيّةِ، ومَظالِمَهمُ الشَّنيعةَ، ي ذا ال غَضَبَ الكائناتِ ويَجعَلُ الأَرضَ والسَّماواتِ في حِنْقٍ وغَيظٍ علَيهم.. ويُخِلُّ بحِكمةِ خَلقِ العالَمِ والقَصدِ مِنه.. ويَتَجاوَزُ حُقُوقَ المَخلُوقاتِ كافّةً ويَتَعدَّى علَيها.. ويَستَخِفُّ بعَظَمةِ الأُلوُهيّةَ مِنَكِرُها، لذا فهاتانِ الآيَتانِ تَرتَبِطانِ بأُلُوفٍ مِن أَمثالِ هذه الحَقائقِ، ولَهما مِنَ الأَهَمِّيّةِ ما لِأُلُوفِ المَسائلِ وقُوَّتِها، لو تَكَرَّرَتا أُلُوفَ المَرّاتِ في خِطابٍ عامٍّ مُوَجَّهٍ إلى الجِنِّ والإنسِ ُ بالأتِ الضَّرُورةُ قائمةً بَعدُ، والحاجةُ إلَيها ما زالَت مَوجُودةً باقيةً؛ فالتَّكرارُ هنا بلاغةٌ مُوجَزةٌ جَليلةٌ ومُعجِزةٌ جَميلةٌ.
— 82 —
ومثالٌ آخَرُ نَسُوقُه حَولَ حِكمةٍ التَّكرارِ في الحَديثِ النفَلسَفِّ (ص): فالمُناجاةُ النَّبَويّةُ المُسَمّاةُ بی"الجَوشَنِ الكَبيرِ" مُناجاةٌ رائعةٌ مُطابِقةٌ لِحَقيقةِ القُرآنِ الكَريمِ، ونَمُوذَجٌ مُستَخلَصٌ مِنه.. نَرَى فيها جُملةَ:"سُبحانَك يا لا إِلٰهَ إلّا أنتَ، الأَمانَ الأَمانَ، خَلِّصْنا مِنَا، فإنرِ.. أَجِرْنا مِنَ النّارِ.. نَجِّنا مِنَ النّارِ"،هذه الجُمَلُ تَتَكرَّرُ مِئةَ مَرّةٍ، فلو تَكَرَّرَت أُلُوفَ المَرّاتِ لَمَا وَلَّدَتِ السَّأَمَ، إذ إنَّها تَنطَوِي على أَجَلِّ حَقيقةٍ في الكَونِ وهي التَّوحِيدُ، وأَجَلِّ وُذُورُ للمَخلُوقاتِ تِجاهَ رَبِّهِمُ الجَليلِ وهي التَّسبِيحُ والتَّحمِيدُ والتَّقدِيسُ، وأَعظَمِ قَضِيّةٍ مَصِيريّةٍ للبَشَريّةِ وهي النَّجاةُ مِنَ النّارِالِ والاصُ مِنَ الشَّقاءِ الخالِدِ؛ وأَلْزَمِ غايةٍ للعُبُودِيّةِ وللعَجْزِ البَشَرِيِّ وهي الدُّعاءُ.
وهكذا نَرَى أَمثالَ هذه الأُسُسِ فيما تَشتَمِلُ علَيه أَنواعُ التَّكرارِ في القُرآنِ الكَريمِ، حتَّى نَرَى أنَّه ِيّةِ ِرُ أَكثَرَ مِن عِشرِين مَرّةً عن حَقيقةِ التَّوحِيدِ صَراحةً أو ضِمنًا، في صَحيفةٍ واحِدةٍ مِنَ المُصحَفِ، وذلك حَسَبَ اقتِضاءِ المَقامِ، ولُزُومِ الحاجةِ إلى الإفهامِ، وبلاغةِ البَيانِ، فيُهيِّجُ بالتَّكراراةٍ مَِوْقَ إلى تَكرارِ التِّلاوةِ، ويُمِدُّ به البَلاغةَ قُوّةً وسُمُوًّا مِن دُونِ أن يُورِثَ سَأَمًا أو مَلَلًا.
ولقد أَوضَحَتْ أَجزاءُ رَسائلِ النُّورَجَلِّةَ التَّكرارِ في القُرآنِ الكَريمِ وبَيَّنَتْ حُجَجَها وأَثبَتَت مَدَى مُلاءَمةِ التَّكرارِ وانسِجامِه معَ البَلاغةِ، ومَدَى حُسنِه وجَمالِه الرّالأَحِ
أمّا حِكمةُ اختِلافِ السُّوَرِ المَكِّيّةِ عنِ المَدَنِيّةِمِن حيثُ البَلاغةُ، ومِن جِهةِ الإعجازِ، ومِن حيثُ التَّفصيلُ والإجمالُ فهي كما يأتي:
إنَّ الصَّفَّ الأَوَّلَ مِنَ المُخاطَبين والمُعارِضين في مَكّةَ كانُواكُرَيّكِي قُرَيشٍ، وهم أُمِّيُّون لا كِتابَ لهم، فاقتَضَتِ البَلاغةُ أُسلُوبًا عالِيًا قَوِيًّا وإجمالًا مُعجِزًا مُقنِعًا، وتَكرارًا يَستَلزِمُه التَّثبِيتُ في الأَفهامِ؛ لِذا اهِرةِلَت أَغلَبُ السُّوَرِ المَكِّيّةِ أَركانَ الإيمانِ ومَراتِبَ التَّوحِيدِ بأُسلُوبٍ في غايةِ القُوّةِ والعُلُوِّ، وبإيجازٍ في غايةِ الإعجازِ، وكَرَّرَتِ الإيمانَ باللهِ والمَبدَأِ والمَعادِ والآخِرةِ كَثيرًا، بل ظِمةِ َّرَت عن تلك الأَركانِ الإيمانيّةِ في كلِّ صَحِيفةٍ أو آيةٍ، أو في جُملةٍ واحِدةٍ، أو كَلِمةٍ واحِدةٍ، بل رُبَّما عَبَّرَت عنها في حَرفٍ واحِدٍ، في
— 83 —
تَقديمٍ وتَأخِيرٍ، في تَعرِيفٍ وتَنكِيرٍ، في حَذْفٍ وذِكْرٍ؛ فأَثبَتَت أَركانَ الإيمانِ هذا امثالِ تلك الحالاتِ والهَيئاتِ البَلاغِيّةِ إثباتًا جَعَلَ عُلَماءَ البَلاغةِ وأَئِمَّتَها يَقِفُونَ حَيارَى مَبهُوتينَ أَمامَ هذا الأُسلُوبِ المُعجِزِ.
ولقد وَضَّحَت رَسائلُ النَواتٍ.یی ولا سِيَّما "الكَلِمةُ الخامِسةُ والعِشرُون: المُعجِزاتُ القُرآنيّةُ" معَ ذُيُولِها یی إعجازَ القُرآنِ في أَربَعِين وَجْهًا، وكذلك تَفسِيرُ "إشاراتُ الإعجازِ في مَظانِّ الإيجازِ" باللُّغةِ العَرَبيّةِ الَّظِيفَتيِّنُ بَيانًا رائعًا إعجازَ القُرآنِ مِن حيثُ وَجهُ النَّظمِ بينَ الآياتِ الكَريمةِ؛ فأَثبَتَت كِلْتا الرِّسالَتَينِ فِعلًا عُلُوَّ الأُسلُوبِ البَلاغِيِّ الفَذِّ وسُمُوَّ الإيجازِ المُعجِزِ.
أمّا الآياتُ المَدَنيّةُ وسُوَرُهافاوأُضَحُ الأَوَّلُ مِن مُخاطَبِيها ومُعارِضِيها كانُوا مِنَ اليَهُودِ والنَّصارَى وهم أَهلُ كِتابٍ مُؤمِنُون باللهِ، فاقتَضَت قَواعِدُ البَلاغةِ وأَساليبُ الإرشادِ وأُسُسُ التَّبلِيغِ أن يكُونَ الخِطابُ المُوَجَّهُ لِأَهلِ الكِتابِ مُطابِقًا لِواقِعتُنَوّهم، فجاءَ بأُسلُوبٍ سَهلٍ واضِحٍ سَلِسٍ، مع بَيانٍ وتَوضِيحٍ في الجُزئيّاتِ دُونَ الأُصُولِ والأَركانِ (الإيمانيّةِ)، لأنَّ تلك الجُزئيّاِت هي مَنشَأُ الأَحكامِ الفَرعِيّةِ والقَوانينِ الكُلِّيّةِ،َدُ شَرُ الِاختِلافاتِ في الشَّرائعِ والأَحكامِ.
لِذا فغالبًا ما نَجِدُ الآياتِ المَدَنيّةَ واضِحةً سَلِسةً بأُسلُوبٍ بَيانِيٍّ مُعجِزٍ خاصٍّ بالقُرآنِ الكَريمِ، ولكِنَّ ذِكْرَ القُرآنِ فَذْلَكةً قَو ورَأَأو نَتيجةً مُلَخَّصةً أو خاتِمةً رَصِينةً أو حُجّةً دامِغةً تَعقِيبًا على حادِثةٍ جُزئيّةٍ فَرْعيّةٍ، يَجعَلُ تلك الحادِثةَ الجُزئيّةَ قاعِدةً كُلِّيّةً عامّةً، ومِن بعدِ ذلك يَضمَنُ الِامتِثالَ بها بتَرسِيخِ الإيمانِ باللهِ58
ي يُحَقِّقُه ذِكْرُ تلك الفَواصِلِ الخِتامِيّةِ المُلَخِّصةِ للتَّوحِيدِ والأَسماءِ والآخِرةِ، فتَرَى أنَّ ذلك المَقامَ الواضِحَ السَّلِسَ يَتَنوَّرُ ويَسمُو بتلك الفَواصِلِ الخِتامِيّةِ.
ولقد بَيَّنَتوَى عللُ النُّورِ وأَثبَتَت حتَّى للمُعانِدِين مَدَى البَلاغةِ العاليةِ والمِيزاتِ الرّاقيةِ وأَنواعَ الجَزالةِ السّاميةِ الدَّقيقةِ الرَّفيعةِ في تلك الفَذْلَكاتِ والفَوتَوَجّوذلك في عَشْرِ مُمَيِّزاتٍ ونُكَتٍ في النُّورِ الثّاني مِنَ الشُّعلةِ الثّانيةِ للكَلِمةِ الخامِسةِ والعِشرِين الخاصّةِ بإعجازِ القُرآنِ.
— 84 —
فإ في مََ فانظُرْ إلى إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، وَهُوَ الْعَزِيزُ الحَكِيمُ، وأَمثالِها مِنَ الفَذْلَكاتِ الَّتي تُفيدُ التَّوحِيدَ َّانِعِّرُ بالآخِرةِ، والَّتي تَنتَهي بها أَغلَبُ الآياتِ الكَريمةِ، تَرَ أنَّ القُرآنَ الكَريمَ عِندَ بَيانِه الأَحكامَ الشَّرعيّةَ الفَرعيّةَ والقَوانينَ الِاجتِماعيّةَ يَرفَعُ نَظَرَ المُخاطَبِ إلى آفاقٍ كُلِّيّةٍ سامِيةٍ،َرّة تدِّلُ بهذه الفَواصِلِ الخِتامِيّةِ ذلك الأُسلُوبَ السَّهلَ الواضِحَ السَّلِسَ أُسلُوبًا عاليًا رَفيعًا، كأنَّه يَنقُلُ القارِئَ مِن دَرسِ الشَّرِيعةِ إلى دَرسِ التَّوحِيدِ؛ فيُثبِتُ أنَّ القُرآنَ كِتابُ شحُ كلٍّ وأَحكامٍ وحِكمةٍ كما هو كِتابُ عَقيدةٍ وإيمانٍ، وهو كِتابُ ذِكْرٍ وفِكْرٍ كما هو كِتابُ دُعاءٍ ودَعوةٍ.
وهكذا تَرَى أنَّ هناك نَمَطًا مِن جَزالةٍ مُعجِزةٍ ساطِعةٍ في الآياتِ المَدَنيّةِ هو غيرُ بلاغةِ الآياتِ ی مِن ِيّةِ، حَسَبَ اختِلافِ المَقامِ وتَنَوُّعِ مَقاصِدِ الإرشادِ والتَّبلِيغِ.
فقد تَرَى هذا النَّمَطَ في كَلِمتَينِ فقط: رَبِّكَ ورَبِّ الْعَاُ هذه َ إذ يُعلِّمُ الأَحَديّةَ بتَعبيرِ: رَبِّكَ، ويُعلِّمُ الواحِدِيّةَ بی رَبِّ الْعَالَمِينَ، فيُفِيدُ أنَّ الواحِدِيّةَ ضِمْنَ الأَحَديّةِ.
بل قد تَرَى ذلك النَّمَطَ مِنَالكَوناغةِ في جُملةٍ واحِدةٍ، فيُريك في آيةٍ واحِدةٍ مَثلًا نُفُوذَ عِلمِه إلى مَوضِعِ الذَّرّةِ في بُؤبُؤِ العَينِ، ومَوقِعَ الشَّمسِ في كَبِدِ السَّماٌ عَظيحاطةَ قُدرَتِه الَّتي تَضَعُ بالآلةِ الواحِدةِ كُلًّا في مَكانِه، جاعِلةً مِنَ الشَّمسِ كأنَّها عَينُ السَّماءِ. مَثلًا بَعدَ آية: خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ يَأتي بآية: يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي الُ قَصِْ فيُعَقِّبُها بی: وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ، أي: يُعَقِّبُ نُفُوذَ عِلمِه سُبحانَه إلى خَفايا الصُّدُورِ بعدَ ذِكرِه عَظَمةَ الخَلْقِ في السَّماواتِ والأَرضِ وبَسْطِها أَمامَ الأَنظارِ، فيُقِرُّ في جَميعَانِ أنَّه يَعلَمُ خَواطِرَ القُلُوبِ وخَوافِيَ شُؤُونِها ضِمنَ جَلالِ خَلّاقِيَّتِه للسَّماواتِ والأَرضِ وتَدبِيرِه لِشُؤُونِها.. فهذا التَّعقِيبُ: وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ لَونٌ مِنَ البَيانِ يُحَوِّلُ ذلك بحيثُلُوبَ السَّهلَ الواضِحَ الفِطْرِيَّ القَرِيبَ إلى أَفهامِ العَوامِّ، إلى إرشادٍ سامٍ وتَبلِيغٍ عامٍّ جَذّابٍ.
— 85 —
سُؤالٌ:إنَّ النَّظْرةَ السَّطْحِيّةَ العابِرةَ لا تَستَطِيعُ أن تَبُوَيْ يُورِدُه القُرآنُ الكَريمُ مِن حَقائقَ ذاتِ أَهَمِّيّةٍ، فلا تَعرِفُ نَوعَ المُناسَبةِ والعَلاقةِ بينَ فَذْلَكةٍ تُعبِّرُ عن تَوحِيدٍ سامٍ أو تُفيدُ دُستُورًا كُلِّ الَّذوبينَ حادِثةٍ جُزئيّةٍ مُعتادةٍ، لِذا يَتَوهَّمُ البَعضُ أنَّ هناك شَيئًا مِن قُصُورٍ في البَلاغةِ؛ فمَثلًا: لا تَظهَرُ المُناسَبةُ البَلاغيّةُ في ذِكرِ الدُّستُورِ العَظِيمِ: وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ تَعقِيبًا على حادِثةٍ جُزئيّابٌ خاي إيواءُ يُوسُفَ عَلَيهِ السَّلَام أَخاه إلَيه بتَدبِيرٍ ذَكِيٍّ.. فيُرجَى بَيانُ السِّرِّ في ذلك وكَشْفُ الحِجابِ عن حِكمَتِه؟
الجَوابُ:إنَّ أَغلَبَ السُّوَرِ المُطَوَّلةِ والمُتَوسِّطةِ الَّتي كلٌّ مِنهاإن لم ه قُرآنٌ على حِدةٍ، لا تَكتَفي بمَقصَدَينِ أو ثلاثةٍ مِن مَقاصِدِ القُرآنِ الأَربَعةِ (وهي: التَّوحِيدُ، النُّبُوّةُ، الحَشرُ، العَدْلُ معَ العُبُودِيّةِ)، بل كلٌّ مِنها يَتَضمَّنُ ماهيّةَ القُرآنِ َجَّهُ، والمَقاصِدَ الأَربَعةَ معًا، أي: كلٌّ مِنها: كِتابُ ذِكرٍ وإيمانٍ وفِكرٍ، كما أنَّه كِتابُ شَريعةٍ وحِكمةٍ وهِدايةٍ؛ فكلُّ سُورةٍ مِن تلك السُّوَرِ تَتَضمَّنُ كُتُبًا عِدّةً، وتُرشِدُ إلى دُرُوسٍ مُختَلِفةٍ مُتالعَصرةٍ.
فتَجِدُ أنَّ كلَّ مَقامٍ یی بل حتَّى الصَّحِيفةَ الواحِدةَ یی يَفتَحُ أَمامَ الإنسانِ أَبوابًا للإيمانِ يُحَقِّقُ بها إقرارَ مَقاصِدَ أُخرَى، حيثُ إنَّلاثين)آنَ يَذكُرُ ما هو مَسطُورٌ في كِتابِ الكَونِ الكَبيرِ ويُبَيِّنُه بوُضُوحٍ، فيُرَسِّخُ في أَعماقِ المُؤمِنِ إحاطةَ رُبُوبيَّتِه سُبحانَه بكلِّ شيءٍ، ويُرِيه تَجَلِّياتِِ، مِنَهِيبةَ في الآفاقِ والأَنفُسِ.. لِذا فإنَّ ما يَبدُو مِن مُناسَبةٍ ضَعيفةٍ، يُبنَى علَيها مَقاصِدُ كُلِّيّةٌ، فتَتَلاحَقُ مُناسَباتٌ وَثلِقِهمعَلاقاتٌ قَوِيّةٌ بتلك المُناسَبةِ الضَّعِيفةِ ظاهِرًا، فيكُونُ الأُسلُوبُ مُطابِقًا تَمامًا لِمُقتَضَى ذلك المَقامِ، فتَتَعالَى مَرتَبَتواسِعََلاغِيّةُ.
سُؤالٌ آخَرُ:ما حِكمةُ سَوقِ القُرآنِ أُلُوفَ الدَّلائلِ لإثباتِ أُمُورِ الآخِرةِ وتَلقِينِ التَّوحِيدِ وإثابةِ البَشَرِ؟ وما السِّرُّ في لَفْتِه الأَنظارَ إلى تلك الأُمُورِوالأَقةً وضِمنًا وإشارةً في كلِّ سُورةٍ بل في كلِّ صَحِيفةٍ مِنَ المُصحَفِ وفي كلِّ مَقامٍ؟
الجَوابُ:لأنَّ القُرآنَ الكَريمَ يُنَبِّهُ الإنسانَ إلى أَعظَمِ انقِلابٍ يَحدُثُ ضِمنَ المَخلُوقاتِ ودائرةِ المُمكِناتِ في تارِيخِحِيلَتَمِ، وهو الآخِرةُ؛ ويُرشِدُه إلى أَعظَمِ مَسأَلةٍ
— 86 —
تَخُصُّه وهو الحامِلُ للأَمانةِ الكُبرَى وخِلافةِ الأَرضِ، تلك هي مَسأَلةُ التَّوحِيدِ الَّذي تَدُورُ علَيه سَعادَتُه وشَقاوَتُه الأَبَدِيَّتان شُؤُوي الوَقتِ نَفسِه يُزِيلُ القُرآنُ سَيْلَ الشُّبُهاتِ الوارِدةِ دُونَ انقِطاعٍ، ويُحَطِّمُ أَشَدَّ أَنواعِ الجُحُودِ والإنكارِ المَقِيتِ.
لِذا لو قامَ القُرآنُ بتَوجِيهِ الأَنظارِ إلى الإيمانِ بتلك الِانقِلاباتِ المُبَعْثُ وحَمْلِ الآخَرِين على تَصدِيقِ تلك المَسأَلةِ العَظِيمةِ الضَّرُورِيّةِ للبَشَرِ.. نعم، لو قامَ به آلافَ المَرَّاتِ، وكَرَّر تلك المَسائلَ مَلايِينَ المَرّاتَِّوئِيُعَدُّ ذلك مِنه إسرافًا في البَلاغةِ قَطُّ، كما أنَّه لا يُوَلِّدُ سَأَمًا ولا مَلَلًا البَتّةَ، بل لا تَنقَطِعُ الحاجةُ إلى تَكرارِ تِلاوَتِها في القُرآنِ الكَريمِ، إ حِياض في الوُجُودِ مَسأَلةٌ أَهَمُّ ولا أَعظَمُ مِنَ التَّوحِيدِ والآخِرةِ.
فمَثلًا:إنَّ حَقيقةَ الآيةِ الكَريمةِ: وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَوِي ییَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا هي بُشرَى السَّعادةِ الخالِدةِ تَزُفُّها هذه الآيةُ الكَرِيمةُ إلى الإنسانِ المِسكِينِ الَّذي يُلاقي حَقيقةَ المَوتِ كلَّه بأَر، فتُنقِذُه هذه البُشرَى مِن تَصَوُّرِ المَوتِ إعدامًا أَبَدِيًّا، وتُنجِيه وعالَمَه وجَميعَ أَحِبَّتِه مِن قَبضةِ الفَناءِ، بل تَمنَحُه سَلطَنةً أَبَديّةً، وتُكسِبُه سَعادةً دائمةً.. فلو تكَرَّرَت هذه الآيةُ مَلايمةُ مِليارًا مِنَ المَرّاتِ لا يُعَدُّ تَكرارُها مِنَ الإسرافِ قَطُّ، ولا يَمَسُّ بَلاغَتَها شيءٌ.
وهكذا تَرَى أنَّ القُرآنَ الكَريمَ الَّذي يُعالِجُ أَمثالَ هذه المَسائلِ القَيِّمةِ، ويَسعَى لإِنتَهي،المُخاطَبِين بها بإقامةِ الحُجَجِ الدّامِغةِ، يُعَمِّقُ في الأَذهانِ والقُلُوبِ تلك التَّحَوُّلاتِ العَظيمةَ والتَّبَدُّلاتِ الضَّخمةَ في الكَونِ، ويَجعَلُها أَمامَهم سَِقةِ لاضِحةً كتَبَدُّلِ المَنزِلِ وتَغيُّرِ شَكْلِه؛ فلا بُدَّ أنَّ لَفْتَ الأَنظارِ إلى أَمثالِ هذه المَسائلِ یی صَراحةً وضِمنًا وإشارةً یی بأُلُوفُِعَمِّّاتِ ضَرُورِيٌّ جِدًّا، بل هو كضَرُورةِ الإنسانِ إلى نِعمةِ الخُبزِ والهَواءِ والضِّياءِ الَّتي تَتَكرَّرُ حاجَتُه إلَيها دائمًا.
ومَثلًا:إنَّ حِكمةَ تَكرارِ القُرآنِ الكَريمِ: وَالَّلِاطمِكَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ، إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وأَمثالَها مِن آياتِ الإنذارِ والتَّهدِيدِ، وسَوْقِها بأُسلُوبٍ
— 87 —
في غايةِ الشِّدّةِ والعُنفِ، هي یی مِثلَمواحتِرَتْناه في رَسائلِ النُّورِ إثباتًا قاطِعًا یی: أنَّ كُفْرَ الإنسانِ إنَّما هو تَجاوُزٌ یی أَيُّ تَجاوُزٍ یی على حُقُوقِ الكائناتِ وأَغلَبِ المَخلُوقاتِ، مِمّا يُثحةِ واَضَبَ السَّماواتِ والأَرضِ، ويَملَأُ صُدُورَ العَناصِرِ حِنْقًا وغَيْظًا على الكافرِين، حتَّى تَقُومَ تلك العَناصِرُ بصَفْعِ أُولَئك الظّالِمِالعالَطُّوفانِ وغيرِه، بل حتَّى الجَحِيمُ تَغضَبُ علَيهم غَضَبًا تكادُ تَتَفجَّرُ مِن شِدَّتِه كما هو صَريحُ الآيةِ الكَريمةِ: إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ ٭ تَكَا لِلإَِيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ؛ فلو كَرَّرَ سُلطانُ الكَونِ في أَوامِرِه تلك الجِنايةَ العُظمَى "الكُفْرَ" وعُقُوبَتَها بأُسلُوبٍ في غايةِ الزَّجْرِ والشِّدّةِ أُلُوفَ المَرّاتِ، بل مَلايِينَ المَرّاتِ، بل مِلياراتِ المَرّاتِ لَمَا عُدَّ ذلك إسرافًا ْقِه اًا ولا نَقْصًا في البَلاغةِ، نَظَرًا لِضَخامةِ تلك الجِنايةِ العامّةِ وتَجاوُزِ الحُقُوقِ غيرِ المَحدُودةِ، وبِناءً على حِكمةِ إظهارِ أَهَمِّيّةِ حُقُوقِ رَعِيَّتِه سُبحانَه وإبرازِ القُبحِ غيرِ الأنَّه هي في كُفْرِ المُنكِرين وظُلمِهِمُ الشَّنِيعِ؛ إذ لا يُكَرَّرُ ذلك لِضَآلةِ الإنسانِ وحَقارَتِه، بل لِهَولِ تَجاوُزِ الكافِرِ وعِظَمِ ظُلْمِه.
ثمَّ إنَّنا نَرَى أنَّ مِئاتِ المَلايِينِ مِنَ النّاسِ مُنذُ أَلفٍ ومِئقةِ النَ السِّنينَ يَتْلُون القُرآنَ الكَريمَ بلَهفةٍ وشَوقٍ وبحاجةٍ ماسّةٍ إلَيه دُونَ مَلَلٍ ولا سَأَمٍ.
نعم، إنَّ كلَّ وَقْتٍ وكلَّ يَومٍ إنَّما هو عالَمٌ يَمضِي وبابٌ يَنفَتِحُ لِعالَمٍ جَديدٍ، لذا فإنَّ تَكرارَ:"لا إِلٰهَ إلّا اللهُ"بشَوقيّةِ إجةِ إلَيها أُلُوفَ المَرّاتِ لِأَجلِ إضاءةِ تلك العَوالِمِ السَّيّارةِ كلِّها وإنارَتِها بنُورِ الإيمانِ، يَجعَلُ تلك الجُملةَ التَّوحِيدِيّةَ كأنَّها سِراجٌ مُنيرٌ في سَماءِ تلك العَوالِمِ والأَيّامِ.
فكَما أنَّ الأَمرَ هكذاأَنتَ.لا إِلٰهَ إلّا اللهُ"،كذلك تِلاوةُ القُرآنِ الكَريمِ، فهي تُبَدِّدُ الظَّلامَ المُخَيِّمَ على تلك الكَثرةِ الكاثِرةِ مِنَ المَشاهِدِ السّارِيةِ، وعلى تلك العَوالِمِ السَّيّارةِ المُتَجدِّدةِ، وتُزِيلُ التتَّكراُهَ والقُبْحَ عن صُوَرِها المُنعَكِسةِ في مِرآةِ الحَياةِ، وتَجعَلُ تلك الأَوضاعَ المُقبِلةَ شُهُودًا له يومَ القِيامةِ لا شُهُودًا علَيه؛ وتُرَقِّيه إلى مَرتَبةِ مَعرِفةِ عِظَمِ جَزاءِ الجِناياتِ، وتَجعَلُه يُدرِكُ قِيمةَ النُّذُرِ المُالقَبر لِسُلطانِ الأَزَلِ والأَبَدِ الَّتي تُشَتِّتُ عِنادَ الظّالِمين الطُّغاةِ، وتُشَوِّقُه إلى الخَلاصِ مِن طُغيانِ النَّفسِ الأَمّارةِ بالسُّوءِ..
— 88 —
فلِأَجلِ هذه الحِكَمِ كلِّها يُكَرِّرُ ِلَ قانُ الكَريمُ ما يُكَرِّرُ في غايةِ الحِكمةِ، مُظهِرًا أنَّ النُّذُرَ القُرآنيّةَ الكَثيرةَ إلى هذا القَدْرِ، وبهذه القُوّةِ والشِّدّةِ والتَّكرارِ حَمِئةِ عُظمَى، يَنهَزِمُ حتَّى الشَّيطانُ مِن تَوَهُّمِها باطِلًا، ويَهرُبُ مِن تَخَيُّلِها عَبَثًا.
نعم، إنَّ عَذابَ جَهَنَّمَ لَهُو عَينُ العَدالةِ لِأُولَئك الكُفّارِ الَّذين لا يُعِيرُون للنُّذُرِ سَمْعًا.
وموربَّممُكَرَّراتِ القُرآنيّةِ "قِصَصُ الأَنبِياءِ" عَلَيهِم السَّلَام، فالحِكمةُ یی مَثلًا یی في تَكرارِ قِصّةِ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَام الَّتي لها من الحِكَمِ والَصرِ اِ ما لِعَصا مُوسَى، وكذا الحِكمةُ في تَكرارِ قِصَصِ الأَنبِياءِ إنَّما هي لِإِثباتِ الرِّسالةِ الأَحمَدِيّةِ، وذلك بإظهارِ نُبُوّةِ الأَنبِياءِ جَمِيعِهم حُجّةً على أَحَقِّيّةِ اَّحابَلةِ الأَحمَدِيّةِ وصِدْقِها، حيثُ لا يُمكِنُ أن يُنكِرَها إلّا مَن يُنكِرُ نُبُوَّتَهم جَميعًا، فذِكْرُها إذًا دَليلٌ على الرِّسالةِ.
ثمَّ إنَّ كَثيرًا مِنَ النّاسِ لا يَستَطِيعُون كلَّ حِينٍ ولا يُوَفَّقُون إلى تِلاوةِ القُرِيقٍ وكَريمِ كُلِّه، بل يَكتَفُون بما يَتَيسَّرُ لهم مِنه.. ومِن هنا تَبدُو الحِكمةُ واضِحةً في جَعْلِ كلِّ سُورةٍ مُطَوَّلةٍ ومُتَوسِّطةٍ بمَثابةِ قُرآنٍ مُصَغَّرٍ، ومِن ثَمَّ رِّفُ ِ القِصَصِ فيها بمِثلِ تَكرارِ أَركانِ الإيمانِ الضَّرُوريّةِ؛ أي: إنَّ تَكرارَ هذه القِصَصِ هو مُقتَضَى البَلاغةِ وليس فيه إسرافٌ قَطُّ؛ زِدْ على ذلك فإنَّ فيه تَعلِيمًا بأنَّ حادِثةَ ظُهُيمٍ.
حمَّدٍ (ص) أَعظَمُ حادِثةٍ للبَشَريّةِ وأَجَلُّ مَسأَلةٍ مِن مَسائلِ الكَونِ.
نعم، إنَّ مَنْحَ ذاتِ الرَّسُولِ الكَريمِ (ص) أَعظَمَ مَقامٍ وأَسماه في القُرآنِ الكَريمِ، وجَعْلَ"مُحَمَّدٌ رَسُولُ الل واضِح الَّذي يَتَضمَّنُ أَربَعةً مِن أَركانِ الإيمانِ یی مَقرُونًا بی"لا إِلٰهَ إلّا اللهُ"دَليلٌ یی وأَيُّ دَليلٍ یی على أنَّ الرِّسالةَ المُحَمَّديّةَ هي أَكبَرُبَقاءِةٍ في الكَونِ، وأنَّ مُحمَّدًا (ص) لَهُو أَشرَفُ المَخلُوقاتِ طُرًّا، وأنَّ الحَقيقةَ المُحمَّديّةَ الَّتي تُمَثِّلُ الشَّخصِيّةَ المَعنَويّةَ الكُلِّيّةَ لِمُحمَّدٍ (ص) هي السِّراجُ المُنيرُ للعالَمَينِالبَطَهِما، وأنَّه (ص) أَهلٌ لهذا المَقامِ الخارِقِ، كما قد أُثبِتَ ذلك في أَجزاءِ رَسائلِ النُّورِ بحُجَجٍ وبَراهِينَ عَديدةٍ إثباتًا قاطِعًا.. نُورِدُ هنا واحِدًا مِن أَلفٍ مِنها كما يأتي:
— 89 —
إنَّ كلَّ ما قامَ به جَميعُ أُمّةِ مُحمَّهي أَس مِن حَسَناتٍ في الأَزمِنةِ قاطِبةً يُكتَبُ مِثلُه في صَحِيفةِ حَسَناتِه (ص)، وذلك حَسَبَ قاعِدةِ:"السَّبَبُ كالفاعِلِ"..وإنَّ تَنوِيرَه لِجَميعِ حَقائقَِوَّلًناتِ بالنُّورِ الَّذي أَتَى به لا يَجعَلُ الجِنَّ والإنسَ والمَلائكةَ وذَوِي الحَياةِ في امتِنانٍ ورِضًا وَحْدَهم، بل يَجعَلُ الكَونَ برُمَّتِه والسَّماواتِ والأَرضَ جَميعًا راضِيةً عنه مُحَدِّثةً بفَضائلِه.. وإنَّ ما يَبعَثُه صا لنا أالأُمّةِ يَومِيًّا مِن مَلايِينِ الأَدعِيةِ ومعَ الرُّوحانيِّين مِن مِلياراتِ الأَدعِيةِ الفِطرِيّةِ المُستَجابةِ الَّتي لا تُرَدُّ یی بدَلالةِ القَبُولِ الفِعليِّ المُشاهَدِ لِأَدعِيةِ الناتِ التِ بلِسانِ الِاستِعدادِ، وأَدعِيةِ الحَيَواناتِ بلِسانِ حاجةِ الفِطرةِ یی ومِن أَدعِيةِ الرَّحمةِ بالصَّلاةِ والسَّلامِ علَيه، وما يُرسِلُونه بما ظَفِرُوا مِن مَكاسِبَ مَعنَويّةٍ وحَسَناتِ هَدايا، إنَّما تُقَدَّمُ إلَيه أهَواتِا.. فَضْلًا عمّا يَدخُلُ في دَفتَرِ حَسَناتِه (ص) مِن أَنوارٍ لا حُدُودَ لها بما تَتلُوه أُمَّتُه یی بمُجَرَّدِ التِّلاوةِ یی مِنَ القُرآنِ الكَريمِ الَّذي في كلِّ حَرْفٍ مِن حُرُوفِه الَّتي تَزِيدُ على ثَلاثِ مِئةصَمَدٍِ حَرْفٍ، عَشْرُ حَسَناتٍ وعَشْرُ ثِمارٍ أُخرَوِيّةٍ، بل مِئةٌ بل أَلفٌ مِنَ الحَسَناتِ..
نعم، إنَّ عَلَّامَ الغُيُوبِ سُبحانَه قد سَبَق عِلْمُه وشاهَدَ أنَّ الحَقيقةَ المُحمَّديّةَ الَّتي هي الشَّخصِيّةُ المَعنَوِيّةُ لتلك الذّاحمةٌ مُبارَكةِ (ص) ستَكُونُ كمِثالِ شَجَرةِ طُوبَى الجَنّةِ، لِذا أَوْلاه في قُرآنِه تلك الأَهَمِّيّةَ العُظمَى حيثُ هو المُستَحِقُّ لِذلك المَقامِ الرَّفيعِ، وبَيَّن فيُلكُ، ِرِه أنَّ نَيلَ شَفاعَتِه إنَّما هو باتِّباعِه والِاقتِداءِ بسُنَّتِه الشَّرِيفةِ وهو أَعظَمُ مَسأَلةٍ مِن مَسائلِ الإنسانِ، بل أَخَذَ بِنَظَرِ اسافِ ابارِ یی بينَ حِينٍ وآخَرَ یی أَوضاعَه الإنسانيّةَ البَشَريّةَ الَّتي هي بمَثابةِ بِذرةٍ لِشَجَرةِ طُوبَى الباسِقةِ.
وهكذا، فلِأنَّ حَقائقَ القُرآنِ المُكرَّرةَ تَملِكُ هذه القِيمُ على َّاقيةَ وفيها مِنَ الحِكَمِ ما فيها، فالفِطرةُ السَّليمةُ تَشهَدُ أنَّ في تَكرارِه مُعجِزةً مَعنَويّةً قَوِيّةً وواسِعةً، إلّا مَن مَرِضَ قَلبُه وسَقُمَ وِجدانُه بطاعُونِ الم لِحِكةِ، فتَشمَلُه القاعِدةُ المَشهُورةُ:
قَد يُنكِرُ المَرْءُ ضَوْءَ الشَّمسِ مِن رَمَدٍ
ويُنكِرُ الفَمُ طَعْمَ الماءِ مِن سَقَمِ

* * *

— 90 —
خاتِمةُ هذه المسألة العاشِرة في حاشيتَينِ
الحاشيةُ الأُولَى:طَرَق سَ جَهَنبلَ اثنَتَي عَشْرةَ سَنةً (حاشية): أي: قبلَ اثنَتَي عَشْرةَ سَنةً مِن تأليفِ هذه الرِّسالةِ. أنَّ زِندِيقًا عَنِيدًا، قد فَضَح سُوءَ طَوِيَّتِه وخُبْثَ قَصْدِه بإِقدامِه على تَرجَمةِ الق كِبارالكَريمِ، فحاكَ خُطّةً رَهيبةً، للتَّهوِينِ مِن شَأنِه بمُحاوَلةِ تَرجَمَتِه؛ وصَرَّح قائلًا: لِيُتَرجَمِ القُرآنُ لِتَظهَرَ قِيمَتُه. أي: لِيَرَى النّاسُ تَكراراتِه غيرَ الضَّرُورُه مُخ ولتُتلَى تَرجَمَتُه بَدَلًا مِنه.. إلى آخِرِه مِنَ الأَفكارِ السَّامّةِ..
إلّا أنَّ رَسائلَ النُّورِ بفَضلِ اللهِ قد شَلَّت تلك الفِكرةَ وأَجهَضَت تلك الخُطّةَ بحُجَجِها الدّامِغةِ وبانعادِنِها الواسِعِ في كلِّ مَكانٍ، فأَثبَتَت إثباتًا قاطِعًا أنَّه لا يُمكِنُ قَطعًا تَرجَمةُ القُرآنِ الكَريمِ تَرجَمةً حَقيقيّةً.. وأنَّ أَيّةَ لُغةٍ غيرِ اللُّغقَصرِ،َرَبيّةِ النَّحْوِيّةِ عاجِزةٌ عنِ الحِفاظِ على مَزايا القُرآنِ الكَريمِ ونُكَتِه البَلاغِيّةِ اللَّطِيفةِ.. وإنَّ التَّرجَماتِ العادِيّةَ الجُزئيّةَ الَّتي يقَُّعمِيا البَشَرُ لن تَحُلَّ بأَيِّ حالٍ مَحَلَّ التَّعابِيرِ الجامِعةِ المُعجِزةِ للكَلِماتِ القُرآنيّةِ الَّتي في كلِّ حَرفٍ مِن حُرُوفِها حَسَناتٌ تَتَصاعَدُ مِنَ العَشَرةِ إلى الأَلفِ، لذا لا يُمكِنُ مُطلَقًا تِلاوةُ اِ الأرَمةِ بَدَلًا مِنه.
بَيْدَ أنَّ المُنافِقين الَّذين تَتَلمَذُوا على يَدِ ذلك الزِّندِيقِ، سَعَوْا بمُحاوَلاتٍ هَوْجاءَ في سَبِيلِ الشَّيطانِ لِيُطفِئُوا نُورَ الارُ ال الكَريمِ بأَفواهِهم؛ ولكن لَمَّا كُنتُ لا أَلتَقي أَحَدًا، فلا عِلمَ لي بحَقيقةِ ما يَدُورُ مِن أَوضاعٍ، إلّا أنَّ أَغلَبَ ظَنِّي أنَّ ما سعيدتُه آنِفًا هو السَّبَبُ الَّذي دَعا إلى إملاءِ هذه "المَسأَلةِ العاشِرةِ" عَلَيَّ، رَغمَ ما يُحِيطُ بي مِن ضِيقٍ.
الحاشيةُ الثَّانية:كُنتُ جالِسًا ذاتَ يومٍ في الطّابِقِ العُلْوِيِّ مِن فُندُق "شَهِریی للتِبَ إطلاقِ سَراحِنا مِن سِجنِ "دَنِيزْلي"، أَتأَمَّلُ فيما حَوْلي مِن أَشجارِ الحَوَر (الصَّفْصافِ) الكَثيرةِ في الحَدائقِ الغَنَّاءِ والبَساتينِ الجَنزاحُ، رَأَيتُها جَذْلَى بحَرَكاتِها الرّاقِصةِ الجَذّابةِ، تَتَمايَلُ بجُذُوعِها وأَغصانِها، وتَهتَزُّ أَوراقُها بأَدنَى لَمْسةٍ مِن نَسِيمٍ؛ فبَدَت أَمامي بأَبهَى صُورةٍ وأَحلاها، وكأنَّها تُسَبِّحُ للهِ في مَدانيتِ ذِكرٍ وتَهليلٍ.
— 91 —
مَسَّت هذه الحَرَكاتُ اللَّطيفةُ أَوْتارَ قَلبي المَحزُونِ مِن فِراقِ إخواني، وأنا مَغمُومٌ لِانفِرادِي وبَقائي وَحِيدًا، فخَطَر على الباُبُودِأةً مَوْسِمَا الخَرِيفِ والشِّتاءِ وانتابَتْني غَفْلةٌ، إذ ستَتَناثَرُ الأَوراقُ وسيَذهَبُ الرُّواءُ والجَمالُ.. وبَدَأتُ أَتأَلَّمُ على تلك الحداسةٍ.الجَميلةِ، وأَتحَسَّرُ على سائرِ الأَحياءِ الَّتي تَتَجلَّى فيها تلك النَّشوةُ الفائقةُ تأَلُّمًا شَدِيدًا، حتَّى اغرَوْرَقَت عَينايَ واحتَشَدَت على رَأسِي أَحزانٌ تَدَفَّقَت مِنَ الزَّوال والفِراقِ تيُسَلّ هذا السِّتارَ المُزَرْكَشَ البَهيجَ للكائناتِ!
وبَينَما أنا في هذه الحالةِ المُحزِنةِ إذا بالنُّورِ الَّذي أَتَت به الحَقيقةُ المُحمَّديّةُ (ص) يُغِيثُني مِثلَما يُغيثُ كلَّ مُؤمِلَّذي سعِفُه، فبَدَّل تلك الأَحزانَ والغُمُومَ الَّتي لا حُدُودَ لها مَسَرّاتٍ وأَفراحًا لا حَدَّ لها، فبِتُّ في امتِنانٍ أَبَدِيٍّ ورِضًا دائمٍ مِنَ الحَقيقةِ المُحمَّدِيّةِ الَّتي أَنقَذَني فَيضٌ واحِدٌ مِن فُيُوضاتِ أَنوارِها يّةِ المَحدُودةِ، فنَشَر ذلك الفَيضُ السُّلوانَ في أَرجاءِ نَفسِي وأَعماقِ وِجداني، وكان ذلك كالآتي:
إنَّ تلك النَّظرةَ الغافِلةَ أَظهَرَت تلك الأَوراقَ الرَّقيقةَ والأَشجارَ الفارِعةَ الهَيفاءَ مِن دُونِ وَظِيفةٍ ولا مُهِمّةٍ، إِلّافْعَ لها ولا جَدْوَى، وأنَّها لا تَهتَزُّ اهتِزازَها اللَّطِيفَ مِن شِدّةِ الشَّوقِ والنَّشوةِ، بل تَرتَعِدُ مِن هَوْلِ العَدَمِ والفِراقِ.. فتَبًّا لها مِن نَظمَّ قُفِلةٍ أَصابَت صَمِيمَ ما هو مَغرُوزٌ فِيَّ یی كما هو عِندَ غَيرِي یی مِن عِشقٍ للبَقاءِ، وحُبِّ الحَياةِ، والِافتِتانِ بالمَحاسِنِ، والشَّفَقةِ على بَني الجِنسِ.. فحَوَّلَتِ الدُّنيا إلى جَهَنَّمَ مَعنَوِيّةٍ، والعَقلَ إلى ِه وحِللشَّقاءِ والتَّعذِيبِ.. فبَينَما كُنتُ أُقاسِي هذا الوَضْعَ المُؤلِمَ، إذا بالنُّورِ الَّذي أَنارَ به مُحمَّدٌ (ص) البَشَرِيّةَ جَمعاءَ يَرفَعُ الغِطاءَ ويُزِيلُ الغِشاوةَ ويُبرِزُ حِك اكتَنمَعانِيَ ووَظائفَ ومُهِمّاتٍ غَزِيرةً جِدًّا تَبلُغُ عَدَدَ أَوراقِ الحَوَر.. وقد أَثبَتَت رَسائلُ النُّورِ أنَّ تلك الوظائفَ والحِكَمَ تَنقَسِمُ إلى ثلاثةِ أَقسذا: فإ القِسمُ الأَوَّلُ:وهو المُتَوجِّهُ إلى الأَسماءِ الحُسنَى للصّانِعِ الجَليلِ.. فكما أنَّ صانِعًا ماهِرًا إذا ما قامَ بصُنعِ ماكِينةٍ بَدِيعةٍ، يُثني علَيه الجَميعُ ويُقَدِّرُون صَنْعَتَه ويُبارِكُون إبداعَه، فإنَّ تلك الماكيِّنُ ب بدَورِها كذلك تُبارِكُ صانِعَها وتُثني علَيه بلِسانِ حالِها، وذلك بإراءَتِها النَّتائجَ المَقصُودةَ مِنها إراءةً تامّةً.
— 92 —
أمّا القِسمُ الثّاني:فهو المُتَوجِّهُ إلى أُوحِ ا ذَوِي الحَياةِ وذَوِي الشُّعُورِ مِنَ المَخلُوقاتِ، أي: يكُونُ مَوضِعَ مُطالَعةٍ حُلْوةٍ وتَأمُّلٍ لَذيذٍ، فيكُونُ كلُّ شيءٍ كأنَّه كِتابُ مَعرِفةٍ وعِلمٍ، ولا يُغادِرُ هذا العالَمُ یی عالَمُ الشَّهادةِ یی إلّا بعدَ وَضْعِ مَعانيهلتَّبَذهانِ ذَوِي الشُّعُورِ، وطَبْعِ صُوَرِه في حافِظَتِهم، وانطِباعِ صُورَتِه في الأَلواحِ المِثاليّةِ لِسِجِلّاتِ عالَمِ الغَيبِ، أي: لا يَنسَحِبُ مِن عالَمِ الشَّهادةِ إلى عالَمِ الغَيبِ إلّا بعدَ دُخُولِه في كلّدَوائرِ وُجُودٍ كَثيرةٍ، ويَكسِبُ أنواعًا مِنَ الوُجُودِ المَعنَوِيِّ والغَيبيِّ والعِلْميِّ بَدَلًا عن وُجُودٍ صُورِيٍّ ظاهِرِيٍّ.
نعم، ما دامَ اللهُ مَوجُودًا، وعِلْمُه يُحِيطُ بكلّنَستَف، فلا بُدَّ ألّا يكُونَ هناك في عالَمِ المُؤمِنِ عَدَمٌ وإعدامٌ وانعِدامٌ وعَبَثٌ ومَحْوٌ وفَناءٌ مِن زاوِيةِ الحَقيقةِ.. بَينَما دُنيا الكُفّارِ زاخِرةٌ بالعَدَمِ والفِراقِ والِانعِدامِ، ومَليئةٌ بالعَبَثِ والفَناءِ؛ ويامُ بيُوَضِّحُ هذه الحَقيقةَ ما يَدُورُ على الأَلسِنةِ مِن قَولٍ مَشهُورٍ هو:"مَن كانَ له اللهُ، كان له كلُّ شيءٍ؛ ومَن لم يكُن له اللهُ، لم وبِ، وه شيءٌ".
الخُلاصةُ:إنَّ الإيمانَ مِثلَما يُنقِذُ الإنسانَ مِنَ الإعدامِ الأَبَديِّ أَثناءَ المَوتِ، فهو يُنقِذُ دُنيا كلِّ شَخصٍ أَيضًا مِارِ.
#ماتِ العَدَمِ والِانعِدامِ والعَبَثِ.. بَينَما الكُفرُ یی ولا سِيَّما الكُفرُ المُطلَقُ یی فإنَّه يُعدِمُ ذلك الإنسانَ، ويُعدِمُ دُنياه الخاصّةَ به بالمَوتِ. ويُلقِيه في ظُلُماتِ جَهَنَّمَ مَعنَويّةعلى الوِّلًا لَذائذَ حَياتَه آلامًا وغُصَصًا.
فلْتَرِنَّ آذانُ الَّذين يَستَحِبُّون الحَياةَ الدُّنيا على الآخِرةِ، ولْيَأتُوا بعِلاجٍ لهذا الأَمرِ إن كانُوا صادِقِين، أو لِيَدْخُلُوا حَظِيرةَ الإ
وهويُخَلِّصُوا أَنفُسَهم مِن هذه الخَسارةِ الفادِحةِ.
سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
أخوكم الرَّاجي دعَواتِكم والمُشتاقُ إليكم
ها: إنٌ النُّورْسِيُّ

* * *

— 93 —
الرسالة التي كتبها خُسرَو لأستاذه بمناسبة المسألة العاشرة
سيِّدِي وأُستاذِي الحَبِيبَ..
تَلقَّينا یی بِغايةِةٌ عنِدِ والشُّكرِ للهِ یی "زَهرةَ أَمِيرْداغ"، بعدَ مُرُورِ شَهرَينِ على انقِطاعِ التَّواصُلِ بَينَنا، فهَوَّنَت أَحزانَ الفِراقِ، وخَفَّفَت آلامَ البِعادِ، وأَضْفَت على قُلُوبلَّذي ياةً غَضّةً طَرِيّةً، وأَهدَت لِأَرواحِنا نَسِيمًا نَقِيًّا صافِيًا مُتَجَدِّدًا، وسَرَدَت على مَسامِعِنا مَحاسِنَ تَكرارِ آياتِ العِزّةِ والجَلالِ، والوَعدَياةِ َعِيدِ، ومَزايا تَرْدادِ آياتِ الرَّحمةِ والشَّفَقةِ، ووَضَّحَت حِكمةَ التَّكرارِ وضَرُورَتَه وأَهَمِّيَّتَه؛ وهِي یی بعدَ هذا كُلِّه یی دِفاعٌ قَوِيٌّ لِرَسائِلِ النُّورِ، اتَّخَذ لِنَفسِه اسمَ: "المَسأَلةُ العاشِرةُ لِثا وفَو دَنِيزْلي". حَقًّا أقُولُ: كُلَّما شَمِمْنا رائِحةَ هذه الزَّهرةِ المُستَحِقّةِ لبالِغِ الثَّناءِ والتَّقدِيرِ، ارتَقَى في أَرواحِنا الشَّوقُ والحَنِينُ؛ ومِثلَما أَظهَرَت مَسائِلُ "الثَّمَرةِ" التِّسعةُ حُسنَها وجَمالَها بعدَ تِسعءِ بجَهُرٍ مِن عَناءِ السِّجن والأَسْرِ، وغَدَت دَليلًا عَظِيمًا على بَراءَتِنا، كَذلِك كَشَفَت مَسأَلتُها العاشِرةُ یی وهِي هذه "الزَّهرةُ" یی عن حُسنِها وبَهائِها، عَبْرَ إِظهارِها خَوارِقَ إِعجازِ القُرآنِ وإِكلِمة .
أَجَل أُستاذِي الحَبِيبَ..فكما يَصرِفُ النَّظَرَ حُسنُ الزَّهرةِ وجَمالُ الوَردةِ عنِ الشَّوكِ المُحِيطِ بأَغصانِها، كَذلِك هذه الزَّهرةُ اُّ، فتانيّةُ هَوَّنَت علَيْنا عَناءَ السِّجنِ الَّذي دامَ تِسعةَ أَشهُرٍ، وخَفَّفَت مِن شِدّةِ وَطْأَتِه لِدَرَجةِ العَدَمِ.
لقد أُلِّفَت هذه الزَّهرةُ النُّورانيّةُ على نَحوٍ يُحَيِّر العُقُولَ، فلا يَجِدُ قارِئُها أَثنااءَ؟!
الَعَتِها أَيَّ مَلَلٍ أو سآمةٍ، وذلك لِمَا تَضَمَّنَته مِن مَحاسِنَ كَثيرةٍ؛ إِحداها: إِظهارُ أَهمِّيّةِ التَّكرارِ القُرآنِيّ وقِيمتِه، وكَشفُها السِّتارَ عمَّا يتَمتَّع ب أنَّ رآنُ مِنَ المَكانةِ الرَّفيعةِ، فكانَ ذلك رَدًّا على الخِيانةِ المُتَمثِّلةِ في تَرجَمةِ القُرآنِ على نَحوٍ يُهَوِّنُ مِن شَأنِه، ويَجعَلُه في عُيُونِ البَِعُ فَِيئًا بَسِيطًا؛ كما بيَّنَت هذه الزَّهرةُ مَدَى ما في القُرآنِ المُعجِزِ البَيانِ مِن طَراوةٍ حتَّى كَأنَّه نَزَل غَضًّا، وذلك مِن خِلالِ اعتِصامِ سالِكِيه في كلِّ عَصرٍ بِحَبلِه المَتِينِ، وبكُلِّ قُوّةٍ، وانقِيادِهِم لِأَوامرِه ونَواهِيه بِحادةِ، ِها؛ ومِن خِلالِ ما أَطلَقَه بِحَقِّ الظّالمِينَ في كلِّ عَصرٍ مِن تَهدِيداتٍ مُكرَّرةٍ قَوِيّةٍ وشَدِيدةِ اللَّهجةِ، وما تَلَطَّف به تِجاهَ المَظلُومِينَ بأُسلُوبٍ شَفُوقٍ رَحِيمٍ وعلى نَحوٍ مُتَكرِّرٍ.
— 94 —
وأَخُصَما نُذِّكرِ تَهديداتِه المُوجَّهةَ إلى الظَّلَمةِ في عَصرِنا هذا، إذ جعَلَتهُم يَئِنُّونَ ويَصرُخُونَ على مَدارِ سِتّةِ أو سَبعةِ أَعوامٍ تحتَ لَظَى جَحِيمٍ سَماوِيٍّ لا يَخطُرُ بِبالٍ، وكأنَّه نَزَل ٌ أَليلسَّماواتِ العُلا على نَحوٍ لم يُرَ له مَثِيلٌ؛ في حِينِ جَعَلَت طُلّابَ رَسائِلِ النُّورِ یی وهُم على رَأسِ قائِمةِ المَظلُومِينَ في هذا العَصرِ یی مَظهَرًا لِنَتائِجَ جَلِيلةٍ عُمُومًا وخُصُوصًا، ت آنِفًرُنا بِالنَّتائِجِ الَّتي حَظِيَ بِها أَنبِياءُ الأُمَمِ السّالِفةِ؛ وأَسفَرَت عن صَفَعاتِ عَذابٍ جَهَنَّميٍّ وُجِّهَت لِلمُلحِدِينَ مِن مُعارِضِيها؛ وكانَ خِتامُها بِحاشِيَتَينِ َا لِلَتَينِ لَطِيفَتَينِ..
كُلُّ هذا دَفَع طالِبَكُمُ الفَقِيرَ "خُسرَو" إلى عَظِيمِ الشُّكرِ، وغَمَره بِبالِغِ الفَرَحِ والسُّرُورِ؛ وكُنتُ قد أَوضَحتُ مِرا للنُّأُستاذِي الحَبِيبِ ولِإخواني أنِّي لم أَشعُر في حَياتي قَطُّ بِمِثلِ الفَرَحِ والسُّرُورِ الَّذي مَنَحَتْني إِيّاه هذه الزَّهرةُ الجَمِيلةُ.. رَضِيَ اللهُ عَنكُم أُس وهكذاالحَبِيبَ رِضًا أَبدِيًّا، فلَقَد حَمَّلتُم كاهِلَكُمُ الضَّعِيفَ الهَزِيلَ عِبْئًا ثَقِيلًا.. نَسأَلُ اللهَ أن يَمُنَّ علَيْكُم بِسَعادةٍ أَبدذه الحتُخَفِّفُ عَنكُم وَطْأةَ هذا الحِملِ الثَّقِيلِ.. آمِينَ.
أَجَل أُستاذِي الحَبِيبَ..نحنُ في غايةِ الطُّمَأنينةِ ودَوامِ الرِّضا عنِ اللهِ وعنِ القُرآنِ، وعنِ الحَبِيبِ (ص) عَظِيمِلبَرقِأنِ، وعن رَسائِلِ النُّورِ، وعَنكُم أُستاذَنا الحَبِيبَ ودَلَّالَ القُرآنِ؛ ولنا الفَخرُ بِالِانتِسابِ إِلَيكُم دُونَ أَدنَى تَردُّدٍ أو نَدَمٍ؛ ولا تُساوِرُنا الرَّغبةُ في الإِقدامِ على فِعلِ المَساوِئِ ولو مِقدارَ ذَرّةٍ، فلَيكًا لتَلُنا إِلّا ابتِغاءَ وَجهِ اللهِ وَحْدَه، ولِأَجلِ بُلُوغِ مَرضاتِه.
وإِنَّنا یی ضِمنَ دائِرةِ مَرضِيّاتِ الحَقِّ سُبحانَه یی نَملَأُ قُلُوبَنا بِأَشواقِ قُربِه ووِصالِه يَومًا بعدَ يَومٍ؛ ونَحمَدُهبابِ و الحَمدِ أن أَعلَن یی دُونَ إِرادةٍ مِنّا یی العَفوَ والصَّفحَ عن عُمُومِ مَن أَساؤُوا إِلَيْنا بِغَيرِ استِثناءٍ، ونُحِيلُ أَمرَهُم إلى الحَقِّ سُبحانَه، بل فَوقَ ذلك نُقابِلُهُم بالإِحسانِ معَ أَنَّ بَينَهُم ظَلَمةً عامَلُونا بِمُ حرفَ القَسوةِ.. ولَقَد باتَ أَمرُ الصَّفحِ هذا شِعارَ الإِسلامِ الَّذي نُقِشَ في قُلُوبِ طَلَبةِ رَسائِلِ النُّورِ.
طالبكم المقصِّر
خُسرَو

* * *

— 95 —
المسألة الحادية عشرة
إِنَّ الشَّيعُ عَالمُقدَّسةَ لِلأَركانِ الإِيمانيّةِ الكُلِّيّة لها ثَمَراتٌ يانِعةٌ إِحداها هي الجَنّةُ، والأُخرَى هي السَّعادةُ الأَبَديّةُ، والثّالثةُ هي رُؤيةُ اللهِ جلَّ جَلالُه.
ولَمّا كانَت رَسائلُ النُّورِ قد أََلِيلَ مِئاتٍ مِن تلك الثِّمارِ یی كُلِّيِّها وجُزئِيِّها یی معَ حُجَجِها الدّامِغةِ، نُحِيلُ تَفاصِيلَها إلى"سِراج النُّور"،ونُشِيرُ هنا إلى بِابِ الَماذِجَ فقط لِثَمَراتٍ جُزئيَّةٍ بل إلى جُزءِ الجُزئيِّ والخاصِّ مِن تلك الثِّمارِ الطَّيِّبةِ.
إحداها:كُنتُ ذاتَ يومٍ أَدعُو دُعاءً بهذا المَضمُونِ:"يا رَبِّ.. أَتَوسَّلُ إلَيك بحُرمةِ جَبْرائيلَ ِيًّا ئيلَ وإِسرافيلَ وعِزرائيلَ وبشَفاعَتِهم أن تَحفَظَني مِن شُرُورِ شَياطِينِ الجِنِّ والإنسِ.."،وحَالَمَا ذَكَرتُ اسمَ عِزرائيلَ الَّذي يَملَأُ ذِكرُه النّاسَ رُعبًا وارتِجافًا، شَعَرتُ بحالةٍ ذاتِيِّينٍ في غايةِ الحَلاوةِ والسُّلوانِ، فحَمِدتُ اللهَ قائلًا: "الحَمدُ للهِ"، وبَدَأتُ أُحِبُّ عِزرائيلَ حُبًّا خالِصًا، على أنَّه واحِدٌ مِنَ المَلائكةِ الَّذين يُعتَبَرُ الإيمانُ بوُجُودِهم رُكنًا مِن أَركانِ الإيمانِ.. يْه.
يرُ بإلمامةٍ قَصِيرةٍ إلى ثَمَرةٍ جُزئيّةٍ واحِدةٍ مِن عَدِيدِ الثِّمارِ للإيمانِ بهذا المَلَكِ.
مِنها:أنَّ أَثمَنَ ما عِندَ الإنسانِ، وأَعظَمَ ما يَحرِصُ علَيه ويُدافِعُ عنه ويَجهَدُ في الحِفاظِ علَيه، هو رُوحُه بلا شَكٍّ.. فلقد أَحسَس الإلٰقينًا بفَرَحٍ عَمِيقٍ إزاءَ تَسلِيمِ الإنسانِ لِأَعزِّ ما يَملِكُه في الوُجُودِ یی وهو رُوحُه یی إلى يَدِ "قَوِيٍّ أَمينٍ" لِيَحفَظَه مِنَ العَبَثِ والضَّياعِ ِماعِ اءِ.
ثمَّ تَذَكَّرتُ المَلائكةَ المُوَكَّلين بتَسجِيلِ أَعمالِ الإنسانِ، فرَأَيتُ أنَّ لهم ثَمَراتٍ لَذِيذةً جِدًّا كهذه:
— 96 —
مِنها:أنَّ كلَّ إنسانٍ لِأَجلِ أن تُخَلَّد أَعمالُه الطَّيِّبةُ وتَبقَى كَلِماتُه القَيِّمةُ، يَسعَى للحِف. فاسَْيها وصِيانَتِها مِنَ الضَّياعِ، سَواءٌ عن طَرِيقِ الكِتابةِ أوِ الشِّعرِ، أو حتَّى بالشَّريطِ السِّينِمائيِّ، وبخاصّةٍ إذا كان لِتلك الأَعؤيةَ إَمَراتُها الباقيةُ في الجَنّةِ، فيَشتاقُ إلى حِفظِها أَكثَر..
والكِرامُ الكاتبُون واقِفُون على مَنكِبَيِ الإنسانِ ليُظهِرُوه في مَشاهِدَ أَبَديّةٍ، ولِيُصَوِّرُوا أَعمالَه في مَناظِرَ خالِدةٍ، لِيُلكائِن أَصحابُها ولِيَنالُوا الجَوائزَ الثَّمينةَ الدّائمةَ.. ولقد تَلَذَّذتُ مِن طُعُومِ هذه الثَّمَرةِ بلَذائذَ حُلْوةٍ لا أَستَطِيعُ أن أَصِفَها.
وعِيّةً جَرَّدَني أَهلُ الضَّلالةِ مِن أَسبابِ الحَياةِ الِاجتِماعيّةِ، وأَبعَدُوني عن كُتُبي وأَحِبَّتي وخَدَمي وكلِّ ما كانَ يَمنَحُني السُّلوانَ، وأَلقَوقةٍ مِ دِيارِ الغُربةِ والوَحشةِ، وكُنتُ في ضِيقٍ وضَجَرٍ مِن حالي إلى دَرَجةٍ كُنتُ أَشعُرُ أنَّ الدُّنيا الفارِغةَ ستَتَهدَّمُ على رَأسِي.. فبَينَما أنا في هذه الحالةِ إذا بثَمَرةٍ مِن ثَمَراتِ الإيمانِ بالمَلائكةِ تأتي فرَدَّتي، فتُضِيءُ أَرجاءَ دُنيايَ كُلَّها، وتُنَوِّرُ العالَمَ مِن حَوْلي، وتَعْمُرُه بالمَلائكةِ وتُؤَهِّلُه بالأَرواحِ الطَّيِّبةِ، حتَّى دَبَّ السُّرُورُ والبَهجةُ في كلِّ مَكانٍاصٌّ لَتْني كَذلِك كم كانَت دُنيا أَهلِ الضَّلالةِ مَلْأَى بصَرَخاتِ الوَحشةِ وحَسَراتِ العَبَثِ والظَّلامِ..
فبَينَما كان خَيالي فَرِحًا جَذِلًا بالتَّمتُّعِ بلَذّةِ هذه الثَّمَرةِ، إذا به يَتَسلَّمُ ثَمَرةً ُّ للملثِّمارِ الوَفيرةِ یی الشَّبِيهةِ بهذه یی مِنَ الإيمانِ بالرُّسُلِ عَلَيهِم السَّلَام، فذاقَها فِعلًا، وأَحسَسْتُ تَوًّا أنَّ إيماني قد تَوَسَّعَ ونَما وانبَسَط حتَّى أَصبَحَ كُلِّيًّا شامِلًا، إذ أَشرَقَت لَدَيَّ تلك الأَزمِنةُ الغابِنيا غيلُّها واستَضاءَت بنُورِ التَّصدِيقِ والإيمانِ بهم، حتَّى كُنتُ أَشعُرُ كأنَّني أَعيشُ معَهم، وباتَ كلُّ نَبِيٍّ مِنَ الأَنبِياءِ يُصَدِّقُ بآلافِ التَّصالمَكّعلى أَركانِ الإيمانِ الَّتي جاءَ بها ودَعا إلَيها خاتَمُهم (ص)، مِمّا أَخرَسَ الشَّياطِينَ وأَسكَتَهُم..
ثمَّ قَفَز إلى القَلبِ السُّؤالُ ذُو الجَمُطلَقلشّافي الوارِدِ في لَمْعةِ "حِكمةِ الِاستِعاذةِ"، وهو: أنَّ أَهلَ الإيمانِ الَّذين لهم مِثلُ هذه الثَّمَراتِ للإيمانِ، ومِثلُ هذه الفَوائدَِّحيفةَتائجِ اللَّذِيذةِ ذاتِ الطُّعُومِ غيرِ المَحدُودةِ، ولهمُ النَّتائجُ الجَمِيلةُ الطَّيِّبةُ للحَسَناتِ ومَنافِعُها
— 97 —
الكَثيرةُ، ولهمُ العِنايةُأَكبَرئمةُ مِن "أَرحَمِ الرّاحِمِين" وتَوفيقُه ورَحمَتُه.. كلُّ ذلك يَمنَحُهمُ القُوّةَ والإسنادَ، فلِمَ إذًا يَتَغلَّبُ أَهلُ الضَّلالةِ غالبًا دهِشةِ، بل قد يَتَغلَّبُ عِشرُون مِن أَهلِ الضَّلالةِ على مِئةٍ مِنهم، ويُهلِكُونَهم؟! وفي ثَنايا هذا التَّفكِيرِ خَطَر لي: لِمَ يَحْشُدُ القُرآنُ الكَريمُ هذا الحَشْدَ العَظيمَ لأَهلِ الإيمانِ بذِكرِ إمدادِ اللهِ إيّاهم بالمَلائكةِ ِبُ الواجِهُون دَسائسَ شَيطانيّةً واهِيةً ضَعِيفةً؟!
وبما أنَّ رَسائلَ النُّورِ قد وضَّحَت حِكمةَ ذلك بحُجَجٍ قاطِعةٍ، فسنُشِيرُ هنا إلى الجَوابِ عن ذلك السُّؤالِ في غايةِ الإيجازِ:
نعم، يَتَولَّى أَحِ والتمِئةٌ مِنَ الأَشخاصِ المُحافَظةَ على قَصرٍ، عِندَما يُحاوِلُ أَحَدُ الشِّرِّيرِين أو أيُّ شَخصٍ مُخرِّبٍ إلقاءَ النّارِ فيه خِفيةً لِتَدمِيرِه؛ بل قد يُلْجَأُ إلى السُّلرِ أَموِ الدَّولةِ للحِفاظِ على القَصرِ، ذلك لأنَّ بَقاءَ بِناءِ القَصرِ يَتَوقَّفُ على جَميعِ الشُّرُوطِ والأَركانِ والأَسبابِ الدّاعِيةِ إلى الجةِ ال.. أمّا تَخرِيبُه وهَدْمُه فيكُونُ بانعِدامِ شَرطٍ واحِدٍ فَقَط.
فعلى غِرارِ هذا المِثالِ نَفهَمُ كيفَ أنَّ شَياطِينَ الجِنِّ والإنسِ يقَُّباتابتَخرِيبٍ مُدهِشٍ وبحَرِيقٍ مَعنَويٍّ عَظيمٍ بفِعلٍ قَليلٍ جِدًّا، بمِثلِ ما يقُومُ شِرِّيرٌ بتَدميرِ بِناءٍ فَخْمٍ بإلقاءِ عُودِ كِبرِيتٍ فيه.
نعم، إنَّ أَساسَ وخَميرةَ الشُّرُورِ والرَّذائلِ ولحَشرِيا كلِّها هو العَدَمُ والهَدْمُ، وما يَبدُو مِن وُجُودِها الظّاهِرِ يُخفِي تَحتَه الإفسادَ والتَّعَطُّلَ والعَدَمَ.
واستِنادًا إلى هذه النُّقطةِ فإنَّ شَياطِينَ الجِنِّ والإنسِ والأَشرارَ يَتَمكَّنُون بقُوّةٍ هَزللنُّوجِدًّا، أن يَصُدُّوا قُوّةً لا حَدَّ لها لِأَهلِ الحَقِّ والحَقيقةِ، ويُلجِئُوهم إلى بابِ اللهِ عزَّ وجَلَّ والسَّعيِ إلَيه دائمًا.. وومُون ِ هذا يَضَعُ القُرآنُ الكَريمُ تلك الحُشُودَ الهائلةَ لِحِمايَتِهم، ويُسَلِّمُ إلى أَيدِيهم تِسعةً وتِسعِين اسمًا مِنَ الأَسماءِ الحُسنَى، ويُصدِرُ أن تكُوَ مُشَدَّدةً لِيَثبُتُوا تِجاهَ أُولَئك الأَعداءِ.
ومِن هذا الجَوابِ ظَهَر فَجأةً أَساسُ مَسأَلةٍ مُدهِشةٍ وبِدايةُ حَقيقةٍ عَظِيمةٍ، وهو أنَّه:
— 98 —
كما أنَّ الجَنّةَ تُخَزِّنُ مَحاصِيلَ جَميعِ عَوالِمَِومِ اُودِ ونَتائِجَها، وتَستَثمِرُ النَّوَى المَزرُوعةَ في الدُّنيا فتَجعَلُها تُؤتي أُكُلَها كلَّ حِينٍ؛ فإنَّ جَهَنَّمَ تُحَمِّصُ مَحاصِيلَ العَدَمِ وتَعصِفُ بها لِأَجلِ إظهارِ النَّتائجِ الأَليمةِ جِدًّا لِعَوالِمِ العَدَمِ والفَناءِ ئناتِ لمَحدُودةِ، فمَصنَعُ جَهَنَّمَ الرَّهيبُ یی فَضْلًا عن وَظائفِها العَدِيدةِ یی يُطَهِّرُ ما في عالَمِ الوُجُودِ مِن أَوساخِ عالَمِ العَدَمِ وأَدْرانِه.. سنُوَضلى إِفذه المَسأَلةَ العَظيمةَ فيما بعدُ إن شاءَ اللهُ لأنَّنا لا نُرِيدُ فَتحَ بابِها هنا.
وكذا فإنَّ جُزءًا مِن ثَمَراتِ الإيمانِ بالمَلائكةِ هو الَّذي يَعُودُ إلى المُنكَرِ والنَّكِيرِ، وهو كالآتي:
قلتُ ذاتَ يومٍ: "إنَّنصَّلابُدَّ یی كأَيِّ فَردٍ كانَ یی داخِلٌ لا مَحالةَ في القَبْرِ".. فدَخَلتُ إلَيه خَيالًا، وفيما كُنتُ أَستَوحِشُ يائِسًا مِن سِجنِ القَبرِ الِانفِرادِيِّ، ومِن تَجَرُّدِي المُطلَقِ مِن كلِّ شيءٍ، وَحمِئاتٍدُونَ مُعِينٍ، في ذلك المَكانِ الضَّيِّقِ المُظلِمِ البارِدِ، إذا بصَدِيقَينِ كَرِيمَينِ مِن طائفةِ "المُنكَرِ والنَّكِيرِ" قد بَرَزا وجاءا إلَيَّ وبَدَأَا بمُناظَرتي.. فتَوَسَّعَ قَبْرِي وانشَرَحَ قَلبِي، فاستَضَاله ولادَفَّأا، وفُتِحَت شَبابِيكُ نَوافِذَ مُطِلّةٍ على عالَمِ الأَرواحِ.. سُرِرتُ مِن أَعماقِ رُوحِي وشَكَرتُ اللهَ كَثيرًا على ما رَأَيتُ مِنَ الأَوضاعِ الَّتي ستَتَحقيِّينََتْمًا في المُستَقبَلِ وإن كُنتُ أَراها الآنَ خَيالًا.
فكَما أنَّه عِندَما تُوُفِّي طالِبُ عِلمٍ في أَثناءِ تَعَلُّمِه الصَّرفَ والنَّحوَ، سأَ فِهرلمُنكَرُ والنَّكِيرُ في القَبرِ: "مَن رَبُّك؟" أَجابَ: "مَن مُبتَدأٌ، ورَبُّك خَبَرُه.. اِسأَلُوني سُؤالًا صَعْبًا فهذا سَهْلٌ!!" یی يَحسَبُ نَفسَه لا يَزالُ في المَدرَسةِ ه یی
#َّى الدَّرْسَ یی كما أنَّ هذا الجَوابَ أَضحَكَ المَلائِكةَ والأَرواحَ الحاضِرةَ وذلك الوَلِيَّ الصّالِحَ الَّذي انكَشَف له القَبرُ فشاهَدَ الحادِثةَ، بل جَعَل الرَّحمةَ الإِلٰهيّةَ تَبتَسِمُ، فأَنقَذَه مِنَ العَذابِ.. كَذلرَ، فا أَجابَ شَهِيدٌ بَطَلٌ مِن طُلّابِ رَسائلِ النُّورِ وهو "الحافِظُ عَلِيٌّ" وقد تُوُفِّي في السِّجنِ وهو لا يَزالُ يَقرَأُ ويَكتُبُ "رِسالةَ الثَّمَلأَرضِكَمالِ الشَّوقِ، أَجابَ عن أَسئِلةِ المَلَكَينِ في القَبْرِ یی مِثلَما أَجابَ في المَحكَمةِ یی بحَقائقِ "رِسالةِ الثَّمَرةِ"، وأنا كَذلِك وسائرُ طَلَبةِ
— 99 —
رَسُقَدَّلنُّورِ سنُجِيبُ إن شاءَ اللهُ عن تلك الأَسئِلةِ الَّتي هي حَقيقةٌ في المُستَقبَلِ، ومَجازٌ في الوَقتِ الحاضِرِ، سنُجِيبُ عنها بحُجَجِ رَسائلِ النُّورِ السّاطِعةِ وبَراهِينِها الدّامِغةِ، ونَسُوقُهم بها إلى التَّصدِيقِ والِاستِحسانِ والتّ.
فِ.
وكذا فإنَّ نَمُوذَجًا جُزئيًّا للإيمانِ بالمَلائكةِ مِحوَرًا لِسَعادةِ الدُّنيا هو أنَّه:
بَينَما كان طِفلٌ بَرِيءٌ يَتَلقَّى دَرسَه الإيمانِيستَضافمَبادِئِ الفِقهِ، إذ يَأتيه طِفلٌ آخَرُ باكِيًا مُوَلْوِلًا لِوَفاةِ أَخِيه البَريءِ فيُهَدِّئُه ويُسَلِّيه، قائلًا: "لا تَبْكِ يا أَخِي، بلِ اشْكُرِ اللهَ، لأنَّ أَخاك قد ذَهَب معَ، ثمَّائكةِ ومَضَى إلى الجَنّةِ، وسيَتَجَوَّلُ ويَسْرَحُ هناك بحُرِّيّةٍ كامِلةٍ كالمَلائكةِ، وسيَجِدُ الفَرحةَ والهَناءَ أَحسَنَ مِنَّا، وسيَطِيرُ كالمَلائكةِ ويُشاهِدُ كلَّ مَكانٍ"، فبَدّرةِ وداءَه وصُراخَه وعَوِيلَه ابتِسامةً وسُرُورًا.
فأنا كذلك مِثلُ هذا الطِّفلِ الباكي، فقد تَلَقَّيتُ مع ما أنا فيه مِن وَضْعٍ أَليمٍ وفي هذا الشِّتاءِ الكَئيبِ نَبَأَ وَفاةِ اثنَينِ ونَعْيَهما بأَسًى وأَلَمٍ َدَّث ينِ.
أَحَدُهما:هو ابنُ أَخي المَرحُومُ "فُؤاد" الَّذي أَحرَزَ الدَّرَجةَ الأُولَى في المَدارِسِ العُلْيا، وهو النَّاشِرُ لِحَقائقِ رَسائلِ النُّورِ.
الثّاني:تلك الَّتي حَجَّت وطافَت بالبَيتِ وهي تُعاني سَكَراتِ الممِن مُسَلَّمَتْ رُوحَها في الطَّوافِ، وهي المَرحُومةُ أُختي العالِمةُ: "خانُم".
فبَينَما أَبكاني وَفاةُ هذَينِ القَريبَينِ كبُكائي على "عبدِ الرَّحمَنِ" المَذكُورِ في "رِسالةِ الشُّيُوخِ"، رَأَيتُ بنُورِ الُهم وَ یی قَلبًا ومَعنًى یی صَداقةَ المَلائكةِ ورِفاقةَ الحُورِ العِينِ لِذلك الشّابِّ الطَّيِّبِ: "فُؤاد" ولِتِلك السَّيِّدةِ الصَّالِحةِ، عِوَضًا عن صَداقةِ في:"اسِ، ورَأَيتُ نَجاتَهما مِن مَهالِكِ الدُّنيا وخَلاصَهما مِن خَطاياها؛ فبَدَأتُ أَشكُرُ اللهَ یی وهو أَرحَمُ الرّاحِمِين یی أَلفَ شُكرٍ وشُكرٍ، بما حَوَّل ذلك الحُزى هذه َّدِيدَ إلى الشُّعُورِ بالبَهجةِ، والإِحساسِ بالسُّرُورِ.. وبَدَأتُ أُهَنِّئُهم وأُهَنِّئُ أَخِي "عبدَ المَجِيدِ" (أبا فُؤادٍ) وأُهَنِّئُ نَفسِي كَذلِك. ولقد كُتِبَ هذا وسُجِّلَ هاهنا مِن أَجلِ أن يَنالَ هَذانِ اللعَذابمانِ بَرَكةَ الدُّعاءِ.
— 100 —
إنَّ جَميعَ ما في رَسائلِ النُّورِ مِن مَوازِينَ ومُقارَناتٍ إنَّما هو لِبَيانِ ثِمارِ سَعادةِ الإيمانِ ونَتائِجِها الَّتي تَعُودُ للحَياةِ الدُّنيا والحَياةِ الأُخ هذه اتلك الثِّمارُ الكُلِّيّةُ الضَّخمةُ تُرِي في الدُّنيا سَعادةَ الحَياةِ وتُذِيقُ لَذائذَها خِلالَ العُمُرِ، كما تُخبِرُ أنَّ إيمانَ كلِّ مُؤمِنٍ سيُكسِبُه في الآخِرةِ سَعادةً أَبَديّةً، بل ستُثمِرُ وتَتَكشَّفُ وتَنبَسِطُ اثِ مِورةِ نَفسِها هناك.
فمِن نَماذِجِ تلك الثِّمارِ الكُلِّيّةِ العَدِيدةِ كُتِبَت خَمسُ ثِمارٍ مِنها على أنَّها لی"المِعراجِ" في نِهايةِ "الكَلِمةِ الحادِيةِ والثَّلاثين"، وخَمسُ ثِمارٍ في ِنُ لِنِ الخامِسِ مِنَ الكَلِمةِ الرّابعةِ والعِشرِين".
فكما ذَكَرنا آنِفًا أنَّ لِكُلِّ رُكنٍ مِن أَركانِ الإيمانِ ثِمارًا كَثيرةً جِدًّا بلا حُدُودٍ، فلِمَجمُوعِ أَركانِ الإيمانِ معًا ثَمَراتٌ لا حَدَّ لها أَيضًا:
إحداهَّنا نَنّةُ العَظِيمةُ..
والأُخرَى:السَّعادةُ الأَبَديّةُ..
والثَّالثة:هي أَلَذُّها، وهي رُؤيةُ اللهِ جلَّ جَلالُه هناك.
وقد وَضَح بجَلاءٍ في المُقارَنةِ المَعقُودةِ في نِهايةِ "ايَأْتيةِ الثّانيةِ والثَّلاثين" بعضُ ثِمارِ الإيمانِ الَّذي هو مِحوَرُ سَعادةِ الدّارَينِ.
هذا، وإنَّ الدَّليلَ على أنَّ"الإيمانَ بالقَدَرِ"له ثِمارُه النَّفيسةُ أيضًا وتُمله الدُّنيا، هو ما يَدُورُ على أَلسِنةِ الجَمِيعِ، حتَّى غَدا مَضرِبًا للأَمثالِ:"مَن آمَنَ بالقَدَر، أَمِنَ مِنَ الكَدَر"،وفي نِهايةِ"رِسالةِ القَدَر"بُيِّنتْ إحدَى ثِمارِه الكُلِّيّةِ بالِ رُ هو: دُخُولُ رَجُلَينِ حَدِيقةَ قَصرٍ سُلطانِيٍّ.. حتَّى إنَّني شاهَدتُ مِن خِلالِ حَياتي بآلافٍ مِن تَجارِبي وعَرَفتُ أنْ لا سَعادةَ للحَياةِ الدُّنيا دُونَ الإيمانِ بالقَدَرِ، فلَولا هذا الإيمانُ لَمُحِيَت إذ. وإنّ السَّعادةُ وفَنِيَت؛ بل كُنتُ كلَّما نَظَرتُ إلى المَصائبِ الأَليمةِ مِن زاوِيةِ الإيمانِ بالقَدَرِ كانَت تلك المَصائبُ تَخِفُّ ويَقِلُّ وَطْؤُها عَلَيَّ، فكُنتُ أَسأَلُ بِحَينِ البا تُرَى كيفَ يَستَطِيعُ العَيشَ مَن لا يُؤمِنُ بالقَدَرِ؟!
— 101 —
وقد أُشِيرَ إلى إِحدَى الثِّمارِ الكُلِّيّةِ للرُّكنِ الإيمانِيِّ:"الإيمانُ بالمَلائكةِ"في "المَقامِ الثّاني للكَلِمةِ بَداهةيةِ والعِشرين" بما يأتي:
إنَّ عِزرائيلَ عَلَيهِ السَّلَام قال مُناجِيًا رَبَّه عزَّ وجلَّ: إنَّ عِبادَك سوف يَشتَكُون مِنِّي ويَسخَطُون عَلَيَّ عِندَ أَدائي وَظيفةَ قَبضِ الأَرواحِ. فقيلَ له جَوابًا: سأَجعَلُ الأَمراضَ والمَصائبَ سَتائِآنِ الَظِيفَتِك لِتَتَوجَّهَ شَكاواهم إلى تلك الأَسبابِ لا إليك.
ووَظيفةُ عِزرائيلَ نَفسُها هي الأُخرَى سِتارٌ مِن تلك السَّتائرِ كيلا تَتَوجَّه الشَّكاوَى الباطِلةُ إلى الحَقِّ سُبحانَه وتَعالَى، وذلك لِأَنَّ الحِكمةَ والرَّحمةَ والجَميءٍ وَلمَصلَحةَ المَوجُودةَ في المَوتِ قد لا يَراها كلُّ أَحَدٍ، إذ يَنظُرُ إلى ظاهِرِ الأُمُورِ ويَبدَأُ بالِاعتِراضِ والشَّكوَى.. فلِأَجلِ هذه الحِكمةِ یی أي: لِئلَّا تَتَوجَّه الشَّكاوَى الباطِلةُ إلى الرَّحِيمِ المُطلَقِ یی فقد أَصبَحَ عس لِأَلُ عَلَيهِ السَّلَام سِتارًا.
ومِثلُ هذا تَمامًا ما يقُومُ به جَميعُ المَلائكةِ وجَميعُ الأَسبابِ الظّاهِرةِ مِن واجِباتٍ ووَظائفَ إنَّما هي سَتائرُ لِعِزّةِمِن نَبُوبيّةِ، لِتَبقَى عِزّةُ القُدرةِ الإِلٰهيّةِ وقُدسِيَّتُها ورَحمةُ اللهِ المُحِيطةُ الشّامِلةُ مَصُونةً في الأُمُورِ والأَشياءِ الَّتي لا تُرَى فيها أَوجُهُ الجَمالِ، ولا تُعلَمُ فيها حَقائقُ الحِكمةِ، مِن دُونِ أن تكُونَ هَدَفًا للاتِ بماضاتِ الباطِلةِ.. ولا يُشاهَد عِندَئذٍ بالنَّظَرِ الظّاهِرِيِّ مُباشَرةُ يَدِ القُدرةِ في الأُمُورِ الجُزئيّةِ والمُنافِيةِ للرَّحمةِ والأَشياءِ التّافِهةِ.
هذا، وإنَّ رَسائلَ النُّورِ قد أَثبَتَت بدَلائلِها الغَزِيرةِ جِدًّا، أنَّه ليُّ شَييِّ سَبَبٍ مِنَ الأَسبابِ تَأثيرٌ حَقيقيٌّ، وليس له قابِليّةُ الإيجادِ أَصلًا؛ وأنَّ سِكَكَ التَّوحِيدِ وأَختامَها غيرَ المَحدُودةِ مَوضُوعةٌ على كلِّ شيءٍ، وأنَّ الخَلقَ والإيجادَ يَخُصُّه هو سُبحانَه وتَعالَى، فلَيسَتِ الأَو أنَّإلّا مُجَرَّدَ سَتائرَ، وليس للمَلائكةِ یی وهم ذَوُو شُعُورٍ یی غيرُ جُزءٍ مِنَ الِاختِيارِ الجُزئيِّ الَّذي له الكَسبُ دُونَ الإيجادِ، وهو نَوعٌ مِنَ الخِدمةِ الفِطرِيّةِ ونَمَطٌ مِنَ العُبُودِيّةِ العَمَليّةِ لا غيرُ.
أَجَل، إنَّ او لم تَ والعَظَمةَ تَقتَضِيانِ وَضعَ الأَسبابِ الظّاهِرِيّةِ سَتائرَ أَمامَ نَظَرِ العَقلِ، إلّا أنَّ التَّوحِيدَ والجَلالَ يَرفَعانِ أَيدِيَ الأَسبابِ ويَرُدّانِها عنِ التَّأثيرِ الحَقيقيِّ.
— 102 —
وهكذا، فكما وحَبّالمَلائكةَ والأَسبابَ الظّاهِرِيّةَ المُستَخدَمةَ في أُمُورِ الخَيرِ والوُجُودِ، هي وَسائلُ للتَّقدِيسِ الرَّبّانِيِّ وتَسبِيحِه فيما لا يُرى ن ساعةعلَمُ جَمالُه مِنَ الأَشياءِ، وذلك بتَنزِيهِ القُدرةِ الرَّبّانيّةِ وصِيانَتِها عنِ التَّقصِيرِ والظُّلمِ؛ كذلك فإنَّ استِخدامَ شَياطِينِ الجِنِّ والإنسِ والعَناصِرِ المُضِرّةِ في أُمُورِ الشَّرِّ والعَدَمِ هو الآخَرُ نو هذه اَ الخِدمةِ للتَّسبِيحاتِ الرَّبّانيّةِ ووَسِيلةٌ للتَّقدِيسِ والتَّنزِيهِ والتَّبْرِئةِ مِن كلِّ ما يُظَنُّ نَقصًا وتَقصِيرًا في الكائناتِ، وذلك لِصِيانةِ القُدروَرِ اُّبحانيّةِ، كيلا تكُونَ هَدَفًا لإلصاقِ الظُّلمِ بها وتَوجِيهِ الِاعتِراضاتِ الباطِلةِ إلَيها، ذلك لأنَّ جَميعَ التَّقصِيراتِ تأتي مِنَ العَدَمِ ومِنَ العَجزِ ومِنَ الهَدمِ ومِن إهمالِ الواجِباتِ یی الَّتي كلٌّ مِنها عَدَمٌ یی ومِمّا ليس له وُا مِن مِنَ الأَفعالِ العَدَمِيّةِ.
فهذه السَّتائرُ الشَّيطانيّةُ والشِّرِّيرةُ قد أَضحَت وَسائلَ لِتَقدِيسِ الحَقِّ سُبحانَه وتَعالَى لِمَا حَمَلَت على عاتقِها یی باستِحقاقٍ یی تلك الِاعتِراضاتِ والشَّكاوَى لِكَونِها مَرجِعًاَسنَدتالتَّقصيراتِ ومَصْدَرًا لها؛ إذِ الأَعمالُ الشِّرِّيرةُ والعَدَمِيّةُ والتَّخرِيبيّةُ لا تَتَطلَّبُ أَصلًا القُوّةَ والقُدرةَ، فالفِعلُ القَليلُ أوِ القُوّةُ الجُزئيَّةُ بل الإهمالُ لواجبٍ مّا أَحيانًا يُؤَدِّي إلى أَنواعٍ مِنَ العَدكذا، فلفَسادِ. لذا يُظَنُّ أنَّ القائِمَ بتلك الأَفعالِ الشِّرِّيرةِ هو ذُو قُدرةٍ، بَينَما الأَمرُ في الحَقيقةِ أنَّه لا تَأثيرَ له إلّا العَدَمُ، ولا قُوّةَ له إلّا الكَسبُ الجُزئيُّ.
ِ الطّا كانَت تلك الشُّرُورُ ناشِئةً مِنَ العَدَمِ فإنَّ أُولَئك الأَشرارَ يُعَدُّون همُ الفاعِلين الحَقيقيِّين لها، فإن كانُوا مِن ذَوِي الشُّعُورِ استَحَقُّوا أن يَذُوقُوا وَبالَ أَمرِهم؛ وهذا يَعني أنَّ أُولَئك الأَشرارَ الفاسِدِين هم ي شَتّون للسَّيِّئاتِ.. أمّا في الحَسَناتِ والخَيرِ والأَعمالِ الصَّالِحةِ فلِأَنَّها وُجُودِيّةٌ، فإنَّ الأَخيارَ لَيسُوا همُ الفاعِلين الحَقيقيِّين لها، وإنَّما هم أَهلٌ لكي تَجرِيَ الحَسَناتُ على أَيدِيتِشارِقبَلُوا الكَرَمَ الإِلٰهيَّ؛ وما إثابَتُهم على أَعمالِهم إلّا كَرَمٌ وفَيضٌ إِلٰهِيٌّ مَحضٌ، والقُرآنُ الكَريمُ يُوَضِّحُ هذا بأَمرِه: مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهاملٍ وا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ
— 103 —
ومُجمَلُ القَولِ:إنَّ عَوالِمَ الوُجُودِ وعَوالِمَ العَدَمِ غيرَ المَحدُودَتَينِ عِندَما تَتَصادَمانِ مَعًا، وعِندَما تُثمِرانِ الجَنّةَ والنّارَ، وعِندَما تقُولُ جَمذلك الوالِمِ الوُجُودِ:"الحَمدُ للهِ، الحَمدُ للهِ"،وتُرَدِّدُ جَميعُ عَوالِمِ العَدَمِ:"سُبحانَ اللهِ، سُبحانَ اللهِ"،وحتَّى عِندَما تَتَصارَعُ الم هاهناُ معَ الشَّياطِينِ، والخَيراتُ معَ الشُّرُورِ، بل حتَّى عِندَما يَدُورُ الجِدالُ حَولَ القَلبِ بينَ الإلهامِ والوَسوَسةِ.. عِندَما يَحدُثُ كلُّ هذا بقانُونِ المُبارَزةِ المُحِيطِ، تَتَجلَّى ثَمَرةٌ مِن ثِمارِ"الإيمانِ بالمَلا الَّذفتَحسُمُ القَضِيّةَ وتَحُلُّ المُشكِلةَ، مُنوِّرةً الكائناتِ المُظلِمةَ، مُبدِيةً لنا نُورًا مِن أَنوارِ: اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، فتُذِيقُنا مِن حَلاوَتِها.. ما أَحلَاها! وما أَلذَّها!!
هذا، وإنَّ كُلًّا مُمُورَلكَلِمةِ الرّابعةِ والعِشرِين" و"الكَلِمةِ التَّاسِعةِ والعِشرِين" قد أَشارَتا إلى ثَمَرةٍ كُلِّيّةٍ أُخرَى، وأَثبَتَتا إثباتًا ساطِعًا وُجُودَ المَلائكةِ ووَظائِفَهم.
نعم، إنَّ رُبُوبيّةً جَليلةً رَحيمةً واسِعةً الَّتي عَرَّفَت نَفسَهاهذه الَبَتها، بما بَثَّت مِن كلِّ شيءٍ في جَنَباتِ الكَونِ، سواءٌ أَكان كُلِّيًّا أم جُزئيًّا، يَجِبُ أن يُقابَلَ ذلك الجَلالُ وتلك الرَّحمةُ وذلك التَّعرُّفُ والتَّحَبُّبُ بعلَقالَيّةٍ واسِعةٍ مُحيطةٍ شامِلةٍ شاكِرةٍ ضِمنَ تَقدِيسٍ وحَمْدٍ وثَناءٍ.
وحيثُ إنَّ الجَماداتِ والأَركانَ العَظيمةَ للكَونِ الَّتي ليس لها شُعُورٌ لا يُمكِنُها القِيامُ بهذه العُبُودِيتِهِديعَظيمةِ، فلا يقُومُ بها عنهم إلَّا ما لا يُحصَى مِنَ المَلائكةِ.. فهؤلاء هُمُ الَّذين يُمكِنُهم أن يُمَثِّلُوا یی بكلِّ حِكمةٍ وجَلالٍ یی إجراءاتِ سَلطَنةِ الرُّبُوبيّلمُنتَكلِّ رُكنٍ مِن أَركانِ الكَونِ، وفي كلِّ جُزءٍ مِن أَجزائِه، مِنَ الثَّرَى إلى الثُّرَيّا، مِن أَعماقِ الأَرضِ إلى أَعالي الفَضاءِ.
فمَثلًا:إنَّ ما تُصَوِّرُه القَوانينُ المَيِّتةُ للفَلسَفةِ مِن خَلقِ الأَرضِ ووَِنَ "اِها الفِطرِيّةِ بشَكلٍ مُوحِشٍ مُظلِمٍ، تُحَوِّلُها هذه الثَّمَرةُ الإيمانيّةُ صُورةً مُؤنِسةً مُضِيئةً حيثُ المَلَكانِ المُسَمَّيانِ بالثَّورِ والحُوتِ، يَحمِلان رِهم يتِفِهما یی أي: تحتَ إشرافِهما یی الكُرةَ الأَرضِيّةَ، حيثُ قد أُحضِرَت مِنَ الجَنّةِ وجُلِبَت مِنها تلك المادّةُ الأُخرَوِيّةُ، وتلك
— 104 —
الحَقيقةُ الأُخرَوِيّةُ المُسَمّاةُ بی"الصَّخرةِ" لِتُصبحَ الحَجَرَ الأَساسَ الباقيَ لهذه الكُرةِ الأٍَ مِن ِ الفانيةِ، إشارةً إلى أنَّ قِسمًا مِنَ الأَرضِ سيُفرَغُ ويُحَوَّلُ إلى الجَنّةِ الباقيةِ، فأَصبَحَتِ الصَّخرةُ نُقطةَ استِنادٍ للمَلَكَينِ: "الثَّورِ والحُوتِ".. هكذا رُوِيَت هذه الرِّوايةُ عن بعضنتِظامِياءِ بَني إسرائيلَ السَّابقِين، وهي مَروِيّةٌ كذلك عنِ ابنِ عبّاسٍ رَضِيَ الله عَنهُ، ولكنَّ المُؤسِفَ جِدًّا أن يَتَحوَّلَ هذا التَّشبِيهُ اللَّطيفُ وهذا المَعنَى السَّامي بمُرُورِ الزَّمَنِ إلى حَقيقةٍ العَبَّةٍ مُجَسَّمةٍ عِندَ العَوامِّ، بحيثُ أَصبَحَت خارِجةً عن نِطاقِ العَقلِ، إذِ المَلائكةُ يَستَطِيعُون أن يَصُولُوا ويَجُولُوا في التُّرابِ وفي الصُّخُورِ وفي مَركَزِ الأَرضِ كجَوَللَيس لفي الهَواءِ، فلَيسُوا إذًا بحاجةٍ أَبَدًا یی ولا الكُرةُ الأَرضِيّةُ نَفسُها بحاجةٍ یی إلى صَخرةٍ مادِّيّةٍ مُجَسَّمةٍ ولا إلى ثَورٍ وحُوتٍ مادِّيَّينِ مُجَسَّمَينِ! بمَعنَى أنَّ تلك الرِّواية لَيسَت إللَبُ أَّشبِيهِ.
ومَثلًا:لَمَّا كانَتِ الكُرةُ الأَرضِيّةُ تُسَبِّحُ للهِ بعَدَدِ رُؤُوسِ الأَنواعِ المَوجُودةِ فيها مِن حَيَوانٍ ونَباتٍ وجَمادٍ، وبعَدَدِ أَلسِنةِ أَفَولَ الك الأَنواعِ، وبمِقدارِ أَعضاءِ تلك الأَفرادِ، وبعَدَدِ أَوراقِها وأَثمارِها، فإنَّ تَقدِيمَ هذه العُبُودِيّةِ الفِطرِيّةِ غيرِ الشُّعُورِِها أَلعَظيمةِ جِدًّا، وتَمثِيلَها، وعَرْضَها بعِلمٍ وشُعُورٍ على الحَضرةِ الإِلٰهيّةِ المُقَدَّسةِ، يَتَطلَّبُ حَتْمًا مَلَكًا مُوَكَّلًا له أَربَعُون أَلفَ رَأسٍ، و واحِدِ رَأسٍ أَربَعُون أَلفَ لِسانٍ يُسَبِّحُ بكلِّ لِسانٍ أَربَعِين أَلفَ تَسبِيحةٍ، مِثلَما أَخبَرَ المُخبِرُ الصّادِقُ بهذه الحَقيقةِ نَفسِها.
نعم، إنَّه ذا المقتَضَياتِ جَلالِ الرُّبُوبيّةِ وعَظَمَتِها وسُلطانِها أن يكُونَ جَبرائيلُ عَلَيهِ السَّلَام على ماهيّةٍ عَجِيبةٍ وهو المُؤَهَّلُ لِتَبلِيغِ العَلاقاتِ الرَّبّانيّةِ للإنسانِ الَّذي هو أَهَمُّ نحفُوظةٍ لِخَلقِ الكَونِ، وأن يكُونَ إسرافيلُ وعِزرائيلُ عَلَيهِمَا السَّلَام على ماهِيّةٍ عَجيبةٍ أيضًا، وهما يُمَثِّلانِ یی مُجَرَّدَ تَمثيلٍ یی الإجراءاتِ الإِلٰهيّةَ الخاصّةَ للخالقِ سُبحانَه، ويُشْرِفانِ بعُبُودِيّرةُ كُِصةٍ على أَعظَمِ شيءٍ في عالَمِ الأَحياءِ، وهو البَعثُ والمَوتُ؛ وأن يكُونَ مِيكائيلُ عَلَيهِ السَّلَام على ماهِيّةٍ عَجِيبةٍ أيضًا، إذ يُمَثِّلُ بشُعُورٍ كامِلٍ أَنواعَ الشُّكرِ غيرَ الشُّعُورِيّةِ على
— 105 —
الإحساناتِ الرَّحمانيّةِ في الرّ هائِللَّذي هو أَجمَعُ دائرةٍ مِن دَوائرِ الحَياةِ وأَوسَعُها للرَّحمةِ وأَكثَرُها تَذَوُّقًا، فَضْلًا عن إشرافِه علَيها.
نعم، إنَّه مِن مُقتَضَياتِ جَلالِ الرُّبُوبيّةِ وأُبَّهَتِها بَقاءُ الرُّوحِ ووُجُودُ أَمثاليفٌ خاء المَلائكةِ على ماهِيّةٍ عَجيبةٍ جِدًّا، إذ إنَّ وُجُودَ هؤلاء ووُجُودَ كلِّ طائفةٍ خاصّةٍ مِنهم قَطعيُّ الثُّبُوتِ ولا رَيبَ فيه مُطلَقًا، فهو ثابِتٌ بدَرَجةٍ تَليقُ بثُبُوتِ وُجُودِ الجَل ارتِبلسَّلطَنةِ الظّاهِرةِ في الكونِ كالشَّمسِ.. ولْيُقَسْ على هذا المَوادُّ الأُخرَى الَّتي تَخُصُّ المَلائكةَ.
نعم، إنَّ الَّذي يَخلُقُ في الكُرةِ الأَرضِيّبتُوتُبعَ مِئةِ أَلفِ نوعٍ مِنَ الأَحياءِ، بل يَخلُقُ مِن أَبسَطِ المَوادِّ ومِنَ العُفُوناتِ، ذَواتِ أَرواحٍ بكَثرةٍ هائلةٍ، ويَعمُرُ بهم أَرجاءَ الأَرضِ، ويَجعَلُهم يَنطِقُون بلِسانِهم إعجابًا:"ما شاءَ اللهُ! بارَكَ اللهُ! سُبحانَ اللهِ!" ذا كَ مُعجِزاتِ صَنعَتِه سُبحانَه، والَّذي جَعَل حتَّى الحَيَواناتِ الدَّقيقةَ تَنطِقُ بی"الحَمدُ للهِ، والشُّكرُ للهِ، واللهُ أَكبَرُ"حِيالَ إحساناتِ الرَّحمةِ الواسِعةِ وِمُوا ا.. إنَّ هذا القَدِيرَ ذا الجَلالِ والجَمالِ قد خَلَقَ بلا رَيبٍ ولا شُبهةٍ سَكَنةً رُوحانيِّين تُناسِبُ السَّماواتِ الشّاسِعةَ، مِمَّن لا يَعصُون أَمْرَه، ويَعبُدُونَه دَوْمًا، فيَعْمُرُ بهِمُ السَّماواتِ دُونَ أن يَدَعمَلًا ليةً مُقفِرةً؛ فأَوجَدَ أَنواعًا كَثِيرةً جِدًّا مِنَ المَلائكةِ هي أَكثَرُ بكَثيرٍ مِن أَنواعِ الحَيَواناتِ وطَوائفِها، فقِسمٌ مِنهم صَغيرٌ جِدًّا يَمتَطُون قَطَراتِ الأَمطارِ وبِلَّوراتِ الثُّلُوجِ، ويُبارِكَني كُصَّنعةَ الإِلٰهيّةَ مُهَلِّلين لرَحمَتِها الواسِعةِ بلِسانِهمُ الخاصِّ، وقِسمٌ مِنهم يَمتَطُون ظُهُورَ الكَواكِبِ السَّيّارةِ فيَسِيحُون في فَضاءِ الكَونِ مُعلِنين للعالَمِ أَجمَعَ عُبُودِيَّتَهم بالتَّكبِيرِ والتَّهليلِ أَمامَ عَظةٍ، وهلرُّبُوبيّةِ وعِزَّتِها وجَلالِها.
نعم، إنَّ اتِّفاقَ كلِّ الكُتُبِ السَّماوِيّةِ وجَميعِ الأَديانِ مُنذُ زَمَنِ سيِّدِنا آدَمَ عَلَِياسيّسَّلَام على وُجُودِ المَلائكةِ وعلى عُبُودِيَّتِهم، وإنَّ ما رُوِيَ مِنَ الرِّواياتِ الكَثيرةِ المُتَواترةِ مِنَ التَّحَدُّثِ معَ المَلائكةِ والمُحاوَرةِ معَهم خِلالَ جَميعِ العُعَظَمة أَثبَتَ إثباتًا قاطِعًا وُجُودِ المَلائكةِ وعَلاقَتَهم معَنا، بدَرَجةِ ثُبُوتِ وُجُودِ النّاسِ الَّذين لم نَرَهُم في أَمرِيكا.
— 106 —
والآنَ انظُرْ بنُورِ الإيمانِ إلى هذه الثَّمَرةِ الكُلِّيّةِ الثّانيةِ وذُقْها لِتَرَى كيفَ أنَّها اللهََتِ الكائناتِ مِن أَوَّلِها إلى آخِرِها وعَمَرَتْها وزَيَّنَتْها وحَوَّلَتْها إلى مَسجِدٍ أَكبَرَ ومَعبَدٍ أَعظَمَ، فالكَونُ المُظلِمُ البارِدُ الَّذي ليس فيه حياةٌ یٍ نَزِتُصَوِّرُه مادِّيّةُ العِلمِ والفَلسَفةِ یی يُصبِحُ بالإيمانِ كَوْنًا ذا حَياةٍ وشُعُورٍ، ومُنَوَّرًا ومُؤنِسًا ولَذيذًا، فتُذِيقُ هذه الثَّمَرةُ أَهلَ الإيمانِ شُعاعًا مِن لَذّةِ الحَياةِ الباقيةِ وهابَ تلَزالُون في الدُّنيا كلٌّ حَسَبَ دَرَجَتِه.
تَتِمّةٌ:
كما أنَّه بسِرِّ الوَحدةِ والأَحَديّةِ، تُوجَدُ القُدرةُ نَفسُها والِاسمُ نَفسُه والحِكمةُ نَفسُها والإبداعُ نَفسُهتِهِم لِّ جِهةٍ مِن جِهاتِ الكَونِ، فيُعلِنُ كلُّ مَصنُوعٍ یی كُلِّيًّا أم جُزئيًّا یی بلِسانِ حالِه: وَحدانيّةَ الخالقِ سُبحانَه وتَصَرُّفَه وإيجادَه ووابِ ايَّتَه وخَلَّاقيَّتَه وقُدسِيَّتَه، كذلك فإنَّه سُبحانَه يَخلُقُ مَلائكةً في أَرجاءِ الكَونِ كُلِّه لِيَقُومُوا بأَلسِنَتِهمُ الذّاكِرةِ احابِ، ةِ بتَسبِيحاتٍ يُؤَدِّيها كلُّ مَخلُوقٍ بلِسانِ حالِه بلا شُعُورٍ مِنه.. فالمَلائكةُ لا يَعصُون اللهَ ما يَأمُرُهم، وليس لهم إلّا العُبُودِيّةُ الخالِصةُ، وليس لهم أيُّ إيجادٍ كانَ، ولا دَخْلَ لهم دُونَ إِذنٍ، ولا تكُونُ لهم شَفاعةٌ دُونَ َكبَرَِنه سُبحانَه، لِذا نالُوا شَرَفَ:
بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ
وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ

* * *

— 107 —
إِشارةٌ وَجِيزةٌ لِحَقِيقةٍ وافيةٍ سَابِغةٍ، تَدُورُ حَولَ نُكتةٍ إِعجازِيّةٍ في غايةِ الأَهَمِّيّةِ، وتُظهِرُ مُعجِزةً غَيبةِ النجَلِيّةً مِن مُعجِزاتِ سُورةِ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ، وقد أُخطِرَت إلى القَلبِ بعدَ المَغرِبِ فَجْأةً، وبِشَكلٍ لا إِراديٍّ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قُلْ أَعُحالةٍ رَبِّ الْفَلَقِ ٭ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ ٭ وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ ٭ وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ ٭ وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ
تُخاطِبُ هذه السُّورةُ الجَلِيلةُ بِمَعناها َّت جُرِيِّ نَبِيَّنا (ص) وأُمَّتَه قائِلةً:"قُوْا أَنفُسَكُم مِن شَياطِينِ الإِنسِ والجانِّ، ومِن أَشرارِ الكَونِ الَّذِينَ يَعمَلُونَ لِصالِحِ عالمَذكِ العَدَمِ"؛وهِي إِذ تتَوَجَّهُ بِهَذا المَعنَى الإِشارِيِّ إلى كُلِّ عَصرٍ، فإِنَّها تتَوَجَّهُ بِشَكلٍ آكَدَ یی بل أَظهَرَ یی إلى عَصرِنا العَجِيبِ، وتَدعُو خُدَّامَ القُرآنِ إلى التَّحَصُّنِ بِالِاستِعاِلّا ت ستُبيَّنُ هذه المُعجِزةُ الغَيبِيّةُ في خَمسِ إِشاراتٍ مُختَصَرةٍ، هي على النَّحوِ التّالي:
إِنَّ لِكُلِّ آيةٍ مِن آياتِ هذه السُّورةِ مَعانِيَ كَثِيرةً، غيرَ أنَّ في مَعناها الإِشارِيِّ إِرشادًا غَيبِيّوالمِرِيقُ بِإِعجازِ القُرآنِ، وذلك مِن خِلالِ: تَكرارِها لِكَلِمةِ: شَرِّ أَربَعَ مَرّاتٍ ضِمنَ جُمَلِها الخَمسةِ، وتَوقِيعِها بِالتَّوارِيخِ الدَّقيقةِ لِأَربَعِ حَوادِثَ وَقَعَت بِأَربَعةِ سَعْيٍُ في هذا العَصرِ، مِن شُرُورٍ وانقِلاباتٍ وحُرُوبٍ مَعنَوِيّةٍ ومادِّيّةٍ عاصِفةٍ ومُنقَطِعةِ النَّظِيرِ، ناهِيك عن مُناسَبَتِها المَعنَوِيّةِ القَوِاهِرةٌوأَمرِها مَعنًى:"اِجتَنِبُوا هَؤُلاءِ".
فمَثلًا:جُملةُ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ في بِدايَتِها تَتَوافَقُ بالحِسابِ الأَبجَدِيِّ والجَفرِيِّ معَ تارِيخِ سَنةِ أَلفٍ وثَلاثِ مِئةٍ واثنَتَينِ وخَمسِينَ أو أَربَعٍ وّا الشنَ (١٣٥٢
— 108 —
أو ١٣٥٤)، وتُشِيرُ إلى الحَربِ العالَمِيّةِ الثّانيةِ الَّتي تَظهَرُ بَوادِرُ اندِلاعِها بِسَبَبِ الحَربِ العالَمِيّةِ الأُولَى، ونَتِيجةَ انتِشارِ أَمراضِ الحِقةِ وبلحَسَدِ في البَشَرِيّةِ بِأَوسَعِ أَشكالِها؛ وتُخاطِبُ الأُمّةَ المُحمَّدِيّةَ بما مَعناه:"لا تَخُوضُوا في هذه الحَربِ، والتَجِئُوا إلى رَبِّكُم".
كما أنَّ لها التِفاتةً رَمزِيّةً خاصَّةَدَى حلامِيذِ رَسائِلِ النُّورِ الَّذِينَ هُم مِن زُمرةِ خُدّامِ القُرآنِ، فتُومِئُ بتِلك الإِشارةِ إلى فَكِّ أَسرِهِم مِن سِجنِ "أَسكِي شَهِر" في العامِ ذاتِه وبِنَفسِ التّارِيخِ، وإلى نَجاتِهِم مِن شَرٍّ عَجِيبٍ سيَحُلُّ بِهِم، وتُبَدَلَّ بِفَشَلِ المُخَطَّطِ المَرسُومِ لِلقَضاءِ علَيْهِم، ثُمَّ تُلمِحُ لَهُم بما يُشبِهُ الأَمرَ:"استَعِيذُوا".
ومَثلًا: جُملةُ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ تُسا المَر دُونَ احتِسابِ الشَّدّةِ یی أَلفًا وثَلاثَ مِئةٍ وواحِدًا وسِتِّينَ (١٣٦١) ، وتُشِيرُ بالتَّارِيخِ الرُّومِيِّ والهِجرِيِّ إلى الدَّمارِ الهائِلِ الجائِرِ الَّذي خَلَّفَته هذه الحَربُ المَأْساوِيّةُ؛ كما تتَوَجزةً فيِمَعنًى رَمزِيٍّ إلى تَلامِيذِ النُّورِ السّاعِينَ في خِدمةِ القُرآنِ بِكُلِّ طاقَتِهِم، فتَتَوافَقُ بِذَلِك معَ مَوعِدِ نَجاتِهِم مِن مُخَطظامٍ وَهِيبٍ رُسِمَ لِلقَضاءِ علَيْهِم، ومِن مُصِيبةٍ عَظِيمةٍ أَليمةٍ، وكذا مِن سِجنِ "دَنِيزْلي"، وتُخاطِبُهُم بِتَلمِيحٍ خَفِيٍّ:"قُوْا أَنفُسَكُم شَرَّ الخَلقِ".
ومَثلًا:جُملةُ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَُمكِنُساوِي یی دُونَ احتِسابِ الشَّدَّاتِ یی أَلفًا وثَلاثَ مِئةٍ وثَمانِيةً وعِشرِينَ (١٣٢٨)، وإِن حُسِبَتِ اللّامُ في الشَّدّةِ فتُساوِي أَلفًا وثَلاثَ مِئةٍ وثَمانِيةً وخَمسِينَ (١٣٥٨)، وتَتَوافَقُ معَ ما وَقَع مِن حَسَدِ الخَذًا ماالأَجانِبِ الَّذِينَ أَشعَلُوا نِيرانَ الحَربِ العالَمِيّةِ، ومعَ حِرصِهِمُ الشَّدِيدِ على تَغيِيرِ السَّلطَنةِ بُغيةَ إِفسادِ نَتائِجِ ثَورةِ الحُرِّيّةِ المُناصِرةِ لِلقُرآنِ الَمدَ وَهَرَت فِينا؛ كما تَتَوافَقُ معَ تارِيخِ ظُهُورِ بَوادِرِ شُرُورٍ قَضَت بِشَكلٍ هَمَجِيٍّ على رُقيِّ حَضارةٍ عُمُرُها أَلفُ عامٍ، وذلك بِسَبَبِ اندِلاعِ حَربَيِ البَلقانُ مِنَِّليانِ والحَربَينِ العالَمِيَّتَينِ الأُولَى والثّانيةِ، ونَتِيجةً لِنَفثِ الدُّبلُوماسِيِّينَ السِّياسِيِّينَ عَبْرَ المِذْياعِ لِسُمُومِهِم وشُرُورِهِمُ المادِّيّةِ والمَعنَوِيّةِ في عُقُولِ الجَمِيعِ، وَرةٍ ونِهِم مُخَطَّطاتِهِمُ الخَفِيّةَ حَولَ عُقَدِ المُقَدَّراتِ البَشَرِيّةِ.. أَجَل، إِنَّها تَتَوافَقُ معَ هذا التّارِيخِ، وتَتَطابَقُ تَما فاتَعَ مَعنَى: النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ
— 109 —
ومَثلًا:جُملةُ وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ تُساوِي یی دُونَ احتِسابِ الشَّدِثباتًلتَّنوِينِ أَيضًا یی أَلفًا وثَلاثَ مِئةٍ وسَبعةً وأَربَعِينَ (١٣٤٧)، وتَتَوافَقُ معَ وُقُوعِ اضطِرباتٍ كَبِيرةٍ في هذا الوَطَنِ نَتِيجةِ الإِلزامِ بالمُعاهَداتِ الأَجنَبِيّةِ، ومعَ حُصُولِ تَحُوُّلاتٍ خَطِوابَهاي هذه الأُمّةِ المُتَديِّنةِ بِسَبَبِ تَسَلُّطِ الفَلسَفةِ عَلَيْها؛ كما تَتَوافَقُ معَ الِاشتِدادِ الرَّهِيبِ لِلمُنافَسةِ والحَسَدِ بينَ الدُّوَلِ المُشارِكةِ في الحَربِ العالَمِيّةِ الثَّانيةِ.. فتَت) ولا ُ تَمامًا معَ هذا المَعنَى الإِشارِيِّ؛ وهُو في حَقِيقةِ الأَمرِ: لَمْعةُ إِعجازٍ غَيبِيٍّ لِهَذِه السُّورةِ الجَلِيلةِ.
تَنبِيهٌ:لِكُلِّ آيةٍ مَعانٍ عَدِيدةٌ، ولِكُلِّ مَعنًى كُلِّيٍّ أَفرادٌ في كُلِّ عَصرٍ؛ والمُتَوجِّهُ لِعلَمِين هذا في مَبحَثِنا هذا هو الجانِبُ الإِشارِيُّ فحَسْبُ؛ كما أنَّ عَصْرَنا فَردٌ مِن أَفرادِ تلك المَعانِي الكُلِّيّةِ، إِلّا أنَّه نالَ مِيزاتٍ خاصّةً حتَّى باتَ يالتُّرَهُ ويَنظُرُ إِلَيْه بالتَّوارِيخِ والأَعوامِ.. وإِنَّني مُنذُ أَربَعةِ أَعوامٍ لا أَعلَمُ شَيئًا عن مُجرَياتِ هذه الحَربِ ولا نَتائِجِها، ولا إن كانَ ثَمّةَ سَلامٌ أم لا، لِذا لا أُدرِكُ المَزِيدرَشُ أإِشاراتِ هذه السُّورةِ المُقدَّسةِ لِهَذا العَصرِ ولِهَذِه الحَربِ، ولم أَطرُق بابَها أَكثَرَ؛ غيرَ أنَّ هذه الخَزِينةَ تَحتَوِي على أَسرارٍ كَثِيرةٍ، وقد بُيِّنَت وأُثبِتَت في أَجزاءِ رَسائِلِ النُّورِ، خُياةِ ك في "رِسالةِ الرُّمُوزاتِ الثَّمانيةِ"، لِذا نُحِيلُ الأَمرَ إِلَيْها ونَختَصِرُ الحَدِيثَ.
جَوابٌ لسؤالٍ يُمكن أن يَرِدَ إلى الأَذهانِ:
إِنَّ احتِسابَ كُلٍّ مِن مِنِ الخشَرِّ المَوجُودَينِ في البِدايةِ ضِمنَ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، واحتِسابَ شَرِّ فقط، وعَدَمَ احتِسابِ وَمِنْ المَوجُودَينِ في نِهايةِ وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ، وكذا عَدَمُ احتِسابِ الِاثنَينِ معًا في وَمِنْ وبحِك النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ، في هذا كُلِّه تَرمِيزٌ وتَلمِيحٌ لِمُناسَبةٍ دَقِيقةٍ ولَطِيفةٍ جِدًّا في ثَنايا هذه اللَّمْعةِ الإِعجازِيّةِ، وهي: بِغَضِّ النظرَّلِعُُجُودِ الشَّرِّ، فإِنَّ ثَمّةَ خَيراتٍ بينَ النّاسِ كَذلِك؛ كما أنَّ عُمُومَ الشَّرِّ لا يُصِيبُ الجَمِيعَ؛ ولِأَجلِ الإِشارةِ إلى هذا الأَمرِ دَخَلَ كُ والمُن مِنْ وشَرِّ ليُفِيدا التَّبعِيضَ.
— 110 —
أَمّا "الحاسِدُ إذا حَسَد" فإِنَّ فِعلَه هذا شَرٌّ كُلُّه، ولا حاجةَ هُنا لِلتَّبعِيضِ؛ وما تَرمُزُ إِلَيْه جُملةُ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ أَنَّ أَفعالَ أُولَئِك النّافِخِينَ والدُّبلُوماس حيثُ َ السَّحَرةَ كُلَّها أَفعالُ شَرٍّ، إذ هُم یی لِأَجلِ مَصالِحِهِمُ الشَّخصِيّةِ یی يَدفَعُونَ بِالكُرةِ الأَرضِيّةِ إلى النّارِ، فلِذا لم تَعُد ثَمّةَ حاجةٌ لِلَفظةُبُودِرِّ
حاشية لنُكتة إعجازية تخُصُّ هذه السُّورة
مِثلَما تتَوَجَّهُ هذه السُّورةُ بِالمَعنَى الإِشارِيِّ في أَربَعِ جُمَلٍ مِن جُمَلِها الخَمسةِ إلى أَربَعِ عَو فهل يوتَحَوُّلاتٍ فاسِدةٍ وَقَعَت في عَصْرِنا هذا، فكَذلِك بِتَكرارِها أَربَعَ مَرّاتٍ لِكَلِمةِ: مِنْ شَرِّ یی دُونَ احتِسابِ الشَّدّةِ یی تتَولحُجُب بالمَعنَى الإِشارِيِّ والمَقامِ الجَفرِيِّ مُشِيرةً أَربَعَ مَرّاتٍ إلى أَشَدِّ فِتَنِ العالَمِ الإِسلاميِّ وُقُوعًا، وهِي فِتَنُ: جِنگيز خانطُّ، بلاكُو، وانهِيارِ الدَّولةِ العَبّاسِيّةِ وسُقُوطِها.. أَجَل، شَرِّ بِدُونِ الشَّدّةِ تُساوِي (٥٠٠)، ومِنْ تُساوِي (٩٠).
ولِأَنَّ الكَثِيرَ مِنَ الآياتِ الَّتي تتَوَجَّهُ إلى المُستَقبَلِ تُشِيرُ مَعًا إلى عَصْرِنا هذا وإلى تلَلسِنةصُورِ، فإِنَّ الإِمامَ عَلِيًّا رَضِيَ الله عَنهُ والغَوثَ الأَعظَمَ (قَدَّس اللهُ سِرَّه) اللَّذَينِ يُخبِرانِ عنِ المُستَقبَلِ، نَظَرَا ُنُ الصْرِنا هذا وإلى تلك العُصُورِ وأَخبَرا بِبَعضِ الأَخبارِ؛ فإِنَّ كَلِماتِ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ لا تَنظُرُ إلى هذا الزَّمَنِ، بل غَاسِقٍ تُساوِي أَلفًا ومِئةً وواحِدًا وسِتِّينَ (١١٦١)، وإِذَا وَقَبَ تُساوِي ثَمانَ مِئةٍَرةٌ كرةً (٨١٠)، وتُشِيرُ إلى شُرُورٍ مادِّيّةٍ ومَعنَوِيّةٍ رَهِيبةٍ وَقَعَت في هذه الأَعوامِ؛ فإِنِ اجتَمَعا مَعًا تُصبِحُ النَّتِيجةُ أَلفًا وتِسعَ مِئةٍ وواحِدًا وسَبعِينَ مِيلادِيّةً (١٩٧١)، وتُخبِرُ عن شَرٍّ عَظِْني فيقَعُ في العامِ المَذكُورِ.. فإِن لم تَتِمَّ مُعالَجةُ مَحاصِيلِ البُذُورِ الحاليّةِ فإِنَّ صَفَعاتِها سوف تكُونُ قَوِيّةً بعدَ عِشرِينَ سَنةً.

* * *

— 111 —
لاحقة حاشية المسألة الحادية عشرة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِوالفِرحِيمِ
تَتِمّةُ آيةِ الكُرسِيِّ، وهِي:
لَا إِكْرَاهَ فِي (الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ) مِنَ الْغَيِّ (١٣٥٠).
فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ (١٩٢٨) أو (١٩٢٩).
وَيُؤْمِنَّْقِيقَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ (٩٤٦)، ويَتَوافَقُ معَ اسمِ رِسالةِ النُّورِ.
(بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى) لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٣٤٧).
(اللَّهُ) (وَلِيّن تَأْذِينَ آَمَنُوا) إن كانا معَ بَعضِهما فإِنَّهُما يُساوِيانِ (١٠١٢)؛ وإِن كانا مُتَفرِّقَينِ فإِنَّهُما يُساوِيانِ (٩٤٥) (بِدُونِ حِسابِ شَدّةٍ واحِدةٍ)وا في يُخْرِجُهُمْ مِنَ (الظُّلُمَاتِ) إِلَى النُّورِ (١٣٧٢) (بِدُونِ شَدّةٍ).
وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ (الطَّاغُوتُ) (١٤١٧)لشَّاه(يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى) الظُّلُمَاتِ (١٣٣٨) (لا تُحسَبُ الشَّدّةُ).
أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٢٩٥) (تُحسَبُ الشَّدّةُ).
فهَذِه الآياتُ تَتَوافَقُ تَوافُقًا تامًّا مَرَّتَيمِلُ و اسمِ "رِسالةِ النُّورِ"، ومعَ طِرازِ جِهادِها، ومعَ زَمَنِ إِنجازِها والفَراغِ مِن تَأْليفِها؛ وتَتَوافَقُ كَذلِك معَ سَعيِ أَهلِ الكُفرِ لِإِطفاءِ نُورِ العالَمِ الإِسلاميِّ في حَربِ عامِ أَلفٍ ومِئَتَينِ وتِس الَّذَلاثِينَ (١٢٩٣)؛ كما تَتَوافَقُ بِشَكلٍ تامٍّ معَ تَوارِيخِ المُعاهَداتِ الجائِرةِ الَّتي أُقِرَّت ومُرِّرَت استِغلالًا لِظُرُوفِ الحَربِ العالَمِيّةِ الأُولَى، لِجَرِّ النّاسِ بِشَكلٍ عَمَليٍّ مِنَ النُّورِ إلى الظُّلُماتِ، وكانسمِ جَسَنةَ أَلفٍ وثَلاثِ مِئةٍ وثَمانٍ وثَلاثِينَ (١٣٣٨).
— 112 —
أَضِف إلى ذلك: أنَّها تتَضَمَّنُ مُوازَناتٍ مُكَرَّرةً بينَ النُّورِ والظُّلُماتِ، وتُخبِرُ بِمَعناها الإِشارِيِّ أنَّ ثَمّةَ نُورًا مِن أَنُ على لقُرآنِ سيَكُونُ نُقطةَ استِنادٍ لِأَهلِ الإِيمانِ في جِهادِهِمُ المَعنَوِيِّ.. هكذا أُخطِرَ إلى قَلبِي، فاضطُرِرتُ لِكِتابَتِه؛ ثُمَّ لاحَظْتُ بعدَ ذلك أنَّ مُناسَبةَ مَعاني هذه الآياتِ لِعَصْرِنا هذا مُناسَبةٌ في غايةِ ثُمّةِ، فلو لم تَكُن هُنالِك أَيّةُ أَماراتِ تَوافُقٍ، لَحَصَلَت عِندِي قَناعةٌ أنَّ هذه الآياتِ تتَحَدَّثُ إِلَيْنا بالمَعنَى الإِشارِيِّ، شَأنُها في ذلك شَأنُ نَظْرَتِها إلى كُلِّ عَصرٍ مِنَ العُصُورِ.
أوَّلًا:جُملةُ لَا إِكْرَاهَ فِي اَصرِناِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ الَّتي في مُقدِّمةِ الآياتِ تُشِيرُ بالمَقامِ الجَفرِيِّ والأَبجَدِيِّ إلى تارِيخِ سَنةِ أَلفٍ وثَلاثِ مِئةٍ وخَمسِينَ (١٣٥٠)، وتقُولُ بالمَعنَى الإِشارِيِّ: في هذا التّارِيخِ سيَتَحَوَّلُ مَفكَوْنِ(حُرِّيّةِ التَّديُّنِ) یی المُعارِضُ لِلإِكراهِ في الدِّينِ، والمُناهِضُ لِلجِهادِ الشَّرعِيِّ ولِحَملِ السِّلاحِ نُصْرةً لِلدِّينِ یی إلى قانُونٍ ودُستُورٍ أَساسِيٍّ لَدَى الالإِيماتِ يَتَمثَّلُ في فَصلِ الدِّينِ عنِ الدُّنيا، وستَتَحَوَّلُ مِن خِلالِه الحُكُومةُ إلى جُمهُورِيّةٍ عَلْمانيّةٍ.. وبِالمُقابِلِ سيَكُونُ هُنالِك جِهادٌ دِينيٌّ مَعنَوِيٌّ بِسَيفِ الإِيمانِ التَّحقِيقيِّ، إذ سيَسطَعُ نُورٌ مِنَ القُرآنِ ُقِ الُ الأَنظارَ إلى مَعاني الرُّشدِ والإِرشادِ، والحَقِّ والحَقِيقةِ المُتَجَلِّيةِ في الدِّينِ، ويُثبِتُها بِبَراهِينَ قَطعِيّةٍ لا تَكادُ تُخطِئُها العَينُ.. نعم، إِنَّ هذه الجُملةَ القُرآنيّةَ تُخبِرُ عن هذا الأَمرِ، وتُظهِرُ لَمْعةَ سَ واسِها.
بل حتَّى كَلِمةُ خَالِدُونَ تَتَضَمَّنُ مُوازَناتٍ مُتَعدِّدةً مُتَكرِّرةً بينَ الظُّلُماتِ والنُّورِ والإِيمانِ، شَبِيهةً بِجَمِيعِ المُوازَناتِ المَنشُورةِ في رَسائِلِ النُّورِ، وهِي أَصلٌ أَصِيلٌ ومَنبَعٌ جَلِ فتَفي ذلك أَمارةٌ خَفِيّةٌ على أنَّ بَطَلًا مَهِيبًا يَحمِلُ اسمَ النُّورِ سيَخُوضُ ساحاتِ الجِهادِ المَعنَوِيِّ في ذلك التّارِيخِ یی وهذا ى، وتُلُ هو "رَسائِلُ النُّورِ" یی وأنَّ سَيفَه المَعنَوِيَّ الحالَّ لِمِئاتِ الطَّلاسِمِ المُثارةِ في الدِّينِ لا يَدَعُ حاجةً لِلسُّيُوفِ المادِّيّةِ.
أَجَلتَعرِفَدُ اللهَ حَمْدًا لا يُحَدُّ ولا يَتَناهَى أن حَقَّقَت "رَسائِلُ النُّورِ" هذا الإِخبارَ الغَيبِيَّ، وأَظهَرَت هذه اللَّمْعةَ الإِعجازِيّةَ بِشَكلٍ عَمَلِيٍّ مُنذُ عِشرِينَ عامًاِرةٌ وأَجلِ هذا السِّرِّ العَظِيمِ لا يَتَدخَّلُ تَلامِيذُ رَسائِلِ النُّورِ بِالقَضايا الدُّنيَوِيّةِ المُتَعلِّقةِ بالسِّياسةِ ولا بِتَيّاراتِها، ولا .
وونَ بِصِراعاتِها المادِّيّةِ، بل يَتَرفَّعُونَ عنها.
— 113 —
ويُقابِلُ تَلامِيذُها الحَقِيقيُّونَ اعتِداءاتِ أَشَدِّ أَعدائِهِم بالحِلمِ والشَّفَقةِ، ويُخاطِبُونَه بالقَولِ:
"أيُّها البائِسُ: إِنَّني أَسعَى جاهِدًا لِإِنقاذالإنساَ الإِعدامِ الأَبَدِيِّ، وأن أَنتَشِلَك مِن دَرَكاتِ الحَيَوانيّةِ الفانيةِ إلى مَقاماتِ السَّعادةِ الإِنسانيّةِ الباقِيةِ؛ بَينَما تَسعَى أَنتَ لِقَتلِي وإِعدامِي! أَذواقُك في هذه الحَياةِ الدُّنيا قَلِيلةٌ وقَصِيرةٌ جِِ شيءٍبَينَما بَلاياك وعُقُوبَتُك في الآخِرةِ عَظِيمةٌ وطَوِيلةٌ لِلغايةِ؛ أَمّا أَنا فمَوتِي عِبارةٌ عن تَسرِيحٍ.. اُغرُبْ عن وَجْهِي، لا يُُبابِ أن أُضَيِّعَ وَقتِي مَعَك، اِفعَلْ ما يَحلُو لك"، يقُولُ هذا دُونَ أن يَغضَبَ مِن هذا العَدُوِّ الظّالِمِ، بل يَتَأَلَّمُ لِحالِه ويُشفِقُ عَلَيْه،ِي أَرَى لِإِصلاحِه قائِلًا: لَيتَه يُنقِذُ نَفسَه!
ثانيًا:وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى: بِصَرفِ النَّظَرِ عنِ المُناسَبةِ القَوِيّةِ وارِ اينِ الجُملَتَينِ القُدسِيَّتَينِ، فإِنَّه بِحِسابِ مَقامِهِما الجَفرِيِّ والأَبجَدِيِّ يَتَطابَقانِ مَعنًى وجَفْرًا:الأوَّلمعَ اسمِ رِسالةِ النُّورِ،والثّانيمعَ إِنجازِ رَسائِلِ النُّورِ والفَراغِ مِن تَأْليفِها، وما يَتْبَعُإنَّ هِن فُتُوحاتِها العَظِيمةِ.. وهذا التَّطابُقُ أَمارةٌ على أنَّ رَسائِلَ النُّورِ "عُرْوةٌ وُثْقَى" في هذا العَصْرِ وفي تارِيخِ هذا العامِ، بِمَعنَى أنَّها سَلاسِلُ قَوِيّةٌ وحَبلُ اللهِ المَتِينُ الَّذي لا يُقطَعُ؛ كما تُخبِرُ هاتانِ الج. وهَونِ بِالمَعنَى الرَّمزِيِّ أنَّ الَّذي يَتَمسَّكُ بِها يَحظَى بالفَوزِ والنَّجاةِ.
ثالثًا:جُملةُ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا فيها رَمزٌ لِرِسالةِ النُّورِ بِالمَعنَى واِها نَِ الجَفرِيِّ، وهُو على النَّحوِ التّالي:...
(حاشِيةٌ):عَدَمُ كِتابةِ تَتِمّةِ هذه النُّكتةِ في الوَقتِ الحاضِرِ نَظَرًا لِكَونِها تَتَعلَّقُ بالدُّنيا والسِّياسةِ نَوعًا ما، ونَحنُ مَمنُوعُونَ مِنَ النَّظَرِ.. أَجَل، إنَّ آيةَ إِنَّ الْإلَما ينَ لَيَطْغَى تَنظُرُ إلى هذا الطّاغُوتِ، وتَدفَعُ الآخَرِينَ إلى النَّظَرِ إِلَيْه.
سعيدٌ النُّورْسِيُّ

* * *

— 114 —
(قِطعَة مِن الرِسَالة الَّتي كَتَبهَا بَطَل رَسائِل النُّور خُسرَو بِخُصوص ايلِ واَلة الحّادِية عَشَرَة مِن رِسَالَة الثَّمَرة)
بِاسمِه سُبحَانَهُ... وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِه
السلام عليكم ورحمةُ الله وبركاتُه..
سيِّدي وأُستاذِي الحَبِيبَ الجَليلَ المُباركَ..
إنَّ رِسالةَ الثَّمَرةِ اياتِ أةَ لِمَحاسِنَ عَظِيمةٍ تَعُمُّ العِبادَ والبِلادَ، غَدَت بِمَسائِلِها التِّسعةِ وَسِيلةً تُحيِّرُ الأَلبابَ لِنَجاةِ تَلامِيذِها الَّذِينَ يَعِيشُونَ في زَمَنٍ رَهِيبٍ، وبينَ بَقِيٍ عُصاةٍ مُجرِمِينَ، وأَعداءٍ مِن أَشَدِّ الخُصُومِ.
ولم تَكتَفِ بِذَلِك، بل رَحَّبَت في مَسأَلتَيْها العاشِرةِ والحادِيةَ عَشْرةَ تَرحِيبًا خاصًّا بِتَلامِيذِ النُّورِ الماضِينَ في سَبنَ مَذلحَقِيقةِ، وتَحَدَّثَت عَمّا يَؤُولُ إِلَيْه حالُهُم في عالَمِ القَبرِ، ذلك المَنزِلِ الحَقِّ الَّذي نَمضِي تِجاهَه، وتَكَلَّمَت عن سُكْناهم في ذلك المَثْوَى المُرعِبِ والمَأْوَى المُخِيفِ لِلجَمِيعِ، والمُفزِعِ والمُحزِنِ لِأَهلِ الغَفْليمِيَّ وَجهِ الخُصُوصِ، فأَظهَرَت لِتَلامِيذِ النُّورِ أنَّه مَكانٌ مُؤنِسٌ جِدًّا، وحَبَّبَت إلى نُفُوسِهِم مُقابَلةَ ومُحاوَرةَ مَن سيَلْقَوْنَ تَحتَ التُّرابِ مِن يَعجِلائِكةِ؛ فكانَ أَنْ بَثَّت في نُفُوسِنا الطُّمَأْنينةَ، وبَدَّدَت مَخاوِفَنا غيرَ المَحدُودةِ حَولَ هذا القَبرِ المُخِيفِ الَّذي هو أَوَّلُ مَنازِلِ المَيِّتِ.
لَقَد باتَت بِحُكْمِ مَصابِرُبُوبهرَبائيّةٍ بِيَدِ الَّذِينَ لا يَرْقَوْنَ لِمَقامِ مُشاهَدَةِ الحَياةِ النُّورانيّةُ لِذَلِك العالَمِ، تَمتَدُّ أَشِعَّتُها لِمَسافاتٍ تَبلُغُ مِئاتِ السِّنِينَِمِ الَت أَشبَهَ بِعَيِّنةٍ مِن بُستانٍ مُزهِرٍ يَفُوحُ عِطرُه وأَرِيجُه على الدَّوامِ.
أَجَل، لَقَد طَلَبْنا الإِذنَ مِن أُستاذِنا الحَبِيبِ بأَن نَعرِضَ علَيْه بِشَكلٍ دائِمٍ ما استَفَدارِنا ِنَ النُّورِ، كحالِ الطّالِبِ الَّذي يَعرِضُ دَرْسَه على أُستاذِه كُلَّ يَومٍ، لكِنَّ أُستاذَنا أَجَّلَ حَدِيثَه في الوَقتِ الحاضِرِ.
— 115 —
أُستاذِي العَزِيزَ.. إِنَّ حَقِيقةَ رَسائِلِ النُّورِ وجَمالَ ثَمَرتِها وفَيضَ زَهرَتُ عن أهَّلَني لِلتَّحَدُّثِ قَلِيلًا بِاسمِ بِلادِي، فهِي قد وَهَبَتِ الحَياةَ لِقُلُوبِ مُتَحدِّثِينَ كُثْرٍ أَمثالي، فمِن أَجلِ الزَّهرةِ الحادِيةَ عَشْرةَ لِلثَّمَرةِ اكتَسَبَتِ الخُطُواا في "ُتَّخَذةُ لِصالِحِ رَسائِلِ النُّورِ وكذا السَّواعِدُ المُمتَدّةُ لِمُؤازَرَتِها مَزِيدًا مِنَ القُوّةِ والخِبرةِ اليَومَ، وعاوَدَت نَشاطَهَا في الأَماكِنِ المُجاوِرةِ.
طالبُكم الأقلّ
خُسرَو

* * *

(رِسالةٌ كُتِبَت باةٍ خالمِيعِ طُلّابِ رَسائِلِ النُّورِ في إِسبارْطةَ، تُهنِّئُ بِقُدُومِ شَهرِ رَمَضانَ المُبارَكِ، وقد عُدِّلَت مِن خِلالِ ثَلاثَ عَشْرةَ فِقْرةً)
بِاسمِه سُبحَانَهُ... وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِه
يا سَيَِّجهِيزأُستاذَنا الأَكرَمَ..
يا مَن تَفِيضُ عَيناه المُبارَكَتانِ بالدِّماءِ بَدَلَ الدُّمُوعِ مِن أَجلِ السَّلامةِ الدُّنيَوِيّةِ والنَّجاةِ الأُخرَوِيّةِ لِلعالَمِ الإِسلامِيِّ، وذلك بِفَيضِ القُرآنِ، وبِحَقائِقِ رَْمِ ال النُّورِ، وبِهِمَمِ تَلامِيذِها الصّادِقِينَ..
يا مَن تَعَرَّض لِأَمراضٍ ومَصائِبَ تُضاهِي ما تَعَرَّض له سَيِّدُنا أَيُّوبُ عَلَيهِ لكَريمَام، في حِقْبةٍ مُضطَرِبةٍ تَعصِفُ بِها فِتَنُ آخِرِ الزَّمانِ..
وسَعَى كلُقْمانَ الحَكِيمِ لِمُداواةِ أَمراضِ العالَمِ الإِسلامِيِّ المادِّيّةِ والمَعنَوِيّةِ، ُحصَى لالِ أَنوارِ القُرآنِ، وبَراهِينِ رَسائِلِ النُّورِ، وهِمَمِ تَلامِذَتِها..
يا مَن أَثبَتَ بِثَلاثٍ وثَلاثِينَ آيةً قُرآنيّةً ومِن خِلالِ الكَراماتِ العَلَوِيّةِ والغَوْثيّتَّدبَِ ما بينَ يَدَيْه المُبارَكَتَينِ مِن قِطَعِ النُّورِ حَقٌّ وحَقِيقةٌ..
— 116 —
ويُقابِلُ مَن يُسِيئُونَ إِلَيْه بالإِحسانِ وبِدُعاءِ الخَيرِ، بِصَداقةِ طُلّابِ النُّورِ، وحُجَجِ رَسائِلِ النُّورِ، وحَُنقَشِ القُرآنِ؛ ومعَ أنَّه مَرِيضٌ وطاعِنٌ في السِّنِّ، وهَزِيلٌ ناحِلٌ يُرثَى لِحالِه، إِلّا أنَّه أَشَدُّ النّاسِ تَألُّمًا لِحالِ العالَمِ الإِسلامِيِّ، لِدَرَجةِ استِعدادِهإيّاهاَضحِيةِ بِحَياتِه في سَبِيلِه..
ويا مَن نَزَلَت به وبِطُلّابِه المُصِيبةُ، وزُجَّ بِه في السِّجنِ بِسَبَبِ طِباعَتِه أَحَدَ مُؤَلَّفاتِه المُهِمّةِ الجَلِيلةِ: "الآيةُ الكُِ والد..
وحَوَّل السُّجُونَ الَّتي سِيقَ إِلَيْها إلى مَنابرِ إِرشادٍ ومَدارِسَ يُوسُفِيّةٍ، بِفَضلِ الإِرشاداتِ القُرآنيّةِ ودُرُوسِ رَسائِلِ النُّورِ، وبِلَهْفةِ ترَ طَلذِها واشتِياقِهِم.. ولم يُغادِر نُزَلاءُ السِّجنِ إِلّا وقد أَتَمُّوا خَتْمَ القُرآنِ الكَرِيمِ في مَدرَسَتِهِم تلك بعدَ أن كانُوا يُعانُونلأَنبِ الأُمِّيّةِ..
وحَمَل على كاهِلِه في خِضَمِّ تلك المُصِيبةِ یی وهُو الهَرِمُ الضَّعِيفُ یی جَمِيعَ أَعبائِنا ومَسؤُوليّاتِنا، بِبَرَكةِ القُوّةِ القُدسِيّةِ لِلقُرآنِ، وبِسُلوانِ رَسائِلِ النُّورِ، وبِمُصابَُما، وإِخوانِ واحتِمالِهِم..
وفَتَح أَبوابَ السِّجنِ ومَنَحَنا البَراءةَ بِإِذنٍ إِلٰهِيٍّ، وبِرِسالَتَيْه: "الثَّمَرةِ" و"الدِّفاعاتِ"، وبإِعجازِ القُرآنِ المُعجِزِ البَيانِ، وبِبَراهِينِ رَسائِلِ النُّورِ ِنَ اليّةِ، وإِخلاصِ تَلامِيذِها..
وقَلَب ذلك اليَومَ عِيدًا لنا ولِلعالَمِ الإِسلامِيِّ..
وأَثبَتَ أنَّ رَسائِلَ النُّورِ هي في الحَقِيقةِ "نُورٌ على نُورٍ"، ومَنَح الإِذنَ التّامَّ في قِراءَتِها وكِتابَتِها حتّلمَطبَامِ السّاعةِ..
وأَثبَتَ مِن خِلالِ الغِذاءِ القُدسِيِّ لِلقُرآنِ العَظِيمِ وأَطعِمةِ النُّورِ الأُخرَوِيّةِ وتَلَهُّفِ تَلامِيذِها: أنَّ حاجةَ العالَمِ الإِسلامِيِّ لِرَسائِلِ النُّور ماسّةٌ كالحاجةِ إلى الخُبزِ والماءِ والهَومِن أَأنَّ الآلافَ مِنَ الَّذِينَ قَرَؤُوا هذه الأَنوارَ وكَتَبُوها دَخَلُوا قُبُورَهُم على الإِيمانِ..
— 117 —
ولم يُخَيِّب آمالَ طُلّابِه اِيرُ اسِبِينَ إِلَيْه في أيِّ مَكانٍ، ولم يَتْرُكهُم يَومًا مَغلُوبًا على أَمرِهِم..
وأَطفَأَ اليَومَ أَيضًا لَهِيبَ قُلُوبِنا المُتَّقِدَ لَيلَ نَهارَ بِنِيرانِ الفِراقِ، وأَدخَلَ علَيْها ينَ الادةَ والسُّلوانَ مِن خِلالِ (المَسائِل) المُبارَكةِ و(الأَزهارِ)، فكانَت كماءِ الحَياةِ وشَرابِ الكَوثَرِ، ومِن خِلالِ أَزهارِ "الثَّمَرةِ" ومَسأَلَتَيْها العاشِرةِ كذا مِِيةَ عَشْرةَ ودَرسِ القُرآنِ السَّماوِيِّ وأُسُسِ رَسائِلِ النُّورِ وعَبقَرِيّةِ تَلامِيذِها..
ويا مَن حَوَّل مَفهُومَ المَوتِ في نُفُوسِ أَهلِ الإِيمانِ یی وهُو أَشَدُّ ما يَخشاه جَمِيعُ الخَلقِ یی مِن إِعدامٍ أَبَدِيٍّيكُن لُذكِّرةِ تَسرِيحٍ، وذلك مِن خِلالِ الوُعُودِ القَطعِيّةِ لِلقُرآنِ العَظِيمِ الشّأنِ ووَعِيدِه، ومِن خِلالِ الكَشفِ القَطعِيِّ لِرَسائِلِ النُّورِ، ومُ المُةِ تَلامِيذِها المُتَوفَّينَ، ورُؤَى مَن فِيهِم مِن أَصحابِ المُكاشَفاتِ..
وأَثبَتَ أنَّه رِحلةٌ مُمتِعةٌ لِلمُضِيِّ قُدُمًا إلى عالَمِ النُّورِ..
وأَبانَ أنَّه إِعدامٌ أَبَدِيٌّ لِلكُفّارِ والمُنافِقِينَ..
وأَثبَتَ أنَّ والجَدَ المُخِيفَ المُظلِمَ البارِدَ الضَّيِّقَ هو في حَقِّ أَهلِ الإِيمانِ مَرتَعٌ مِن مَراتِعِ الجِنانِ، وبَوّابةٌ لِرِياضِ النَّعِيمِ، أَثبَتَ ذلك بالإِخباراتِ القَطعِيزَعُ ملقُرآنِ المُعجِزِ البَيانِ، المُصَدَّقةِ بِأَلفِ مُعجِزةٍ مِنَ المُعجِزاتِ الأَحمَدِيّةِ، وبِتَصدِيقِ أَربَعِينَ وَجهًا مِن وُجُوهِ إِعجازِ القُرآنِ، وبالِاستِنباطاتِ القُرآنيّةِ المَبثُوثةِ في رَسائِلِ النُّورِ، وبِحُجَجِها الَّتتِ.. ومَت أَعتَى الأَعداءِ، وبِخُضُوعِ تَلامِيذِ النُّورِ وإِذعانِهِم لِأَماراتٍ وتَجارِبَ كَثِيرةٍ، بَلَغَت بِهِم دَرَجةَ القَناعةِ التّامّة والأَ وأَثبَتَ أنَّ القَبرَ في حَقِّ الزَّنادِقةِ مِنَ الكَفَرةِ والمُنافِقِينَ حُفرةٌ مِن حُفَر جَهَنَّمَ، مُمتَلِئةٌ بِالعَقارِبِ والأَفاعِي.
وجَعَل مِنَ المَلَكَينِ "مُنكَرٍ ونَكِيرٍ" اللَّذَينِ يَأْتِيانِ القَبرَ لِسُؤالِ المَ، نَرَ جَعَلَهُما صاحِبَينِ أَنِيسَينِ لِمَن يَمضِي في سَبِيلِ أَهلِ الحَقِّ والحَقِيقةِ..
— 118 —
وأَدخَلَ تَلامِيذَ رَسائِلِ النُّورِ في عِدادِ طُلّابِ العِلمِ، وكَشَف بِوَفاةِ المَرحُومِ الحافِظِ عَلِيِّ المََهُم يُجِيبُونَ على أَسئِلةِ مُنكَرٍ ونَكِيرٍ مِن رَسائِلِ النُّورِ..
وتَضَرَّع إلى الرَّحمةِ الإِلٰهِيّةِ رَجاءَ أَن يَجعَلَ جَوابَ الأَحياءِ مِنّا أَيضًا كَذلِك.سُهُولأَبانَ بِصُورةٍ جَمِيلةٍ ووَضَّحَ بِطَرِيقةٍ بَدِيعةٍ، وعلى نَحوٍ لم يُرَ ولم يُسمَع مِثلُه مِن قَبلُ: أنَّ القُرآنَ العَظِيمَ الشَّأنِ كَلامُ اللهِ، وأنَّه أَعظَمُ الكُتُبِ السَّماوِّجنِ، وأَكثَرُها فَضِيلةً، وأنَّ في ثَنايا فاتِحةٍ واحِدةٍ آلافَ الفَواتِحِ، وفي سُورةِ إِخلاصٍ واحِدةٍ آلافَ سُوَرِ الإِخلاصِ، وأنَّ حُرُوفَه تُكسِبُ عَشَرةً ومِئةً وأَلفًا وآلافًا مِنَ الحَسَناتِ.. أَثبَتَ ذلك كُلَِّ، والخِلالِ إِظهارِه لِكُلِّ طَبَقةٍ مِنَ الطَّبَقاتِ الأَربَعِينَ نَوعًا مِنَ الإِعجازِ المَعنَوِيِّ لِلقُرآنِ العَظِيمِ، وأنَّه كَلامٌ أَزَليٌّ مُتَوجِّهٌ لِجَمِيعِ الطَّبَقاتِ؛ وقَمَرِلالِ رِسالَتَيِ "المُعجِزاتِ القُرآنيّةِ" و"الرُّمُوزاتِ الثَّمانيةِ" مِن رَسائِلِ النُّورِ الَّتي هي نَوعٌ مِن تَفسِيرِ القُرآنِ؛ ومِن خِلالِ كِتابةِ القُرآنِ بِشَكلٍ مُعجِزٍ على النَّحوِ المُثبَا كانَاللَّوحِ المَحفُوظِ رَغمَ أنَّه لم يَتَمَكَّن أَحَدٌ مِن كِتابَتِه بِهَذا الشَّكلِ البَدِيعِ مُنذُ خَيرِ القُرُونِ، وذلك بالهِمّةِ العاليةِ لِإِخوةٍ وتَلامِذةٍ أَبطالٍ أَمثالِ سِكِرْتيرِ مَصنَعِ و أن لمرَسائِلِ النُّورِ، وبِتَفَضُّلِه على "خُسرَو" أَحَدِ كُتَّابِ رَسائِلِ النُّورِ الأَبطالِ بِأَمرِ: اُكتُبْ..
وأَثبَتَ أنَّ "الكَلِمةَ الخامِسةَ والعِشرِينَ" معَ ذُيُولِِرُونَ رَسائِلِ النُّورِ إِعجازٌ قُرآنِيٌّ مِن أَربَعِينَ وَجهًا، وهِي الَّتي أَخرَسَت أَعتَى المُتَمَرِّدِينَ والمُعانِدِينَ، وتَحَدَّتِ العالَمِ بِأسلُوبٍ لا يُعلَمُ له نَظِيرٌ عَبْرَ التّارِيخِ، وذلك بإِظهارِها الإِعجازَ الدّائِمَ المُستَمِررِ.
قُرآنِ المُعجِزِ البَيانِ مُنذُ أَلفٍ وثَلاثِ مِئةِ عامٍ، ومِن خِلالِ تَصَدِّيها لِمُعارِضِيها، وبِدَلائِلِ النُّورِ البادِيةِ رَأْيَ العَينِ، وبِأَقلامِ تَلامِذقد خَلُّورِ..
ويا مَن أَظهَرَ بِصُورةٍ ناضِرةٍ وبِرِسالةِ النُّورِ المُسَمَّاةِ: "المُعجِزاتِ الأَحمَدِيّةَ (ص)" آلافَ مُعجِزاتِ النَّبِيِّ (يمانِينَّ نُبُوّةَ المُصطَفَى علَيْه الصَّلاةُ والسَّلامُ حَقٌّ، وأنَّه سَيِّدُ وأَفضَلُ عُمُومِ الأَنبِياءِ البالِغِ عَدَدُهُم مِئةً وأَربَعةً وَعتابِنَ أَلفَ نَبِيٍّ؛ وأَفادَ أنَّ اتِّباعَ سُنَّة هذه الشَّخصِيّةِ الفاضِلةِ أَعظَمُ رِبحٍ، وأنَّ التِزامَ سُنّةٍ واحِدةٍ فَقَط مِن سُنَنِه بِأَجرِ مِئةِ شَهِيدٍ،
— 119 —
وذلك بعدَ إِعلانِ القُرآنِ العَظِيمِ أنَّ الرَّسُولَ الأَكرَمَ (ص) مَبعُوثٌ وتَذًَ لِلعالَمِينَ، وبَعدَ إِثباتِ الأَنوارِ بِبَراهِينِها المُثبَتةِ مِن بِدايتِها حتَّى نِهايتِها أنَّه (ص) مُرسَلٌ رَحْمةً لِلعالَمِينَ، ومِن خِلالِ إِظهارِها حتَّى لِلعُميانِ أنَّ أَفعالَ هذا الرَّسُولِ وأَحوالَه أَكمَلُ مُرشِعِلمِ نَّه (ص) أَولَى مَن يُقتَدَى بِه في هذا العالَمِ، ومِن خِلالِ شَهادةِ ارْتِفاعِ البَلايا زَمَنَ انتِشارِ الأَنوارِ في الأَناضُولِ وأَماكِنَ مُحَدَّدةٍ، وبِنُزُولِ المَصائِبِ لَحْظةَ إِسكاتِها، ومِن خِلالِ الخِدْمةِ المَتِينةِ الَّتي يُؤَدِّشَّاسِلامِيذُ النُّورِ تَحتَ وَطْأةِ ظُرُوفٍ صَعْبةٍ، وبِالعَلاقاتِ الوَثيقةِ الَّتي تَربِطُ بَينَهُم..
وأَثبَتَ بِدَرَجةِ عَينِ اليَقِينِ أنَّ رَسائِلَ النُّورِ دَفُ الواالمَصائِبَ والبَلايا مُنذُ عِشرِينَ عامًا، بعدَ أن كانَت ستَحُلُّ بالأَناضُولِ، تَمامًا كما تَدفَعُ الصَّدَقاتُ البَلايا والمَصائِبَ..!
وبِنَيلِها البَراءةَ اليَومَ أَدخَلَت رَسائِلُ النُّورِ الب كأنَّوالسُّرُورِ في نَفسِكُم أوَّلًا، ثُمَّ في نُفُوسِنا نَحنُ طُلّابَكُمُ العاجِزِينَ المُقَصِّرِينَ، ثُمَّ عُمُومِ العالَمِ الإِسلامِيِّ، وجَمَها سمِن هذا اليَومِ عِيدًا ثانيًا عَظِيمًا؛ لِذا نُبارِكُ لَكُم أُستاذَنا المُبارَكَ هذا العِيدَ العَظِيمَ، ونُبارِكُ عِيدَكُمُ الثّالِثَ حُلُولَ شَهرِ رَمَضانَ ولَيْلةِ القَدرِ، ونَتَضَرَّعُ إلى المَولَى الجَلِيلِ أَإِلَى لِّغَنا الكَثِيرَ مِن هذه الأَيّامِ المُبارَكةِ.
ونَطلُبُ مِنكُمُ العَفوَ والسَّماحَ عن تَقصِيرِ أَمثالِنا، ونُقرِئُكُم جَمِيعًا السَّلامَ، ونُقبِّلُ أَيدِيَكُمُ المُبارَكةَ، ونَرجُو دَعَواتِ الحَشيِّدِي.
طُلّابُ النُّور في إِسبارطةَ وما حَولَها

* * *

إِنَّ مِن كُفْرانِ النِّعمةِ: المُبالَغةَ في التَّواضُعِ ورَفضَ مَضمُونِ هذه الرِّسالةِ الَّتي ةِ، فاُ حَدِّي بِكَثِيرٍ، بل في ذلك مُخالَفةٌ لِجَمِيعِ التَّلامِيذِ في حُسنِ ظَنِّهِم؛ كما أنَّ مِنَ الغُرُورِ والأَنانيّةِ والِافتِخارِ قَبُولَها على ما هِي علَيْه، لِذا أُضيفُ "الفِقْراتِ الثَّلاثَ عَشْرةَ" إلى هذه الةً جَلةِ الطَّوِيلةِ الَّتي حَرَّرَها كاتِبُ رَسائِلِ النُّورِ بِاسمِ الجَمِيعِ، وأُرسِلُ
— 120 —
لَكُم صُورةً عنها حتَّى يَتِمَّ إِلحاقُها بِنِهايةِ "المَسأَلةِ الحادِيةَ عَشْرةَ" مِنَ "الثَّمَرةِ"، لِتَكُونَ: "رِسالةً مِن طُلّ الحائنُّورِ في إِسبارْطةَ وما حَوْلَها"، وذلك كبادِرةِ شُكرٍ مَعنَوِيٍّ، وبِهَدَفِ التَّخَلُّصِ مِنَ الغُرُورِ وكُفْرانِ النِّعمةِ.
ومعَ كِتابَت في وُذِه الرِّسالةِ وأَثناءَ إِجرائِي هذه التَّعدِيلاتِ علَيْها، تَرَدَّدَت حَمامةٌ لِجِوارِنا وحَطَّت على النّافِذةِ مَرَّتَينِ، وأَوْشَكَت على الدُّخُولِ، إِلّانِها.
ا انصَرَفَت لَمّا لَمَحَت رَأْسَ "جَيْلانَ".
وبَعدَ بِضعِ دَقائِقَ حَطَّت حَمامةٌ أُخرَى، فشاهَدَتِ الكاتِبَ أَيضًا ولم تَدخُل؛ فتَوَلِّ عَصرَدَيْنا قَناعةٌ تامّةٌ بِأَحَدِ أَمرَينِ: إِمّا إنَّهُما جاءَتا تَحمِلانِ البَشائِرَ، تَمامًا كحالِ العُصفُورِ واليَمامةِ سابِقًا؛ وإِمّا أنَّهُم جَمِيعًا أَتَوْا يُهَنِّئُونَ ويُبارِكُونَ كِتابةَ هذه الرِّسالةِ وتَعدِيلَها، ومِثلُها سائِدُ أن َّسائِلِ الَّتي نَكتُبُها.
سَعِيدٌ النُّورْسِيُّ

* * *

— 121 —
القسم الثاني
من عصا موسى
رسالة حُجّة الله البالغةُ
عبارة عن إحدى عشرة حجّةً إيمانيةً
لقد أَثنَت لَجنةُ خُبَراءِ أَنقَرةَ علسمُ الالرِّسالة ثَناءً عَظِيمًا، كما أَضحَت سَببًا مُهِمًّا لِبَراءَتِنا في المَحكَمةِ، فلا جَرَمَ أنَّها حُجّةٌ قاطِعةٌ نافِذةٌ، وبُرهانٌ قَوِيٌّ سامٍ، يَكسِرُ شَوكةَ الكُفرِ المُطلَقِ.
سعيدٌ النُّورْسِيُّ
— 122 —
#1زَ البالحُجّة الإيمانية الأولى
الآية الكبرى
مشاهداتُ سائحٍ يسألُ الكونَ عن خالقِه
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِن البَذ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا
إنَّ آياتٍ كَثِيرةً في القُرآنِ الكَرِيمِ یی أَمثالَ هذه الآيةِ العُظمَى یی تَذكُرُ فيلَّذي ِمةِ تَعرِيفِها لِخالقِ هذا الكَونِ:"السَّماواتِ"التي هي أَسطَعُ صَحِيفةٍ لِلتَّوحِيدِ، فما مِن مُتَأَمِّلٍ يَتأَمَّلُ فيها إلّا غَمَرَته الحَيرةُ وغَشِيَه الإِعجابُ، فيَستَمتِعُ بمُطالَعَتِها بكُلِّ ذَوقٍ ولَذّةٍ؛ فالأَولَى إِذًا أ العالَهَلَّ بِها.
نعم، إنَّ كلَّ مَن يَأتِي ضَيفًا إلى مَمْلَكةِ الدُّنيا، ويَحُلُّ في دارِ ضِيافَتِها، يُشاهِدُ كلَّما فَتَح عَينَيهِ وقَلَّبَ نَظَرَه مَضافةً في غايةِ الكَرَمِ، ومَعرِضًا في غايةِ الإِبداعِ، ومُعَسُناسِبَدرِيبٍ في غايةِ الهَيْبةِ، ومُتَنزَّهًا جَمِيلًا في غايةِ الرَّوعةِ، ومَشهَرًا في غايةِ الإِثارةِ لِلشَّوقِ والبَهجةِ، ودارَ مُطالَعةٍ ذاتَ مَعانٍ في غ وعَسِلبَلاغةِ والحِكْمةِ.
وبَينَما الضَّيفُ في حالةٍ مِن شِدّةِ الفُضُولِ لِمَعرِفةِ صاحِبِ هذه الضِّيافةِ الكَرِيمةِ، وتَعرُّفِ مُؤلِّفِ هذا الكِتابِ الكَبِيرِ، وسُلطانِ هذه المَمْلَكةِ المَهِيبةِ، إِذا بِوَجهَِخُ فيماواتِ الجَمِيلِ المُتَلَألئِ بالنُّجُومِ النَّيِّرةِ يُطِلُّ عليه مُنادِيًا: "اُنظُرْ إِلَيَّ.. سأُعَرِّفُك بالَّذي تَبحَثُ عنه".
— 124 —
فيَنٌ مُنَلسَّائِحُ، ويَرَى أنَّ رُبُوبِيّةً ظاهِرةً تتَجَلَّى في رَفعِها مِئاتِ الأُلُوفِ مِنَ الأَجرامِ السَّماوِيّةِ بغَيرِ عَمَد ولا سَنَدٍ، بَعضُها أَكبَرُ مران إلضِنا بِأَلفِ مَرّةٍ، وبَعضُها أَسرَعُ انطِلاقًا مِن قَذِيفةِ المَدفَعِ بِسَبعِينَ مَرّةً..
وفي تَسيِيرِها وإِجرائِها لتِلكَ الأَجرامِ معًا بِسُرعةٍ فائِقةٍ، وبلا مُزاحَمةٍ ولا مُصادَمةٍ..
وفي إِيقاها بجَلك القَنادِيلَ المُتَدلِّيةَ اللّامَحدُودةَ، بِلا وَقُودٍ ولا انطِفاءٍ.. وفي إِدارَتِها تلك الكُتَلَ الهائِلةَ الَّتي لا حَدَّ لها، بِلا ضَوْضاءَ ولا صَخَبٍ ولا اختِلالٍ..
ويَرَى تَجَلِّيَها كَذلِك: في تَسخِيرِها تلك المَخلُوقاتِ العَظِيمةفي كلَّظائِفَ مُعَيَّنةٍ، كاستِجابةِ الشَّمسِ والقَمَرِ لِأَداءِ وَظائِفِهما دُونَ إِحجامٍ أو تَلَكُّؤٍ..
وفي تَصرِيفِها هذا العَدَدَ الهائِلَ الَّذي لا تَحُدُّه أَرقامٌ، عَبرَ فَضاءٍ شاسِعٍ لا يَتَناهَى، مُمتَدٍَّلِّيادائرتَيِ القُطبَينِ مُجتَمِعًا، تَصرِيفًا يَجرِي في الوَقتِ نَفسِه، وبالقُوّةِ نَفسِها، وبالطِّرازِ نَفسِه، وبِسِكّةِ الفِطْرةِ نَفسِها، وبالصُّورةِ نَفسِها، دُونَ أن يَشُوبَه أَدنَى نَقصين علىَلَلٍ.
وهالَه ما يَرَى مِن تَجَلِّي الرُّبُوبِيّةِ: في إِخضاعِها تلك السَّيّاراتِ الضَّخْمةَ الَّتي تَملِكُ قُوًى هائِلةً ومُتَجاوِزةً لِحُدُودِها، فتَجعَلُها مُنقادةً مِ وكُتً لِقانُونِها، لا تتَعَدَّاه ولا تَزِيغُ عنه..
وفي تَنظِيفِها وَجْهَ السَّماءِ، فتَجعَلُه صافيًا نَقِيًّا طاهِرًا مِنَ الأَدرانِ أَمثالِ أَنقاضِ تلك الأَجرامِ المُزدَحِمةِ، دُونَ أن يُرَى عليه قَذًى أو أَذًلَّ نَ وفي سَوقِها تلك الأَجرامَ كأنَّها مُناوَرةٌ عَسكَرِيّةٌ مُنَسَّقةٌ، وعَرضِها أَمامَ المُشاهِدِينَ مِنَ المَخلُوقاتِ كأنَّها مَشَاهِدُ سِينِمائيّةٌ، مِن خِلالِ تَدوِيرِ الأَرضِ باللَّيلالمَرتَّهارِ، وتَجدِيدِها بتلك المُناوَرةِ المَهِيبةِ أَنماطَ المَناظِرِ الحَقِيقيّةِ الخَلّابةِ المُثِيرةِ لِلخَيالِ، وإِبرازِها في كُلِّ لَيلةٍ وفي كُلِّ سَنةٍ.
— 125 —
فهَذِه الرُّبُوبِيّةُ الجَلِيلةُ الظّاهِرةُ، وما يتَبَدَّى إلَى وفَعّاليَّتِها مِن حَقِيقةٍ جَلِيّةٍ مُرَكَّبةٍ مِنَ "التَّسخِيرِ، والتَّدبِيرِ، والإِدارةِ، والتَّنظِيمِ، والتَّنظِيفِ، والتَّوظِيفِ"، تَشهَدُ على وُجُوبِ وُجُودِ خالقِ تلك السَّماواتِ، وعلى وَحْدَتِه، بِعَظَمَتِها المَهِيبةِ هذه، وبإِحاطَذلِك بلكُلِّيّةِ هذه؛ وتَشهَدُ یی كما هو مُشاهَدٌ یی بأَنَّ وُجُودَه جَلَّ وعَلا أَجلَى مِن وُجُودِ هاتِيك السَّماواتِ.
وقد ذُكِرَ هذا المَعنَى في المَرتَبةِ الأُولَى مِنَ المَقامِ الأَوَّلِ،رَصِينَ فيه:
(لا إِلٰهَ إلّا اللهُ الواجِبُ الوُجُودِ، الَّذي دَلَّ على وُجُوبِ وُجُودِه في وَحْدَتِه: السَّماواتُ بِجَمِيعِ ما فيها، بِشَهادةِ عَظَمةِ إِحاطةِ حَقِيقةِ: التَّسخِيرِ والايةِ ايرِ والتَّدوِيرِ والتَّنظِيمِ والتَّنظِيفِ والتَّوظِيفِ الواسِعةِ المُكَمَّلةِ بالمُشاهَدةِ).
ثُمَّ إِنَّ جَوَّ السَّماءِ الَّذي هو مَحشَرُ العَجائِبِ ومَعرِضُ الخَوارِقِ، نادَى بِصَوتٍ هادِرٍ ذلك الضَّيفَ السّائِحَ القادِِن أَر الدُّنيا: "اُنظُرْ إِليَّ لِأُرشِدَك إلى مَن تَبحَثُ عنه بِشَوقٍ ولَهْفةٍ، وأُعَرِّفَك بِذاك الَّذي أَرسَلَك إلى هُنا".
فيَنظُرُ إلى وَجْهِ الجَوِّ المُكفَهِرِّ وهُو يتَقَطَّرُ رَحْمةً! ويَستَمِعُ إلى دَوِيِّه المُخِيفِ المُفزِتَّحَطو يَحمِلُ رَحِيقَ البُشرَى! فيَرَى أنَّ:"السَّحابَ"الَّذي عُلِّقَ بينَ السَّماءِ والأَرضِ يَسقِي رَوْضةَ الأَرضِ سُقْيا تتَفَجَّرُ حِكْمةً ورَحْمةً، ويُمِدُّ سُكّاُكُ الالماءِ الباعِثِ لِلحَياةِ، مُلَطِّفًا به شِدّةَ الحَرارةِ یی أي: شِدّةَ ضِرامِ العَيشِ یی ويُسْرِعُ لِنَجْدةِ كلِّ بُقعةٍ بحَسَبِ حاجَتِها.
ومعَ أنَّ ذلك السٌ بِمَ الثَّقِيلَ الضَّخمَ يقُومُ بوَظائِفَ كَثِيرةٍ أَمثالِ هذه، فإِنَّه يَختَفِي ويتَبَدَّدُ فَجْأةً بعدَ أن يَملَأَ أَرجاءَ الجَوِّ، ويَنسَحِبُ بجَمِيعِ اطِبةًِه لِتَخلُدَ إلى الرّاحةِ، ويَتَوارَى عنِ الأَنظارِ دُونَ أن يَترُكَ أَثَرًا، وكأَنَّه جَيشٌ مُنتَظِمٌ يَظهَرُ ويَتَوارَى وَفقًا لِأَوامِرَ فَورِيّةٍ.. حتَّى إذا ما تَلقَّى الأَمرَ: "اأَشكالقْ لِلإِمطارِ" اجتَمَع فمَلَأَ الجَوَّ في غُضُونِ ساعةٍ، بل غَمَرَها في دَقائِقَ، ووَقَفَ مُتَأهِّبًا كجُندِيٍّ يَنتَظِرُ أَمرَ القائِدِ!
— 126 —
ثُمَّ يَنظُرُ ذلك السَّائِحُ إلى"الرِّياحِ":الَّتي تَجُنُ بلا الجَوِّ، فيَرَى أنَّ الهَواءَ يُستَخدَمُ في وَظائِفَ جَمّةٍ، في مُنتَهَى الحِكمةِ والكَرَمِ، استِخدامًا كأَنَّ كلَّ ذَرّةٍ مِن ذَرّاتِ ذلك الهَواءِ الجامِدِ تَسمَعُ وتَعِي ما يُلقَى إِلَيها مِنَ الأَوامِرِ الصّادِرةِ مِن سُلطانِأَمامَلكَونِ معَ أنَّها لا تَملِكُ شُعُورًا، فتُؤَدِّي خِدْماتِها بقُوّةِ ذلك الآمِرِ وهَيمَنَتِه، وتُنفِّذُها بكُلِّ انتِظامٍ ودِقّةٍ دُونَ تَوانٍ، فتَدخُلُ هذه الذَّرّاتُ في استِنشاقِ جَمِيعِ أَحِيَّتَلأَرضِ لِلهَواءِ، أو نَقلِ الأَصواتِ أوِ المَوادِّ الضَّرُورِيّةِ لِذَوِي الحَياةِ كالحَرارةِ والضَّوءِ والكَهرَباءِ، أو تَتوَسَّطُ لِتَلقِيحِ النَّباتاتِ.. أو ما شابَهَها مانَه موَظائِفِ الكَثِيرةِ، فهِي تُستَخدَمُ بِجَمِيعِ هذه الخِدْماتِ مِن قِبَلِ يَدٍ غَيبِيّةٍ استِخدامًا في مُنتَهَى الشُّعُورِ، والعِلمِ، والحَيَوِيّةِ.
ثُمَّ يَنظُرُ إلى"المَطَرِ":فيَرَى متَلِكلك القَطَراتِ اللَّطِيفةَ البَرّاقةَ العَذْبةَ الَّتي أُرسِلَت وأُغدِقَت مِن خَزِينةِ الرَّحمةِ الغَيبِيّةِ، تَزخَرُ بِهَدايا رَحْمانيّةٍ ووَظائِفَ غَزِيرةٍ، حتَّى كأنَّ الّةِ الةَ المُهداةَ قد تَجَسَّدَت مُنصَبّةً مِن عُيُونِ الخَزِينةِ الرَّبّانيّةِ على صُورةِ تلك القَطَراتِ المُتَهاطِلةِ.. ولِهَذا أُطلِقَ على المَطَرِ اسمُ: "الغَيثِ".. و"الرَّحْمةِ".
ثُمَّ يَنظُرُ إلى"اّا للت"ويُصغِي إلى"الرَّعدِ"،فيَرَى أنَّهُما يُستَخدَمانِ في أُمُورٍ بالِغةِ الإِعجابِ والغَرابةِ.
فيَرجِعُ بَصَرَهُ ويتَوَجَّهُ إلى عَقلِه، ويُحاوِرُ نَفسَه قائِلًا: إنَّ هذا السَّحابَ الجامِدَ العَدِيمَ الشُّعُورِ، والمَنفُوشَ كالعِتَنَوّالقُطنِ المَندُوفِ)، لا شَكَّ أنَّه يَجهَلُنا ولا يَعرِفُنا، ولا يُمكِنُ أن يُسارِعَ مِن تِلقاءِ نَفسِه لِإِمدادِنا رَأْفةً بِنا وإِشفاقًا علَيْنا، ولا يُمكِنُ أن يَظهَرَ بادِيًا في السَّماءِ ويَختَفِيَ مَساغًاعًا بِدُونِ أَمرٍ، بل لا بُدَّ أنَّه يتَحَرَّكُ في وَظِيفَتِه وَفقَ أَمرٍ صادِرٍ مِن آمِرٍ قَدِيرٍ مُطلَقِ القُدْرةِ، ورَحِيمٍ غايةَ الرَّحْمةِ.. حَيثُ يَختَفِي دُونَ أن يُعقِّامٍ:
مَّ يَظهَرُ فَجْأةً، مُتَسلِّمًا مَهامَّ عَمَلِه، فيَملَأُ عالَمَ الجَوِّ ويُخْلِيهِ بينَ الفَينةِ والأُخرَى تَنفِيذًا لِأَمرِ سُلطانٍ جَلِيلٍ مُتَعالٍ فَعّالٍ، فيَخُطُّ على لَوحةِ السَّماءِ دَوْمًا بحِكمةٍ، بِ في و بالإِعفاءِ، مُحَوِّلًا إِيّاها إلى "لَوحِ مَحْوٍ وإِثباتٍ"، وإلى صُورةٍ مُصَغَّرةٍ لِلحَشرِ والقِيامةِ.
— 127 —
إِذْ يَركَبُ السَّحابُ مَتْنَ الرِّ حالِبِأَمرٍ مِن حاكِمٍ مُدَبِّرٍ ذِي أَلطافٍ وإِحسانٍ وذِي إِكرامٍ وعِنايةٍ، حامِلًا خَزائِنَ أَمطارٍ واسِعةً سَعَةَ الجِبالِ وضَخامَتَها، فيُغِيثُ بِها مَواضِعَ مِنَ الأَرضَبِيعةاجةً إِلَيْها، وكأَنَّه يَرِقُّ لِحالِها فيَبكِي، فيَجعَلُهَا تَبتَسِمُ بِالأَزاهِيرِ مِن خِلالِ دُمُوعِه، ويُخَفِّفُ مِن شِدّةِ لَفْحةِ الشَّمسِ، ويَسقِي بَساتِينَ الأَرضِ ومُرُوجَها، ويَغسِلُ وَجْهَها وأَدِيمَها ويُطَهِّسَقْفِِنَ الأَقذارِ، لِيُشرِقَ بالصَّفاءِ والرِّواءِ.
ثُمَّ يُحاوِرُ ذلك السّائِحُ الشَّغُوفُ عَقلَه قائِلًا: إنَّ هذا الهَواءَ الجامِدَ الَّذي لا حَياةَ في ثَو شُعُورَ، ولا قَرارَ له ولا هَدَفَ، وهُو في اضْطِرابٍ دائِمٍ، وهَيَجانٍ لا يَسكُنُ، وذُو عَواصِفَ وأَعاصِيرَ لا تَهدَأُ، إِلّا أنَّه يَنطَوِي على مِئاتِ الآلافِ مِنَ الأَعمالِ والوَظائِفِ والإِحساناتِ والإِمداداتِ العامِرةِ بالحِكمُفرَ ارَّحمةِ والإِتقانِ، والَّتي تَبرُزُ بواسِطَتِه إلى الوُجُودِ؛ مِمّا يُثبِتُ بَداهةً: أنَّه لَيسَت لِهَذِه الرِّياحِ الدّائِبةِ حَرَكةٌ ذاتيّةٌ، ً على تحَرَّكُ مِن تِلقاءِ نَفسِها أَبدًا، وإِنَّما يُحَرِّكُها أَمرٌ صادِرٌ مِن آمِرٍ في غايةِ العِلمِ والقُدْرةِ، وغايةِ الكَرَمِ والحِكمةِ، وكأنَّ كُلَّ ذَرّةٍ مِن ذَرّاتِها تَفهَمُ وتَسمَعُ یی كالجُندِيِّ المُطِيعِ یی كلَّ أَمرٍ صادِرٍ مِن لها مِنذلك الآمِرِ وتُدرِكُه فتَنقادُ إلَيْه، وتَجعَلُ الأَحياءَ جَمِيعَها تَتنَفَّسُها لِتُسهِمَ في إِعاشَتِها، وتُشارِكَ في تَلقِيحِ النَّباتاتِ كُم سَِّها، وتُعاوِنُ في تَوفِيرِ المَوادِّ الضَّرُورِيّةِ لِحَياتِها، وتَصرِيفِ السُّحُبِ وإِدارَتِها، وتَسيِيرِ السُّفُنِ بلا وَقُودٍ وجَعْلِ في يَخَرُ البِحارَ وتَسِيحُ فيها، وتَتوَسَّطُ خاصّةً في إِيصالِ الأَصواتِ والمُكالَماتِ والِاتِّصالاتِ عَبرَ أَمواجِ المِذْياعِ والتِّلِغْرافِ واللا يَدفِ اللّاسِلكِيّةِ، وأَمثالِ هذه الخِدْماتِ العامّةِ الكُلِّيّةِ، ومعَ أنَّ ذَرَّاتِ الهَواءِ مُرَكَّبةٌ مِن مَوادَّ بَسِيطةٍ كالآزُوتِ ومُوَلِّدِ الحُمُوضةِ (الأُوكسِجِينِ)، ويُماثِلُ بَعضُها بَعضًا، إِلّا أَنَّني أَراها تُستَخدَمنٍ ويُدٍ حَكِيمةٍ وبانتِظامٍ كامِلٍ، في مِئاتِ الأُلُوفِ مِن أَنماطِ المَصنُوعاتِ الرَّبّانيّةِ.
لِذا حَكَم السَّائِحُ قائِلًا: حَقًّا إنَّ ا عاقِليُجرِي أَمرَه على الهَواءِ، ويَستَعمِلُه في خِدْماتٍ ووَظائِفَ رَبّانيّةٍ غَيرِ مَحدُودةٍ، بِتَصرِيفِ الرِّياحِ، وفي أَعمالٍ رَحمانيّةٍ غَيرِ مَحدُودةٍ، بِتَسخِيرِ السّمُ حَو ويُوجِدُ الهَواءَ على تلك الصُّورةِ، وَفْقَ ما صَرَّحَت به
— 128 —
الآيةُ الكَرِيمةُ: وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْ ابتِديس إِلّا رَبًّا واجِبَ الوُجُودِ، قادِرًا على كُلِّ شَيءٍ، وعالِمًا بكُلِّ شَيءٍ، ذا جَلالٍ وإِكرامٍ.
ثمَّ يَرجِعُ بنَظَرِه إلى "الغَيثِ": فيَرَى أنَّه مُثْقَلإلى كَنافِعَ بعَدَدِ حَبّاتِه، ويَحمِلُ جَلَواتٍ رَحْمانيّةً بعَدَدِ زَخّاتِه، ويُظهِرُ حِكَمًا بقَدْرِ رَشَحاتِه؛ ويَرَى أنَّ تلك القَطَراتِ العَذْبةَ اللَّطِيفةَ المُبارَكةَ تُخلَقُ في غايةِ الِانتِِيدًا في مُنتَهَى الجَمالِ والبَهاءِ، وبخاصّةٍ البَرَدُ الَّذي يُرسَلُ یی حتَّى في الصَّيفِ یی بِانتِظامٍ ومِيزانٍ، بحَيثُ لا يُمكِنُ أَن تُخِلَّ بِهذا المِيزانِ والِانتِظامِ حتَّى العَواصِفُ والدُ تَمُ العاتيةُ الَّتي تَضطَرِبُ لِهَوْلِها الكُتَلُ الضَّخْمةُ الكَثِيفةُ، ولا أَن تُصادِمَ بينَ قَطَراتِه بحَيثُ تَجمَعُ بَينَها وتُؤَلِّفُ مِنها كُتَلًا مُضِرّةً!
فهذا الماءُ الَّذي هو جَمادٌ بَسِيطٌ لا يَملِكُ شُعُورًا، يِسالةََمُ في أَمثالِ هذه الأَعمالِ الحَكِيمةِ، وبخاصّةٍ في الإِحياءِ والتَّروِيةِ، وهُو المُرَكَّبُ مِن مادَّتَينِ بَسِيطَتَينِ جامِدَتَينِ خاليَتَينِ مِنَ الشُّعُورِ؛ هُما مُوَلِّدُ الماءِ ومُوَلِّدُ الحُمُوضةِ یی الهِيدرُوجِين ِطِ الكسُجِين یی إِلّا أنَّه يُستَخدَمُ في مِئاتِ الآلافِ مِنَ الخِدْماتِ والصَّنائِعِ المُختَلِفةِ المَشحُونةِ بالحِكمةِ والشُّعُورِ.
إذًا، فهذا الغَيثُ ما هو إلّا رَغي لناُجسَّمةٌ بعَينِها، ولا يَتِمُّ صُنْعُه إِلّا في خَزِينةِ الرَّحمةِ الغَيبِيّةِ لی"الرَّحمٰنِ الرَّحِيمِ"، وهُو بِنُزُولِه وانصِبابِه على الأَرضِ يُفسِّرُ عَمَلِيًّا وبوُضنا هذالآيةَ الكَرِيمةَ: وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ
ثمَّ يُصغِي ذاهِلًا إلى "الرَّعدِ"، ويَنظُرُ مُندَهِشًا إلى "البَرقِ"، فيَرَى أنَّ هاتَينِ الظّاهِرَتَينِ الجَوّاماتٍ ينِ العَجِيبَتَينِ تُفَسِّرانِ تَمامًا الآيتَينِ الجَلِيلَتَينِ: وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ، وتُخبِرانِ كَ القُرقُدُومِ الغَيثِ، فتُبشِّرانِ المُعوِزِينَ المَلهُوفِينَ..
نعم، إنَّ إِنطاقَ الجَوِّ المُظلِمِ بِدَوِيٍّ هادِرٍ يُزَمجِرُ ويُجَلجِلُ، وتَبدِيدَ الظَّلامِ الدّامِسِ بنُورٍ باهِرٍ يَكادُ يَذهَبشياءِ:َبصارِ، وبِنارٍ تُرعِبُ كُلَّ مَوجُودٍ، وإِشعالَ السُّحُبِ العَظِيمةِ كالجِبالِ، والمَنفُوشةِ كالعِهْنِ، المُحَمَّلةِ بالبَرَدِ والثَّلجِ والماءِ.. وما شابَهَها مِن
— 129 —
هذه الأَوضاعِ الحَكِيمةِ الغَرِيبةِ؛ لَتُنبِّهُ الإِنِأَنوالغافِلَ وتُوقِظُه، وتَقْرَعُ بالدِّرّةِ على رَأْسِ هذا المُكِبِّ على وَجهِه قائِلةً:
يا هذا! اِرفَعْ رَأسَك، وانظُرْ إلى غَرائِبِ الصَّنعةِ وبَدائِعِ الخِلْقةِ لِلفَعّالِ القَدِيرِ الَّذي يُرِي قِسمٍيُعَرِّفَ نَفسَه لِعِبادِه، فكما أنَّك لَستَ طَلِيقًا سائِبًا مُفلَتَ الزِّمامِ في هذا الوُجُودِ، فلن تكُونَ هذه الحَوادِثُ سُدًى ولا عَبَثًا، بل كُلٌّ مِنها تُساقُ إلى وَظائِفَ حَكِيمةٍ بِخُضُوعٍ واستِسلامٍ، وكُلٌّ مِنها يبِاستَِمُ مِن لَدُنْ رَبٍّ مُدَبِّرٍ حَكِيمٍ.
وهكَذا يَسمَعُ هذا السّائِحُ الشَّغُوفُ شَهادةً سامِيةً جَلِيّةً لِحَقِيقةٍ مُرَكَّبةٍ مِن تَسخِيرِ السَّ والسّوتَصرِيفِ الرِّياحِ، وإِنزالِ الغَيثِ، وتَدبِيرِ الظَّواهِرِ الجَوِّيّةِ، فيقُولُ:آمَنتُ باللهِ..
وقد أَفادَتِ تنبيه: كُنتُ أُريدُ أن أُوضِّح المَراتبَ الثَّلاثَ والثَّلاثينَ مِن مَراتبِ التَّوحيدِ يحَ كَُورةِ في "المَقامِ الأوَّلِ"، لكنَّني اضطُرِرْتُ للِاكتفاءِ ببَراهينِها المُختَصَرةِ جِدًّا وبمُجرَّد تَرجمَتِها بسَببِ وَضعِي الصِّحِّيّ وعدمِسّائِحِ حالتي.. ولَمّا كانت ثَلاثُونَ رِسالةً مِن رسائلِ النُّورِ بل مِئةٌ مِنها قد بَيَّنتْ یی كلٌّ على حِدَةٍ یی قِسمًا مِن تلك المَراتبِ الثَّلاثِ والثَّلاثينَ مع دَلائلِها بأَساليبَ مُختلِفةٍ؛ لذا أُلزِيارِ التَّفاصِيلُ إليها. المَرتَبةُ الثّانيةُ مِنَ المَقامِ الأوَّلِ مُشاهَداتِ هذا السّائِحِ في الجَوِّ كالآتي:
(لا إِلٰهَ إلّا اللهُ الواجِبُ الوُجُودِ الَّذي دَلَّ على وُجُوبِ وُجُودِه: الجَوُّ بِجَمِيعِ ما فا مُظلشَهادةِ عَظَمةِ إِحاطةِ حَقِيقةِ: التَّسخِيرِ والتَّصرِيفِ والتَّنزِيلِ والتَّدبِيرِ، الواسِعةِ المُكَمَّلةِ بالمُشاهَدةِ).
ثمَّ إنَّ ذلك السَّائِحَ المُتَفكِّرَ، مِن لَعوِّدَ على السِّياحةِ الفِكرِيّةِ، هَتفَت به "كُرةُ الأَرضِ" بلِسانِ حالِها، قائِلةً: "لِمَ تَجُولُ في الهَواءِ وتَدُورُ في أَرجاءِ السَّماءِ والفَضاءِ؟ هَلُمَّ إِلَيَّ لِأُعرِّفَك بالَّذي تَبحَثُ عنه.. شاهِدْ وَظائِفِي،َ دائرَأْ ما هو مَكتُوبٌ في صَحائِفِي".
فأَخَذ السّائِحُ يَنظُرُ، فيَرَى أنَّ الأَرضَ یی كالمَولَوِيِّ العاشِقِ یی تَخُطُّ بحَرَكَتَيها في أَطرافِ مَيدانِ الحَشرِ الأَعظَمِ دائِرةً يَنتُجُ عنها حُصُولُ الأَيّامِ وحَلَقاولِ والسِّنِينَ.. وهِي كسَفِينةٍ رَبّانيّةٍ عَظِيمةٍ حامِلةٍ لِأَكثَرَ مِن مِئةِ أَلفِ نَوعٍ مِن أَنواعِ ذَوِي الحَياةِ بجَمِيعِ أَرزاقِها
— 130 —
ومُتَطلَّباتِها المَعاشِيّةِ، فتَمْخَرُ عُبابَ الفَضاءِ بكَبكَماللتَّوازُنِ والنِّظامِ الأَتَمِّ، وتَطُوفُ في رِحلةٍ سِياحِيّةٍ وتَجْوالٍ حَولَ الشَّمسِ.
ثُمَّ يَنظُرُ إلى صَحائِفِها، فيَرَى أنَّ كلَّ صَحِيفةٍ مِنها تُعَرِّفُ رَبَّها بأُلُوفِ آياتِها.. ولكِن لَمّا لم يَجعةِ الَّسَعًا مِنَ الوَقتِ لِمُطالَعةِ الصَّحائِفِ كُلِّها، اكتَفَى بالنَّظَرِ إلى صَحِيفةٍ واحِدةٍ مِنها فقط، وهِي صَحِيفةُ إِيجادِ ذَوِي الحَياةِ وإِدارَتُها في فَصلِ الَّقةِ عِ.
فشاهَدَ أنَّ أَفرادًا غيرَ مَحدُودِينَ لِمِئةِ أَلفٍ مِنَ الأَنواعِ تَنفَتِحُ صُوَرُها وتَنبَسِطُ مِن مادّةٍ بَسِيطةٍ بمُنتَهَى الِانتِظامِ، وتُرَبَّى بمُنتَهَى الرَّحمةِ، وتُنشَرُ في الأَرجاءِ بِمُنتَهَى السَّعةِ، وتُمنَحُ بُذُورُالةِ" مِنها جُنَيحاتٍ رَقيقةً لِلطَّيرانِ بِغايةِ الإِعجازِ.. وأَنَّها تُدارُ بمُنتَهَى التَّدبِيرِ، وتُرَبَّى وتُغَذَّى بمُنتَهَى الشَّفَقةِ والرَّأفةِ، وتُؤَمَّنُ أَرزاقُها الوَفِيرةُ المُتَنوِّعةُ اللَّذِيذةُ الطَّيِّبةُ بمويُسْرى الرَّحمةِ والإِرزاقِ، فتَصِلُها مِن عَدَمٍ، ومِن تُرابٍ يابِسٍ، ومِن جُذُورٍ صُلْبةٍ كالعِظامِ، ومِن بُذُورٍ مُتَماثِلةٍ، ومِن قَطَراتِ ماءٍ مُتَشابِهةٍ.
وأنَّه يُبع مِن ين خَزِينةِ الغَيبِ إلى ذَوِي الحَياةِ في كُلِّ رَبِيعٍ یی كحُمُولةِ قِطارٍ مَشحُونٍ یی مِئةُ أَلفِ نَوعٍ ونَوعٍ مِنَ الأَطعِمةِ واللَّوازِمِ، بِكَمالِ الِلِحَقامِ والِاتِّساقِ، لا سِيَّما إِرسالُ اللَّبنِ الخالِصِ اللَّذِيذِ الدَّفّاقِ مِن يَنابِيعِ أَثداءِ الوالِداتِ الرَّؤُوماتِ المُلَفَّعاتِ بِالشَّفَقةلمُنتََّحمةِ والحِكمةِ هَدايا لِلصِّغارِ والأَطفالِ.. كلُّ ذلك يُثبِتُ بَداهةً أنَّه تَجَلٍّ في مُنتَهَى التَّربِيةِ والرَّأفةِ مِن تَجَلِّياتِ رَحمةِ الرَّحمٰنِ الرَّحِيمِ وإِحسانِه جتِماعيمِ.
والخُلاصةُ:لقد فَهِم السَّائِحُ بمُشاهَدةِ هذه الصَّحِيفةِ الحَياتيّةِ لِلرَّبِيعِ الجَمِيلِ، أنَّها صُورةٌ مِن صُوَرِ الحَشرِ والنُّشُورِ بِمِئاتِ الآلافِ مِنَ النَّماذِجِ والنَّظائِرِ، فهِي تُفَسِّرُ تَفسُِ"و"َمَلِيًّا مَحسُوسًا رائِعًا الآيةَ الكَرِيمةَ: فَانْظُرْ إِلَى آَثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، والآيةُ نَفسُها تُعبِّرُا، وجَيرًا مُعجِزًا عنِ المَعاني الوارِدةِ في هذه الصَّحِيفةِ..
فوَعَى ما تُردِّدُه كُرةُ الأَرضِ بِجَمِيعِ صَحائِفِها وبِمِقدارِ جَسامَتِها وقُوَّتِها مِن: "ل الَّته إلّا هو".
— 131 —
وهكذا، لِأَجلِ بَيانِ شَهادةٍ مُختَصَرةٍ، لِوَجهٍ واحِدٍ فقط مِن عِشرِينَ وَجهًا مِن وُجُوهِ صَحِيفةٍ واحِدةٍ مِنَ الصَّحائِفِدَ والِعةِ لِكُرةِ الأَرضِ، والَّتي تَربُو على عِشرِينَ صَحِيفةً، ولِأَجلِ بَيانِ ما أَفادَتْه مُشاهَداتُ ذلك السَّائِحِ في سائرِ الوُجُوهِ والصَّحائِفِ.. ذُكِرَ في رةِ ووَبةِ الثَّالِثةِ مِنَ المَقامِ الأوَّلِ:
(لا إِلٰهَ إِلّا اللهُ الواجِبُ الوُجُودِ الَّذي دَلَّ على وُجُوبِ وُجُودِه في وَحْدَتِه: الأَرضُ بِجَمِيعِ ما فِيها وما عَلَيْها، بِشَهادةِ عَظَمةِ إِحاطةِ حَقِيقةِ: التَّسخِيربُ الوَّدبِيرِ والتَّربِيةِ والفَتَّاحِيَّةِ وتَوزِيعِ البُذُورِ والمُحافَظةِ والإِدارةِ والإِعاشةِ لِجَمِيعِ ذَوِي الحَياةِ، والرَّحْمانيَّةِ والرَّحِها الحةِ العامَّةِ الشَّامِلةِ المُكَمَّلةِ بالمُشاهَدةِ).
ثُمَّ أَصبَح ذلك المُسافِرُ المُتَفكِّرُ كُلَّما قَرَأ صَحِيفةً قَوِيَ إِيمانُه الَّذي هطَّبِياحُ السَّعادةِ، وزادَت مَعرِفَتُه بِاللهِ الَّتي هي مِفتاحُ المَدارِجِ المَعنَوِيّةِ، وانكَشَفَت لِبَصِيرَتِه دَرَجةٌ أُخرَى مِن حَقِيقةِ الإِيمانِ بِاللهِ الَّذي هو الأَساسُ القَوِيمُ لِجَمِيعِ الكَمالاتِ ومَنبَعُها الثَّرُّهُم حذْبُ.
ومعَ أنَّه قد وَعَى دُرُوسًا بَلِيغةً وتامّةً مِنَ السَّماءِ والجَوِّ والأَرضِ، إِلّا أنَّه باتَ يَطلُبُ المَزِيدَ كُلَّما مَنَحَتْه تلكَحِينَحائِفُ أَذواقًا مَعنَوِيّةً لَطِيفةً، ولَذائِذَ رُوحِيّةً كَثِيرةً، مُثِيرةً شَغَفَه، مُنبِّهةً وَلَعَه بِشِدّةٍ قائِلًا: هل مِن مَزِيدٍ؟ وإِذا به يَسمَعُ صَدَى أَذكارِ "البعدَ ن والأَنهارِ العَظِيمةِ" الَّتي تَتدَفَّقُ خُشُوعًا وشَوقًا، فيُنصِتُ إلى هَمْسِ أَصواتِها الحَزِينةِ العَذْبةِ، وهِي تقُولُ بلِسانِ الحالِ والمَقالِ: "أَلَا تَنظُرُ إِلَيْنا؟لَقَّى تُطالِعُنا؟".
فيَنظُرُ بِلَهفةٍ حائِرةٍ ويَرَى: أنَّ البِحارَ الَّتي تَتَماوَجُ بِحَيَوِيّةٍ وتَتَلاطَمُ بِشِدّةٍ على الدَّوامِ، والَّتييّةِ اَأنِها الِانسِياحُ والِانسِكابُ والإِغراقُ، قد أَحاطَت بِكُرةِ الأَرضِ، فهُما تُسَيَّرانِ مَعًا في مُنتَهَى السُّرعةِ، وتَجرِيانِ في سَنةٍ واحِدةٍ ضِمنَ دائِرةٍ مِإلَّا ا خَمسٌ وعِشرُونَ أَلفَ سَنةٍ؛ وعلى الرَّغمِ مِن كُلِّ هذا فهِي لا تَسِيحُ أَبدًا ولا تَنسَكِبُ مُطلَقًا، ولا تَطغَى على جارَتِها اليابِسةِ، ما يَعنِي أنَّها تَتحَرَّك وتَسرصِ واتُحفَظُ بِأَمرِ مَن له القُدرةُ المُطلَقةُ، والعَظَمةُ المُطلَقةُ.
— 132 —

ثُمَّ يَنظُرُ إلى جَوفِ البَحرِ: فيَرَى لَآلِئَ مُشِعّةً هي في غايةِ الجَمالِ والزِّينةِ والِامِيزانِ، ورَأَى فَضلًا عن ذلك انتِظامًا عَظِيمًا في إِعاشةِ آلافِ أَنواعِ الحَيَواناتِ(8Uمُتَنوِّعةِ وإِدارَتَها وتَعيِينَ مَوالِيدِها ووَفَياتِها، تَجرِي في مُنتَهَى الِالرّائِِ والإِتقانِ، وأنَّ مَجِيءَ أَرزاقِها ونُشُوءَ أَقواتِها مِن رَملٍ بَسِيطٍ ومِن ماءٍ أُجاجٍ، مَيسُورٌ وكامِلٌ، ما يُثْبِتُ بِالبَداهةِ أنَّه لا يَتِمُّ إلّا بإِدارةِ القَدِيرِ ذِي الجَلالِ، وإِعاشةِ الرَّحِيمِ ذِي الجَمالِ.

سُبحانَّ يَنظُرُ ذلك المُسافِرُ إلى الأَنهارِ: فيَرَى أنَّ ما فيها مِنَ المَنافِعِ والمَصالِحِ وما لَها مِنَ الخِدْماتِ والوَظائِفِ وما تُنتِجُه مِن مَصارِيفَ وما تَرِدُه مِن مَوارِدَ، مةُ انتٌ بِحِكمةٍ واسِعةٍ، وبِرَحمةٍ عَظِيمةٍ، بحَيثُ تُثبِتُ بَداهةً أنَّ جَمِيعَ الجَداوِلِ والغُدْرانِ واليَنابِيعِ والسُّيُولِ والأَنهارِ العَظِيمةِ تَنبَعُ وتَجرِي مِن خَزِينةِ الرَّحمٰنِ ذِي الجَلالِ والإِكرامِ؛ بل إنَّها تُخزَنُ وتُدَّخََيك قُِخارًا خارِقًا لِلمَألُوفِ، فتُصْرَفُ وتُجرَى جَرْيًا فَوقَ المُعتادِ، حتَّى وَرَد في الحَدِيثِ الشَّرِيفِ ما مَعناه: أنَّ"أَربَعةَ أَنهارٍ تَجرِي مِنَ الجَنّةِ"،بمَعَنى أنَّ جَرَيانَ هذَوسِ انهارِ، هو فَوقَ حِساباتِ الأَسبابِ الظّاهِرةِ بِكَثيرٍ، لِذا فهِي لا تَجرِي إلّا مِن خَزِينةِ جَنّةٍ مَعنَوِيّةٍ لا تَنضُبُ، ومِن فَيضِ مَنبَعٍ غَيبِيٍّا، مُنفَدُ.
فمَثلًا:هذا نَهرُ النِّيلِ الَّذي حَوَّل صَحراءَ مِصرَ القاحِلةَ إلى جَنّةِ الدُّنيا، يَجرِي كبَحرٍ صَغِيرٍ دُونَ نَفادٍ، ويَنبَعُ مِن جَبَلٍ واقِعٍ في الجَنُوبِ يُدعَى "جَبَلَ القَمَرِ"، فلو جُمِّعَت صَظُّلمُُه لِسِتّةِ أَشهُرٍ وجُمِّدَت، لَاجتَمَع ما هو أَعظَمُ مِن ذلك الجَبَلِ! والحالُ أنَّ ما خُصِّصَ له مِن مَكانٍ لِلخَزْنِ لا يَبلُغُ سُدُسَ ذلك الجَبَلِ.
أَمّا وارِداتُه فقَلِيلةٌ ضَئِيلةٌ، َصِيدةإِنَّ شِحّةَ الأَمطارِ وشِدّةَ حَرارةِ المَنطِقةِ وتَعَطُّشَ الأَرضِ، كلُّ ذلك مُجتَمِعًا لا يَفسَحُ مَجالًا لِلخَزْنِ إلّا القَلِيلَ، ولا يَسمَحُ لِلمُحافَظةِ على مِيزانِ وارِداتِه وصَرفيّاتِه؛يقةٌ وقد رُوِيَ أنَّ النِّيلَ المُبارَكَ يَنبَعُ مِن "جَنّةٍ" غَيبِيّةٍ هي فَوقَ القَوانينِ الأَرضِيّةِ المُعتادةِ؛ فأَفادَت هذه الرِّوايةِ حَقِيقةً لَطِيفةً ذاتَ مَغزًى عَمِيقٍ جدًّا.
وهكَذا رَأَى السّائِرِّسالادةً واحِدةً وحَقِيقةً واحِدةً، مِن آلافِ الشَّهاداتِ والحَقائقِ الَّتي هي واسِعةٌ سَعَةَ البِحارِ نَفسِها، وفَهِم أنَّ جَمِيعَها تُرَدِّدُ معًا بالإِجماعِ،
— 133 —
وبِقُوّةِ عَظَمةِ البِحارِ: "لا إِلٰهَ إلّا هُو"، وأنَّها تُبرِزُ لسَّماه شُهُودًا بِعَدَدِ مَخلُوقاتِ البِحارِ على صِدقِ هذه الشَّهادةِ.
ولِبَيانِ شَهاداتِ البِحارِ والأَنهارِ جَمِيعِها، أَفادَتِ المَرتَبةُ الرّابِعةُ مِنَ المالثَّالأوَّلِ ما يَأتِي:
(لا إِلٰهَ إلّا اللهُ الواجِبُ الوُجُودِ الَّذي دَلَّ على وُجُوبِ وُجُودِه في وَحْدَتِه: جَمِيعُ البِحارِ، والأَنهارِ، بِجَمِيعِ ما فيها، بِشَهادةِ عَظَمةِ إِحاطةِ حَقِيقةِ: التَّسخِيرِ والمُحافَظةِ والإِدقةٍ تَلواسِعةِ المُنتَظِمةِ بالمُشاهَدةِ).
ثُمَّ تَدعُو الجِبالُ والصَّحارَى ذلك المُسافِرَ المُستَغرِقَ في السِّياحةِ الفِكرِيّةِ قائِلةًفما كَا تَقرَأُ صَحِيفَتَنا أَيضًا؟".. وهو بِدَورِه يُحدِّقُ النَّظَرَ، ويَرَى أنَّ وَظائِفَ الجِبالِ الكُلِّيّةَ، وفَوائِدَها العامّةَ، هي مِنَ العَظَمةِ والحِكمةِ ما يُحيِّرُ العُقُولَ.
فمَثلًا:بُرُوزُ الجِبالِ واندِفاعُها مِنَ الأَرضِ بَّلَ ب رَبّانيٍّ يُهَدِّئُ هَيَجانَ الأَرضِ ويُخَفِّفُ مِن غَضَبِها وسَخَطِها وحِدَّتِها النّاجِمةِ مِن تَقَلُّباتِها الباطِنِيّةِ، ويَدَعُها تَتنَفَّسُ مُسخَلِيفةً بثَوَرانِ تلك الجِبالِ عَبرَ مَنافِذِها، فتَتَخلَّصُ بذلك مِنَ الزَّلازِلِ المُهلِكةِ والتَّصَدُّعاتِ المُدَمِّرةِ، فلا تَسلُبُ أَثناءَ دَوَرانِها راحةَ الآمِنِينَ مِن سَكَنَتِها.
وكما تُنصَبُ على ا"الكَونِ الصَّوارِي والأَوتادِ لِلحِفاظِ على تَوازُنِها ووِقايَتِها مِنَ التَّزَعزُعِ والغَرَقِ، كَذلِك الجِبالُ هي أَوتادٌ ذاتُ خَزائِنَ لِسَفِينةِ الأَرضِ، تَقِيها مِنَ الزِّلزالِ وتُثبِّتُها وتَحفَظُ تَوازُنَها.. وقد بيَّن القُرآنُ َتَّى يمُ هذا المَعنَى في آياتٍ كَثِيرةٍ مِنها: وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا
ومَثلًا:إنَّ ما في جَوفِ الجِبالِ مِن أَنواعِ اليَنابِيعِ والمِياهِ والمَعادِنِ والمَوادِّ واقْردوِيةِ الَّتي يَحتاجُها ذَوُو الحَياةِ، قدِ ادُّخِرَت بحِكمةٍ، وأُحضرِتَ بِكَرَمٍ، وخُزِنَت بِتَدبِيرٍ، بحَيثُ تُثبِتُ هذه الجِبالُ بَداهةً أنَّها خَزائِنُ ومُستَودَعاتُ ادِّخارٍ تَحتَ أَمرِ قَدِيرٍ لا نِهايةَ لِقُدرَتِه، وحَكِيمٍ لا نِهايةَ ي هَزََتِه.
— 134 —
فيُدرِكُ السَّائِحُ هذا، ويَقِيسُ على هاتَينِ الجَوهَرَتَينِ ما يَلِيهِما مِن وَظائِفِ الجِبالِ والصَّحارَى وحِكَمِها العَظِيمةِ عَظَمَةَ الجِبالِ وسَعَةَ الصّالشَّي، فيَرَى أنَّ الجِبالَ والصَّحارَى تَشهَدانِ وتُوَحِّدانِ بی"لا إِلٰه إلّا هُو"بلِسانِ جَمِيعِ حِكَمِها وبِلُغةِ جَمِيعِ وَظائِفِها، وبخاصّةٍ ادِّخارُها الِاحتِياطِيَّ مِنَ المَوادِّ، وأنَّ تلك الشَّهادةَ والجَنّةِيدَ هُما مِنَ القُوّةِ والرُّسُوخِ ما لِلشُّمِّ العَوالي، وهُما مِنَ الشُّمُولِ والسَّعَةِ ما لِلقِفارِ والصَّحارَى، فيُرَدِّدُ اللِّسانُ بِخُشُوعٍ: آمَنتُ باللهِ.
ولِبَيانِ هذا المَعنَى ذُكِر في المَرتَبةِ الخامِسةِ مِنَ المَقامِ. فلا َلِ ما يَأْتي:
(لا إِلٰهَ إِلّا اللهُ الواجِبُ الوُجُودِ الَّذي دَلَّ على وُجُوبِ وُجُودِه: جَمِيعُ الجِبالِ والصَّحارَى، بِجَمِيعِ ما فيها وما عَلَيْها، بِشَهادةِ عَظَمةِ إِحاطةِ حَقِيقةِ: الِادِّخارِ، والإِدارةِ، ونَشرِ اٍ لوُجرِ، والمُحافَظةِ، والتَّدبِيرِ الِاحتِياطِيّةِ الرَّبّانيّةِ الواسِعةِ العامّةِ المُنتَظِمةِ المُكَمَّلةِ بالمُشاهَدةِ).
وبَينَما كانَ ذلك المُسافِرُ يَجُولُ بِفِكرِه في الجِبالِ والصَّحارَى، انفَتَح أَمامَ فِكرِه بابُ عالَمِ "الأَشجارِ تَمَيّباتاتِ" يَدعُوه قائِلًا: "هَلُمَّ إِلَيْنا، وتَجَوَّلْ في رِياضِنا، واقْرَأْ سُطُورَنا".. فدَخَل ورَأَى أنَّ الأَشجارَ والنَّباتاتِ قد عَقَدَت مَجلِسًا فَخْمًا رائِعًا لِلتَّهلِيلِ والتبمَثابدِ، وشَكَّلَت حَلْقةً مَهِيبةً لِلذِّكرِ والشُّكرِ؛ ففَهِمَ مِن أَلسِنةِ أَحوالِها كأَنَّها تَلهَجُ مَعًا، وتُرَدِّدُ بالإِجماعِ:"لا إِلٰهَ إلّا اللهُ".
ذلك أنَّه رَأَى ثَلاثَ حَقائِقَ كُبرَى كُلِّيّةً تَدُلُّ على أنَّ جَمِيعَومَوازجارِ المُثمِرةِ وجَمِيعَ النَّباتاتِ المُزهِرةِ تُؤَدِّي شَهادَتَها مُسَبِّحةً، وتقُولُ مَعًا بِالأَلسِنةِ الفَصِيحةِ لِأَوراقِها المَوزُونةِ، وبِالكَلامِ ا ٭ وَملِ لِأَزهارِها الجَمِيلةِ، وبِالكَلِماتِ البَلِيغةِ لِأَثمارِها المُنتَظِمةِ:"لا إِلٰهَ إلّا هُو":
أُولَاها:حَقِيقةُ الإِنعامِ والإِكرامِ المَقصُودَينِ، والإِحسانِ والِامتِنانِلا تُفتِيارِيَّينِ، والَّتي يُحَسُّ مَعناها إِحساسًا ظاهِرًا في كلِّ نَباتٍ وشَجَرٍ.. مِثلَما هي حَقِيقةٌ واضِحةٌ وُضُوحَ ضَوءِ الشَّمسِ في الكُلِّ.
— 135 —
ثانيَتُها:حَقِيقةُوامِرِميِيزِ والتَّفرِيقِ المَقصُودَينِ بحِكمةٍ، والتّزيِينِ والتَّصوِيرِ الِاختِيارِيَّينِ بِرَحْمةٍ، وهِي واضِحةٌ وُضُوحَ النَّهارِ حَقِيقةً ومَعنًى، فالتَّميِيزُ بينَ تلك الأَنواعِ والأَفرادِ غَيرِ اسبابُ ودةِ غَرَضٌ مَقصُودٌ، والِاختِلافُ والتَّبايُنُ بَينَها حِكْمةٌ مَطلُوبةٌ، ولَمَساتُ التَّجمِيلِ والتَّحسِينِ رَحْمةٌ مُرادةٌ؛ وهذه الحَقِيقةُ واضِحةٌ وُضُوحًا لا يَدَعُ مَجالًا قَ * * *نِسبَتِها إلى المُصادَفةِ، مِمّا يُظهِرُ عِيانًا أنَّها آثارُ الصّانِعِ الحَكِيمِ ونُقُوشُه البَدِيعةُ.
ثالِثتُها:حَقِيقةُ فَتحِ صُوَرِ المَصنُوعاتِ غَيرِ المَحدُودةِ، بِمِئاتِ الآلافِ مِنَ الأَنماطِ المُختَلِفةِ والأَشكالِ المُتَنوّا، وصِمِن حَبّاتٍ مَعدُودةٍ مُتَشابِهةٍ، ومِن نَوًى مَحدُودةٍ مُتَماثِلةٍ، واستِنباتُها في غايةِ الِانتِظامِ والمِيزانِ، وبمُنتَهَى الزِّينةِ والجَمالِ، رَغمَ أنَّها بَسِيطةٌ جامِدةٌ ومُختَلِطةٌ بَعضُها بِبَعضه الأَففَتحُ صُوَرِ كلِّ فَردٍ مِن أَفرادِ تلك الأَنواعِ المُتَبايِنةِ الَّتي تَربُو على مِئَتَيْ أَلفِ نَوعٍ، كلٌّ على انفِرادٍ بانتِظامٍ كامِلٍ وبِمُوازَنةٍ تامّةٍ وبِحَيَوِيّةٍ وحِكْمةٍ وبِدُون بل الأٍ ولا اختِلاطٍ، لَهُو حَقِيقةٌ ساطِعةٌ جَلِيّةٌ أَسطَعُ مِنَ الشَّمسِ.
ففَهِمَ السّائِحُ أنَّ هُناك شُهُودًا ودَلائِلَ إِثباتٍ على تلك الحَقِيقةِ بِعَدَدِ أَزهارِ الرَّبِيعِ، وبِعَدَدِ عَظَمَِه، وبِعَدَدِ أَوْراقِه ومَوجُوداتِه، فعَبَّر عَمّا جاشَ في قَلبِه مِن مَعانٍ كَرِيمةٍ فقال:"الحَمدُ للهِ على نِعمةِ الإِيمانِ!".
ولِبَيانِ هذه الحَقائِقِ والشَّهاداتِ ذُكِرَ في المَرتَبةِ السّادِسةِ مِنَ المَقاما الشّوَّلِ الآتي:
(لا إِلٰهَ إِلّا اللهُ الواجِبُ الوُجُودِ، الَّذي دَلَّ على وُجُوبِ وُجُودِه في وَحْدَتِه إِجماعُ جَمِيعِ أَنواعِ الأَشجارِ والنَّباتاتِ الِاخبِّحاتِ النّاطِقاتِ بِكَلِماتِ أَوْراقِها المَوزُوناتِ الفَصِيحاتِ، وأَزهارِها المُزَيَّناتِ الجَزِيلاتِ، وأَثمارِها المُنْتَظِماتِ البَلِيغاتِ، بِشَهادةِ عَظَمَةِ إِحاطةِ حَقِيقةِ الإِنعامِ والإِكرامِ والإِحسانِ بِقَصدٍ ورَحْمةٍ، وحا.. فأِ التَّميِيزِ والتَّزيِينِ والتَّصوِيرِ بإِرادةٍ وحِكْمةٍ، معَ قَطْعِيَّةِ دَلالةِ حَقِيقةِ فَتحِ جَمِيعِ صُوَرِها المَوزُوناتِ المُزَيَّناتِ المُتَبايِنةِ المُتَنوِّعةِ غَيرِ المَحدُودةِ مِن نَواتاأَكبَربّاتٍ مُتَماثِلةٍ مُتَشابِهةٍ مَحصُورةٍ مَعدُودةٍ).
— 136 —
ثُمَّ إنَّ السَّائِحَ الشَّغُوفَ الَّذي ازدادَ بالتَّرقِّي ذَوقًا وشَوقًا، بَينَما كيه، وأِدًا مِن تلك السِّياحةِ الفِكرِيّةِ مُبتَهِجًا بِلَذّةِ وُقُوفِه على الحَقِيقةِ وعُثُورِه على جَنَّاتِ الإِيمانِ، راجِعًا مِن بُستانِ الرَّبِيعِ، حامِلًا مِن أَزهارِ المَعرِفةِ والإِيمانِ باقةً كَبِيرةً واسِع لا يََةَ الرَّبِيعِ نَفسِه، إِذا بِبابِ عالَمِ الطُّيُورِ والحَيَواناتِ يَنفَتِحُ إِزاءَ عَقلِه التَّوّاقِ لِلحَقِيقةِ وفِكرِه المُشتاقِ لِلمَعرِفةِ، فتَدعُوه تلك الطُّيُورُ والحَيَواناتُ بِمِئاتِ الأِّقُ.
مِنَ الأَصواتِ المُتَبايِنةِ والأَلسِنةِ المُختَلِفةِ، لِلدُّخُولِ إلى ذلك العالَمِ الفَسِيحِ، وتُرَحِّبُ بِمَقْدَمِه إلى عالَمِها..
فدَخَلَه ورَأَى أنَّ جَمِيعَ الطُّيُورِ وجَمِيعَ الحَيَواناتِ بِيّةِ،عِها وطَوائِفِها وأُمَمِها كافّةً تُرَدِّدُ مُتَّفِقةً:"لا إِلٰهَ إلّا هُو"بلِسانِ حالِها ومَقالِها، حتَّى لَكَأنَّ سَطْحَ الأَرضِ مَجلِسُ ذِكرٍ مَهِيبٌ، ومَجمَعُ تَهلِيلٍ عَظِيمٌ..
ورَأَى أنَّ كُلًّا مِنها يُمَثِّلُ بِحَدِّ ذاتِه قالجسم ً رَبّانيّةً تَتَرنَّمُ بِآلاءِ الرُّبُوبِيّةِ، وكَلِمةً سُبحانيّةً ناطِقةً بِالتَّقدِيسِ لِبارِئِها، وحَرفًا رَحْمانيًّا ذا مَغزًى يَنِمُّ عنِ الرَّحمةِ الإِلٰهِيّةِ؛ فالجَمِيعُ يُثنُونَ على خالِقِهِم ويَصِفُونَه بِالحَمدِ والثَّظُرُ اوكأَنَّ حَواسَّ تلك الطُّيُورِ والحَيَواناتِ ومَشاعِرَها وأَعضاءَها وآلاتِها وأَجهِزَتَها وقُواها، كَلِماتٌ مَوزُونةٌ مَنظُومةٌ، وكَلامٌ فَصِيحٌ بَلِيغٌ..
فشاهذه اللسَّائِحُ في ذلكثَلاثَ حَقائِقَ عَظِيمةً مُحِيطةً،تَدُلُّ دَلالةً صادِقةً على أنَّ تلك الطُّيُورَ والحَيَواناتِ تُؤَدِّي شُكرَها تَجاهَ خَلّاقِها ورَزّاقِها بتِلك الكَلِماتِ، وتَشهَدُ على وَحْدانيَّتِه سُبحانَه بِذَلِك الأَلواِ:
أُولاها:حَقِيقةُ الإِيجادِ والصُّنعِ والإِبداعِ، وحَقِيقةُ الإِحياءِ ومَنحِ الرُّوحِ، الَّتي لا يُمكِنُ رَدُّها مُطلَقًا إلى المُصادَفةِ العَشوًّا أنلقُوَّةِ العَمْياءِ والطَّبِيعةِ الصَّمَّاءِ؛ إذ هي إِيجادٌ مِن عَدَمٍ يَقَعُ بحِكمةٍ، وإِبداعٌ مَقرُونٌ بإِتقانٍ، وخَلقٌ مَصحُوبٌ بإِرادةٍ، وإِنشاءٌ مَبنِلسُّفُى عِلمٍ؛ وهِي تُظهِرُ بِجَلاءٍ تَجَلِّيَ "العِلمِ والحِكمةِ والإِرادةِ" بِعِشرِينَ وَجهًا، وهِي بُرهانٌ باهِرٌ على وُجُوبِ وُجُودِ"الحَيِّ القَيُّومِ"،وشاهِدُ حَقٍّ على صِفاتِه السَّبعةِ الجَلِيلةِ، وآيةُ صِدْقٍ ؤمِنِيحْدانيَّتِه جَلَّ وعَلا؛ أي: إِنَّ حَقِيقةَ الإِحياءِ تَدفَعُ إلى الوُجُودِ شُهُودَ إِثباتٍ بِعَدَدِ ذَوِي الأَرواحِ كُلِّها.
— 137 —
ثانِيتُها:حَقِيقةُ لِمثاليِيزِ والتَّزيِينِ والتَّصوِيرِ الَّتي تَتَّضِحُ مِن خِلالِ تلك المَصنُوعاتِ غَيرِ المَحدُودةِ الَّتي يَختَلِفُ بَعضُها عن بَعضٍ بعَلاماتٍ فارِقةٍ مُتَميِّزةٍ في الوُجُوهِ، وبِأَشكالٍ مَُا للهةٍ جَمِيلةٍ مُتَبايِنةٍ، وبِمَقادِيرَ مَوزُونةٍ دَقِيقةٍ مُختَلِفةٍ، وبِصُوَرٍ مُنتَظِمةٍ مُنَسَّقةٍ؛ فهِي حَقِيقةٌ قَوِيّةٌ عُظمَى بِحَيثُ لا إِمكانَ ولا احتِمالَ لِأَنْ يَ یی هذَ هذا الفِعلَ المُحِيطَ الَّذي يُبْرِزُ یی عِيانًا یی أَلفًا مِنَ الحِكَمِ والخَوارِقِ سِوَى القادِرِ على كلِّ شَيءٍ والعالِمِ بكُلِّ شَيءٍ، وليس هُناك إِمكانٌ أوِ احتِمالٌ آخَرُ قَطُّ.
ثالِثتُها:حَقِيقةُ فَتحِ صُوَرِ تلك الحَيَواناتِ نِ الطالمَحدُودةِ بِمِئاتِ الآلافِ مِنَ الأَشكالِ والأَنماطِ، مِن بُيُوضٍ وبُوَيضاتٍ مُتَماثِلةٍ مَعدُودةٍ، ومِن قَطَراتٍ مَحدُودةٍ، مُتَشابِهةٍ أو مُختَلِفةٍ بِفارِقٍ طَفِيفٍ.. ففَتحُ تلك الصُّوَرِ یی الةِ"الي بِحَدِّ ذاتِها مُعجِزةُ الحِكْمةِ یی بانتِظامٍ كامِلٍ ومُوازَنةٍ تامّةٍ دُونَما خَطَأٍ ولا زِيادةٍ أو نُقصانٍ، إِنَّما هو حَقِيقةٌ ساطِعةٌ باهِرةٌ تَستَقِي نُورَها مِن دَلائِلَ وأَسانِيدَ بِعَدَدِ الحَيَواناِت جَمِيعِها.
وهكَذا شاعَ إنسلسَّائِحُ عالَمَ الطُّيُورِ والحَيَواناتِ، وتَلقَّى دَرسًا كامِلًا مِن دَلالةِ هذه "الحَقائِقِ الثَّلاثِ" المُتَّفِقةِ، دَلالةً واضِحةً على أنَّ جَمِيعَ أَنواعِ الحَيَواناتِ تَشهَدُ قائِلةً مَعًا:"حُرُوفٰهَ إلّا هُو"،حتَّى غَدَتِ الأَرضُ كَأنَّها إِنسانٌ ضَخمٌ جِدًّا، تُرَدِّدُ:"لا إِلٰهَ إلّا هُو"بِمِقدارِ عَظَمَتِها وضَخامَتِها، فتَملَأُ یی مِن شِدَّتِها وقُوَّتِها یی قُبّةَ السَّماءِ حتَّى يَسمَعَها أَهلُ السَّماواتِ.
ولِبَيانِ هاكُم أَقائِقِ ذُكِر في المَرتَبةِ السَّابِعةِ مِنَ المَقامِ الأَوَّلِ ما يَأتِي:
(لا إِلٰهَ إِلّا اللهُ الواجِبُ الوُجُودِ، الَّذي دَلَّ علدنَى دوبِ وُجُودِه في وَحْدَتِه اتِّفاقُ جَمِيعِ أَنواعِ الحَيَواناتِ والطُّيُورِ الحامِداتِ الشّاهِداتِ بِكَلِماتِ حَواسِّها وقُواها وحِسِّيَّاتِها ولَطائِفِها المَوزُونصِيّةٍمُنتَظِماتِ الفَصِيحاتِ، وبِكَلِماتِ جِهازاتِها وجَوارِحِها وأَعضائِها وآلاتِها المُكَمَّلةِ البَلِيغاتِ، بِشَهادةِ عَظَمَةِ إِحاطةِ حَقِيقةِ الإِيجادِ والصُّنعِ والإِبداعِ بالإِرادةِ، وحَقِيلٌ أَمتَّميِيزِ والتَّزيِينِ بِالقَصدِ، وحَقِيقةِ التَّقدِيرِ والتَّصوِيرِ بالحِكمةِ، معَ قَطْعِيَّةِ دَلالةِ حَقِيقةِ فَتحِ جَمِيعِ صُوَرِها المُنتَن أَصبالمُتَخالِفةِ المُتَنوِّعةِ الغَيرِ المَحصُورةِ مِن بَيْضاتٍ وقَطَراتٍ مُتَماثِلةٍ مُتَشابِهةٍ مَحصُورةٍ مَحدُودةٍ).
— 138 —
ثُمَّ أَرادَ هذا السَّائِحُ المَُلفَ سِلُ أن يَدخُلَ عالَمَ الإِنسانِ ودُنيا البَشَرِ، كي يَمْضِيَ قُدُمًا في مَراتِبَ غَيرِ مَحدُودةٍ لِلمَعرِفةِ الإِلٰهِيّةِ، ويَرقَى دَرَجةً أبرِياءفي أَذواقِها، ومَنزِلةً أَسمَى في أَنوارِها غَيرِ المُتَناهِيةِ.
وعِندَها دَعَتْه إلى الدُّخُولِ صَفْوةُ البَشَرِ أَوَّلًا، وهُمُ "الأَنبِياءُ عَلَيهِم السَّلَام"، فدَخَل ومَضَى ي: إِن غَوْرَ الأَزمانِ قَبلَ كلِّ شَيءٍ، فرَأَى أنَّ جَمِيعَ "الأَنبِياءِ عَلَيهِم السَّلَام" یی وهُم خِيرةُ نَوعِ البَشَرِ وأَكمَلُهُم قاطِبةً یی يَذكُرُونَ بِلِسانٍ واحَ لِزُِرَدِّدُونَ مَعًا بالإِجماعِ:"لا إِلٰهَ إلّا هُو"،وهُم جَمِيعًا يَدعُونَ إلى التَّوحِيدِ الخالِصِ بقُوّةِ ما لا يُحَدُّ مِن مُعجِزاتِهِمُ الباهِرةِ المُصَدَّصانِعَهُم ولِدَعواهُم؛ ورَأَى أنَّهُم جَمِيعًا يَدْعُونَ البَشَرِيّةَ إلى الإِيمانِ بِاللهِ، لِإِخراجِها مِن مَرتَبةِ الحَيَوانِيّةِ ورَفعِها إلى دَرَجةِ المَلَكيَّةِ.
لِذا فقد جَثا السَّائِحرٌ يُلرُكبَتَيه بأَدَبٍ جَمٍّ وتَوقِيرٍ عَظِيمٍ في أَرْوِقةِ تلك المَدرَسةِ النُّورانيّةِ، ورَأَى أنَّ بينَ يَدَيْ كُلٍّ مِن أُولَئِك الأَئِمّةِ الهُداةِ الأَعلامِ لِلبَشَرِيّةِ مُعجِزاتٍ وَتَه، قَ هي عَلائِمُ تَصدِيقٍ لَهُم مِن لَدُنْ رَبِّ العالَمِينَ سُبحانَه.. وأنَّه قد تَكَوَّنَت طائِفةٌ عَظِيمةٌ وأُمّةٌ غَفِيرةٌ مُصَدِّقةٌ مِنَ البَشَرِ، دَخَلَت حَظِيرةَ الإِيمانِا:
لِيغِ كُلٍّ مِنهُم..
لِذا تَمَكَّن السَّائِحُ مِن قِياسِ مَدَى قُوَّةِ التَّوحِيدِ ورَصانَتِه، تلك الحَقِيقةِ الَّتي اتَّفَق على تَصدِيقِها أُولَئِك الصَّادِقُونَ الَّذِينَ يَرْبُونَوِي امِئةِ أَلفٍ..
وفَهِم كَذلِك مَدَى الخَطَأِ الجَسِيمِ والجِنايةِ الكُبْرَى الَّتي يَرتَكِبُها أَهلُ الضَّلالةِ المُنكِرُونَ لِتلك الحَقِيقةِ الرَّاسِخةِ الَّتي تَملِكُ هذه القُوّةَ، والَّتي صَدَّقَها وأَيَّدَها هذا العَدَدُ مِنَ المُخبِرِؤمِنينصّادِقِينَ، وأَثبَتُوها بِمُعجِزاتِهِمُ الَّتي لا تُحَدُّ.. وأَدرَك كَذلِك مَدَى ما يَستَحِقُّونَه مِن عَذابٍ أَليمٍ خالِدٍ.. وعَرَف أَيضًا مَدَى صَوابِ وأَمُظلِمّةِ الَّذِينَ صَدَّقُوهُم وآمَنُوا بِهِم فدَخَلُوا حَظِيرةَ الإِيمانِ.. فبَدَت أَمامَه بذلك مَرتَبةٌ عُظمَى هائِلةٌ لِقُدسِيّةِ الإِيمانِ وسُمُوِّ التَّوحِيدِ.
نعم، إِنَّ المُعجِزاتِ الَّتي لا حَصْرَ لَها تَصدِيقٌ فِعلِيٌّ مِن للَكانَالحَقِّ سُبحانَه وتَعالَى لِلأَنبِياءِ عَلَيهِم السَّلَام، والصَّفَعاتِ السَّماوِيّةَ الَّتي نَزَلَت بِالمُنكِرِينَ المُعارِضِينَ لَهُم
— 139 —
أَظهَرَت أَحَقِّيَتَهُم وتَأيِيدَ اللهِ لَهُم، وكَمالاتِهِمُ الشَّخلِيلةِ وإِرشاداتِهِمُ السَّدِيدةَ دالّةٌ على أَنَّهُم على حَقٍّ أَبلَجَ، وقُوّةَ إِيمانِهِم وغايةَ جِدِّيَّتِهِم ونِهايةَ تَجَرُّدِهِم تَشهَدُ كُلُّها على حَقيقِم وصَوابِ دَعوَتِهِم، وما في أَيدِيهِم مِنَ الكُتُبِ والصُّحُفِ المُقَدَّسةِ، وتَلامِيذَهُم غَيرَ المَحدُودِينَ الَّذِينَ بَلَغُوا الحَقِيقةَ وارتَقَوْا إلى الكَمالِ الجَودَوْا إلى النُّورِ باتِّباعِهِم لَهُم، يَشهَدُ كُلُّها على أَحَقِّيّةِ سَبِيلِهم وصَوابِ طَرِيقِهِم.
وفَضْلًا عن كلِّ هذا، فإِنَّ إِجماعَ أُولَئِك المُبَلِّغِينَ الصَّادِقِينَ في المَسائِلِ المُثبَتةِ لَهُو حُجّةٌ قاطِعةٌ على صِد الحَقِيمانِ، وقُوّةٌ عَظِيمةٌ تُعَزِّزُ حَقِيقَتَه، بِحَيثُ لا تَستَطِيعُ قَطعًا أَيّةُ قُوّةٍ في العالَمِ أن تُصارِعَها؛ فهِي حَقِيقةٌ دامِغةٌ تَنحَسَ المُمامَها كُلُّ شُبهةٍ أو رَيبٍ.
فعَلِمَ السَّائِحُ حِكمةَ كَونِ تَصدِيقِ الرُّسُلِ كافّةً رُكنًا مِن أَركانِ الإِيمانِ، وكَيفَ أنَّه يَنبُوعٌ دَفّاقٌ ومَصدَرٌ، فهِةٍ عُظمَى لِإِيمانِه، فسَرْعانَ ما انكَبَّ يَغتَرِفُ مِن هذا اليَنبُوعِ الثَّرِّ.
وقد ذُكِرَ في المَرتَبةِ الثّامِنةِ مِنَ المَقامِ الأَوَّى وأَعيُفِيدُ مَعنَى الدَّرسِ المَذكُورِ لِهَذا السَّائِحِ:
(لا إِلٰهَ إلّا اللهُ الَّذي دَلَّ على وُجُوبِ وُجُودِه في وَحْدَتِه إِجماعُ جَمِيلًا ببَنبِياءِ بِقُوّةِ مُعجِزاتِهِمُ الباهِرةِ المُصَدِّقّةِ المُصَدَّقَةِ).
وحِينَما كان السَّائِحُ الطّالِبُ الَّذي تَذَوَّق مِن قُوّةِ الإِيمانِ مَذاقاتٍ سامِنتَهَكتَنَسَّمَ أَنسامَ الحَياةِ صافِيةً خالِصةً، عائِدًا مِن مَجلِسِ "الأَنبِياءِ عَلَيهِم السَّلَام"، دَعَاه أُولَئِك الَّذِينَ أَثبَتُوا دَعاوَى الأَنبِياءِ بِعِلمِ اليَقِينِ، وأَقامُوا الحُجَجَ الدّامِِ مُحتى صِدْقِها مِنَ العُلَماءِ المُحَقِّقِينَ والمُجتَهِدِينَ المُتَبَحِّرِينَ، الَّذِينَ يُسَمَّونَ بی:"الأَصفِياءِ والصِّدِّيقِينَ"..دَعَاه أُولَئِك إلى مَدارِسِهِم..
فدَخَلِظُهُوى مَجْمَعًا حافِلًا يَضُمُّ آلافَ العَباقِرةِ الأَفذاذِ، ومِئاتِ آلافِ المُدَقِّقِينَ مِن أَهلِ العِلمِ والتَّحقِيقِ، وهُم يُقِيمُونَ الدَّلائِلَ ويَنصِبُونَ البَراهِينَ، ويُثبِتُونَ یی بِتَدقِيقاتِهِمُ العَمِيقةِ الَّتي لا تُبقِي أَدنَى ذ يُمكٍ یی المَسائِلَ الإِيمانيّةَ المُثبَتةَ، وفي مُقدِّمَتِها وُجُوبُ وُجُودِ الخالِقِ سُبحانَه ووَحْدانيَّتِه.
— 140 —
نعم، إِنَّ اتِّفاقَ أُولَئِك العُلَماءِ الفَطاحِلِ یی معَ تَفاوُتِ استِعداداتِهِم حَواديُنِ مَواهِبِهِمُ الفِطْرِيّةِ واختِلافِ مَسالِكِهِم یی على أُصُولِ الإِيمانِ وأَركانِه، مُستَنِدًا كُلٌّ مِنهُم إلى بَراهِينِه القَوِيّةِ اليَقِينِيّةِ، لَهُو حُجَّةٌ قاطِعةٌ لا يُمكِنُ لِأَحَدٍ مُعارَضَتُها فإِنّحْضُها أوِ المُماراةُ فيها، إِلّا إذا كان يَملِكُ ذَكاءً أَحَدَّ وأَرقَى مِن ذَكاءِ أُولَئِك الفُحُولِ، وكان بُرهانُه أَقوَى مِن بَراهِينِ الجَمِيعِ، وحُجَّتُه أَبلَغَ مِن حُجَّتِهِم جَمِيعًا! وهذا مُحالٌ.. لِذا لا يُمكِنُ مُجابَهَتُها المُسَبِالجَهلِ والتَّجاهُلِ، والإِنكارِ والمُكابَرةِ فيما لا يُمكِنُ إِثباتُه مِنَ المَسائِلِ المَنفِيّةِ، أو بالعِنادِ وإِغماضِ العَينِ إِزاءَ ذلك النُّورِ.. والحالُ أنَّ مَن يُغمِضُ عَينَيه فقد جَعَل ذا فإِه لَيْلًا فحَسْبُ.
ففَهِمَ السَّائِحُ أنَّ الأَنوارَ الَّتي نَشَرَها أَساتِذةُ هذه المَدرَسةِ الواسِعةِ المَهِيبةِ وعُلَماؤُها الأَجِلَّاءُ المُتَبحِّ هي أ، قد أَضاءَت شَطْرَ المَعمُورةِ خِلالَ أَلفٍ مِنَ السِّنِينَ؛ ووَجَدَ مِن هذا قُوّةً مَعنَوِيّةً هائِلةً تَنصَبُّ في كِيانِه وتَملَأُ جَوانِحَه، بِحَيثُ لوِ ي أن يع أَهلُ الإِنكارِ وأَربابُ العِنادِ جَمِيعًا ما استَطاعُوا زَعْزَعَتَها ولو قِيدَ شَعْرةٍ.
وهكَذا ذُكِرَت إِشارةٌ مُختَصَرةٌ في المَرتَبةِ التَّاسِعةِ مِنَ المَقامِ الأَوَّلِ لِمَا اقتَبَسَه السّائِحُ في هذه المَدرَسةِ مِن دُرُةً سَعِبَرٍ كما يَأتِي:
(لا إِلٰهَ إِلّا اللهُ الَّذي دَلَّ على وُجُوبِ وُجُودِه في وَحْدَتِه اتِّفاقُ جَمِيعِ الأَصفِياءِ بِقُوّةِ بَراهِينِهِمُ الظّاهِرةِ المُحَقَّقةِ خبِرُ َفِقةِ).
وحِينَما كانَ يَؤُوبُ ذلك المُسافِرُ المُتَأَمِّلُ مِن مَدرَسةِ العُلَماءِ، أَلحَفَ علَيْه شَوقٌ مُلِحٌّ إلى زِيادةِ الإِيمانِ وانكِشافِه، واستَوْلَت علَيْه رَغبةٌ عارِمةٌ في رُؤْيةِ ابِتاجِرِ والأَذواقِ الَّتي هي في طَرِيقِ الِارتِقاءِ مِن دَرَجةِ عِلمِ اليَقِينِ إلى مَرتَبةِ عَينِ اليَقِينِ؛ فدَعاه أُلُوفُ ومُلَايِينُ"الأَولياءِ الصَّالِحِينَ"المُرشِدِينَ السَّامِينَ الَّذِينَ سَعَوسُوفْس الحَقِيقةِ وبَلَغُوا الحَقَّ ووَصَلُوا مَرتَبةَ عَينِ اليَقِينِ، بِسُمُوِّهِم وعُرُوجِهِم تَحتَ ظِلِّ المِعراجِ الأَحمَدِيِّ، وعلى أَثَرِ الرَّسُولِ (ص) في الجادَّةِ الم مالِ دِيّةِ الكُبرَى.. دَعاه هَؤُلاءِ إلى رِحابِ ذِكرٍ عَظِيمٍ بَهِيجٍ، ومَقامِ إِرشادٍ قَوِيمٍ كَرِيمٍ، يُشِعُّ فَيضًا ونُورًا يَمْلَأُ الأَرجاءَ كُلَّها، ويَتَدفَّقُ نابِعًا مِن تَلاحُقِ ما لا يُحَسلُوبٍن تَكاياهُم وزَواياهُم ومَرابِطِهِم.
— 141 —
فدَخَل ورَأَى أنَّ أَهلَ الكَشفِ والكَراماتِ هَؤُلاءِ يُرَدِّدُونَ بالِاتِّفاقِ والإِجماعِ:"لا إِلٰهَ إلّا هُو"،مُعلِنِينَ به وُجُوبَ وُجُودَِّ الربِّ سُبحانَه وتَعالَى ووَحْدانيَّتَه، مُستَنِدِينَ إلى كَشفِيّاتِهِم وكَراماتِهِم ومُشاهَداتِهِم.
نعم، فكَما يُستَدَلُّ على الشَّمسِ بأَلوانِ ضِيائِها السَّبعةِ، فإِنَّ حَقِيقةَ التَّوحِيدِ كَذلِك
الِّقُها هَؤُلاءِ الأَفذاذُ العارِفُونَ والجِهابِذةُ المُنَوَّرُونَ بالإِجماعِ والِاتِّفاقِ، وهُم يُمَثِّلُونَ أَهلَ الطُّرُقِ المُتَنوِّعءا وتَّادِقةِ، وأَصحابَ المَسالِكِ المُختَلِفةِ الصَّائِبةِ، وذَوِي المَشارِبِ العَدِيدةِ الحَقّةِ، الَّذِينَ اصْطَبَغُوا بِسَبعِينَ لَوْنًا، بل بِعَدَدِ أَسماءِ اللهِ الحُسن مَعَِنَ الأَلوانِ المُنَوَّرةِ المُتَبايِنةِ والأَنوارِ المُلَوَّنةِ المُختَلِفةِ المُتَجَلِّيةِ على القُلُوبِ والآفاقِ مِن نُورِ المُنَوِّرِ الأَزَليِّ.
وقد شاهَدَ السّائِحُ تَجَلِّيَ تلك الحَقِيقةِ الباهِرةِ بَِقدِيراليَقِينِ، لِذا رَأَى أنَّ حَقِيقةً يُجمِعُ علَيْها "الأَنبِياءُ عَلَيهِم السَّلَام"، ويَتَّفِقُ على صِدْقِها "العُلَماءُ الأَصفِياءُ"، ويَتَوافَقُ مَعَها "الأَولِياءُ الصَّالِحُونَ"، لَهِيَ حَقِيقةٌ أَسطَعُ مِن ضِياءِ الن،
(حا الدّالِّ على الشَّمسِ.
وهكَذا ذُكِرَت في المَرتَبةِ العاشِرةِ مِنَ المَقامِ الأَوَّلِ إِشارةٌ مُختَصَرةٌ إلى ما تَلَقّاه هذا المُسافِرُ مِن فَيضٍ في المَرابِطِ َربُ افيّةِ وزَواياهُم:
(لا إِلٰهَ إلّا اللهُ الَّذي دَلَّ على وُجُوبِ وُجُودِه في وَحْدَتِه إِجماعُ الأَولياءِ بِكَشفِيّاتِهِم وكَراماتِهِمُ الظّاهِرةِ المُحَقي مَواالمُصَدَّقةِ).
ثُمَّ إنَّ ذلك السّائِحَ أَرادَ بكُلِّ لَطائِفِه وقُواه أن يَزدادَ رُقِيًّا وسُمُوًّا في قُوّةِ الإِيمانِ وانكِشافِ مَعرِفَتِه للهِ، لِعِلمِه بأص)، وأَحَبّةَ اللهِ النّاشِئةَ مِنَ الإِيمانِ باللهِ، والمُتَفَجِّرةَ مِن مَعرِفَتِه، هي أَعظَمُ كَمالٍ إِنسانِيٍّ وأَهَمُّه وأَوسَعُه، بل هي مَنبَعُ جَمِيعِ الكَمالاتِ وأَساسُها؛ لِذا رَفَع رَوِيٍّ ناظِرًا في السَّماواتِ وخاطَبَ عَقْلَه:
ما دامَتِ الحَياةُ هي أَغلَى شَيءٍ في الكَونِ، والمَوجُوداتُ كُلُّها مُسَخَّرةً لِلحَياةِ.. وبِما أنَّ أَثمَنَ ذَوِي الح یی لاهُم ذَوُو الرُّوحِ، وأَرقَى ذَوِي الأَرواحِ هُم ذَوُو
— 142 —
الشُّعُورِ.. وما دامَتِ الكُرةُ الأَرضِيّةُ یی لِأَجلِ هذه المَنزِلةِ الرَّفِيعةِ یی تُخْلَى في كُلِّ عَصرٍ وفي كُلِّ سَنةٍ،آنِ الَأُ بِاستِمرارٍ، تَكثِيرًا لِذَوِي الحَياةِ.. فلا بُدَّ یی ولا مَحالةَ یی أن يَكُونَ لِهَذِه السَّماواتِ العُلا المُزَيَّنةِ سُكَّانُها وأَهلُوها المُلائِمُونَ لها مِن ذَوِي الحَياةِ وذَوِي الأَرواحِ وذََتي أَمَشاعِرِ؛ حتَّى نُقِلَت مُنذُ القَدِيمِ رِواياتٌ مُتَواتِرةٌ تُؤَكِّدُ رُؤْيةَ"المَلائِكةِ"والتَّكَلُّمَ مَعَهُم، كتَمَثُّلِ جِبرائِيلَ عَلَيهِ السَّلَام في صُورةِ إِنسانٍ وظُهُورِه أَمامَ الصَّحابةِ في مَجلرَحْمةرَّسُولِ (ص).
فقال السَّائِحُ: لَيتَنِي أَحظَى بِشَرَفِ لِقاءِ أَهلِ السَّماواتِ! ولَيتَنِي أَقِفُ على ما عِندَهُم حَولَ حَقِيقةِ الإِيمانِ والتَّوحِيدِ! لِأنَّ أَهَمَّ شَهادةٍ في حَقِّ خالِقِ الكَونِ هي شَهادَتُهُم..
ولم الَّتي يُتِمُّ حَدِيثَه حتَّى سَمِع فَجْأةً كأنَّ هاتِفًا سَماوِيًّا يقُولُ: "ما دُمتَ تُرِيدُ لِقاءَنا والإِصغاءَ لِدَرسِنا، فاعْلَمْ أنَّ المَسائِلَ الإِيمانيّةَ الَّتي أُنزِلَت بواسِطَتِنا إلى جَمِيعِ الأَنبِياءِ وفي مُقدِّمَلَمةً مُحَمَّدٌ (ص) عَبْرَ القُرآنِ الكَرِيمِ، قد آمَنّا بِها نحنُ أَوَّلًا.. واعْلَمْ كَذلِك أنَّ جَمِيعَ الأَرواحِ الطَّيِّبةِ مِنّا والمُتَمَثِّلةِ المَرئيَّةِجَلِّينسانِ قد شَهِدَت كُلُّها بالِاتِّفاقِ وبِلا استِثناءٍ على وُجُوبِ وُجُودِ خالِقِ الكَونِ وعلى وَحْدانيَّتِه وعلى صِفاتِه القُدسِيّةِ، وأنَّ ما أَخبَرَتْ بِه مِن إِخباراتٍ كَثِيرةٍ يُواف لا تَُّ واحِدٍ مِنها الآخَرَ ويُطابِقُه مُطابَقةً تامّةً.. فتَوافُقُ هذه الإِخباراتِ غَيرِ المَحدُودةِ وتَطابُقُها دَليلٌ لك كالشَّمسِ".
فوَعَى السَّائِحُ ما يَقصِدُونَه، وتَألَّقُ نُورُ إِيمانَه وسَطَع حتَّى عَرَج صاعِدًا إلى انواعِ واتِ.
وهكَذا ذُكِرَت إِشارةٌ قَصِيرةٌ لِمَا أَخَذَه هذا السَّائِحُ مِن دَرسِ المَلائِكةِ في المَرتَبةِ الحادِيةَ عَشْرةَ مِنَ المَقامِ الأَوَّلِ:
(لا إِلٰهَ إِلاّ اللهُ الواجِبُ الوُجُودِ الَّذِي َحائفِعلى وُجُوبِ وُجُودِه في وَحْدَتِه اتِّفاقُ المَلائِكةِ المُتَمَثِّلِينَ لِأَنظارِ النَّاسِ، والمُتَكلِّمِينَ معَ خَواصِّ البَشَرِ، بِأَخبارِهِمُ المُتَطابِقةِ المُتَوافِقةِ).
— 143 —
ثُمَّ إنَّ ذلك المُسافِالمسأُتَلَهِّفَ الشَّغُوفَ، بعدَ أن تَلَقَّى الدَّرسَ مِن أَلسِنةِ طَوائِفَ مُعَيَّنةٍ ومِن أَحوالِها، في عالَمِ الشَّهادةِ والجانِبِ الجُسمانِيِّ والمادِّيِّ مِنه، تاقَت نَفسُه إلى القِيامِ بَِعلَى ٍ مِنَ السِّياحةِ والرِّحلةِ والتَّحَرِّي والبَحثِ عنِ الحَقِيقةِ، فتَقَدَّمَ إلى مُطالَعةِ ما في عالَمِ الغَيبِ وعالَمِ البَرزَخِ أَيضًا، فانفَتَح أَمامَه بابُ"العُقُولِ المُستَقِيمةِ المُنَوَّرةِ والقُلُوبِ الباسمِ مةِ النُّورانيّةِ"الَّتي لا تَخلُو مِنها طائِفةٌ مِن طَوائِفِ البَشَرِ، فالعَقلُ والقَلبُ هُما بِحُكْمِ نَواةِ الإِنسانِ ولُبِّه، وبِفَضْلِهِما استَطاعَ أن يُصبِحَ ثَمَرةَ الكَونِ، ويَملِكانِ م بالرّقُدرةِ على الِانبِساطِ والِاتِّساعِ ما يُمكِنُهُما أن يَطْوِيَا العالَمَ كُلَّه رَغمَ صِغَرِهِما.
فرَأَى السَّائِحُ أنَّ القُلُوبَ والعُقُولَ بَرازِخُ إِنسانيّةٌ بَينَ عالَمَيِ الغَيبِ والشَّهادوهِيّةلعَلاقاتُ والعَلاماتُ بينَ ذَينِكَ العالَمَينِ یی بالنِّسبةِ لِلإِنسانِ یی تَجرِي في تلك النِّقاطِ؛ لِذا خاطَبَ عَقلَه وقَلبَه مَعًا قائِلًا: "أَقبِلا، فإِنَّ أَقصَرَ الطُّرُقِ المُوصِلةِ إلى الحَقِيقةِ هي مِن بابِكُما، فهَيّا لِ الَّتِيدَ بمُطالَعَتِنا العُقُولَ والقُلُوبَ المُتَّصِفةَ بالإِيمانِ، ودِراسَتِنا كَيفِيّاتِهِما وأَلوانَهُما، فهذا دَرسٌ لا يُؤخَذُ مِنَ الأَلسِنةِ كما هي الحالُ م لا يُّرُقِ الأُخرَى".
فباشَرَ يُقلِّبُ صَفَحاتِ العُقُولِ ويَنشُرُ صَفَحاتِ القُلُوبِ، مُنعِمًا النَّظَرَ مُطِيلًا الفِكْرَ، فرَأَى أنَّ جَمِيعَ العُقُولِ المُست هي فَِ المُنَوَّرةِ تَتَّفِقُ في العَقِيدةِ الرّاسِخةِ الواضِحةِ في الإِيمانِ والتَّوحِيدِ، وتَتَطابَقُ في اليَقِينِ الجازِمِ والِاقتِناعِ المُطْمَئِِّياءَِغمَ التَّبايُنِ الواسِعِ في استِعداداتِها، والبُعدِ والمُخالَفةِ بينَ مَذاهِبِها.. ما يَعنِي أنَّها استَنَدَت وارتَبَطَت بِعَقِيدةٍ لا تَتبَدَّلُ، ودَخَلَت في حَقِيقةٍ مَتِينةٍ لا تَنفَصِمُ؛ لِذا فإِنَّ إِجماعَ هذه العُقُولِ في الإِوهم أَوالوُجُوبِ والتَّوحِيدِ إِنَّما هو سِلسِلةٌ نُورانيّةٌ لا تَنقَطِعُ، ونافِذةٌ واسِعةٌ مُشْرِقةٌ تُطِلُّ على الحَقِيقةِ.
ورَأَى كَذلِك أنَّ جَمِيعَ القُلُوبِ السَّلِءِ، كُلنُّورانيّةِ تَتَوافَقُ فيما بَينَها في كَشفِيّاتِها ومُشاهَداتِها یی الَّتي هي ذاتُ اتِّفاقٍ واطْمِئْنانٍ وانجِذابٍ یی في أَركانِ الإِيمانِ، وظهَر ببَقُ في التَّوحِيدِ، رَغمَ تَباعُدِ مَسالِكِها وتَبايُنِ مَشارِبِها؛ ما يَعنِي أنَّ كلَّ قَلبٍ مِن هذه القُلُوبِ النُّورانِيّةِ عَرشٌ صَغِيرٌ جِدًّا تَستَوِي علَيْه المَعرِفةُ الرَّبّانيّةُ، ومِرآةٌ جامِعةٌ لِأَنوارِ التَّياتَنااتِ
— 144 —
الصَّمَدانيّةِ، بِما يُقابِلُ الحَقِيقةَ ويُوصِلُ إِلَيْها ويَتَمثَّلُ بِها، فهِي إِذًا نَوافِذُ مُشرَعةٌ تُجاهَ شَمسِ الحَقِيقةِ، أي: إِنَّ هذه القُلُوبَ تُشَكِّلُ بِمَجمُوعِها مِرآةً عُظمَى واسِعةً كالبَحَ النّامَ تلك الشَّمسِ.
وفَهِمَ أنَّ اتِّفاقَ هذه القُلُوبِ والعُقُولِ وإِجماعَها في وُجُوبِ وُجُودِه سُبحانَه، وفي وَحْدانيَّتِه، لَهُو دَليلٌ أَكمَلُ ومُرشِدٌ أَكبَرُ لا يتَحَيَّر الأَسيُحَيِّرُ؛ إذ ليس هُناك إِمكانٌ قَطُّ ولا احتِمالٌ قَطعًا یی بأَيّةِ جِهةٍ كانَت یی أن يَخدَعَ وَهْمٌ لا حَقِيقةَ له وفِكرٌ لا يَمُتُّ إلى الحَقِيقةِ بِصِلةٍ وصِفةٌ لا أَصلَ لها جَمِيعَ هذهرٌ بعدُونِ البَصِيرةِ النّافِذةِ الحادّةِ لِهَذِه الكَثْرةِ الكاثِرةِ مِن ذَوِي القُلُوبِ الصّافِيةِ والعُقُولِ الرَّزِينةِ، وأَنْ يَستَمِرَّ هذا الخِداعُ عَبرَ ةِ علىٍ وبِرُسُوخٍ تامٍّ، أو أن يُوقِعَهُم جَمِيعًا في شِباكِ التَّموِيهِ والغَفْلةِ؛ فهل هُناك مَن يَجِدُ احتِمالًا كَهذا غيرُ مَن يَحمِلُ عَقلًا فاسِدًا عَفِنًا؟ بل حتَّى السُّوفْسَطائيُّونَ الحَمْقَى الَّذِينَ يُنكِرُونَ ا لِإبر يَرُدُّونَه ولا يَرضَونَ به!
هكذا فَهِمَ السَّائِحُ، فقال مُنسَجِمًا معَ عَقلِه وقَلبِه:"آمَنتُ باللهِ".
وإِشارةً إلى المَعرِفةِ الإِيمانيّةِ مِمّا استَفادَ هذا الهمُ الُ مِنَ العُقُولِ المُستَقِيمةِ والقُلُوبِ المُنَوَّرةِ، ذُكِرَ في المَرتَبةِ الثّانِيةَ عَشْرةَ والثّالِثةَ عَشْرةَ مِنَ المَقامِ الأَوَّلِ ما يَأتِي:
(لا إِلٰهَ إلّا اللهُ الواجِطَيرًاُجُودِ الَّذي دَلَّ على وُجُوبِ وُجُودِه في وَحْدَتِه إِجماعُ العُقُولِ المُستَقِيمةِ المُنَوَّرةِ، باعتِقاداتِها المُتَوافِقةِ، وبِقَناعاتِها ويقِيناتِها المُتَطابِقةِ،تَفُوقَخالُفِ الِاستِعداداتِ والمَذاهِبِ؛ وكذا دَلَّ على وُجُوبِ وُجُودِه في وَحْدَتِه اتِّفاقُ القُلُوبِ السَّلِيمةِ النُّورانيّةِ، بِكَشفِيّاتِها المُتَطابِدِّلُ،مُشاهَداتِها المُتَوافِقةِ، معَ تَبايُنِ المَسالِكِ والمَشارِبِ).
ثُمَّ إنَّ ذلك السَّائِحَ الَّذي نَظَر إلى عالَمِ الغَيبِ مِن قَرِيبٍ، وتَجَوَّل في عالَمَيِ العَقلِ والقَلبِ، أَخَذ يَطرُقُ بابَ ذلك العا تَرَىِهذا النَّمَطِ مِنَ التَّفكِيرِ: "يا تُرَى! ماذا يقُولُ عالَمُ الغَيبِ؟"، إذ ما دُمنا نَرَى في عالَمِ الشَّهادةِ الجُسمانِيِّ هذا أنَّ المُحتَجَِصابيحاءَ سِتارِ الغَيبِ سُبحانَه يُعَرِّفُ نَفسَه لنا بِهذا القَدْرِ الهائِلِ مِن مَصنُوعاتِه المُرَصَّعةِ المُتقَنةِ،
— 145 —
ويَسُوقُنا إلى مَحَبَّتِه بِهذا القَدْرِ الَّذي لا يُحصَى مِن جِعَمِه اللَّذِيذةِ الطَّيِّبةِ، ويُخبِرُنا عن كَمالاتِه الخَفِيّةِ بِهذا القَدْرِ الزّاخِرِ مِن آثارِه الخارِقةِ البَدِيعةِ.. نعم، إنَّ الَّذي يُعرِّفُ نَفسَه ويُحبِّبُها فِعلًا وبلِسانِ ادٍّ لِالَّذي هو أَبيَنُ مِنَ الكَلامِ والتَّكلُّمِ، لا بُدَّ أنَّه سيَتَكلَّمُ قَولًا وتَكَلُّمًا مِثلَما يَتكَلَّمُ فِعلًا وحالًا، مُعرِّفًا نَفسَه ومُحَبِّبًا ذاتَه.
لِذا خاطَبَ السّائِحُ نَفسَه قائِلًا: "علَيْنا أن نَعرِفَه سُبحانَه مِن ممِنها ِ أُلُوهيَّتِه ورُبُوبيَّتِه في عالَمِ الغَيبِ"، فغاصَ قَلبُه في الأَعماقِ، ورَأَى بِعَينِ عَقلِه أنَّ حَقِيقةَ"الوَحيِ الإِلٰهِيِّ"مُهَيمِنةٌ كلَّ حِينٍ على أَرجاءِ عالَمِ الغَيبِ كافّوالحادظَواهِرَ في غايةِ القُوّةِ والوُضُوحِ؛ فتَأتِي الشَّهادةُ لِوُجُودِه وتَوحِيدِه سُبحانَه مِن لَدُنْ عَلّامِ الغُيُوبِ، وهِي شَهادةُ الوَحيِ والإِلهامِ، وهِي أَقوَى بِكَثِيرٍَهَنََّهادةِ الكائِناتِ والمَخلُوقاتِ، إِذ لا يَدَعُ سُبحانَه تَعرِيفَ ذاتِه ولا دَلائِلَ وُجُودِه ووَحْدانيَّتِه مَحصُورًا في شَهادةِ مَخلُوقاتِه ولحِكمةا، بل يَتكَلَّمُ كَلامًا أَزَلِيًّا يَلِيقُ بِذاتِه، فلا حَدَّ ولا نِهايةَ لِكَلامِ مَن هو حاضِرٌ وناظِرٌ بِقُدرَتِه وعِلمِه في كلِّ مَكانٍ؛ ومِثدُ علىُعرِّفُه مَعنَى كَلامِه، فإنَّ تَكَلُّمَه أَيضًا يُعرِّفُه بصِفاتِه.
نعم، إِنَّ تَواتُرَ مِئةِ أَلفٍ مِنَ "الأَنبِياءِ عَلَيهِم السَّلَام" وات الَّتهُم في جَمِيعِ إِخباراتِهِمُ الصَّادِرةِ مِنَ الوَحيِ الإِلٰهِيِّ، ودَلائِلَ ومُعجِزاتِ الكُتُبِ المُقَدَّسةِ والصُّحُفِ السَّماوِيّةِ الَّتي هي الوَحيُ المَشهُودُ وثِمارُه، والَّتي صَدَّقَتْها الأَكثَرِيّةُ المُطلَق آثارِبَشَرِيّةِ واقْتَدَت بِها، واهْتَدَت بِهَدْيِها.. جَعَل السَّائِحَ يَفهَمُ بَداهةً أنَّ الوَحيَ حَقِيقةٌ ثابِتةٌ لا مِراءَ فيها؛ وفَهِم كَذلِك أنَّ حَقِيقةَ الوَحيِ تُفِيدُ خَمسَ حَقائِقَ قُدسِيّةٍ وتُؤَكِّدُها وَواتُرِرُها:
أُولَاها:أنَّ التَّكَلُّمَ وَفقَ مَفاهِيمِ البَشَرِ وبِمُستَوَى عَقلِيَّتِهِم هو الَّذي يُطلَقُ علَيْه:"التَّنزُّلاتُ الإِلٰهِيّةُ إلى عُقُولِ البَشَرِ"..نعم، إنَّ الَّذي أَنطَقَ جَمِيعَ ذَوِي الأَرواحِ مِن مَخلُوقاتِ إنّلَمُ ما يتَكَلَّمُونَه، تَقتَضِي رُبُوبِيَّتُه أن يَصُبَّ مَعانِيَ كَلامِه الأَزَليِّ في كَلِماتٍ يَتيَسَّرُ لِلبَشَرِ تِلاوَتُها بينَِك فقدِهِم.
ثانيتُها:أنَّ الَّذي بَرَأ الوُجُودَ مُعجِزةً، ومَلَأَه بِمُعجِزاتِه الباهِرةِ لِتُفصِحَ عنه، وجَعَلَها أَلسِنةً ناطِقةً بكَمالاتِه، لا بُدَّ أنَّه سيُعَرِّفُ ذاتَه أَيضًا بكَلامِه هو.
— 146 —
ثالثتُها:أنَّ الَّذي يَستَموالعَدعلًا لِمُناجاةِ النّاسِ الحَقِيقِيِّينَ وشُكرِهِم، وهُم خُلاصةُ المَوجُوداتِ وزُبدَتُها وأَكثَرُهُم حاجةً وأَشَدُّهُم شَوقًا وأَرَقُّهُم لُطفًا، فإِنَّ مُقابَلةَ تلك المُناجاةِ والشُّكرًِّا لِامِه سُبحانَه هي مِن شَأْنِ الخَلّاقيّةِ.
رابِعتُها:أنَّ صِفةَ المُكالَمةِ الَّتي هي ضَرُورِيّةٌ لازِمةٌ وظاهِرةٌ مُضِيئةٌ لِصَفَتَيِ "العِلمِ" و"الحَياةِ"، لا بُدَّ أن تُوجَدَ بصُورةٍ مُحِيطةٍ وبِسَرمَدِيّةٍ الأَعظٍ لَدَى مَن له عِلمٌ مُحِيطٌ وحَياةٌ سَرمَدِيّةٌ.
خامِستُها:أَنَّ الَّذي فَطَر مَخلُوقاتِه على العَجزِ والشَّوقِ، والفَقرِ والحاجةِ، والقَلَقِ مِنَ العاقِبةِ، ومَنَحَهُمُ المَحَبّةَ والعُبُودِيّةَ حتَّى أَصبَحُوا يُحِسُّوثالثُهًّا شَدِيدًا وشَوقًا غامِرًا نَحوَ مَعرِفةِ مَولاهُمُ الحَقِّ ومالِكِ أَمرِهِم، ويَشعُرُونَ بحاجَتِهِمُ الماسّةِ إلى قُوّةٍ يَستَنِدُونَ إِلَيْها ويَأوُونَ إلى كَنَفِها، وهُم يتَقَلَّبُونَ في فَقرٍِ رُوحٍ وتَوَجُّسٍ مِنَ العُقْبَى، فمِن مُقتَضَى أُلُوهِيَّتِه أن يُشعِرَهُم بِوُجودِه مِن خِلالِ تَكَلُّمِه سُبحانَه.
وهكَذا فَهِمَ السّائِحَوالِم الدَّلائِلَ الَّتي تَدُلُّ بالإِجماعِ على وُجُودِ واجِبِ الوُجُودِ، ووَحْدانيَّتِه سُبحانَه في عُمُومِ مَنازِلِ الوَحيِ السَّماوِيِّ المُتَضمِّنِ دُّ شَئِقِ"التَّنزُّلاتِ الإِلٰهِيّةِ" و"التَّعرُّفِ الرَّبّانيِّ" و"المُقابَلةِ الرَّحمانيّةِ" و"المُكالَمةِ السُّبحانيّةِ" و"الإِشعارِ الصَّمَدانيِّ"هي حُجّةٌ كُبرَى، بل هي أَا واضِِن شَهادةِ الشَّمسِ على نَفسِها في رابِعةِ النَّهارِ.
ثمَّ نَظَر إلى جِهةِ"الإِلهاماتِ"،فرَأَى أنَّ الإِلهاماتِ الصّادِقةَ معَ أنَّها تَتَشابَهُ یی ِ مِنَهةٍ یی معَ الوَحيِ، مِن حَيثُ إِنَّها نَوعٌ مِنَ المُكالَمةِ الرَّبانيّةِ، إِلّا أنَّ هُنالِك فَرقَينِ:
أوَّلُهُما:أنَّ مُعظَمَالوَحيِالَّذي هو أَسمَنِ الآلَى مِنَ الإِلهامِ بِكَثيرٍ، إِنَّما يَتِمُّ بِواسِطةِ المَلائِكةِ، بَينَما أَغلَبُالإِلهامِيَتِمُّ دُونَ واسِطةٍ؛ ولِإِيضاحِ ذلك نُورِدُ المِثالَ الآتيَ:
مِنَ المَعلُومِ أنَّ هُنالِك شَكلَينِ مِن صُذه السلتَّخاطُبِ وإِصدارِ الأَوامِرِ لِلسُّلطانِ:
الأوَّلُ: بِاسمِ الدَّولةِ وعَظَمَتِهاوحاكِمِيَّتِها وسِيادَتِها على الجَمِيعِ، فيُرسِلُ أَحَدَ
— 147 —
مَبعُوثِيه إلى أَحَدِ وُلاتِه، ويَجتَمِعُ یی أَحيانًا یی معَه، ومِن ثَمَّ يُبلِّغُجُودِ رَ، وذلك إِظهارًا لِعَظَمةِ تلك الحاكِمِيّةِ وأَهَمِّيّةِ ذلك الأَمرِ.
الثّاني: بِاسمِه الشَّخصِيِّ،وليس باسمِ السَّلطَنةِ ولا بِعُنوانِ السُّلطانِ، فتكُونُ مُكاا المُخُصُوصِيّةً، بِهاتِفِه الخاصِّ، في أَمرٍ خاصٍّ، وفي مُعامَلةٍ جُزئيّةٍ، معَ خادِمِه الخاصِّ، أو معَ واحِدٍ مِن عامَّةِ رَعِيَّتِه.
وكَذلِك كَلامُ سُلطانِ الأَزَلِ سُبحانَ أَلفٍالَى: فلَه كَلامٌ بالوَحيِ والإِلهامِ الشَّامِلِ یی الَّذي يقُومُ بِوَظائِفِ الوَحيِ یی يتَكَلَّمُ بِاسمِ رَبِّ العالَمِينَ، وبِعُنوانِ خالِقِ الكَونِ؛ وله أَيضًا طِرازٌ آخَرُ مِنَ الكَلامِ، وبِشَكلٍ النُّج ومِن وَراءِ حُجُبٍ وأَستارٍ، معَ كلِّ فَردٍ، ومعَ كلِّ ذِي حَياةٍ، حَسَبَ قابِلِيّاتِهِم، وذلك لِكَونِه رَبَّهُم وخالِقَهُم.
الفَرقُ الثّاني:أنَّالوَحيَصافٍ، ودُونَ ظِلٍّ، خلبُذُوِلخَواصِّ؛ أمّاالإِلهامُففيه ظِلٌّ واختِلاطُ أَلوانٍ، وهُو عامٌّ وله أَشكالٌ مُتَنوِّعةٌ ومُتَفاوِتةٌ جِدًّا، كإِلهاماتِ المَلائِكةِ وإِلهاماتِ اِسِ النِ وإِلهاماتِ الحَيَواناتِ؛ وهِي بِأَنواعِها المُختَلِفةِ وأَشكالِها المُتَبايِنةِ جِدًّا تُبيِّنُ مَدَى سَعَةِ وكَثرةِ الكَلِماتِ الرَّبّانيّةِ الَّتي تَزِيدُ على عَدَدِ قَطَراتمَسُّ حارِ.. ففَهِمَ السّائِحُ مِن هذا وَجْهًا مِن وُجُوهِ تَفسِيرِ الآيةِ الكَرِيمةِ:
قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ إِثبادَ كَلِمَاتُ رَبِّي
ثُمَّ نَظَر إلىماهِيّةِ الإِلهامِيَستَبطِنُ سِرَّه ويتَعَرَّفُ حِكمَتَه وشَهادَتَه، فرَأَى أنَّ ماهِيَّتَه وحِكمَتَه ونَتِيجَتَه تَتَركَّبُ مِن أَربَعةِ أَنوارٍ:
مِنَ ُورُ الأوَّلُ:ما يُعرَفُبی"التَّودُّدِ الإِلٰهِيِّ"،فمِثلَما يتَوَدَّدُ اللهُ سُبحانَه إلى مَخلُوقاتِه عن طَرِيقِ أَفعالِه، فإِنَّ مِن مُقتَضَياتِ الوَدُودِيّةِ والرَّحمانيّةِ أن يتَحَبَّبَ إلَيْهِم ويتَوَدَّدَ قَولًا وحُطلَقُا وصُحْبةً أَيضًا.
النُّورُ الثّاني:أنَّه مِثلَما يُجِيبُ سُبحانَه دُعاءَ عِبادِه بأَفعالِه، فإِنَّ مِن شَأنِ الرَّحِيمِيّةِ إِجابَتَه لَهُم قَولًا أَيضًا مِن وَراءِ الحُجُبِ.
— 148 —
النُّورُ الثّ الِانأنَّه كما يُلَبِّي سُبحانَه بِالأَفعالِ استِمدادَ مَخلُوقاتِه المُصابِينَ بِالبَلايا العَسِيرةِ والنَّوائِبِ الشَّدِيدةِ واستِغاثَتَهُم وتَضَرُّعَهُم،قائِقَِ مِن لازِمِ الرُّبُوبِيّةِ أن يُؤنِسَهُم ويُبَدِّدَ وَحْشَتَهُم، فيُمِدَّهُم بِأَقوالٍ إِلهامِيّةٍ هي بِمَثابةِ نَوعِ مُكالَمةٍ.
النُّورُ اشُوبِ ُ:أنَّه مِثلَما يُشعِرُ سُبحانَه فِعلًا بِوُجُودِه وحُضُورِه وحِمايتِه لِأَربابِ الشُّعُورِ مِن خَلقِه یی الَّذِينَ هُم في عَجزٍ وضَعفٍ شَدِيدَينِ، وفي فَقرٍ واضطِرارٍ كَبِيرَينِ، وفي أَشَدِّ الحاجةِ والشَّوقِ لِمَعرِفةِ مالِكِهِم وحلآيةَ م ومُدَبِّرِهِم وحَفِيظِهِم یی فإِنَّه مِن مُقتَضَى رَأفةِ الأُلُوهِيّةِ ورَحمةِ الرَّبّانيّةِ، وضَرُورةٌ لازِمةٌ لَهُما، أن يُشعِرَ كَذلِك بِحُضُورِه ومَعِيَّتِه ووُجُودِه، بَعضًا مُعَيَّنًا مِن خَلْقِه على وَجهِ اَعُ نِصِ، حَسَبَ قابِليَّتِه، بواسِطةِ قِسمٍ مِنَ الإِلهاماتِ الصّادِقةِ، قَولًا إلى هاتِفِ قَلبِه، مِمّا يُعَدُّ في حُكمِ نَوعٍ مِنَ المُكالَمةِ الرَّبّانيّةِ.
ثُمَّ نَظَر إلىشَهادةِ الإِلهامِ،فرَأَى أنَّه لو كانَت لِلشَّمسِ حَياةٌ لن يَورٌ یی فَرْضًا یی وكانَتِ الأَلوانُ السَّبعةُ الَّتي في ضِيائِها یی فَرْضًا یی سَبعَ صِفاتٍ لها، لَكانَ لَها إِذًا نَمَطٌ مِنَ المُكالَحالِ، أَشِعَّتِها وتَجَلِّياتِها الَّتي في ضِيائِها؛ ففِي هذه الحالةِ: فإِنَّ وُجُودَ صُورَتِها وانعِكاسَها في الأَشياءِ الشَّفّافةِ، بِمَعنَى تَكَلُّمِها معَ كلِّ مِرآةٍ عاكِسةٍ، ومعَ كلِّ شَيءٍ لَمّاع، ومعَ قِطَعِ الزُّجاجِ وحَدَمَ البَحرِ وقَطَراتِه، حتَّى معَ الذَّرّاتِ الشَّفافةِ حَسَبَ قابِليّةِ كلٍّ مِنها.. واستِجابَتِها لِحاجاتِ كلٍّ مِنها.. كلُّ ذلك سيَكُونُ شاهِدَ صِدقٍ على وَُّلْ فالشَّمسِ، وعلى عَدَمِ مُمانَعةِ فِعلٍ عن فِعلٍ، ولا مُزاحَمةِ كَلامٍ مِن كَلامِها لِآخَرَ..
فمِثلَما يُشاهَدُ هذا بِوُضُوحٍ، كَذلِك الأَمرُ في مُكالَمةِ سُلطانِ الأَزَلقد جَهَبدِ ذِي الجَلالِ، وخالِقِ جَمِيعِ المَوجُوداتِ ذِي الجَمالِ، النُّورِ الأَزَليِّ، هي مُكالَمةٌ كُلِّيّةٌ ومُحِيطةٌ، كعِلمِه سُبحانَه وقُدرَتِه؛لحَكِييُدرَكُ بَداهةً تَجَلِّيها الواسِعُ حَسَبَ قابِليّةِ كُلِّ شَيءٍ، مِن دُونِ أن يُزاحِمَ سُؤالٌ سُؤالًا، ولا يَمنَعَ فِعلٌ فِعلًا، ولا يَختَلِطَ خِطابٌ بِخِطابٍ.
فعَلِمَ السّائِحُ بعِلمٍ يَقِينيٍّ أَقرَبَ ما يكُونُ إلى عَينِ ايةَ وانِ أنَّ جَمِيعَ تلك التَّجَلِّياتِ والمُكالَماتِ والإِلهاماتِ كلٌّ مِنها وبِمَجمُوعِها تَدُلُّ وتَشهَدُ بالِاتِّفاقِ على وُجُوبِ ذلك المُنَوِّرِ الأَزَليِّ سُبحانَه، وعلى حُضُورالآخِرحانَه، وعلى وَحْدَتِه وعلى أَحَدِيَّتِه.
— 149 —
وهكَذا ذُكِرَت إِشارةٌ مُختَصَرةٌ إلى ما تَلقّاه هذا السّائِحُ المُتَلهِّفُ مِن دَرسِ المَعرِفةِ مِن عالَمِ الغَيبِ في المَرتَبةِ الرَّابِعةَ عَشْرةَ وال جَهْلَ عَشْرةَ مِنَ المَقامِ الأوَّلِ:
(لا إِلٰهَ إلّا اللهُ الواجِبُ الوُجُودِ الواحِدُ الأَحَدُ، الَّذي دَلَّ على وُجُوبِ وُجُودِه في وَحْدَتِه إِجماعُ جَمِيعِ الوَحْياتِ الحَقَّةِ المُتَضَمِّنةِ لِلتَّنزُّلاتِ اطٍ، يُِيَّةِ ولِلمُكالَماتِ السُّبحانيّةِ ولِلتَّعرُّفاتِ الرَّبَّانيَّةِ ولِلمُقابَلاتِ الرَّحمانيّةِ عندَ مُناجاةِ عِبادِه، ولِلإِشعاراتِ الصَّماضِي َّة لِوُجُودِه لِمَخلُوقاتِه؛ وكذا دَلَّ على وُجُوبِ وُجُودِه في وَحْدَتِه اتِّفاقُ الإِلهاماتِ الصّادِقةِ المُتَضَمِّنةِ لِلتَّودُّداتِ الإِلٰهِيّةِ ولِلإِجاباتِ الرَّحمانيّةِ لِدَعَواتِ مَإِلّا تِه، ولِلإِمداداتِ الرَّبَّانيَّةِ لِاستِغاثاتِ عِبادِه، ولِلإِحساساتِ السُّبحانيَّةِ لِوُجُودِه لِمَصنُوعاتِه).
ثُمَّ خاطَبَ ذلك السّائِحُ في الدُّنيا عَقلَه قائِلًا: ما دُمتُ أَبحَثُ عن مالِكِي وخالِقِي بِاستِنطاقِ مَوجُوددِ والا الكَونِ، فمِنَ الأَولَى لي أن أَزُورَ مَن هو أَكمَلُ إِنسانٍ في الوُجُودِ، وأَعظَمُ مَن يقُودُ إلى الخَيرِ یی حتَّى بِتَصدِيقِ أَعدائِه یی وأَعلاهُم صِيتًا وأَصدَقةِ والَدِيثًا وأَسماهُم مَنزِلةً وأَنوَرُهُم عَقلًا، ألا وهُو مُحمَّدٌ (ص) الَّذي أَضاءَ بِفَضائِلِه وبِقُرآنِه أَربَعةَ عَشَرَ قَرنًا مِنَ الزَّّهُ ب. ولِأَجلِ أن أَحظَى بزِيارَتِه الكَرِيمةِ وأَستَفسِرَ مِنه عَمّا أَبحَثُ عنه، يَنبَغِي أن نَذهَبَ معًا إلى خَيرِ القُرُونِ، إلى عَصرِ السَّعادةِ.. عَصرِ النُّبوّةِ..
ا ورُخل بِعَقلِه إلى ذلك العَصرِ، فرَأَى أنَّ ذلك العَصرَ قد صارَ به (ص) عَصرَ سَعادةٍ لِلبَشَرِيّةِ حَقًّا، لِأنَّه (ص) قد حَوَّل في زَمَنٍ يَسِيرٍ بالنُّورِ الَّذي أَتَى به قَومًا غارِقِينَ في أَشَدِّ أُمِّيّةٍ وأَعرَقِ بَداوةٍ، حَوَّلَهُم ولِإَِساتِذةِ العالَمِ وسادَتِه.
وكذا خاطَبَ عَقلَه قائِلًا: "علَيْنا قَبلَ كلِّ شَيءٍ أن نَعرِفَ شَيئًا عن عَظَمةِ هذه الذّاتِ المُعجِزةِ، وعن أَحَقِّيّةِ أَا إلَيِه، وصِدقِ أَخبارِه؛ ثُمَّ نَستَفسِرَ مِنه عن خالِقِنا سُبحانَه".. فباشَر بالبَحثِ، فوَجَد على صِدقِ نُبوَّتِه مِنَ الأَدِلّةِ القاطِعةِ الثّابِتةِ ما لا يُعَدُّ ولا يُحصَى، ولكِنَّه خَلُصَ إلى تِسعةٍ كُلِّيَّةٍ مِنها:
أوَّحِيطُ اتِّصافُه (ص) بِجَمِيعِ السَّجايا الفاضِلةِ والخِصالِ الحَمِيدةِ، حتَّى شَهِد بذلك غُرَماؤُه، وظُهُورُ مِئاتِ المُعجِزاتِ مِنه، كانشِقاقِ ال. فافْ الَّذي انشَقَّ إلى نِصفَينِ
— 150 —
بإِشارةٍ مِن إِصبِعِه كما نَصَّ علَيْه القُرآنُ: وَانْشَقَّ الْقَمَرُ، وانْهِزامُ جَيشِ عَدُوِّه بِحَفنةِ تُرابٍ رَماهاِي قد جُوهِهِم فدَخَلَتْ أَعيُنَهُم، كما نَصَّت علَيْه الآيةُ الكَرِيمةُ: وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى، وارتِواءُ أَصحابِه مِنَ الماءِ النَّابِعِ كالكَوثَرِ مِن بينِ أَصابِعِه الخَمسةِ المُبارَكةِ عِندَما اشتَدَّ بِهِمُ العِ تلك . وغَيرُها مِن مِئاتِ المُعجِزاتِ الَّتي ظَهَرَت بينَ يَدَيه، والمَنقُولةِ إِلَيْنا نَقلًا صَحِيحًا قاطِعًا أو مُتَواتِرًا.
فاستَطْلَعَها السّائِحُ إلى "المَكتُوبِ التّاسِعَ عَشَرَ" االتَّقَّى: "رِسالةَ المُعجِزاتِ الأَحمَدِيّةِ" تلك الرِّسالةِ الخارِقةِ ذاتِ الكَرامةِ المُتَضمِّنةِ لِأَكثَرَ مِن ثَلاثِ مِئةِ مُعجِزةٍ مِن مُعجِزاتِه (ص) بِدَلائِلِها القاطِعةِ وأَسانيدِها المَوثُوقةِ.
ثُمَّ حَفضَلَنَفسَه قائِلًا: "إِنَّ مَن كانَ ذا "أَخلاقٍ حَسَنةٍ" بِهذا القَدرِ و"فَضائِلَ" إلى هذا الحَدِّ، و"مُعجِزاتٍ" باهِرةٍ بِهَذِه الكَثرةِ، فلا جَرَمَ أنَّه صاحِبُ أَصدَقِ حَدِيثٍ، ومَن ثَمَّ لا يُمكِنُ أَبدًا یی وحاشاه یی أن يتَنازَلَ إلى الحِيلةقوَى مَذِبِ والتَّموِيهِ الَّتي هي دَأْبُ الفاسِدِينَ".
ثانيها:كَونُ القُرآنِ الَّذي بِيَدِه (ص) مُعجِزًا مِن سَبعةِ أَوجُهٍ، ذلك الأَمرِ الصّادِرِ مِن مالِكِ الكَونِ الَّذي يمةِ اِمُ به ويُصَدِّقُه أَكثَرُ مِن ثَلاثِ مِئةِ مِليُونٍ مِنَ البَشَرِ في كلِّ عَصرٍ.
ولَمّا كانَتِ "الكَلِمةُ الخامِسةُ والعِشرُونَ" المُسَمّاةُ "رِسالةَ المُعجِزاتِ القُرآنيّةِ" ْمَتِكي شَمسُ "رَسائِلِ النُّورِ" یی قد أَثبتَت بِدَلائِلَ قَوِيّةٍ أنَّ هذا القُرآنَ الكَرِيمَ مُعجِزٌ مِن أَربَعِينَ وَجهًا، وأنَّه كَلامُ رَبِّ العالَمِينَ، لِذا أَحالَ السَّائِحو مِن إلى تلك الرِّسالةِ المَشهُورةِ لِبَيانِها المُفَصَّلِ لِلإِعجازِ.
ثمَّ قالَ: إِنَّ الأَمِينَ على كَلامِ اللهِ، والمُتَرجِمَ الفِعليَّ له، والمُبَلِّغَ لا عِب النَّبأِ العَظِيمِ إلى النّاسِ كافّةً، وهُو الحَقُّ بِعَينِه والحَقِيقةُ بِذاتِها، لا يُمكِنُ أنْ يَصدُرَ مِنه كَذِبٌ قَطُّ، ولن يكُونَ مَوضِعَ شُبهةٍ أَبدًا.
ِ المَا:إنَّه (ص) قد بُعِثَ بِشَرِيعةٍ مُطَهَّرةٍ، وبدِينٍ فِطْرِيٍّ، وبِعُبُودِيّةٍ خالِصةٍ، وبِدُعاءٍ خاشِعٍ، وبِدَعوةٍ شامِلةٍ، وبإِيمانٍ راسِخٍ، ما وُجِد مِثلُها ولا عُرِِ البِمَلُ مِنها مِن قَبْلُ ولا مِن بَعْدُ.
— 151 —
لِأَنَّ "الشَّرِيعةَ" الَّتي تَجَلَّت مِن أُمِّيٍّ (ص) وأَدارَت خُمُسَ البَشَرِيّةِ على اختِلافِها مُنذُ أَربَعةَ عَشَرَ قَرنًا، إِدارةً قائِمةً على الحَقِّ ِيّةً لِ بِقَوانينِها الدَّقِيقةِ الغَزِيرةِ، لا تَقبَلُ مَثِيلًا أَبدًا.
وكذا "الإِسلامُ" الَّذي صَدَر مِن أَفعالِ مَن هو أُمِّيٌّ (ص) ومِن أَقوالِه ومِن أَحوالِه، هو رائِدُ ومَصدَرُ ثَلاثِ مِئةِ مِليُونٍ مِنَ البَشَرِ ومَرجِعُهُم في كلّلعِزّةٍ، ومُعَلِّمٌ لِعُقُولِهِم ومُرشِدٌ لها، ومُنَوِّرٌ لِقُلُوبِهِم ومُهَذِّبٌ لها، ومُرَبٍّ لِنُفُوسِهِم ومُزَكٍّ لها، ومَدارٌ لِانكِشافِ أَرواحِهِم ومَعدِنٌ لِسُمُوِّها، لم يَأْتِ ولن يَأتِيَ له مَثِيلٌ.
وكَذا تَفَوُّقُه (ص)في الصمِيعِ أَنواعِ "العِباداتِ" الَّتي يَنطَوِي علَيْها دِينُه، وكَونُه أَتقَى النّاسِ وأَخشاهُم للهِ، وخَشيَتُه الشَّدِيدةُ مِنَ اللهِ، ومُجاهَدَتُه المُتََنوِّعُ، ورِعايَتُه الفائِقةُ لِأَدَقِّ أَسرارِ العُبُودِيّةِ حتَّى في أَشَدِّ الأَحوالِ والظُّرُوفِ، وقِيامُه (ص) بتِلك العُبُودِيّةِ الخالِصةِ مُبتَدِذا أَنونَ أن يُقلِّدَ أَحَدًا، وأَداؤُه لها بِتَمامِ مَعانِيها، جامِعًا بينَ مَبدَئِها ومُنتَهاها على الوَجهِ الأَكمَلِ، لا شَكَّ لم يُرَ ولن يُرَى له مَثِيلٌ.
وكذا فإِنَّه يَصِفُ "بالجَوشَنِ الكَبنٍ حَيیی الَّذي هو واحِدٌ مِن آلافِ أَدعِيَتِه ومُناجاتِه یی يَصِفُ رَبَّه بِمَعرِفةٍ رَبّانيّةٍ سامِيةٍ لم يَبلُغِ العارِفُونَ والأَولياءُ جَمِيعًا تلك المَرتَبةَ مِنَ المَعرِفةِ، ولا دَرَجةَ ذلك الوَصفِ مُنذُ القِدَمِ، رَغمَ تَلاحُقِ الأَفكارِ..لى ما يُظهِرُ أنَّه لا مَثِيلَ له في "الدُّعاءِ"؛ ومَن يَنظُرُ إلى الإِيضاحِ المُختَصَرِ لِفِقْرةٍ واحِدةٍ مِن بينِ تِسعٍ وتِسعِينَ مِن فِقْراتِ الجَوشَنِ الكَبِيرِ یی وذلك في مُستَهَلِّ رِسالةِ "المُناجاةِ" یی لا يَسَعُه إلّا القَوضمِّنُنَّه لا مَثِيلَ لِهَذا الدُّعاءِ الرّائِعِ "الجَوشَنِ" الَّذي يُمَثِّلُ قِمّةَ المَعرِفةِ الرَّبّانيّةِ.
وكذا فإِنَّ إِظهارَه في "تَبلِيغِ الرِّسالةِ" وفي دَعوَتِه النّاسَ إلى الحَقِّ مِنَ الاللهَ ةِ والثَّباتِ والشَّجاعةِ ما لا يُقارِبُه أَحَدٌ، فلم يُداخِله یی ولو بمِقدارِ ذَرّةٍ یی أَيُّ أَثَرٍ لِلتَّردُّدِ ولا ساوَرَه القَلَقُ قتَجَبَولم يَنَلِ الخَوفُ مِنه رَغمَ مُعاداةِ الدُّولِ الكُبْرَى والأَديانِ العُظمَى له، وحتَّى قَومُه وقَبِيلَتُه وعَمُّه ناصَبُوه العَداءَ الشَّدِيدَ، فتَحَدَّى وَحْدَه العالَمَ بأَسرِه، ونَصَرَه اللهُ وأَعَزَّه، فكَلَّل هامةَ الدُّنيا لظَّال الإِسلامِ، فمَن مِثلُ مُحمَّدٍ (ص) في تَبلِيغِ رِسالاتِ اللهِ؟..
— 152 —
وكذا حَمْلُه "إِيمانًا قَوِيًّا راسِخًا، ويَقِينًا جازِمًا خارِقًا، وانكِشافًا لِلفِطْرةِ مُعجِزًا، واعتِقادًا سامِيًا مَلَأ العالَمَ نُورًا المُخ تتَمَكَّن أن تُؤثِّرَ فيه جَمِيعُ الأَفكارِ والعَقائِدِ وحِكمةُ الحُكَماءِ وعُلُومُ الزُّعَماءِ الرُّوحانيِّينَ المُهَيمِنةُ في ذلك العَصرِ، ولو بِشُبهةٍ، أو بِتَردُّدٍ، أو بِضَعفٍ، أو بِوَسوَسةٍ.. نعم، لم تتَمَكَّن أن تُؤثِّرَ لامةَ القِينِه، ولا في اعتِقادِه ولا في اعتِمادِه على اللهِ، ولا في اطمِئْنانِه إلَيْه، معَ مُعارَضَتِها له ومُخالَفَتِها إِيّاه، وإِنكارِها علَيْه.
زِدْ على هذا استِلهامَ جَمِيعِ، اللهِينَ تَرَقَّوا في المَعنَوِيّاتِ والمَراتِبِ الإِيمانيّةِ مِن أَهلِ الوِلايةِ والصَّلاحِ، وفي مُقدِّمَتِهِمُ الصَّحابةُ الكِرامُ، واستِفاضَتَهُم دَومًا مِن مَرتَبتِه الإِيمانيّةِ، ورُؤيَتَهُم له في أَقةِ اللدَّرَجاتِ والمَراتِبِ.. كلُّ ذلك يُظهِرُ یی بَداهةً یی أنَّه لا نَظِيرَ له (ص) حتَّى في إِيمانِه.
فأَدرَك السَّيّاحُ وصَدَّق عَقلُه أنَّ مَن كانَ صاحِبَ هذه الشَّرِيعةِ السَّمحاءِ الَّتي لاقيقةِ لَ لها، والإِسلامِ الحَنِيفِ الَّذي لا شَبِيهَ له، والعُبُودِيّةِ الخالِصةِ الَّتي لا نَظِيرَ لها، والدُّعاءِ البَدِيعِ الرّائِعِ، والد وتَبا الكَونيّةِ الشّامِلةِ، والإِيمانِ المُعجِزِ، لم يَكُن لِيَكذِبَ قطُّ، ولن يكُونَ خادِعًا أَبدًا.
الدَّليلُ الرّابعُ:إِجماعُ الأَنبِياءِ عَلَيهِم السَّلَام واتِّفاقُهُم على الحَقائِ إلى مِيمانيّةِ نَفسِها هو دَليلٌ قاطِعٌ على وُجُودِ اللهِ سُبحانَه ووَحْدانيَّتِه، وهو شَهادةٌ صادِقةٌ أَيضًا على صِدقِ هذا النَّبيِّ (ص) وعلى رِسالَتِه، ذلك لِأنَّ كلَّ ما يَدُلُّ على صِدقِ نُُّقطة أُولَئِك الأَنبِياءِ عَلَيهِم السَّلَام، وكلَّ ما هو مَدارٌ لِنُبوَّتِهِم مِنَ الصِّفاتِ القُدسِيّةِ، والمُعجِزاتِ، والمَهامِّ الَّتي اضطَلَعُوا بها، مَوجُودٌ بأَعلَى رُتبةٍ وأَكمَلِها فيه (ص)، كما هو مُصَدَّقٌٰهيّةٍخِيًّا.
فأُولَئِك الأَنبِياءُ عَلَيهِم السَّلَام قد أَخبَرُوا بِلِسانِ المَقالِ في التَّوراةِ والإِنجِيلِ والزَّبُورِ والصُّحُفِ الَّتي بينَ أَيدِيهِم بِمَجِيءِ هذه الذّاتِ المُبارَكةِ، وبَشَّرُوا النّاسَ بِقُدُومِه (ص) (حتَّى إنَّ أَكتَلقِيِن عِشرِينَ إِشارةً واضِحةً ظاهِرةً مِنَ الإِشاراتِ المُبشِّرةِ لِتِلك الكُتُبِ المُقَدَّسةِ قد بُيِّنَت بَيانًا جَلِيًّا وأُثبِتَت في "رِسالةِ المُعجِزاتِ الأَحمُهِمّةِ")؛ فكَما أنَّهُم قد بَشَّرُوا بِمَجِيئِه (ص)، فإِنَّهُم يُصَدِّقُونَه (ص) بلِسانِ حالِهِم یی أي: بنُبوَّتِهِم وبِمُعجِزاتِهِم یی
— 153 —
ويَختِمُونَ بالتَّأيِيدِ على صِدقِ دَعوَتِه، إذ هو السّابقُ الأَكمَلُ في مُهِمّةِ النُّبوّةما هي َّعوةِ إلى اللهِ.
فأَدرَك السّائِحُ أنَّ أُولَئِك الأَنبِياءَ مِثلَما يَدُلُّونَ بلِسانِ المَقالِ والإِجماعِ على الوَحْدانيّةِ، فإِنَّهُم يَشهَدُونَ بلِسانِ الحالِ وبالِاتِّفاقِ كَذلِك على صيمانِ ذا النَّبيِّ الكَرِيمِ (ص).
الدَّليلُ الخامِسُ:إِنَّ وُصُولَ آلافِ الأَولياءِ إلى الحَقِّ والحَقِيقةِ، وما نالُوه مِنَ الكَمالاتِ والكَراماتِ، وما فازُوا به مِنَ الكَشفِيّاتِ والمُشاهَداتِ، ليس إِلّا بالِاقتِداء بِهَدْيِ دَساتيلَّهِ النَّبِيِّ (ص)، وبِتَربِيَتِه، وبِاتِّباعِه، واقتِفاءِ أَثَرِه؛ فمِثلَما أنَّهُم يَدُلُّونَ جَمِيعًا على الوَحْدانيّةِ، فهُم يَشهَدُونَ بالإِجماعِ والِاتِّفاقِ على صِدقِ هذا النَّبيِّ الكَرِيرِ كال یی أُستاذِهِم وإِمامِهِم یی وعلى أَحَقِّيّةِ رِسالَتِه.
فرَأَى السَّائِحُ أنَّ مُشاهَدةَ هَؤُلاءِ الأَولياءِ بَعضًا مِن إِخباراتِه (ص) عن عالَمكُرةَ يبِ بِنُورِ الوِلايةِ، واعتِقادَهُم به وتَصدِيقَهُم لِجَمِيعِ ما أَخبَر به بِنُورِ الإِيمانِ له یی إِمّا بعِلمِ اليَقِينِ أو بِعَينِ اليَقِينِ أو بِحَقِّ اليانكِشا یی إِنَّما يُجَلِّي كالشَّمسِ: ما أَصدَقَ مُرشِدَهُمُ الأَعظَمَ! وما أَحَقَّ رائِدَهُمُ الأَكبَرَ (ص)!
الدَّليلُ السَّادِسُ:إِنَّ مَلايِينَ العُلَماءِ الأَصفِياءِ المُدقِّقِينَ، والمُحَقِّقِينَ الصِّدِّيقِينَ، وعَباقِرةَ الحُكَماءِ المُؤمولا يُ، مِمَّن بَلَغُوا أَعلَى المَراتِبِ بِفَضلِ ما تَلَقَّوا وتَتَلمَذُوا على ما جاءَ به هذا النَّبِيُّ الكَرِيمُ (ص) یی معَ كَونِه أُمِّيًّا یی مِنَ الحَقائِقِ القُدسِيّةِ، وما أَوجَدَه مِنَ العُلُومِ العالِيةِ،ًا كَثَشَفَه مِنَ المَعرِفةِ الإِلٰهِيّةِ.. إِنَّ هَؤُلاءِ جَمِيعًا مِثلَما يُثبِتُونَ الوَحْدانيّةَ الَّتي هي الأَساسُ لِدَعوَتِه (ص) ويُصَدِّقُونَها مُتَّفِقِينَ بِبَراهِينِهِمُ القاطِعةِ، فإبابُ وم يتَّفِقُونَ كَذلِك ويَشهَدُونَ على صِدقِ هذا المُعَلِّمِ الأَكبَرِ وصَوابِ هذا الأُستاذِ الأَعظَمِ وعلى أَحَقِّيّةِ كَلامِه (ص).. فشَهادَتُهم هذه حُجّةٌ واثلِه وكالنَّهارِ على صِدقِه وصَوابِ رِسالَتِه، وما "رَسائِلُ النُّورِ" بِأَجزائِها الَّتي تَزِيدُ على المِئةِ یی مَثلًا یی إِلّا بُرهانٌ واحِدٌ فقط على صِدقِ هذا النَّبِيِّ الحَبعِلمٌ ص).
— 154 —
الدَّليلُ السَّابعُ:الطّائِفةُ العَظِيمةُ الَّتي يُطلَقُ علَيْها: "الآلُ والأَصحابُ" والَّذِينَ هم أَشهَرُ بَني البَشَرِ بعدَ الأَنبِياءِ فِراسةً وأَكثَرُهُم دِراية#58
السماهُم كَمالاتٍ وأَفضَلُهُم مَنزِلةً، وأَعلاهُم صِيتًا، وأَشَدُّهُمُ اعتِصامًا بالدِّينِ، وأَبعَدُهُم نَظَرًا... إِنَّ تَحَرِّيَ هَؤُلاءِ وتَفتِيشَهُم وتَدقِيقَهُم لِجَمِيعِ ما خَف نَفْيا ظَهَرَ مِن أَحوالِ هذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ (ص) وأَفكارِه وتَصَرُّفاتِه بَحثًا بِكَمالِ اللَّهفةِ والشَّوقِ، وبغايةِ الدِّقّةِ، وبِمُنتَهَى الجِدِّيّةِ، ثمَّ تَصدِيقَهُم بالِاتِّفاقِ والإِجماعِ أنّبِيُّ هو أَصدَقُ مَن في الدُّنيا حَدِيثًا، وأَسماهُم مَكانةً وأَشَدُّهُمُ اعتِصامًا بالحَقِّ والحَقِيقةِ.. فتَصدِيقُهُم هذا الَّذي لا يَتَزعْواعٍ لعَ ما يَملِكُونَ مِن إِيمانٍ عَمِيقٍ، إِنَّما هو دَليلٌ باهِرٌ كدَلالةِ النَّهارِ على ضِياءِ الشَّمسِ.
الدَّليلُ الثّامِنُ:إِنَّ هذا الكَونَ مِثلمَّسأَدُلُّ على صانِعِه، وكاتِبِه، ومُصَوِّرِه الَّذي أَوجَدَه، والَّذي يُدِيرُه، ويُرَتِّبُه، ويتَصَرَّفُ فيه تَصوِيرًا وتَقدِيرًا وتَدبِيرًا كأنَّه قَصرٌ باذِخٌ، أو كأنَّه كِتابٌ كَبِيرٌ، أو كأنَّه مَعرِضٌ بَدِيعٌ، أو كأنَّه مُتَنزَّهٌ عَبِدُ م فهُو كَذلِك يَقتَضِي لا مَحالةَ وُجُودَ مَن يُعبِّرُ عَمّا في هذا الكِتابِ الكَبِيرِ مِن مَعانٍ، ويَعلَمُ ويُعَلِّمُ المَقاصِدَ الإِلٰهِيّةَ مِن وَراءِ خَلقِ الكَونِ، ويُعَلِّمُ الحِكَمَ الرَّبّانيّةَ في تَحَوُّلاتِه تلك الُّلاتِه، ويُدَرِّسُ نَتائِجَ حَرَكاتِه الوَظِيفيّةِ، ويُعلِنُ قِيمةَ ماهِيَّتِه وكَمالاتِ ما فيه مِنَ المَوجُوداتِ، أي: يَقتَضِي داعِيًا عَظِيمًا، ومُنادِيًا صادِقًا، وأُستاذًا مُحَقِّقًا، ومُعَلِّمًا بارِعًا.
فأَدرَك السَّائِحُ: أنَّتُثبِتنَ یی مِن حَيثُ هذا الِاقتِضاءُ یی يَدُلُّ ويَشهَدُ على صِدقِ هذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ (ص) وصَوابِه الَّذي هو أَفضَلُ مَن أَتَمَّ هذه الوَظائِفَ والمُهِمّاتِ، وعلى كَونِه أِ ومِن وأَصدَقَ مَبعُوثٍ لِرَبِّ العالَمِينَ.
الدَّليلُ التَّاسِعُ:ما دامَ ثَمّةَ وَراءَ الحِجابِ مَن يُشهِرُ كَمالَاتِ إِبداعِه بِمَصنُوعاتِه هذه ذاتِ الإِتقانِ والحِِينِ ا ويُعرِّفُ نَفسَه ويُحَبِّبُها بِمَخلُوقاتِه غَيرِ المَحدُودةِ ذاتِ الزِّينةِ والجَمالِ.. ويُوجِبُ الشُّكرَ والحَمدَ له، بنِعَمِه الَّتي بِّحُ صَى ذاتِ اللَّذّةِ والنَّفاسةِ.. ويُشَوِّقُ الخَلقَ إلى العِبادةِ نَحوَ رُبُوبِيَّتِه بِعُبُودِيّةٍ تَتَّسِمُ بالحُبِّ والِامتِنانِ والشُّكرِ إِزاءَ هذه التَّربِيةِ، ومُ الأشةِ العامّةِ، ذاتِ الشَّفَقةِ والحِمايةِ، حتَّى إنَّه يُهَيِّئُ أَطعِمةً
— 155 —
وضِيافاتٍ رَبّانيّةً تُطَمْئِنُ أَدَقَّ أَذواقِ الأَفواهِ وجَمِيعَ أَنواعِ الِاشتِهاءأَن تَُدِينُ الخَلقَ إلى الإِيمانِ والتَّسلِيمِ والِانقِيادِ والطّاعةِ نَحوَ أُلُوهِيَّتِه الَّتي يُظهِرُها بِتَبدِيلِ المَواسِمِ، وتَكوِيرِ اللَّيلِ على النَّهارِ، واختِلافِهِما، وأَمثالِها مِنَ التَّصَربُذُور العَظِيمةِ، والإِجراءاتِ الجَلِيلةِ، والفَعّاليّةِ المُدهِشةِ، والخَلّاقيّةِ الحَكِيمةِ.. ويُظهِرُ عَدالَتَه وانتِصافَه بِحِمايَتِه دَومًا البِرَّ والأَبرارَ، ومَحْقِهِدُون رَّ والأَشرارَ، وإِهلاكِه الظّالِمِينَ والكاذِبِينَ بِنَوازِلَ سَماوِيّةٍ.
فلا جَرَمَ، أنَّ أَحَبَّ مَخلُوقٍ لَدَى ذلك الذَّاتِ الغَيبِيِّ، وأَصدَقَ عَبدٍ له، هو مَن كانَ عن جِهة خالِصًا لِمَقاصِدِه المَذكُورةِ آنِفًا، ومَن يَحُلُّ السِّرَّ الأَعظَمَ في خَلقِ الكَونِ ويَكشِفُ مُعَمَّاه، ومَن يَسعَى دَومًا بِاسمِ خالِقِه، ويَستَمِدُّ القُوّةَ مِنه، ويَستَعِينُ به وَحدَه في كلِّ شَيءٍ، فيَنالُ المَدَن تَغِتَّوفِيقَ مِنه سُبحانَه.. ومَن ذا يكُونُ غَيرَ مُحَمَّدٍ القُرَشِيِّ علَيْه الصَّلاةُ والسَّلامُ؟!
ثُمَّ خاطَبَ السَّائِحُ عَقلَه: "لَمّا كانَت هذه الحَقائِقُ التِّسعُ شاهِدَأَثَرُتٍ على صِدقِ هذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ (ص)، فلا رَيبَ إِذًا: أنَّه قُطْبُ شَرَفِ البَشَرِيّةِ، ومَدارُ افتِخارِ العالَمِ، وأنَّه حَرِيٌّ ولائِقٌ تَسمِيَتُه بِشَرَفِ بَنِي آدَمَ، وتَلقِيبُه بفَخرِ العالَمِينَ؛ وأنَّ ما في يَدِه مِن أَمي جَنَّّحمٰنِ وهُو القُرآنُ الكَرِيمُ المُهَيمِنُ جَلالُ سُلطانِه المَعنَوِيِّ على نِصفِ الأَرضِ مع ما يَملِكُ مِن كَمالاتِه الشَّخصِيّةِ وخِصالِه السَّامِيةِ، يُظهِرانِ أنَّ أَعظَمَ إِنسانٍ في الوُجُودِ هو هذا النَّادِّيّالعَظِيمُ، فالقَولُ الفَصلُ إِذًا بِحَقِّ خالِقِنا سُبحانَه هو قَولُه (ص)".
فتَعالَ يا عَقلِي وتَأَمَّلْ: إِنَّ أَساسَ جَمِيعِ دَعاوَى هذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ (ص)، وغايةَ حَياتِه كُلِّها، إِنَّخلاقِ،الشَّهادةُ على وُجُودِ واجِبِ الوُجُودِ، والدَّلالةُ على وَحْدانيَّتِه، وبَيانُ صِفاتِه الجَلِيلةِ، وإِظهارُ أَسمائِه الحُسنَى، وإِثباتُ كُلِّ ذلك، وإِعلانُه، وإِعلامُه؛ استِنأَوهاملى ما في دِينِه مِن أُلُوفِ الحَقائِقِ الرّاسِخةِ الأَساسِ، وإلى قُوّةِ ما أَظهَرَه اللهُ على يَدِه مِن مِئاتٍ مِن مُعجِزاتِه القاطِعةِ الباهِرةِ.
إذًا، إِنَّ الشَّمسَ المَعاتِ الةَ الَّتي تُضِيءُ هذا الكَونَ، والبُرهانَ السَّاطِعَ على وُجُودِ خالِقِنا سُبحانَه ووَحْدانيَّتِه، إِنَّما هو هذا النَّبِيُّ الكَرِيمُ المُلَوُّرُ بی"حَبِيبِ اللهِ" (ص).. فهُنالِكثَلاثةُ إِجماعاتٍ كُبرَىلا تَخدَعُ ولا تَنخَدِعُ، تُؤيِّدُ شَهادَتَه وتُصَدِّقُها:
— 156 —
الأوَّلُ:إِجماعُ الَّذِينَ اشتَهَرُوا، وحُ هذهَیزُوا في العالَمِ بِاسمِ (آلِ مُحَمَّدٍ (ص))، تلك الجَماعةِ النُّورانيّةِ الَّتي يتَقَدَّمُها الإِمامُ عَلِيٌّ رَضِيَ الله عَنهُ الَّذي قال: "لو رُفِعَ الحِجابُ ممِيزاتَدتُ يَقِينًا"، وخَلْفَه آلافُ الأَولياءِ العِظامِ مِن ذَوِي البَصائِرِ الحادّةِ والنَّظَرِ البَصِيرِ بِالغَيبِ، مِن أَمثالِ الشَّيخِ الگَيلانِيِّ (قُدِّسَ سِرُّه) الَّذي كانَ يُشاهِدُ بِبَصِيرَتِهَ الشّافِذةِ یی وهُو على الأَرضِ یی العَرشَ الأَعظَمَ وعَظَمَةَ مِثالِ إِسرافِيلَ عَلَيهِ السَّلَام.
الثَّاني:إِجماعُ تلك الجَماعةِ المَعرُوفةِ بِالصَّحابةِ الكِرامِ المَشهُورِينَ في مِن تمِ رِضوانُ اللهِ تَعالَى علَيْهِم أَجمَعِينَ، وتَصدِيقُهُم بالِاتِّفاقِ وبإِيمانٍ راسِخٍ قَوِيٍّ لِهَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ، حتَّى ساقَهُم ذلك إلى التَّضحِيةِ والفِداءِ بِأَرواحِهِم وأَموالِهِم وآبائِهِم وعَشِيرَتِهِمتَرَى ُ الَّذِينَ كانُوا قَومًا مِنَ البَدْوِ يَقطُنُونَ في مُحِيطٍ أُمِّيٍّ خالٍ مِن مَظاهِرِ الحَياةِ الِاجتِماعِيّةِ والأَفكارِ السِّياسِيّةِ، ليس لَهُم هُدًى ولا كِتابٌ مُنِيرٌ، مَغمُورِينَ في ظُلمةِ عَصرِ "الفَتْرةِ"، فصارُوا في َتي جَ يَسِيرٍ أَساتِذةً مُرشِدِينَ وساسةً وحُكَّامًا عادِلِينَ لِأَرقَى الأُمَمِ حَضارةً وعِلمًا واجتِماعًا وسِياسةً، فحَكَمُوا العالَمَ شَرقًا وغَربًا، ورَفْرَفَت راياتُ عَدالَتِهِم بَرًّا وبَحرًا.
الثّالثُ:هو تَصدِيقُ الجَماعةِ ه إلّايمةِ مِنَ العُلَماءِ الأَجِلّاءِ الَّذِينَ لا يُعَدُّونَ ولا يُحصَونَ، المُتَبحِّرِينَ في عُلُومِهِم والمُحَقِّقِينَ المُدَقِّقِينَ، الَّذِينَ نَشَؤُوا في أُمَّتِه (ص) وسَلَكُوا مَسالِكَ شَتَّىتَخُصُّم في كُلِّ عَصرٍ آلافٌ مِنَ الحائِزِينَ قَصَبَ السَّبقِ بعَبقَرِيَّتِهم في كلِّ عِلمٍ.. فتَصدِيقُ هَؤُلاءِ جَمِيعًا له بِالِاتِّفاقِ وبِدَرَجةِ عِلمِ اليَقِينِ إِجماعٌ أَيُّ إِجماعٍ!
فحَكَم السَّائِحُ بأٍَ تُسَهادةَ هذا النَّبِيِّ الأُمِّيِّ (ص) على الوَحْدانيّةِ لَيسَت شَهادةً شَخصِيّةً جُزئيّةً، وإِنَّما هي شَهادةٌ عامّة وكُلِّيّةٌ راسِخةٌ لا تَتزَعزَعُ، ولن تَستَطِيعَ أن تُجابِهَهُ مِمَّياطِينُ كافّةً في أيِّ جِهةٍ ولو اجتَمَعُوا عَلَيْها.
وهكذا ذُكِرَتْ إشارةٌ مُختَصَرةٌ لِمَا تَلَقّاه ذلك السَّائِحُ الَّذي جالَ بِعَقلِه في عَصرِ السَّعادةِ جَوانِبَ الحَياةِ مِن تلك ويَعرَِسةِ النُّورانيّةِ في "المَرتَبةِ السَّادِسةَ عَشْرةَ مِنَ المَقامِ الأوَّل" كالآتِي:
— 157 —
(لا إِلٰه إلّا اللهُ الواجِبُ الوُجُودِ الواحِدُ الأَحَدُ الَّذي دَلَّ على وُجُوبِ وُجُودِه في وَحْدَتِه فَخرُ العالَمِ وشَرَفُ نَوعِ بَني آدَمَفيه الظَمةِ سَلْطَنةِ قُرآنِه، وحَشْمةِ وُسْعةِ دِينِه، وكَثْرةِ كَمالاتِه، وعُلْوِيَّةِ أخلاقِه، حتَّى بِتَصدِيقِ أَعدائِه؛ وكَذا شَهِد وبَرهِ"ییبِقُوَّةِ مِئاتِ مُعجِزاتِه الظَّاهِرةِ الباهِرةِ المُصَدِّقةِ المُصَدَّقةِ، وبِقُوَّةِ آلافِ حَقائِقِ دِينِه السَّاطِعةِ القاطِعةِ، بإِجماعِ آلِه ذَوِي الأَنوارِ، وبِاتِّفاقِ أَصحابِه ذَوِيُ الثّصارِ، وبِتَوافُقِ مُحَقِّقِي أُمَّتِه ذَوِي البَراهِينِ والبَصائِرِ النَّوَّارةِ).
إِنَّ السَّائِحَ الَّذي لا يَنالُه تَعَبٌ ولا شِبَعٌ، والَّذي عَلِمَ أنَّ غايةَ الحَياةِ في هذه الدُّنيا، بل حَياةَ الحَياةِ إنَّما هو الإيمانُ،ظِيفَتَ هذا السَّائِحُ قَلبَه قائلًا: "إنَّ كَلامَ مَن نَبحَثُ عنه هو أَشهَرُ كَلامٍ في هذا الوُجُودِ وأَصدَقُه وأَحكَمُه، وقد تَحَدَّى في كلِّ عَصرٍ مَن لا يَنقادُ إلَيه، ذلك هو القُرآنُ الكَريمُ ذُوَه ويُانِ المُعجِزِ.. فلنُراجِعْ إذًا هذا الكِتابَ الكَرِيمَ، ولْنَفْهَم ماذا يقُولُ.. ولكِن لِنَقِفْ لَحظةً قَبلَ دُخُولِنا هذا العالَمَ الجَمِيلَ، لِنَبحَثْ فيما يَجعَلُنا نَستَيقِنُ أنَّه كِتابُ خالِقِنا نحنُ..". وهكفةٍ مَُرَ بالتَّدقيقِ والبَحثِ.
وحيثُ إنَّ هذا السَّائِحَ مِنَ المُعاصِرِينَ، فقد نَظَر أوَّلًا إلى "رَسائلِ النُّورِ" الَّتي هي لَمَعاتُ الإعجازِ المَعنَوِيِّ لِلقُرآنِ الكَرِيمِ، فرَأَى أنَّ هذه الرَّسائلَ البالِغةَ مئيًّا،ثَلاثين رِسالةً هي بذاتِها تَفسِيرٌ قَيِّمٌ لِلآياتِ الفُرقانيّةِ، إذ إنَّها تَكشِفُ عن نِكاتِها الدَّقيقةِ وأَنوارِها الزَّاهِيةِ.
ورَغمَ أنَّ رَسائلَ النُّورِ نَشَرَتِ الحَقائقَ القُرآنيّةَ بجِهاِراتٍ َواصِلٍ في الآفاقِ كافّةً، في هذا العَصرِ العَنِيدِ المُلحِدِ، لم يَستَطِعْ أَحَدٌ أن يُعارِضَها أو يَنقُدَها، مِمّا يُثبِتُ أنَّ القُرآنَ الكَريمَ الَّذي هو رائِدُها ومَنبَعُها، ومَرجِعُها، وشَمْسُها، إنَّما هو سَماوِيٌّ مِن كَلامِ اللهِ رلِقُ العالَمِين، وليس بكَلامِ بَشَرٍ.
حتَّى إنَّ "الكَلِمةَ الخامِسةَ والعِشرِين" وخِتامَ "المَكتُوب التّاسِعَ عَشَرَ" وهما حُجَّةٌ واحِدةٌ مِن بينِ مِئاتِ الحُجَجِ، تُقيمُها "رسائلُ النُّورِ" لِبَيانِ إعجازِ القُرآنِ، فتُثبِتُنَّمُ بَعِين وَجْهًا إثباتًا حَيَّر كلَّ مَن طالَعَها، فقَدَّرَها وأُعجِبَ بها یی ناهِيك عن أنْ يَنقُدَها أو يَعتَرِضَ علَيها قَطُّ یی بل أَثنَى علَيْها كَثِيرًا.
#1ْ مِنْهذا، وقد أَحالَ السَّائِحُ إثباتَ وَجهِ الإِعجازِ للقُرآنِ الكَرِيمِ، وأنَّه كَلامُ اللهِ سُبحانَه حَقًّا إلى رَسائلِ النُّورِ، إلّا أنَّه أَنعَمَ النَّظَرَ في بِضْعِ نِقاطٍ تُبيِّنُ بإشارةٍ مُختَصَرةٍ ِبادةَِ القرآنِ الكَرِيمِ:
النُّقطةُ الأولى:مِثلَما أنَّ القُرآنَ الكَرِيمَ بكُلِّ مُعجِزاتِه وحَقائقِه الدَّالَّةِ على أَحَقِّيَّتِه هو مُعجِزةٌ لِمُحمَّدٍ علَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ، فإنَّ مُحمَّدًا علَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ بكُلِّ مُعجِيبِ ( ودَلائلِ نُبُوَّتِه وكَمالاتِه العِلميّةِ مُعجِزةٌ أيضًا للقُرآنِ الكَرِيمِ وحُجّةٌ قاطِعةٌ على أنَّ القُرآنَ الكَرِيمَ كَلامُ اللهِ ربِّ العالَمِين.
النُّقطةُ الثّانية:إنَّ القُرآنَ الكَرِيمَ قد بَدَّلَ الحَياةَ الِاوُزِ بيّةَ تَبدِيلًا هائِلًا نَوَّرَ الآفاقَ ومَلَأَها بالسَّعادةِ والحَقائقِ، وأَحدَث تَحَوُّلًا عَظِيمًا سَواءٌ في نُفُوسِ البَشَرِ وفي قُلُوبِهم، أو في أَرواحِهم وفي عُقُولِهم، أو في حَياتِهِمُ الشَّخصِيّةِ والِاجتِماعيّةِ والسَّرعاهاةِ؛ وأَدامَ هذا الِانقِلابَ وأَدارَه، بحيثُ إنَّ آياتِه البالِغةَ سِتّةَ آلافٍ وسِتَّ مِئةٍ وسِتًّا وسِتِّين آيةً تُتْلَى منذُ أَربَعةَ عَشَر قَرْنًا في كِه البٍ بأَلسِنةِ أَكثَرَ مِن مِئةِ مِليُونِ شَخصٍ في الأَقَلِّ بكلِّ إِجلالٍ واحتِرامٍ، فيُرَبِّي النَّاسَ ويُزَكِّي نُفُوسَهُم، ويُصَفِّي قُلُوبَهُم، ويَمنَحُ الأَرواحَ .. انظفًا ورُقِيًّا، والعُقُولَ استِقامةً ونُورًا، والحَياةَ حَياةً وسَعادةً.. فلا شَكَّ أنَّه لا نَظِيرَ لِمِثلِ هذا الكِتابِ ولا شَبِيهَ له ولا مَثِيلَ، فهو خارِقٌ، وهو مُعجِزٌ.
النُّقطة الثّالثة:إلا يُمقُرآنَ الكَرِيمَ قد أَظهَرَ بَلاغةً یی أيَّما بَلاغةٍ یی منذُ ذلك العَصرِ إلى زَمانِنا هذا، حتَّى إنَّه حَطَّ مِن قِيمةِ "المُعَلَّقاتِ السَّبْعِ" المَشهُورةِ، وهي قَصائِدُ أَبلَغِ الشُّعَرا الأَقتِبَت بالذَّهَبِ وعُلِّقَت على جُدرانِ الكَعبةِ، حتَّى إنَّ ابنةَ "لَبِيدٍ" أَنزَلَت قَصِيدةَ أَبِيها مِن على جِدارِ الكَعبةِ قائِلةً: "أمَّا وقد جاءَتِ الآياتُ فلَيس لِمِثلِكِ هنا مَقامٌ".
وكذا عِندَما سَمِعَ أَعراب بحَياآيةَ الكَرِيمةَ: فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ خَرَّ ساجِدًا، فقيلَ له: "أَأَسْلَمْتَ؟" قال: "لا، بل سَجَدتُ لِبَلاغةِ هذه الآيةِ".
وكذنتِظامَّ آلافًا مِن أَئمّةِ البَلاغةِ وفُحُولِ الأَدَبِ، أَمثالَ عبدِ القاهِرِ الجُرجانِيِّ، والسَّكّاكِيِّ، والزَّمَخْشَرِيِّ، قد أَقَرُّوا باقِ وُجِ والِاتِّفاقِ: أنَّ بَلاغةَ القُرآنِ لا تُنالُ، إذْ هي فَوقَ طاقةِ البَشَرِ.
— 159 —
وكذا، فإنَّ القُرآنَ الكَرِيمَ مُنذُ نُزُولِه كانَ وما زالَ يَتَحدَّى كلَّ مَغرُورٍ ومُتَعنِّتٍ مِنَ الأُدلمَحدُوالبُلَغاءِ، ويَنالُ مِن عُتُوِّهِم وتَعالِيهِم، تَحَدَّاهم بأن يَأتُوا بسُورةٍ مِن مِثلِه، أو أن يَرضَوْا بالهَلاكِ والذُّلِّ في الدُّنيا والآخِرةِ.
وبَينَما يُعلِنُ القُرآنُ تَحَدِّيَه هذا، إذا ببُلَغاءِ ذلك مُستَقِ المُعانِدِينَ قد تَرَكوا السَّبِيلَ القَصِيرةَ وهي المُضاهاةُ والمُعارَضةُ والإتيانُ بسُورةٍ مِن مِثلِه، سالِكِينَ السَّبِيلَ الطَّوِيلةَ، سَبِيلَ الحَربِ الَّتي تَأتي بالوَيلِ والدَّمارِ على الأَرواحِ والأَموالِ، مِمّا يُثبِتفَهِ اِيارِهم هذا أنَّ المُضيَّ في تلك السَّبِيلِ القَصِيرةِ غَيرُ مُمكِنٍ.
وكذا، ففي مُتَناوَلِ الأَيدِي مَلايِينُ الكُتُبِ العَرَبيّةِ الَّتي كَتَبَها أَولِياءُ القُرآنِ بشَّهارِاقتِباسِ أُسلُوبِه وتَقلِيدِه، أو كَتَبَها أَعداؤُه لِأَجلِ مُعارَضَتِه ونَقْدِه، فكلُّ ما كُتِبَ ويُكتَبُ، معَ التَّقَدُّمِ والرُّقِيِّ في الأُسلُوبِ النَّاشِئِ مِن تَلاحلِأَجلأَفكارِ، ومنذُ ذلك الوَقتِ إلى الآنَ، لا يُمكِنُ أن يُضاهِيَ أو يُدانِيَ أيٌّ مِنها أُسلُوبَ القُرآنِ، حتَّى لوِ استَمَعَ رَجُلٌ عامِّيٌّ لِمَا يُتلَى م، وهُمقُرآنِ الكَرِيمِ لَاضطَرَّ إلى القَولِ: إنَّ هذا القُرآنَ لا يُشبِهُ أَيًّا مِن هذه الكُتُبِ، ولا في مَرتَبَتِها؛ فإمّا أنَّ بَلاغَتَه تحتَ الجَميعِ، أو أنَّها فوقَ الجَميعِ! ولن يَستَطِيانيَّةانٌ كائِنًا مَن كانَ، ولا كافِرٌ، ولا أَحمَقُ أن يقُولَ: إنَّها أَسفَلُ الجَميعِ.. فلا بُدَّ إذًا أنَّ مَرتَبةَ بَلاغَتِه فوقَ الجَميعِ.
حتَّى لَقَد تَلَا أَحَدُهمُ الآيةَ الكَُشاهَد: سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثمَّ قالَ: "إنِّي لا أَرَى الوَجْهَ المُعجِزَ الَّذي تَرَونَه في بَلاغةِ هذه الآيةِ الكَرِيمةِ!"، فقيلَ له: عُدْ بخَيالِك كهذا السَّارةِ" بلى ذلك العَصرِ واستَمِعْ إلَيها هناك.
وبَينَما هو يَتَخيَّلُ نَفسَه هناك فيما قَبلَ نُزُولِ القُرآنِ الكَرِيمِ، إذا به يَرَى: أنَّ مَوجُوداتِ العالَمِ مُلقاةٌ في فَضاءٍ خالٍ شاسِعٍ دُونَ حُدُودٍ، في د؛ بل هانِيةٍ زائِلةٍ، وهي في حالةٍ يائِسةٍ مُضطَرِبةٍ تَتَخبَّطُ في ظُلمةٍ قاتِمةٍ، وهي جامِدةٌ دُونَ حَياةٍ وشُعُورٍ، وعاطِلةٌ دُونَ وَظيفةٍ ومَهامَّ؛ ولكِن ما إِنْ أَنصَتَ إلى هذه الآيةِ الكَرِيمةِ وتَدَبَّرها، إذا به يَرَى أنَّ هذه ا6
فلا قد كَشَفَتْ حِجابًا مُسدَلًا عن وَجهِ الكَونِ وعن وَجهِ العالَمِ كُلِّه، حتَّى
— 160 —
بانَ ذلك الوَجهُ مُشرِقًا ساطِعًا، فأَلقَى هذا الكَلامُ الأَِرُ ال والأَمرُ السَّرمَدِيُّ دَرْسًا على جَميعِ أَربابِ المَشاعِرِ المُصطَفِّين حَسَبَ العُصُورِ كُلِّها مُظهِرًا لهم: أنَّ هذا الكَونَ هو بحُكمِ مَسجِدٍ كَبِيرٍ، وأنَّ جَميعَ المَا الجاتِ یی ولا سِيَّما السَّماواتِ والأَرضَ یی مُنهَمِكةٌ في ذِكرٍ وتَهليلٍ وتَسبِيحٍ يَنبِضُ بالحَيَويّةِ. وقد تَسَنَّم الكُلُّ وَظائِفَهم بكُلِّ شَوقٍ ونَشوةٍ، وهم يُنجِزُونَهاِ تَما سَعادةٍ وامتِنانٍ.
هكذا شاهَدَ السّائِحُ سَرَيانَ مَفعُولِ هذه الآيةِ الكَرِيمةِ في الكَونِ، فتَذَوَّق مَدَى سُمُوِّ بَلاغَتِها، وقاسَ علَيها سَائرَ الآياتِ الكَر النّ فأَدرَكَ السِّرَّ في هَيمَنةِ بَلاغةِ القُرآنِ الفَرِيدةِ على نِصفِ الأَرضِ وخُمُسِ البَشَرِيّةِ، وعَلِم حِكمةً واحِدةً مِن آلافِ الحِكَمِ لِدَيمُومةِ جَلالِ سُلطانِ القُرآنِ الكَرِيمِ بكلّخَمسِييرٍ وتَعظِيمٍ على مَدَى أَربَعةَ عَشَرَ قَرْنًا مِنَ الزَّمانِ دُونَ انقِطاعٍ.
النُّقطةُ الرَّابعةُ:إنَّ القُرآنَ الكَرِيمَ قد أَظهَرَ عُذُوبةً وحَلاوةً ذاتَ أَصالةٍ وحََتِه و، بحيثُ إنَّ التَّكرارَ الكَثيرَ المُسبِّبَ للسَّآمةِ حتَّى مِن أَطيَبِ الأَشياءِ، لا يُورِثُ المَلالَ عِندَ مَن لم يَفسُدْ قَلبُه ويَخْتَلَّ ذَوقُه، بل يَزِيدُ تَكرارُ تِلاوَتِه مِن عُذُوبَتِه وحَلاوَتِه.. وهذا أَمرٌ مُسَلَّمٌ به عِندَ الجَ بكلِّنذُ ذلك العَصرِ، حتَّى غَدا مَضرِبَ الأَمثالِ.
وكذا، فقَدِ احتَفَظَ القُرآنُ الكَرِيمُ بطَراوَتِه وفُتُوَّتِه ونَضارَتِه وجِدَّتِه وكأنَّه قد نَزَل الآنَ، رَغمَ مُرُورِ أَربَعةَ عَشَرَ قَرْنًا مِنَ الزَّمانِ علَيه، ورَغمَ المَفُّرِ الحُصُولِ علَيه للجَميعِ، فكلُّ عَصرٍ قد تَلَقّاه شابًّا نَضِرًا وكأنَّه يُخاطِبُه؛ وكلُّ طائفةٍ عِلمِيّةٍ یی معَ أنَّهم يَجِدُونَه في مُتَناوَلِ أَيدِيهم ويَنهَلُون مِنه كلَّ حِينٍ، ويَقتَفُون أَثَرَ أُسلُوبِ بَياعزُولٌ يَرَونَه مُحافِظًا دائِمًا على الجِدّةِ نَفسِها في أُسلُوبِه، والفُتُوّةِ عَينِها في طَرْزِ بَيانِه.
النُّقطةُ الخامسةُ:إنَّ القُرآنَ الكَريمَ قد بَسَط أَحَدَ جَناحَيه نحوَ الُ.. إموالآخَرَ نحوَ المُستَقبَلِ؛ فالحَقيقةُ الَّتي اتَّفَق علَيها الأَنبِياءُ السّابِقُون هي جَذْرُ القُرآنِ وأَحَدُ جَناحَيه، فهو يُصَدِّقُهم ويُؤَيِّدُهم، وهم بدَوزَمَنٍُؤيِّدُونَه ويُصَدِّقُونَه بلِسانِ حالِ التَّوافُقِ.
— 161 —
وكذلك فإنَّ الأَولياءَ الصَّالِحِين، والعُلَماءَ الأَصفِياءَ هم ثِمارٌ استَمَدَّيةِ الَياةَ مِن شَجَرةِ القُرآنِ الكَرِيمِ، فتَكامُلُهُمُ الحَيَوِيُّ يَدُلُّ على أنَّ شَجَرَتَهمُ المُبارَكةَ هي ذاتُ حَياةٍ وعَطاءٍ، وذاتُ فَيضٍ دائِمٍ وذاتُ حَقيقةٍ وأَصالةٍ، فالَّذين انضَوَوْا تحتَ حِمايةِ جانتِظا الثّاني، وعاشُوا في ظِلالِه مِن أَصحابِ جَميعِ طُرُقِ الوِلايةِ الحَقّةِ، وأَربابِ جَميعِ العُلُومِ الإسلاميّةِ الحَقّةِ يَشهَدُون أنَّ القُرآنَ هو عَينُ الحَقِّ، ومَجمَعُ الحَقائقِ، ولا مَثِيلَ له في جثَرَ مَّتِه وشُمُوليَّتِه، فهو مُعجِزةٌ باهِرةٌ.
النُّقطةُ السَّادسة:إنَّ الجِهاتِ السِّتَّ للقُرآنِ الكَرِيمِ مُنَوَّرةٌ مُضِيئةٌ، تُبيِّنُ صِدقَه وعَدْلَه.
نعم، فمِن تَحتِه أَعمِدةُ الحُجَجِ والبَراهَ الآخوعلَيه تَتَألَّقُ سِكّةُ الإعجازِ، وبينَ يَدَيه (هَدَفُه) هَدايا سَعادةِ الدَّارَينِ، ومِن خَلفِه (أي: نُقطةُ استِنادِه) حَقائقُ الوَحيِ السَّماوِيِّ، وعن يَمينِه تَصدِيقُ ما لا يُحَدُّ مِن أَدِلّةِ العُقُولِ المُستَقِيمةِ، وعن يَسارِه االلهُ ئنانُ الجادُّ والِانجِذابُ الخالِصُ والِاستِسلامُ التَّامُّ للقُلُوبِ السَّليمةِ والضَّمائرِ الطَّاهِرةِ.
وإذ تُثبِتُ تلك الجِهاتُ السِّتُّ أنَّ القُرآنَ الكَرِيمَ حِصنٌ سَماوِيٌّ حَصِينٌ في الأَرضِ لا يَق الأُخى خَرْقِه خارِقٌ ولا يَنفُذُ مِن جِدارِه نافِذٌ، فهُناك أَيضًا سِتّةُ "مَقاماتٍ" تُؤَكِّدُ أنَّه الصِّدقُ بذاتِه والحَقُّ بعَينِه، وأنَّه ليس بكَلامِ بَشَرٍ قَطُّ، وأنَّه لا يَأتيه الباطِلُ مِن بينِِ الأَه ولا مِن خَلفِه..
وأَوَّلُ تلك المَقاماتِ: تَأيِيدُ مُصَرِّفِ هذا الكَونِ ومُدَبِّرِه،الَّذي اتَّخَذَ إظهارَ الجَميلِ وحِمايةَ البِرِّ والصِّدقِ ومَحْقَ الخَدَّاعِين وإِزالةَ المُفتَرِين، سُنّةً جارِيةً لِفَعّاليَّتِه سُبحانَه، فأيَّدتَبرَّنَه وصَدَّق هذا القُرآنَ بما مَنَحَه مِن مَقامِ احتِرامٍ وتَعظِيمٍ وأَوْلاه مِن مَرتَبةِ تَوفيقٍ وفَلاحٍ هو أَكثَرُ قَبُولًا وأَعلَى مَرتَبةً وأَعظَمُ َعلَى َّةً في العالَمِ.
ومِن ثَمَّ: فإنَّ الِاعتِقادَ الرَّاسِخَ والتَّوقيرَ اللّائقَ مِنَ الذَّاتِ المُبارَكةِ للرَّسُولِ الكَريمِ(ص) نحوَ القُرآنِ الكَريمِ يَفُوقُ الجَميعَ، وهو مَنبَعُ الإسلامِ وتَرج الكائالقُرآنِ، وكَونُه في حالٍ بينَ اليَقَظةِ والنَّومِ حِينَما يَتَنزَّلُ علَيه الوَحيُ فيَتَنزَّلُ علَيه دُونَ إرادَتِه،
— 162 —
وعَدَمُ بُلُوغِ سائِرِ كَلامِه شَأْوَه، بل عَدَمُ مُشابَهَتِه لُوّةٍ حَدٍّ رَغمَ أنَّه أَفصَحُ النّاسِ، وبَيانُه بهذا القُرآنِ بَيانًا غَيبِيًّا لِما مَضَى مِنَ الحَوادِثِ الكَونيّةِ الواقِعةِ ولِمَا سيَأْتي مِنها معَ أُمِّيَّتِه، مِن دُونِ تَرَدُّدٍ وبكُلِّ اطمِئنانٍ، وعَدَمُ ظُهُورِ أيّةِ حِيلةٍ أو خنَكتَشأو ما شابَهَها مِنَ الأَوضاعِ مِنه مَهما صَغُرَت رَغمَ أنَّه بينَ أَنظارِ أَشَدِّ النّاسِ إنعامًا للنَّظَرِ في تَصَرُّفاتِه.. فإيمانُ هذا التَّرجُمانِ الكَريمِ والمُبَلِّغِ العَظيمِ (ص) وَّتي فقُه بكُلِّ قُوَّتِه لِكُلِّ حُكْمٍ مِن أَحكامِ القُرآنِ الكَريمِ، وعَدَمُ زَعزَعةِ أيِّ شيءٍ له مَهْما عَظُمَ، يُؤَيِّدُ ويُؤَكِّدُأنَّ القُرآنَ سَماوِيٌّ وكُلُّه صِدقٌ وعَدلٌ وكَلامٌ مُبارَكٌ للرَّبِّ الرَّحِيمِ.
وكِّفاقَنَّ ارتِباطَ خُمُسِ البَشَرِيّةِ،بلِ الشَّطرِ الأَعظَمِ مِنهم بذلك القُرآنِ الكَريمِ المُشاهَدِ أَمامَهم، ارتِباطَ انجِذابٍ وتَدَيُّنٍ،ُلمَ كماعَهُم إلَيه بجِدٍّ وشَوْقٍ ولَهْفةٍ، وتَوافُدَ الجِنِّ والمَلائكةِ والرُّوحانيِّين إلَيه والْتِفافَهم حَولَه عندَ تِلاوَتِه الْتِفافَ الفَراشةِ العاشِقةِ تَعالِرِ، بشَهادةِ أَماراتٍ ووَقائِعَ وكَشْفِيّاتٍ صادِقةٍ كَثيرةٍ،كلُّ ذلك تَصدِيقٌ بأنَّ هذا القُرآنَ هو مَحَلُّ رِضا الكَونِ وإعجابِه، وأنَّ له فيه أَسمَى مَقامٍ وأَعلاه.
وكالحَشرنَّ أَخْذَ كلِّ طَبَقةٍ مِن طَبَقاتِ البَشَرِیی ابتِداءً مِنَ الغَبِيِّ الشَّديدِ الغَباءِ والعامِّيِّ، إلى الذَّكِيِّ الحادِّ الذَّكاءِ والعالِمِ یی نَصِيبَها كامِلًا مِنَ الدُّرُوسِ الَّتي يُلقِارِئٍ قُرآنُ الكَريمُ، وفَهْمَهم مِنه أَعمَقَ الحَقائقِ، واستِنباطَ جَميعِ الطَّوائفِ مِن عُلَماءِ مِئاتِ العُلُومِ والفُنُونِ الإسلاميّةِ، وبخاصّةٍ مُج حُلُق الشَّرِيعةِ السَّمْحةِ ومُحَقِّقي أُصُولِ الدِّينِ وعَباقِرةِ عِلمِ الكَلامِ وأَمثالِهم، واستِخراجَهُمُ الأَجوِبةَ الشّافِيةَ لِما يَحتاجُونَه مِنَ المَسائلِ الَّتي تَخُصُّ عُلُومَهم مِنَ القُرَنطَفِكَرِيمِ،إنَّما هو تَصدِيقٌ بأنَّ القُرآنَ الكَريمَ هو مَنبَعُ الحَقِّ ومَعدِنُ الحَقيقةِ.
وكذا: فإنَّ عَدَمَ مُعارَضةِ أُدَباءِ العَرَبِالَّذِينَ هُم أَئِمّةُ الفَصَعَتِ الأَدَبِ یی ولا سِيَّما الَّذين لم يَدخُلُوا في الإسلامِ یی معَ رَغبَتِهمُ المُلِحّةِ في المُعارَضةِ، وعَجْزَهم عَجْزًا تامًّا أمامَ وَجهٍ واحِدٍ، یی وهو الوَجهُ البَلاغِيُّ یی مِن بينِ وُجُوهِ الإعجاْقِلُوَّبعةِ الكُبرَى للقُرآنِ، وعَجزَهم عنِ الإتيانِ بسُورةٍ واحِدةٍ فَقَط مِن مِثلِه، وصُدُودَهم عن ذلك، وعَدَمَ
— 163 —
مُعارَضَتِه مِمَّن أَتَى مِن مَشاهِيرِ البُلَغاءِ وعَباقِرةِ العُلَماءِ لِحَدِّ الآنَ لِأَيِّ وَجهٍ مرُّفِ ُوهِ الإعجازِ معَ رَغبَتِهم في ذُيُوعِ صِيتِهم بالمُعارَضةِ، وسُكُوتَهم بعَجْزٍ وإِحجامَهُم عن ذلك،لَهُو حُجّةٌ قاطِعةٌ على أنَّ القُرآنَ الكَرِيمَ مُعجِزةٌ فوقَ طاقةِ البَشَرِ.
نعم، إنَّ قِيمةَ الكَلامِ وعُلُوَّه وبَلاغَتًا إِيَوضَّحُ في بَيانِ:"مَن قالَه؟ ولِمَن قالَه؟ ولِمَ قالَه؟".
وبِناءً على هذا فإنَّ القُرآنَ الكَريمَ لم يَأْتِ ولن يَأْتِيَ مِثلُه، ولن يُدانِيَه شيءٌ قَطُّ؛ ذلك لِأنَّ القُرآنَ ان يُفنَ إنَّماهو خِطابٌ مِن رَبِّ العَوالِمِجَميعًا، وكَلامٌ مِن خالِقِها، وهو مُكالَمةٌ لا يُمكِنُ تَقلِيدُها بأَيِّ جانِبٍ كان مِنَ الجَوانِبِ، وليس فيه أَمارةٌ تُومِئُ بالتَّصَنُّعِ.
ضَى عُإنَّالمُخاطَبَهو مَبعُوثٌ باسمِ البَشَرِيّةِ قاطِبةً، بل باسمِ المَخلُوقاتِ جَميعًا، وهو أَكرَمُ مَن أَصبَحَ مُخاطَبًا وأَرفَعُهم ذِكرًا، وهو الَّذي تَرَشَّحَ الإسلامُ العَظيمُ مِن قُوّةِ إيمانِه وسَعَتِه، حتَّى عُرِج به إلى قابِأنَّ كَينِ أو أَدنَى، فنَزَل مُكَلَّلًا بالمُخاطَبةِ الصَّمَدانيّةِ.
ثمَّ إنَّ القُرآنَ الكَريمَ المُعجِزَ البَيانِ قد بَيَّنَ سَبِيلَ سَعادةِ الدّارَينِ، ووَضَّحَ غاياتِ خَلْقِ الكَونِ، وما فيه مِنَ المَقاصِدِ الرَّبّانيودِ واُوَضِّحًا ما يَحمِلُه ذلك المُخاطَبُ الكَريمُ مِنَ الإيمانِ السَّامي الواسِعِ الَّذي يَضُمُّ الحَقائقَ الإسلاميّةَ كُلَّها، عارِضًا كلَّ ناحِيةٍ مِن نَواحي هذاختِلاونِ الهائلِ ومُقَلِّبًا إيّاه كمَن يُقلِّبُ خارِطةً أو ساعةً أَمامَه، مُعَرِّفًا الإنسانَ صانِعَه الخالِقَ سُبحانَه مِن خِلالِ أَطوارِ الكَونِ وتَقَلُّباتِه.. فلا رَيبَ ولا بُدَّ أنَّه لا يُمكِيُبالُتيانُ بمِثلِ هَذا القُرآنِ أَبدًا، ولا يُمكِنُ مُطلَقًا أن تُنالَ دَرَجةُ إعجازِه.
وكذا فإنَّ الآلافَ مِنَ العُلَماءِ الأَفذاذِ الَّذين قامَ كُلٌّ مِنهم بكِتابةِ تَفسِيرٍ للقُرآنِ الكَريمِ في مُجَلَّداتٍ بَلَغ قِسمٌ مِنها ثَلاثين أو أَ لِذا مُجَلَّدًا بل سَبعِين مُجَلَّدًا، وبَيانَهُم بأَسانيدِهِم ودَلائلِهِم لِما في القُرآنِ الكَريمِ مِمّا لا يُحَدُّ مِنَ المَزايا السّامِيةِ والنِّكاتِ البَليغةِ ا الكَاصِّ الدَّقيقةِ والأَسرارِ اللَّطيفةِ والمَعاني الرَّفيعةِ والإخباراتِ الغَيبِيّةِ الكَثيرةِ بأَنواعِها المُختَلِفةِ، وإِظهارَ كلِّ هَؤُلاءِ لتِلك المَزايا وإِثباتَهُم لها.. دَليلٌ قاطِعٌ
— 164 —
أنَّ القه الأَالكَريمَ مُعجِزةٌ إِلٰهيّةٌ خارِقةٌ، وبخاصّةٍ إثباتُ كلِّ كِتابٍ مِن كُتُبِ رَسائلِ النُّورِ البالِغةِ مِئةً وثلاثين كِتابًا لِمَزّيةٍ مِن مَزايا القُرآنِ الكَريمِ و عابِدتةٍ مِن نِكاتِه البَدِيعةِ إثباتًا قاطِعًا بالبَراهِينِ الدّامِغةِ، ولا سِيَّما رِسالةَ "المُعجِزاتُ القُرآنيّة"، و"المَقامُ الثّاني مِنَ الكَلِمةِ العِشرِين" الَّذي يَستَخرِجُ كَثيرًا مِن خَوارِقِ الحَضارةيِّ، القُرآنِ الكَرِيمِ أَمثالَ القِطارِ والطّائِرةِ، و"الشُّعاعُ الأَوَّلُ" المُسَمَّى بی"الإشاراتِ القُرآنيّةِ" الَّذي يُبيِّنُ إشاراتِ آياتٍ إلى رَسائلِ النَُّعادةِلى الكَهرَباءِ، والرَّسائلَ الصَّغيرةَ الثَّمانيةَ المُسَمّاةَ بی"الرُّمُوزِ الثَّمانيةِ" الَّتي تُبيِّنُ مَدَى الِانتِظامِ الدَّقيقِ في حُرُوفِ القُرآنِ الكَريمِ، وكم هي ذاتُ أَسرارٍ ومَعانٍ غَزِيرةٍ، والرِّساللِاعتَِّغيرةَ الَّتي تُبيِّنُ خَواتيمَ سُورةِ الفَتْحِ وتُثبِتُ إعجازَها بخَمسةِ وُجُوهٍ مِن حيثُ الإخبارُ الغَيبِيُّ، وأَمثالَها مِنَ الرَّسائلِ..
فإنَّ إظهارَ كلِّ جُزءٍ مِن أَجزاءِ رَسائلِ النُّورِ لِحَقيقةٍ مِن حِمِطرَ القُرآنِ الكَريمِ، ولِنُورٍ مِن أَنوارِه، كلُّ ذلك تَصدِيقٌ وتَأْكيدٌ بأنَّ القُرآنَ الكَرِيمَ ليس له مَثِيلٌ، وأنَّه مُعجِزةٌ وأُعجُوبةٌ، وأنَّه لِسانُ الغَيحَدَّ عالَمِ الشَّهادةِ هذا، وأنَّه كَلامُ عَلّامِ الغُيُوبِ.
وهكذا، لِأَجلِ هذه المَزايا والخَواصِّ لِلقُرآنِ الكَرِيمِ الَّتي أُشِيرَ إلَيها في سِتِّ نِقاطٍ، وفي سِتِّ جِهاتٍ، وفي سِتّةِ مَقاماتٍ، دامَت حاكِمِيَّتُه النُّووالمِئُ الجَليلةُ وسُلْطانُه المُقَدَّسُ المُعَظَّمُ، بكَمالِ الوَقارِ والِاحتِرامِ مُضِيئةً وُجُوهَ العُصُورِ ومُنَوِّرةً وَجهَ الأَرضِ أَيضًا، طَوالَ أَلفٍ وثَلاثِ مِئةِ سنةٍ.. ولِأَجلِ تلك الخَواصِّ أيضًا نالَ القُرآنُ الكَريمُ في أٍَ قُدسِيّةً، حيثُ إنَّ لِكُلِّ حَرفٍ مِن حُرُوفِه عَشَرةَ أَثوِبةٍ وعَشْرَ حَسَناتٍ في الأَقَلِّ، وعَشْرَ ثِمارٍ خالِدةٍ، بل إنَّ كلَّ حَرفٍ مِن حُرُوفِ قِسمٍ مِنَ الآياتِ والسُّوَرِ يُثمِرُ أُناسأو أَلفًا أو أَكثَرَ، مِن ثِمارِ الآخِرةِ، ويَتَصاعَدُ نُورُ كلِّ حَرفٍ وثَوابُه وقيمَتُه في الأَوقاتِ المُبارَكةِ مِن عَشَرةٍ إلى المِئاتِ.. وأَمثالَها مِنَ المَزايا القُدسِيّةِ قد فَهِبِيعةُائحُ العالَمِ.
فخاطَبَ قَلبَه قائلًا: حَقًّا إنَّ هذا القُرآنَ الكَريمَ المُعجِزَ في كلِّ ناحِيةٍ مِن نَواحِيه، قد شَهِدَ بإجماعِ سُوَرِه وباتِّفاقِ آياتِه، وبتَالأَدِ أَسرارِه وأَنوارِه، وبتَطابُقِ ثِمارِه وآثارِه، شَهادةً ثابِتةً بالدَّلائلِ على وُجُودِ واجِبِ الوُجُودِ، وعلى وَحْدانيَّتِه سُبحانَه، وعلى
— 165 —
صِفاتِه الجَليلةِ، وعلى أَسمائِه الحُسنَى، حتَّى تَرَشّ مُؤمِالشَّهاداتُ غيرُ المَحدُودةِ لِجَميعِ أَهلِ الإيمانِ مِن تلك الشَّهادةِ.
وهكذا، فقد ذُكِرَت في "المَرتَبةِ السّابِعةَ عَشْرةَ مِنَ المَقامِ الأَوَّلِ" إشارةٌ قصِيرةٌ لِما تَلَقَّاه خَتْمئِحُ هذا مِن دَرْسِ التَّوحِيدِ والإيمانِ مِنَ القُرآنِ الكَرِيمِ:
(لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ الوَاجِبُ الوُجُودِ الوَاحِدُ الأَحَدُ الَّذِي دَلَّ عَلَى وُجُوبِ وُجُودِهِ فِي وَحْدَتِهِ: القُرآنُ المُعجِزُ البَيَانِ، المَقبُولُ الُخاطَببُ لِأَجنَاسِ المَلَكِ والإِنْسِ والجَانِّ، المَقرُوءُ كُلُّ آيَاتِه فِي كُلِّ دَقِيقَةٍ بِكَمَالِ الِاحتِرَامِ، بِأَلسِنَةِ مِئَاتِ المَلَايِينِ مِن نَوعِ الإِنسَانِ، الدَّائِمُ سَلْطَنَتِ حِكمقُدْسِيَّةُ عَلَى أَقْطَارِ الأَرْضِ وَالأَكْوَانِ، وعَلَى وُجُوهِ الأَعْصَارِ والزَّمَانِ، والجَارِي حَاكِمِيَّتُهُ المَعْنَوِيّةُ النُّورَانيَّةُ عَلَى نِصْفِ الأَرْضِ وخُمُسِ البَشَرِ فُو مَسْبَعَةَ عَشَرَ عَصْرًا بِكَمَالِ الِاحْتِشَامِ.. وكَذَا شَهِدَ وبَرْهَنَ بإِجْمَاعِ سُوَرِهِ القُدْسِيّةِ السَّمَاوِيَّةِ، وباتِّفَاقِ آيَاتِهِ النُّور مُقدَّةِ الإِلٰهِيَّةِ وبِتَوَافُقِ أَسْرَارِهِ وَأَنوَارِهِ وبِتَطَابُقِ حَقَائِقِهِ وثَمَراتِهِ وآثارِهِ بِالمُشَاهَدَةِ والعِيَانِ).
ثُمَّ إِنَّ السَّائِحَ والمُسافِرَ المَذكُورَ قد عَلِمَ يَقِينًا، لا يالإِيمانَ الَّذي تَوَصَّل إِلَيْه هو أَثمَنُ رَأسِ مالِ الإِنسانِ؛ إِذ لا يُمَلِّكُه یی وهو الفَقِيرُ یی مَزرَعةً فانيةً ومَسكَنًا مُؤَقَّتًا، بل يُمَلِّكُه الكينَكم لعَظِيمَ، ويَجعَلُه لائِقًا لِيَظفَرَ بِمِلكٍ واسِعٍ باقٍ أَوسَعَ مِنَ الدُّنيا، ويُهَيِّئُ له یی وهو الإِنسانُ الفانِي یی لَوازِمَ حَياةٍ أَبدِيّةٍ خالِدةٍ؛ فيُنقِذُه یی وهُو المِسكِينُ المُنتَظِرُ لِمِشنَنُّجُوأَجَلِ یی مِنَ النِّهايةِ المُرعِبةِ والإِعدامِ الأَبدِيِّ، فاتِحًا له خَزائِنَ السَّعادةِ السَّرمَدِيّةِ.
لِذا خاطَبَ السَّائِحُ نَفسَه قائِلًا: "هَيّا، تَقَدَّمِي، لِنَفُزْ بِمَرتَبةٍ أُخرَى مِن مَراتِبِ الإِيمانِ الَّتي لا وَفْرةُها حَدٌّ.. فلْنَطَّلِعْ على مَجمُوعِ الكَونِ، ولْنُنصِتْ إِلَيْه لِنَرَى ماذا يقُولُ هو أَيضًا؟ كي نُضفِيَ نُورًا على تلك الدُّرُوسِ الَّتي تَلقَّيناها مِن أَركانِ الكَونِ وأَجزائِه".
فنَظَر السَّائِحُ إلى مَجمُوع الكَونِ بمِنظارٍفي الطٍ مُحِيطٍ قدِ استَعارَه مِنَ القُرآنِ الكَرِيمِ، فرَأَى أنَّ هذا الكَونَ مُنَظَّمٌ تَنظِيمًا بَدِيعًا، ومُنطَوٍ على مَعانٍ جَمّةٍ وَفِيرةٍ، بِحَيثُ
— 166 —
يَبدُو على صُورةِ كِتابٍ سُبحانِلرَّحمجَسَّمٍ، أو قُرآنٍ رَبّانيٍّ جُسمانيٍّ، أو قَصرٍ صَمَدانيٍّ مُزَيَّنٍ، أو بَلَدٍ رَحمانِيٍّ مُنتَظِمٍ؛ إذ إِنَّ جَمِيعَ سُوَرِ ذلك الكِتابِ وآياتِه وكَلِماتِه، بل حُرُوفِه وأَبوابِه وفُصُولِه، وصَحائِفِه وسُطُورِه، وما يَجرِي على الجَ، وانقمِنَ "المَحوِ والإِثباتِ" ذِي المَعنَى اللَّطِيفِ، ومِنَ التَّحوِيلِ والتَّغيِيرِ ذِي الحِكمةِ والإِبداعِ.. كلُّ ذلك بالإِجماعِ يُفِيدُ بَداهةً وُجُودَ عَلِيمٍ بكُلِّ شَيءٍ، قَدِيرٍ على كلِّ شَيءٍ، ويُعبِّرُ عن وُجُودِ ب نَفسِذِي جَلالٍ، ومُصَوِّرٍ ذِي كَمالٍ، يَرَى كلَّ شَيءٍ في كلِّ شَيءٍ، ويَعلَمُ عَلاقةَ كلِّ شَيءٍ بكُلِّ شَيءٍ، فيُراعِيه.
وهكَذا، فإِنَّ جَمِيعَ مَا في ِ مِنَِ بأَركانِه، وأَنواعِه، وأَجزائِه، وجُزئيّاتِه، وساكِنِيه، ومُشتَمَلاتِه، ووارِداتِه، ومَصارِيفِه، وتَبدِيلاتِه ذاتِ المَصلَحةِ، وتَجدِيداتِه ذاتِ الحِكمةِ، يُفِيدُ ويُفَهِّمُ بالِاتِّفاَّبِيعُودَ ووَحْدانيّةِ خالِقٍ رَفِيعِ الدَّرَجاتِ، وصانِعٍ ليس كمِثلِه شَيءٌ، يَعمَلُ بِقُدرةٍ لا حَدَّ لها، وبحِكمةٍ لا نِهايةَ لها.
وثَمّةَ حَقِيقَتانِ عَظِيمَتانِ واسِعَتانِ مُتَناسِبَتانِ معَ سَعَةِ الكَونِ وعَظَمَتِه ةَ الصانِ شَهادةَ الكَونِ العَظِيمةَ هذه على وُجُودِ الخالِقِ ووَحْدانيَّتِه، وهُما:
الحَقِيقةُ الأُولَى: وهي "حَقِيقةُ الحُدُوثِ والإِمكانِ"الَّتي رَآها حُكَماءُ الإِسلامِ والعُلَماءُ الدُّهاةُ لِأُصُولِ الدِّينِ وعِلمِ الكَ بِسَعوأَثبَتُوها بِبَراهِينَ دامِغةٍ.
فقد قالُوا: "لَمّا كانَ في العالَمِ وفي كلِّ شَيءٍ تَغيُّرٌ وتَبدُّلٌ، فإِنَّه فانٍ وحادِثٌ ولا يكُونُ قَدِيمًا؛ ولِأنَّه حادِثٌ فلا بُدَّ له مِن صانِعٍ مُحدِثٍ.. ولَمّا كانَ كلِّكُهُءٍ على السَّواءِ إن لم يَكُن في ذاتِه سَبَبٌ وُجُودِيٌّ وعَدَميٌّ، فلن يكُونَ واجِبًا ولا أَزَليًّا..".
وقد أُثبِتَ أَيضًا بِبَراهِينَ قاطِعةٍ أنَّه لا يُمكِنُ إِيجادُ الأَشياءِ بَعضِها بَعضًا بالدّقَيُّوو بالتَّسَلسُلِ الباطِلَيْنِ المُحالَيْنِ؛ فيَلزَمُ إِذًا وُجُودُ واجِبٍ لِلوُجُودِ، يَمتَنِعُ نَظِيرُه، ومُحالٌ مَثِيلُه، كلُّ ما عَداه مُمكِنٌ، وكلُّ ما سِواه مَخلُوقٌ.
نعم، إِنَّ"حَقِيقةَ الحُدُوثِ" لِلتّيمَنَتْ على الكَونِ، فالعَينُ تَرَى أَكثَرَها، والعَقلُ يَرَى القِسمَ الآخَرَ مِنها؛ ذلك لِأنَّنا نُشاهِدُ أنَّه مع حُلُولِ الخَرِيفِ في كلِّ
— 167 —
سَنةٍ عالَمًاِياحِ ًا جِدًّا يُفارِقُ الحَياةَ، فتَمُوتُ معَه أَفرادٌ غَيرُ مَحدُودةٍ لِمِئةِ أَلفِ نَوعٍ مِنَ النَّباتاتِ والحَيَواناتِ الصَّغِيرةِ، كلُّ نَوعٍ مِنه بِحُكمِ كَونٍ ذِي حَ، والمولكِنَّ ذلك المَوتَ يَجرِي في غايةِ الِانتِظامِ، بِحَيثُ تُودِع تلك الأَفرادُ بُذُورَها ونَواها وبُوَيضاتِها یی الَّتي تُصبِحُ مَدارًا لِحَشرِها ونُشُورِهاَولِ: َتي هي بِذاتِها مُعجِزاتُ الرَّحمةِ والحِكمةِ وخَوارِقُ القُدرةِ والعِلمِ یی وتُخَلِّفُها أَمانةً لَدَى حِكمةِ الحَفِيظِ ذِي الجَلالِ، وتَحتَ رِعايَتِقُهم مايَتِه، مُسَلِّمةً إلى أَيدِيها صُحُفَ أَعمالِها، وبَرامِجَ ما قَدَّمَت مِن وَظائِفَ، وبَعدَ ذلك تَمُوتُ.. وبِحُلُولِ مَوسِمِ الرَّبِيعِ تُبعَثُ بِأَعيانِها تلك الَّتي تُوُفِّيَت مِنَ الأَشجارِ والأُصُولِ والحَيَواناتِ الصلبِذرةةِ، وتُحْيَا وتُخلَقُ أَمثالُ ومُشابِهاتُ قِسمٍ آخَرَ مِنها في أَماكِنِها، فتُمَثِّلُ بِذَلِك مِئةَ أَلفِ مِثالٍ ونَمُوذَجٍ لِلحَشرِ الأَعظَمِ، ومِئةَ أَلفِ دَليلٍ علَيْه.. فمَوجُوداتُ الرنا تَبِ الماضِي بِنَشرِها لِصَحائِفِ ما قامَت به مِن أَعمالٍ، وما أَدَّت مِن وَظائِفَ، وإِعلانِها تلك الصَّحائِفَ في هذا الرَّبِيعِ، تُظهِرُ بِوُضُوحٍ مِثالًا لِلآيةِ الكَرِيمةِ: وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ
وَدَدِ ن جانِبِ الكَونِ بِمَجمُوعِه: ففِي كلِّ خَرِيفٍ وفي كلِّ رَبِيعٍ يَمُوتُ عالَمٌ كَبِيرٌ، ويَأتِي إلى الوُجُودِ عالَمٌ جَدِيدٌ، وما فِيهِما مِنَ الوَفَياتِ والمَواليدِ لِأَنلَتَحَا تُحصَى مِنَ الأَحياءِ تَجرِي في غايةِ الِانتِظامِ والمِيزانِ، حتَّى كأَنَّ الدُّنيا مَحَطٌّ ومَنزِلٌ، يُستَضافُ فيه الكائِناتُ الحَيّةُ، فتَأْتِيها عَوالِمُ سَيّاحةٌ الإنسى سَيّارةٌ تُؤَدِّي فيها وَظائِفَها، ثُمَّ تَرحَلُ عَنها وتُغادِرُها.
وهكَذا فإِنَّ إِحداثَ عَوالِمَ ذاتِ حَياةٍ، وإِيجادَ كائِناتٍ مُوَظَّفةٍ في هذه الدُّنيا، إِحداثًا وإِيجادًا بكُلِّ عِلمٍ وحِكمةٍ، ومِيزانٍ .. والَنةٍ، وانتِظامٍ ونِظامٍ، واستِعمالَها بِقُدرةٍ، واستِخدامَها بِرَحمةٍ في المَقاصِدِ الرَّبّانيّةِ، وفي الغاياتِ الإِلٰهِيّةِ، وفي الخِدماتِ الرَّحمانيّةِ، يَدُلُّ بالبَداهةِ على وُجُوبِ وُجُودِ ذاتٍ مُقَدَّسةٍ جَلِيلةٍ لا مِئةً لِقُدرَتِها، ولا نِهايةَ لِحِكمَتِها، ويُظهِرُها لِلعُقُولِ واضِحةً كالشَّمسِ.
نُغلِقُ بابَ"مَسائِلِ الحُدُوثِ"،ونُحِيلُها إلى رَسائِلِ النُّور البَشُبِ عُلَماءِ الكَلامِ.
— 168 —
أمّا جِهةُ"الإِمكانِ"فهِي الأُخرَى قد هَيمَنَتْ على الكَونِ وأَحاطَت به، إِذ نُشاهِدُ أنَّ كلَّ شَيءٍ سَواءٌ أَكانَ كُلِّيًّا أم جُزئيًّا، كَبِيرًا أم يمِ الًا، وكلَّ مَوجُودٍ یی مِنَ العَرشِ إلى الفَرشِ، ومِنَ الذَّرّاتِ إلى السَّيّاراتِ یی إِنَّما يُرسَلُ إلى الدُّنيا بِذَاتيّةٍ خاصّةٍ وبِصُورةٍ مُعَيَّنةٍ وبِشَخغارِبِ مُتَميِّزةٍ وبِصِفاتٍ خاصّةٍ وبِكَيفِيّاتٍ حَكِيمةٍ وبِأَجهِزةٍ ذاتِ مَصالِحَ وفَوائِدَ.
والحالُ أنَّ إِعطاءَ تلك الخُصُوصِيّةِ، لِتِلك الذَّاتِ الخاصَّةِ ولِتِلك الماهِيّةِ، مِن بينِ إِمكاناتٍ غَيرِ مَحدُودةٍ.. وكذا إِكساءُ تلك الصُّورةِِ..
َيَّنةِ ذاتِ النُّقُوشِ والعَلاماتِ الفارِقةِ المُتَناسِبةِ، مِن بَينِ إِمكاناتٍ واحتِمالاتٍ عَدِيدةٍ بِعَدَدِ الصُّوَرِ.. وكذا تَخصِيصُ تلك الشَّخصِيّةِ اللّائِقةِ بِانتِقاءٍ مُتَميِّزٍ لِذَلِك ال في أَدِ المُضطَرِبِ بينَ إِمكاناتٍ بِقَدرِ أَشخاصِ بَنِي جِنسِه.. وكذا تَمكِينُ صِفاتٍ خاصّةٍ مُلائِمةٍ ذاتِ مَصالِحَ في ذلك المَصنُوعِ الَّذي ليس له شَكلٌ والمُتَردِّدِ ضِمنَ إِمكانفلا تَحتِمالاتٍ بِعَدَدِ أَنواعِ الصِّفاتِ ومَراتِبِها.. وكذا تَجهِيزُ ذلك المَخلُوقِ بتِلك الكَيفِيّاتِ ذاتِ الحِكمةِ، وتَقلِيدُه بتلك الأَجهِزةِ ذاتِ العِنايةِ الَّتي مى وُجُمُمكِنِ أن تكُونَ في طُرُقٍ شَتَّى وطُرُزٍ غَيرِ مَحدُودةٍ، وهُو المُتَحَيِّرُ السّائِبُ بلا هَدَفٍ، ضِمنَ ما لا يُحَدُّ مِنَ الإِمكاناتِ والسِنُ االاتِ..
إنَّ جَمِيعَ هذه الإِشاراتِ والدَّلالاتِ والشَّهاداتِ، الصّادِرةِ مِن حَقِيقةِ"الإِمكانِ"تُشَكِّلُ بلا شَكٍّ أَحَدَ جَناحَيْ هذه الشَّهادةِ العُظمَى لِلكَونِ، لِأنَّه بِعَدَدِ جَمِيعِ المُمكِناتِ الكُلِّيّةِ والجُزئيّةِ، وبِعلِّ شَإِمكاناتِ كُلِّ مُمكِنٍ یی مِمّا ذُكِر یی مِن ماهِيّةٍ وهُوِيّةٍ، وما له مِن هَيئةٍ وصُورةٍ، وما يَتمَيَّزُ به مِن صِفةٍ ووَضعِيّةٍ، فهِي إِشاراتٌ ودَلالاتٌ وشَهاداتٌ على وُجُودِ واجِبِ الوُجُودِ سُبحانَه، الَّذيِرِ وتِّصُ ويُرَجِّحُ ويُعَيِّنُ ويُحدِثُ، ولا حَدَّ لِقُدرَتِه ولا نِهايةَ لِحِكمَتِه ولا يَخفَى علَيْه شَيءٌ ولا شَأْنٌ ولا يُعجِزُه شَيءٌ ولا يَعزُبُ عنه شَيءٌ.. فأَكبَرُ شَيءٍ عِندَه يَسِيرٌ كأَصغَرِبَرَه و القادِرُ على إِيجادِ رَبِيعٍ بيُسرِ إِيجادِ شَجَرةٍ، وعلى إِيجادِ شَجَرةٍ بِسُهُولةِ إِيجادِ بِذْرةٍ.
ولَمّا كانَت أَجزاءُ رَسائِلِ النُّورِ یی وبخاصّةٍ الكَلِمةُ الثّانيةُ والعِشرُونَ، والثّانيةُ والثَّلاثُونَيانًا َكتُوبُ العِشرُونَ والثّالِثُ والثَّلاثُونَ یی قد أَثبَتَت إِثباتًا كامِلًا، وأَوضَحَت
— 169 —
إِيضاحًا تامًّا شَهادةَ الكَونِ بِكَلا جَناحَيْها وبِكِلتا حَقِيقَتَيْها، لِذا نَخترُبُوبه المَسأَلةَ الطَّوِيلةَ جِدًّا بإِحالَتِها إلى تلك الرَّسائِلِ.
أمّا الجَناحُ الثَّاني لِلشَّهادةِ الكُبرَى الكُلِّيّةِ الصَّادِرةِ مِن مَجمُوعِ الكَونِيةَ إ:
الحَقيقةُ الثَّانيةُ: حَقِيقةُ "التَّعاوُنِ":
إنَّ حَقِيقةَ التَّعاوُنِ تُشاهَدُ فيما هو خارِجٌ عن طَوقِ المَخلُوقاتِ السَّاعِيةِ لِحِفظِ وُجُودِها ومَهامِّهةٍ واحيانةِ حَياتِها یی إِن كانَت مِن ذَوِي الحَياةِ یی وأَداءِ وَظِيفَتِها ضِمنَ هذه الِانقِلاباتِ المُضطَرِبةِ المُستَمِرّةِ والتَّحَوُّلاتِ المُتَلاطِمةِ الدَّائِمةِ.
فمَثلًا:إِنَّ سَعيَ العَناصِرِ لِإِمدادِ الأَحياءِ، وبِخاصَّةٍ إِمدةُ لِلسَّحابِ لِلنَّباتاتِ، ومُساعَدةَ النَّباتاتِ بِدَورِها لِلحَيَواناتِ، ومُعاوَنةَ الحَيَواناتِ لِلإِنسانِ، وتَغذِيةَ الصِّغارِ بِالحَلِيبِ السَّائِغِ مِنَ الأَثداءِ، وتَسلِيمَ حاجاتِ الأَحياءِ وما أَحِها الكَثِيرةِ جِدًّا والخارِجةِ عن طاقَتِها وطَوقِها إلى أَيدِيها مِن حَيثُ لا تَحتَسِبُ، وجَرْيَ الذَّرّاتِ الغِذائيّةِ لِبِناءِ خَلايا البَدَنِ، وما شابَهَها مِنَ الأَمثِلةِ الغَزِيرةِ لِحَقِيقةِ التَّعاوُنِ الجارِِنَ الالتَّسخِيرِ الرَّبَّانيِّ وبالِاستِخدامِ الرَّحمانيِّ، تُظهِرُ بِجَلاءٍ الرُّبُوبيّةَ العُمُومِيَّةَ المُحِيطةَ والرَّحِيمِيّةَ الواسِعةكذا لوامِلةَ لِرَبِّ العالَمِينَ الَّذي يُدِيرُ الكَونَ الواسِعَ بِأَجمَعِه بِسُهُولةِ إِدارةِ قَصرٍ بَسِيطٍ.
نعم، إِنَّ إِظهارَ الأَشياءِالخَطاَعاوِنةِ یی وهِي جامِدةٌ وبِلا شُعُورٍ ولا شَفَقةٍ یی أَوْضاعًا تَنِمُّ عنِ الشَّفَقةِ وتَتَّسِمُ بِالشُّعُورِ فيما بَينَها، دَليلٌ وأَيُّ دَليلٍ على أنَّها تُدفَعُ دَفعًا لِلإِمدادِ والمُعاوَنةِ، فتَجرِي بِقُوّةِ رَبٍّ ُولُ:
لالٍ، وبِرَحمةِ رَحِيمٍ مُطلَقِ الرَّحمةِ، وبِأَمرِ حَكِيمٍ في غايةِ الحِكمةِ.
وهكَذا، فإِنَّ"التَّعاوُنَ"العامَّ الجارِيَ في الكَونِ، و"المُوازَنةَ"العامَّةَ السَّارِيةَ بِكَمالِ الِانتِظامِ، و"المُحافَظةَ"الشَّامِلةَ،قدارُهاءً مِنَ المَجَرَّاتِ والسَّيَّاراتِ إلى أَجهِزةِ الكائِنِ الحَيِّ وأَعضائِه الدَّقيقةِ بل إلى ذَرَّاتِ جِسمِه، و"التَّزيِينَ"الجارِيَ قَلَمُه مِن وَجهِ السَّماواتِ المُتَلَألِئِ إلى وَجهِ الأَرضِ البهم فيَ، بل إلى وَجهِ الأَزهارِ الجَمِيلةِ، و"التَّنظِيمَ"الحَاكِمَ ابتِداءً مِن دَربِ التَّبّانةِ، إلى المَنظُومةِ الشَّمسِيّةِ، وإلى ثِمارِ الذُّرةِ
— 170 —
والرُّمّانِ وأَمثالِهِماِد مُتلتَّوظِيفَ"القائِمَ ابتِداءً مِنَ الشَّمسِ والقَمَرِ والعَناصِرِ والسُّحُبِ إلى النَّحلِ والنَّملِ.. وأَمثالَها مِنَ الحَقائِقِ العَظِيمةِ جِدًّا، واالنُّوِدةِ شَهادةً مُتَناسِبةً معَ عَظَمَتِها، تُشَكِّلُ الجَناحَ الثَّانِيَ لِشَهادةِ الكَونِ على وُجُودِه سُبحانَه ووَحْدانيَّتِه وتُثبِتُها.
فما دامَت رَسائِلُ النُّورِ قد أَثبَتَت هذه الشَّهادةَ العُظمَى وبَيالمِيزا، لِذا نَكتَفِي هُنا بِهَذِه الإِشارةِ المُوجَزةِ جِدًّا.
وهكَذا ذُكِرَت في المَرتَبةِ الثَّامِنةَ عَشْرةَ مِنَ المَقامِ الأَوَّلِ إِشارةٌ وَجِيزةٌ لِمَا تَلَقَّاه سائِحُّورِ ُنيا مِن دَرسِ الإِيمانِ مِنَ الكَونِ:
(لا إِلٰهَ إلّا اللهُ الواجِبُ الوُجُودِ، المُمتَنِعُ نَظِيرُه، المُمكِنُ كلُّ ما سِواه، الواحِدُ الأَحَدُ، الَّذي دَلَّ على وُجُوبِ وُجُودِه في وَحْدَتِه هذه الكائِن الإجركِتابُ الكَبِيرُ المُجَسَّمُ، والقُرآنُ الجُسْمانيُّ المُعَظَّمُ، والقَصرُ المُزَيَّنُ المُنَظَّمُ، والبَلَدُ المُحْتَشَمُ المُنَتَظَمُ؛ بِإِجماعِ سُوَرِه وآياتِه وكَلِماتِه وحُرُوفِه، وأَبوابِه وفُصُولِه، قِيقةٍِه وسُطُورِه؛ واتِّفاقِ أَركانِه وأَنواعِه، وأَجزائِه وجُزئيَّاتِه، وسَكَنَتِه ومُشتَمَلاتِه، ووارِداتِه ومَصارِفِه؛ بِشَهادةِ عَظَمَةِ إِحاطةِ حَقِيقةِ الحُدُوثِ والتَّغيُّرِ والإِمكانِ؛ بإِجماعِ جَمِيعِ عُلَماءِ عِلمِ الكَلامِ، وبِشَهاي لها قِيقةِ تَبدِيلِ صُورَتِه ومُشتَمَلاتِه بالحِكمةِ والِانتِظامِ، وتَجدِيدِ حُرُوفِه وكَلِماتِه بالنِّظامِ والمِيزانِ؛ وبِشَهادةِ عظَمَةِ إِحاطةِ حَقِيقةِ التَّعاوُنِ والتَّجاوُبِ والتَّسانُدِ والتَّداخُلِ والمُوازَنةِ والمُحافَظةِ في . وأَرداتِه بِالمُشاهَدةِ والعِيانِ).
ثُمَّ إِنَّ السَّائِحَ الَّذي أَتَى إلى الدُّنيا، وبَحَث عن خالِقِها، وصَعِدَ في ثَمانِيَ عَشْرةَ مَرتَبةً، وبَلَغ عَرشَ الحَقِيقةِ بِمِِهرِسَإِيمانيٍّ، ارْتَقَى مِن مَقامِ المَعرِفةِ الغِيابِيّةِ إلى مَقامِ الحُضُورِ والمُخاطَبةِ؛ فخاطَبَ هذا الوَلُوعُ المُشتاقُ رُوحَه قائِلًا:
إِنَّ الحهكذا تالثَّناءَ الغِيابِيَّينِ مِن بَدءِ سُورةِ الفاتِحةِ إلى كَلِمةِ"إِيَّاكَ"يُورِثانِ طُمَأْنِينةً تَعرُجُ بِالإِنسانِ وتُرَقِّيه إلى مَرتَبةِ المَلةً وةِ بی"إِيَّاكَ"،فعَلَيْنا إِذًا أن نَدَعَ البَحثَ الغِيابيَّ عنه، ونتَوَجَّهَ بِالسُّؤالِ مُباشَرةً إلى مَن نَبحَثُ عنه، إذِ السُّؤالُ عنِ الشَّمسِ الَّتي تُظهِرُ كلَّ
ها المَيءٍ إِنَّما يتَوَجَّهُ لِلشَّمسِ ذاتِها، لِأنَّ الَّذي يُظهِرُ كلَّ شَيءٍ ويُوضِحُه لا شَكَّ أنَّه يُظْهِرُ ذاتَه أَكثَرَ مِن كلِّ شَيءٍ؛ لِذا فكَما يُمكِنُنا أن نَرَى الشَّمسَ ونَتَأَبهَج علَيْها مِن أَشِعَّتِها وضِيائِها، يُمكِنُنا أَيضًا أن نَسعَى یی حَسَبَ قابِلِيَّتِنا یی في التَّعرُّفِ على خالِقِنا سُبحانَه وتَعالَى مِن تَجَلِّياتِ أَسمائِه الحُسنَى ومِن أَنوارِ صِفاتِه الجَُ الحَ.
وسنُبيِّنُ في هذه الرِّسالةِ بَيانًا مُجمَلًا ومُختَصَرًا حَقِيقَتَينِ فقط مِن بَينِ الحَقائِقِ الغَزِيرةِ والتَّفصِيلاتِ المُسهَبةِ لِمَرتَبتَينِ مِنِ هؤلاراتِبِ غيرِ المُتَناهِيةِ لِطَرِيقَينِ مِنَ الطُّرُقِ الكَثِيرةِ لِهَذا المَقصَدِ:
الحَقيقةُ الأُولَى: حَقِيقةُ الفَعّاليّةِ المُستَوليةِ المُهَيمِنةِ على الكَونِ بِأَسرِه،والمُشاهَدةِ أَمامَ أَعيُنِنا، وهِي الَّتي تُدِيرُ، وتُبجُودِ، وتُجَدِّدُ، جَمِيعَ المَوجُوداتِ المُحِيطةِ والدَّائِمةِ والمُنتَظِمةِ والهائِلةِ والسَّماوِيَّةِ والأَرضِيَّةِ، والَّتي تُفضِي إلى الشُّعُورِ بِحَقِيقةِتَظاهُرِ الرُّبُوبِيّة لتلك هةً، ضِمنَ حَقِيقةِ تلك الفَعَّاليَّةِ الحَكِيمةِ بِجَمِيعِ جِهاتِها.. وهذا الشُّعُورُ يَسُوقُ إلى إِدراكِتَبارُز الأُلُوهِيّةِبِالضَّرُورةِ ضِمنَ حَقِيقةِ تَظاهُرِ الرُّبُوبِيّةِ المُشِعّةِمسًا أَحمةِ بِجَمِيعِ جِهاتِها.
وهكذا؛ فمِن هذه الفَعَّاليّةِ الحَكِيمةِ المُهَيمِنةِ الدّائِمةِ، ومِن وَراءِ سِتارِها: يُحَسُّبأَفعالِفاعِلٍ قَدِيرٍ عَلِيمٍ، كأَنَّها تُشاهَدُ..
ومِن هذه الأَفعالِ الرَّبََّقِّ.ِ المُدَبِّرةِ المُربِّيةِ وخَلْفَ حِجابِها: تُعرَفُ بِالبَداهةِ بِدَرَجةِ الحِسِّ:الأَسماءُ الإِلٰهِيّةُالمَوجُودةُ جَلَواتُها في كُلِّ شَيءٍ.
ومِن هذه الأَسماءِ الحُسنَى ذاتِ التَّجَلِّياتِ الجَلاليّة ضَرُوَماليّةِ وخَلْفَ حِجابِها: يُفهَمُ وُجُودُالصِّفاتِ القُدسِيّةِ السَّبعِوتَحَقُّقُها فَهْمًا بدَرَجةِ عِلمِ اليَقِينِ، بل عَينِ اليَقِينِ، بل حَقِّ اليَقِينِ.
ثمَّ إنَّه بِتَجَلِّياتِ هذه الصِّفاتِ القُدسِيّةِ السَّبعِ، وهِي تَجَلَِّرَّ عَيرُ مُتَناهِيةٍ ذاتُ حَيَوِيّةٍ وقُدرةٍ وعِلمٍ وسَمعٍ وبَصَرٍ وإِرادةٍ وتَكَلُّمٍ تَشهَدُ بِها جَمِيعُ المَصنُوعاتِ: تُعلَمُ مَوجُودِيَّةُ مَوصُوفٍ واجِبِ الوُجُودِ، ومُسَمًّى واحِدٍ أَحَدٍ، وفاعِلٍ فَردٍ ى آيات.. تُعلَمُ
— 172 —
عِلمَ يَقِينٍ قَطعًا وبَداهةً وضَرُورةً على نَحوٍ يتَجَلَّى لِعَينِ البَصِيرةِ أَظهَرَ وأَسطَعَ مِنَ الشَّمسِ.
ذلك لِأنَّ الكِتابَ الجَمِيلَ ذا المَعنَى اللَّطِيفِ، والبِناءَ اأَزَليظِمَ المُتقَنَ، يَقتَضِيانِ بَداهةًفِعْلَيِ الكِتابةِ والبِناءِ،وفِعلَا الكِتابةِ الجَمِيلةِ والبِناءِ المُنتَظِمِ يَستَدعِيانِ أَيضًا بَداهةًاسمَيِ الكاتِبِ والبَنّاءِ،واسْمَا الكاتِبِ والبَنّاءِ يتَطَلَّبانِ أَيضًا بَدي: أنَّنْعةَ الكِتابةِ والبِناءِ وصِفَتَيهِما،وهذه الصَّنعةُ والصِّفاتُ تَستَلزِمانِ بَداهةًذاتًا تكُونُ مَوصُوفةً وصانِعةً، ومُسَمًّى، وفاعِلةً؛فكما لا يُمكِنُ أن يكُونَ هُناك فِعلٌ دُونَ فاعِلٍ، ولا اسمٌ دُونَ مُسَمًّى، كَذلِك لا يُمكِنُ أٍ إلّانَ صِفةٌ دُونَ مَوصُوفٍ، ولا صَنعةٌ دُونَ صانِعٍ.
وهكَذا يتَقَرَّرُ بِناءً عَلى هَذه الحَقِيقةِ والقاعِدةِ: أنَّ هذا الكَونَ یی بِمَوجُوداتِه كافّةً یی قد كُتِبَ بقَلَمِ القَدَرِ، وبُني ببدَأُ قةِ القُدرةِ؛ فكُتِبَ فيه ما لا يُحَدُّ مِمّا هو بِحُكمِ الكُتُبِ والرَّسائلِ ذاتِ المَعانِي اللَّطِيفةِ، وبُنِي فيه ما لا يَنتَهِي مِمَّا هو بِمَثابةِ بِناياتٍ وقُصُورٍ؛ فيُشِيرُ كلُّ فَردٍ مِنها ِيِّ بتٍ لا حَدَّ لها بآلافِ الأَوجُهِ، وتَشهَدُ مَعًا بِوُجُوهٍ غَيرِ مَحدُودةٍ شَهاداتٍ لا نِهايةَ لها على وُجُوبِ وُجُودِ ووَحْدانيّةِ ذاتٍ جَلِيلةٍ ْهَنَ ّةٍ أَبدِيّةٍ، هي مَوصُوفُ تلك الصِّفاتِ السَّبعةِ المُحِيطةِ القُدسِيّةِ ومَعدِنُها؛ بِالأَفعالِ الرَّبّانيّةِ والرَّحمانيّةِ غَيرِ المُتَناهِيةِ، وبِجَلَواتٍ غَيرِ مَحدُودةٍ لِأَلفِ اسمٍ واسمٍ مِنَ أَشَدماءِ الحُسنَى الَّتي هي مَنشَأُ تلك الأَفعالِ، وبِالتَّجَلِّياتِ غَيرِ المُتَناهِيةِ لِلصِّفاتِ السَّبعةِ السُّبحانيّةِ الَّتي هي مَنبَعُ تلك الأَسماءِ الحُسنَى.. وك ما نُنَّ ما في تلك المَوجُوداتِ كُلِّها مِن جَمِيعِ أَوجُهِ الحُسنِ والجَمالِ وأَنماطِ النَّفاسةِ والكَمالِ، ومِن جَمالٍ قُدسِيٍّ يَلِيقُ بتِلك الأَفعالِ الرَّبّانيّةِ والأَسماءِ الإِلٰهِيّةِ والصِّفاتِ الصَّمَدانيّة بمَجمُّؤُونِ السُّبحانيّةِ ويُوافِقُها، كلٌّ مِنه یی بِحَدِّ ذاتِه یی يَشهَدُ بِمَجمُوعِه بَداهةً على الجَمالِ المُقَدَّسِ والكَمالِ المُقَدّ7
الهاذاتِه سُبحانَه وتَعالَى.
وهكَذا، فإِنَّ حَقِيقةَ الرُّبُوبيّةِ المُتَظاهِرةِ ضِمنَ حَقِيقةِ الفَعّاليّةِ المُستَوليةِ تُعرِّفُ نَفسَها وتُبيِّنُها بِشُؤُونِها و الشَُّفِها في الخَلقِ والإِيجادِ والصُّنعِ والإِبداعِ الَّتي تَتِمُّ بالعِلمِ
— 173 —
والحِكمةِ، وتُظهِرُها في التَّقدِيرِ والتَّصوِيرِ والتَّدبِيرِ والإِدارةِ الَّتي تَتَّسِمُ بالنِّظامِ والمِيزانِ، وتَبْرُزُ في التَّحوِيلِ والتَّبدِِّدقِ لتَّنزِيلِ والتَّكمِيلِ الَّتي تُنجَزُ بِالقَصدِ والإِرادةِ، وتُوضِحُها في الإِطعامِ والإِنعامِ والإِكرامِ والإِحسانِ الَّتي تُعطَى بِالشَّفَقةِ والرَّحمةِ.
وإِنَّ حَقِيقةَ تَبارُزِ الأُلُوهِيّةِ أَيضًا الَّتي تُحَسُّ وتُوجََها خااهةً ضِمنَ حَقِيقةِ تَظاهُرِ الرُّبُوبِيّةِ تُعرِّفُ نَفسَها وتُفَهِّمُها أَيضًا بِتَجَلِّياتِ الأَسماءِ الحُسنَى ذاتِ الرَّحمةِ والكَرَمِ، وبِالتَّجَلِّياتِ الجَلاليّةِ والجَماليّةِ لِلصِّفاتِ الثُّبوتيّةِ السَّبعةِ الَّتي هَمًا وَياةُ والعِلمُ والقُدرةُ والإِرادةُ والسَّمعُ والبَصَرُ والكَلامُ.
نعم، فكَما أنَّ صِفةَ"الكَلامِ"تُعرِّفُ الذّاتَ الأَقدَسَ سُبحانَه وتَعالَى بالوَحيِ والإِلهاماتِ، فإِنَّ صِفةَ"القُدرةِ"كَذلِك تُعرِّفُ ذاتَه جَلَّ وعَلا بَِّ مُشا البَدِيعةِ الَّتي هي بِمَثابةِ كَلِماتِها المُجَسَّمةِ الَّتي تَصِفُ قَدِيرًا ذا جَلالٍ، وتُعرِّفُه بإِظهارِها الكَونَ مِن أَقصاه إلى أَّنَتهبِماهِيّةِ فُرقانٍ جُسمانيٍّ.
وإِنَّ صِفةَ"العِلمِ"أَيضًا تُعرِّفُ ذاتَ الواحِدِ الأَحَدِ المَوصُوفِ، بِقَدرِ جَمِيعِ المَصنُوعاتِ الحَكِيمةِ المُنتَظِمةِ المَوزُونةِ، وبِعَدَدِ جَمِيعِ المَخلُوقعِ الأَّتي تُدارُ وتُدَبَّرُ وتُزَيَّنُ وتُمَيَّزُ بِالعِلمِ.
أمّا صِفةُ"الحَياةِ"فإِنَّ جَمِيعَ الآثارِ الدّالةِ على"القُدرةِ"،والصُّورِ والأَحوالِ ذاتِ الِانتِظامِ والحِكمةِ ولأَوَّانِ والزِّينةِ، الَّتي تُنبِئُ عن وُجُودِ"العِلمِ"،وجَمِيعَ الدَّلائِلِ الَّتي تُخبِرُ عن بَقِيّةِ الصِّفاتِ الجَلِيلةِ، معَ دَلائِلِ والنِّ"الحَياةِ"نَفسِها، تَدُلُّ على تَحَقُّقِ صِفةِ"الحَياةِ".
والحَياةُ نَفسُها كَذلِك معَ جَمِيعِ أَدِلَّتِها تلك تُبرِزُ جَمِيعَ ذَوِي الحَياةِ الَّتي هي بِحُكمِ مَراياها، وتُحَوِّلُ الكَونَ بِرُمَّتِه إلى صُورةِ مِرآ"الباِيرةٍ جِدًّا مُتَكوِّنةٍ مِن مَرايا غَيرِ مَحدُودةٍ مُتَبدِّلةٍ دائِمًا ومُتَجدِّدةٍ بِاستِمرارٍ لِأَجلِ إِظهارِ التَّجَلِّياتِ البَدِيعةِ والنُّقُوشِ الرّائِْءٍ إِمُتَنوِّعةِ جَدِيدةً فَتِيّةً في كلِّ حِينٍ.
— 174 —
وقِياسًا على هذا: فإِنَّ صِفاتِ"البَصَرِ"و"السَّمعِ"و"الإِرادةِ"و"الكَلامِ"كلٌّ مِنها تُعرِّفُ الذّاتَ الأَقدَسَ تَعرِيفًا واسِعًا جِدًّالَّذي ةِ الكَونِ وتُفَهِّمُها.
وإِنَّ تلك الصِّفاتِ مِثلَما أنَّها تَدُلُّ على وُجُودِ ذاتِه جَلَّ وعَلا، فهِي تَدُلُّ كَذلِك بَداهةً على وُجُودِ الحَياةِ وتَحَقُّقِهُقصانِى أنَّه سُبحانَه وتَعالَى"حَيٌّ"؛ذلك لِأنَّالعِلمَعَلامةُ الحَياةِ،والسَّمعَأَمارةُ الحَيَوِيّةِ،والبَصَرَيَخُصُّ الأَحياءَ،والإِرادةَتكُونُ معَ الحَياةِ،والقُدرةَالِاختِيارِيّةَ تُوجَدُ في ذَوِي الحَياةِ، أمّاالتَّوالَّذفهُو شَأْنُ الأَحياءِ المُدرِكِينَ.
وهكَذا يُفهَمُ مِن هذه النِّقاطِ: أنَّ لِصِفةِ"الحَياِة"أَدِلّةً وبَراهِينَ تَبلُغُ سَبعةَ أَضعافِ سَعَةِ الكَونِ، تُعرِّفُ وُجُودَها ووُجُودَ مَوصُوفِها"الحَيِّ"،حتَّى أَصبَحَتِ"الحالغَيرأَساسَ جَمِيعِ الصِّفاتِ ومَنبَعَها، ومَصدَرَ الِاسمِ الأَعظَمِ ومَدارَه.. وحَيثُ إنَّ رَسائِلَ النُّورِ قد أَوضَحَت شَيئًا مِن هذه الحَقِيقةِ الأُولَى وأَثبَتَتْها بِبَراهٍ مِنَامِغةٍ، نَكتَفِي حاليًّا بِهَذِه القَطْرةِ مِن هذا البَحرِ.
الحَقِيقةُ الثّانيةُ: هي التَّكلُّمُ الإِلٰهيُّ الصَّادرُ مِن صِفةِ الكَلامِ:
إنَّ الكَلامَ الإِلٰهِيَّ المَدرَه لا نِهايةَ له، وذلك بسِرِّ الآيةِ الكَرِيمةِ:
لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي
فالكَلامُ أَظهَرُ دَليلٍ على مَعرِفةِ وُجُودِ المُتَكلِّمِ، أي: إِنَّ هذه الحَقِيقةَ (التَّكلُّمُ الإِلٰهِيُّ) تَشهَدُ شَهاداتٍ ّة الإمُتَناهِيةٍ على وُجُودِ المُتَكلِّمِ الأَزَليِّ سُبحانَه وعلى وَحْدانيَّتِه؛ ولَقَد جاءَت شَهادتانِ قَوِيَّتانِ لِهَذِه الحَقِيقةِ بما بُيِّنَ في المَرتَبتَينِ الرّابِعةَ عَشْرةَ والخامِسةَ عَشْرةَ مِن صِفاترِّسالةِ مِن حَيثُ الوَحيُ والإِلهامُ، وجاءَت شَهادةٌ أُخرَى واسِعةٌ في المَرتَبةِ العاشِرةِ مِنها حَيثُ أُشِيرَ إلى الكُتُبِ المُقَدَّسةِ السَّماوِيّةِ، وهُناك شَهادةٌ أُخرَى ساطِعةٌ وباجِبات وجامِعةٌ هي في المَرتَبةِ السَّابِعةَ عَشْرةَ حَيثُ القُرآنُ الكَرِيمُ المُعجِزُ.. نُحِيلُ بَيانَ هذه الحَقِيقةِ وشَهادَتَها إلى تلك المَراتِبِ.صابيحِ وهكَذا، فقد كانَت أَنوارُ وأَسرارُ الآيةِ الكَرِيمةِ: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقدُونَملَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ الَّتي أَعلَنَت هذه الحَقِيقةَ إِعلانًا مُعجِزًا، وأَفادَت شَهادَتَها معَ شَهادةِ سائرِ الحَقائِقِ الأُخرَى، كانَت كافيةً ووافيةً لِصاحِبِنا السَّائِحِ، حتَّى إِنّلمُؤَديَستَطِع أن يَتَجاوَزَها.
فذُكِرَت في المَرتَبةِ التّاسِعةَ عَشْرةَ مِنَ المَقامِ الأَوَّلِ إِشارةٌ لِمَعانٍ مُختَصَرةٍ لِمَا تَلَقّاه هذا المُسافِرُ مِن دَرسٍ في هذا المَقامِ القُدسِيِّ:
(لا إِلٰه إلّا اللهو مِفتجِبُ الوُجُودِ، الواحِدُ الأَحَدُ، له الأَسماءُ الحُسنَى، وله الصِّفاتُ العُليا، وله المَثَلُ الأَعلَى، الَّذي دَلَّ على وُجُوبِ وُجُودِه في وَحْدَتِه الذّاتُ الواجِبُ الوُجُودِ بإِجماعِ جَمِيعِ صِفاِزقِ اقُدسِيَّة المُحِيطةِ، وجَمِيعِ أَسمائِه الحُسنَى المُتَجَلِّيةِ، بِاتِّفاقِ جَمِيعِ شُؤُوناتِه وأَفعالِه المُتَصَرِّفةِ بِشَهادةِ عَظَمَةِ حَقِيقةِ تَبارُزِ الأُلُوهِيَّة في تَظاهُرِ الرُّبُوبِيَّةِ في دَوامِ الفَعَّاليَّة المُستجلَّ و بِفِعلِ الإِيجادِ والخَلْقِ والصُّنعِ والإِبداعِ بإِرادةٍ وقُدرةٍ، وبفِعلِ التَّقدِيرِ والتَّصوِيرِ والتَّدبِيرِ والتَّدوِيرِ باختِيارٍ وحِكْمةٍ، وبفِعلِ التَّصرِيفِ والتَّنظِيمِ، فقُدحافَظةِ والإِدارةِ والإِعاشةِ بِقَصدٍ ورَحْمةٍ، وبكَمالِ الِانتِظامِ والمُوازَنةِ، وبِشَهادةِ عَظَمَةِ إِحاطةِ حَقِيقةِ أَسرارِ:شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهَُّتي لِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

* * *

تَمَّ نََ المَآيةِ الكُبرَى المُؤَلَّفةِ مِن ثَلاثٍ وثَلاثِينَ مَرتَبةً معَ مُقدِّمَتِها كامِلةً بِشَكلٍ مُستَقِلٍّ، وأُدرِجَ هاهُنا قِسمٌ مِنها.

* * *

— 175 —
بالصَّفَعاتِ السَّماوِيّةِ، واصطَفَى مِن بينِ هؤُلاء المَحبُوبِينَ إمامَهم ورَمْزَ فَخرِهم واعتِزازِهم، ألا وهو مُحمَّدٌ (ص)، فنَوَّرَ بنُورِه نِصفَ الكُرةِ الأَرضِيّةِ ذُرآنَ أَهَمِّيّةِ، وخُمُسَ البَشَرِيّةِ ذَوِي الأَهَمِّيّةِ، طَوالَ قُرُونٍ عِدّةٍ، حتَّى كأنَّ الكائِناتِ قد خُلِقَت لِأَجلِه، لِبُروزِ غاياتِها جَميعًا به، وظُهُورِها بالدِّينِ الَّذي بُعِث به، وانجِلائها بالقُرآنِ الَّعُ لِأزِلَ علَيه؛ فبَينَما يَستَحِقُّ أن يُكافَأَ على خِدْماتِه الجَلِيلةِ غيرِ المَحدُودةِ بعُمُرٍ مَديدٍ غيرِ مَحدُودٍ وهو أَهلٌ له، إلَّا أنَّه قَةٍ لِطمُرًا قَصيرًا وهو ثلاثٌ وسِتُّون سنةً في مُجاهَدةٍ ونَصَبٍ وتَعَبٍ! فهل يُمكِنُ، وهل يُعقَلُ مُطلَقًا، وهل هناك أيُّ احتِمالٍ ألَّا يُبعَث هو وأَمثالُه وأَحِإِعجاز معًا؟! وألَّا يكونَ الآن حَيًّا برُوحِه؟! وأن يَفنَى نِهائيًّا ويَصيرَ إلى العَدَمِ؟ كلَّا.. ثم كلَّا.. وحاشاه أَلْفَ أَلْفِ مَرّةٍ. نعم، إنَّ الكَوْنَ وجَاكٌ نَُقائقِ العالَمِ يَدعُو إلى بَعْثِه ويُرِيدُه ويَطلُبُ مِن ربِّ الكَوْنِ حَياتَه.
ولقد بَيَّنَتْ رِسالةُ "الآيةُ الكُبْرَى" وهي الشُّعاعُ السَّابِعُ وأَثْبَتَتْ بثلاثةٍ وثلتِها اجماعًا عَظيمًا، كلٌّ مِنها كالجَبَلِ الأَشَمِّ في قُوّةِ حُجَّتِه، بأنَّ هذا الكَوْنَ لم يَصْدُر إلَّا مِن يَدِ واحِدٍ أَحَدٍ، وليس مُلكًا إلَّا لواحِدٍ أَحَدٍ؛ فأَظهَرَتِ التَّوحِيدَ یی بتلك البَراهِينِ والمَراتِبِ بَداهةً ییَسِم أي هو مِحوَرُ الكَمالِ الإِلٰهيَّ وقُطْبُه، وبَيَّنَت أنَّه بالوَحدةِ والأَحَدِيّةِ
— 176 —
الحجّة الإيمانية الثانية
(الموقِف الأوَّل من الكَلمَة الثَّانَية والثَّطِعًا
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا
"لَا إلٰهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلكُ ولَاللهِ َمدُ، يُحيِي ويُمِيتُ وهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، بِيَدِهِ الخَيرُ، وهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وإلَيهِ المَصِيرُ".
كُنتُ قد بَيَّنتُ دِ، يادَى لَيالي رَمَضانَ المُبارَكِ، أنَّ في كلٍّ مِنَ الجُمَلِ الإحدَى عَشْرةَ مِن هذا الكَلامِ التَّوحِيدِيِّ بِشارةً سارّةً، ومَرتَبةً مِن مَراتِبِ التَّوحِيدِ. وقد بَسَطتُ الكَلامَ بَرَجُونيَقْرُبُ مِن فَهْمِ العَوامِّ لِتَوضِيحِ ما في جُملةِ"لا شَرِيكَ له"وَحْدَها مِن مَعانٍ جَمِيلةٍ؛ وذلك على صُورةِ مُحاوَرةٍ تَمثِيليّةٍ ومُناْ إلى افتِراضِيّةٍ، واتِّخاذِ لِسانِ الحالِ على هَيئةِ لِسانِ المَقالِ. وأُدرِجُ الآنَ تلك المُحاوَرةَ إسعافًا لِطَلَبِ إِخوَتي الأَعِزّاءِ الَّذينا، واطُونَني في شُؤُوني، ونُزُولًا عِندَ رَغبةِ رُفَقائي في المَسجِدِ ونَظَرًا لِطَلَبِهم. وهي على النَّحوِ الآتي:
نَفتَرِضُ شَخْصًا يُمَثِّلُ الشُّرَكاءَ الَّذين يَتَوَهَّمُهم جَمِيعُ أَنواعِ أَهلِ الشِّ فإنَّلكُفرِ والضَّلالِ مِن أَمثالِ عَبَدةِ الطَّبِيعةِ والمُعتَقِدِين بتَأْثيرِ الأَسبابِ والمُشرِكِين. ونَفرِضُ أنَّ ذلك الشَّخصَ المُفتَرَضَ يُرِيدُ أن يكُونَ رَبًّا لِشَيءٍ مِن مَوجُوداتِ العالَمِ، ويَدَّعِي التََّ النَّ الحَقِيقيَّ له!
— 177 —
وهكذا، فقد قابَلَ ذلك المُدَّعِي أَوَّلًا ما هو أَصغَرُ شَيءٍ في المَوجُوداتِ یی وهو الذَّرّةُ یی فقال لها بلِسانِ الطَّبِيعةِ وبلُغةِ الفَلسَفةِ الالقُدّْةِ: إنَّه رَبُّها ومالِكُها الحَقِيقيُّ!
فأَجابَتْه تلك الذَّرّةُ بلِسانِ الحَقِيقةِ وبلُغةِ الحِكْمةِ الرَّبّانيّةِ المُودَعةِ فيَ الأََّني أُؤَدِّي وَظائِفَ وأَعمالًا لا يَحصُرُها العَدُّ، فأَدخُلُ في كلِّ مَصنُوعٍ على اختِلافِ أَنواعِه؛ فإن كُنتَ أيُّها المُدَّعِي مالِكًا عِلْمًا واسِعًا يُحِيطُ بجَمِيعِ َدُنِ وَظائِفِ، وصاحِبَ قُدرةٍ شامِلةٍ تُوَجِّهُ جَمِيعَها، ولك حُكْمٌ نافِذٌ وهَيمَنةٌ كامِلةٌ على تَسخِيرِي وتَوجِيهِي معَ أَمثالي
(حاشية): نعم، كما أنَّ كلَّ شيءٍ مُتحرِّكٌ ابتِداءً مِنَ الذَّرّاتِ إلى الكَواكِبِ السَّيّارةِ يَدُلُّ على ايرةٍ فنيّةِ، بما فيه مِن سِكّةِ الصَّمَدانيّةِ وطابَعِها، فإنَّه يَضُمُّ جَمِيعَ الأَماكِنِ الَّتي يَجُولُ فيها ضِمنَ مُلكِ مالِكِه الواحِدِ.. أمّا المَصنُوعاتُ السّاكِنحَفْنةِداءً مِنَ النَّباتاتِ إلى النُّجُومِ الثّابِتةِ فهي بمَثابةِ أَختامِ الوَحدانيّةِ حيثُ يُظهِرُ كلٌّ مِنها أنَّ مَوْضِعَه بمَثابةِ رِسالةٍ مِن صانِعِه ومَكتُوبٍ مِنه. أي: إنَّ كلَّ نَباتٍ، وكلَّ ثَمَرٍ، هوذاتِه"ُ وَحْدانيّةٍ، وسِكّةُ وَحْدةٍ، بحيثُ يَدُلُّ على أنَّ مَواضِعَه وأَوطانَه رِسالةٌ لِصانِعِه البَدِيعِ.
والخُلاصةُ: أنَّ كلَّ شَيءٍ يُسَيطِرُ بحِأَجزاه على جَمِيعِ الأَشياءِ باسمِ الوَحدانيّةِ، أي: إنَّ الَّذي لا يَقبِضُ زِمامَ جَمِيعِ النُّجُومِ بيَدِه لن يكُونَ رَبًّا على الذَّرّةِ.
مِنَ الذَّرّاتِ العامِلةِ والمُتَجوِّلةِ في مْعي قودِ.. وكذا لو كُنتَ تَتَمكَّنُ مِن أن تكُونَ مالِكًا حَقِيقيًّا للمَوجُوداتِ الَّتي أنا جُزءٌ مِنها، كالكُرَيّاتِ الحُمْرِ، وتَتَصرَّفَ فيها بانتِظامٍ تامٍّ.. فلكَ أن تَدَّعِيَ المالِكِيّةَ عَلَيَّ، وتُسنِدَ أَمرِي إلى غيرِ خالِقِي سُبحانَه.رةٍ غاا فاسْكُتْ! إذ لا تَقدِرُ على أن تَتَدخَّلَ في شُؤُوني، فَضْلًا عن أنَّك لا تَستَطِيعُ أن تكُونَ رَبًّا لي، لأنَّ ما في وَظائِفِنا وأَعمالِنا وحَرَكاتِنا مِنَ النِّظامِ المُتقَنِ الكامِلِ بحَيثُوتُذَكقدِرَ علَيه مَن لم يكُن ذا حِكْمةٍ مُطلَقةٍ وعِلْمٍ مُحِيطٍ، فلو تَدَخَّلَ غَيرُه لَأَفْسَدَ. فأَنَّى لك أيُّها المُدَّعِي أن تَمُدَّ إصبَعَك فيذُو النِنا وأنت العاجِزُ الجامِدُ الأَعمَى الأَسِيرُ بِيَدِ الطَّبِيعةِ والمُصادَفةِ العَمْياوَيْنِ!
فقال المُدَّعِي ما يقُولُه المادِّيُّون: "إذًا كُوني مالِكةً لِنَفسِكِ، فلِمَ تقُولين: إنَّك تَعمَلِين في سَ النّاغَيرِكِ؟".
— 178 —
فأَجابَتْه الذَّرّةُ: "لو كان لي عَقلٌ جَبّارٌ كالشَّمسِ وعِلمٌ مٌحِيطٌ كضَوئِها وقُدرةٌ شامِلةٌ كحَرارَتِها وحَواسُّ ومَشاعِرُ واسِعةٌ كالًا عننِ السَّبعةِ في ضِيائِها ووَجهٌ مُتَوجِّهٌ إلى كلِّ مَكانٍ أَسِيحُ فيه وعَينٌ ناظِرةٌ وكَلامٌ نافِذٌ إلى كلِّ مَوجُودٍ أَتَوجَّهُ إلَيه.. رُبَّما كُنتُ أَتَغابَى مِثلَك فأَدَّعِي الحاكِمِيّةَ لِنَفسِي!. تَنَحَّ عنِّي ف وكَك مَوضِعٌ فينا".
وعِندَما يَئِسَ داعِيةُ الشِّرْكِ مِنَ الذَّرّةِ، قابَلَ كُرَيّةً حَمْراءَ مِنَ الدَّمِ، عَلَّه يَظْفَرُ مِنها بشَيءٍ، فقالَ لها بلِسانِ الأَسبابِ ولُغةِ الطَّبِيعةِ ومَنطِقِ الفَلْسَفةِ: "أنا لُحَمٌَّّ ومالِكٌ!".
فرَدَّت علَيه الكُريّةُ الحَمْراءُ بلِسانِ الحَقِيقةِ وبلُغةِ الحِكْمةِ الرَّبّانيّةِ: "إنَّني لَسْتُ وَحِيدةً مُنفَرِدةً، فأنا وأَمثالي جَمِيعًا في جَيشِ الدَّمِ الكَثِيفِ، نِظامُنا واحِدٌعَدالَئِفُنا مُوَحَّدةٌ، نَسِيرُ تحتَ إِمْرةِ آمِرٍ واحِدٍ؛ فإن كُنتَ تَقْدِرُ على أن تَملِكَ زِمامَ جَمِيعِ ما في الدَّمِ مِن أَمثالي، ولك حِكْمةٌ دَقِيقةٌ وقُدرةٌ بِذرَةٌ تُحكِمانِ سَيطَرَتَهما على جَمِيعِ خَلايا الجِسْمِ الَّتي نَجُولُ فيها ونُستَخدَمُ لإنجازِ مُهِمّاتٍ فيها بكُلِّ حِكْمةٍ وانتِظامٍ، فهاتِها؛ فلَرُبَّما يكُونُ عِندَئذٍ لِدَعواك مَعنًى.. ولكِنَّك أيُّها المُدَّعِي لا تَملِكُ سِوَى قلكلِّ عَمْياءَ وطَبِيعةٍ صَمّاءَ، فلا تَقْدِرُ على أن تَتَدخَّلَ في شُؤُونِنا ولو بمِقدارِ ذَرّةٍ، فَضْلًا عنِ ادِّعاءِ التَّمَلُّكِ علَينا، لأنَّ أو دَامَ الَّذي يُهَيمِنُ علَينا دَقيقٌ وصارِمٌ إلى حَدٍّ لا يُمكِنُ أن يَحكُمَنا إلّا مَن يَرَى كلَّ شَيءٍ ويَسمَعُ كلَّ شَيءٍ ويَعلَمُ كلَّ شَيءٍ ويَفعَلَلاهةٍَشاءُ. ولِهذا فاسْكُتْ، إذ لا تَدَعُ وَظائِفُنا الجَلِيلةُ ودِقَّتُها ونِظامُها مَجالًا لنا لِنَسمَعَ هَذَرَك.." وهكَذا تَطرُدُه الكُرَيّةُ الحَمْراْتُ يَ ولَمّا لم يَجِدْ ذلك المُدَّعي بُغيَتَه فيها، ذَهَب فقابَلَ خَلِيّةً في الجِسْمِ فقال لها: بمَنطِقِ الفَلسَفةِ ولِسانِ الطَّبِيعةِ: "لم أَتَمكَّنْ مِن أن أُسمِلشِّتاْوايَ إلى الذَّرّةِ، ولا إلى الكُرَيّةِ الحَمْراءِ، فلَعلِّي أَجِدُ مِنكِ أُذُنًا صاغِيةً، لأنَّكِ لَستِ إلّا حُجَيرةً صَغِيرةً حاوِيةً عَظلُومياءَ مُتَفرِّقةٍ! ولِهذا فإنَّني قادِرٌ على صُنْعِك، فكُوني مَصنُوعَتِي ومَملُوكَتي حَقًّا!".
فقالَت له الخَلِيّةُ بِلُغةِ الحِكمةِ والحَقِيقةِ: "إنَّني صَغِيرةٌ جِدًّا حَقًّا، ولكِنْ لي وَظائِفُ جَلَّتي ظوجَسِيمةٌ، ولي عَلاقاتٌ ورَوابِطُ وَثِيقةٌ ودَقِيقةٌ جِدًّا معَ جَمِيعِ خَلايا
— 179 —
الجِسمِ؛ فلي وَظائِفُ مُتقَنةٌ معَ جَمِيعِ الأَوعِيةِ الدَّمَوِيّةِ مِن شَرايِينَ وأَورِدةٍ وأَعصُونِي حَرَّكةٍ وحِسِّيّةٍ، ومعَ جَمِيعِ القُوَى الَّتي تُنَظِّمُ الجِسمَ كالقُوّةِ الجاذِبةِ والدّافِعةِ والمُوَلِّدةِ والمُصَوَّرةِ وأَمثالِها.. فإن كان لك أيُّها المُدَّعِي وعلى وواسِعٌ وقُدرةٌ شامِلةٌ تُنشِئُ تلك العُرُوقَ والأَعصابَ والقُوَى المُودَعةَ في الجِسمِ وتُنَسِّقُها وتَستَخدِمُها في مُهِمّاتِها، وكذا إن كانَت لَدَيك حِكّةَ وامِلةٌ وقُدرةٌ نافِذةٌ تَستَطِيعُ أن تَتَصرَّفَ في شُؤُونِ أَخَواتي مِن خَلايا الجِسمِ كلِّها، والَّتي تَتَشابَهُ في الإتقانِ والرَّوعةِ النَّوعِيّةِ، فهَيّا أَظْهِرْها، ثمَّ ادَّعِ بأنَّك تَامِدًانُ مِن صُنعِي.. وإلّا فاغْرُبْ عَنّا، فإنَّ الكُرَيّاتِ الحُمْرَ تُزَوِّدُني بالأَرزاقِ، والكُرَيّاتِ البِيضَ تُدافِعُ عَنِّي تُجاهَ الأَمراضِ المُهاجِه الحَلِيَ أَعمالٌ جِسامٌ، لا تَشغَلْني عنها، فإنَّ عاجِزًا قاصِرًا أَعمَى مِثلَك ليس له حَقُّ التَّدَخُّلِ في شُؤُونِنا الدَّقيقةِ أَبدًا، لأنَّ فينا مِنَ َّوْعُامِ المُحكَمِ الكامِلِ
(حاشية): إنَّ الصَّانِعَ الحَكِيم قد خَلَق جسمَ الإنسان على هَيئةِ مَدِينةٍ مُنَسَّقة ومُنتَظِمة جدًّا، فقِسمٌ مِن العُرُوق يقوم بذلك كاة التِّلغرافِ والهاتفِ، وقسمٌ منها بمَثابةِ الأنابيبِ التي تأتي بالماء مِنَ اليَنابِيعِ فيَسِيرُ فيها الدَّمُ، ذلك السَّائلُ الباعِثُ على الحياة.. والدَّمُ نفسُه قد خُلِق فيه قسمانِ مِن الكُرَيّاتِ، يُطلَق على إحداهما الَّرُوناتُ الحُمْرُ التي تقومُ بتَوزيعِ الأَرزاقِ إلى حُجَيراتِ البَدَن، فتُوصِلُ إليها أَرزاقَها بقانونٍ إلٰهِيٍّ مِثلَما يقومُ مُوَظَّفو الأَرزاقِ وتُجَّارُها بالتَّ يَحصُ والقِسمُ الآخَرُ هو الكُرَيّاتُ البِيضُ التي هي أقلُّ عَددًا مِنَ الأُولَى، وتقومُ بالدِّفاع عنِ الجِسمِ تِجاهَ الأمراضِ مُتَّخِذةً وَضْعًا سَرِيعًا عجِيبًا بنَوعَينِ مِنَ الدَّوَرانِ والحركة یی كالمُرِيدِسمَى اْلَوِيِّ یی حالَما تَدخُل حَوْمةُ المَعركةِ.. أمَّا مجموعُ الدَّم فله وَظِيفتانِ عامَّتانِ: الأُولى: تَعمِيرُ الحُجَيراتِ المُتَهدِّمة في الجسم وتَرميمُها.. والأخرى: تَنظيفُ الجِسمِ بجَمْعِ النِّفايات وأَنقاضِ الخَلايا.
وهناك قِسمانِ مِنَلسِّرُّوقِ أيضًا، يُطلَق على أَحَدِهما الشَّرايِينُ الَّتي تقومُ بنَقْلِ الدَّمِ الصَّافي وتَوزيعِه، فهي بحُكْمِ مَجارِي الدَّمِ النَّقيِّ الصّافي.. والآخَرُ: هو مَجارِي الدَّمِ الفاسِدِ الذي يَجمَعُ النِّفاياتِ الضّارّةَ والأَنقاضَ، الجُندبها إلى الرِّئةِ التي هي مَركَزُ التَّنفُّسِ.
إنَّ الصّانِعَ الحَكِيم قد خَلَق عُنصُرَينِ في الهَواءِ: أَحَدُهما: الآزُوتُ، والآخَرُ: مُوَلِّد الحُمُوضةِ (الأويرةِ ج، فهذا الأَخيرُ ما إن يُلامِسُ الدَّمَ في أثناء التَّنفُّس حتى يَجذِبَ إليه الكَربُونَ الكَثِيفَ الَّذي لَوَّث الدَّمَ مُحَوِّلًا إيّاه إلى مادّةٍ سامّةٍ يُطلَقُ عليها "حامِضُ الكَربُون البُخارثمَّ ُنائي أُوكسيد الكربون)، وبهذا يقومُ بتَنقِيةِ الدَّمِ وتَصفِيَتِه، فضلًا عن أنَّه يَضمَنُ الحَرارةَ الغَرِيزيّةَ للجِسمِ، ذلك لأنَّ الصَّانِعَ الحَكِيم قد وَهَب لِمُولِّد الحُمُوضة والكَربُون علاقةً شديدة تلك التي يُطلَقُ عليبَ، ثُأُلفةُ الكِيمياوِيّة) بحيثُ ما إن يَقتَرِبانِ حتى يَمتَزِجا معًا بقانُونٍ إلٰهِيٍّ، فتتولَّد الحَرارةُ من هذا الِامتِزاجِ كما هو ثابتٌ عِلمًا، إذ الِامتزاجُ نوعٌ مِنِ احتِراقٍ.
وحِكمةُ هذا امالِ ثِ هي ما يأتي: إنَّ لِذَرّاتِ كلِّ عنصرٍ مِنَ العَناصرِ حَرَكاتٍ مُختَلِفةً، فأثناءَ الِامتِزاجِ تَمتَزِجُ الحَرَكتان معًا وتتحرَّكُ الذَّرَّتانِ حَرَكةً واحدةً، وتَظَلُّ حَرَكةٌ واحِدةٌ مُعَلَّقةوهو سُبةٌ، فتنطَلِقُ، بقانونِ الصّانع الحكيم على صورة حَرارةٍ. ومعلومٌ أنَّ الحَرَكة تُولِّد الحرارةَ، كما هو ثابتٌ ومُقرَّر. وبناءً على هذا السِّرِّ فكما تتحقَّقُ حرارةُ َّقُ حالغريزيةُ بهذا الامتزاجِ الكيمياويِّ، يَتَصفَّى الدَّمُ أيضًا عندما يُسلَبُ مِنه الكربونُ.
وهكذا يُنَقِّي الشَّهِيقُ ماءَ حياةِ الجسمِ ويُشعِلُ نارَ الحياةِ. أمّا الزَّفيرُ فإنَّه يُثمِرُ الكلماتِ اُ هذه وقةَ مِنَ الفمِ، التي هي مُعجِزاتُ القُدرةِ الإلٰهِيّة، فسُبحانَ مَن تَحَيَّر في صُنعِه العُقُولُ.
ما لو يَحكُمُنا غَيرُ الحَكِيمِ المُطلَقِ والقَدِيرِ المُطلَقِ والعَحجة الالمُطلَقِ لَفَسَد نِظامُنا وانفَرَط عِقْدُنا".
— 180 —
وهكذا يَئِسَ المُدَّعي مِنَ الخَلِيّة كذلك، ولكنَّه قابَلَ جِسْمَ الإنسانِ، فقال له كما يقولُ المادِّيُّون، بلِسانْناه مَبِيعةِ العَمْياءِ والفَلسَفةِ الضّالّةِ: "أَنتَ مُلْكِي، فأنا الَّذي صَنَعتُك، أو في الأَقَلِّ لي حَظٌّ فيك".
فرَدَّ عليه ذلك الجِسمُ الإنسانِيُّ بحَقِيقةِ النِّظامِ الحَكِيمِ الَّذي في فدَخَ كان لك أيُّها المُدَّعِي عِلْمٌ واسِعٌ وقُدرةٌ شامِلةٌ لها التَّصَرُّفُ المُطلَقُ في جَمِيعِ أَجسامِ البَشَرِ مِن أَمثالي، لِوَضْعِ العَلاماتِ الفارِقةِ الظَّاهِرةِ في وُجُوهِنا، والَّتي هي طابَعُ القُدرةِ وخَتْمُ الفِطْرةِ.. ووتَدبِ كانَت لك ثَروةٌ طائِلةٌ وحاكِمِيّةٌ مُهَيمِنةٌ تَتَحكَّمُ في مَخازِنِ أَرزاقي المُمتَدّةِ مِنَ الهَواءِ والماءِ إلى النَّباتاتِ والحَيَواناِيَّةًكذا لو كانَت لك حِكْمةٌ لا حَدَّ لها وقُدْرةٌ لا مُنتَهَى لها بحيثُ تُمَكِّنُ اللَّطائِفَ المَعنَوِيّةَ الرّاقيةَ الواسِعةَ مِن رُوحٍ وقَلْبٍ وعَقْلٍ في بَوْدقَةٍ صَغِيرةٍ مِثلي، وتُسَيِّرُها بحِكْ ذَوِيالِغةٍ إلى العُبُودِيّة، فأَرِنِيها ثمَّ ادَّعِ الرُّبُوبيّةَ لي، وإلَّا فاسكُتْ؛ فإنَّ صانِعِي الجَلِيلَ قادِرٌ على كلِّ شَيءٍ، عَلِيمٌ بكُلِّ شَيءٍ، بَصِيرٌ بكُلِّ شَيءٍ، سَمِيدُّ مُِلِّ شَيءٍ، بشَهادةِ النِّظامِ الأَكمَلِ الَّذي يُسَيِّرُني، وبدَلالةِ طابَعِ الوَحدانيّةِ المَوجُودِ في وَجْهِي، فلا يَقدِرُ عاجِزٌ وضالٌّ مِثلُك أن يَمُدَّا الْأَه إلى صَنْعَتِه البَدِيعةِ أَبدًا ولا أن يَتَدخَّلَ فيها ولو بمِقدارِ ذَرّةٍ".
— 181 —
فانصَرَف داعِيةُ الشِّركِ حيثُ لم يَستَطِعْ أن يَجِدَ مَوْضِعًا يَتَجَدَخُّلِ في الجِسمِ، فقابَلَ نَوْعَ الإنسانِ، فحاوَرَ نَفسَه قائِلًا: "رُبَّما أَجِدُ في هذه الجَماعةِ المُتَشابِكةِ المُتَفرِّقةِ مَوْضِعًا، فأَتَدخَّلُ في أَحوالِ فِطْرَتِهم ووُجُودِهم مِثلَما يَتَدخَّلُ الشَّيطانُ بضَلالِه في أَفعالِهِمُ الِِسالةٍرِيّةِ وشُؤُونِهِمُ الِاجتِماعِيّةِ؛ وعِندَها أَتَمكَّنُ مِن أن أُجرِيَ حُكْمِي على جِسمِ الإنسانِ الَّذي طَرَدَني هو وما فيه مِن خَلايا".
ولِهذا خاطَبَ نَوْعَ الإنسانِ بلِسانِ الطّ. تَباِ الصَّمَّاءِ والفَلسَفةِ الضّالّةِ أيضًا: "أَنتُم أيُّها البَشَرُ تَبدُون في فَوضَى، فلا أَرَى نِظامًا يُنَظِّمُكم، فأنا لكم رَبٌّ ومالِكٌ، أو في الأَقلِّ لي حِصّةٌ فيكُم".
فرَدَّ عليه حالًا نَه عنِ إنسانِ بلِسانِ الحَقِّ والحَقِيقةِ وبلُغةِ الحِكْمةِ والِانتِظامِ: "إن كُنتَ یی أيُّها المُدَّعي یی مالِكًا قُدرةً تَتَمكَّنُ مِن أن تُلبِسَ الكُرةَاتِ كلضِيّةَ حُلّةً قَشِيبةً مُلَوَّنةً بأَلوانٍ زاهِيةٍ مَنسُوجةٍ بكَمالِ الحِكْمةِ بخُيُوطِ أَنواعِ النَّباتاتِ والحَيَواناتِ الَّتي تَنُوفُ على مِئةِ أَلفِ نَوْعٍ، الشَّبِيهةِ بنَوعِنا الإنسانِيِّ، ويكونَ بوُسْعِها نَسْجُ ذلك البِساطِ البَدِيعِحِيطَيرُوشِ على الأَرضِ مِن خُيُوطِ مِئاتِ الأُلُوفِ مِن أَنواعِ الكائِناتِ الحَيّةِ، والَّتي هي في أَبدَعِ نَقْشٍ وأَجمَلِه.. وفَضْلًا عن خَلْقِ هذا البِساطِ الرّائِعِ، وتَجَدُّدِه دَومًا وبحِكْمةٍ تامّةٍ! فإن كانَت لَدحُدودِدرةٌ مُحِيطةٌ وحِكْمةٌ شامِلةٌ كهذه، بحيثُ تَتَصرَّفُ في كُرةِ الأَرضِ الَّتي نحن مِن ثِمارِها، وتُدَبِّرُ شُؤُونَ العالَمِ الَّذي نحن بُذُورُه، فتُرسِلَ بمِيزانِ الحِكْمةِ لَوازِمَ حَياتِنَفحَمَنا مِن أَقطارِ العالَمِ كُلِّه..
وإن كُنتَ یی أيُّها المُدَّعي یی تَنطَوِي على اقتِدارٍ يَخلُقُ عَلاماتِ القُدرةِ الإلٰهِيّةِ المُمَيَّزةِ المُوَحَّدةِ في وُجُوهِنا، وفي أَمثالِنا مِنَ السَّالِفِين والآتِين.. فإن كُنتَ مالِكًا لِما ذَسمِك، فلَرُبَّما يكونُ لك حَقُّ ادِّعاءِ الرُّبُوبيّةِ علَيَّ؛ وإلّا فاخْرَسْ! ولا تَقُلْ: إنَّني أَتَمكَّنُ مِن أن أَتَدخَّلَ في شُؤُونِ هؤلاء الَّذين يَبدُون في اختِلاطٍ وتَشابُكٍ، إذِ الَوتِ وامُ عِندَنا على أَتمِّه، وتلك الأَوضاعُ الَّتي تَظُنُّها فَوْضَى إنَّما هي استِنساخٌ للقُدرةِ الإلٰهِيّةِ بكَمالِ الِانتِظامِ على وَفْقِ القَدَرِ الإلٰهِيِّ.
— 182 —
فلَئِن كان النِّظامُ دَقِيقًا في أَ
— 183 —
وتُبَدِّلُ أَفرادَ لُحْمةِ بِساطِي هذا وسُداه.. وكذا إن كُنتَ تَستَطِيعُ أن تَقبِضَ على زِمامِ الأَرضِ الَّتي تَلبَسُنا وتَكتَسِي بنا وتَتَستَّرُ.. نعم، إن كُنتَ هكذا فادَّعِ الرَمَرةِيّةَ علَيَّ.. وإلّا فاخرُجْ مَذمُومًا مَدحُورًا مِنَ الأَرضِ؛ فلَيس لك مُقامٌ هنا، إذ فينا مِن تَجَلِّياتِ الوَحدانِيّةِ وأَختامِ الأَحَدِيّةِ بحَيثُ مَن لم يكُن جَمِيعُ الكائِناتِ في قَبْضةِ تَصَرُّفِه ولم يَرَ جَمِيعَ الأَشياكلُّمُمِيعِ شُؤُونِها دُفعةً واحِدةً، ولم يَستَطِعْ أن يَعمَلَ أُمُورًا لا تُحَدُّ في آنٍ واحِدٍ، ولم يكُن حاضِرًا ورَقيبًا في كلِّ مَكانٍ ومُنَزَّهًا عنِ المَكانِ والزَّمانِ.. لا يَتَمكَّنُ أن يكُونَ مالِكًاًا: "عَبدًا، بل لا يُمكِنُ أن يَتَدخَّلَ في أُمُورِنا مُطلَقًا. أي: مَن لم يكُن مالِكًا لِقُدرةٍ مُطلَقةٍ وحِكْمةٍ مُطلَقةٍ وعِلْمٍ مُطلَقٍ، لا يُمكِنُ أن يَتَحكَّمَ فينا ويَدَّعِيَ المالِكِيةَ علَينا".
وهكذا يَذهَبوذُ بِدَّعي مُخاطِبًا نَفسَه: "لِأَذهَبْ إلى الكُرةِ الأَرضِيّةِ عَلَّني أَستَغْفِلُها وأَجِدُ فيها مَوْضِعًا.." فتَوَجَّهَ إلَيها قائِلًا لها
(حاشية-١): الحاصلُ: إنَّ الذّ الأَنُحيل ذلك المُدَّعِيَ إلى الكُرَيّة الحَمراءِ، وهذه تُحِيلُه إلى الخَلِيّة، وهذه إلى الجِسمِ، والجِسمُ يُحِيلُه إلى النَّوعِ الإنسانِيِّ، والنَّوعُ إلى الحُلّةِ المَنسُوجةِ مِن الأحياءِ التي يَلبَسُها سَطحُ الأرضِ، وتُحِيلُه حُلّةُ سَطحصغِي إض إلى الأرضِ نفسِها، وهذه إلى الشَّمسِ، والشَّمسُ إلى النُّجُومِ.. وهكذا يقولُ كلٌّ مِنها: انصَرِفْ عنَّا.. فلوِ استَطَعتَ أن تُسَيطِرَ على من هو فوقي فحاوِلِ السَّيطَرةَ علَيَّ، وإلّا وعُ الاجِزٌ عنِ التَّحَكُّمِ فِيَّ! فإذًا مَن لم يُنفِذْ أَمرَه على النُّجُومِ كافّةً، لا يُمكِنُه أن يُنفِذَه على ذَرّةٍ واحِدةٍ.
باسمِ الأَسبابِ وبلِساها تُنَّبِيعةِ مَرّةً أُخرَى: "إنَّ دَوَرانَكِ هكذا دُونَ قَصْدٍ يَشِفُّ عن أنَّك سائِبةٌ دُونَ مالِكٍ، ولِهذا يُمكِنُ أن تَكُوني طَوْعَ أَمرِي!".
فرَدَّتْ علَيه الأَرضُ بِصَيحةٍ كالصَّاعِقةِ مُنكِرةً دَعواه بلِسانِ الحَقِّ والحَقِيقةِ المُات" ال فيها: "لا تَهذِرْ أيُّها الأَحمَقُ الأَبلَهُ! كيف أَكُونُ هَمَلًا بلا مالِكٍ ومَولًى! فهل رَأَيتَ في ثَوبِي الَّذي أَلبَسُه خَيْطًا واحِدًا فقط نَشازًا بغيرِ حِكْمةٍ ومِن دُونِ إتقانٍ! حتَّى تَزعُمَ أنَّ حَبْلي على معَ حُي وأنَّني بلا مَولًى ولا مالِكٍ؟! انظُر إلى حَرَكاتي فحَسْبُ، ومِنها حَرَكَتِي السَّنَوِيّةُ (حاشية-٢): إذا كان نِصفُ قُطرِ دائرةٍ مِئةً وثمانين مِليُونَ كيلومِترًا، فتلك الدَّائرةُ تكونُ بمسافةِ خَمسٍ وعِشرين أَلفَ سَنةٍ تقريبًا. الِّزاتِهسِيرُ فيها مسافةَ خَمسٍ وعِشرِين أَلفَ سَنةٍ في سَنةٍ
— 184 —
واحِدةٍ فقط، مُنجِزةً وَظائِفِي المُلْقاةَ علَيَّ بكَمالِ المِيزانِ والحِكْمة البَين كانَت لَدَيكَ حِكْمةٌ مُطلَقةٌ وقُدرةٌ مُطلَقةٌ فتُسَيِّرُ وتُجرِي معي رُفَقائِي مِنَ السَّيّاراتِ العَشرِ مِن أَمثالي في أَفلاكِها العُظمَى، وتَخلُقُ الشَّمسَ المُنِيرةَ الَّتي هي قائِدُنا وإمامُنا والَّتي تَربِطُنا وبوّةِ جاذِبةُ الرَّحمةِ فتُدِيرُنا وتَجرِي بنا أنا والسَّيّاراتِ جَمِيعًا حَوْلَ الشَّمسِ بنِظامٍ تامٍّ وحِكْمةٍ كامِلةٍ. نعم، أيُّها المُدَّعي إن كانَت لَدَيك قُدرةٌ مُطلَقةٌ وحِكْمةٌ مُطلَقةٌ على إدارةِ هذه الأُمُورِ الجِسوالَّتَدبِيرِها فادَّعِ بدَعْواك. وإلّا فاتْرُكْ هذا الهَذَيانَ المُفرِطَ، وسُحْقًا لك في جَهَنَّمَ وبِئسَ المَصِيرُ، فلا تَشْغَلْني عن مُهِمّاتي الا ويَنةِ، إذ إنَّ ما فينا مِنَ الِانتِظامِ الرّائِعِ والتَّناسُقِ المَهِيبِ والتَّسخِيرِ الحَكِيمِ يَدُلُّ بوُضُوحٍ على أنَّ جَمِيعَ المَوجُوداتِ مِنَ الذَّرّاتِ إلى النُّجُومِ وإلى الشُّمُوسِ طَوْعُ أَمرِ صانِعِنا ومُسَخَّرةٌ له. إميعَ حَما يُنَظِّمُ الشَّجَرةَ بسُهُولةٍ ويُزَيِّنُ ثَمَراتِها فإنَّه بالسُّهُولةِ نَفسِها يُنَظِّمُ الشَّمسَ بسَيّاراتِها. فهُو الحَكِيمُ ذُو الجَلالِ والحاكِمُ المُطلَقُ ذو الكَمالِ".
ثمَّ يَتَوجَّهُ ذلك المُدَّعي إلى الشَّمسِ بعدََبِّبُ يَجِد له مَوْضِعَ قَدَمٍ في الأَرضِ، فَحَاورَ نفسَه قائِلًا: "إنَّ هذه الشَّمسَ شَيءٌ عَظِيمٌ، لَعلِّي أَجِدُ فيها ثَغرةً أُمَرِّرُ فيها دَعوايَ وأُسَخِّرُ بدَوْرِي الأَرضَ كذلك".
فقال للشليمٍ لبلِسانِ الشِّركِ وأَضاليلِ الفَلسَفةِ الشَّيطانيّةِ، وكما يقُولُه المَجُوسُ: "أَنتِ يا شَمسُ سُلطانةُ العالَمِ، وأنتِ حَتْمًا مالِكةٌ لِنَومِن ه وتَتَصرَّفين في العالَمِ كيف تَشائِينَ".
وعلى الفَوْرِ أَجابَتْه الشَّمسُ باسمِ الحَقِّ وبلِسانِ الحَقِيقةِ والحِكْمةِ الإلٰهِيّةِ: "كلَّا وأَلفُ مَرّةٍ كلَّا.. بل لَستُ إلّا مَأْمُورةً مُطِيعةً مُسَخَّرةً بوَظِيفةِ تَنوِيرِ مُلِإغاثِ سَيِّدِي؛ فلَستُ مالِكةً لِنَفسِي أبدًا، بل لَستُ مالِكةً حتَّى لِجَناحِ ذُبابةٍ مُلْكًا حَقِيقيًّا، لأنَّ في جِسمِ الذُّبابِ مِنَ الجَواهِرٍِ أَنّنَوِيّةِ النَّفِيسةِ، كالعَينِ والأُذُنِ ومِن بَدائِعِ الصَّنْعةِ، ما لا أَملِكُه قَطُّ وما هو خارِجٌ عن طَوْقي"، وهكذا تُوَبِّخُ المُدَّعِيَ.
فيَنبَرِي ذلك المُدَّعِي قائِلًا بلِسانِ الفَلسَفةِ المُتَغَطرِسةِ المُتَفرعِنةِ: "ما دُمتِ مُّ هذمالِكةً لِنَفسِكِ، بل خادِمةً، فإذًا أنتِ مَملُوكةٌ لي وتحتَ تَصَرُّفي باسمِ الأَسبابِ".
— 185 —
فرَدَّت عليه الشَّمسُ رَدًّا قَوِيًّا سةِ الالحَقِّ والحَقِيقةِ وبلِسانِ العُبُودِيّةِ قائِلةً: "إنَّما أَكُونُ مَملُوكةً لِمَن خَلَق نُجُومًا عالِيةً مِن أَمثالي، وأَسكَنَها في سَمائِه بكَمالِ حِكْمةٍ، وأَدارَها بكَمالِ هَيبةٍ، وزَيَّنَها بكَمالِ زِينةٍ".
ثمَّالسَّمذلك المُدَّعِيَّ بَدَأ يُحَدِّثُ نَفسَه: "إنَّ النُّجُومَ مُختَلِطةٌ مُزدَحِمةٌ، وهي مُشَتَّتةٌ مُتَباعِدةٌ بعضُها عن بعضٍ، فلَعَلِّي أَجِدُ مِنها مَوضِعًا باسمِ مُوَكِّلي فأَظفَرُ مِنها بشَيءٍ.." فيَدخُلُ بينَ النُّجُومِ.
فقال لها كمالشَّيء الصّابِئةُ عُبّادُ النُّجُومِ باسمِ الأَسبابِ وفي سَبِيلِ شُرَكائِه وبلِسانِ الفَلسَفةِ الطّاغِيةِ: "أَيَّتُها النُّجُومُ، إنَّ حُكّامِن تَعِيرين يَتَحكَّمُون فيكُم لِشِدّةِ تَشَتُّتِكم وتَبَعثُرِكم".
فأَجابَته نَجمةٌ واحِدةٌ نِيابةً عنِ النُّجُومِ: ما أَشَدَّ بَلاهَتَك أيُّها ال الأَشِي الأَحمَقُ! ألا تَرَى عَلامةَ التَّوحِيدِ وطُغْراءَ الأَحَدِيّةِ على وُجُوهِنا، ألا تَفهَمُها؟ ألا تَعلَمُ أَنظِمَتَنا الرّاقيةَ وقَوانِينَ عُبُودِيَّتِنا الصّارِمةرُ السَظُنُّنا بلا نِظامٍ؟
فنحنُ مَخلُوقون عَبِيدًا لِواحِدٍ أَحَدٍ يُمسِكُ في قَبْضَتِه أُمُورَنا وأُمُورَ السَّماواتِ الَّتي هي بَحْرُنا، والكائِناتِ الَّتي هي شَجنَى، ما، وفَضاءَ العالَمِ الواسِعِ الَّذي هو مَسِيرُنا. فنحنُ شَواهِدُ نُورانيّةٌ كالمَصابِيحِ المُنِيرةِ أَيّامَ المِهْرَجاناتِ نُبيِّنُ كَمالَ رُبُوبيَّتِه سُبحانَه، ونحن بَراهِينُ ساطِعةٌ نُعلِنُ عن سَلْطَنةِ رُبُ بِضعَِه، فكُلُّ طائِفةٍ مِنّا خَدَمَةٌ عامِلُون نُورانيُّون نَدُلُّ على عَظَمةِ سَلْطَنَتِه، في مَنازِلَ عُلْوِيّةٍ سُفْلِيّةٍ دُنيَوِيّةٍ ةِ السِيّةٍ أُخرَوِيّةٍ.
نعم، إنَّنا مُعجِزةٌ باهِرةٌ مِن مُعجِزاتِ قُدرةِ الواحِدِ الأَحَدِ، وثَمَرةٌ يانِعةٌ لِشَجَرةِ الخِلْقةِ، وبُرهانٌ مُنَوَّرٌ للوَحدانيّةِ؛ فنحن للمَلائِكةِ مَنزِلٌ وطائُه عَقمَسجِدٌ، وللعَوالِمِ العُلْوِيّةِ مِصباحٌ وشَمسٌ، وعلى سَلْطَنةِ الرُّبُوبيّةِ شاهِدٌ، ولِفَضاءِ العالَمِ قَصرٌ وزِينةٌ وزَهرةٌ.. وكأنَّنا أَسمالأَزهورانيّةٌ تَسْبَحُ في بَحرِ السَّماء، وعينٌ جَمِيلةٌ لِوَجهِ السَّماء.
(حاشية): فنحن مُشاهِدُو مَصنُوعاتِ الخالقِ البَدِيعةِ، والمُشِيرون إليها، بل نَجعَلُ الآخَرِين يُشاهِدُونها بإعجابشَرِ ش: كأنَّ السَّماءَ تَنظُرُ إلى عَجائِبِ الصَّنعةِ الإلٰهِيّة في الأرضِ بما لا يُحَدُّ لها مِن عُيُون.. فالنُّجومُ كمَلائِكةِ السَّماء تَنظُرُ إلى الأَرضِ التي هي مَحشَرُ العَجائبِ، ومَعرِضُ الغَرائبِ، بل تَستَقطِبُ أَنظارَ ذَوِي اِيلِ اورِ إلَيها.
— 186 —
فكما أنَّ كُلًّا مِنّا هكذا، فإنَّ في مَجمُوعِنا سُكُوتًا في سُكُونٍ.. وحَرَكةً في حِكْمةٍ.. وزِينةً في هَيْبةٍ.. واستِواءَ خِلْقةٍ في انتِظامٍ.. وإتقانَ صَنْعةٍ في مَوزُونيّةٍ. لهذا نَشهَدُ بألَّذي ٍ غيرِ مَحدُودةٍ على وَحدانيّةِ صانِعِنا الجَلِيلِ وعلى أَحَديَّتِه وصَمَدانيَّتِه وعلى أَوصافِ جَمالِه وكَمالِه وجَلالِه، ونُعلِنُ هذه الشَّهادةَ على أَشهادِ الكائِناتِ جَمِيعِها.. أفَبَعدَلُها:َتَّهِمُنا ونحن العَبِيدُ الطّاهِرُون المُطِيعُون المُسَخَّرُون بأنَّنا في فَوضَى واختِلاطٍ وعَبَثٍ، بل بلا مَولًى ومالِكٍ؟! فإنَّك لا شَكَّ تَستَحِقُّ التَّأدِيببًا بااتِّهامِك هذا.. فتَرجُمُ نَجمةٌ واحِدةٌ ذلك المُدَّعِيَ فتَطرَحُه مِن هناك إلى قَعْرِ جَهَنَّمَ وبِئسَ المَصِيرُ؛ وتَقذِفُ معَه الطَّبِيعةَ إلى وادِي الأَوهامِ
(حاشية): وبعدَما هَوالهَداطَّبيعةُ نَدِمَت عَمّا فَعَلَت فتابَت، وعَلِمَت أنَّ وَظيفَتَها الحَقِيقيّةَ القَبُولُ والِانفِعالُ، لا التَّأثيرُ والفِعلُ، وأنَّها تَعمَلُ وَفْقًا لِقُدرةِ اللهِ ومَشِيئتِه، فهي كدَفتَرٍ للقَدَرِاتُ الهِيِّ، دَفتَرٍ قابلٍ للتَّبدِيلِ والتَّغيِيرِ، وبما يُشبِهُ مَنهَجَ القُدرةِ الرَّبّانيّةِ. ونَوعًا مِن شَرِيعةٍ فِطْرِيّةٍ للقَدِيرِ ذي الجَلالِ. ومَجمُوعةَ قَوانينِه.. فقَبِلَتِ الطَّبُرآنَ وَظيفَتَها وهي العُبُوديّةُ بكَمالِ العَجْزِ والِانقِيادِ، وتَسَمَّت باسمِ الفِطْرةِ الإلٰهِيّة والصَّنعةِ الرَّبّانيّة.
وتُلقِي المُصادَفةَ إلى بِئرِ العَدَمِ، والشُّرَ لا يَلى ظُلُماتِ الِامتِناعِ والمُحالِ، والفَلسَفةَ المُعادِيةَ للدِّينِ إلى أَسفَلِ سافِلِين.
فتُرتِّلُ تلك النَّجمةُ معَ النُّجُومِ كلِّها قولَه تعالى: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَلى تَرعلِنةً أنْ لا مَجالَ لِشَريكٍ قَطُّ ولا حَدَّ له أن يَتَدخَّل حتَّى في أَدنَى شَيءٍ، اعتِبارًا مِن جَناحِ ذُبابةٍ إلى قَنادِيلِ السَّماءِ.
سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَلَّتي َكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ سِرَاجِ وحدَتِكَ فِي كَثرَةِ مَخلُوقَاتِكَ، ودَلّالِ وحدَانِيَّتِكَ فِي مَشهَرِ كَائِنَاتِكَ، وعَلَى آلِهِ وصَحبِهِ أَجمَعِينَ.

* * *

— 187 —
هذه الصغير للموقف الأوَّل
فاستَمِعْ للآيةِ الكَرِيمةِ:
أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا... إلى آخر الآية
ثُمَّ انظُرْ نسانَ َجهِ السَّمَاءِ! كَيفَ تَرَى سُكُوتًا فِي سُكُونَةٍ، حَرَكَةً في حِكْمَةٍ، تَلَأْلُؤًا في حِشْمَةٍ، تَبَسُّمًا فِي زِينَةٍ، مَعَ انتِظَامِ الخِلْقَةِ، مَعَ اتِّزَانِ الصَّنعَةِ.. تَشَعْشُعُ َدَّمتِهَا، تَهَلْهُلُ مِصْبَاحِهَا تَلَأْلُؤُ نُجُومِهَا، تُعْلِنُ لِأَهْلِ النُّهَى، سَلْطَنةً بِلَا انتِهَاءٍ.
هذه الفِقراتُ "العَرَبيّةُ" إنَّما هي تَرجَمةُ بعضِ مَعاني الآيةِ الكَرِيمةِ المُتَصدِّرةِ، بُ لي عنِي أنَّ الآيةَ الكَرِيمةَ تَلفِتُ نَظَرَ الإنسانِ إلى وَجْهِ السَّماءِ الجَمِيلِ المُزَيَّنِ، لِيَرَى بتلك المُلاحَظةِ وإنعامِ النَّظَر سُكُوتًا وصَمْتًا في سُكُونٍ وهُدُوءٍ. ولِيَعلَمءِ عَل السَّماءَ قدِ اتَّخَذَت ذلك الوَضْعَ الهادِئَ، بأَمرِ قَدِيرٍ مُطلَقِ القُدرةِ وبتَسخِيرهِ؛ إذ لولا تلك القُدرةُ المُطلَقةُ، أي: لو كانَتِ السَّماءُ مُفلَتةَ الزِّمامِ، طَلِيقةً في حَرَكاتِها وسَكَناتِها، لَكانَت تلك الأَجرامُ الهائِلةُ،َحابِ،َداخِلُ بعضُها في البعضِ، وتلك الكُراتُ الضَّخْمةُ، تُحدِثُ بحَرَكاتِها الرَّهِيبةِ أَصواتًا مُدَوِّيةً مُخِيفةً تُصِمُّ سَمْعَ الكائِناتِ قاطِبةً، ولَحَدثَ مِنَ الِاختِلاطِ والِاضطِرابِ ما تَتَلاشَى مِن شِدَّتِه الكائِناتُ كلُّها، إذ مِنَ المِتُ أَِ أنَّه لو ثارَ عِشرُون جامُوسًا في حَقْلٍ لَاختَلَط الحابِلُ بالنَّابِلِ، ولَتَسبَّبَ الدَّمارُ والهَرْجُ والمَرْجُ، فكيف بأَجرامٍ سَماوِيّةٍ أَضخَمَ مِن أَرضِنا بأَلفِ مَرّةٍ، تَنطَلِقُ في سُرعةٍ هي أَسرَعُ مِنَ القَذِيفةِ بسَب تَنفََرّةً، كما هو ثابِتٌ في عِلْمِ الفَلَكِ! فافْهَمْ مِن هذا أنَّ الهُدُوءَ الَّذي يَعُمُّ الأَجرامَ ويُخَيِّمُ على السَّماءِ إنَّما يُبيِّنُ مَدَى سَعةِ قُدرةِ القَدِيرِ ذِي الكَمالِ، ومَدَى هَيمَنةِ تَسخِيلجَميعّانِعِ الجَلِيلِ لها، ومَدَى انقِيادِ النُّجُومِ وخُضُوعِها لِأَوامِرِه تَعالَى.
— 188 —
"حَرَكَةً في حِكْمَةٍ":ثمَّ إنَّ الآيةَ الكَرِيمةَ تَأمُرُ أيضًاَمةِ اهَدةِ ما في وَجْهِ السَّماءِ مِن حَرَكةٍ ضِمنَ حِكْمةٍ، إذ إنَّها حَرَكاتٌ عَظِيمةٌ تَسِيرُ ضِمنَ حِكْمةٍ دَقِيقةٍ واسِعةٍ تَتَحيَّرُ مِنها الأَلبابُ ويَقِفُ أَمامَها الإنسانُ بإعجابا رَؤُارٍ.. فكما أنَّ صَنّاعًا ماهِرًا يُدِيرُ دَواليبَ مَعمَلٍ وتُرُوسَه على وَفْقِ حِكْمةٍ مُحَدَّدةٍ، إنَّما يُبيِّنُ بعَمَلِه هذا دَرَجةَ مَهارَتِه ودِقّةَ صَنْعَتِه ضِمنَ عَظَمةِ المَعمَلِ وانتِظامِه؛ كذلكافَه، ِيرُ المُطلَقُ الجَلِيلُ"ولَه المَثَلُ الأَعلَى"الَّذي يُعطِي للشَّمسِ وسَيّاراتِها وَضْعًا خاصًّا شَبِيهًا بوَضْعِ مَعمَلٍ عَظِيمٍ. فيُدِيرُ تلك الكُراتِ الهائِلةَ كأنَّها أَحجارُ مِقْلاعٍ صَغِيرةٌ، ودَواليبُ مَعمَلٍ بَسِيقَّقَ دِيرُها حَوْلَ الشَّمسِ، أَمامَ الأَنظارِ لِيُدرِكَ الإنسانُ بتلك النِّسبةِ طَلاقةَ قُدرَتِه وسَعةَ حِكْمَتِه.
"تَلَألُؤًا في حِشمَةٍ، تَبَسُّمًا في زِينَةٍ":أي: إنَّ في وَجْهِ السَّماءِ أيضًا سُطُوعًا باهِرًا وتَهَلُّلًاالشَّببًا، وتَبَسُّمًا وبَشاشةً في زِينةٍ وجَمالٍ، مِمّا يُبيِّنُ عَظَمةَ سَلْطنةِ الصّانِعِ الجَلِيلِ، ومَدَى الدِّقّةِ في صَنْعَتِه الجَمِيلةِ؛ إذ كما أنَّ إضاءةَ مَصابِيحَ وأَنوارٍ وإظهارَ مَظاهِرِ الفَرَحِ والبَهجةِ في يةَ، فإعتِلاءِ السُّلطانِ العَرْشَ، إنَّما هو لبَيانِ دَرَجةِ كَمالِه في مِضْمارِ الرُّقيِّ الحَضارِيِّ، كذلك السَّماواتُ العَظِيمةُ بنُجُومِها المَهِيبةِ تُظهِرُ لِنَظَرِ الأَبَدمِّلِ كَمالَ سَلْطَنةِ الصّانِعِ الجَليلِ وجَمالَ صَنْعتِه البَدِيعةِ.
"مَعَ انتِظَامِ الخِلْقَةِ، مَعَ اتِّزَانِ الصَّنعَةِ":تقولُ العِبارةُ: انظُرْ إلى انتِظامِ المَخلُوقاتِ في وَجْهِ السَّماءِ، وافْهَمْ وِزانَ المَصنُوعقِسمَ َوازِينَ دَقيقةٍ، وأَدرِكْ مِن هذا: ما أَوْسَعَ قُدرةَ صانِعِ هذه المَخلُوقاتِ وما أَعَمَّ حِكْمَتَه!
نعم، إنَّ إدارةَ مَوادَّ صَغِيرةٍ أو أَجرامٍ وحاءِ.
اتٍ، وتَدوِيرَها وتَسخِيرَها، وسَوْقَ كلٍّ مِنها إلى طَرِيقٍ خاصٍّ يُعيَّنُ بمِيزانٍ مُخَصَّصٍ، تُبيِّنُ مَدَى قُدرةِ القائِمِ بها ومَدَى حِكْمَتِه ومَدَى طاعةِ تلك المَوادِّ والحَيَواناتِ وانقِيادِها لِأَوامِرِه؛ كذلك الأَمرُ فيُبحانَماواتِ الواسِعةِ جِدًّا، فإنَّها تُبيِّنُ بعَظَمَتِها المُحَيِّرةِ، وبنُجُومِها الجَسِيمةِ الَّتي لا يَحصُرُها العَدُّ وبحَرَكاتِها الفائِقةِ، معَ عَدَمِ تَجاوُيٌّ علَمّا قُدِّر لها مِن حُدُودٍ ولو قِيدَ أَنمُلةٍ وعَدَمَ تَخَلُّفِها عنها ولو بلَحظةٍ، وعَدَمَ تَوانيها عن أَداءِ ما وُكِّلَ بها مِن واجِبٍ
— 189 —
ولو بعُشْرِ مِعشارِ الدَّقيقةِ.. أَقُولُ: إنَّها تُبيِّنُ للأَنظارِ أنَّ ِ الحاها وخالِقَها الجَلِيلَ يُظهِرُ رُبُوبيَّتَه الجَلِيلةَ بإجرائِه هذه الأُمُورَ بمِيزانٍ دَقيقٍ خاصٍّ.
"تَشَعْشُعُ سِرَاجِهَا، تَهلُّلُ مِصبَاحِهَا تَلَألُؤ نُجُومِهَا، تُعلِنُ ليةِ بِ النُّهَى، سَلطَنةً بِلَا انتِهَاءٍ":أي: إنَّ تَسخِيرَ الشَّمسِ والقَمَرِ والنُّجُوم الوارِدَ في آياتٍ كَثيرةٍ أَمثالَ هذه الآيةِ المُتَصدِّرةِ، وما وَرَد في سُورةِ "النَّبأِ" وغيرِها، كُلُّها تُبيِّنُ أنَّ تَعلِيقَ سِراجٍ كالشَّمسِ في الماد السَّماءِ المُزَيَّنِ، وهو السِّراجُ الوَهَّاجُ الَّذي يُشِعُّ النُّورَ ويَنشُرُ الدِّفْءَ.. وجَعْلُ ذلك النُّورِ كأنَّه حِبْرٌ لِكِتابةِ مَكاتيبِ اللهِ الصَّمَدانيّةِ والشَّحِيفةِ الصَّيفِ والشِّتاءِ بخُطُوطِ اللَّيلِ والنَّهارِ.. وكذا جَعْلُ القَمَرِ مِيلًا لِساعةٍ زَمانيّةٍ كُبْرَى وآلةً لِقِياسِ المَواقيتِ، وتَعليقُه في الأَعالي شَبِيهًا بالسّاعاتِ المَنصُوبةِ على الأَبراجِ، وذلك بجَعْلِه في مَنازلِ أُطِيعةٍ مُتَفاوِتةٍ، حتَّى لَكَأنَّ الله سُبحانَه يَضَعُ في كلِّ ليلةٍ هِلالًا جَدِيدًا غيرَ السّابِقِ على وَجْهِ السَّماء، ثمَّ يُعِيدُ ويَجمَعُ تلك الأَهِلّةَ ويُحَرِّكُها في م الطَّها بمِيزانٍ كامِلٍ وحِسابٍ دَقيقٍ.. ثمَّ إنَّ تَزيِينَ وَجْهِ السَّماءِ وتَجمِيلَه بالنُّجُومِ المُلَألَأةِ المُبتَسِمةِ في قُبّةِ السَّماءِ، لا شَكَّ أنَّه مِن شَعائرِ في جَيّةٍ لا مُنتَهَى لِعَظَمَتِها، وهي في الوَقتِ نفسِه إشاراتٌ إلى أُلُوهيّةٍ جَلِيلةٍ لا مُنتَهَى لِكَمالِها.. كلُّ ذلك يَدعُو أَربابَ الفِكْرِ والعَقلِ إلى الإيمانِ والتَّوحِيدِ.
انظُرْ إلى الصَّحِيفةرًا جَلَوَّنةِ الزَّاهِيةِ لِكِتابِ الكَونِ.
كيفَ صَوَّرَها قَلَمُ القُدرةِ المُذَهَّبُ.
لم تَبقَ نُقطةٌ مُظلِمةٌ لِأَبصارِ أَربابِ القُلُوبِ. الحَمَأنَّه سُبحانَه قد حَرَّر آياتِه مِن نُورٍ.
انظُرْ! ما أَعظَمَها مِن مُعجِزةِ حِكْمةٍ، تَقُودُ إلى الإذعانِ!
وما أَسمَاهَا مِن مَشاهِدَ بَدِيعةٍ في فَضاءِ الكَوْنِ!
واستَمِعاكِينةالنُّجُومِ أيضًا، إلى حُلْوِ خِطابِها الطَّيِّبِ اللَّذِيذِ.
لِتَرى ما قَرَّره خَتْمُ الحِكْمةِ النَّيِّرُ على الوُجُودِ.
— 190 —
إنَّها جَمِيعًا تَهتِفُ وتقُولُ مَعًا بلِسان عذابٍقِّ:
نحنُ بَراهِينُ ساطِعةٌ على هَيبةِ القَدِيرِ ذِي الجَلالِ
نحنُ شَواهِدُ صِدْقٍ على وُجُودِ الصّانِعِ الجَلِيلِ وعلى وَحْدانيَّتِه وقُدرَتِه.
نَتفَرَّجُ كالمَلائِكةِ على تلك المُعجِزاتِ اللَّطِيفةِ الّلصَّفّمَّلَت وَجْهَ الأَرضِ.
فنحنُ أُلُوفُ العُيُونِ الباصِرةِ، تُطِلُّ مِنَ السَّماءِ إلى الأَرضِ وتَرنُو إلى الجَنّةِ.
نحنُ أُلُوفُ الثَّمَراتِ الجَمِيلةِ لِشَج إصبَعلخِلْقةِ، عَلَّقَتْنا يَدُ حِكْمةِ الجَمِيلِ ذِي الجَلالِ على شَطْرِ السَّماءِ وعلى أَغصانِ دَرْبِ التَّبّانةِ.
فنحنُ لِأَهلِ السَّماواتِ مَساجِدُ سَيّارةٌ، ومَساكِنُ دَوّارةٌ، وأَوكاامِيهِِيةٌ عاليةٌ، ومَصابِيحُ نَوّارةٌ، وسَفائِنُ جَبّارةٌ، وطائِراتٌ هائِلةٌ!
نحنُ مُعجِزاتُ قُدرةِ قَدِيرٍ ذِي كَمالٍ، وخَوارِقُ صَنْعةِ حَكِيمٍ ذِي جَلالٍ، ونَوادِرُ حِكْمةٍ ودَواهِي خِلْقةٍ وعَوالِمُ نُورٍ.
هكذا نُبيِّنُ مِئةَلَّيْل بُرهانٍ وبُرهانٍ، بمِئةِ أَلفِ لِسانٍ ولِسانٍ، ونُسمِعُها مَن هو إنسانٌ حَقًّا.
عَمِيَتْ عَينُ المُلحِدِ لا يَرَى وُجُوهَنا النَّيِّرةَ، ولا يَسمَعُ أَقوالَنا البَيِّنةَ، فنحنُ آياتٌ ناطِقةٌ بالحدِّ ال
سِكَّتُنا واحِدةٌ، طُرَّتُنا واحِدةٌ، مُسبِّحاتٌ نحن عابِداتٌ لِرَبِّنا، مُسخَّراتٌ تحتَ أَمرِه.
نَذكُرُه تَعالَى ونحنُ مَجذُوباتٌ بحُبِّه، مَنسُوباتٌ إلى حَلْقةِ ذِكْرِ دَرْبِ التّارٍ، خِ.

* * *

— 191 —
الحجّة الإيمانية الثالثة
(اللَّمعة الثَّالثة والعشرون)
تُبِيد تيّارَ الكفر النابع من مفهوم "الطبيعة" إبادةً تامّةً، وتُفتِّتُ حَجَرَ زاويةِ الكفر، وتُحطِّلأَنواتَه الأساس.
تنبيه:لقد بيَّنَت هذه المُذَكِّرةُ ماهِيّةَ المَذهَبِ الَّذي يَسلُكُه الجاحِدُونَ مِنَ الطَّبِيعيِّينَ، وأَوضَحَت مَدَى بُعدِ مَسلَكِهِم عن مَوازِينِ العَقلِ، ومَدَى سَماجَتِه وخُرافيَّتِه، وذلك مِن خِلالِ دِ تُ مُحالاتٍ تتَضَمَّنُ تِسعِينَ مُحالًا في الأَقلِّ.. ولَمّا كان قِسمٌ مِن تلك المُحالاتِ قد وُضِّح في رَسائِلَ أُخرَى فقد طُوِيَت هُنا بَعضُ المَدارِج اختِصارًا.
والاتٍ مُِ الَّذي يَرِدُ لِلخاطِرِ هو: كَيفَ ارتَضَى فَلاسِفةٌ مَشهُورُونَ وعُلَماءُ مَعرُوفُونَ بهذه الخُرافةِ الفاضِحةِ وسَلَّمُوا لها زِمامَ عُقُولِهِم؟!
والجَوابُ:إنَّ أُولَئِك لم يَتَبيَّنُوا حَقِيقةَ مَسلَكِهِمِيعةُ شية): إنَّ الدّاعيَ الأَشَدَّ إِلحاحًا إلى تأليفِ هذه الرِّسالةِ هو ما لَمَستُه مِن هُجُومٍ صارِخٍ على القُرآنِ الكَرِيمِ، وتَجاوُزٍ شَنيع على الحَقالسَّللإِيمانيّةِ بتَزيِيفِها، ورَبطِ أَواصِرِ الإِلحادِ بالطَّبِيعةِ، وإِلصاقِ نَعتِ "الخُرافةِ" على كلِّ ما لا تُدرِكُه عُقُولُهمُ القاصِرةُ العَفِنةُ.. وقد أَثارَ هذا الهُجُومُ غَيظًا شَدِيدًا في القَلبِ ففَجَّر فيه حُمَمًا سَرَت إلى َأسَ تبِ الرِّسالةِ، فأَنزَلَت صَفَعاتٍ شَدِيدةً على أُولَئِك المُلحِدِينَ وذَوِي المَذاهِبِ الباطِلةِ المُعرِضِينَ عنِ الحَقِّ، وإلّا فليس مِن دَأْبِ "رسائِلِ النُّورِ" إلّا القَولُ اللَّيِّنُ في الخِطابِ والرِّفقُ في الكَلامِ.
ولا باطِللمَلَهَبِهِم، ولم يُدرِكُوا ما يَقتَضِيه مَسلَكُهُم مِن "مُحالاتٍ"، وما يَستَلزِمُه مَذهَبُهُم مِن أُمُورٍ فاسِدةٍ ومُمتَنِعةٍ عَقلًا، والَّتيلمُسَمَت في بِدايةِ كلِّ مُحالٍ يَرِدُ في هذه الرِّسالةِ.
وأنا على استِعدادٍ كامِلٍ لِإقامةِ البَراهِين الدّامِغةِ ونَصْبِ الحُجَجِ البَدِيهِيّةِ الواضِحةِ لِإثب يُصَدك لِكُلِّ مَن يُساوِرُه الشَّكُّ، وأُبيِّنُها لَهُم بإِسهابٍ وتَفصِيلٍ.
— 192 —
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ
هذه الآيةُ الكَرِيمةُ بما فيها مِنِ الكائهامٍ إِنكارِيٍّ تَدُلُّ دَلالةً قاطِعةً على أنَّ وُجُودَ اللهِ ووَحْدانيَّتَه هو مِنَ الوُضُوحٍ والجَلاءِ بدَرَجةِ البَداهةِ.
وقَبلَ أن نُوضِّحَ هذا السِّرَّ نَوَدُّ أن نُنبِّهَ إلى ما يَأتِي:
دُعِيتُ بعةٍ وةِ "أَنقَرة" سنةَ ١٣٣٨ (١٩٢٢م) وشاهَدتُ فَرَحَ المُؤمِنينَ وابتِهاجَهُم باندِحارِ اليُونانِ أَمامَ الجَيشِ الإِسلاميِّ، إلّا أنَّني أَبصَرتُ یی خِلالَ مَوجةِ الفَرَحِ هذه یی زَندَقةً رَهِيْا إلىدِبُّ بخُبثٍ ومَكرٍ، وتَتَسلَّلُ بمَفاهِيمِها الفاسِدةِ إلى عَقائِدِ أَهلِ الإِيمانِ الرّاسِخةِ بُغيةَ إِفسادِها وتَسمِيمِها.. فتَأسَّفتُ مِن أَعماقتَكرارِي، وصَرَختُ مُستَغِيثًا باللهِ العَلِيِّ القَدِيرِ ومُعتَصِمًا بسُورِ هذه الآيةِ الكَرِيمةِ، مِن هذا الغُولِ الرَّهِيبِ الَّذي يُرِيدُ أن يَتَعرَّضَ لِأَركانِ الإِيمانِ؛ فكَتَبتُ بُرهانًا قَوِيًّا حادًّا يَقطَعُ ر عَظِيلك الزَّندَقةِ، في رِسالةٍ باللُّغةِ العَرَبيّةِ، واستَقَيتُ مَعانيَها وأَفكارَها مِن نُورِ هذه الآيةِ الكَرِيمةِ لِإثباتِ بَداهةِ وُجُودِ اللهِ سُبحانَه ووُضُوحِ وَحْداطِعًاِه؛ وقد طَبَعتُها في مَطبَعةِ "يِني كُون" في أَنقَرة.. إلّا أنَّني لم أَلمَس آثارَ البُرهانِ الرَّصِينِ في مُقاوَمةِ الزَّندَقةِ وإِيقافِ زَحفِها إلى أَذهانِ النّاسِ.. وسَبَبُ ذلك كَونعةٍ وثتَصَرًا ومُجمَلًا جِدًّا، فَضلًا عن قِلّةِ الَّذِينَ يُتقِنُونَ العَرَبيّةَ في تُركِيّا ونُدرةِ المُهتَمِّينَ بها آنَذاك، لِذا فقدِ انتَشَرَت أَوهامُ ذلك الإِلحادِ واستَشْرَت في صُفلةً، بلنّاسِ معَ الأَسَفِ الشَّدِيدِ، مِمّا اضطَرَّني إلى إِعادةِ كِتابةِ تلك الرِّسالةِ ببَراهِينِها بالتَّركِيّةِ، معَ شَيءٍ مِنَ البَيانِ والتَّوضِيحِ، فكانَت هذه الرِّسالةُ.
ولَمّا كانَ بَعضُ أَقسامِ ذلك البُرهانِ قد وعُ أن ت تَوضِيحًا كافِيًا في بَعضِ "رَسائِلِ النُّورِ" فسنَذكُرُها هنا مُجمَلةً، فالبَراهِينُ المُتَعدِّدةُ المَبثُوثةِ في ثَنايا رَسائِلَ أُخرَى تتَّحِدُ في هذه الرِّسالةِ، وكأنَّ كلَّ بُرهان ما لاا جُزءٌ مِن هذه الرِّسالةِ.
— 193 —
المُقدِّمة
أيُّها الإِنسانُ.. اِعلَمْ أنَّ هُنالِك كَلِماتٍ رَهِيبةً تَفُوحُ مِنها رائِحةُ الكُفرِ النَّتِنةُ، تَخرُجُ مِن أَفواهِ النّاسِ وعَشََدِّدُها أَلسِنةُ أَهلِ الإِيمانِ دُونَ عِلمِهِم بخُطُورةِ مَعنَى ما يقُولُونَ، وسنُبيِّنُ ثَلاثًا مِنها هي الغايةُ في الخُطُورةِ:
أُولاها:قَولُهُم عنِ واهتَيءِ: "أَوْجَدَتْه الأَسبابُ" أي: إنَّ الأَسبابَ هي الَّتي تُوجِدُ الشَّيءَ المُعيَّنَ.
ثانيَتُها:قَولُهُم عنِ الشَّيءِ: "تَشَكَّلَ بنَفسِه" أي: إنَّ الشَّيءَ يَتَشكَّلُ مِن تِلقاءِ نَفسِه، ويُوجِدُ نَفسَه بنَفسنَّفع؛َنتَهِي إلى صُورَتِه الَّتي انتَهَى إلَيْها كما هي.
ثالثَتُها:قَولُهُم عنِ الشَّيءِ: "اقتَضَتْه الطَّبِيعةُ" أي: إنَّ الشَّيءَ طَبِيعيٌّ، والطَّا إِلٰ هي الَّتي أَوْجَدَتْه واقتَضَتْه.
نعم، ما دامَتِ المَوجُوداتُ مَوجُودةً وقائِمةً أَمامَنا بحَيثُ لا يُمكِنُ إِنكارُها مُطْلَقًا، وأنَّ كلَّ مَوجُودٍ يَأتِي إلى الوُجُودِ في غايةِ الإِتقانِ والحِكْمةِنُ الإ ليس بقَدِيمٍ أَزَليٍّ، بل هو مُحدَثٌ جَدِيدٌ.. فيا أَيُّها المُلحِدُ، إمّا أنَّك تقُولُ: إنَّ هذا المَوجُودَ یی ولْيَكُن هذا الحَيَوانَ مَثلًا یی تُوجِدُه أَسبابُ العالَمِ، أَلطَنةَه يَكتَسِبُ الوُجُودَ نَتِيجةَ اجتِماعِ الأَسبابِ المادِّيّةِ، أو أنَّه يتَشَكَّلُ بنَفسِه، أو أنَّه يَرِدُ إلى الوُجُودِ بمُقتَضَى الطَّبِيعةِ ويَظهَرُ بتَأثيرِها! أو علَيْك أن تقُولَ: إنَّ قُدْرةَ الخالِقِ القَدِيرِ لنا ألجَلالِ هي الَّتي تُوجِدُه.
وما دامَ حُدُوثُه بغَيرِ هذه الطُّرُقِ الأَربَعةِ لا سَبِيلَ إلَيْه حَسَبَ مَوازِينِ العَقلِ، فإِذا ما أُثبِتَ إِثباتًا قاِجامِ أنَّ الطُّرُقَ الثَّلاثةَ الأُولَى مُحالةٌ، باطِلةٌ مُمتَنِعةٌ، غيرُ مُمكِنةٍ، فبِالضَّرُورةِ والبَداهةِ يَثبُتُ الطَّرِيقُ الرَّابعُ، وهُو طَرِيقُ وَحْدانيّةِ الخالِقِ بيَقِينٍ جازِمٍ لا رَيبَ فيه.
— 194 —
أمَّا الطَّرتِ الملأوَّلُ
وهُو القَولُ بأنَّ: "اجتِماعَ أَسبابِ العالَمِ يَخلُقُ المَوجُوداتِ ويُوجِدُها، ويُؤَدِّي إلى تَشكِيلِ الأَشياءِ"، نَذكُرُ ثَلاثةَ مُحالاتٍ فقط، مِن بَينِ مُحالاتِه الكَثِيرةِ جِدًّا.
المُحالُ الُسعَدُ:ولْنُوَضِّحْه بهذا المِثالِ:
تَحوِي صَيدَليّةٌ مِئاتِ الدَّوارِقِ والقَنانِي المَمْلُوءةِ بمَوادَّ كِيمياوِيّةٍ مُتَنوِّعةٍ، وقدِ احتَجْنا یی لِسَبَبٍ مّا یی إلى مَعجُوِ والنَوِيٍّ مِن تلك الأَدوِيةِ والمَوادِّ، ولَزِمَ تَركِيبُ مادّةٍ حَيَوِيّةٍ خارِقةٍ مُضادّةٍ لِلسُّمُومِ.. فلَمَّا دَخَلْنا الصَّيدَليّةَ وَجَدْنا فيها أَعدادًا هائِلةً مِن أَ لِذا ذلك المَعجُونِ الحَيَوِيِّ، ومِن تلك المادّةِ الحَيَوِيّةِ المُضادّةِ لِلسُّمُومِ، وعِندَما بَدَأْنا بتَحلِيلِ كلِّ مَعجُونٍ رَأَيناه مُرَكَّبًا مُستَحضَرًا بدِقّةٍ مُتَناهِيةٍ مِن مَوادَّ مُختَلِفةٍ طِبقَ مَوازِينَ مَحسُوبةٍ، فقد أُخِذويَمحُتلك القَنانِي دِرهَمٌ (غرامٌ واحِدٌ) مِن هذه.. وثَلاثةُ غراماتٍ مِن تلك.. وعَشَرةُ غراماتٍ مِنَ الأُخرَى.. وهكذا، فقد أُخِذَ مِن كلٍّ مِنها مَقادِيرُ مِعاشَتفةٌ، بحَيثُ لو كانَ ما أُخِذَ مِن هذه المَقادِيرِ أَقلَّ مِنها بجُزءٍ مِن الغرامِ، أو أَزيَدَ، لَفَقد المَعجُونُ خَواصَّه الحَيَوِيّةَ...
والآنَ جِئْنا إلى "المادّةِ الحَيَوِيّةِ المُضادَّةِ لِلسُّمُومِ" ودَقَّقنا فيهاالأَدعًا كِيمياوِيًّا، فرَأَيناها قد رُكِّبَت بمَقادِيرَ مُعيَّنةٍ أُخِذَت مِن تلك القَنانِي على وَفْقِ مَوازِينَ حَسّاسةٍ بحَيثُ إنَّها تَفقِدُ خاصِّيَّتَها لو غَلِطنا في الحِسابِ فزا وإتقالمَوادُّ المُرَكَّبةُ مِنها أو نَقَصَت بمِقْدارِ ذَرّةٍ واحِدةٍ.. فوَجَدْنا أنَّ المَوادَّ المُتَنوِّعةَ قدِ استُحضِرَت بمَقادِيرَ مُختَلِفةٍ، على وَفقِ مَوازِينَ دَقِيقةٍ َمِيلة القَنانِي، وهِي أَكثَرُ مِن خَمسِينَ قِنِّينةً.
فهل يُمكِنُ أو يُعقَلُ أن يَتكَوَّنَ ذلك المَعجُونُ المَحسُوبُ كلُّ جُزءٍ مِن أَجزائِه حِسابًا دَقِيقًا مِن جَرَّاءِ مُصادَفةٍ غَرِيبةٍ، أو مِنالتَّحجةِ تَصادُمِ القَنانِيِّ بحُدُوثِ زِلزالٍ عاصِفٍ في الصَّيدليّةِ يُؤَدِّي إلى سَيَلانِ تلك المَقادِيرِ بمَوازِينِها المُعيَّنةِ، واتِّحادِ بَعضِها ببَعضٍ آخَرَ، مُكوِّنةً مَعجُونًا حَيَوِيًّا؟لأُمُوهُناك مُحالٌ أَغرَبُ مِن هذا وأَكثَرُ بُعدًا عنِ العَقلِ والمَنطِقِ؟! وهل هُناك خُرافةٌ أَخرَقُ مِنها؟! وهل هُناك باطِلٌ أَوضَحُ
— 195 —
بُطْلانًا مِن هذا؟! والحِمارُ نَفسُه لو تَضاعَفَت حَماقَتُه ونَطَق َ عِلم: يا لَحَماقةِ مَن يقُولُ بهذا القَولِ!
وفي ضَوءِ هذا المِثالِ نقُولُ: إنَّ كلَّ كائِنٍ حَيٍّ هو مُرَكَّبٌ حَيَوِيٌّ، ومَعجُونٌ ذُو حَياةٍ؛ وإنَّ كلَّ نَباتٍ شَبِيهٌ بتِرياقٍ حَيَوِيٍّ مُضاأن تَملسُّمُومِ إذ رُكِّبَ مِن أَجزاءٍ مُختَلِفةٍ ومِن مَوادَّ مُتَبايِنةٍ، على وَفقِ مَوازِينَ دَقِيقةٍ في مُنتَهَى الحَساسِيّةِ.. فلا رَيبَ أنحتَّى نادَ خَلقِ هذا الكائِنِ البَدِيعِ إلى الأَسبابِ المادِّيّةِ والعَناصِرِ، والقَولَ بأنَّ "الأَسبابَ أَوْجَدَته" باطِلٌ ومُحالٌ وبَعِيدٌ عن مَوازِينِ العَقلِ بمِثلِ بُعا عِندطلانِ ومُحاليّةِ تَكَوُّنِ المَعجُونِ الحَيَوِيِّ بنَفسِه مِن سَيَلانِ تلك المَوادِّ مِنَ القَنانِيِّ.
وحَصِيلةُ الَّذي قُلناه آنِفًا:هي أنَّ المَوادَّ الحَيَوِيّةَ المُستَحضَرةَ بمِيزانِ القَضاءِ والقَدَرِمةَ اَكِيمِ العَلِيمِ في هذا العالَمِ الكَبِيرِ الَّذي هو صَيْدليّةٌ ضَخْمةٌ رائِعةٌ لا يُمكِنُ أن تُوجَدَ إلّا بحِكْمةٍ لا حَدَّ لها، وبعِلمٍ لانِهايةَ له، وبإِرادةٍ تَشمَلُ كلَّ شَيءٍ وتُومَوْلبكلِّ شَيءٍ، وإلّا فما أَشقاه مَن يَتَوهَّمُ "أنَّ هذه المَوجُوداتِ هي نِتاجُ عَناصِرِ الكَونِ الكُلِّيّةِ" وهِي العَمْياءُ الصَّمّاءُ في جَرَيانِها وتَدَفُّقِها، أو هي "مِن شُؤُونِ طَبائِعِ المَوادِّ" أو المُسعَمَلِ الأَسبابِ المادِّيّةِ"!.
لا شَكَّ أنَّ صاحِبَ هذا الوَهْمِ هو أَشقَى أَشقِياءِ العالَمِ، وأَعظَمُهُم حَماقةً، وأَشَدُّ هَذَيانًا مِن هَذَالصِّرَخمُورٍ فاقِدٍ لِلوَعيِ عِندَما يَخطُرُ بِبالِه أنَّ ذلك التِّرياقَ العَجِيبَ قد أَوجَد نَفسَه بنَفسِه مِن جَرّاءِ تَصادُمِ القَنانِيِّ وسَيَلانِ ما فيها!
نعم، إنَّ ذلك الكُفرَ هَذَيانُ أَحمَقَ وجُنُونُ سَكْرانَ!
المُحالُ الثَّاني:هُنتَهَىه إنْ لم يُسنَد خَلقُ كلِّ شَيءٍ إلى الواحِدِ الأَحَدِ القَدِيرِ ذِي الجَلالِ، وأُسنِدَ إلى الأَسبابِ المادِّيّةِ، يَلزَمُ عِندَئِذٍ أن يكُونَ لِأَغلَبِ عَناصِرِ العالَمِ وأَسبابِه دَخْلٌ وتَأثِيرٌ في وُجُودِ كلِّ ِيقُ اياةٍ.
والحَالُ أنَّ اجتِماعَ الأَسبَابِ المُتَضادّةِ والمُتَبايِنةِ فيما بَينَها، بانتِظامٍ تامٍّ، وبمِيزانٍ دَقِيقٍ وباتِّفاقٍ كامِلٍ في جِسَناحِهلُوقٍ صَغِيرٍ یی كالذُّبابِ مَثلًا یی هو مُحالٌ ظاهِرٌ إلى حَدٍّ
— 196 —
يَرفُضُه مَن له عَقلٌ بمِقدارِ جَناحِ ذُبابةٍ، ويَرُدُّه قائِلًا: هذا مُحالٌ.. هذا باطِلٌ.. هذاامِ وت مُمكِنٍ..!
ذلك لِأنَّ جِسمَ الذُّبابِ الصَّغِيرَ ذُو عَلاقةٍ معَ أَغلَبِ عَناصِرِ الكائِناتِ، ومعَ أَسبابِها المادِّيّةِ، بل هو خُلاصةٌ مُستَخلَصةٌ مِنها؛ فإن لم يُسنَد إِيجادُه إلى القُدْرةِ الإِلٰهِيّةِ المُطلَقةِ، يَلزَم ذاتَ كُونَ تلك الأَسبابُ المادِّيّةُ حاضِرةً ومُحتَشِدةً جَنبَ ذلك الجِسمِ مُباشَرةً عِندَ إِيجادِه، بل يَلزَمُ أن تَدخُلَ في جِسمِه الضَّئِيلِ، بل يَجِبُ دُخُولُها في حُجَيرةِ العَينِ الَّتي تُمثِّلُ نَمُوذَجَ الجِسمةِ أنّ لِأنَّ الأَسبابَ إنْ كانَت مادِّيّةً فيَلزَمُ أنْ تكُونَ قُربَ المُسَبَّبِ وداخِلةً فيه، وعِندَئذٍ يَقتَضِي قَبُولَ دُخُولِ جَمِيعِ العَناصِرِ وجَمِيعِ أَركانِ العالَمِ معَ طَبائِسائِلِلمُتَبايِنةِ في ذلك المُسَبَّبِ دُخُولًا مادِّيًّا، وعَمَلِها في تلك الحُجَيرةِ المُتَناهِيةِ في الصِّغَرِ بمَهارةٍ وإِتقانٍ!! أفَلا يَخجَلُ ويَستَحِي مِن هتَطلُبَولِ حتَّى أَشَدُّ السُّوفسَطائيِّينَ بَلاهةً؟!
المُحالُ الثَّالثُ:هو أنَّ المَوجُودَ إنْ كانَت له وَحْدةٌ واحِدةٌ، فلا بُدَّ أن يكُونَ صادِرًا مِن مُؤَثِّرٍ واحِدن النّن يَدٍ واحِدةٍ، حَسَبَ مَضمُونِ القاعِدةِ البَدِيهِيّةِ المُقَرَّرةِ: "الواحِدُ لا يَصدُرُ إلّا عنِ الواحِدِ"، ولا سِيَّما إن كانَ ذلك المَوجُودُ في غايةِ الِانتِظامِ والمِيزانِ، وفي مُنتَهَى الدِّقّةِ والإِتقانَينا قنَ مالِكًا لِحَياةٍ جامِعةٍ، فمِنَ البَداهةِ أنَّه لم يَصدُر مِن أَيدٍ مُتَعدِّدةٍ قَطُّ یی الَّتي هي مَدْعاةُ الِاختِلافِ والمُنازَعةِ یی بل لا بُدَّ أنَّه صادِرٌ مِن يَدٍ واحِدةٍ لِواحِدٍ أَحَدٍ قَدِيرٍ حَكِزِدْ ع لِذا فإنَّ إِسنادَ المَوجُودِ، المُنتَظِمِ، المُتَناسِقِ، المَوزُونِ، الواحِدِ، إلى أَيدِي الأَسبابِ الطَّبِيعيّةِ العَمْياءِ الصَّمَّاءِ الجامِدةِ غَيرِ المُنضَبِطةِ، والَّتي لا شُعُورَ لها ولا عَقلَ، وهِيالأَحيتِلاطٍ شَدِيدٍ يَزِيدُ مِن عَماها وصَمَمِها، ثمَّ الِادِّعاءَ بأنَّ تلك الأَسبابَ هي الَّتي تَقُومُ بخَلقِ ذلك المَوجُودِ البَدِيعِ واختِيارِه مِن بَينِ إِمكاناتٍ واحتِمامَدِيّا حَدَّ لها، أَقُولُ: إنَّ قَبُولَ هذا الإِسنادِ والِادِّعاءِ هو یی في الحَقِيقةِ یی قَبُولٌ لِمِئةِ مُحالٍ ومُحالٍ، إذ هو بَعِيدٌ كلَّ البُعدِ عن جَمِيعِ مَقايِيسِ العَقلِ ارُ الِينِه..
— 197 —
دَعْنا نَتْرُكُ هذا المُحالَ ونَتَجاوَزُه مُؤَقَّتًا، لِنَنظُرَ إلى تَأثِيرِ "الأَسبابِ المادِّيّةِ" الَّذي يَتِمُّ بِالتَّماسِّ والمُباشَرةِ؛ فبَينَما نَرَى أنَّ تَماسَّ تلك الأَسبابِ الطَّبِيعي العَن تَماسٌّ بظاهِرِ الكائِنِ الحَيِّ فحَسْبُ، ونَرَى أنَّ باطِنَ ذلك الكائِنِ الَّذي لا تَصِلُ إلَيْه أَيدِي تلك الأَسبابِ المادِّيّةِ ولا يُمكِنُها اصِلِ َسَّه بشَيءٍ، هو أَدَقُّ نِظامًا، وأَكثَرُ انسِجامًا، مِنَ الظّاهِرِ، بل أَلطَفُ مِنه خَلْقًا وأَكمَلُ إِتقانًا؛ بلِ الأَحياءُ الصَّغِيرةُ والمَخلُوقاتُ الدَّقِيقةُ الَّتوالإِدُمكِنُ أن تَستَوعِبَ تلك الأَسبابَ المادِّيّةَ قَطْعًا ولا تَصِلُ إلَيْها أَيدِيها ولا وَسائِلُها هي أَعجَبُ إِتقانًا مِن أَضخَمِ المَخلُوقاتِ وأَبدَعُ خَلْقًا مِنها.
فلا يكُونُ إِذًا إِسنادُ خَلقِها إلى تلك الأَسبابِ العَمْيمكِنُ صَّمّاءِ الجامِدةِ الجاهِلةِ الغَلِيظةِ المُتَباعِدةِ المُتَضادّةِ إلّا عَمًى ما بَعدَه عَمًى، وصَمَمًا ليس وَراءَه صَمَمٌ.
أمَّا المَسأَلةُ الثَّانيةُ
وهِي قَولُهُم عنِ الشَّيءِ: "تَشَكَرضِ منَفسِه"، فهِي تَنطَوِي على مُحالاتٍ كَثِيرةٍ، ويَتَّضِحُ بُطلانُها ومُحاليَّتُها مِن نَواحٍ كَثِيرةٍ جِدًّا، إلّا أنَّنا نَتَناوَلُ هنا ثَلاثةَ مُحالاتٍ مِنها كنَماذِجَ ليس إلّا:
الأوَّلُ:أيُّها الجاحِدُ العَنِيدُالبَلا طُغْيانَ غُرُورِك، جَعَلَك تَتَردَّى في أَحضانِ حَماقةٍ مُتَناهِيةٍ، فتُقْدِمُ على قَبُولِ مِئةِ مُحالٍ ومُحالٍ!
إنَّك أيُّها الجاحِدُ العَنِيدُ مَوجُودٌ بلا شَكٍّ، وإ فَضْلَستَ مادّةً بَسِيطةً وجامِدةً تَأبَى التَّغَيُّرَ، بل أَنتَ مَعمَلٌ عَظِيمٌ مُتقَنُ الصُّنعِ، أَجهِزَتُه دائِمةُ التَّجَدُّدِ؛ وأَنتَ كالقَصرِ المُنِيفِ، أَنحاؤُه دائِمةُ نِي عََوُّلِ.. فذَرَّاتُ وُجُودِك أَنتَ تَعمَلُ دَوْمًا وتَسعَى دُونَ تَوَقُّفٍ، وتَرتَبِطُ بوَشائِجَ وأَواصِرَ معَ الكائِناتِ، فهِي في أَخذٍ وعَطاءٍ مَعَها، وبخاصَّةٍ مِن حَيَغَفِ ِّزقُ، ومِن حَيثُ بَقاءُ النَّوعِ.
إنَّ الذَّرَّاتِ العامِلةَ في جَسَدِك تَحتاطُ مِن أن تُخِلَّ بتلك الرَّوابِطِ، وتَتَحاشَى أن تَنفَصِمَ تلك العَلاقاتُ، فهِي حَذِرةٌ في تَصَرُّفِها هذا، وتَتَّخِذُ مَوقِفًا مُلائِمًا لها على وَفقِ
— 198 —
تقِنا اَلاقاتِ كأنَّها تَنظُرُ إلى جَمِيعِ الكائِناتِ وتُشاهِدُها، ثمَّ تُراقِبُ مَوقِعَك أَنتَ مِنها، وأَنتَ بدَوْرِك تَستَفِيدُ حَسَبَ ذلك الوَضعِ الخارِقِ لِتِلك الذَّرَّاتِ وتَنتَفِعُ وتَتَمتَّعُ بمَشاعِرِك وحَواسِّك الظَّاهِرةِ والباطِوافُقِ فإن لم تَعتَقِد أنَّ تلك الذَّرَّاتِ مُوَظَّفاتٌ صَغِيراتٌ لَدَى القَدِيرِ الأَزَليِّ، ومَأْمُوراتٌ مُسَخَّراتٌ مُنقاداتٌ لِقَوانِينِه سُبحانَه، أو هي جُنُودٌ مُجَنَّدةٌ في جَيشِه المُنَظَّمِ، أو هي نِهاياتُ قَلَمِ القَدَرِ الإِلِٰ: أنّ أو هي نِقاطٌ يَنقُطُها قَلَمُ القُدْرةِ الإِلٰهِيّةِ.. لَزِمَك أن تقُولَ: إنَّ لِكُلِّ ذَرّةٍ عامِلةٍ یی في عَينِك مَثلًا یی عَينًا واسِعةً بَصِيرةً، ِيرُ غجَمِيعَ أَجزاءِ جَسَدِك ونَواحِيه، وتُشاهِدُ جَمِيعَ الكائِناتِ الَّتي تَرتَبِطُ بها، وتَعلَمُ جَمِيعَ ماضِيك ومُستَقبَلِك، وتَعرِفُ أَصلَك وآباءَك وأَجدادَك معَ نَسلِك وأَحفادِك، وتُدرِكُ مَنابِعَ عَناصِرِك، وكُنُوزَ رِزقِك.. فهِي إِذًا خلُوقاَقلٍ جَبَّارٍ!!
فمَنحُ عِلمٍ وشُعُورٍ بِقَدرِ أَلفِ "أَفلاطُونَ" لِذَرَّةٍ مِثلِك لا تَملِكُ ذَرّةً مِن عَقلٍ في هذه المَسائِلِ لَيُعَدُّ خُرافةً خَرْقاءَ، وبَلاهةً حَمْقًا يُؤ المُحالُ الثَّاني:إنَّ جِسمَك أيُّها الإِنسانُ يُشبِهُ قَصْرًا فَخْمًا عامِرًا، له مِن القِبابِ أَلفُ قُبّةٍ وقُبّةٍ، وكلُّ قُبّةٍ مِن قِبابِه مُعَلَّقةٌ فيها الأَحجارُ، ومَرصُوصٌ بَعضُها إلى البَعضِ الآخَرِ في بِناءٍ مُحكَمٍ دُوَلَه اْدٍ؛ بل إنَّ وُجُودَك یی لو فَكَّرتَ یی هو أَعجَبُ مِن هذا القَصرِ بأُلُوفِ المَرّاتِ، لِأنَّ قَصرَ جِسمِك أَنتَ في تَجَدُّدٍ مُستَمِرٍّ يالمُتّ الكَمالَ في الِانتِظامِ والرَّوْعةِ.
فلو صَرَفْنا النَّظَرَ عَمّا تَحمِلُه مِن رُوحٍ ومِن قَلبٍ ومِن لَطائِفَ مَعنَوِيّةٍ وهِي مُعجِزةٌ بِذاتِها، وأَخَذْنا بنَظَرِ الِاعتِبارِ والتَّفكُّرِ عُضْوًا واحِدًا إِنّط مِن أيِّ عُضوٍ كانَ مِن بَينِ أَعضاءِ جَسَدِك، نَراه شَبِيهًا بمَنزِلٍ ذِي قِبابٍ.. فالذَّرّاتُ الَّتي فيه قد تَعاوَنَت وتَعانَقَت بَعضُها معَ بَعضٍ، في انتِظامٍ تامٍّ، ومُوازَنةٍ كامِلةٍ یی كالأَحجارِ في تلك القِبابِ یی وكَوَّنَت بِناءً خالدِّين وصَنْعةً رائِعةً بَدِيعة، فأَظهَرَت لِلعِيانِ مُعجِزةً عَجِيبةً مِن مُعجِزاتِ القُدْرةِ الإِلٰهِيّةِ "كالعَينِ واللِّسانِ" مَثلًا.
فلو لم تكُن هذه الذَّرّاتُ المُتورةً مُنقادةً لِأَمرِ الصّانِعِ القَدِيرِ، فإنَّ كلَّ ذَرّةٍ مِنها إِذًا
— 199 —
لا بُدَّ أن تكُونَ حاكِمةً حُكْمًا مُطلَقًا على بَقِيّةِ ذَرّاتِ الجَسَدِ ومَحكُومةً لها حُكْمًا مُطلَقًا كَذلِك، وأن تكُونَ مِثلَ كُلٍّ مِنها، ، وشاه كلٍّ مِنها یی مِن حَيثُ الحاكِمِيّةُ یی في الوَقتِ نَفسِه، وأن تكُونَ مَناطَ أَغلَبِ الصِّفاتِ الجَلِيلةِ الَّتي لا يَتَّصِفُ بها إلّا اللهُ سُبحانَه وتَعالَى، وأن تكُونَ مُقيَّدةً َك، وبًّا، وطَلِيقةً كُلِّيًّا في الوَقتِ نَفسِه..
فالمَصنُوعُ الواحِدُ المُنتَظِمُ والمُنَسَّقُ الَّذي لا يُمكِنُ أن يكُونَ یی بسِرِّ الوَحْدةِ یی إلّا أَثرًا مِن آثارِ الواحِدِ الأَحَدِ، مُحالٌ أن يُسنَدَ إلى تَلِيلَِّرّاتِ غَيرِ المَحدُودةِ، بل هو مِئةُ مُحالٍ في مُحالٍ! يُدرِكُ ذلك كلُّ مَن له مُسكةٌ مِن عَقلٍ!
المُحالُ الثَّالثُ:إنْ لم يكُن وُجُودُك هذا قد كُتِبَ بقَلَمِ الواحِدِ الأَ ولَمّلقَدِيرِ الأَزَليِّ، وكانَ مَطبُوعًا بمَطابعِ الطَّبِيعةِ والأَسبابِ، فيَلزَمُ عِندَئذٍ وُجُودُ قَوالِبَ طَبِيعيّةٍ بعَدَدِ أُلُوفِ الأُلُوفِ مِنَ المُرَكَّباتِ المُنتَظِمةِ العامِلةِ في جِِاحتِموالَّتي لا يَحصُرُها العَدُّ، ابتِداءً مِن أَصغَرِ الخَلايا العامِلةِ بدِقّةٍ مُتَناهِيةٍ، وانتِهاءً بأَوسَعِ الأَجهِزةِ العامِلةِ فيه.
ولِفَهْمِ هذا المُحالِ نَأخُذُ الكِتابَ الَّذي بَينَ أَيدِينا مِث جُزءٍفنقُولُ:
إنِ اعتَقَدتَ أنَّ هذا الكِتابَ مُستَنسَخٌ باليَدِ، فيَكفِي إِذًا لِاستِنساخِه قَلَمٌ واحِدٌ، يُحَرِّكُه عِلْمُ كاتِبِه لِيُدَوِّنَ به ما يَشاءُ، ولكِن إن لم يُعتَقَد أنَّه مُستَعُ بأَباليَدِ ولم يُسنَد إلى قَلَمِ الكاتِبِ، وافتُرِضَ أنَّه قد تَشَكَّل بنَفسِه، أو أُسنِدَت كِتابَتُه إلى الطَّبِيعةِ، فيَلزَمُ عِندَئِذٍ أن يكُونَ لِكُلِّ حَرفٍ مِن حُرُوفِه قَلَمٌ مَعدِنِيٌّ خاصٌّ به، ويكُونَ عَدَدُ الأَقلامِ بعَدَدِ تلك الُرآنِ ِ یی بمِثلِ وُجُودِ الحُرُوفِ المَعدِنيّةِ في المَطبَعةِ والَّتي هي بعَدَدِ الحُرُوفِ وأَنماطِها یی أي: يَلزَمُ وُجُودُ أَقلامٍ بعَدَدِ الحُرُوفِ بَدَلًا مِن قَلَمٍ واحِدٍ لِلِاستِنساخِ، َرةِ اا كان في تلك الحُرُوفِ حُرُوفٌ كَبِيرةٌ مَكتُوبٌ فيها بخَطٍّ دَقِيقٍ ما في صَحِيفةٍ كامِلةٍ، فيَلزَمُ إِذًا لِكِتابةِ مِثلِ هذه الحُرُوفِ الكَبِيرةِ أُلُوفُ الأَقلامِ الدَّقِيقةِ.
والآنَ، ماذا تقُولُ لو كانَ الأَرالحُرُوفُ مُتَداخِلةً بَعضُها ببَعضٍ بانتِظامٍ كامِلٍ، مُتَّخِذةً هَيْئةَ جَسَدِك وشَكْلَه؟! فيَلزَمُ عِندَئذٍ أن يكُونَ لِكُلِّ جُزءٍ مِن أَجزاءِ كلِّ دائِرةٍ مِن دَوائِرِه المَذكُورةِ قَوالِبُ عَدِيدةٌ بع وأُمَتلك المُرَكَّباتِ الَّتي لا يَحصُرُها العَدُّ!
— 200 —
هَبْ أنَّك تقُولُ لِهذه الحالةِ المُتَضمِّنةِ لِمِئةِ مُحالٍ في مُحالٍ: إنَّها مُمكِنةُ الحُدُوثِ! فحَتَّى في هذه الحالةِ یی على فَرْضِ إِمكانِها یی أفَلا يَلزَمُ لِصُنعِ تلك المَذكامِ وعَمَلِ تلك القَوالِبِ والحُرُوفِ المَعدِنِيّةِ أَقلامٌ وقَوالِبُ وحُرُوفٌ بعَدَدِها لِتُصَبَّ وتُسكَبَ فيها إنْ لم يُسنَد صُنعُها جَمِيعًا إلى قَلِمٍ و. وإلّ ذلك لِأنَّ جَمِيعَها مَصنُوعةٌ ومُحْدَثةٌ مُنتَظِمةٌ، ومُفتَقِرةٌ إلى صانِعٍ لِيَصنَعَها، ومُحدِثٍ لِيُحدِثَها، وهكذا الأَمرُ يَتَسَلسَلُ كُلَّما أَوْغَلْتَ فيه.َت فإنهَمْ مِن هذا مَدَى سُقْمِ هذا الفِكرِ الَّذي يَتَضمَّنُ مُحالاتٍ وخُرافاتٍ بعَدَدِ ذَرّاتِ جِسمِك!
فيا أيُّها الجاحِدُ.. عُدْ إلى عَقلِك، وانبِذْ هذه الضَّلالةَ المُشِينةَ!
الكلمةُ الثَّالثة
والَّتي هي قَولُهُم عنَِدَدِ يءِ: "اقتَضَتْه الطَّبِيعةُ"، فهذا الحُكْمُ له مُحالاتٌ كَثِيرةٌ جِدًّا، نَذكُرُ ثَلاثةً مِنها على سَبِيلِ المِثالِ:
المُحالُ الأوَّل:هو الإِتقانُ والإِيجادُ المُتَّسِمَينِ بالبَصِيرةِ والحِكْمةِ، الظّاهِرَينِ في المَوجُوداتِ ظُهُو يُعقَلِيًّا، ولا سِيَّما في الأَحياءِ.. إنْ لم يُسنَدا إلى قَلَمِ القَدَرِ والقُدْرةِ لِلمُصَوِّرِ الأَزَليِّ، وأُسنِدا إلى "الطَّبِيعةِ" العَمْياءِ الصَّمّاءِ الجاهِلةِ وإلى "القُوّةِ"، لَلَزِمَ أن تُوجِدَ الطَّبِيعةُ یی مِن أَجلِ الخَلقِ یی مي مَرتَ ومَكائِنَ مَعنَوِيّةً لا حَدَّ لها في كلِّ شَيءٍ، أو تُدرِجَ في كلِّ شَيءٍ قُدْرةً قادِرةً على خَلقِ الكَونِ كُلِّه، وحِكْمةً مُدَبِّرةً لِإدارةِ شُؤُونِه كُلِّها.
مِثالُ ذلك:إنَّ تَجَلِّياتِ الشَّمسِ وانعِكاساتِها الضَكثَرَّةَ، وبَرِيقَ لَمَعانِها المُشاهَدَ على قَطَراتِ الماءِ الرَّقْراقةِ المُتَلَألِئةِ، أو على القِطَعِ الزُّجاجِيّةِ المُتَناثِرةِ هُنا وهُناك على سَطْحِ الأَرضِ؛ فإن لم تُنسَبْ هذه الِانعِكاساتُ والشُّمَيْساتِ المِثالِيّةِ إلى الشَّمسِ مِن شيقيّةِ الَّتي تُطالِعُنا بشُعاعِها الغامِرِ، لَلَزِمَ الِاعتِقادُ بشَمسٍ طَبِيعيّةٍ فِطْرِيّةٍ صَغِيرةٍ ظاهِرِيّةٍ تَملِكُ صِفاتِ الشَّمسِ وتَتَّصِفُ بخَصائِصِها، مَوجُودةٍ وُجُودًا فِعْليًّا في تلك القِطْعةِ الزُّجاجِيّةِ الصَّغِيرفيّاتَّتي لا تَسَعُ لِأَدنَى شَيءٍ، أي: يَلزَمُ الِاعتِقادُ بوُجُودِ شُمُوسٍ بعَدَدِ ذَرّاتِ القِطَعِ الزُّجاجِيّةِ!
— 201 —
وفي ضَوءِ هذا المِثالِ نقُولُ: إنْ لم يُسنَد خَلْقُ المَوجُوداتِ والأَحياءِ إِسنادًا مُباشَرًا إلى تِ والشياتِ أَسماءِ اللهِ الحُسنَى الَّذي هو نُورُ السَّماواتِ والأَرضِ، لَلَزِمَ الِاعتِقادُ إِذًا بوُجُودِ طَبِيعةٍ وقُوّةٍ تَملِكانِ قُدْرةً مُطلَقةً وإِرادةً مُطلَقةً معَ عِلمٍ مُطلَقٍ وحِكْمةٍ مُطلَقةٍ في، ولا مَوجُودٍ مِنَ المَوجُوداتِ، ولا سِيَّما الأَحْياءِ، أي: يَلزَمُ قَبُولُ أُلُوهِيّةٍ ورُبُوبيّةٍ في كلِّ مَوجُودٍ!
فهذا النَّمَطُ مِنَ التَّفكِيرِ المُعْوَجِّ لَهُو أَشَدُّ بُطَملَكة مِن أيِّ مُحالٍ آخَرَ، وأَكثَرُ خُرافةً مِنه؛ فالَّذي يُسنِدُ ما أَبدَعَه الخالِقُ العَظِيمُ مِن صَنْعةٍ رائِعةٍ دَقِيقةٍ، ظاهِرةٍ جَلِيّةٍ حتَّى فهِم الَرِ مَخلُوقٍ، إلى يَدِ الطَّبِيعةِ المَوهُومةِ التّافِهةِ الَّتي لا تَملِكُ شُعُورًا، لا شَكَّ أنَّه يَتَردَّى بفِكْرِه إلى دَرَكٍ أَضَلَّ مِنَ الحَيَوانِ.
المُحالُ الثَّانيَ دائِنَّ هذه المَوجُوداتِ الَّتي هي في غايةِ الِانتِظامِ، وفي مُنتَهَى الرَّوْعةِ والمِيزانِ، وفي تَمامِ الإِتقانِ، وكَمالِ الحِكْمةِ والِاتِّزانِ؛ إنْ لم تُسنَد إلى مَن هو قَدِيرٌ مُطلَقُ القُدرةِ، وحَكِيمٌ مُطلَقُ الحِكْمةِ، وأُسنِدَت إلى الط في أَةِ، لَلَزِمَ الطَّبِيعةَ أنْ تُحضِرَ في كلِّ حَفْنةِ تُرابٍ مَعامِلَ ومَطابِعَ بعَدَدِ مَعامِلِ أَورُوبَّا ومَطابِعِها، كي تَتَمكَّن تلك الحَفْنةُ مِن أن تكُونَ مَنْشَأَ الأَزهارِ والأَثمارِ الجيٌّ الِ اللَّطِيفةِ، لِأنَّ تلك الحَفْنةَ مِنَ التُّرابِ الَّتي تَقُومُ بمُهِمّةِ مَشتَلٍ صَغِيرٍ لِلأَزهارِ تُظهِرُ قابِلِيّةً فِعلِيّةً لِاستِنباتِ وتَصوِيرِ ما يُلقَى فيها بالتَّناوُبِ مِنبِحارِرِ جَمِيعِ أَزهارِ العالَمِ وثِمارِه، وبأَشكالِها، وهَيْئاتِها المُتَنوِّعةِ، وأَلوانِها الزّاهِيةِ..
فإن لم تُسنَد هذه القابِلِيّةُ إلى قُدْرةِ الفاطِرِ الجَلِيل القادِرِ على كلِّ شَيءٍ، فلا بُدَّ إِذًا أن تُوجَد في تلك الاضيَ وِ ماكِينةٌ مَعنَوِيّةٌ طَبِيعيّةٌ خاصّةٌ لِكُلِّ زَهْرةٍ مِن أَزهارِ العالَمِ، وإلّا لا يُمكِنُ أن يَظهَرَ ما نُشاهِدُه مِن أَنواعِ الأَزهارِ والثِّمارِ إلى الوُجُودِ!
إذِ البقتِصاد یی كالنُّطَفِ والبُيُوضِ أَيضًا یی مَوادُّها مُتَشابِهةٌ، اختَلَط وعُجِنَ بَعضُها ببَعضٍ بلا شَكلٍ مُعَيَّنٍ، وهِي: مُولِّدُ الماءِ ومُولِّدُ الحُمُوضةِ والكَربُونِ والآزُوتِ.. عِلمًا أنَّ كُلًّا مِنَ الهَوٍ أو خلماءِ والحَرارةِ والضَّوءِ أَشياءُ بَسِيطةٌ لا تَملِكُ عَقلًا أو شُعُورًا، وهِي تَتَدفَّقُ كالسَّيلِ في كلِّ شَيءٍ دُونَما ضابِطٍ.
— 202 —
َهِلّةشكِيلُ تلك الأَزهارِ الَّتي لا تُحَدُّ مِن تلك الحَفْنةِ مِنَ التُّرابِ بصُوَرِها المُتَنوِّعةِ البَدِيعةِ وأَشكالِها المُختَلِفةِ الزّاهِيةِ وبِهَيْئاتِها المُتَبايِنةِ الرّائِعةِ، وهِي في مُنتَهَى الِانتِظامِِ والرتقانِ، تَقتَضِي بالبَداهةِ وبالضَّرُورةِ أنْ تُوجَد في تلك الحَفْنةِ مِنَ التُّرابِ مَصانِعُ ومَطابِعُ مَعنَوِيّةٌ بمَقايِيسَ صَغِيرةٍ جِدًّا أیی وهِ مِمّا في أَورُوبّا مِن مَصانِعَ ومَطابِعَ، كي تَتَمكَّن أن تَنسُجَ تلك المَنسُوجاتِ الحَيّةَ الَّتي لا تُعَدُّ، وتُطَرِّزَ تلك النُّقُوشَ الزّاهِيةَ المُتَنوِّعةَ الَّتي لا تُحصَى.
فيا لَبُعِْ أَبَيَحمِلُه الطَّبِيعيُّونَ مِن فِكرٍ إِلحادِيٍّ عن جادّةِ العَقلِ السَّلِيمِ! اِعلَمْ هذا، وقِسْ مَدَى بُعْدِ الحَمقَى السَّكارَى الَّذِينَ يَدَّعُونَ أنَّهُم عُقَلالِيّةًلْمِيُّونَ عن مَوازِينِ العَقلِ والعِلمِ بتَوَهُّمِهِم أنَّ الطَّبِيعةَ مُوجِدةٌ لِلأَشياءِ.. وكَيفَ أنَّهُمُ اتَّخَذُوا خُرافةً مُمتَنِعةً وغَيرَ مُمكِنةٍ إِطلاقًا، مَسلَكًا لَهُم.الأَشجخَرْ مِنهُم، واحتَقِرْهُم.
ولِسائِلٍ أنْ يَسأَلَ:
صَحِيحٌ أنَّ مُحالاتٍ كَثِيرةً، ومُعضِلاتٍ عَظِيمةً تَنجُمُ عِندَما يُسنَدُ خَلقُ المَوجُوداتِ إلى الطَّبِيعةِ، ولكِن كَيفَ تَزُولُ هذه المُشكِلاتُ، وتَنحَلُّ هذه المُعضِلاتُ عِند كِلَيسنِدُ عَمَلِيّةَ الخَلقِ برُمَّتِها إلى الواحِدِ الأَحَدِ الفَردِ الصَّمَدِ؟ وكَيفَ يَنقَلِبُ ذلك الِامتِناعُ الصَّعبُ إلى الوُجُوبِ السَّهلِ؟
الجَوابُ:
إنَّ تَجَلِّيَلامِ؛شَّمسِ وانعِكاساتِها یی كما ذُكِرَ في المُحالِ الأَوَّلِ یی أَظهَرَت نَفسَها بكُلِّ سُهُولةٍ، ومِن دُونِ تكَلُّفٍ أو صُعُوبةٍ في جَمِيعِ المَوادِّ، ابتِداءً مِنَ الجامِدِ الصَّغِيرِ المُتَناهِي في الصِّغَرِ یی كقِطَعِ الزُّجاجِ یی إلورِ مَُعِ السُّطُوحِ لِلبِحارِ والمُحِيطاتِ، فأَظهَرَت على الكُلِّ فَيضَها وأَثَرَها في مُنتَهَى السُّهُولةِ، وكأنَّ كُلًّا مِنها شُمَيْساتٌ مِثاليّةٌ.. فلو قُطِعَت نِبشَرَفلك الِانعِكاساتِ عنِ الشَّمسِ الحَقِيقيّةِ، فلا بُدَّ مِنَ الِاعتِقادِ بوُجُودِ شَمسٍ طَبِيعيّةٍ في كلِّ ذَرّةٍ مِنَ الذَّرّاتِ وُجُودًا ذاتِيًّا خارِجِيًّا.. وهذا ما لا يَقبَلِ والولٌ، بل هو مُمتَنِعٌ ومُحالٌ.
— 203 —
فكَما أنَّ الأَمرَ في المِثالِ هو هكَذا، كَذلِك إِسنادُ خَلقِ كلِّ مَوجُودٍ إِسنادًا مُباشَرًا إلى الواحِدِ الأَحَدِ الفَردِ الصَّمَدِ فيه مِنَ السُّهُولةِ المُتَناهِيةِ بدَرَجةِ الوُجُوبِ، إثباتًاِنُ إِيصالُ ما يَلزَمُ أيَّ مَوجُودٍ إلَيْه، بكُلِّ سُهُولةٍ ويُسرٍ، وذلك بالِانتِسابِ وبالتَّجَلِّي.. بَينَما إذا ما قُطِعَ ذلك الِانتِسابُ، وانقَلَب الِاستِخدامُ والتَّوظِيفُ والطّاعةُ إلى الِانفِلات مبِيحِهأَوامِرِ والعِصيانِ، وتُرِكَ كلُّ مَوجُودٍ طَلِيقًا يَسرَحُ كَيفَما يَشاءُ، أو أُسنِدَ الأَمرُ إلى الطَّبِيعةِ، فستَظهَرُ مِئاتُ الأُلُوفِ مِنَ المُشكِلاتِ والمُعضِلاتهَتَينَجةِ الِامتِناعِ، حتَّى نَرَى أنَّ خَلْقَ ذُبابةٍ صَغِيرةٍ يَقتَضِي أنْ تكُونَ الطَّبِيعةُ العَمْياءُ الَّتي فيها مالِكةً لِقُدرةٍ مُطلَالقَصرتَمكَّنُ بها مِن خَلقِ الكَونِ كُلِّه، وأن تكُونَ یی معَ ذلك یی ذاتَ حِكْمةٍ بالِغةٍ تَتَمكَّنُ بها مِن إِدارَتِه، حَيثُ إنَّ الذُّبابةَ یی رَغمَ صِغَرِها یی بَدِيعةُ الصُّنعِ، تَنطَوِي على أَغلَبِ مُكَوِّناتُِمُّ مِناتِ وكأَنَّها فِهْرِسٌ مُختَصَرٌ لها..
وهذا ليس بمُحالٍ واحِدٍ فحَسْبُ، بل أَلفُ مُحالٍ ومُحالٍ..!
الخُلاصةُ:كما أنَّه مُحالٌ ومُمتَنِعٌ وُجُودُ نَظِيرٍ أو شَرِيكٍ للهِ سُبحانَه وتَعالَى في أُلُوهِيَّتِه، كَذلِك مُمتَنِعٌ ومدَتِ امِثلُه أنْ تكُونَ هُنالِك مُداخَلةٌ مِن غَيرِه في رُبُوبِيَّتِه، أو مُشارَكةٌ له مِن أَحَدٍ في إِيجادِه الأَشياءَ وخَلْقِها..
أمّا المُشكِلاتُ العُضوٍ ي "المُحالِ الثّاني"فكَما أَثبَتْنا في عَدِيدٍ مِنَ الرَّسائِلِ أنَّه إذا ما نُسِبَ خَلقُ جَمِيعِ الأَشياءِ إلى الواحِدِ الأَحَدِ، يَسهُلُ الأَمرُ كَخَلقِ شَيءٍ واحِدٍ؛ بَينَما إذاِ الحَسِبَ الخَلقُ إلى الأَسبابِ وإلى الطَّبِيعةِ يُصبِحُ خَلقُ الشَّيءِ الواحِدِ وإِيجادُه مُشكِلًا وصَعْبًا كخَلقِ الجَمِيعِ. وحَيثُ إِنَّنا سَبَق أن أَثبَتْنا هذا ببَراهِينَ دامِغةٍ، نُورِدُ هنا مُلَخَّصَ بُرهانٍ واحِدٍ فقط:
إذا انتَسَب أومُ بهإلى السُّلطانِ بالجُندِيّةِ أو بالوَظِيفةِ الحُكُومِيّةِ، فإنَّه يَتَمكَّنُ مِن أن يُنجِزَ مِنَ الأُمُورِ والأَعمالِ أَضعافَ أَضعافِ ما يُمكِنُه إِنجازُه بقُآنِ ال الشَّخصِيّةِ، وذلك بقُوّةِ ذلك الِانتِسابِ السُّلطانِيِّ؛ فمَثلًا: يَستَطِيعُ أن يَأسِرَ قائِدًا كَبِيرًا باسمِ سُلطانِه، معَ أنَّه جُندِيٌّ، حَيثُ تَحمِلُ خَزائِنُ السُّلطانِ وقِطْعاتُ الجَيشِ الأَجهِزةَ والأَعتِدالفُصُا يَقُومُ
— 204 —
به مِن أَعمالٍ، فلا يَحمِلُها هو وَحْدَه، كما أنَّه ليس مُضطَرًّا إلى حَمْلِها.. كلُّ ذلك بفَضلِ انتِسابِه إلى السُّلطانِ، لِذا تَعرَّفَمِنه أَعمالٌ خارِقةٌ كأنَّها أَعمالُ سُلطانٍ عَظِيمٍ، وتَبدُو له آثارٌ یی فَوقَ ما تَبدُو مِنه عادةً یی وكأنَّها آثارُ جَيشٍ كَبِيرٍ رَغمَ أنَّه فَردٌ.
فالنَّملةُ یی مِن حَيثُ تلك الوالأُوةُ یی تَتَمكَّنُ مِن تَدمِيرِ قَصرِ فِرعَونٍ طاغٍ، والبَعُوضةُ تَستَطِيعُ أن تُهلِكَ نَمرُودًا جَبَّارًا بقُوّةِ ذلك الِانتِسابِ، والبِذْرةُ الصَّغِيرةُ لحِكمةنَوبَرِ الشَّبِيهةُ بحَبَّةِ الحِنطةِ تُنشِئُ بذلك الِانتِسابِ جَمِيعَ أَجهِزةِ شَجَرةِ الصَّنَوبَرِ الضَّخْمةِ.
(حاشية): نعم، إذا حَصَلة-١): تِسابُ، فإنَّ تلك البِذرةَ تَتَسلَّمُ أَمرًا مِن القَدَر الإِلٰهِيِّ، وتَنالُ شَرَفَ النُّهوضِ بتلك الأَعمالِ الخارِقةِ، ولكِن إذا انقَطَع ذلك الِانتِسابُ فإنَّ خَلقَ تلك البِذرةِ يَقتَضِي أَجهِ. لذا ُدرةً ومَهارةً هي أَكثَرُ بكَثِيرٍ مِمّا يَحتاجُ خَلقُ شَجَرةِ الصَّنَوبَرِ الضَّخمةِ، وذلك لِأنَّ جَمِيعَ أَعضاءِ شَجَرةِ الصَّنَوبرِ الإِنساتَكسُو الجِبالَ وتُضفِي عليها الجَمالَ والرَّوْعةَ والَّتي تُمثِّلُ أَثَرًا مُجَسَّمًا واضِحًا لِلقُدرةِ الإِلٰهِيّة، يَلزَمُ أن تكُونَ مَوجُودةً في الشَّجَرةِ المَعنَوِيّةِ الَّتي هي أَثَرُ القحَياتِوالمُندَمِجةُ في تلك البِذرةِ، لِأنَّ مَصنَع تلك الشَّجَرةِ الضَّخْمةِ يَكمُنُ في تلك البِذرةِ، وأنَّ ما في تلك البِذرةِ مِن شَجَرةٍ قَدَرِيّةٍالعَظِاهَرُ بالقُدرةِ الإِلٰهِيّةِ في الخارِجِ، وتَتَشكَّلُ شَجَرةَ صَنَوبَرٍ مُجَسَّمةً.
فلَوِ انقَطَع ذلك الِانتِسابُ، وأُعفِيَ المَوجُودُقِ الإلك الوَظِيفةِ، فعَلَيْه أنْ يَحمِلَ على كَتِفِه قُوّةَ ما يُنجِزُه مِن أَعمالٍ، ويَنُوءَ كاهِلُه بلَوازِمِها ومُعَدّاتِها.. وبذلك لا يُمكِنُه القَِ أنَّأَعمالٍ سِوَى أَعمالٍ تَتَناسَبُ معَ تلك القُوّةِ الضَّئِيلةِ المَحدُودةِ المَحمُولةِ على ذِراعِه، وبما يُناسِبُ كَمِيّةَ المُعَدّاتِ واللَّوازالمَعابَسِيطةِ الَّتي يَحمِلُها على ظَهرِه، فلو طُلِبَ مِنه أنْ يَقُومَ بأَعمالٍ كانَ يقُومُ بها بسُهُولةٍ ويُسرٍ في الحالةِ الأُولَى، لَأَظهَركِتابٍزَه، إلّا إذا استَطاعَ أنْ يُحمِّلَ ذِراعَه قُوّةَ جَيشٍ كامِلٍ، ويُردِفَ على ظَهْرِه مَعامِلَ أَعتِدةِ الدَّولةِ الحَربِيّةِ!! فهذا خَيالٌ يَخجَلُ مِنه حتَّى المُهَرِّجُونَ الَّذِينَ يَروُونَ الخُرافاتِفقَدِّساطِيرَ العَجِيبةَ لِإِضحاكِ النَّاسِ.
نَخلُصُ مِن كلِّ ما تَقَدَّم إلى:
أنَّ تَسلِيمَ أَمرِ كلِّ مَوجُودٍ وإِسنادَه إلى واجِبِ الوُجُودِ سُبحانَه َّ في سُّهُولةُ التّامّةُ بدَرَجةِ الوُجُوبِ. أمّا إِسنادُ إِيجادِه إلى الطَّبِيعةِ فهُو مُعضِلٌ إلى حَدِّ الِامتِناعِ وخارِجٌ عن دائِرةِ العَقلِ.
— 205 —
كما هيحالُ الثَّالثُ:نُوضِّحُ هذا المُحالَ بمِثالَينِ قد بَيَّنّاهُما في بَعضِ الرَّسائِلِ، هُما:
المِثالُ الأوَّلُ:إِنسانٌ بِدائِيٌّ ساذَجُ التَّفكِيرِ، لم يَكُن يَملِكُ أيَّ تَصَوُّرٍ حَضارِيٍّ مُسبَقٍ؛ يَدخُل إلى أرًا فَخْمًا بَدِيعًا، يَزهُو بزِينَتِه، ويَختالُ بأَرقَى ما وَصَلَت إلَيْه الحَضارةُ مِن وَسائِلِ الأُبَّهةِ والرّاحةِ، ويَتَلَألَأُ بأَضوائِه في عَتَمةِ فَلاةٍ خالِيةٍ مُوحِشةٍ؛ فيَدلِفُ إلَيْه،ادِّ، ورُ في أَرجائِه؛ فتُدهِشُه بَراعةُ بِنائِه، ونُقُوشُ جُدْرانِه، ورَوْعةُ إِتقانِه.. وبكُلِّ سَذاجةِ تَصَوُّرِه وبَلاهَتِه يَمنَحُ القَصرَ حَياةً، ويُعطِيه قُدْرةَ تَشيِيدِ نَفسِه بغُرَفِه لك الذوَياتِه، وصُوَرِه الجَمِيلةِ، ونُقُوشِه الأَخّاذةِ؛ لا لِشَيءٍ سِوَى كَونِه قاصِرًا عن تَصَوُّرِ وُجُودِ أَحَدٍ خارِجَ هذا القَصرِ وفي هذنبَعُ لاةِ يُمكِنُه أن يَنسُبَ إلَيْه بِناءَ هذا القَصرِ، لِذا فقد طَفِقَ يُفتِّشُ عنِ "الباني" داخِلَ القَصرِ لَعَلَّه يَعثُرُ علَيْه بَينَ أَشياءِ القَصرِ، فما مِن شَيءٍ وَقَع علَيْه بَصَرَُه (ص) وتَرَدَّد فيه وشَكَّ في كَوْنِه قادِرًا على إِيجادِ مِثلِ هذا القَصرِ الَّذي يَملَأُ أَقطارَ النَّفسِ والعَقلِ برَوْعةِ صُنعِه، وجَمالهذه الئِه؛ وتَقُودُه قَدَماه إلى زاوِيةٍ مِن زَوايا القَصرِ، ويَعثُرُ فيها فَجْأةً على دَفتَرِ مُلاحَظاتٍ كانَ قد دُوِّنَت فيه خُطّةٌ مُفَصَّلةٌ لِعَمَلِيّةِ بِناءِ القَصرِ، وخُطَّ فيه أَيضًا فِهرِسُ مَوجُودات القُووانِينُ إِدارةِ مُمتَلَكاتِه.
ورَغمَ أنَّ ذلك الدَّفتَرَ كمُحتَوَياتِه، لَيسَ مِن شَأنِه تَشيِيدُ القَصرِ وتَزيِينُه، إذ لا يَملِكُ يَدًا يَعمَلُ بها، ولا بَصِيرةً يُبصِرُ بهاواصِلة أنَّه تَعَلَّق به إذ وَجَدَه مُتَطابِقًا بمُحتَوَياتِه معَ مَجامِيعِ أَشياءِ القَصرِ، ومُنسَجِمًا معَ سَيرِ العَمَلِ فيه یی إذ هُو عُنوانُ القَوانِينِ العِلمِيّةِ یی لِذا قال مُضطَرًّا: "إنَّ هذا الدَّفتَرَ هو الَّذي أَوامِ هذا القَصرَ ونَظَّمَه وزَيَّنَه، وهُو الَّذي أَوْجَد الأَشياءَ فيه ورَتَّبَها هذا التَّرتِيبَ ونَسَّقَها هذا التَّنسِيقَ".. فكَشَف بهذا الكَلامِ عن مَدَى عُمْقِ جَهْلِه، وتَأَصُّلِ حَماقَتِه.
وعلى غِرارِ هذا المِثالَوجِّهمًا، يَدلِفُ إلى قَصرِ العالَمِ العَظِيمِ یی الَّذي هُو أَدَقُّ نِظامًا وأَكمَلُ إِتقانًا، وأَجمَلُ صُنعًا، وأَزهَى جَمالًا، مِن ذلك القَصرِ الصَّغِيرِ المَحدُودِ المَذكُورِ آنِفًا في المِثالِ، حَيثُ لا يَقبَلُ المُقايَسةَ و، وإلىزَنةَ مَعَه، فكُلُّ ناحِيةٍ مِن نَواحِيه تُشِعُّ مُعجِزاتٍ بَدِيعةً وحِكَمًا سامِيةً یی يَدلِفُ واحِدٌ مِمَّن يَدِينُونَ بفِكْرةِ الطَّبِيعةِ ويُنكِرُونَ
— 206 —
عَظَمةَ الأُلُتَرحالِ إلى هذا القَصرِ، واضِعًا في ذِهْنِه یی مُسبَقًا یی الإِعراضَ عن إِسنادِ ما هو مَبثُوثٌ أَمامَه مِن البَدائِعِ إلى صَنْعةِ اللهِ سُبحانَه المُنَزَّهِ عنِ المَخلُواءِ مِالمُتَعالِي عنِ المُمكِناتِ.. ويَبدَأُ بالبَحثِ والتَّحَرِّي عنِ السَّبَبِ "المُوجِدِ" ضِمنَ المُمكِناتِ والمَخلُوقاتِ! فيَرَى قَوانِينَ السُّنَنِ الإِلٰهِيّةِ، وفَهارِسَ الصَّنعةِ الرَّبّانيّةِ، والَّتي يضمَرةِ علَيْها خَطَأً یی وخَطَأً جَسِيمًا یی اسمُ الطَّبِيعةِ الَّتي يُمكِنُ أن تكُونَ شَبِيهةً بصَفْحةٍ مِن كُرّاسةِ "التَّغيِيرِ والتَّبدِيلِ" لِقَوانِينِ إِجراءاتِ القُدْرةِ ألا يهِيّةِ، وبمَثابةِ لَوْحةِ "المَحْوِ والإِثباتِ" لِلقَدَرِ الإِلٰهِيِّ، ولكِنَّه يَنبَرِي إلى القَولِ:
ما دامَتْ هذه الأَشياءُ مُفتَقِرةً إلى عِلّةٍ مُوجِدةٍ، ولا شَيءَ أَعظَمُوَظِيفاطًا بها مِن هذه "الكُرَّاسةِ"، فإنِّي أَخلُصُ مِن ذلك إلى أنَّ هذه "الكُرَّاسةَ" یی بما تَتَضمَّنُه مِن قَوانِينِ المَحوِ والإِثباتِ یی هي الَّتي أَوجَدَتِ الأَشياءَ، ما دامَ لا يَطِيلةِ الالِاعتِقادُ والإِيمانُ بالصّانِع الجَلِيلِ سُبحانَه؛ رَغمَ أنَّ العَقلَ المُنَزَّهَ عنِ الهَوَى يَرفُضُ كُلِّيًّا یی ضِمنَ مَنطِقِه یی أن يَنسُبَ شُؤُونَ الرُّبُوبيّةِ المُطلَقةِ الَّوَالْآتَضِي قُدرةً مُطلَقةً، إلى هذه "الكُرَّاسةِ" العَمْياءِ الصَّمّاءِ العاجِزةِ.
ونَحنُ نقُولُ: يا أَحمَقَ مِن "هَبَنَّقة"! أَطِلَّ برَأسِك مِن تَحتِ مُستَنقَعِ الط، فيه ةِ، لِتَرَى الصّانِعَ الجَلِيلَ الَّذي تَشهَدُ له جَمِيعُ المَوجُوداتِ، مِنَ الذَّرّاتِ إلى المَجَرّاتِ، بأَلسِنةٍ مُتَنوِّعةٍ، وتُشِيرُ إلَيْه إِشاراتٍ مُختَلِفةً.. وشاهِدْ تَجَلِّياتِ ذلك المُصَوّعلى وَجَلِيلِ الَّذي شَيَّد قَصرَ العالَمِ الباذِخَ، ودَوَّن خُطَّتَه وبَرنامَجَه وقَوانِينَه في تلك الكُرّاسةِ.. وأَنقِذْ نَفسَك مِن ذلك الهَذَيانِ الآثِمِ الرَّخِيصِ!
المِثالُ الثّاني:يَدخُلُ إِنسانٌ مَرَ الم عن عالَمِ المَدَنيّةِ والحَضارةِ، وَسَطَ مُعَسكَرٍ مَهِيبٍ، فيُبهِرُه ما يُشاهِدُ مِن تَدرِيباتٍ مُتَنوِّعةٍ يُؤَدِّيها یی بغايةِ الِانتِظامِ والإِتقانِ ومُنتَهَى الطّاعةِ واكاءَ إيادِ یی جُنُودُ هذا المُعَسكَرِ، فيُلاحِظُ حَرَكاتِهِمُ المُنَسَّقةَ إذْ يَتَحرَّكُ الجَمِيعُ یی فَوْجًا ولِواءً وفِرقةً یی بحَرَكةِ فَردٍ واحِدٍ مِنهُم، ويَسك تَعبِجَمِيعُ بسُكُونِه، يُطلِقُ الجَمِيعُ النَّارَ إِطلاقًا واحِدًا إِثرَ أَمرٍ يُصدِرُه ذلك الفَردُ.. فحارَ في أَمرِه، ولم يَكُن عَقلُه السَّاذَجُ لِيُدرِكَ أنَّ قائِدًا عَظِيمًا هو الَّذي يتَحَكَّمُ بِالأَمرِ مِن خِلالِ قَوانِينِ الدالنِّظِ وأَوامِرِ السُّلطانِ،
— 207 —
فتَخَيَّلَ حَبْلًا يَربِطُ أُولَئِك الجُنُودَ بَعضَهُم بِبَعضٍ.. ثمَّ بَدَأ يَتَأمَّلُ خَيالًا مَدَى أُعجُوبةِ هذا الحَبلِ المَوهُومِ؛ فزادَت حَيرَتُه واشْتَدَّ ارتِباكُه.. ثمَّ يَمضِي إلى شَأْنِه.
ويَ لَذائجامِعَ "آيا صُوفْيا" العَظِيمَ يَومَ الجُمُعةِ، ويُشاهِدُ جُمُوعَ المُصَلِّينَ خَلفَ رَجُلٍ واحِدٍ يَمتَثِلُونَ لِنِدائِه في قِيامِهِم وقُعُودِهِم وسُجُودِهِم ورُكُوعِهِم، ولَمّا لم يَكُن يَعرِفُ شَيئًا عنِ الشَّرِيعةِ الإِمُوحِشةِ، والدَّساتِيرِ المَعنَوِيّةِ لِأَوامِرِ صاحِبِ الشَّرِيعةِ، فإنَّه يَتَصوَّرُ بأنَّ هذه الجَماعةَ مُرتَبِطٌ بَعضُها ببَعضٍ بحِبالٍ مادِّيّةٍ، وأنَّ هذه الحِبالَ قد قَيَّدَت حَرَكةَ الجَماعةِ وأَسَرَتهُم، وهِي الَّتي تُحَرِ طَعمم وتُوقِفُهُم عنِ الحَرَكةِ.
وهكذا يَمضِي إلى سَبِيلِه وقدِ امتَلَأ ذِهنُه بأَخطاءِ تَصَوُّراتِه الَّتي تَكادُ تُثِيرُ الهُزْءَ والسُّخْرِيةَ حتَّى لَدَىدةِ حَِّ النّاسِ وَحْشِيّةً وهَمَجِيّةً.
ففي ضَوءِ هذا المِثالِ: يَأتِي مُلحِدٌ إلى هذا العالَمِ الَّذي هو مُعَسكَرٌ مَهِيبٌ رائِعٌ لِجُنُودِ السُّلطانِ الجَلِيلِ، وهِيه، يجِدٌ عَظِيمٌ بارِعٌ يُعَظَّمُ فيه ذلك المَعبُودُ الأَزَليُّ ويُقدَّسُ؛ يَأتِيه وهُو يَحمِلُ فِكرةَ "الطَّبِيعةِ" الجاحِدةَ، ذلك الجَهلَ المُطبِقَ..
فيَتَصوَّرُ "القَوانِينَ المَعنَوِيّةَ" الَّتي يُشاهِدُ آثارَها في رطِعةُ َنظِمةِ الكَونِ البَدِيعِ، والنّابِعةَ مِنَ "الحِكْمةِ" البالِغةِ لِلبارِئِ المُصَوِّرِ سُبحانَه، يَتَصوَّرُها كأنَّها قَوانِينُ مادِّيّةٌ، فيَتَعامَلُ مَعَها في أَبحاثِه كما يَتَعامَلُ معَ الأَشياءِِلَ وآِّيّةِ..
ويَتَخيَّلُ أَحكامَ قَوانِينِ الرُّبُوبيّةِ الَّتي هي قَوانِينُ اعتِبارِيّةٌ ودَساتِيرُ الشَّرِيعةِ الفِطْرِيةِ الكَونِيّةِ لِلمَعبُودِ الأَزَليِّ، والَّتي هي بمَجمُوعِها مَعنَوِيّةٌ بَحْتةٌ، ولَيُرسِلُ وُجُودٌ سِوَى وُجُودٍ عِلمِيٍّ، يَتَخيَّلُها كأَنَّها مَوجُوداتٌ خارِجِيّةٌ ومَوادُّ مادِّيّةٌ..
ويُقِيمُ تلك القَوانِينَ الصَّادِرةَ مِنَ العِلمِ الإِلٰهِيِّ والكَلامِ الرَّبّانِيِّ الَّتي لها وُجُودٌ عِلمِيٌّ فقط مَقامَ َقامِ رةِ الإِلٰهِيّةِ، ويُمَلِّكُها الخَلقَ والإِيجادَ، ويُطلِقُ علَيْها اسمَ "الطَّبِيعةِ"، مُتَصوِّرًا القُوّةَ الَّتي هي تَجَلٍّ مِن تَجَلِّياتِ القُدْرةِ الرَّبّانيّةِ أنَّها صاحِبةُ قُدْرةٍ فاعِلة3!üتَأدِيرةٌ مُستَقِلّةٌ بِذاتِها في القُدْرةِ..
أَفَبَعدَ هذا جَهالةٌ وغَباءٌ؟ أوَلَيسَ هذا جَهْلًا بأَضعافِ أَضعافِ ما في المِثالِ؟!
— 208 —
الخُلاصةُ:إِنَّنِه ییبِيعةَ الَّتي يَتَعلَّقُ بها الطَّبِيعِيُّونَ یی ذلك الأَمرَ المَوهُومَ الَّذي ليس له حَقِيقةٌ یی إنْ كانَ ولا بُدَّ أنَّها مالِكةٌ لِوُجُودٍ حَقِيقِيٍّ خارِجِيٍّ، فإنَّ هذا "الوُجُودَ" إنَّما هو َوليةُِ صانِعٍ ولن يكُونَ صانِعًا، وهُو نَقْشٌ ولن يكُونَ نَقَّاشًا، ومَجمُوعةُ أَحكامٍ ولن يكُونَ حاكِمًا، وشَرِيعةٌ فِطْرِيّةٌ ولن يكُونَ شارِعًا، وسِتارٌ مَخلُوقٌ لِلعِزّةِ ولن يكُونَ خالِقًا، وفِطْرةٌ مُنفَعِلةٌ ولن يكُونَ فاطِرًا فاعِلًا،ربَعينُوعةُ قَوانِينَ ولن يكُونَ قادِرًا، ومِسطَرٌ ولن يكُونَ مَصدَرًا.
وحاصِلُ الكَلامِ:ما دامَتِ المَوجُوداتُ مَوجُودةً فِعلًا، والعَقلُ يَعجِزُ عن تَصَوُّرِ أَكثَرَ مِن أَربَعةِ طُرُقٍ لِلوُصُولِ إلى حُدُوثِ المَوجُودِ یی كما ذَكَرْن الأُسفي المُقدِّمةِ یی وقد أُثبِتَ إِثباتًا قاطِعًا بُطْلانُ ثَلاثةٍ مِن تلك الطُّرُقِ الأَربَعةِ، وذلك بِبَيانِ ثَلاثةِ مُحالاتٍ ظاهِرةٍ جَلِيّةٍ في كُلٍّ مِنها، فلا بُدَّ وبالضَّرُورةِ والبَداهةِ أن يَثبُتَ بيَقِينٍ لا عمَلُ َ مُطْلقًا إلى الشَّكِّ فيه: الطَّرِيقُ الرَّابِعُ، وهُو طَرِيقُ الوَحْدانيّةِ، ذلك الطَّرِيقُ الَّذي تُنِيرُه الآيةُ الكَرِيمةُ: أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ..؟! والَّتي تَدُلُّ بَداهةًلا إِلينًا على وُجُودِ واجِبِ الوُجُودِ، وعلى أُلُوهِيَّتِه المُهَيمِنةِ، وعلى صُدُورِ كلِّ شَيءٍ مِن يَدِ قُدرَتِه، وعلى أنَّ مَقالِيدَ السَّماواتِ والأَرضِ بِيَدِه سُبحانَه وتَعالَى.
فياَسرِيحَ الأَسبابِ، أيُّها المِسكِينُ المَفتُونُ بالطَّبِيعةِ!
ما دامَتْ طَبِيعةُ كلِّ شَيءٍ مَخلُوقةً كالشَّيءِ نَفسِه، لِأنَّ تَكَوُّنَها مُحداتِ وإيرُ قَدِيمٍ، وعلَيْها عَلامةُ الصَّنْعةِ والإِتقانِ، وأنَّ سَبَب وُجُودِ هذا الشَّيءِ الظَّاهِرِيِّ هو أَيضًا مَصنُوعٌ حادِثٌ؛ ولَمَّا كانَ وُجُودُ أيِّ شَيءٍ مُفتَقِرًا إلى وَسائ يُسَرلاتٍ وأَجهِزةٍ كَثِيرةٍ جِدًّا..
فلا بُدَّ مِن قَدِيرٍ مُطلَقِ القُدْرةِ لِيَخلُقَ تلك الطَّبِيعةَ في الشَّيءِ، ويُوجِدَ ذلك السَّبَبَ له، ولا بُدَّ أن يكُونَُذَكِّا القَدِيرُ المُطلَقُ القُدْرةِ یی مُستَغْنِيًا غَناءً مُطلَقًا، فلا يُشرِكَ الوَسائِطَ العاجِزةَ في إِيجادِه لِلشَّيءِ، وفي هَيْمَنةِ رُبُوبيَّتِه علَيْه.
فحاشَ للهِ أنْ يكُونَ سِواه القَدِيرَ المُستَغنِيَ المُِ، كمايَ، بل هو سُبحانَه وتَعالَى يَخلُقُ المُسَبَّبَ والسَّبَبَ مَعًا خَلْقًا مُباشَرًا، ويُوجِدُ بَينَهُما سَبَبِيّةً ظاهِرِيّةً وصُورِيّةً،
— 209 —
ويَقرِنُ بَينَهُما مِن خِلالِ تَرتِيبٍ وتَنظِيمٍ، جاعِلًا مِنَ الِدٍ ويِ والطَّبِيعةِ سِتارًا لِيَدِ قُدْرَتِه الجَلِيلةِ، وحِجابًا لِعَظَمَتِه وكِبْرِيائِه، ولِتَبقَى عِزَّتُه مُنَزَّهةً مُقَدَّسةً في عَلْيائِها، ويَجعَلُ تلك الأَسبابمانين ِعَ الشَّكْوَى لِما يَتَراءَى مِن نَقائِصَ، ولِما يُتَصَوَّرُ مِن ظُلمٍ ظاهِرِيٍّ في الأَشياءِ.
أَيُّهُما أَسهَلُ على الفَهْمِ، وأَقرَبُ مَعقُوليّةً إلى الذِّهنِ: تَصَوُّرُ "ساعاوإذا ا يَصنَعُ تُرُوسَ السّاعةِ ومُعَدّاتِها، ثمَّ يُنَظِّمُها على وَفقِ تَرتِيبِ تُرُوسِها، ويُوازِنُ بَينَ حَرَكاتِ عَقارِبِها بدِقّةٍ مُتَناهِيةٍ؛ أم أن نَتَصَوَّرَ السَّاعاتِيَّ يَصنَعُ في تُرُوسِ السَّاعةِ وعَقارَلامُ ودَقِيقِ آلاتِها ماكِينةً خارِقةَ الفِعالِ يُسَلِّمُ صُنعَ السّاعةِ إلى جَمادِيّةِ أَيدِيها؟! قُل مَعِي: أَلَيسَ هذا كَلامًا فارِغًا ومُحالًا وخارِجًا عن حُدُودِ الإِمكانِ؟! فهَيّا خاطِبْ أَنتَ عَقْلَك المُجْحِفَالإِلٰ أَنتَ القاضِيَ والحَكَمَ.
وأَيُّهُما يكُونُ مُستَساغًا ومَقبُولًا في مَنطِقِ العَقلِ: تَصَوُّرُ كاتِبٍ يَخُطُّ كِتابًا بنَفسِه بَعدَ أن يُحضِرَ لَوازِمَ الكِتابةِ، مِن مِدادٍ وقَلَمٍ ووَرَقٍ، أم تَصَةً لذلإِيجادِ ذلك الكاتِبِ مَطبَعةً خاصّةً بذلك الكِتابِ یی وهِي أَعقَدُ وأَدَقُّ مِنَ الكِتابِ نَفسِه یی يَتْرُكُ لها أَمرَ كِتابةِ هذا الكِتابِ فيُخاطِبُها قائِلًا: هَيّا اشْرَعِي أَنتِ بكِتابةِ الكِتابُودِ ان دُونِ تَدَخُّلٍ مِن قِبَلِه؟
أَلَيسَ مِثلُ هذا التَّصَوُّرِ السَّقِيمِ مُعضِلًا عَقلًا؟ ومُشكِلًا بأَضعافِ أَمرِ الكِتابةِ نَفسِها؟!
وإذا قُلتَ:إِنَّ إِيجادَ مَطبَعتلك الَبعِ الكِتابِ أَعقَدُ وأَصعَبُ مِنَ الكِتابِ نَفسِه، إِلّا أنَّ ماكِينةَ المَطبَعةِ، قادِرةٌ على إِصدارِ آلافِ النُّسَخِ مِنَ الكِتابِ في مُدّةٍ قَصِيرةٍ؛ وهذا وَسِيلةُ التَّيسِيرِ.
الجَوابُ:إنََّّذِينِئَ المُصَوِّرَ سُبحانَه لِأَجلِ تَجدِيدِ تَجَلِّياتِ أَسمائِه الحُسنَى وإِظهارِها على أَشكالٍ مُختَلِفةٍ، قد خَلَق بقُدْرَتِه المُطلَقةِ تَشَخُّصاتِ الأَشياءِ ومَلامِحَها الخاصّةَ بها، بحُحالٌ ا يُشبِهُ مَخلُوقٌ مَخلُوقًا آخَرَ تَشابُهًا تامًّا، وهُو كِتابٌ صَمَدانِيٌّ، ومَكتُوبٌ رَبَّانِيٌّ.
— 210 —
نعم، إنَّه لِأَجلِ أن يَفِيَ كلُّ مَخلُوقٍ بمَعانٍ مُختَلِفة ذيلٌ ُودِه، لا بُدَّ أن يَملِكَ سِيماءً يُعرَفُ بها ويُخالِفُ بها الآخَرِينَ، ومَلامِحَ تُبايِنُ مَلامِحَ غَيرِه؛ فانظُرْ ودَقِّقِ النَّظَرَ في وَجْهِ الإِنسانِ، تَرَ أنَّ عَلِ وبهذفارِقةً قدِ احتَشَدَت في هذا الوَجْهِ الصَّغِيرِ، بحَيثُ تُمَيِّیزُ هذه العَلاماتُ صاحِبَها عن جَمِيعِ الوُجُوهِ الأُخرَى المُتَتابِعةِ مُنذُ زَمَنِ آدَمَ عَلَيهِ السَّلَام حتَّى اليَومِ، وإلى الأَبَدِتِ في َ التَّشابُهِ والِاتِّفاقِ في الماهِيّةِ الإِنسانيّةِ، والكَينُونةِ البَشَرِيّةِ، وهذا واضِحٌ جَلِيٌّ وثابِتٌ قَطْعًا.
فمَلامِحُ كلِّ وَجْهٍ كِتفيها خصٌّ بالوَجهِ نَفسِه، وهُو كِتابٌ مُستَقِلٌّ بذاتِه عن غَيرِه.. فلِأَجلِ إِخراجِ هذا الكِتابِ الخاصِّ، وإِتقانِ صُنْعِه وتَنظِيمِه، يَستَوجِبُ الأَمرُ وُجُودَ مَجمُوعةٍ أَبجَدِيّةٍ كامِلةٍ مِنَ الحُرُوفِ، وماعِسِيةٍ حَجْمًا له، ويَتَطلَّبُ تَنضِيدَ هذه الحُرُوفِ في مَواضِعِها مِن لَوْحةِ التَّنضِيدِ، لِيَتِمَّ بَعدَ ذلك مُؤَلَّفٌ خاصٌّ بهذا الوَجهِ يُخالِفُ تَألِيفَءِ تَشرِينَ.
ويَستَلزِمُ هذا الأَمرُ جَلْبَ مَوادِّ صُنعِه الخاصّةِ به، ثمَّ وَضْعَها في أَماكِنِها المُخَصَّصةِ لها، ثمَّ إِدراجَ كلِّ ما يَلزَمُ وُجُودَ هذا الوَجْهِ یی في الوَجْهِ نأَثماریی مِن عَناصِرِ البِناءِ.. وهذا كُلُّه لا شَكَّ يَحتاجُ إلى مَصنَعٍ مُستَقِلٍّ خاصٍّ به، أي: إلى مَطبَعةٍ خاصّةٍ في كلِّ أَشيائِها لِكُلِّ وَجهٍ مِنرةِ الجُوهِ، ثمَّ أَلَا تَحتاجُ هذه المَطبَعةُ الخاصّةُ یی على فَرْضِ وُجُودِها یی إلى تَنظِيمٍ مُعَيَّنٍ، وتَنسِيقٍ مَخصُوصٍ؟ فأَمرُ الطَّبعِ نَفسُه یی دَعْ عَنك تَنسِيقَ الحُرُوفِ وتَرتِيبَها وتَنظِيمَها یی هو أَيضًا بحاجةٍ إلى تَنظِيمٍ.
فالمَوَخلُقَلمَوجُودةُ في جِسمِ كلِّ كائِنٍ حَيٍّ هي أَكثَرُ تَعقِيدًا وأَدَقُّ تَنظِيمًا مِن مَوادِّ المَطبَعةِ وتَنظِيمِها بمِئاتِ الأَضعافِ، فجَلبُ هذه المَوادِّ مبَيانَطارِ العالَمِ، ضِمنَ حِساباتٍ مُعَيَّنةٍ، ومَوازِينَ دَقِيقةٍ، ثمَّ تَنضِيدُها حَسَبَ مُقتَضَياتِ الحاجةِ إلَيْها، وأَخِيرًا وَضْعُها تَحتَ يَدِ تلك اكَ لِمعةِ... هذه السِّلسِلةُ الطَّوِيلةُ مِنَ الإِجراءاتِ تَحتاجُ یی أَوَّلًا وقَبلَ كلِّ شَيءٍ یی إلى مُوجِدٍ يُوجِدُ تلك المَطبَعةَ المُفتَرَضةَ، ولَيسَ هو إلّا القُدْرةَ الفاطِرةَ لِلخالِقِ القَِماتِ وإِرادَتَه النّافِذةَ.
— 211 —
إِذًا فاحتِمالُ كَونِ الطَّبِيعةِ كأَنَّها مَطبَعةٌ، خُرافةٌ فاضِحةٌ لا مَعنَى لها على الإِطلاقِ!
وهكذا على غِرارِ ما شاهَدْناه في مِثالِ "السَّاعةِ والكِتابِ": إنَّ الصَّانِعَطَأٍ، جَلالِ وهُو القادِرُ على كلِّ شَيءٍ، هو نَفسُه خالِقُ الأَسبابِ، وخالِقُ المُسَبَّباتِ، وهُو الَّذي يَربِطُ المُسَبَّباتِ بالأَسبابِ بحِكْمَتِه سُبحانَه؛ وقد عَيَّن بإِرادَتِه طَبِيعةرَ المشياءِ، وجَعَلَها مِرآةً عاكِسةً لِتَجَلِّياتِ الشَّرِيعةِ الفِطْرِيّةِ الكُبْرَى الَّتي فَطَر علَيْها الكَوْنَ، والَّتي هي قَوانِينُ اللهِ وسُنَنُه الجارِيةُ الَّتي تَخُصُّ تَنظِيمَ شُؤُونِ الكَونِ، وقد أَوْجَدَ بقُدْرخامِسةَجْهَ "الطَّبِيعةِ" الَّذي حَظِيَ بالوُجُودِ الخارِجِيِّ، ثمَّ خَلَق الأَشياءَ وأَنشَأَها على تلك الطَّبِيعةِ ومازَجَ بَينَهُما بتَمامِ الحِكْمةِ.
والآنَ نُحِيلُ الأَمرَ إلى إِنصافِ تكُن ك المُجْحِفِ لِيَرَى:أَيُّهُما يَستَسِيغُه عَقْلُك ويَسهُلُ علَيْه الِاعتِقادُ به؟ أَهذِه الحَقِيقةُ المَعقُولةُ النَّابِعةُ مِن بَراهِينَ دامِغةٍ غَيرِ مَحدُودةٍ یی وهِي مُلزِمةٌ إلى حَدِّ الَّبِيعِ یی أم إِعطاءُ ما يَلزَمُ لِلأَشياءِ مِن أَجهِزةٍ وأَعضاءٍ لا تُحَدُّ، وإِسنادُ أَعمالٍ تَتَّسِمُ بالحِكْمةِ والبَصِيرةِ إلى الشَّيءِ نَفسِه؟! أو نِسبَتُها إلى ما تُسَمُّونَه بی"الطَّبِيعةِ" والأَسبابِ الَّتي ه مِمّادُّ جامِدةٌ خالِيةٌ مِنَ الشُّعُورِ وهِي مَخلُوقةٌ مَصنُوعةٌ؟ ألَيسَت هذه خُرافةً مُمتَنِعةً وخارِجةً عن نِطاقِ الإِمكانِ؟
يُجِيبُ عابِدُ الطَّبِيعةِ یی ذلك الجاحِدُ یی قائِلًا:ما دُمتَ تَدعبُوَّتإلى الإِنصافِ فأنا أَعتَرِفُ: بأنَّ ما سَلَكْناه مِن طَرِيقٍ مُضِلٍّ إلى الآنَ مِثلَما أنَّه مُحالٌ بمِئةِ مُحالٍ، فهُو مُضِرٌّ أيَّما ضَرَرٍ، وهُعَظِيمُنتَهَى القُبحِ والفَسادِ.. إنَّ مَن كانَ له مُسكةٌ مِن عَقلٍ يُدرِكُ مِن مُحاكَماتِكُمُ العَقلِيّةِ، وتَحقِيقاتِكُمُ العِلمِيّةِ المُسنَدةِ بالبَراهِينِ والمَذكُورةِ آنِفًا: أنَّ إِسنادَ الإِيجاءَ مُطخَلقِ إلى الأَسبابِ وإلى الطَّبِيعةِ مُمتَنِعٌ عَقلًا ومُحالٌ قَطْعًا، بل الواجِبُ والضَّرُورِيُّ المُلزِمُ لِلعَقلِ هو إِسنادُ كلِّ شَيءٍ مُباشَرةً إلى واجِبِ الوُجُودِ سُبحانَه، فأَحْمَدُ اللهَ الَّذي هَدانِي إلى هَذا الإِيمانِ.
ولكِنكلَّا.َتْ لَدَيَّ شُبهةٌ واحِدةٌ فقط،وهِي:أنَّني أُؤْمِنُ باللهِ رَبًّا وأنَّه خالِقُ كلِّ شَيءٍ، ولكِنِّي أَتَساءَلُ: ماذا يَضُرُّ عَظَمَتَه سُبحانَه، وماذا يَضُرُّ سُلطانَه جَلَّ وعَلا، أن
— 212 —
نَتَوجَّه ببَعضِ المَدحِ والثَّناءِ إلى بَعضِ الذ مِثلِ الجُزئيّةِ في إِيجادِها الأَشياءَ الصَّغِيرةَ التّافِهةَ، فهل يَنقُصُ ذلك شَيئًا مِن سُلطانِه سُبحانَه وتَعالَى؟!
والجَوابُ:كما أَثبَتْنا في قِسنِيَّ َ الرَّسائِلِ إِثباتًا قاطِعًا: أنَّ شَأْنَ الحاكِمِيّةِ "رَدُّ المُداخَلةِ" ورَفْضُها كُلِّيًّا، بل إنَّ أَدنَى حاكِمٍ، أو أيَّ مُوَظَّفٍ بَسِيطٍ لا يَقبَلُ تََه تَتًا حتَّى مِنِ ابنِه ضِمنَ حُدُودِ حاكِمِيَّتِه، بل إنَّ تَوَهُّمَ التَّدَخُّلِ في الحاكِمِيّةِ قد دَفَع بَعضَ السَّلاطِينِ إلى قَتلِ أَولادِهِمُ الأَبرِياءِ رَغمَ أنَّهُم كانُوا على شَيءٍ مِنَ الكَريوَى والصَّلاحِ، مِمّا يُظهِرُ مَدَى أَصالةِ هذا القانُونِ یی قانُونِ رَدِّ المُداخَلةِ یی في الحاكِمِيّةِ، فهُو سارٍ في كلِّ شَيءٍ، ابتِداءً مِن مُتَخاصِمَينِ في تَسَنُّمِ إِداالجَماحِيةٍ صَغِيرةٍ، إلى سُلطانَينِ يَتَنازَعانِ لِلتَّفَرُّدِ بالسُّلطةِ في البِلادِ؛ وكَذلِك فقد أَظهَر یی بما لا يَقبَلُ الشَّكَّ یی ما يَقتَضِيه استِقلالُ الحاكِمِيّةِ مِن قانُونِ "مَنعِ الَ على اكِ"، وأَوضَحَ نُفُوذَه وقُوَّتَه خِلالَ تارِيخِ البَشَرِيّةِ الطَّوِيلِ، وما أَدَّى إلَيْه مِنِ اضطِرابٍ وقَتلٍ وتَشرِيدٍ وأَنهارٍ مِنَ الدِّماءِ المُهْراقةِ.
تَأَمَّلْ في الإِنسانِ الَّذي هوذه المٌ عن إِدارةِ نَفسِه ومُفتَقِرٌ إلى التَّعاوُنِ معَ الآخَرِينَ، ولا يَملِكُ مِنَ الحاكِمِيّةِ والآمِرِيّةِ إلّا ظِلًّا باهِتًا، فهُو يَرُدُّ المُداخَل نَظَر هذه الدَّرَجةِ، ويَمنَعُ تَدَخُّلَ الآخَرِينَ إلى هذا الحَدِّ، ويَرفُضُ مُشارَكةَ الآخَرِينَ في حاكِمِيَّتِه، ويَسعَى بما لَدَيْه مِنِ لا إٍ لِلتَّشَبُّثِ باستِقلاليّةِ مَقامِه.. تَأَمَّلْ في هذا، ثمَّ انظُرْ إلى مَن يتَّصِفُ بِالحاكِمِيّةِ المُطلَقةِ بِدَرَجةِ الرُّبُوبِيّةِ، والآمِرِيّةِ المُطلَقةِ بِدَرَالنِّظأُلُوهِيّةِ، والِاستِقلالِ المُطلَقِ بِدَرَجةِ الأَحَدِيّةِ، والِاستِغناءِ المُطلَقِ بِدَرَجةِ القادِرِيّةِ المُطلَقةِ.. ذلِكُمُ اللهُ رَبُّنا ذُو الجَلالِ..
"الغُصيكُونُ لازِمًا وضَرُورِيًّا "رَدُّ المُداخَلةِ" هذه بالنِّسبةِ إلَيْه، ومَنعُ الِاشتِراكِ وطَردُ الشَّرِيكِ في حاكِمِيَّتِه المُطلَقةِ، وكَم هِنْسَالَوازِمِ هذه الحاكِمِيّةِ ومِن أَوجَبِ وجائِبِها؟
فقارِنِ الآنَ ووازِنْ بَينَ حاكِمِيّةِ الإِنسانِ المَحدُودةِ الضَّيِّقةِ المُفتَقِرةِ إلى الآخَرِينَ، وحاكِمِيّةِ اللهِ المُطلَقةِ الغَنِيّةِ المُهَيمِنةِ الشّامِلةِ.
— 213 —
أمَ المَِّقُّ الثّاني مِن شُبهَتِكوهُو أنَّه: إذا قُصِدَ "بَعضُ الأَسبابِ" ببَعضِ العِبادةِ مِن بَعضِ الأَفرادِ، فهل يَنقُصُ ذلك شَيْئًا مِن عِبادةِ المَخلُوقاتِ المُتمُحالٍةِ جَمِيعًا إلى اللهِ القَدِيرِ، ابتِداءً مِنَ الذَّرّاتِ وانتِهاءً بالسَّيّاراتِ والمَجَرَّاتِ؟!
فالجَوابُ:أنَّ الخالِقَ الحَكِيمَ العَلِيمَ سُبحانَه، قد خَلَق هذا نٍ، فلَ بمَثابةِ شَجَرةٍ، وجَعَل أَربابَ الشُّعُورِ ثِمارَها الكامِلةَ، وكَرَّم الإِنسانِ باعتِبارِه أَجمَعَ ثَمَرةٍ لِأَربابِ المَشاعِرِ، وجَعَل الشُّكرَ والعِبادةَ أَفضَلَ ما تُثمِرُه حَياةُ الإِنسانِ، بل هُما یی الشُّكرُ والصُورِ،ُ یی نَتِيجةُ خَلقِه وغايةُ فِطْرَتِه وثَمَرةُ حَياتِه.
فهل يُمكِنُ عَقلًا لِهذا الحاكِمِ المُطلَقِ والآمِرِ الفَردِ، وهُو الواحِدُ الأَحَدُسِرَاجُسَلِّمَ أَمرَ الإِنسانِ الَّذي هو ثَمَرةُ الكَونِ كُلِّه إلى غَيرِه، ويُسَلِّمَ ثَمَرةَ حَياتِه یی وهِي الشُّكرُ والعِبادةُ یی إلى الآخَرِينَ، بَعدَما خَلَق الكَونَ كُلَّه لِمَعرِفةِ أُلُوهِيً، وأَ ولِمَحَبّةِ رُبُوبيَّتِه، فهل يُمكِنُ أن يَجعَلَ نَتِيجةَ الخَلقِ وثَمَرةَ الكَونِ تَسقُطُ بَينَ أَشداقِ عُفُونةِ العَبَثِ؟! حاشَ للهِ وكتَ غيرسُبحانَ اللهِ عَمّا يُشرِكُونَ!
ثمَّ هل يُمكِنُ أن يَرضَى سُبحانَه بما يُخالِفُ حِكْمَتَه ورُبُوبيَّتَه بجَعلِ بَعضِ الأَسبابِ مَقصُودَ عِبادةِ المَخلُوقاتِ؟ عِلْمًا بأنَّه سُبحانَه وتَعالَى قد أَظهَرَ بأَفعالِه أنَّه يُحَبِّبُ نَفسلحِسابعَرِّفُها بِدَرَجةٍ غَيرِ مَحدُودةٍ.
فكَيفَ يَرضَى سُبحانَه یی بَعدَ هذا كُلِّه یی أنْ يَدَع تَحَبُّبَ أَفضَلِ مَخلُوقاتِه وأَكمَلِهِم عُبُودِيّةً وشُكرًا وحَمْدًا إلى غَيرِه مِرانيّةَسبابِ؟! وكَيفَ يَسمَحُ لِمَخلُوقاتِه أن تَنساه بَعدَ أن أَظهَرَ بأَفعالِه مَقاصِدَه السَّامِيةَ في الكَونِ: وهِي مَعِرفَتُه، ثمَّ عِبادَتُه؟ مُشرِ وكَلّا، فسُبحانَ اللهِ عَمّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
ماذا تَقُولُ أيُّها الصَّدِيقُ بالَّذي سَمِعتَه آنِفًا؟
وإذا به يُجِيبُ فيَقُولُ: الحَمدُ للهِ الَّذي سَهَّل لي حَلَّ هاتَينِ الشُّبُراقَبِ، فقد أَظهَرْتَ لي في وَحْدانيّةِ اللهِ یی المَعبُودِ الحَقِّ والمُستَحِقِّ لِلعِبادةِ وَحْدَه یی دَليلَينِ قَوِيَّينِ ساطِعَينِ لا يُمكِنُ إِنكارُه والدّهل يُنكِرُ ضَوءَ الشَّمسِ والنَّهارِ إلّا مُكابِرٌ مُعانِدٌ؟!

* * *

— 214 —
الخاتمة
يقُولُ الرَّجُلُ الَّذي تَرَك فِكرةَ الطَّبِيعةِ الكُفرِيّةِ ودَخَل حَظِيرةَ الإِيمانِ:
الحَمدُ للهِ.. ِثلَماُ أنَّ شُبُهاتِي قد زالَت كُلُّها، ولكِن ما زالَ في النَّفسِ ما يُحَيِّرُني ويُثِيرُ المَزِيدَ مِن هَواجِسِي، مِمّا يَرِدُ على خاطِرِي مِن أَسئِلةٍ لا أَعرِفُ جَوابًا عَلَيْها!
السُّؤالُ الأوَّلُ:نَسمَعُ مِن كَثِيرٍ مِنَ الكُسالَى المُتَق يَحِينَ عنِ العِباداتِ،ومِن تارِكِي الصَّلاةِ بخاصّةٍ،أنَّهُم يَقُولُونَ:
ما حاجةُ الرَّبِّ الغَنِيِّ بِذاتِه یی سُبحانَه وتَعالَى یی إلى عِبادَتِنا حتَّى يَزجُرَنا في مُحْكَمِ كِتابِه الكَرِيمِ، ويَتَوعَّدَنا بأَشَدِّ العَذابِ في نارَِطَشُ.َّمَ؟ فكَيفَ يَتَساوَقُ هذا الأُسلُوبُ التَّهدِيدِيُّ الصَّاعِقُ في مِثلِ هذا الخَطَأِ الجُزئِيِّ التَّافِهِ، معَ أُسلُوبِه الإِعجازِيِّ اللَّيِّنِ الهادِئِ الربَدِيعِ في المَواضِعِ الأُخرَى؟
الجَوابُ:حَقًّا إنَّ اللهَ سُبحانَه وتَعالَى الغَنِيَّ بِذاتِه لا حاجةَ له قَطُّ إلى عِبادَتِك أَنتَ أيُّها الإِن) وفَهبل لا حاجةَ له سُبحانَه إلى شَيءٍ قَطُّ، ولكِنَّك أَنتَ المُحتاجُ إلى العِبادةِ، وأَنتَ المُفتَقِرُ إلَيْها.. فأَنتَ مَرِيضٌ مَعنًى، والعِبادةُ هي البَلْسَمُ الشَّافي لِجِراحاتِ رُوحِك، وأَوْجاعِ ذاتِك، وقد أَثبَتْنا هذا الكَلامَ فَيَوانيدٍ مِنَ الرَّسائِلِ.
تُرَى! لو خاطَبَ مَرِيضٌ طَبِيبًا رَحِيمًا يُشفِقُ علَيْه ويُصِرُّ علَيْه لِيَتَناوَلَ دوَاءً شافِيًا يَخُصُّ مَرَضَه، لو خاطَبَه تِجاهَ إِصرارِه علَيْه قائِلًا: ما حاجَتُك أَنتَ إلى هذا الدَّواءِ ُرَدِّتُلِحَّ علَيَّ هذا الإِلحاحَ الشَّدِيدَ بِتَناوُلِ الدَّواءِ؟ ألا يُفهَمُ مِن كَلامِه مَدَى تَفاهَتِه وسُخْفِه وغَباءِ مَنطِقِه؟
أمّا نَذِيرُ القُرآنِ الكَرِيمِ فيما يَخُصُّ تَركَ العالتَّم وتَهدِيدُه المُخِيفُ بعِقابٍ أَلِيمٍ، فإِلَيْك تَفسِيرَه: فكَما أنَّ سُلْطانًا يُعاقِبُ شَخْصًا سافِلًا يَرتَكِبُ جَرِيمةً تَمَسُّ حُقُوقَ الآخَرِينَ بعِقابٍ صارِمٍ لِأَجلِ الحِفاظِ على حُقُوقِ رَعاياه، كَذلِك سُلْطانُ الأَزَلِ
— 215 —
والَوامِر يُعاقِبُ تارِكَ العِبادةِ والصَّلاةِ عِقابًا صارِمًا، لِأنَّه يَتَجاوَزُ تَجاوُزًا صارِخًا حُقُوقَ المَوجُوداتِ، ويَظلِمُها ظُلْمًا مَعنَوِيًّا بَشِعًا، ويَهضِمُ حُقُوقَها هذي يُب مُجحِفًا، تلك المَوجُوداتِ الَّتي هي رَعاياه وخَلقُه.
وذلك لِأنَّ كَمالاتِها تَتَظاهَرُ على صُورةِ تَسبِيحٍ وعِبادةٍ في وَجْهِها المُتَوجِّه إلى البارِئِ الحَكِيمِ سُبحصُوصًافتارِكُ العِبادةِ لا يَرَى عِبادةَ المَوجُوداتِ ولن يَراها، بل يُنكِرُها، وفي هذا بَخْسٌ عَظِيمٌ لِقِيمةِ المَوجُوداتِ الَّتي كلٌّ مِنها مَكتُوبٌ سامٍ صَمَدانِيٌّ، قد خُطَّ بآياتِ العِب المَعالتَّسبِيحِ، وهُو مُتَوجِّهٌ بآياتِه وتَسبِيحِه نَحوَ المُوجِدِ الخالِقِ جَلَّ وعَلا.. وكُلٌّ مِنها یی أَيضًا یی مِرآةٌ لِتَجَلِّي الأَسماءِ الرَّبّانيّةِ المُشِعّةِ بالأَنوارِ.. فيُنزِلُ هذه المَوجُوداتِ یی بهذا الإِنكارِ یی مِن مه وتَعا الرَّفِيعِ السَّامِي، ولا يَرَى في وُجُودِها سِوَى العَبَثِ الخالِي مِنَ المَعنَى، ويُجَرِّدُها مِن وَظائِفِها الخَلْقِيّةِ، ويَظُنُّها شَيْئًا هصانِعَ ضائِعًا لا أَهَمِّيّةَ له، فيكُونُ بذلك قدِ استَهانَ بالمَوجُوداتِ واستَخَفَّ بها، وأَهانَ كَرامَتَها وأَنكَرَ كَمالاتِها، وتَعَدَّى على مِصْداقيّةِ وُجُودِها.
نعم، إنَّ كلَّ إِنسانٍ إنَّما يَنظُرُ إلى الكَونِ بمِنظارِهعِ ورَِّ، وعلى وَفقِ ما تُصَوِّرُه له مِرآتُه الخاصَّةُ، فلَقَد خَلَقه البارِئُ المُصَوِّرُ سُبحانَه على صُورةٍ يَستَطِيعُ قِياسَ الكَونِ علَيْها، ويَزِنُه بمِيزانِها، فمَنَحَه عالَمًا خاصًّا به مِن هذا العالَمِ العَظِيمِ، فيَصطَبِغُ عالَمُه رَسةٍ ُ بحَسَبِ ما يَعتَقِدُه الإِنسانُ مِن عَقِيدةٍ في قَلبِه.
فالإِنسانُ الحَزِينُ اليائِسُ الباكِي يَرَى المَوجُوداتِ باكِيةً بائِسةً، بَينَما السَّعِيدُ الجَذْلانُ يَراها مُبتَسِمةً ضاحِكةً ومَسرُ واسِع كَذلِك الَّذي يُؤَدِّي العِبادةَ والأَذكارَ بصُورةٍ جادّةٍ وبشُعُورٍ تامٍّ وبتَفَكُّرٍ وتَأَمُّلٍ، فإنَّه يَكشِفُ شَيئًا مِن عِبادةِ المَوجُوداتِ وتَسابِيحِها، بل قد يَراها وهِي حَقِيقةٌ مَوجُودةٌ ثابِتةٌ، أمَّا الَّذي يَتْرَونَ اعِبادةَ غافِلًا أو مُنكِرًا لها فإنَّه يَتَوهَّمُ المَوجُوداتِ تَوَهُّمًا خاطِئًا جِدًّا ومُنافِيًا كُلِّيًّا ومُخالِفًا مُخالَفةً تامّةً لِحَقِيقةِ كَمارِ؛ ول، فيَكُونُ مُتَعدِّيًا على حُقُوقِها مَعنًى.
— 216 —
زِدْ على ذلك: فإنَّ تارِكَ الصَّلاةِ يَظلِمُ نَفسَه كَذلِك بتَركِه الصَّلاةَ، حَيثُ إنَّه غَيرُ مالِكٍ لِذاتِ نَفسِه، فهِي یی أي: النَّفسُ یی عَبدٌ مَملُوكٌ لَدَى مالِكِها اهِينِاها وخالِقِها وفاطِرِها، لِذا يُنذِرُه مَوْلاه الحَقُّ إِنذارًا شَدِيدًا ويُهَدِّدُه بعُنفٍ لِيَأخُذَ حَقَّ عَبدِه ذاك مِن نَفسِه الأَمَّارةِ بالسُّوءِ، فَضْلًا عن إلى عَعِندَما تَرَك العِبادةَ الَّتي هي نَتِيجةُ خِلْقَتِه وغايةُ فِطْرَتِه يكُونُ مُتَجاوِزًا حَدَّه تِجاهَ الحِكْمةِ الإِلٰهِيّةِ والمَشِيئةِ الرَّبّانيّةِ، لِذا يُعاقَبُ على هذا عِقابًا شَدِيدًا.
نَحصُلي لا با تَقَدَّمَ:أنَّ تارِكَ العِبادةِ مِثلَما أنَّه يَظلِمُ نَفسَه، والنَّفسُ مَملُوكُ الحَقِّ سُبحانَه وعَبدُه، فهُو يَتَعدَّى على حُقُوقِ كَمالاتِ الكائِناتِ ويَظلِمُها أَيضًا.. نعم، فكَما أنَّ الكِضَعفِستِهانةٌ بالمَوجُوداتِ واستِخفافٌ بها، فتَركُ العِبادةِ إِنكارٌ لِكَمالاتِ الكائِناتِ، وتَجاوُزٌ على الحِكْمةِ الإِلٰهِيّةِ، لِذا يَستَحِقُّ تارِكُها تَهدِيدًا عَنِيفًا، وعِقابًا صارِمًا.
قةِ فيُنا يَختارُ القُرآنُ الكَرِيمُ أُسلُوبَ الشِّدّةِ في التَّهدِيدِ والإِنذارِ ليُعَبِّرَ عن هذا الِاستِحقاقِ وعن هذه الحَقِيقةِ المَذكُورةِ آنِفًا، فيَوهم يُالأُسلُوبُ حَقًّا ومُطابِقًا تَمامًا لِمُقتَضَى الحالِ الَّذي هو البَلاغةُ بعَينِها.
السُّؤالُ الثّاني:يقُولُ صاحِبُنا الَّذي نَبَذ فِكْرةَ "الطَّبِيعةِ" وتَبَرَّأ مِنها، وشَرُفَ بالإِيمانِ باللهِ:
إنَّ انقِياظيمُ اِ مَوجُودٍ، في كلِّ شَأْنٍ مِن شُؤُونِه، وفي كلِّ أَمرٍ مِن أُمُورِه، وفي كلِّ ما يقُومُ به ويُنجِزُه، انقِيادًا مُطلَقًا لِلمَشِيئةِ الإِلٰهِيّةِ، والقُدرةِ الرَّبّانيّةِ، هو حَقِيقةٌ عَظِيمةٌ جَلِيلةارةَ أي لِعَظَمَتِها وسَعَتِها لا تَستَوعِبُها أَذهانُنا الكَلِيلةُ القاصِرةُ، عِلْمًا أنَّنا نُطالِعُ عِيانًا وَفْرةً مُتَناهِيةً مِنَ المَوجالًا، ، وسُهُولةً مُطلَقةً في خَلقِ الأَشياءِ، وقد تَحَقَّق أنَّ "السُّهُولة في الإِيجادِ" هي مِن مُستَلزَماتِ "الوَحْدانيّةِ" بما أَقمتُمُوه مِن بَئِحِ إَ وحُجَجٍ قاطِعةٍ، فَضْلًا عن أنَّ القُرآنَ الكَرِيمَ قد قَرَّرَ السُّهُولةَ المُطلَقةَ صَراحةً في آياتٍ كَرِيمةٍ كَثِيرةٍ أَمثالَ:
مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ
وَمَا أَمَْهجةَ َّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ
— 217 —
كلُّ ذلك يُظهِرُ تلك الحَقِيقةَ العَظِيمةَ "سُهُولةُ الإِيجادِ" مَسأَلةً مَقبُولةً جِدًّا ومُستَساغةً عَقْلًا، فأَينَ يَكمُنُ سِرُّآنَ لِلسُّهُولةِ يا تُرَى؟! وما الحِكْمةُ مِن وَرائِها؟
الجَوابُ:لقد وُضِّحَ ذلك السِّرُّ وُضُوحًا تامًّا ومُقنِعًا في الكَلِمةِ العاشِرةِ لی"المَكتُوبِ العِشرِينَ" أي:"وهُو على كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ"بما يَفِي بالغَرَضِ، وبخاصّةٍ في ذَيي إلى َيثُ جاءَ التَّوضِيحُ وافِيًا وشافِيًا جِدًّا، ومُقنِعًا بالدَّليلِ والبُرهانِ والإثباتِ القاطِعِ، وخُلاصَتُه:
أنَّه عِندَما يُسنَدُ إِيجادُ المَوجُوداتِ جَميعِها إلى الصّانِعِ الواحِدِ، يَسهُلَيه، َمرُ كسُهُولةِ إِيجادِ مَخلُوقٍ واحِدٍ، بَينَما إذا أُسنِدَ لِلكَثرةِ فإنَّه يَصعُبُ على هذه الكَثْرةِ أَمرُ إِيجادِ مَخلُوقٍ واحِدٍ بقَدْرِ صُعْشَرًاإِيجادِ جَمِيعِ المَوجُوداتِ.. فيكُونُ خَلقُ بِذْرةٍ واحِدةٍ صَعْبًا ومُشكِلًا كخَلقِ شَجَرةٍ.. ولكِن إذا أُسنِدَ "الإِيجادُ" إلى صانِعِه الحَقِّ سُبحانَه، يَسهُلُ الأَمرُ حتَّى يُصبِحُ إِيجادُ الكائِناتِ كُلِّها كإِيجادِ شَجَرةٍ واحِدةٍ، متِناعجَرةِ كالبِذْرةِ، والجَنّةِ كالرَّبِيعِ، والرَّبِيعِ كالزَّهرةِ.. فالأَمرُ يَسهُلُ ويكُونُ هَيِّنًا.
وسنُشِيرُ هنا إِشارةً مُختَصَرةً إلى دَليلٍ أو دَليلَينِ مِن بَينِ مِئاتِ يَدَيلّةِ الَّتي أَوْضَحْناها بالتَّفصِيلِ في رَسائِلَ أُخرَى، تلك الأَدِلّةِ الَّتي تُبيِّنُ ما يَدُورُ مِنَ الأَسرارِ والحِكَمِ الكامِنةِ فيما نُشاهِدُه مِن وَفْرةِ المَوجُوداتِ الَّتي لا حَصْرَ لَها الصّْصِها، وكَثْرةِ أَفرادِ كلِّ نَوعٍ مِنها، ووُرُودِها إلى الوُجُودِ مُنتَظِمةً، مُتقَنةً، وبكُلِّ سُهُولةٍ ويُسْرٍ.
مِثالُ هذا:إنَّ إِدارةَ مِئةِ جُندِيٍّ تَحتَ إِمرِ فهُوِطٍ واحِدٍ، أَسهَلُ بمِئةِ ضِعفٍ مِن إِدارةِ جُندِيٍّ واحِدٍ تَحتَ إِمرةِ مِئةِ ضابِطٍ؛ وعِندَما يُوكَلُ أَمرُ تَجهِيزِ جَيشٍ كامِلٍ باللَّوي عَدِالعَسكَرِيّةِ، مِن مَركَزٍ واحِدٍ، وبقانُونٍ واحِدٍ، ومِن مَصنَعٍ واحِدٍ، إلى أَمرٍ يُصدِرُه قائِدٌ واحِدٌ، فإنَّ ذلك يكُونُ سَهلًا وهَيِّنًا مِن حُحِيطِلكَمِيّةُ والوَفْرةُ، بسُهُولةِ تَجهِيزِ جُندِيٍّ واحِدٍ؛ بَينَما يكُونُ إِيكالُ أَمرِ تَجهِيزِ جُندِيٍّ واحِدٍ باللَّوازِمِ العَسكَرِيّةِ الكامِلةِ مِن مَراكِزَ ومَصانِعَ مُتَعدِّدةٍ، إلى ق سنةٍ عَدِيدِينَ، مُشكِلًا وصَعبًا مِن حَيثُ الكَمِيّةُ والوَفْرةُ أَيضًا بصُعُوبةِ تَجهِيزِ جَيشٍ كامِلٍ، إذ يَنبَغِي عِندَئِذٍ وُجُودُ مَصانِعَ كَثِيرةٍ لِلتَّجهِيزاتِ بعَدَدِ ما يَلزَمُ جَيشًا كامِلًا، لِأَجلِ تَجهِيزِ ِ بِناِيِّ الواحِدِ.
— 218 —
ويُشاهَدُ أَيضًا أنَّ الشَّجَرةَ الواحِدةَ الَّتي تُثمِرُ أُلُوفَ الثَّمَراتِ، إذا تَزَوَّدَت بالمَوادِّ الضَّرُورِيّةِ لها، َقرانِذْرٍ واحِدٍ، ومِن مَركَزٍ واحِدٍ، وعلى وَفقِ قانُونٍ واحِدٍ، يَتِمُّ ذلك بسُهُولةٍ ويُسْرٍ كأنَّها ثَمَرةٌ واحِدةٌ؛ بَينَما إذا استُبدِلَتِ الكَثْرةُ بالوَحْدةِ، وسُلِكَ طَرِيقُ الكَثْرةِ عِ حَولَعن طَرِيقِ الوَحْدةِ، وزُوِّدَت كلُّ ثَمَرةٍ بالمَوادِّ الضَّرُورِيّةِ لِلحَياةِ مِن مَراكِزَ مُختَلِفةٍ، وجُذُورٍ مُتَبايِنةٍ، يكُونُ إِيجادُ ثَمَرةٍ واحِدةٍ مُشكِلًا وصَعْبًا كإِيجادِ الشَّجَرةِ نَفسِها، بل قد يكُونُ إِيجادُ البِذسُّؤالی الَّتي هي أُنمُوذَجُ الشَّجَرةِ وفِهرِسْتُها یی صَعْبًا ومُعضِلًا كإِيجادِ الشَّجَرةِ نَفسِها، لِأنَّ ما يَلزَمُ حَياةَ الشَّجَرةِ مِن مَوادَّ ضَرُورِيّةٍ يَلزَمُ البِذْرةَ أَيضًا.
فهُناك المِئاتُ مِن أَمثالِ هذه الأَمثِلةِقِيقةُِّها تُبيِّنُ أنَّ وُرُودَ أُلُوفِ المَوجُوداتِ بسُهُولةٍ مُطلَقةٍ إلى الوُجُودِ یی في الوَحْدةِ یی أَسهَلُ مِن وُرُودِ مَوجُودٍ واحِدٍ إلى الوُجُودِ بالتَّعَدُّدِ والكَثْرةِ.
ولَمّا كُنّا قد أَثبَتْنا هذه الحَقِيقةَ في رَسائِلَ أمِ الكبيَقِينٍ قاطِعٍ نُحِيلُ إلَيْها، ولكِنَّنا نُبيِّنُ هنا فقط سِرًّا عَظِيمًا يَتَعلَّقُ بهذه السُّهُولةِ واليُسرِ مِن زاوِيةِ نَظَرِ العِلمِ الإِلٰهِيِّ، والقَدَرِ الإِلٰهِيِّ، والقُدرةِ الرَّبّانيّةِ، وهذا السِّرُّ هو:
أَنتَ مَوجُودٌ مِنلُ:
وجُوداتِ، فإذا سَلَّمتَ نَفسَك إلى يَدِ القَدِيرِ المُطلَقِ القُدرةِ، فإنَّه يَخلُقُك بأَمرٍ واحِدٍ كَلَمحِ البَصَرِ، وبقُدرَتِه المُطلَقةِ مِنَ العَدَمِ، مِن غَيرِ شَيءٍ؛ ولكِن إنْ لم تُسَلِّم نَفسَك إلَيْه، بل أذِينَ َها إلى "الطَّبِيعةِ"، وأَسلَمتَها إلى الأَسبابِ المادِّيّةِ، فيَلزَمُ عِندَئِذٍ لِإيجادِك أَنتَ عَمَليّةُ بَحثٍ دَقيقٍ یی لِجَمعِ جَمِيعِ المَوا الجَنَّتي في وُجُودِك یی في أَقطارِ العالَمِ كُلِّه، والتَّفتِيشُ عنها في زَوايا الكَونِ كُلِّه، وإِمرارُها في مَصَافٍ واختِباراتٍ دَقِيقةٍ جِدًّا، ووَزْنُها بمَوازِينَ حَسّاسةٍْزَنِ،لِأنَّك خُلاصةٌ مُنتَظِمةٌ لِلكَونِ، وثَمَرَتُه اليانِعةُ، وفِهرِسْتُه المُصَغَّرُ، ومِحْفَظَتُه المُنطَوِيةُ على مَوادِّ الكَونِ كُلِّه.
لِأنَّ الأَسبابَ المادِّيّةَ ليس لها إلّا التَّركِيبُ واعتِباُ، إذ هو ثابِتٌ لَدَى أَربابِ العُقُولِ أنَّه لا يُمكِنُ لِلأَسبابِ المادِّيّةِ إِيجادُ ما لا يُوجَدُ فيها، مِنَ العَدَمِ ومِن غَيرِ شَيءٍ، لِذا فهِي مُضطَرّةٌ إلى جَمعِ المَوادِّ اللّازِمةِ لِجِسمِ كائِنٍ حَيٍّ صَغِيرٍ مِن أَقطارِنةِ.
َمِ كُلِّه.
— 219 —
فافْهَمْ مِن هذا مَدَى السُّهُولةِ المُطلَقةِ في الوَحْدةِ والتَّوحِيدِ، ومَدَى الصُّعُوباتِ والمُشكِلاتِ في الشِّركِ والضَّلالةِ.
ثانيها:أنَّ هُنالِك سُهُولةً مُطلَقةً في الخَلقِ والإِيجادِ تَاتٍ وامِن زاوِيةِ نَظَرِ "العِلمِ الإِلٰهِيِّ"، وتَفصِيلُها كالآتي:
إنَّ القَدَرَ الإِلٰهِيَّ هو نَوعٌ مِنَ العِلمِ الإِلٰهِيِّ، يُعيِّنُ مِقدارَ كلِّ شَيءٍ كأنَّه قالَبٌ مَعنَوِيٌّ له وخاصٌّ به، فيَكُونُ ذلك المِقدارُ القَدَرِيُّ أَشهَدةِ خُطّةٍ لِذلِك الشَّيءِ، وبحُكمِ "مُودِيل" أُنمُوذَجٍ له، فعِندَما تُوجِدُه "القُدرةُ الإِلٰهِيّةُ" تُوجِدُه على ذلك المِقدارِ القَدَرِيِّ بكلِّ سُهُولةٍ ويُسرٍ.
فإن لم يُنسَب إِيجادُ ذلك الشَّيءِ إلى مَن له عِلمٌ مُحِيطٌ مُطلَقٌ أَز، في كوهُو اللهُ القَدِيرُ ذُو الجَلالِ،لا تَحصُلُ أُلُوفُ المُشكِلاتِ فحَسْبُ، بل تَقَعُ مِئاتُ المُحالاتِ أَيضًا یی كما ذُكِر آنِفًا یی لِأنَّه إن لم يَكُن هُناك ذلك المِقدارُ القَدومُحتَ، والمِقدارُ العِلمِيُّ، يَلزَمُ استِعمالُ أُلُوفِ القَوالِبِ المادِّيّةِ والخارِجِيّةِ لِلجِسمِ الصَّغِيرِ لِلحَيَوانِ!
فافْهَمْ مِن هذا سِرًّا مِن أَسرارِ السُّهُولةِ المُطلَاءِ وا الوَحْدةِ والتَّوحِيدِ وكَثْرةِ المُشكِلاتِ غَيرِ المُتَناهِيةِ في التَّعَدُّدِ والكَثْرةِ والشِّركِ، واعْلَمْ مَدَى صِدقِ الحَقِيقةِ الَّتي تُعمِنَ اعنها الآيةُ الكَرِيمةُ:
وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ
السُّؤال الثّالثُ:يقُولُ الَّذي كانَ يُعادِي سابِقًا ووُفِّق إلى الإِيماُّفاتِنَ واهتَدَى: ما بالُ بَعضِ الفَلاسِفةِ المُغالِينَ في عَصرِنا هذا يُطلِقُونَ مَقُولةَ: "لا يُستَحدَثُ شَيءٌ مِنَ العَدَمِ، ولا يَفنَى شَيءٌ مِنَ الوُجُودِ، وإنَّ متاذِي يرُ هذا الكَونَ إنَّما هو تَركِيبُ المادّةِ وتَحلِيلُها ليس إلّا؟!".
الجَوابُ:إنَّ الفَلاسِفةَ الَّذِينَ لم يَتَسنَّ لَهُمُ النَّظَرُ إلى المَوجُوداتِ بنُورِ القُرآنِ المُبِينِ، عِندَما نَظَرُوا إلَيْها بمِنظارِ "الِ تَدُعةِ" و"الأَسبابِ" تَوَصَّلُوا إلى أنَّ وُجُودَ هذه
— 220 —
المَوجُوداتِ، وافتِراضَ تَشَكُّلِها بعَوامِلِ "الطَّبِيعةِ" و"الأَسبابِ" مَسأَلةٌ تَطرَحُ مُشكِلاتٍ عَوِيصةً بدَرَجةِ الِالَّتي ِ یی على غِرارِ ما ذَكَرْناه في بَيانِ الِاحتِمالاتِ ومُحالاتِها یی فانقَسَم هَؤُلاءِ الفَلاسِفةُ إِزاءَ هذه العَقَبةِ الكَأْداءِ إلى قِسمَينِ:
قِسمٌ مِنهُمصارُوا تَتَطاطائيِّينَ وعافُوا العَقلَ الَّذي هو خاصّةُ الإِنسانِ، وسَقَطُوا إلى دَرَكٍ أَدنَى مِنَ الحَيَواناتِ، إذ وَصَل بهم أَمرُ فِكرِهِم إلى إِنكارِ الوُجُودِ عُمُومًا، بل حتَّى إِنكارِ وُجُودِهِم، وذلك عِندَما رَأَوْا أنَّ هذا الإِفأنت عأَجدَى على العَقلِ وأَيسَرُ علَيْه وأَسلَمُ مِن تَصَوُّرِ "الطَّبِيعةِ" و"الأَسبابِ" مالِكةً لِزِمامِ الإِيجادِ، فأَنكَرُوا وُجُودَ أَنفُسِهِم ووُجُودَ المَوجُوداتِ جَمِيعًا، فسَقَطُ الواسهاوِيةِ الجَهلِ المُطلَقِ.
أمَّا القِسمُ الثّاني:فقد نَظَرُوا إلى المَوجُوداتِ أنَّها لو سُلِّم إِيجادُها إلى "الأَسبابِ" و"الطَّبِيعةِ" كما هو شَأْنُ أَهلِ الضَّلالةِ، فإنَّ إِيجادَ شَيءٍ صَغِيرٍ جِدًّا كالبَعُوضةِ أوِ البِذْرةِ بِدَلمِنَ المُشكِلاتِ ما لا يُحَدُّ، ويَقتَضِي قُدْرةً عَظِيمةً لا يَبلُغُ مَداها العَقلُ، فوَجَدُوا أَنفُسَهُم مُضطَرِّينَ إلى إِنكارِ "الإِيجادِ" نَفسِه، فقالُوا: "لا يُستَحدَثُ شَيءٌ مِنَ العَدَمِ"، ورَأَوْا أنَّ إِعدامَ اعَبَثِِ مُحالٌ أَيضًا، فقَرَّرُوا أنَّه "لا يَفنَى المَوجُودُ"، وتَخَيَّلُوا جُملةً مِنَ الأَوْضاعِ الِاعتِبارِيّةِ سارِيةً ما بَينَ تَحلِيلٍ وتَركِيبٍ وتَفرَمِ واتَجمِيعٍ، ناتِجةً عن حَرَكاتِ الذَّرّاتِ، وسَيلِ المُصادَفاتِ!
فتَأَمَّلْ في هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنفُسَهُم في ذِرْوةِ العَقلِ، قد سَقَطُوا في حَضِيضٍ مِنَ الحَماقةِئًا دُهلِ، واعْلَمْ مِن هذا كَيفَ تَضَعُ الضَّلالةُ هذا الإِنسانَ المُكَرَّمَ یی حِينَ يُلغِي إِيمانَه یی مَوضِعَ سُخْرِيةٍ وازدِراءٍ مِن كلِّ أَحَدٍ..
وبِدَوْرِنا نَسأَلُ هَؤُلاعَى أَرَى! كُيفَ يُمكِنُ استِبعادُ إِيجادِ شَيءٍ مّا مِنَ القُدْرةِ المُطلَقةِ الَّتي تُوجِدُ على سَطْحِ الأَرضِ في كلِّ سَنةٍ أَربَعَ مِئةِ أَلفِ نَوعٍ مِنَ الأَحياءِ؟ أو ثلي خَلَقَتِ السَّماواتِ والأَرضَ في سِتّةِ أَيّامٍ؟ والَّتي تُنشِئُ في كلِّ رَبِيعٍ تَحتَ بَصَرِ الإِنسانِ وسَمْعِه، على سَطْحِ الأَرضِ كَوْنًا حَيًّا مِنَ النَّباتِ والحَيَوانِ هو أَظهَرُ إِتقانًا وأَجلَى حِكْمةً مِنَ الكِ، بل ُلِّه، في سِتّةِ أَسابِيعَ؟ كَيفَ يُستَبعَدُ مِنها أن تَخلُقَ المَوجُوداتِ
— 221 —
العِلمِيّةَ یی الَّتي تَعَيَّنَت خُطَطُها ومَقادِيرُها ضِمنتَبقَىرةِ العِلمِ الأَزَليِّ یی فتَخلُقَها بسُهُولةٍ مُطلَقةٍ سُهُولةَ إِظهارِ الكِتابةِ غَيرِ المَنظُورةِ بإِمرارِ مادّةٍ كِيمياوِيّةٍ علَيْها؟ فاستِبعادُ إِضفاءِ الوُجُودِ بَرزَخجِيِّ على المَوجُوداتِ العِلمِيّةِ یی والَّتي هي مَعدُوماتٌ خارِجِيًّا یی مِن تلك القُدْرةِ الأَزَليّةِ، ثمَّ إِنكارُ الإِيجادِ نَفسِه لَهُو حَماقةٌ وجَهالةٌ أَشَدُّ مِن حَماقةِ السُّوفْسَطائِ الفَ المَعرُوفِينَ وجَهالَتِهِم!
وحَيثُ إنَّ نُفُوسَ هَؤُلاءِ التُّعَساءِ المُتَفرعِنةَ العاجِزةَ عَجْزًا مُطلَقًا، والَّتي لا تَملِكُ إلّا جُزءًا يَسِيرًا مِنَ الِاختِيارِ، غَيرُ قادِرةٍ عَدَت لناءِ أيِّ شَيءٍ كانَ وإِعدامِه، وإِيجادِ أيّةِ ذَرّةٍ كانَت أو مادّةٍ مِن غَيرِ شَيءٍ ومِنَ العَدَمِ.. ولَمّا كانَتِ الطَّبِيعةُ والأَسبابُ الفِطر يَفخَرُونَ بعُبُودِيَّتِهِم لها عاجِزةً هي الأُخرَى ولَيسَ في طَوْقِها أَمرُ "الإِيجادِ" مِن غَيرِ شَيءٍ.. نَراهُم يُصدِرُونَ حُكْمًا عامًّا: "أنَّ المادَّةَ لا تُفنَى ولا تُستَحدَثُ"، ويُحاوِلُونَ أن يا يُدِمُوا حُكْمَ هذه القاعِدةِ الباطِلةِ الخاطِئةِ حتَّى على قُدْرةِ القَدِيرِ المُطلَقِ القُدْرةِ سُبحانَه.
نعم، إنَّ القَدِيرَ ذا الجَلالِ له طِرازانِ مِنَ الإِيجادين بالالأوَّلُ:بالِاختِراعِ والإِبداعِ، أي: أنَّه سُبحانَه يُبْدِعُ الوُجُودَ مِنَ العَدَمِ إِبداعًا مِن غَيرِ شَيءٍ، ويُوجِدُ كلَّ ما يَلزَمُ یی هذا الوُجُودَ یی مِن أَشياءَ مِنَ العَدَمِ ويُسَلِّمُها إيّاه.
الآخَرُ:بالإِنشاءِ عِنايَنْعةِ والإِتقانِ. أي: يُنشِئُ قِسمًا مِنَ المَوجُوداتِ مِن عَناصِرِ الكَونِ نَفسِه، إِظهارًا لِكَمالِ حِكْمَتِه، وتِبيانًا لِتَجَلِّياتِ أَسمائِه الحُسنَى.. وأَمثالَها مِنَ الحِكَمِ الدَّقِيقةِ، فيُرسِلُ غَيرُلك المَوجُوداتِ الذَّرّاتِ والمَوادَّ المُنقادةَ إلى أَوامِرِه ضِمنَ سُنَنِ الرَّزّاقِيّةِ الكَونيّةِ، ويُسَخِّرُها لها لِيُكمِلَ إِنشاءَ هذا الوُجُودِ.. وهكَذا فالقَدلُوًّالمُطلَقُ القُدْرةِ له أُسلُوبانِ مِنَ الإِيجادِ:
الإِبداعُ.. والإِنشاءُ..
فإِفناءُ المَوجُودِ، وإِيجادُ المَعدُومِ، أَمرٌ سَهلٌ جِدًّا لَدَيْه، وهَيِّنٌ جِدًّا، بل هو قانُونُه الدّائِمُ العامُّ.
— 222 —
فالَّذي يَستَبعِدُ مِنَ القُدرةِ البَلِرةِ الَّتي تَخلُقُ مِنَ العَدَمِ ثَلاثَ مِئةِ أَلفِ نَوعٍ مِنَ المَخلُوقاتِ والأَحياءِ، وتَمنَحُها أَشكالَها وصِفاتِها وكَيفِيّاتِها وأَحوالَها مِمّا سِوَى ذَرّاتِهنامُوسُولُ: "إنَّها لن تَقدِرَ على إِيجادِ المَعدُومِ"، لا بُدَّ أن يَهوِيَ في ظُلْمةِ العَدَمِ.
يقُولُ الَّذي نَبَذَ "الطَّبِيعةَ" ونَفَذَ إلى طَرِيقِ الحَقِيقةِ:
الحَمدُ للهِ حَمْدًا كَثِيرًا بعَدَدِ الذَّرّاتِ، الَّذي وَفَّقَني لِلفَوزِ َينَماِ الإِيمانِ، وأَنقَذَني مِنَ الأَوْهامِ والضَّلالاتِ، فزالَ بفَضْلِه جَمِيعُ ما لَدَيَّ مِن شُبُهاتٍ ورِيَبٍ.
الحَمدُ للهِ على دِينِ اللإِلٰهِ وكَمالِ الإِيمانِ
سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ

* * *

— 223 —
الحجّة الإيمانية الرابعة
(النُّكتة الثَّانية منَ اللَّمْعة الثَّلاثِين)
وَإِنْ مِنْ شَيَسبُرُلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ
لقد تَراءَت لي نُكتةٌ لَطِيفةٌ مِن نِكاتِ هذه الآيةِ الكَرِيمةِ، ونُورٌ مِن أَنوارِ تَج يقولُتِ اسمِ اللهِ: "العَدْلِ" الَّذي هو اسمُ اللهِ الأَعظَمُ، أو هو نُورٌ مِن أَنوارِه السِّتّةِ..تَراءَى لي ذلك النُّورُ مِن بَعِيدٍ یی قةِ ال الحالُ في النُّكتةِ الأُولَى یی وأنا نَزِيلُ سِجنِ "أَسكِي شَهِر"، ولِأَجلِ تَقرِيبِه إلى الأَفهامِ نَسلُكُ أَيضًا طَرِيقَ ضَربِ الأَمثالِ، فنَقُولُ:
هذا الكَونُ قَصرٌ بَدِيعٌ يَضُمُّ مَدِينةً واسِعةً تَتَداوَلُها عَوامِلُ التَّخرِيبِ والتاهِيةٍرِ، وفي تلك المَدِينةِ مَملَكةٌ واسِعةٌ تَغلِي باستِمرارٍ مِن شِدّةِ مَظاهِرِ الحَربِ والهِجْرةِ، وبَينَ جَوانِحِ تلك المَملَكةِ عالَمٌ عَظِيمٌ يَسبَي الإَِ حِينٍ في خِضَمِّ المَوتِ والحَياةِ.. ولكِن على الرَّغمِ مِن كلِّ مَظاهِرِ الِاضطِرابِ، فإنَّ مُوازَنةً عامّةً ومِيزانًا حَسّاسًا، وعَمَلِيّةَ وَزنٍ دَقِيقُ والأيطِرُ في كلِّ جَوانِبِ القَصرِ ونَواحِي المَدِينةِ وتَسُودُ في كلِّ أَرجاءِ المَملَكةِ وأَطرافِ العالَمِ، وتُهَيمِنُ علَيْها هَيْمَنةً، بحَيثُ تَدُلُّ بَداهةً على: أنَّ ما يَحدُثُ ضِمنَ هذه المَوجُوداتِ الَّتي لا عَذَارُها العَدُّ مِن تَحَوُّلاتٍ، وما يَلِجُ فيها وما يَخرُجُ مِنها لا يُمكِنُ أن يكُونَ إلّا بعَمَلِيّةِ وَزنٍ وكَيلٍ، وبِمِيزانِ مَن يَرَى أَنحاءَ الوُجُودِ كلَّها في آنٍ واحِدٍ، ومَن تَجرِي المَوجُوداتُ جَمِيعُها أَمامَ نَظَرِ مِ والكَتِه في كلِّ حِينٍ.. ذلِكُمُ الواحِدُ الأَحَدُ سُبحانَه.
وإلّا فلو كانَتِ الأَسبابُ السَّاعِيةُ إلى اختِلالِ التَّوازُنِ، سائِبةً أو مُفَوَّضةً إلى المُصادَفةِ العَشواءِ أوِ القُوّةِ العَمْياءِ أوِ الطَّبِيعةِ الُ أنَّةِ البَلْهاءِ، لَكانَت بُوَيضاتُ سَمَكةٍ
— 224 —
واحِدةٍ یی وهِي تَزِيدُ على الأُلُوفِ یی تُخِلُّ بتِلك المُوازَنةِ، بل بُذَيراتُ زَهرةٍ واحِدةٍ یی كالخَشْخاشِ یی الَّتي تَزِيد كَيفِعِشرِينَ أَلفًا تُخِلُّ بها؛ ناهِيك عن تَدَفُّقِ العَناصِرِ الجارِيةِ كالسَّيلِ، والِانقِلاباتِ الهائِلةِ والتَّحَوُّلاتِ الضَّخْمةِ الَّتي تَحدُثُ في أَرجاءِ الكَونِ.. كلٌّ مِنها لو كانَ سائِبًا لَكانَ قَمِينًا أن يُخِلَّ بُرهان مُوازَنةِ الدَّقِيقةِ المَنصُوبةِ بَينَ المَوجُوداتِ، ويُفسِدَ التَّوازُنَ الكامِلَ بَينَ أَجزاءِ الكائِناتِ خِلالَ سَنةٍ واحِدةٍ، بل خِلالَ يَومٍ واحِدٍ؛ ولَكُنتَ تَرَى العالَمَ وقد حَلَّ فيه الهَرْجُ والمَرْعُونا تَعَرَّض لِلِاضطِراباتِ والفَسادِ.. فكانَتِ البِحارُ تَمتَلِئُ بالأَنقاضِ والجُثَثِ، وتَتَعفَّنُ.. والهَواءُ يَتَسمَّمُ بالغازاتِ المُضِرّةِ الخانِقةِ، ويَفسُدُ؛ والأَرضُ تُصبِحُ مَزبَياةِ مَسلَخةً، وتَغدُو مُستَنقَعًا آسِنًا لا تُطاقُ فيه الحَياةُ.
فإن شِئتَ فأَنعِمِ النَّظَرَ في المَوجُوداتِ كُلِّها، ابتِداءً مِن حُجَيراتِ الجِسمِ إلى الكُرَيّاتِ الحُمْرِ والبِيضِ في الدَّمِ، ومِن تَحَوُّلاتِ الذَّرّاتِ إلى التَّناسُبِِ: شَنسِجامِ بَينَ أَجهِزةِ الجِسمِ، ومِن وارِداتِ البِحارِ ومَصارِيفِها إلى مَوارِدِ المِياهِ الجَوْفيّةِ وصَرفِيّاتِها، ومِن تَوَلُّداتِ الحَيَواناتِ ُصِيبُباتاتِ ووَفَيَاتِها إلى تَخرِيباتِ الخَرِيفِ وتَعمِيراتِ الرَّبِيعِ، ومِن وَظائِفِ العَناصِرِ وحَرَكاتِ النُّجُومِ إلى تَبَدُّلِ المَوتِ والحَياةِ، ومِن تَصادُمِ النُّورِ والظَّلامِ إلى تَعارُضِ الحَرارةِ والبُرُودةِ.. وماامِعِيَها مِن أُمُورٍ، كي تَرَى أنَّ الكُلَّ: يُوزَنُ ويُقدَّرُ بمِيزانٍ خارِقِ الحَساسِيّةِ، وأنَّ الجَمِيعَ يُكالُ بمِكيالٍ غايةٍ في الدِّقّةِ، بحَيثُ يَعجِزُ عَقلُ الإِنساكِرَ ايَرَى إِسرافًا حَقِيقيًّا في مَكانٍ وعَبَثًا في جُزءٍ.. بل يَلمَسُ عِلمُ الإِنسانِ ويُشاهِدُ أَكمَلَ نِظامٍ وأَتقَنَه في كلِّ شَيءٍ فيُحاوِلُ أن يُظهِرَه، ويَرَى أَرْوَعَ تَوازُنٍ وأَبدَعَه في كلِّ مَوجُودٍ فيَسعَىِعةِ، ازِه.. فما العُلُومُ الَّتي تَوَصَّل إلَيْها الإِنسانُ إلّا تَرجَمةٌ لِذلِك النِّظامِ البَدِيعِ وتَعبِيرٌ عن ذلك التَّوازُنِ الرّائِعِ.
فتَوبيّةِْ في المُوازَنةِ الرّائِعةِ بَينَ الشَّمسِ والكَواكِبِ السَّيّارةِ الِاثنَتَيْ عَشْرةَ الَّتي كلٌّ مِنها مُختَلِفةٌ عنِ الأُخرَى، ألا تَدُلُّ هذه المُوازَنةُ دَلالةً واضِحةً وُضُوحَ الشَّمسِ نَفسِها على اللهِ سُبحانَه اوكَمالهو "العَدْلُ القَدِيرُ"؟
— 225 —
ثمَّ تَأمَّلْ في الأَرضِ یی وهِي إِحدَى الكَواكِبِ السَّيّارةِ یی هذه السَّفِينةِ الجارِيةِ السّابِحةِ في الفَضاءِ الَّتي تَجُولُ في سَنةٍ واحِدةٍ مَسافةً يُقَدَّرُ طُولُها بأَربَعٍ وعِشرِينَ أنِ في َنةٍ؛ ومعَ هذه السُّرعةِ المُذهِلةِ لا تُبَعثِرُ المَوادَّ المُنَسَّقةَ على سَطْحِها ولا تَضطَرِبُ بها ولا تُطلِقُها إلى الفَضاءِ.. فلو زِيدَ شَيءٌ قَلِيلٌ في سُرعَتِها أو أُنقِصَ مِنغٌ، حينَت تَقذِفُ بقاطِنِيها إلى الفَضاءِ، ولو أَخَلَّت بمُوازَنَتِها لِدَقِيقةٍ، بل لِثانيةٍ واحِدةٍ، لَتَعثَّرَت في سَيْرِها واضْطَرَبَت، ولَرُبَّما اصْطَدَمَت بغَيرِها مِنَ اا، ويقاراتِ، ولَقامَتِ القِيامةُ.
ثمَّ تَأمَّلْ في تَوَلُّداتِ ووَفَيَاتِ النَّباتاتِ والحَيَواناتِ وإِعاشَتِهِما وحَياتِهِما على الأَرضِ، والَّتي يَزِيدُ عَدَدُ أَنواعِها على الأَربَعِ مُ اللأَلفِ نَوعٍ، تَرَ مُوازَنةً رائِعةً ذاتَ رَحْمةٍ، تَدُلُّك دَلالةً قاطِعةً على الخالِقِ العادِلِ الرَّحِيمِ جَلَّ جَلالُه، كدَلالةِ الضِّياءِ على الشَّمسِ.
ثمَّ تَأمَّلَْطِيعُعضاءِ كائِنٍ حَيٍّ مِنَ الأَحياءِ الَّتي لا تُعَدُّ ولا تُحصَى، ودَقِّقْ في أَجهِزَتِه وفي حَواسِّه.. تَرَ فيها مِنَ الِانسِجامِ التّامِّ والتَّناسُقِ الكامِلِ والمُوازَنةِ الدَّقِيقةِ ما يَدُلُّك بَداهةً على الصّانِعِ االسَّعهو "العَدْلُ الحَكِيمُ".
ثمَّ تَأمَّلْ في حُجَيراتِ جِسمِ كائِنٍ حَيٍّ وفي أَوعِيةِ الدَّمِ، وفي الكُرَيّاتِ السّابِحةِ في الدَّمِ، وفي ذَرّاتِ تلك الكُرَيّاتِ، تَجِدْ مِنَ المُوازَنةِ الخارِقةِ البَدِيعةِ ما يُثبِتُ لك إِينا أا قاطِعًا أنَّه لا تَحصُلُ هذه المُوازَنةُ الرّائِعةُ ولا إِدارَتُها الشّامِلةُ، ولا تَربِيَتُها الحَكِيمةُ إلّا بمِيزانٍ حَسّاسٍ وبقانُونٍ نافِذٍ وبنِظامٍ صارِمٍ لِلخالِقِ الواحِدِ الأَحَدعنَى اَدْلِ الحَكِيمِ" الَّذي بِيَدِه ناصِيةُ كلِّ شَيءٍ، وعِندَه مَفاتِيحُ كلِّ شَيءٍ، لا يُحجَبُ عنه شَيءٌ ولا يَعزُبُ، ويُدِيرُ كلَّ شَيءٍ بسُهُولةِ إِدارةِ شَيءٍ واحِدٍ.
إنَّ الَّذي لا يَعتَقِدُ أنَّ أِ.. وي الجِنِّ والإِنسِ يَومَ الحَشرِ الأَكبَرِ تُوزَنُ بمِيزانِ العَدلِ الإِلٰهِيِّ، ويَستَغرِبُ تلك المُوازَنةَ ويَستَبعِدُها ولا يُؤمِنُ بها، أَقُولُ: لو تَمَكَّن أن يَتَأمَّلَ فيما هو ظاهُِثِيرُاهَدٌ مِن أَنواعِ المُوازَنةِ الكُبرَى أَمامَه في هذه الدُّنيا لَزالَ استِبعادُه واستِنكارُه حَتْمًا.
— 226 —
أيُّها الإِنسانُ المُسرِفُ الظّالِمُ الوَسِخُ!!
اِعْلَمْ، أنَّ "الِا بُستاَ والطُّهرَ والعَدالةَ" سُنَنٌ إِلٰهِيّةٌ جارِيةٌ في الكَونِ، ودَساتِيرُ إِلٰهِيّةٌ شامِلةٌ تَدُورُ رَحَى المَوجُوداتِ علَيْها، لا يُفلِأوَّلُها شَيءٌ إلّا أنت أيُّها الشَّقِيُّ، وأنت بمُخالَفَتِك المَوجُوداتِ كُلَّها في سَيْرِها وَفقَ هذه السُّنَنِ الشّامِلةِ تَلقَى النَّفْرةَ مِنها والغَضَبَ علَيْك وأنت تَستَحِقُّها.. فعَلامَ تَستَنِدُ حتَّى تُثِيرَ غَضَبَ المَوجُوداختِياِّها علَيْك، فتَقتَرِفُ الظُّلمَ والإِسرافَ، ولا تَكتَرِثُ لِلمُوازَنةِ والنَّظافةِ؟
نعم، إنَّ الحِكمةَ العامّةَ المُهَيمِنةَ في الكَونِ، والَّتي هي تَجَلٍّ أَعظَمُ لِاسمِ "الحَِيَ وم إنَّما تَدُورُ حَولَ مِحْوَرِ الِاقتِصادِ وعَدَمِ الإِسرافِ، فتَأمُرُ بالِاقتِصادِ.
وإنَّ العَدالةَ العامّةَ الجارِيةَ في الكَونِ النّابِعةَواضِحًالتَّجَلِّي الأَعظَمِ لِاسمِ "العَدْلِ" إنَّما تُدِيرُ مُوازَنةَ عُمُومِ الأَشياءِ، وتَأمُرُ البَشَرِيّةَ بإِقامةِ العَدْلِ؛ وإنَّ ذِكرَ المِيزانِ أَربَعَ مَرّاتٍ في "سُورةِ الرَّحمٰنِ" إِشارةٌ َّشَوّربَعةِ أَنواعٍ مِنَ المَوازِينِ في أَربَعِ مَراتِبَ، وبَيانٌ لِأَهَمِّيّةِ المِيزانِ البالِغةِ ولِقِيمَتِه العُظمَى في الكَونِ، وذلك في قَولِه تَعالَرِّياحالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ٭ أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ ٭ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ نعم، فكما لا إِسرافَ في شَيءٍ، فلا ظناسُقَِذلِك ظُلمًا حَقِيقيًّا في شَيءٍ، ولا بَخْسَ في المِيزانِ قَطُّ.
وإنَّ التَّطهِيرَ والطُّهرَ الصّادِرَ مِنَ التَّجَلِّي الأَعظَمِ لِاسمِ "القُدُّوسِ" يَعرِضأَورَدوجُوداتِ بأَبهَى صُورَتِها وأَبدَعِ زِينَتِها، فلا تَرَى ثَمّةَ قَذارةً في مَوجُودٍ، ولا تَجِدُ قُبحًا أَصِيلًا في شَيءٍ ما لم تَمَسَّه يَدُ العُرَرِ الوَسِخةُ.
فاعْلَمْ مِن هذا أنَّ "العَدالةَ والِاقتِصادَ والطُّهرَ" الَّتي هي مِن حَقائِقِ القُرآنِ ودَساتيرِ الإِسلامِ، ما أَشَدَّها إزِ السا في أَعماقِ الحَياةِ الِاجتِماعِيّةِ! وما أَشَدَّها عَراقةً وأَصالةً! وأَدْرِكْ مِن هذا مَدَى قُوّةِ ارتِباطِ أَحكامِ القُرآنِ بالكَونِ، وكَيفَ أنَّها مَدشَيءٍ ذُورًا عَمِيقةً في أَغوارِ الكَونِ، فأَحاطَتْه بعُرًى وَثِيقةٍ لا انفِصامَ لها، ثمَّ افْهَمْ مِنها أنَّ إِفسادَ تلك الحَقائِقِ مُمتَنِعٌ كامتِناعِ إِفسادِ نِظامِ الكَونِ والإِخلالِ به وتَشوِيهِ صُووتَبَد
— 227 —
ومِثلَما تَستَلزِمُ هذه الحَقائِقُ المُحِيطةُ بالكَونِ، وهذه الأَنوارُ العَظِيمةُ الثَّلاثةُ "العَدالةُ والِاقتِصادُ والطُّهرُ" الحَشرَ والآخِرتٍ وحَنَّ حَقائِقَ مُحِيطةً معَها: كالرَّحْمةِ والعِنايةِ والحِفظِ، وأَمثالَها مِن مِئاتِ الحَقائِقِ المُحِيطةِ والأَنوارِ العَظِيمةِ تَستَلزِمُ الحَشرَ وتَقتَضِي الحَياةَ الآخِرةَ، إذ هل يُمكِنُ أن تَنقَلِبَ مِثلِ المُالحَقائِقِ المُهَيمِنةِ على المَوجُوداتِ والمُحِيطةِ بالكَونِ إلى أَضدادِها بعَدَمِ مَجِيءِ الحَشرِ وبعَدَمِ إِقامةِ الآخِرةِ؟! أي: أن تَنقَلِبَ الرَّحْمةُ إلى ضِدِّها وهو الوَالْأ، وتَنقَلِبَ الحِكمةُ والِاقتِصادُ إلى ضِدِّهِما وهو فِقدانُ الحِكمةِ والإِسرافُ، ويَنقَلِبَ الطُّهرُ إلى ضِدِّه وهو العَبَثُ والفَسادُ. حاشَ للهِ!
إن تُعَدَّحْمةَ الإِلٰهِيّةَ، والحِكمةَ الرَّبّانيّةَ اللَّتَينِ تُحافِظانِ على حَقِّ حَياةِ بَعُوضةٍ ضَعِيفةٍ مُحافَظةً تَتَّسِمُ بالرَّحْمةِ الواسِعةِ، لا يُمكِنُ أن تُضَيِّعامِرًا.َدَمِ إِقامةِ الحَشرِ یی حُقُوقَ جَمِيعِ ذَوِي الشُّعُورِ غَيرِ المَحدُودِينَ وتَهضِما حُقُوقًا غَيرَ مُتَناهِيةٍ لِمَوجُوداتٍ غَيرِ مَحصُورةٍ.. وإنَّ عَظَمةَ الرُّبُوبيّةِ الَّتي تُظهِرُ دِقّةً مُتَناهِيةً وحَساعلى كَ فائِقةً یی إذا جازَ التَّعبِيرُ یی في الرَّحْمةِ والشَّفَقةِ والعَدالةِ والحِكمةِ، وكذا الأُلُوهِيّةُ الباسِطةُ سُلْطانَها على الوُجُودِ كُلِّه، والَّتي تُرِيدُ إِظهارَ كَمالاتِها وتَعرِيفَ نَفسِها وتَحبِيبَها بتَزيِيناتِها اةٍ، لذاتِ ببَدائِعِ صَنائِعِها وبِما أَسبَغَت علَيْها مِن نِعَمٍ، هل يُمكِنُ أن تَسمَحَ یی هذه الرُّبُوبيّةُ العَظِيمةُ والأُلُوهِيّةُ الجَلِيلةُ یی بعَدَمِ إِقامةِ الحَشرِ الَّذي يُسَبِّبُ الحَطَّ مِن قِيمةِ جَمِيعِ كَمالاتِها ومِن قِيمةِ مَخلُوقالحالِ اطِبةً؟ تَعالَى اللهُ عن ذلك عُلُوًّا كَبِيرًا! فمِثلُ هذا الجَمالِ المُطلَقِ لا يَرضَى یی بالبَداهةِ یی بمِثلِ هذا القُبحِ المُطلَقِ.
فالَّذي يُرِيدُ أن يُنلأَنَّلآخِرةَ علَيْه أن يُنكِرَ وُجُودَ هذا الكَونِ أَوَّلًا بجَمِيعِ ما فيه مِن حَقائِقَ، وإلّا فالكائِناتُ معَ حَقائِقِها المُتَأَصِّلةِ فيها تُكَذِّبُه بأُلُوفيمًا ي الأَلسِنةِ، وتُثبِتُ له أنَّه الكَذّابُ الأَشِرُ.. وقد أَثبَتَت "رِسالةُ الحَشرِ" بدَلائِلَ قاطِعةٍ: أنَّ وُجُودَ الآخِرةِ ثابِتٌ وقاطِعٌ لا رَيبَ فيه كوُ ولا هذه الدُّنيا.

* * *

— 228 —
الحجّة الإيمانية الخامسة
(النُّكتة الثَّالثة)
التي تُشير إلى النور الثالث من الأنوار السِّتّة للِاسم الأعظم
ادْعُ ، وتُنسَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ
لقد تَراءَت لي نُكتةٌ مِنَ النِّكاتِ الدَّقِيقةِ لِهذه الآيةِ الكَرِيمةِ، ونُورٌ مِن أَنوارِ تَجَلِّياتِ اسمِ اللهِ"الحَكَمِ"الَّذي هو اسمُ ذلك مالأَعظَمُ، أو أَحَدُ أَنوارِه، في شَهرِ رَمَضانَ المُبارَكِ، فكُتِبَت هذه النُّكتةُ المُشتَمِلةُ على خَمسِ نِقاطٍ على عَجَلٍ، فأَثبَتُّها على حالِها في المُسَوَّدةِ دُونَ تَنقِيحٍ أو تَغيِيرٍ.
بِاسمِه سُبحَانَهُ
النُّقطة الأولىذةِ.
كتة الثالثة:
مِثلَما ذُكِرَ في "الكَلِمةِ العاشِرةِ" أنَّ التَّجَلِّيَ الأَعظَمَ لِاسمِ "الحَكَمِ" جَعَل هذا الكَونَ بمَثابةِ كِتابٍ عَظِيمٍ كُتِبَت في كلِّ صَحِيفةٍ مِن صَحائِفِه مِئاتُ الكُِ المَوأُدرِجَت في كلِّ سَطرٍ مِنه مِئاتُ الصَّفَحاتِ، وخُطَّت في كلِّ كَلِمةٍ مِنه مِئاتُ الأَسطُرِ، وتُقرَأُ تَحتَ كلِّ حَرفٍ فيه مِئاتُ الكَلِماتِ، وحُفِظَ في كلِّ نُقطةٍ مِن نِقاطِه فِهْرِسٌ مُختَصَرٌ صَغِيٌ تَربَخِّصُ مُحتَوَياتِ الكِتابِ كُلِّه.. فهذا الكِتابُ بصَحائِفِه وأَسطُرِه بل بنِقاطِه يَدُلُّ دَلالةً واضِحةً ساطِعةً یی بمِئاتِ الأَوجُهِ یی على مُصَوِّرِه وكاتِبِه؛ حتَّى إنْ" عَقاهَدةَ الكِتابِ الكَونِيِّ العَظِيمِ هذا وَحْدَها كافِيةٌ لِلدَّلالةِ على وُجُودِ كاتِبِه، بل تَسُوقُنا إلى مَعرِفةِ وُجُودِه ووَحْدانيَّتِه بما يَفُوقُ دَلالةَ الكِتابِ على نَ مِن أَضعافًا مُضاعَفةً، إذ بَينَما يَدُلُّ حَرفٌ على وُجُودِه ويُعَبِّرُ عن نَفسِه بمِقدارِ حَرفٍ، فإنَّه يُعَبِّرُ عن أَوْصافِ كاتِبِه بمِقدارِ سَطرٍ..
— 229 —
والجَنَّ سَطْحَ الأَرضِ "صَحِيفةٌ" مِن هذا الكِتابِ الكَبِيرِ، هذه الصَّحِيفةُ تَضُمُّ كُتُبًا بعَدَدِ طَوائِفِ النَّباتاتِ والحَيَواناتِ، وهِي تُكتَبُ أَمامَ أَنظ شابَهفي مَوسِمِ الرَّبِيعِ في غايةِ الكَمالِ والإِتقانِ، مِن دُونِ خَطَأٍ، كِتابةً مُتَداخِلةً، جَنبًا إلى جَنبٍ، في آنٍ واحِدٍ.
والبُستانُ "سَطْرٌ" مِن هذه الصَّحِالأَقلنُشاهِدُ فيه قَصائِدَ مَنظُومةً بعَدَدِ الأَزهارِ والأَشجارِ والنَّباتاتِ وهِي تُكتَبُ أَمامَ أَعيُنِنا كِتابةً مُتَداخِلةً، جَنبًا إلى جَنبٍ، مِن دُونِ خَطَأٍ.
والشَّجَرةُ النّامِيةُ الزّاهِيةُ أَوْراقُها، المُفَتَّحةُ أَزهارُها، وستَوْدْشَكَت أن تَخرُجَ أَثمارُها مِن أَكمامِها، هذه الشَّجَرةُ "كَلِمةٌ" مِن ذلك السَّطرِ، فهذه الكَلِمةُ تُمَثِّلُ فِقْرةً كامِلةً ذاتَ مَغزًى تُعَبِّرُ تَعبِيرًا بَلِيغًا عن ثَنائِها وحَمْدِها ودَلالَتِها على "الحَكَمِ" ذِي ا السَِّ، بعَدَدِ أَوْراقِها المُنتَظِمةِ وأَزهارِها المُزَيَّنةِ وأَثمارِها المَوزُونةِ، حتَّى لَكَأنَّ تلك الشَّجَرةَ المُفَتَّحةَ الأَزهارِ قَصِيدةٌ عَصْماءُ تَتَغنَّى بالمَدحِ والثَّناءِ على آلاءِ بارِئِها المُصَوِّرِ الجَلِيلِ. كلَّ أنَّ "الحَكمَ" ذا الجَلالِ يُرِيدُ أن يَنظُرَ إلى ما عَرَضَه مِن بَدائِعِ آثارِه وعَجائِبِ مَخلُوقاتِه في مَعرِضِ الأَرضِ البَدِيع بأُلُولِه، حَ العُيُونِ؛ وكَأنَّ تلك الهَدايا الثَّمِينةَ والأَوْسِمةَ الغالِيةَ والشّاراتِ اللَّطِيفةَ الَّتي مَنَحَها اللهُ تَعالَى لتلك الشَّجَرةِ قد أَعطَتْها مِنَ الشَّكلِ الجَمِيلِ المُزَيَّنِ، والهَيْئةِ المَوزُونةِ المُنتَظِمةِ، وال كان نِ الحَكِيمةِ البَلِيغةِ ما يُهَيِّئُها لِلعَرضِ أَمامَ أَنظارِ المَلِكِ العَظِيمِ في الرَّبِيعِ الَّذي هو عِيدُها الخاصُّ وعَرْضُها العامُّ.. فتَنطِقُ بالشَّهادةِ على وُجُودِ البارِئِ المُصَوِّرِ والدَّلالةِ على أَسمائِه الحُسنَى أَلسِنةٌ عَدِيدةٌ ووُجُوهٌ كَثِيرةٌ مُتَداخِلةٌ، مِن كلِّ زَهرةٍ مِن أَزهارِ الشَّجَرةِ، ومِن كلِّ ثَمَرةٍ مِن ثِمارِها.
فمَثلًا:إنَّ في كلِّ زَهرةٍ وثَمَرةٍ مِيزانٌ دَقِيقٌ،َبطِ أالمِيزانُ مُقَدَّرٌ وَفقَ تَناسُقٍ بَدِيعٍ، وذلك التَّناسُقُ يَسِيرُ مُنسَجِمًا معَ تَنظِيمٍ ومُوازَنةٍ يَتَجدَّدانِ، وذلك التَّنظِيمُ والمُوازَنةُ يَجرِيانِ في ثَنايا زِينةٍ فاخِرةٍ وصَنْعةٍ مُتقَنةٍ، وتلك الزِّينةُ والإِتقانُ يَظهَعَلَت رَوائِحَ ذاتِ مَغزًى وبمَذاقاتٍ ذاتِ حِكْمةٍ.. وهكَذا تُشِيرُ كلُّ زَهرةٍ إلى الحَكَمِ ذِي الجَلالِ إِشاراتٍ، وتَدُلُّ علَيْه دَلالاتٍ، بعَدَدِ أَزهارِ تلك الشَّجَرةِ.
— 230 —
والشَّجَرةُ ِ لِسا هي بمَثابةِ كَلِمةٍ، وثِمارُها الَّتي هي بحُكمِ حُرُوفِ تلك الكَلِمةِ، وبُذُورُ الثَّمَرِ كأنَّها نِقاطُ تلك الحُرُوفِ الَّتي تَضُمُّ فَ أُصُ الشَّجَرةِ كامِلًا وتَحمِلُ خُطّةَ أَعمالِها.. هذه الشَّجَرةُ إذا أَخَذْناها مِثالًا وقِسْنا علَيْها كِتابَ الكَونِ الكَبِيرِ، نَرَى سُطُورَه وصَحائِفَه قد صارَت بتَجَلِّي أَنوارِ اسمِ "الحَكِيم الحَكَمِ" مُعجِ مُقدّهِرةً، بل غَدَت كلُّ صَحِيفةٍ مِنه، وكلُّ سَطرٍ مِنه، وكلُّ كَلِمةٍ، وكلُّ حَرفٍ، وكلُّ نُقطةٍ، مُعجِزةٌ تَبلُغُ مِنَ العَظَمةِ ما لوِ اجتَمَعَتِ الأَسبابُ المادِّيّةُ كلُّها على أن تَأتِيَ بمِثلِ تلك الن قُلُو یی أي: البِذرةِ یی أو بنَظِيرِها لا تَأتِي بمِثلِها، بل تَعجِزُ الأَسبابُ جَمِيعُها عَجْزًا مُطلَقًا عن مُعارَضَتِها.
نعم، إنَّ كلَّ آيةٍ كَونيّةٍ مِن آياتِ قُرآنِ الكَونِ العَظِيمِ المَنظُورِ تَعرِضُ لِلأَنظارِ مُعجِزاتٍ نَيّإنَّ فهي بعَدَدِ نِقاطِها وحُرُوفِها، فلا جَرَمَ أنَّ المُصادَفةَ العَشواءَ والقُوّةَ العَمْياءَ، والطَّبِيعةَ الصَّمّاءَ البَلْهاءَ الَّتي لا هَدَفَ لها ولا م النَّ، لا يُمكِنُها أن تَتَدخَّلَ یی في أيّةِ جِهةٍ كانَت یی في هذا المِيزانِ المُتقَنِ الخاصِّ، وفي هذا الِانتِظامِ الدَّقِيقِ البَدِيعِ المُتَّسِمَينِ بالحِكمةِ والبَصِيرةِ؛ فلَوِ افتُرِضَ تَدَخُّلُها یی جَدَلًا یی لَظَهَر شرُ ال التَّدخُّلِ، بَينَما لا يُشاهَدُ في أيِّ مَكانٍ تَفاوُتٌ ولا خَللٌ قَطُّ.
النُّقطة الثانية للنُّیكتة الثالثة:وهِي مَسأَلتانِ:
المَسأَلةُ الأُولَى:مِثلَما وُضِّحَ في "الكَلِمةِ العاشِرةِ" أنَّه مِنَ القَواعِدِ الأَساسِيّةِ الرَّصِينة حَقيقَ الجَمالَ الَّذي هو في مُنتَهَى الكَمالِ لا بُدَّ أن يَشهَدَ ويُشهِدَ جَمالَه، وأنَّ الكَمالَ الَّذي هو في مُنتَهَى الجَمالِ لا بُدَّ أن يَشهَدَ ويُشهِدَ كَمالَه؛ فبِناءً على هذا الدُّستُورِ العامِّ غَوائِالبارِئَ المُصَوِّرَ سُبحانَه الَّذي أَبدَع كِتابَ الكَونِ العَظِيمِ هذا يُعرِّفُ جَمالَ كَمالِه وكَمالَ جَمالِه ويُحَبِّبُه بأَلسِنةِ مَخلُوقاتِه یی ابتِداءً مِن أَصغَرِ جُزئيٍّ إلى أَكبَمَحبُوِّيٍّ یی فيُعرِّفُ سُبحانَه ذاتَه المُقدَّسةَ، ويُفهِّمُ كَمالَه السَّامِيَ، ويُظهِرُ جَمالَه البَدِيعَ: بهذا الكَونِ الرّائِعِ، وبكُلِّ صَحِيفةٍ فيه، وبكُلِّ سَطرٍ فيه، وبكُلِّ كَلِمةٍ فيه، بل حتَّى بكُلِّ حَرفٍ وبكُلِّكُلِّيٍ مِن كِتابِه العَظِيمِ هذا.
— 231 —
فيا أيُّها الغافِلُ، إنَّ هذا "الحَكِيمَ الحَكَمَ الحاكِمَ" ذا الجَلالِ والجَمالِ، إذ يُعرِّفُ نَفسَه لك ويُحَبِّبُها إلَيْك بكُلِّ مَخلُوقٍ مِن مَخلُوقاتِه، وبهذه الصُّورةِ الرّائِعةَائعِ.ه الكَثْرةِ الكاثِرةِ مِنَ الوَسائِلِ البَدِيعةِ، إن لم تُقابِل تَعرِيفَه هذا بالإِيمانِ به ولم تَعرِفه، وإن لم تُقابِل تَحبِيبَه هذا بالعِبادةِ له ولم تُحَبِّب نَفسَك إلَيْه، فما أَعظَمَيُخبِرَك إِذًا، وما أَفدَحَ خَسارَتَك!. اِحذَرْ!. اِنتَبِهْ!.. وأَفِقْ مِن غَفلَتِك!
المَسأَلةُ الثَّانيةُ:إنَّه لا مَكانَ لِلشِّركِ قَطُّ في هذا الكَونِ اللسِّتّعِ العَظِيمِ الَّذي أَبدَعَه الصّانِعُ القَدِيرُ الحَكِيمُ بقُدرَتِه وحِكمَتِه، لِأنَّ وُجُودَ مُنتَهَى النِّظامِ في كلِّ شَيءٍ لن يَسمَحَ بالشِّركِ أَبدًا، فلو تَدَخَّلَت أَيدٍ مُتَعدِّدةٌ في خَلقِ شَيءٍ ما لَبَانَ التَّفا ضِمنَالِاختِلالُ في ذلك الشَّيءِ، مِثلَما تَختَلِطُ الأُمُورُ إذا ما وُجِدَ سُلطانانِ في بلَدٍ، ومَسؤُولانِ في مَدِينةٍ، ومُدِيرانِ في قَصَبةٍ، ومِثلَما يَرفُضُ أَبسَطُ مُوَظَّفٍ تَدَخُّلَ أَحَدٍ في شَأْنٍ مِن شُلا تُح الَّتي تَخُصُّ وَظِيفَتَه..
كلُّ ذلك دَلالةٌ على أنَّ الخاصَّةَ الأَساسِيّةَ لِلحاكِمِيّةِ إنَّما هي: "الِاستِقلالُ" و"الِانفِرادُ"، فالِانتِظامُ يَقتَضِي افسِكِ،ةَ كما أنَّ الحاكِمِيّةَ تَقتَضِي الِانفِرادَ؛ فإذا كانَ ظِلٌّ باهِتٌ زائِلٌ لِلحاكِمِيّةِ لَدَى هذا الإِنسانِ العاجِزِ المُحتاجِ إِلى العَونِ يَرُدُّ المُداخَلةَ بقُوّةٍ، فكيف بالحاكِمِيّةِ الحَقِيقيّةِ الَّتي هي فَضاءَ َبةِ الرُّبُوبيّةِ المُطلَقةِ لَدَى القَدِيرِ المُطلَقِ سُبحانَه؟ ألا تَرُدُّ الشِّركَ وتَرفُضُه رَفضًا باتًّا؟
فلوِ افتُرِضَ التَّدخُّلُ یی ولو بمِقدارِ ذَرّةٍ یی لَاختَلَطَ الِانتِظامُ والتَّناسُقُ واخياتٌ غالنِّظامُ والمِيزانُ! معَ العِلمِ أنَّ هذا الكَونَ قد أُبدِعَ إِبداعًا رائِعًا إلى حَدٍّ يَلزَمُ لِخَلقِ بِذرةٍ واحِدةٍ قُدرةٌ قادِرةٌ على خَلقِ شَجَرةٍ كامِلةٍ، ويَلزَمُ لِخَلقِ شَجَرةٍ واحِدةٍ قُدِ إلى دِرةٌ لِإبداعِ الكَونِ كُلِّه؛ وإذا ما افتُرِضَ وُجُودُ شَرِيكٍ في الكَونِ كُلِّه وَجَب أن يُظهِرَ نَصِيبَهُ في التَّدخُّلِ لِخَلقِ أَصغَرِ بِذرةٍ أيضًا، إذِ البِذرةُ نَمُوذَجُ الكائِناتِ، وعِندَئِذٍ يَلزَمُ استِقرارُ القَوِيَّتَينِ یی لا يَسَعُهُما الكَونُ العَظِيمُ یی في بِذرةٍ صَغِيرةٍ، بل في ذَرّةٍ!! وهذا مِن أَسخَفِ المُحالاتِ والخَيالاتِ الباطِلةِ وأَبعَدِها عنِ المَنطِقِ والعَقلِ.
— 232 —
فاعْلَمْ مِن هذا: ما أَتفَهَ الشِّركَ والكُفرَ مِن خُرُ أن توما أَكذَبَهُما مِن كَلِمةٍ! وما أَفظَعَهُما مِنِ افتِراءٍ! إذ يَقتَضِيانِ عَجْزَ القَدِيرِ المُطلَقِ الَّذي يُمسِكُ السَّماواتِ والأَرضَ أن تَزُولا، والَّذي بِيَدِه مَقاليدُ السَّماواتِ والأَرضِ يُدِيرُهُما مةِ بِنِ عَدلِه ونِظامِ حِكمَتِه.. يَقتَضِيانِ عَجْزَه سُبحانَه حتَّى في بِذرةٍ صَغِيرةٍ!! واعْلَمْ! ما أَصوَبَ التَّوحِيدَ مِن حَقٍّ وحَقِيقةٍ! وما أَعدَلَه مِن صِدقٍ وصَوابٍ! أَدْرِكْ هذا وذاك وقُلِ: الحَمدُ للهِ على الإِيمانِ.
الِنطَلُِ الثَّالثةُ:
إنَّ الصّانِعَ القَدِيرَ بِاسمِه "الحَكَمِ والحَكِيمِ" قد أَدرَجَ في هذا العالَمِ أُلُوفَ العَوالِمِ المُنتَظِمةِ البَدِيعةِ، وبَوَّأ الإِنسانَ یی الَّذي هو أَكثَرُ مَن يُمَثِّلُ الحِكَمَ المَقصُودةَ في الكَونِ وأَفضَلُ مَی كما ِرُها یی مَوقِعَ الصَّدارةِ، وجَعَلَه بمَثابةِ مَركَزِ تلك العَوالِمِ ومِحوَرِها؛ إذ يَتَطلَّعُ أَهَمُّ ما فيها مِن حِكَمٍ ومَصالِحَ إلى الإِنسانِ.. وجَعَل الرِّزقَ بمََبِّ االمَركَزِ في دائِرةِ حَياةِ الإِنسانِ، فتَجِدُ أنَّ مُعظَمَ الحِكَمِ والغاياتِ وأَغلَبَ المَصالِحِ والفَوائِدِ یی ضِمنَ عالَمِ الإِنسانِ یی تَتَوجَّهُ إلى ذلك اِعمةَ ِ وتَتَّضِحُ به، لِذا فإنَّ تَجَلِّياتِ اسمِ "الحَكِيمِ" تَبدُو واضِحةً بأَبْهَرِ صُوَرِها وأَسطَعِها مِن خِلالِ مَشاعِرِ الإِنسانِ، والذَّوقِ في الرِّزقِ، حتَّى غَدا كلُّ عِلمٍ یی مِن مِئاتِ العُلُومِ الَّتي تَوَصَّل الإِنسانُ بينَ شْفِها بما يَملِكُ مِن شُعُورٍ یی يُعرِّفُ تَجَلِّيًا واحِدًا مِن تَجَلِّياتِ اسمِ "الحَكَمِ" في نَوعٍ مِنَ الأَنواعِ.
فمَثلًا: لو سُئِلَ عِلمُ الطِّبِّ:ما هذه الكائِناتُ؟ لَأَجابَ بأنَّها شَرةً يّةٌ كُبْرَى أُحضِرَت فيها بإِتقانٍ جَمِيعُ الأَدوِيةِ وادُّخِرَت.
وإذا ما سُئِل عِلمُ الكِيمياءِ:ما هذه الكُرةُ الأَرضِيّةُ؟ لَأَجابَ بأنَّها مُخقَبْرِ كِيمياءٍ مُنتَظِمٌ بَدِيعٌ كامِلٌ.
على حِينِ يُجِيبُ عِلمُ المَكائِنِ:بأنَّها مَعمَلٌ مُنسَّقٌ كامِلٌ لا تَرَى فيه نَقصًا.
كما يُجِيبُ عِلمُ الزِّراعةِ:بأنَّها حَدِيقةٌ غَنَّاءحِ الأرَعةٌ مِعطاءُ، تُستَنبَتُ فيها أَنواعُ المَحاصِيلِ، كلٌّ في أَوانِه.
— 233 —
ولَأَجابَ عِلمُ التِّجارةِ:بأنَّها مَعرِضٌ تِجارِيٌّ فَخمٌ، وسُوقٌ في غا الوُجرَّوعةِ والنِّظامِ، ومَحَلٌّ تِجارِيٌّ يَحوِي أَنفَسَ البَضائِعِ المَصنُوعةِ وأَجوَدَها.
ولَأَجابَ عِلمُ الإِعاشةِ:بأنَّها مُستَودَعٌ ضَخمٌ يَضُمُّ النُّورقَ كُلَّها بأَنواعِها وأَصنافِها.
ولَأَجابَ عِلمُ التَّغذِيةِ:بأنَّها مَطبَخٌ رَبّانِيٌّ وقِدْرٌ رَحمانِيٌّ تُطبَخُ فيه مِئاتُ الأُلُوفِ مِمةٌ شاَطعِمةِ الشَّهِيّةِ اللَّذِيذةِ جَنبًا إلى جَنبٍ بنِظامٍ في غايةِ الإِتقانِ والكَمالِ.
ولو سُئِلَ عِلمُ العَسكَرِيّةِ عنِ الأَرضِ لَأَجابَ:بأنَّها مُعَسكَرٌ مَهِيبٌ يُساقُ إلَيْه في كلِّ رَبِيعٍ جُنُودٌ مُسَلَّحَُّمْتَُدٌ يُؤَلِّفُون أُمَمًا مُختَلِفةً مِنَ النَّباتاتِ والحَيَواناتِ يَبلُغُ تَعدادُها أَكثَرَ مِن أَربَعِ مِئةِ أَلفِ أُمّةٍ، فتُنصَبُ خِيَمُهُم في أَرجاءِ ن تُكَالأَرضِ.. وعلى الرَّغمِ مِن أنَّ أَرزاقَ كلِّ أُمّةٍ تَختَلِفُ عنِ الأُخرَى، ومَلابِسَها مُتَغايِرةٌ وأَسلِحَتَها مُتَبايِنةٌ، وتَعلِيماتِها مُختَلِفةٌ، ورُخَصَها مُتَفاوِتةٌ، إلّا أنَّ أِن أُم الجَمِيعِ تَسِيرُ بانتِظامٍ رائِعٍ، ولَوازِمَ الجَمِيعِ تُهَيَّأُ دُونَ نِسيانٍ ولا التِباسٍ، وذلك بأَمرٍ مِنَ اللهِ تعالى وبفَضلِ رَحمَتِه السّابِغةِ صادِرًا مِن خَزِينَتِه الواسِعةِ.
وإذا َمدِ وِلَ عِلمُ الكَهرَباءِ لَأَجابَ:بأنَّ سَقفَ قَصرِ الكَونِ البَدِيعِ هذا قد زُيِّن بمَصابِيحَ مُتَلألِئةٍ لا حَدَّ لِكَثرَتِها ولا مُنتَهَى لِرَوعَتِها وتَناسُقِها، حتَّى إنَّ النِّظامَ الَيثُ لَ والتَّناسُقَ الرّائِعَ الَّذي فيها يَحُولانِ دُونَ انفِجارِ تلك المَصابِيحِ السَّماوِيّةِ المُتَوهِّجةِ دَوْمًا یی وهِي تَكبُرُ الأَرضَ أَلفَ مَرّةٍ وفي مُقدِّمَتِها الشَّمسُ یی ودُونَ انتِقاصِ تَوازُنِها أو نَُ ذلك حَرِيقٍ فيما بَينَها..
تُرَى! مِن أيِّ مَصدَرٍ تُغَذَّى تلك المَصابِيحُ ذاتُ الِاستِهلاكِ غَيرِ المَحدُودِ ولِمَ لا يَنفَدُ وَقُودُها؟! ولِمَ لا يَختَلُّ تَوازُنُ الِاحتِراقِ؟ عِلمًا أنَّ مِصباحًا زَيتِيًّا صَغِيرًاكَرْنا يُراعَ ويُعتَنَ به باستِمرارٍ يَنطَفِئْ نُورُه ويَخْبُ.. فسُبحانَه مِن قَدِيرٍ حَكِيمٍ ذِي جَلالٍ! كيف يُوقِدُ الشَّمسَ الَّتي هي أَضخَمُ مِنَ الأَرضِ بمِليُونِ مَرّةٍ ومَضَى على عُمُرِها أَكثَرُ مِن مِليُودارِ اةٍ یی حَسَبَ ما تَوَصَّل إلَيْه عِلمُ الفَلَكِ یی دُونَ أن تَنطَفِئَ ومِن دُونِ وَقُودٍ
— 234 —
أو زَيتٍ!!
(حاشية): إذا ما حُسِبَ ما يَلزَمُ مِدفأةَ قَصرِ الكَونِ ومِصباحَه وهو الشَّمسُ، كم تَحتاجُ يوميًّا مِنَ الوَقُودادُ ال الزَّيتِ؟ نَرَى أنَّها بحِسابِ الفلَكيِّين بحاجةٍ إلى مِليونِ ضِعفِ حَجمِ الكُرةِ الأَرضِيّةِ مِنَ الوَقُودِ وأُلُوفِ الأَضعافِ مِن حَجمِ البِحارِ مِن الزُّيُوتِ.
فتَأمَّلْ في عَظَمةِ الخالقِ القَدِيرِ ذي الجَلالِ الذي يُوقِدُ بمُشامِدْفأةَ ويُشعِلُ ذلك السِّراجَ الوَهّاجَ مِن دُونِ وَقُودٍ ولا زَيتٍ، ويُشعِلُها بلا انقِطاعٍ.. تَدبَّرْ في سَعةِ حِكمَتِه وطَلاقةِ قُدرَتِه، وقُلْ: سُبحانَ اللهِ.. ما شاءَ اللهُ.يَلفِترَك اللهُ!! بعَدَدِ ذَرّاتِ الشَّمسِ.
تَأمَّلْ في هذا وسَبِّح بِاسمِ ربِّك العَظِيمِ وقُل: "ما شاءَ اللهُ، تَبارَك اللهُ، لا إِلٰهَ إلّا اللهُ".. قُلْها بعَدَدِ عاشِراتِ الدَّقائِقِ أنَّهي مَرَّت على عُمُرِ الشَّمسِ.. فلا شَكَّ أنَّ نِظامًا بَدِيعًا صارِمًا هو الَّذي يُهَيمِنُ على هذه المَصابِيحِ السَّماوِيّةِ المُتَلألِئةِ، ولا بُدَّ أنَّ رِعايَتَها ومُراقبَتَها دَقِيقةٌ، حتَّى كأنَّ مَصدَرَ الحَرارةِ ِنَ الجَلَ البُخارِيَّ لِتلك الكُتَلِ النّارِيّةِ الَّتي هي في مُنتَهَى الضَّخامةِ وفي غايةِ الكَثْرةِ، إنَّما هي جَهَنَّمُ لا تَنفَدُ حَرارَتُها، وتُرسِلُها إلى الكُلِّ مُظلِمةً قاتِمةً بلا نُورٍ.. وكأنَّ ماكِينةَ تلك الهُ الحيحِ المُنَوَّرةِ والقَنادِيلِ المُضِيئةِ الَّتي لا تُعَدُّ ولا تُحصَى هي جَنّةٌ دائِمةٌ تَمنَحُها النُّورَ والضِّياءَ، فيَستَمِرُّ اشتِعالُها المُنتَظِمُ بالتَّجَلِّي الأَعظَمِ لِاسمِ "الحَكَمِ والحَكِيمِ".
وهكذا قِياسًا على هذه الأَمثِلةِ،ُجُودَ كلَّ عِلمٍ مِن مِئاتِ العُلُومِ يَشهَدُ قَطعًا: أنَّ هذا الكَونَ قد زُيِّن بحِكَمٍ ومَصالِحَ شَتَّى ضِمنَ انتِظامٍ كامِلٍ لا نَقصَ فيه، وأنَّ تلك الأَنتَقدِيالبَدِيعةَ والحِكَمَ السَّامِيةَ النّابِعةَ مِن تلك الحِكمةِ المُعجِزةِ المُحِيطةِ بالكَونِ قد أُدرِجَت بمِقياسٍ أَصغَرَ، حتَّى في أَصغَرِ كائِنٍ حَيٍّ وفي أَصغَرِ بِذْرةٍ..
ومِنَ المَعلُومِ بَداهةً أنَّ تَتبُّعَ الغايأَسبابِردافَ الحِكَمِ والفَوائِدِ بانتِظامٍ، لا يَحصُلُ إلّا بالإِرادةِ والِاختِيارِ والقَصدِ والمَشِيئةِ، وإلّا فلا؛ فكما أنَّ هذا العَمَلَ البَدِيعَ ليَطُّ، ِن شَأنِ الأَسبابِ والطَّبِيعةِ یی اللَّتَينِ لا تَملِكانِ إِرادةً ولا اختِيارًا ولا قَصْدًا ولا شُعُورًا یی فلن يكُونَ لَهُما تَدَخُّلٌ فيه كَذلِك؛ لِذا فما أَجهَلَ مَن لا يَعرِفُ أو لا يُؤمِنُ بالفاعِلِ المُختارِ وبالصّانِعِ الحَكِمُ الإَّذي تَدُلُّ علَيْه هذه الأَنظِمةُ البَدِيعةُ والحِكَمُ الرَّفيعةُ الَّتي لا حَدَّ لها وهِي مَبثُوثةٌ في مَوجُوداتِ الكَونِ قاطِبةً.
— 235 —
نشْفِ وْ كانَ هناك شَيءٌ يُستَغرَبُ مِنه ويُثيرُ عِندَ الإِنسانِ العَجَبَ في هذه الدُّنيا، فإنَّما هو: إِنكارُ وُجُودِه سُبحانَه، لِأنَّ الِانتِظامَ بأَنواعرةِ، وَدِيعةِ الَّتي لا تُعَدُّ، والحِكَمَ بأَشكالِها السّامِيةِ الَّتي لا تُحصَى، والمُندَرِجةَ في كلِّ مَوجُودٍ في الكَونِ، شَواهِدُ صادِقةٌ على وُجُوبِ وُجُودِه سُبحانَه وعلى وَحْدانيَّتِه.. فبُعدًا لِعَمًذا القَعدَه عَمًى! وسُحقًا لِجَهلٍ ما بَعدَه جَهلٌ لِمَن لا يَرَى هذا الرَّبَّ الحَكِيمَ سُبحانَه! حتَّى يُمكِنُني القَولُ: إنَّ السُّوفْسَطائيِّينَ الَّذِينَ يُعَدُّونَ حَمْقَىرٌ مُشارِهِم وُجُودَ الكَونِ، هم أَعقَلُ أَهلِ الكُفرِ، لِأنَّ الِاعتِقادَ بوُجُودِ الكَونِ ومِن بَعدِه إِنكارَ خالِقِه یی وهُو اللهُ سُبحانَه یی غَيرُ مُمكِنٍ قَطعًا، ولا يُقبَلُ أَصلًا، لِذا بَدَؤُوا بإِنكارِ الكَونِ وأَنكَرُوا وقُرآنِهُم أَيضًا، وقالُوا: لا شَيءَ مَوجُودٌ على الإِطلاقِ. فأَبطَلُوا عُقُولَهُم، وأَنقَذُوا أَنفُسَهُم باقتِرابِهِم شَيئًا إلى العَقلِ مِن مَتاهةِ الحَماقةِ غَيرِ المُتَناهِيةِ لِلمُنكِرِينَ الجاحِدِينَ الحَمقَىَانِيَّستِّرِينَ تَحتَ سِتارِ العَقلِ!
النُّقطةُ الرَّابعة:
مِثلَما أُشِيرَ في "الكَلِمةِ العاشِرةِ" إلى أنَّه: إذا ما شَيَّد مِعمارِيٌّ بارِعٌ حَكِيمٌ قَصرًا مُنِيفًا، وأَوْدَع في كلِّ حَجَرٍ مأَكرَمجارِه مِئاتِ الحِكَمِ والمَصالِحِ والفَوائِدِ، فلا يَتَصوَّرُ مَن له شُعُورٌ ألّا يَبنِيَ له سَقفًا يَحفَظُه مِنَ البِلَى والفَسادِ، لِأنَّ هذا يَعنِي تَعرِيضَ البِناءِ لِلعَدَمِ والتَّلَفِ، وضَياعَ تلك الفَوائِدِ والحِكَمِ الَّتي كانَ يدِ ما ويَتَولّاها؛ وهذا ما لا يَرضَى به ذُو شُعُورٍ.. أو أنَّ حَكِيمًا مُطلَقًا يُنشِئُ مِن دِرهَمٍ مِنَ البُذُورِ مِئاتِ الأَطنانِ مِنَ الفَوائِدِ والحِكَمِ والغاياتِ، ويَتَعقَّبُها ويُدِيرُها، لا يُمكِنُ أن يَتَصوَّرَ مَن له عَقلٌ صُدُورَ ٢٢٨
ثِ والإِسرافِ المُنافيَينِ كُلِّيًّا لِلحِكمةِ المُطلَقةِ مِن ذلك الحَكِيمِ المُطلَقِ، بِأَن يُقَلِّدَ الشَّجَرةَ الضَّخمةَ فائِدةً جُزئيّةً وغايةً تافِهةً وثَمَرةً قَلِيلةً، عِلمًا ويأتي يُنفِقُ لِإنشائِها وإِثمارِها الكَثِيرَ!
نعم، فكما لا يُمكِنُ أن يَتَصوَّر هذا أو ذاك عاقِلٌ قَطُّ، كَذلِك لا يُمكِنُ أن يَتَصوَّرَ مَن له مُسكةُ عَقلٍ أن يَصدُرَ مِنَ الصَّانِعِ اِه.
#2مِ العَبَثُ والإِسرافُ بعَدَمِ إِتيانِ الآخِرةِ وبعَدَمِ إِقامَتِه الحَشرَ والقِيامةَ بعدَ أن قلَّدَ كلَّ مَوجُودٍ في قَصرِ الكَونِ هذا اجتِما مِنَ الحِكَمِ والمَصالِحِ، وجَهَّزَه بمِئاتِ الوَظائِفِ یی حتَّى إنَّه قلَّدَ كلَّ شَجَرةٍ حِكَمًا بعَدَدِ
— 236 —
ثِمارِها ووَظائِفَ بعَدَدِ أَزهارِها یی فلا يُمكِنُ أن يَتَوارَد على خاطِرِ عاقِلٍ أن يُضَيلٰهِيّا الحَكِيمُ الجَلِيلُ جَمِيعَ هذه الحِكَمِ والمَقاصِدِ وجَمِيعَ هذه الوَظائِفِ بعَدَمِ إِقامَتِه القِيامةَ والآخِرةَ، إذ يَعنِي هذا إِسنادَ العَجزِ التّامِّ إلى قُدرةِ القَدِيرِ المُطلَقِ، وتَنسِيبَ الدِيرِ والضَّياعِ إلى الحِكمةِ البالِغةِ لِلحَكِيمِ المُطلَقِ، وإِرجاعَ القُبحِ المُطلَقِ إلى جَمالِ رَحمةِ الرَّحِيمِ المُطلَقِ، وإِسنادَ الظُّلمِ المُطلَقِ إلى العَدالةِ التّامّةِ لِ؛ نَحمِ المُطلَقِ، أي: إِنكارَ كلٍّ مِنَ الحِكمةِ والرَّحمةِ والعَدالةِ الظّاهِرةِ المُشاهَدةِ، إِنكارَها كُلِّيًّا مِنَ الوُجُودِ! وهذا مِن أَعجَبِ المُحالاتِ وأَشَدِّها سُخفًا وأَكثَرِهاٍ.
نًا!
فلْيَأْتِ أَهلُ الضَّلالةِ، ولْيَنظُرُوا إلى ضَلالَتِهِم كيف أنَّها مُظلِمةٌ مَلِيئةٌ بالعَقارِبِ والحَيَّاتِ كقُبُورِهِمُ الَّتي سيَصِيرُونَ إلَيْها! ولْيُدرِكُوا أنَّ طَرِيقَ الإِيمانِ بالآخِرةِينِ، َّرٌ جَمِيلٌ كالجَنّةِ فلْيَسلُكُوه وليَنعَمُوا بالإِيمانِ.
النُّقطةُ الخامسةُ:وهِي مَسأَلتانِ:
المَسأَلةُ الأُولَى:إنَّ تَعَقُّبَ الصَّانِعِ الجرِّرُ یی بمُقتَضَى اسمِ "الحَكِيمِ" یی لِأَلطَفِ صُورةٍ في كلِّ شَيءٍ وأَقصَرِ طَرِيق، وأَسهَلِ طِرازٍ، وأَنفَعِ شَكلٍ.. يَدُلُّ دَلالةً واضِحةً على أنَّ الفِطرةَ لا إِسرافَ فيها قَطُّ ولا عَبَثَ، فما مِن شَيءٍ إلّاظِمةَ نَفعُه وجَدْواه، وأنَّ الإِسرافَ مِثلَما يُنافِي اسمَ "الحَكِيمِ" فالِاقتِصادُ لازِمُه ومُقتَضاه ودُستُورُه الأَساسُ.
فيا أيُّها المُسرِفُ المُبَذِّرُ، اِعلَمةً، بِى مُجانَبَتِك الحَقِيقةَ بقُعُودِك عن تَطبِيقِ أَعظَمِ دُستُورٍ لِلكَونِ أَلا وهُو الِاقتِصادُ، وتَدَبَّرِ الآيةَ الكَرِيمةَ: كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا لِتَعلَمَ مَدَى رُسُوخِ الدُّستُورِ الواسِعِ الشَّامِلِ الَّذي تُرشِدُ إلَالجَمع المَسأَلةُ الثَّانيةُ:يَصِحُّ أن يُقالَ: إنَّ اسمَ اللهِ "الحَكَمُ والحَكِيمُ" يَقتَضِيانِ بَداهةً نُبُوّةَ مُحمَّدٍ (ص) ورِسالَتَه، ويَدُلّانِ علَيْها ويَستَلزِمانِها.
نعم، ما دامَ الكِتابُ البَلِيغُ بمَعانِيه ومَرام الرَُّقتَضِي بالضَّرُورةِ مُعَلِّمًا بارِعًا لِتَدرِيسِه.. والجَمالُ الفائِقُ يَقتَضِي مِرآةً يَتَراءَى فيها، ويُرِي بها جَمالَه وحُسنَه.. والصَّنعةُ تَلَّ يعةُ تَستَدعِي مُنادِيًا داعِيًا إلَيْها.. فلا بُدَّ أن يُوجَد بينَ بَنِي البَشَرِ الَّذي هو
— 237 —
مَوضِعُ خِطابِ كِتابِ الكَونِ الكَبِيرِ المُتَضمالأَذهِئاتِ المَعانِي البَلِيغةِ والحِكَمِ الدَّقِيقةِ في كلِّ حَرفٍ مِن حُرُوفِه، أَقُولُ: لا بُدَّ أن يُوجَدَ رائِدٌ أَكمَلُ، ومُعلِّمٌ أَكبَرُ، لِيُرشِدَ النّاسَ إلى ما في ذلك الكِتابِ الكَبِيرِ مِن حِكَمٍ مُقَدَّسةٍ حَقِيقيَّوْلةولِيُعلِّمَ وُجُودَ الحِكَمِ المَبثُوثةِ في أَرجائِه ويَدُلَّ علَيْها.. ولِيَكُونَ مَبعَثَ ظُهُورِ المَقاصِدِ الرَّبّانيّةِ في خَلقِ الكَونِ، بلِ السَّببَ في حُصُولِها.. ولِيُرشِدَ إفاذِ قيُرِيدُ الخالِقُ إِظهارَه مِن كَمالِ صَنعَتِه البَدِيعةِ، وجَمالِ أَسمائِه الحُسنَى، فيكُونَ كالمِرآةِ الصّافِيةِ لِذلِك الكَمالِ البَدِيعِ والجَمالِ الفائِقِ.. ولِيَنهَضَ بعُبُودِيّةٍ واسِعةٍ أنَّهاسمِ المَخلُوقاتِ قاطِبةً یی تِجاهَ مَظاهِرِ الرُّبُوبيّةِ الواسِعةِ، مُثِيرًا الشَّوقَ وناثِرًا الوَجْدَ في الآفاقِ بَرًّا وبَحرًا، لافِتًا أَنظارَ الجَمِيعِ إلى الصَّانِعِ الجَلِيلِ بدَعوةٍ اءِ الٍ، وتَهلِيلٍ وتَسبِيحٍ وتَقدِيسٍ، تَرِنُّ به أَرجاءُ السَّماواتِ والأَرضِ.. ولِيَقرَعَ أَسماعَ جَمِيعِ أَربابِ العُقُولِ بما يُلَقِّنُه مِن دُرُوسٍ مُقدَّسةٍ سامِيةٍ وإِرشاداتٍ حَكِيمةٍ مِنِمُ هذرآنِ الحَكِيمِ.. ولِيُبيِّنَ بأَجمَلِ صُورةٍ وأَجلاها بالقُرآنِ العَظِيمِ المَقاصِدَ الإِلٰهِيّةَ لِذلِك الصّانِعِ الحَكَمِ الحَكِيمِ.. ولِيَستَقبِلَ بأَكمَلِ مُقابَلةٍ وأَتَمِّها مَظاهِرَ الحِكْمةِ البالِغةِ والجَمالِ والجَلالِ نِ معَجَلِّيةَ في الآفاقِ.. فإِنسانٌ هذه مُهِمَّتُه، ضَرُورِيٌّ وُجُودُه، بل يَستَلزِمُه هذا الكَونُ، كضَرُورةِ الشَّمسِ ولُزُومِها له.
فالَّذي يُؤَدِّي هذه المُهِمّاتِ، ويُنجِزَغَباتالوَظائِفَ على أَتَمِّ صُورةٍ ليس إلّا الرَّسُولَ الأَكرَمَ (ص) كما هو مُشاهَدٌ، لِذا فكما تَستَلزِمُ الشَّمسُ الضَّوءَ، ويَستَلزِمُ الضَّوءُ النَّهارَ، فالحِكَمُ المَبثُوثةحادِيثفاقِ الكَونِ وجَنَباتِه تَستَلزِمُ نُبُوّةَ مُحمَّدٍ (ص) ورِسالَتَه.
نعم، مِثلَما يَقتَضِي التَّجَلِّي الأَعظَمُ لِاسمِ "الحَكَمِ والحَكِيمِ" یی في أَوسَعِ مَداه یی الرّرةِ ال الأَحمَدِيّةَ، فإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الأَسماءِ الحُسنَى مِثلَ: "اللهُ، الرَّحمٰنُ، الرَّحِيمُ، الوَدُودُ، المُنعِمُ، الكَرِيمُ، الجَمِيلُ، الرَّبُّ"، يَستَلزِمُأَرزاق مِنها الرِّسالةَ الأَحمَدِيّةَ في أَعظَمِ تَجَلِّياتِها وإِحاطَتِها بالكَونِ كُلِّه، استِلزامًا قاطِعًا لا رَيبَ فيه.
فمَثلًا:إنَّ الرَّحمةنةُ تَسِعةَ الَّتي هي تَجَلِّي اسمِ "الرَّحمٰنِ" تَظهَرُ بوُضُوحٍ بمَن هو رَحمةٌ لِلعالَمِينَ.. وإنَّ التَّحَبُّبَ الإِلٰهِيَّ والتَّعرُّفَ الرَّبّانِيَّ یی اللَّذَينِ هما مِن تَجَلِّياتِ
— 238 —
اسمِ "الوَدُودِ" یی يُفضِيانِ إلى نَتِيجَتِهِما ويَماذِجِ المُقابَلةَ بحَبِيبِ رَبِّ العالَمِينَ.. وإنَّ جَمِيعَ أَنواعِ الجَمالِ یی جَمالِ الذّاتِ وجَمالِ الأَسماءِ، وجَمالِ الصَّنعةِ والإِتقانِ، وجَمالتَهما صنُوعاتِ والمَخلُوقاتِ.. كلِّ أَنواعِ الجَمالِ الَّتي هي تَجَلٍّ مِن تَجَلِّياتِ اسمِ الجَمِيلِ یی تُشاهَدُ في تلك المِرآةِ الأَحمَدِيّةِ، وتُشهَدُ بها.. بل حتَّى تَجَلِّياتُ عَظَمةِ الرُّبُوبيّةِ، وهَيمَنةُ سَلطَنةِ الأُلُوهِكِ رَبنَّما تُعرَفُ برِسالةِ هذا الدّاعِيةِ العَظِيمِ إلى سُلطانِ الرُّبُوبيّةِ وتَتَبيَّنُ بها، وتُفهَمُ عنها، وتُصَدَّقُ بها.. وهكذا فأَغلَبُ الأَسماءِ الحُسنَى إنَّما هي بُرهانٌ باهِرٌ على الرِّسالةِ الأَحمَديقةٌ وكما مَرَّ آنِفًا..
نَحصُلُ مِمّا سَبَق:أنَّه ما دامَ الكَونُ مَوجُودًا بالفِعلِ ولا يُمكِنُ إِنكارُه، فلا يُمكِنُ أن يُنكَر كَذلِك ما هو بمَثابةِ أَلوانِه وزِينَتِه، وضِيائِه وإِتقانِه، وأَنواعِ حَياتِه، وأَشكالِ رَوابِطِه مِنتُبِ، قائِقِ المَشهُودةِ، كالحِكمةِ، والعِنايةِ، والرَّحمةِ، والجَمالِ، والنِّظامِ، والمِيزانِ، والزِّينةِ، وأَمثالِها مِنَ الحَقائِقِ.. فما دامَ لا يُمكِنُ إِنكارُ هذه الصِّفاتِ والأَفعالِ، فلا يُمكِنُ إِنكارُ مَوصُوفِ تلك الصِّفاتِ، ولا يُنُ مُلإِنكارُ فاعِلِ تلك الأَفعالِ وشَمسِ تلك الأَضواءِ، أَعنِي ذاتَ اللهِ الأَقدَسِ جَلَّ جَلالُه الواجِبِ الوُجُودِ، الَّذي هو "الحَكِيمُ، الرَّحِيمُ، الجَمِيلُ، الحَكَمُ، العَدْلُ".. وكذا لا يُمكِنُ إِنكارُ مَن هو مَدارٌ لِها أَرِ تلك الصِّفاتِ والأَفعالِ، بل مَن هو مَدارٌ لِعَرضِ كَمالاتِها، بل تَحَقُّقِ تَجَلِّياتِها، ذلِكُمُ الرَّسُولُ الكَرِيمُ مُحَمَّدٌ (ص)، الرّائِدُ الأَكبَرُ، والمُعلِّمُ الأَكمَلُ، والدّاعِيةُ الأَعظَمُ، وكَشّافُ طِلَّسمِ الكيَتَلقِ، والمِرآةُ الصَّمَدانيّةُ، وحَبِيبُ الرَّحمٰنِ.. فلا يُمكِنُ إِنكارُ رِسالَتِه قَطْعًا، لِأنَّها أَسطَعُ نُورٍ في هذا الكَونِ كسُطُوعِ ضِياءِ عالَمِ الحَقِيمَرحُوُورِ حَقِيقةِ الكائِناتِ.
علَيهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بعَدَدِ عاشِراتِ الأَيَّامِ وذَرَّاتِ الأَنامِ
سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلالَ حَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ

* * *

— 239 —
الحجّة الإيمانية السادسة
(الحَقيقة التَّاسِعة منَ الكَلِمة العَاشِرة)
بَاب الإحياءِ والإمَاتة، وهوَ تَجَلِّي اسمِ "الحيّ القيوم" و"المُحيي" و"المُميت"
أَمِنَ اَ الحَنِ للَّذي أَظهَر قُدرَتَه بإحياءِ الأَرضِ الضَّخمةِ بعدَ مَوتِها وجَفافِها، وبَعَث أَكثَرَ مِن ثلاثِ مِئةِ أَلفِ نوعٍ مِن أنواعِ المَخلُوقاتِ، مع أن بَعْثَ كلِّ نَوعٍ عَجيبٌ كأُعجُوبةِ بَعْثِ البَشَرِ.. والَّذي أَظهَر إحنَ إِنِلمِه ضِمنَ ذلك الإحياءِ بتَميِيزِه كلَّ كائنٍ مِن بينِ ذلك الِامتِزاجِ والتَّشابُكِ.. والَّذي وَجَّه أَنظارَ جَميعِ عِبادِه إلى السَّعادةِ الأَبَديّةِ بوَعدِهمُ الحَشرَ في جَميعِ أَوامِرِه السَّماوِيّةِ.. والَّذي أَظهَر عَظتِ الحُبُوبيَّتِه بجَعْلِه المَوجُوداتِ مُتكاتِفةً مُتَرافِقةً، فأَدارها ضِمنَ أَمرِه وإرادَتِه، مُسَخِّرًا أَفرادَها، مُعاوِنًا بَعضُها بعضًا.. والَّذي أَوْلَى البَشَرَ الأَهَمِّيّ الفاطُصوَى، بجَعْلِه أَجمَعَ ثَمَرةٍ في شَجَرةِ الكائناتِ، وأَلطَفَها وأَشَدَّها رِقّةً ودَلَالًا، وأَكثَرَها مُستَجابًا للدُّعاء، مُسَخِّرًا له كلَّ شيءٍ، مُتَّخِذًا إيّا وخَراطَبًا.. أفَمِنَ المُمكِنِ لِمِثلِ هذا القَديرِ الرَّحيمِ ولِمِثلِ هذا العَليمِ الحَكيمِ ألّا يأتِيَ بالقِيامةِ؟! ولا يُحدِثَ الحَشرَ ولا يَبعَثَ البَشَرَ، أو يَعجِزَ عنه؟ وأنالوُجُزَ عن فَتحِ أَبوابِ المَحكَمةِ الكُبْرَى وخَلْقِ الجَنّةِ والنّارِ؟!. تَعالَى اللهُ عن ذلك عُلُوًّا كَبِيرًا.
نعم، إنَّ الرَّبَّ المُتَصرِّفَ في هذا العالَمِ جلَّ جلالُه يُحْدِثُ في هذه الأَرضِ المُؤقَّتةِ الضَّيِّقةِ في كلِّ عصرٍ وفي كلِّها تَموفي كلِّ يومٍ نَماذِجَ وأَمثِلةً كَثيرةً وإشاراتٍ عَديدةً للحَشرِ الأَكبَرِ، فعلى سَبِيلِ المِثالِ:
إنَّه يَحشُرُ في بِضعةِ أيّامٍ في حَشرِ ا والإحعِ ويَبعَثُ أَكثرَ مِن ثلاثِ مئةِ أَلفِ نَوعٍ مِن أَنواعِ النَّباتاتِ والحَيَواناتِ مِن صَغيرٍ وكَبيرٍ، فيُحيِي جُذُورَ الأَشجارِ والأَعشابِ، ويُعِيدُ بعضَ الحَيَواناتِ بعَينِها كما يُعيدُ أَمثالَ بعضِها الآخَرِ؛ ومع أنَّ الفُرُوبلِ الادِّيّةَ
— 240 —
بينَ البُذَيراتِ المُتَناهِيةِ في الصِّغَرِ جُزئيّةٌ جِدًّا، إلَّا أنَّها تُبعَثُ وتُحيا بكلِّ تَمَيُّزٍ، وتُشَخَّصُ في مُنتَهَى السُّرعةِ في ستّةِ أَيّامٍ، أو ستّةِ أَسابِيعَ، وفي مُنتَهَى السُّهُولةِ والوَفرةِ، وبانتِظامٍ كالسَّعمِيزانٍ دَقيقٍ، رَغمَ اختِلاطِها وامتِزاجِها.. فهل يَصعُبُ على مَن يَقُومُ بمِثلِ هذه الأعمالِ شيءٌ، أو يَعجِزُ عن خَلقِ السَّماواتِ والأَرضِ في ستّةِ أيّامٍ، أو لرِضُ بَطيعُ أن يَحشُرَ الإنسانَ بصَيحةٍ واحِدةٍ؟! سُبحانَ اللهِ عمّا يَصِفُونَ.
فيا تُرَى إن كان ثَمّةَ كاتِبٌ ذُو خَوارِقَ، يَكتُبُ ثلاثَ مِرِ نُولفِ كِتابٍ مُسِحَت حُرُوفُها ومُسِخَت، في صَحيفةٍ واحِدةٍ دُونَ اختِلاطٍ ولا سَهوٍ ولا نَقصٍ، وفي غايةِ الجَمالِ، ويَكتُبُها جَميعًا معًا خِلالَ ساعةٍ واحِدةٍ. وقيلَ لك: إنَّ هذا الكاتِبَ سيوسٍ وع مِن حِفظِه في دَقيقةٍ واحِدةٍ كِتابَك الَّذي وَقَع في الماءِ وهو مِن تَألِيفِه. فهل يُمكِنُك أن تَرُدَّ عليه وتقُولَ: لا يَستَطيعُ. لا أُصَدِّق؟!
أو أنَّ سُلطانًا ذا مُعجِزاتٍ، يَرفَعُ الجِ، فلا يَنسِفُها، ويُغيِّرُ المُدُنَ بكامِلِها، ويُحَوِّلُ البَحرَ بَرًّا، بإشارةٍ مِنه، إظهارًا لِقُدرَتِه وجَعلَها آيةً للنّاسِ.. فبَينَما تَرَى مِنه هذه الأَعمالَ إذا بصَخرةٍ عَظِيُخرَى تَدَحرَجَت إلى وادٍ وسَدَّتِ الطَّريقَ على ضُيُوفِه، وقيلَ لك: إنَّ هذا السُّلطانَ سيُمِيطُ حَتْمًا تلك الصَّخرةَ مِن على الطَّريقِ ويَحْطِمُها مهمقيقةٌ ت كَبيرةً، حيث لا يُمكِنُ أن يَدَع ضُيُوفَه في الطَّريقِ.. كم يكونُ جَوابُك هَذَيانًا أو جُنُونًا إذا ما أَجَبتَه بقَولِك: لا، لا يَستَطيطَنةِ يَفعَلَ؟!
أو أنَّ قائدًا قد شَكَّلَ جَيْشًا جَدِيدًا عَظِيمًا في يومٍ واحِدٍ، وقيلَ لك: إنَّ هذا سيَجمَعُ أَفرادَ تلك الفِرَقِ، وسيَنضَوِي تحتَ لِوائِه أُولَئك الَّذين سُرِّحُوا وِرةِ ظَقوا، بنَفخةٍ مِن بُوقٍ، فأَجَبتَه: لا، لا أُصَدِّقُ! عِندَها تَفهَمُ أنَّ جَوابَك هذا يُنبِئُ عن تَصَرُّفٍ جُنُونِيٍّ، أيَّ جُنُونٍ!!
فإ والِاِمتَ هذه الأَمثِلةَ الثلاثةَ فتَأَمَّلْ في ذلِكُمُ البارِئِ المُصَوِّرِ سُبحانَه وتَعالَى الَّذي يَكتُبُ أمامَ أَنظارِنا بأَحسَنِ صُورةٍ وأَتالكامِ بقَلَمِ القُدرةِ والقَدَرِ أَكثَرَ مِن ثلاثِ مِئةِ أَلفِ نَوعٍ مِنَ الأَنواعِ على صَحيفةِ الأَرضِ، مُبدِّلًا صَحيفةَ الشِّتاء البَيضاءِ إلى الص فقِيلِ الخَضراءِ للرَّبيعِ والصَّيفِ، يَكتُبُها مُتَداخِلةً دُونَ اختِلاطٍ، يَكتُبُها معًا دُونَ مُزاحَمةٍ ولا التِباسٍ، رَغمَ تَبايُنِ بَعضِها مع البعضِ الآخَرِ في التَّركيبِ والشَّكلِ، فلا يَكتُبُ خَطَأً مُطلَقًًا وشُ41
أفَيُمكِنُ أن يُسأَلَ الحَفيظُ الحَكيمُ الَّذي أَدرَجَ خُطّةَ رُوحِ الشَّجَرةِ الضَّخمةِ ومِنهاجَها في بِذرةٍ مُتَناهِيةٍ في الصِّغَرِ مُحافِظًا عليها، كيف سيُحافِظُ على أَروامِ الكَمواتِ؟ أم هل يُمكِنُ أن يُسأَلَ القَديرُ ذُو الجَلالِ الَّذي يُجرِي الأَرضَ في دَوْرَتِها بسُرعةٍ فائقةٍ، كيف سيُزِيلُها مِن على طَريقِ الآخِرةِ، وكيف سيُدَمِّرُها؟ أم هل يُمكِنُ أن يُسأَلَ ًا يَلجَلالِ والإكرامِ الَّذي أَوْجَدَ الذَّرّاتِ مِنَ العَدَمِ ونَسَّقَها بأَمرِ: كُنْ فَيَكُونُ في أَجسادِ جُنُودِ الأَحياءِ، فأَنشَأَ مِنها الجُيُوشَ الهائلةَ، كيف سيَجمَعُ بصَيحةٍ واحَِكتُبُك الذَّرّاتِ الأَساسيّةَ الَّتي تَعارَفَت فيما بَينَها، وتلك الأَجزاءَ الأَساسيّةَ الَّتي انضَوَت تحتَ لِواءِ فِرقةِ الجَسَدِ ونِظامِه؟!
فها أنتَ ذا تَرَى بعَينَيك كم ذِي اَماذِجَ وأَمثِلةٍ وأَماراتٍ للحَشرِ شَبِيهةٍ بحَشرِ الرَّبيعِ، قد أَبدَعَها البارِئُ سُبحانَه وتَعالَى في كلِّ مَوْسِمٍ، وفي كلِّ عَصرٍ، حتَّى إنَّ تَبدِيلَ اللَّيلِ والنَّهارِ، وإنشاءَ السَّحابِ الثِّقالِ وإفناءَها مِنَ ويَسعِّ، نَماذِجُ للحَشرِ وأَمثِلةٌ وأَماراتٌ عليه.
وإذا تَصَوَّرتَ نَفسَك قبلَ أَلفِ سنةٍ مَثَلًا، وقابَلْتَ بينَ جَناحَيِ الزَّمانِ الماضِي والمُستَقبَلِ، تَرَى أَمثِلةَ الحَشرِ والقِيامةِ ونمِيعِ َها بعَدَدِ العُصُورِ والأَيّامِ؛ فلو ذَهَبتَ إلى استِبعادِ الحَشرِ الجِسمانِيِّ وبَعْثِ الأَجسادِ مُتَوهِّمًا أنَّه بَعيدٌ عنِ العَقلِ، بعدَما شاهَدتَ هذا العَدَدَ الهائلَ مِنَ الأَمثِلةِ والنَّماذِجِ، فستَعلَمُ أنت كذلك مفَ أَكَماقةِ مَن يُنكِرُ الحَشرَ.
تَأَمَّلْ ماذا يقولُ الدُّستُورُ الأَعظَمُ حَولَ هذه الحَقيقةِ: فَانْظُرْ إِلَى آَثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ ِيلةُ هَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
الخُلاصةُ:لا شيءَ يَحُولُ دُونَ حُدُوثِ الحَشرِ، بل كلُّ شيءٍ يَقتَضِيه ويَِك، إِيه.. نعم، إنَّ الَّذي يُحيِي هذه الأَرضَ الهائلةَ یی وهي مَعرِضُ العَجائبِ یی ويُمِيتُها كأَدنَى حَيَوانٍ، والَّذي جَعَلَها مَهْدًا مُريحًا وسَفينةً جَميلةً للإنسانِ والحَيَوانِ، وجَعَل الشَّمسَ ضِياءً ومَوْقِدًا لهذا المَضِيفِ، وجَعَلَ الكَئِك عَ السَّيَّارةَ والنُّجُومَ اللّامِعةَ مَساكِنَ طائراتٍ للمَلائكةِ.. إنَّ رُبُوبيّةً خالِدةً جَليلةً إلى هذا الحَدِّ، وحاكِمِيّةً مُحيطةً عَظيمةً إلى هذه الدَّرَجةِ، لا تَستَقِرّانِ ولا تَنحَصِرانِ في أُمُورِ الدُّنيا الفانِيةِ الزالسَّا الواهِيةِ السَّيّالةِ التّافِهةِ المُتَغيِّرة.. فلا بُدَّ أنَّ هناك دارًا أُخرَى باقِيةً، دائمةً، جَليلةً، عَظيمةً، مُستَقِرّةً، تليقُ به سُبحانَه فهو يَسُوقُنا إلى السَّعيِ الدّائبِ لِأَجلِ تلك المَمالِكِ والدِّيارِ، ويَدُضِّحَإليه، ويَنقُلُنا إلى هناك.. يَشهَدُ على
— 242 —
هذا أَصحابُ الأَرواحِ النَّيِّرةِ، وأَقطابُ القُلُوبِ المُنوَّرةِ، وأَربابُ العُقُولِ النُّورانيّةِ، الَّذين نَفَذُوا مِنَ الظّاهِرِ إلى الحَقيقةِ، والَّذين نالُوا شَرَف التَّقرُّبِ إليه سُبحافاعِلُهم يُبلِّغُونَنا مُتَّفِقين أنَّه سُبحانَه قد أَعَدَّ ثَوابًا وجَزاءً، وأنَّه يَعِدُ وَعدًا قاطِعًا، ويُوعِدُ وَعِيدًا جازِمًا.
فإخلافُ الوَعدِ لا يُمكِنُ أن يَدنُوَ إلى جلالِه المُقَدَّسِ، لأنَّه ذِلّةٌَسجُونلُّلٌ، وأمّا إخلافُ الوَعيدِ فهو ناشِئٌ مِنَ العَفوِ أوِ العَجزِ؛ والحالُ أنَّ الكُفرَ جِنايةٌ مُطلَقةٌ
(حاشية): نَعم، إنَّ الكُفرَ إهَانةٌ وتَحقيرٌ للكَائِنَات جَميعًا، حَيث يَتَّهِمُها بالعَبَثيةِ وانتِفاءِ الاثين إ وهَو تَزييفٌ تجاهَ أسمَاءِ الله الحُسنَى، لأنَّه يُنكِرُ تَجلِّيَ تِلك الأسمَاء على مَرايَا المَوجُودَات؛ وهو تَكذِيبٌ للمَخلُوقَات جَميعًا، حُيث يَرَُ الضّهَادةَ المَوجُودات على الوَحدَانِّية.. لِذا فَإنه يُفسِدُ قُوَى الإنِسَان واستِعدَادَاتِه إلَى دَرجةٍ يَسلُبُ منه القُدرَة عَلى تَقَبُّلِ الخَير والصَّلَاح.حَدِ ا ظُلمٌ عَظيمٌ جِدًّا، إذ هو تَجاوُزٌ لِحُقوقِ جَميع المَخلُوقَات، ولِجميعِ الأسمَاء الحُسنى، لِذا فَحِفاظًا عَلى هَذِه الحُقُوق، ولِعَدَمِ تَمَكُّن نَفْسِ الكَافر مِن قَبول الخَير، اقتضَى َشياءَِه من العَفو. والآيةُ الكَرِيمة: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ تُفيدُ هذا المَعنَى.
لا يَستَحِقُّ العَفوَ والمَغفِرةَ، أمّا القَديرُ المُطلَقُ فهو قُدُّوسٌ مُنزَّهٌ عنِ اانِ لِ، وأمّا المُخبِرُون والشُّهُودُ فهم مُتَّفِقُون اتِّفاقًا كامِلًا على أَساسِ هذه المَسأَلةِ رَغمَ اختِلافِ مَسالِكِهم ومَناهِجِهم ومَشارِبِهم، فهم مِن حَيثُ الكَث هنا قَغُوا دَرَجةَ التَّواتُرِ، ومِن حيثُ النَّوعِيّةُ بلَغُوا قُوّةَ الإجماعِ، ومِن حيثُ المَنزِلةُ فهم نُجُومُ البَشَريّةِ وهُداتُها وأَعِزّةُ القَومِ وقُرّةُ عُيُونِ الطَّوائفِ، ومِن حيثُ ا بل يَِّيّةُ فهم في هذه المَسأَلةِ "أَهلُ اختِصاصٍ وأَهلُ إثباتٍ".. ومِنَ المَعلُوم أنَّ حُكمَ اثنَينِ مِن أَهلِ الِاختِصاصِ في عِلمٍ أو صَنعةٍ يُرجَّحُ على آلافٍ مِن غَينفُسَهوفي الأَخبارِ والرِّوايةِ يُرجَّحُ قَولُ اثنَينِ مِنَ المُثبِتين على آلافٍ مِنَ النّافِين المُنكِرين، كما في إثباتِ رُؤيةِ هِلالِ رَمضانَ، حيثُ يُرجَّحُ شاهِدانِ مُثبِتانِ، بَينَما يُضرَبُ بكَلامِ آلافٍ مِنَ النَّافِينَ عُرضَُ ومَزطِ.
والخُلاصةُ:لا خَبَرَ أَصدَقُ مِن هذا في العالَمِ، ولا قَضيّةَ أَصوَبُ منها، ولا حَقيقةَ أَظهَرُ مِنها ولا أَوْضَحُ.
فالدُّنيا إذًا مَزرَعةٌ بلا شَكٍّ، والمَحشَرُ بَيدَرٌ، والجَنّةُ والنّارُ مَخزَنانِ.

* * *

— 243 —
الحجَّ هذهيمانية السَّابعة
(النَّافذة السَابعةَ عَشْرةَ منَ المكتُوب الثَّالِث والثَّلاثِين)
إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ
إذا تَأَمَّلْنا وَجْهَ الأَرضِ المَبسُوطَ أَمامَناتِيجةًى أنَّسَخاءً مُطلَقًايَتَجلَّى في إيجادِ الأَشياءِ: فبَينَما يَقتَضِي السَّخاءُ أن تكُونَ الأَشياءُ في فَوْضَى وعَدَمِ انتِظامٍ، إذا بِنا نُشاهِدُها في غايةِ الِانسمٍ مِنومُنتَهَى الِانتِظامِ.. شاهِدْ جَمِيعَ النَّباتاتِ الَّتي تُزَيِّنُ وَجْهَ الأَرضِ، تَرَ هذه الحَقِيقةَ.
ونَرَى أَيضًاسُرعةً مُطلَقةًتَتَبيَّنُ في إيجادِ الأَيِّتِ، فبَينَما تَقتَضِي السُّرعةُ أن تكُونَ الأَشياءُ مُشَوَّهةَ الصُّورةِ، مُختَلّةَ المادّةِ، ومُضطَرِبةَ المِيزانِ، ويَنقُصُها الإتقانُ، إذا بنا نُشاهِدُها في غايةِ التَّقدِيرِ والضَّبْطِ والسَّبْكِ، ومُنتَهَى الدِّقّةِيقيّةُوازَنةِ.. لاحِظْ جَمِيعَ الأَثمارِ الَّتي تُجَمِّلُ وَجْهَ الأَرضِ حيثُ تَبدُو هذه الحَقِيقةُ فيها على أَحسَنِ وَجْهٍ.
ونَرَى أيضًاوَفْرةً وغَزارةً مُطلَقةًفي إيجادِ الأَشياءِ: فبَينَما تَقتَضِي الكَثْرةُ أن تكُونَ الأَشياءُ تَبَديّ ومُبتَذَلةً بل قَبِيحةً، إذا بِنا نُشاهِدُها في إتقانٍ رائِعٍ، وصَنْعةٍ بَدِيعةٍ وجَمالٍ أخَّاذٍ.. انظُرْ وتَأَمَّلْ في جَمِيعِ الأَزهارِ الَّتي تُرَصِّعُ وَجْهَ الأَرضِ،ها (الَبدُو ذلك فيها تَمامًا!
ونَرَى أَيضًاسُهُولةً مُطلَقةًتَبدُو في إيجادِ الأَشياءِ: فبَينَما تَقتَضِي السُّهُولةُ أن تكُونَ الأَشياءُ بَسِيطةً ومُفتَقِرةً إلى الإتقانِ والمَهارةِ، إذا بِنا نُشاهِدُها في كَمالِ الإبداًا علَوْعةِ المَهارةِ.. شاهِدِ البُذُورَ وأَمعِنِ النَّظَرَ في النُّوَى، تلك العُلَبِ الدَّقِيقةِ الحامِلةِ في مادّةِ تَركِيبِها فَهارِسَ أَجهِزةِ الشَّجَرِه، وعائِطَ أَجسامِ النَّباتِ.
— 244 —
ونَرَى أَيضًابُعْدًا مُطلَقًايَفصِلُ بينَ أَزمِنةِ وأَمكِنةِ إيجادِ الأَشياءِ: فبَينَما تَقتَضِي هذه الأَبعادُ المَهُولةُ أدُ بَدتِيَ الأَشياءُ مُختَلِفةً ومُتَبايِنةً، إذا بِنا نُشاهِدُها في اتِّفاقٍ تامٍّ في الصِّفاتِ والخَواصِّ.. شاهِدْ أَنواعَ الحُبُوبِ المَزرُوعةِ في أَقطارِ ا المُ كافّةً رَغمَ البُعدِ الزَّمانِيِّ والمَكانِيِّ الَّذي يَفصِلُ بينَها.
ونَرَى أَيضًااختِلاطًا مُطلَقًا وتَشابُكًا مَتِينًافي إيجادِ الأَشياءِ: فبَينَما يَقتَضِي هذا الِاخت أنَّ تَداخُلَ المَوادِّ بعضِها في البعضِ الآخَرِ وتَشابُكَها، إذا بنا نُشاهِدُها في تَمايُزٍ كامِلٍ، وتَخَصُّصٍ مُنتَظِمٍ.. شَاهِدِ البُذُورَ المَنثُورةَ المَدفُونةَ تحتَ سْطًا ابِ، وأَمعِنِ النَّظَرَ في تَمايُزِها في أَثناءِ نُمُوِّها وتَسَنبُلِها، رَغمَ تَشابُهِ تَراكِيبِها؛ وتَأَمَّلْ في المَوادِّ المُختَلِفةِ الدّاخِلةِ في بُنيةِ الأَشجارِ، وتَحَوُّلِها إلى مُختَلِفِ الأَشكالِ مِنَ الأَوراقِ الرَّقيقةِ، ولرَّحِارِ الزّاهِيةِ، والثِّمارِ اللَّطِيفةِ؛ وتَأَمَّلْ في أَنواعِ الطَّعامِ والأَغذِيةِ المُختَلِفةِ الدّاخِلةِ في المَعِدةِ، وتَمايُزِ بعضِها عنِ البعضِ، ودُخُولِ كلٍّ مِنها إلى العُضْوِ الَّذي يُناسِبُها، بل إلى الحُجَيرةِ الَّتي تُلائِمُها بتُمانُ ٍ واضِحٍ.. شَاهِدْ آثارَ القُدرةِ المُطلَقةِ، مِن خِلالِ الحِكْمةِ المُطلَقةِ.
ونَرَى أَيضًاوَفْرةً مُتَناهِيةًفي الأَشياءِ،وكَثْرةً كاثِرةًمِن أَنواعِها وأَشكالِها: فبَينَما تَقتَضِي هذه الَحْدَهُ أن تكُونَ الأَشياءُ رَخِيصةً بَسِيطةً، إذا بنا نُشاهِدُها في غايةِ النَّفاسةِ ومُنتَهَى الجَودةِ.. شَاهِدِ الآثارَ البَدِيعةَ المُعَدَّةَ لِمائِدةِ الأَرضِ، وأَمعِنِ النَّظَرَ في ثَمَهِيجِاحِدةٍ یی ولْتَكُنْ ثَمَرةَ التُّوتِ مَثلًا یی ألا تُمَثِّلُ هذه الثَّمَرةُ نَمُوذجًا رائِعًا لِحَلْوَى مَصنُوعةٍ بِيَدِ القُدرةِ الإلٰهِيّةِ؟ شاهِدْ كَمالَ الرَّحمة الرِّ ثَنايا كَمالِ الإبداعِ.
وهكذا نُشاهِدُ على وَجهِ الأَرض جَمِيعِه جَودةً ونَفاسةً في المَصنُوعاتِ رَغمَ وَفْرَتِها غيرِ المُتَناهِيةِ.. ونَرَى ضِمنَ هذه الوَفْرةِ تَمَيُّزًا للمَوجُوداتِ رَغمالِ اِلاطِها وتَشابُكِها.. ونَجِدُ في هذا الِاختِلاطِ والتَّشابُكِ اتِّفاقًا وتَشابُهًا في المَوجُوداتِ رَغمَ البُعدِ فيما بَينَها.. ونُبصِرُ مِن ثَنايا هذا التَّوافُقِ جَمالًا رائِعًا في المَوجُوداتِ ورِعايةً بالِغةً بها رَغهلةً وُّهُولةِ المُتَناهِيةِ في إيجادِها.. ونَلمَحُ ضِمنَ هذه الرِّعايةِ التّامّةِ تَقدِيرًا دَقِيقًا بلا إسرافٍ ومُوازَنةً حسَّاسةً رَغمَ السُّرعةِ في إيجادِها.. ونُلاحِظُداهةً هذا التَّقدِيرِ
— 245 —
والمُوازَنةِ وعَدَمِ الإسرافِ إبداعًا في الصَّنْعةِ ورَوْعةً فيها رَغمَ كَثْرَتِها المُتَناهِيةِ.. ونُشاهِدُ ضِمنَ هذه الرَّوعةِ سؤُولَُّنعةِ انتِظامًا بَدِيعًا رَغمَ السَّخاءِ المُطلَقِ في إيجادِها..
فإذا تَأَمَّلْنا في هذه الأُمُورِ كلِّها، نَراها تَدُلُّ دَلالةً واضِحةً أَوضَحَ مِن دَلالةِ النَّهارِ على الضِّياءِ، وأَسطَعَ مِن دَلالةِ الض شَيئً على الشَّمسِ؛ على وُجُوبِ وُجُودِ قَدِيرٍ ذِي جَلالٍ، وحَكِيمٍ ذِي كَمالٍ، ورَحِيمٍ ذِي جَمالٍ، وتَشهَدُ على وَحدانيَّتِه وأَحَدِيَّتِه وكَمالِ قُدرَتِه وجَمالِ رُبُوبيَّتِه، وتُبيِّنُ بجَلاءٍ سِرًّا ووَظاَسرارِ الآيةِ الكَرِيمةِ: لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى
وبعدُ، فيا أيُّها الغافِلُ العَنِيدُ، ويا أيُّها الجاهِلُ المِسكِينُ.. بماذا تُفَسِّرُ هذه الحَقِيقةَ العُظمَى الَّتي تَراها رَأْيَ العَينِ؟ وبماذا تُوضِّلِلتَّ الأَوضاعَ الخارِقةَ المَعرُوضةَ أَمامَك؟ وإلى مَن تُسنِدُ أَمرَ هذه المَصنُوعاتِ البَدِيعةِ العَجِيبةِ؟ وبأَيِّ سِتارٍ مِن سَتائِرِ الغَفلةِ يُمكِنُك أن تَستُرَ هذه النّافِذةَ ال معَ تَ سَعةَ الأَرضِ نَفسِها؟!
أين المُصادَفةُ الَّتي تَعتَقِدُ بها والطَّبِيعةُ الَّتي تَعتَمِدُ علَيها وهي بلا شُعُورٍ؟ بل أينَ أَوهامُ الضَّلالةِ الَّتي تَستَنِدُ إلَيها، وتُلازِمُها وتُرافِقُها وتُصادِقُها؟! أين جَمِيعُها أمامَ ِيّةِ حَقائقِ المُحَيِّرةِ والأَحوالِ البَدِيعةِ المُذهِلةِ؟ أليس مُحالًا في مِئةِ مُحالٍ أن تَدخُلَ المُصادَفةُ في أمثالِ هذه الأُمُورِ؟ أوَلَيس مُحالًا في أَلفِ مُوبيَّتن يُسنَدَ واحِدٌ مِن هذه الأُمُورِ إلى الطَّبِيعةِ، ناهِيك عن جَمِيعِها؟! أم أنَّك تَعتَقِدُ في الطَّبِيعةِ الجامِدةِ العاجِزةِ إمكانَ امتِلاكِها لَمَكائِنَ مَعنَوِيّةٍ في كلِّ شَيءٍ؟ وبعَدَدِ الأظُّلمِ كُلِّها؟ فيا لَلضَّلالةِ!

* * *

— 246 —
الحجّة الإيمانية الثامنة
(المناجاة)
إنَّ هذه الحُجّةَ الإِيمانيّةَ الثّامِنةَ؛ إذ تَشهَدُ على وُجُوبِ وُجُودِهِ سُبحانَه وعلى وَحْدانيَّتِه، فهِي تَشهَدُ على شِّرُ ِ رُبُوبِيَّتِه، وعَظَمةِ قُدْرَتِه بِدَلائلَ قاطِعةٍ، وتُثبِتُ أَيضًا إِحاطةَ حاكِمِيَّتِه، وتَدُلُّ على شُمُولِ رَحْمَتِه، كما تُثبِتُ إِحاطةَ حِكْمَتِه، وشُمُولَ عِلمِه جَمِيعَ أَجزاءِ الكَونِ.
والخُلاصةُ:أَنَّ لِكُلِّحاكِميِمةٍ مِن هذه الحُجَّةِ الإِيمانيّةِ الثّامِنةِ ثمَانِيَ نَتائِجَ، وهِي تُثبِتُ في كُلِّ مُقدِّمةٍ مِنَ المُقدِّماتِ الثَّمانِيةِ، النَّتائِجَ الثَّمانِيةَمَ السائِلِها؛ لِذا أَصبَحَت لِهَذِه الحُجّةِ الإِيمانيّةِ الثّامِنةِ مَزايا راقِيةٌ وخَصائِصُ سامِيةٌ.
إنَّ رِسالةَ "المُناجاةِ" تُثبِتُ وُجُوبَ الوُ لِإنك والوَحْدةَ والأَحَدِيّةَ، وجَلالَ الرُّبُوبِيّةِ، وعَظَمةِ القُدْرةِ، وسَعَةَ الرَّحمةِ، وعُمُومِيَّةَ الحاكِمِيَّةِ، وإِحاطةَ العِلمِ، وشُمُولَ الحِكْمةِ.. وأَمثالَها مِنَ الأُسُسِ الإِيمانيّةِ، تُثبِتُها بأُالِ.. مُوجَزٍ خارِقٍ وبِقَطْعِيَّةٍ فَوقَ العادةِ وبخالِصِيّةٍ ويَقِينيّةٍ.. وإِنَّ إِشاراتِها إلى الحَشرِ قَوِيَّةٌ جِدًّا وبِخاصَّةٍ الَّتي في خِتامِها".
سَعِيدٌ النُّورْسِيُّ

* * *

— 247 —
بِسومُوَظلَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَُلكِك نْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعمةَ حَنَ
يا إِلٰهِي ويا رَبِّي..
إِنِّي أَرَى بِبَصِيرةِ الإِيمانِ، وبِتَعلِيمِ القُرآنِ ونُورِه، وبِدَرسِ الرَّسُولِ الأَكرَمِ (ص)، وبِما يُرِيه اسمُ اللهِ"المُدَّعُ"أنَّه:
لَيسَ في السَّماواتِ مِن دَوَرانٍ وحَرَكةٍ إِلّا ويُشِيرُ إلى وُجُودِك ويَدُلُّ علَيْه، بِانتِظامِه البَدِيعِ هذا.. وما مِن جِر المَونَ الأَجرامِ السَّماوِيّةِ إِلّا ويَشهَدُ شَهادةً على رُبُوبِيَّتِكَ ويُشِيرُ إِشارةً إلى وَحْدَتِكَ، بِسُكُونِها في أَداءِ وَظِيفَتِها بِلا ضَوْضاءٍ، وبِبَقائِها بِلا عَمَدٍ.. وما ِّحُ هجْمٍ إِلّا ويَشهَدُ على عَظَمةِ أُلُوهِيَّتِكَ، ويُشِيرُ إلى وَحْدانِيَّتِكَ، بخِلقَتِه المَوزُونةِ وبِوَضْعِه المُنتَظِمِ وبِتَبَسُّمِه النُّورانِيِّ، وبِمُمَاثَلَتِه ومُشابَهَتِه لِلنُّجُومِ كافّةً.. وما مِن كَوكَبٍ سَيَّارَّوحِي الكَواكِبِ الِاثْنَيْ عَشَرَ إِلّا ويَشهَدُ على وُجُوبِ وُجُودِك، ويُشِيرُ إِلى سَلْطَنةِ أُلُوهِيَّتِك، بِحَرَكَتِه الحَكِيمةِ وتَذَلُّلِه المُطِيعِ ووَِئةً وِه المُنتَظِمةِ وتَوابِعِه المُهِمّةِ.
نعم، مِثْلَما تَشهَدُ السَّماواتُ مع ساكِنِيها، وكُلُّ سَماءٍ بِحَدِّ ذاتِها، فإِنَّ جَمِيعَها مَعًا تَشهَدُ بالبَداهةِ شَهادةً ظاهِرةً جَلِيَّةً على وُجُوبِ وُجُودِك يا خا كالبِلسَّماواتِ والأَرضِ، وتَشهَدُ شَهادةً قَوِيّةً صادِقةً على وَحْدَتِك وفَردِيَّتِك، يا مَن تُدِيرُ الذَّرّاتِ بمُرَكَّباتِها المُنَظَّمةِ وتُدَبِّرُها، ويا مَن تُجرِي الكَواكِبَ السَّيّارةَ معَ تَوابِاتٍ.. لمُنَظَّمةِ وتُسَخِّرُها لِطاعَتِك.. شَهادةً ظاهِرةً قَوِيّةً تُصَدِّقُها بَراهِينُ نُورانِيَّةٌ، ودَلائِلُ باهِرةٌ، عَدَدَ النُّجُومِ الَّتي في وَجهِ السَّماءِ.
— 248 —
فهَذِه السَّماواتُ الصَّافِيةُ الطّاهِرةُ الجَملِّ كُتَدُلُّ دَلالةً ظاهِرةً على هَيْبةِ رُبُوبِيَّتِك وعَظَمةِ قُدرَتِك المُبدِعةِ؛ وتُشِيرُ إِشارةً قَوِيّةً إلى سَعةِ حاكِمِيَّتِك المُحِيطةِ بالسَّماواتِ الشَّاسِعةِ23
رَحْمَتِك الواسِعةِ المُحتَضِنةِ لِكُلِّ ذِي حَياةٍ؛ وتَشهَدُ بلا رَيبٍ على شُمُولِ حِكْمَتِك لِكُلِّ فِعلٍ وعلى إِحاطةِ عِلْمِك بكُلِّ شَيءٍ، المُنَظِّمانِ في قَبضَتِهِما جَمِيع الرَّونِ جَمِيعِ المَخلُوقاتِ السَّماوِيّةِ وكَيفِيّاتِها، بِأَجْرامِها الَّتي هي في غايةِ الضَّخامةِ وفي غايةِ السُّرعةِ، وبِإِظهارِها أَوْضاعَ جَيشٍ مُنَظَّمٍ ومَِّمسِ ٍ مَهِيبٍ مُزَيَّنٍ بِمَصابِيحَ وَضَّاءةٍ.. فتِلكُما الشَّهادةُ والدَّلالةُ ظاهِرَتانِ جَلِيَّتانِ كأَنَّ النُّجُومَ كَلِماتُ شَهادةٍ لِلسَّماواتِ الشّاهِدةِ َظاهِرِلُها المُتَجَسِّمةُ النُّورانِيّةُ.. أمّا النُّجُومُ السّابِحةُ في بَحرِ السَّماواتِ وفي فَضائِها، فإِنَّها تُظهِرُ شَعْشَعةَ سُلطانِ أُلُوهِيَّتِك، بِأَوْضاعِها المُماثِلةِ لِجُنُودٍ مُنْصاعِينَ وسُفُنٍ مُنتَظِمةٍ وطائِراتٍ خارِقةٍ ولَّ وعيحَ عَجِيبةٍ، ورَفِيقاتُ شَمْسِنا الَّتي هِي نَجْمةٌ مِن ذلك الجَيشِ تَرنُو إلى عَوالِمِ الآخِرةِ، ولَيسَت مُعَطَّلةً، بِدَلالةِ وَظائِفِ الشَّمسِ في سَيّاراتِها وفي أَرضِنا، ولَرُبَّما هِي شُمُوسُ عَوالِمَ باقِيةٍ.
يا واجِبَ الوُجُوأَمَّل واحِدُ، يا أَحَدُ..

إِنَّ هذه النُّجُومَ الخارِقةَ وهذه الشُّمُوسَ الضَّخْمةَ والأَقمارَ العَجِيبةَ قد سُخِّرَت ونُظِّمَت ووُظِّفَت في مُلكِكَ أَنتَ، وفي سَماواتِكَ أَنتَ، بِأَمرِكَ أَنتَ، وبِقُوَّتِكَ وبِقُدرَتِكَ أَنتَ، وبِإِدارَتِكَ ٍ خاصّيرِكَ أَنتَ.. فجَمِيعُ تلك الأَجرامِ العُلوِيّةِ تُسَبِّحُ وتُكَبِّرُ لِلخالِقِ الواحِدِ الَّذِي خَلَقَها ويُجرِيها ويُدِيرُها، وتَقُولُ بِلِسانِ الحالِ: سُبْحَانَ اللهِ.. اللهُ أَكبَرُ. وأَنا مَعَها أُقَدِّسُك بِجَمِيعِ تَسبِيحاتِ68x

لَّتي اختفى بشدَّة الظُهور! يا من احتجبَ بعَظمة الكِبرياء! يا قديرُ يا ذا الجلال!
يا قادرُ يا ذا القُدرةِ المُطلَقةِ!
لَقَد أَدرَكتُ بِدَرسِ قُرآنِك الحَكِيمِ وبِتَعلِيمِ الرَّسُولِ الُون خَِ (ص) أنَّه: مِثلَما تَشْهَدُ السَّماواتُ والنُّجُومُ على وُجُودِك وعلى وَحْدَتِك، يَشهَدُ جَوُّ السَّماءِ كَذلِك على وُجُوبِ وُجُودِك ووَحْدَتِك بِسَحابِه وبُرُوقِه ورُعُودِه ورِياحِه وأَمطارنَّ ال49
نعم، إِنَّ إِرسالَ السَّحابِ الجامِدِ بِلا شُعُورٍ المَطَرَ الباعِثَ لِلحَياةِ، إِغاثةً لِلمُضطَرِّينَ مِنَ الأَحياءِ، لَيسَ إلّا بِرَحمَتِك وحِكْمَتِك أَنتَ، فلا دَخْلَ فيه لِلمُصادَفةِ العَشْواءِ قَطُّ.
وكه ويَعبَرقُ الَّذي هو طاقةٌ كَهرَبائِيّةٌ عُظمَى، يُشَوِّقُ بِسَناه إلى فَوائِدِه النُّورانِيّةِ، ويُنَوِّرُ قُدرَتَك الفاعِلةَ في الفَضَاءِ على أَفضَلِ وَجْهٍ.
وكَذا الرَّعدُ المُبَشِّرُ بِقُدُومِ المَطَرِ، والَّذِي يُنطِقُ الفَضَاءَ الواسِعة بِتَسبِيحاتِه، فيُدَوِّي في أَرجاءِ السَّماواتِ، يُسَبِّحُك ويُقَدِّسُك ويَشهَدُ بِلِسانِ المَقالِ على رُبُوبِيَّتِك.
وكَذا الرِّياحُ المُسَخَّرةُ بِوَظائِفَ عِدّةٍ كحَمْلِ أَكثَرِ الأَرزاقِ ضَرُورةً لِمَعِلأَرضِلأَحياءِ وأَسهَلِها تَناوُلًا وفائِدةً، ومَنحِ الأَنفاسِ وتَروِيحِ الأَنفُسِ، وغَيرُها كَثِيرٌ یی تُشِيرُ إلى فَعَّاليّةِ قُدرَتِك أَنتَ، وتَشهَدُ شَهادةً على وُجُودِك، بِتَبدِيلِها الجَوَّ ییائذِ امةٍ یی كأَنَّه "لَوحُ المَحْوِ والإِثباتِ"، فتَكتُبُ ما يُفِيدُ وتَمحُو ما أَفادَ.. كما أنَّ "الرَّحمةَ" المُسَتَدَرَّةَ بِرَحمَتِك مِنَ السَّحابِ والمُرسَلةَ إِلى الأَحياك أَحسهَدُ هي أَيضًا على سَعَةِ رَحمَتِك، ووُسْعةِ رَأْفَتِك، بِكَلِماتِ قَطَراتِها العَذْبةِ اللَّطِيفةِ المَوزُونةِ المُنتَظِمةِ.
يا مُصَقد عَبيا فَعَّالُ.. يا فَيَّاضُ يا مُتعَالُ..
مِثلَما شَهِد السَّحَابُ والبَرقُ والرَّعدُ والرِّياحُ والمَطَرُ یی كُلٌّ على حِدَةٍ یی على وُجُوبِ ويا منك، فإِنَّ جَمِيعَها مَعًا تُشِيرُ إِشارةً قَوِيَّةً جِدًّا إلى وَحْدَتِك، وإِلى فَرْدِيَّتِكَ؛ بِخَاصِّيّةِ الِاتِّفاقِ والمَعِيَّةِ والتَّداخُلِ وشَدِّ بَعضعن سُؤزْرَ البَعضِ، رَغْمَ البُعدِ في النَّوعِيَّةِ والِاختِلافِ في الماهِيَّةِ.
ومِثلَما تَشهَدُ تلك العَناصِرُ الجَوِّيّةُ على جَلالِ رُبُوبِيَّتِك الجاعِلةِ مِنَ الفَضاءِ الفَسِيحِ مَحي قَلب لِلعَجائِبِ، بِمَلْئِه وإِفراغِه مَرَّاتٍ عِدَّةً ورُبَّما في اليَومِ الواحِدِ، فإِنَّها تَشهَدُ على عَظَمةِ قُدرَتِك المُصَرِّفةِ وشُمُولِها كُلَّ شَيءٍ، والَّتي تَكتُبُ ذلكٍ مِنََّ الواسِعُ وتُبَدِّلُه كأنَّهُ "لَوْحةُ كِتابةٍ"، وتَعصِرُ المُعصَراتِ لِتَسْقِيَ رَوْضةَ الأَرضِ ماءً غَدَقًا.. فَضْلًا عن دَلالَتِها على السَّعةِ المُطلَقةِ لِرَحْمَتِك ولِحاكِمِيَّتِكَ ونُفُوذِهِما في كُلِّ شَيءٍ، وتَدوِيرِهِما كُرةَ الأَرظهَرُ ّةً والمَخلُوقاتِ كافّةً تَحتَ غِطاءِ الجَوِّ.
— 250 —
وكَذا الهَواءُ المُنبَثُّ في الفَضاءِ يُستَخدَمُ في وَظائِفَ عِدّةٍ استِخْدامًا حَكِيمًا، والغُيُومُ والأَم ومَداُستَعمَلانِ في فَوائِدَ جَمّةٍ استِعمالًا عَلِيمًا.. بِحَيثُ لَوْلا عِلمٌ مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيءٍ وحِكْمةٌ شامِلةٌ كُلَّ شَيءٍ، لَمَا أَمكَنَ أن يَكُونَ ذلك الِاستِعمالُ ولا ذلك الِاستِخدامُ.
يا فَعَّوَرِ لِمَا يُرِيدُ..
إِنَّ إِظهارَ نَمُوذَجِ الحَشرِ والقِيامةِ كُلَّ وَقتٍ بِفَعَّالِيَّتِكَ في جَوِّ الفَضاءِ، وتَبدِيلَ الصَّيفِ إِلى شِتاءٍ والشِّتاءِ إلى صَيفٍ خِلالَ سَاُعجِزاإِتيانَ عالَمٍ وإِرسالَ آخَرَ إِلى الغَيبِ وأَمثالَها مِن شُؤُونِ قُدْرَتِك المُتَجَلِّيةِ.. تُشِيرُ إِلى تَبدِيلِها الدُّنيا إلى آخِرةٍ، وستُظهِرُ شُؤُونًا سَرمَدأخُذُ في الآخِرةِ.
يا قَدِيرُ يا ذا الجَلالِ..
إِنَّ الهَواءَ والرِّياحَ والسَّحابَ والمَطَرَ والبَرْقَ والرَّعدَ في جَوِّ السَّماءِ لَمُسَخّوا تلكُلُّها ومُوَظَّفةٌ في مُلكِكَ أَنتَ، وبِأَمْرِك وحَوْلَك أَنتَ، وبِقُوَّتِكَ وقُدْرَتِك أَنتَ.. فمَخلُوقاتُ هذا الفَضاءِ رَغمَ البُعدِ في ماهِيَّاتِها تُسََملَأُبِحَمْدِ آمِرِها وتُثْنِي على حاكِمِها الَّذِي يُخضِعُها لِأَوامِرَ آنِيَّةٍ في مُنتَهَى السُّرعةِ، ولِتَوجِيهاتٍ عاجِلةٍ سَرِيعةٍ.
يا خالِقَ الأَرضِ والسَِّيعًا .. يا ذا الجَلالِ..
لَقَد آمَنتُ وعَلِمتُ بِتَعلِيمِ قُرآنِك الحَكِيمِ وبِدَرسِ الرَّسُولِ الأَكرَمِ (ص) أنَّه: مِثلَما السَّماواتُ بِنُجُومِهخَوارِوُّ الفَضاءِ بِما فيه، تَشهَدُ على وُجُوبِ وُجُودِك ووَحْدانِيَّتِك.. كَذلِك الأَرضُ بِجَمِيعِ مَخلُوقاتِها، وبِأَحوالِها، تَشهَدُ شَهاداتٍ وتُشِيرُ إِشاراتٍ، عَدَدَ مَوجُوداتِها، على وُجُودِك وعلى وَحْدَتِك.
نعم، فما مِن تَحَوُّلٍ في اَرْدِ ، ولا مِن تَبَدُّلٍ فيها یی كتَبدِيلِ الأَشجارِ والحَيَواناتِ مَلابِسَها سَنَوِيًّا یی كُلِّيًّا كانَ أم جُزئِيًّا، إِلّا ويُشِيرُ بِانتِظامِه وتَاكِ اله، إِلى وُجُودِك ووَحْدَتِكَ.
— 251 —
وما مِن حَيَوانٍ إِلّا ويَشهَدُ شَهادةً على وُجُودِكَ ووَحْدَتِك، بِالرِّزقِ الَّذِي يُساقُ إِلَيْه بِرَحْمةٍ، وبِأَجهِزَتِه الضَّرُورِيّةِ لِ وفيه ه والمُودَعةِ فيه بِحِكْمةٍ، كُلٌّ حَسَبَ ضَعْفِه واحتِياجِهِ.
وما مِن نَباتٍ أو حَيَوانٍ يَتِمُّ إِيجادُه أَمامَ ناظِرَيْنا في كُلِّ رَبِيعٍ،لجَزِي ويُعَرِّفُك، بِصَنْعَتِه العَجِيبةِ وبِزِينَتِه اللَّطِيفةِ وبتَمَيُّزِه التّامِّ وبِانتِظامِه وبِمَوزُونيَّتِه.. فخَلقُ ما يَمْلَأُ وَجْهَ الأَرضِ مِن مُعجِزاتِ قُدرَتِك المُسَمّاةِ بِالنَّباتاتِ والحَيَواناتِ، مِن بُيُوضٍ وِين أَضاتٍ وقَطَراتٍ ونُطَفٍ وحُبُوبٍ وحُبَيْباتٍ، رَغمَ أنَّ مادَّتَها مَحدُودةٌ وواحِدةٌ ومُتَشابِهةٌ، خَلْقًا كامِلًا سَوِيًّا ومُزَيَّنًا بِزِينةٍ، ومُتَمَيِّزًا بعَلَاماتٍ فارِقةٍ.. شَه) ٢َقوَى مِن شَهادةِ الضِّياءِ على الشَّمسِ وأَسطَعُ مِنها على وُجُودِ صانِعِها الحَكِيمِ، وعلى وَحْدَتِه وحِكْمَتِه وقُدْرَتِه المُطلَقةِ.
وما مِن عُنصُرٍ كالهَواءِ والماءِ والنُّورِ والنّارِ والتُّرابِ إِلّا ويَمْلِكُ شَهادةً على وَحْدَتِكَ اتِ هذُجُودِك، بِأَدائِها لِوَظائِفَ مُكَمَّلةٍ بِشُعُورٍ بالِغٍ، رَغمَ خُلُوِّها مِنَ الشُّعُورِ، وبِجَلْبِها لِأَثْمارٍ ومَحاصِيلَ مُتَنوِّعةٍ في غايةِ الِانتِظامِ مِن خَزِينةِ الغَيبِ، رَغمَ بَساطَتِها وتَجاُحاسَبَعضِها لِلبَعضِ الآخَرِ وعَدَمِ انتِظامِها وتَشَتُّتِها في كُلِّ مَكانٍ.
يا فاطِرُ يا قَدِيرُ يا فَتَّاحُ يا عَلَّامُ يا فَعَّالُ ياوهي تَاقُ..
كما أَنَّ الأَرضَ تَشهَدُ بِجَمِيعِ ساكِنِيها على كَونِ خالِقِها واجِبًا لِلوُجُودِ، فهِي تَشهَدُ كَذلِك على وَحْدَتِك وعلى أَحَدِيَّتِك یی يا واحِدُ يا أَحَدُ يا حَنَّانُ يا مَنَّانُ يا وَهَّابنَوِيَّزَّاقُ یی بِسِكَّتِها الَّتي على وَجْهِها، وبِالسِّكَكِ الَّتي على وُجُوهِ ساكِنِيها، وبِجِهةِ الوَحْدةِ والِاتِّفاقِ والتَّداخُلِ والتَّعاوُنِ فيما بَينَها، ووَحْدةِ أَسماءِ الرُّبُوبيّةِ وأَفعالِها النّاظِرةِ إِلَيَ؟ أَتمِيعًا.. فتَشهَدُ شَهاداتٍ یی بِدَرَجةِ البَداهةِ بل بعَدَدِ المَوجُوداتِ یی على وَحْدَتِك وعلى أَحَدِيَّتِك.
وكَذا فكَما تَدُلُّ الأَرضُ بِوَضْعِها المُشابِهِ لِمُعَسكَرٍ ومَعرِضٍ ومَيدانِ تَدرِيبٍ، وبِمَنحِ أَجهِزةٍ مُختَلِزِها عتَنوِّعةٍ بِانتِظامٍ إلى أَربَعِ مِئةِ أَلفٍ مِنَ الأُمَمِ المُختَلِفةِ الَّتي
— 252 —
تَضُمُّها فِرقةُ النَّباتاتِ والحَيَواناتِ، على جَلالِ رُبُوبِيَّتِك، وعلى نَدِ، هوُدْرَتِك في كُلِّ شَيءٍ.. كَذلِك الأَرزاقُ المُتَنوِّعةُ لِأَحياءٍ غَيرِ مَحْدُودةٍ، والنَّاشِئةُ مِن تُرابٍ يابِسٍ بَسِيطٍ، وإِرسالُها بِكُلِّ كَرَمٍ ورَحْمةٍ إلى كُلِّ حَيٍّ فَرْدًا فَرْدًا في أَوانِهاَه لم ِيادُ تلك الأَفرادِ غَيرِ المَحدُودةِ وإِطاعَتُها إِطاعةً تامّةً لِلأَوامِرِ الرَّبّانيّةِ ودَينُونَتُها التّامّةُ لَها، تُظهِرُ شُمُولَ رَحْمَتِك كُلّانَه، ٍ وإِحاطةَ حَاكِمِيَّتِك بِكُلِّ شَيءٍ.
وكذا فإِنَّ إِدارةَ قَوافِلِ المَخلُوقاتِ المُعَرَّضةِ دَوْمًا لِلتَّغَيُّرِ والتَّبدُّلِ في الأَرضِ، وسَوْقَها ومُناوَبَتَها بِالمَوتِ والحَياةِ.. وإِدارةَ وتَدبِيرَ الحَيَواناتِاءِ واَباتاتِ الَّتي لا يُمكِنُ أن تَتِمَّ إِلّا بِعِلمٍ يَتَعَلَّقُ بِكُلِّ شَيءٍ، وبحِكْمةٍ غَيرِ مُتَناهِيةٍ تَتَحَكَّمُ في كُلِّ شَيءٍ.. تَدُلُّ على إِحاطةِ عِلمِك وحِكْمَتِك.
وكذا فإِنَّ هذه الأَهَمِّيّةَ العُظمَى، وهذا إنَّ ْلَ والصَّرفَ غَيرَ المَحدُودِ، وهذه التَّجَلِّياتِ الرَّبّانيّةَ المُطلَقةَ، وهذه الخِطاباتِ السُّبحانيّةَ غَيرَ المَحدُودةِ، وهذه الإِحساناتِ الإِلٰهِيّةَ غَيرَ المُتَناهِيةِ لِهذا الإِنسانِ الَّذي يَتَصرَّفُ في مَوجُودِلاطُ أَرضِ وهُو المُكَلَّفُ بِوَظائِفَ غَيرِ مَحدُودةٍ في مُدّةٍ قَصِيرةٍ والمُزَوَّدُ باستِعداداتٍ وأَجهِزةٍ مَعنَوِيّةٍ تُهَيِّئُه لِمَعِيشةٍ مَدِيدةٍ في زَمَنٍ غَيرِ مَحدُودٍ.. لا مَحالةَ أنَّها لا تَنحَصِرُ في مَدرَ والنّدُّنيا هذه، وفي ثُكْنةِ الأَرضِ المُؤَقَّتةِ هذه، وفي مَعرِضِ العالَمِ المُؤَقَّتِ هذا، ولا تَنحَصِرُ في هذا العُمُرِ القَصِيرِ الحَزِينِ المُكَدَّرِ، ولا في هذه الحَياةِ العَكِرةِ المُنَغِّصةِ، ولا في هذا العالَمُ والأانِي المَلِيءِ بالبَلايا والنَّوائِبِ. بل كُلُّ ذلك يُشِيرُ بِلا شَكٍّ إلى عُمُرٍ آخَرَ أَبدِيٍّ وسَعادةٍ باقِيةٍ خالِدةٍ، ويُشِيرُ إِلى إِحساناتٍ أُخرَوِيّةٍ في عالَمِ البَقاءِ،لأَقصَشهَدُ علَيْها.
فيا خالِقَ كُلِّ شَيءٍ..
إِنَّ جَمِيعَ مَخلُوقاتِ الأَرضِ تُدارُ مُسَخَّرةً في مُلكِكَ أَنتَ، وفي أَرضِك أَنتَ، وبِحَوْلِك وقُوَّتِك أَنتَ، وبِقُدْرَتِك وإِرادَتِك أَنتَ، وبِعِلمِك وحِكْمَتِك َصائبِ
— 253 —
وإِنَّ رُبُوبِيّةً تُشاهَدُ فَعّالِيَّتُها على وَجْهِ الأَرضِ لَتُبدِي إِحاطةً وشُمُولًا، لِأنَّ إِدارَتَها وتَدبِيرَها وتَربِيَتَها هِي مِنَ الحَساسِيّةِ في غايةِ الكَمالِ.. وإِنَّ إِجراءاتِها المُنتَشِرةَ في كُلِّ جِهةٍ هِي في وَِ بی"اومَعِيّةٍ ومُشابَهةٍ.. بِحَيثُ تُعلَمُ أنَّها رُبُوبِيّةٌ كُلِّيّةٌ وتَصَرُّفٌ كُلِّيٌّ لا تَقبَلُ تَجزِئةً قَطُّ؛ وهِيَ في حُكمٍ كُلِّيٍّ لا يُمكِنُ انقِسامُه قَطالحَدُِسَبِّحُ الأَرضُ بِجَمِيعِ ساكِنِيها وتُقَدِّسُ خالِقَها بِأَلسِنةٍ غَيرِ مَحدُودةٍ فَصِيحةٍ أَبْيَنَ مِن لِسانِ المَقالِ، فتَحْمَدُ رَزَّاقَها الجَلِيلَ وتُثلفَوائلَيْه بِأَلسِنةِ أَحوالٍ بِعَدَدِ نِعَمِه الَّتي لا تُعَدُّ ولا تُحصَى.
سُبحانَك يا مَنِ اختَفَى بِشِدّةِ الظُّهُورِ.. سُبحانَكَ يا مَنِ احتَجَبَ بِعَظَمةِ الكِبْرِياءِ..
إِنِّي أُقدِّسُكَ وأُسَبِّحُكَ بِجَمِيعِ نسِ الساتِ الأَرضِ وتَسبِيحاتِها مِنَ القُصُورِ والعَجْزِ والشَّرِيكِ، وإِنِّي أَحمَدُك وأُثْنِي علَيْك بِجَمِيعِ تَحْمِيداتِ الأَرضِ وأَثْنِا ذلك علَيْك.
يا رَبَّ البَرِّ والبَحرِ..
لَقَد تَعَلَّمتُ بِدَرسِ القُرآنِ وبِتَعلِيمِ الرَّسُولِ الأَكرَمِ (ص) أنَّه: مِثلَما السَّماواتُ والفَضاءُ والأَرضُ تَشهَدُ على وَحْدانيَّتِك وعلى وُجُودِك، فالبِحارُ والأَنهارُ َحارَىاوِلُ والعُيُونُ أَيضًا تَشهَدُ شَهادةً یی بِدَرَجةِ البَداهةِ یی على وُجُوبِ وُجُودِك وعلى وَحْدَتِك.
نعم، فما مِن مَوجُودٍ بل ما مِن قَطْرةِ ماءٍ في بِحارِ دُنيانا هذه وهِي مَنبَعُ العَجائِبِ یی كأَنَّها مَراجِلُ بُخارٍ یی إن وَجَُعَرِّفُ خالِقَها: بِوُجُودِها وبِانتِظامِها وبِمَنافِعِها وبِحالِها.
وما مِن مَخلُوقٍ مِنَ المَخلُوقاتِ الغَرِيبةِ الَّتي تُرسَلُ إِلَيْها أَرزاقُها إِرسالًا كامِلًا في رَملٍ بَسِيطٍ وماءٍ بَسِيطٍ، ولا حَيَوانٍ مِنَ الحَيَواناتِ البَحَ مِنه الَّتي هي في غايةِ كَمالِ الخِلْقةِ وبِخاصّةٍ الأَسماكُ الَّتي تُجَمِّلُ البِحارَ بما تَقذِفُ إِحداها مِليُونًا مِنَ البُوَيضاتِ.. إِلّا ويُشِيرُ إِلى خالِقِه، ويَشهَدُ على رَزَّاقِه: بِخِلقَتِه وبِوَظائِفِه وبِإِدارَتِه وبإذَّذُوِه وبِتَدبِيرِ أُمُورِه وبِتَربِيَتِه.
— 254 —
وكذا لَيسَ في البَحرِ مِن جَوْهَرةٍ مِن تِلك الجَواهِرِ القَيِّمةِ واللَّآلِئِ المُزَيَّنةِ الثَّمِينةِ ذاتِ الخَواصِّ النَّفِيسةِ لا تَعرِفُك ولا تُعَرِّفُك: بِخِلقَتُون الجَمِيلةِ وبِفِطْرَتِها الجَذّابةِ وبِخاصِّيَّتِها النّافِعةِ.
نعم، فكَما تَشهَدُ كلُّ جَوهَرةٍ فَرْدةٍ، فإِنَّ تلك الجَواهِرَ بِمَجمُوعِها مَعًا تَشهَدُ بِوَحدَتِك كَذلِك، بِما فِيها مِنَ الِاتِّفاقِ والتَّداخُلِ ِ مَواتِلاطِ ووَحْدةِ سِكّةِ الخِلْقةِ وغايةِ السُّهُولةِ في الإِيجادِ وغايةِ الكَثرةِ في الأَفرادِ.
وإِنَّ جَعْلَ البِحارِ المُحِيطةِ بِالأَرضِ مُعَلَّقةً في السَّماءِ معَ بَرِّها الشَّاسِعِ، وهِي سابِحةٌ حَولَ الشَّمسِ دُونَ بِكَلنسَكِبَ انسِكابًا، ودُونَ أن تَتَشتَّتَ فائِضةً، ودُونَ أن تَستَولِيَ على اليابِسةِ.. وخَلْقَ حَيَواناتِها المُتَنوِّعةِ وجَواهِرِها المُنتَظِمةِ مِن رَملِها البَسِيطِ ومائِها البَسِيطِ.. وإِدمِنَ اَرزاقِ تلك المَخلُوقاتِ وسائِرِ أُمُورِها إِدارةً كُلِّيّةً تامّةً.. والقِيامَ بِتَدبِيرِها وتَطهِيرِ سَطْحِها مِن جَنائِزَ غَيرِ مَحدُودةٍ لا بُدَّ مِنها.. تَشهَدُ بإِشاراتٍ بِعَدالمُتَوجُوداتِها على أنَّك مَوجُودٌ وواجِبُ الوُجُودِ.
وكما أنَّها تَدُلُّ دَلالةً ظاهِرةً جَلِيّةً على جَلالِ سَلْطَنةِ رُبُوبِيَّتِك، وعلى عَظَمةِ قُدرَتِك المُحِيطةِ بكُ أَجايءٍ، فهِي تَدُلُّ كَذلِك على السَّعةِ المُطلَقةِ لِرَحمَتِك ولِحاكِمِيَّتِك اللَّتَينِ تُهَيمِنانِ على كُلِّ شَيءٍ، وتُسعِفانِ كُلَّ شَيءٍ، ابتِداءً مِنَ النُّجُومِ الضَّخْمةِ والمُنتَظِمةِ في أَعالي السَّماواتِ إلى الأَسمَفسِه صَّغِيرةِ المُنتَظَمةِ الإِعاشةِ في أَعماقِ البِحارِ، وتُشِيرُ إلى عِلمِك المُحِيطِ بِكُلِّ شَيءٍ وإلى حِكْمَتِك الشَّامِلةِ لِكُلِّ شَيءٍ؛ بِانتِظامِها وبِفَوائِدِها وبحِكَمِها وبِمِيزانِها وبِمَوزُونيَّتِها.
وإِنَّ إِيجادََرٍ خاِ رَحْمةٍ كَهذِه لِلإِنسانِ القَادِمِ ضَيفًا إلى مَضِيفِ الدُّنيا هذه، وتَسخِيرَها لِسَيرِه وسِياحَتِه ولِسَفِينَتِه ولِمَنافِعِه، يُشِيرُ إلىَذين يالَّذِي يُكرِمُ ضُيُوفَه في لَيْلةٍ واحِدةٍ، في دارِ استِراحةٍ شَيَّدَها لَهُم على طَرِيقِ سَفَرِهِم، بِهذا الكَرَمِ العَظِيمِ مِن هَدايا البِحارِ وعَطاياها، لا بُدَّ أنَّبالصَُّحضَرَ في مَقَرِّ سَلطَنَتِه الأَبدِيّةِ بِحارَ رَحْمةٍ أَبدِيّةً واسِعةً بِحَيثُ إِنَّ المَشهُودةَ مِنها هنا لَيسَت إِلّا نَماذِجَ فانِيةً وصَغِيرةً أَمامَ تلك الأَبدِيّةِ.
#2رُها موهَكَذا فإِنَّ وُجُودَ البِحارِ بِهذا الطِّرازِ الخارِقِ وبِوَضعِها العَجِيبِ في أَطرافِ الأَرضِ وإِدارةَ مَخلُوقاتِها والقِيامَ بِتَربِيَتِها تَصدِيةِ الِانتِظامِ، يُظهِرُ یی بَداهةً یی أنَّ جَمِيعَها مُسَخَّرةٌ في مُلكِك أَنتَ، وبِأَمرِك وبِقُوَّتِك وبِقُدرَتِك وبإِدارَتِك وبتَدبِيرِك وَحْدَك، فهِي تُقدِّسُ خالِقَها بأَلسِنةِ حالِها هاتِفةً: لٌّ مِأَكبَرُ!
يا قَادِرُ يا ذا الجَلالِ.. يا مَن جَعَل الجِبالَ أَوتادًا ذاتَ خَزائِنَ لِسَفِينةِ الأَرضِ..
لَقَد عَلِمتُ بِتَعلِيمِ الرَّسُولِ الأَكرِمِ (ص) وبِدَرسِ قُرآنِك الحَكِيمِ أنَّه: مِثلَما البِحارُ مِن شُك وتُعَرِّفُك بِعَجائِبِها وغَرائِبِها، كَذلِك الجِبالُ تَعرِفُك وتُعرِّفُك، بِخِدْماتِها وبحِكَمِها، بِتَأْمِينِ سُكُونِ الأَرضِ مِن تَأثِيرِ الزَّلازِلِ ودَمارِها، وبِتَهدِئةِ الأَرضِ مِن نْ ولِ الِانقِلاباتِ الجارِيةِ في جَوْفِها، وبِإِنقاذِ الأَرضِ مِن فَيَضانِ البِحارِ وطُغيانِ عَوارِمِها، وبِتَصفِيةِ الهَواءِ مِنَ الغازاتِ المُضِرّةِ، وبِمُحافَظَتِها المِياهَ وضَمانِ ادِّخارِها، وبِخَزْنِها المَعادِنجُودٌ ستَلزِمةَ لِحاجاتِ الأَحياءِ.
نعم، فما مِن نَوعٍ مِن أَنواعِ الصُّخُورِ الَّتي في الجِبالِ، ولا قِسمٍ مِن أَقسامِ المَوادِّ الَّتي هي عِلاجاتٌ لِمُختَلِفِ الأَمراضِ والعَاهَاتِ، ولا جِنسٍ مِن أَجناسِ ةِ العدِنِ المُتَنوِّعةِ جِدًّا والَّتي تَلزَمُ الأَحياءَ ولا سِيَّما الإِنسانَ، ولا صِنفٍ مِن أَصنافِ النَّباتاتِ المُزيِّنةِ بِأَزهارِها الجِبالَ وبأَثمارِها القِفارَ.. إِلّا وتَشهَدُ یی ُوداتًِ یی على وُجُوبِ وُجُودِ صانِعٍ ذِي قُدْرةٍ غَيرِ مُتَناهِيةٍ وحِكْمةٍ غَيرِ مُتَناهِيةٍ ورَحْمةٍ غَيرِ مُتَناهِيةٍ وكَرَمٍ غَيرِ مُتَناهٍ؛ بِما فيها مِنَ الحِكَم والِانتِظامِ وحُسْنِ الخِلْقةِ واوالِاخِدِ، مِمّا لا يُمكِنُ نِسبَتُها إلى المُصادَفةِ.. وبِما فِيها مِنَ الِاختِلافِ الشَّدِيدِ في المَذاقاتِ، رَغمَ التَّشابُهِ الظّاهِرِيِّ یی وبِخاصّةٍ في المَعدِنيّاتِ كالمِلحِ ومِلحِ اللّيمانُ ِ والسُّلفاتِ والشَّبِّ یی ولا سِيَّما النَّباتاتِ، بِأَنواعِها المُتَبايِنةِ العَدِيدةِ النَّاشِئةِ مِن تُرابٍ بَسِيطٍ، وبِأَزهارِها وأَثمارِها المُتَنوِّعةِ.. فَضْفي الق أنَّها تَشهَدُ على وَحْدةِ الصَّانِعِ وعلى أَحَدِيَّتِه؛ بِما في هَيْئَتِها العامَّةِ مِن وَحْدةِ الإِدارةِ ووَحْدةِ التَّدبِيرِ ووَحْدةِ المَنشَأِ والمَسْكَنِ والخَلْقِ، والتَّساوِي فَ عَجْتقانِ، معَ الرُّخْصِ واليُسْرِ والوَفْرةِ والسُّرعةِ في الخِلْقةِ.
— 256 —
وكَذا فإِنَّ خَلقَ كُلِّ نَوعٍ مِن أَنواعِ المَصنُوعاتِ المَوجُودةِ على سَطْحِ الجِبالِ وفي جَوْفِها، والمُنتَشِرةغَيرِ ُلِّ جِهةٍ مِن جِهاتِ الأَرضِ، وإِيجادَها في آنٍ واحِدٍ وبِنَمَطٍ واحِدٍ بِلا خَطَأٍ وبِلا اختِلاطٍ، رَغمَ التَّداخُلِ ضِمنَ سائِرِ الأَنواعِ، في غايةِ الكَمالِ والسُّرعةِ ومِن دُونِ أن يَشغَلَك فِعلٌ عن فِعلٍ..َرَتُنُّ على هَيْبةِ رُبُوبِيَّتِك وعلى عَظَمةِ قُدرَتِك الَّتي لا يُعجِزُها شَيءٌ.
وكذا فإِنَّ مَلْءَ سُطُوحِ الجِبالِ بالأَشجارِ والنَّباتاتِ، وبُطُونِها بِالمَإيمانِ المُنتَظِمةِ وتَسخِيرَها تَلبِيةً لِحاجاتِ الأَحياءِ كافّةً تَسخِيرًا يَضمَنُ حتَّى أَمْراضَها المُتَنوِّعةَ بل أَذْواقَها المُختَلِفةَ، ويُشبِعُ شَوانتِهِها المُتَبايِنةَ، يَدُلُّ على السَّعةِ المُطلَقةِ لِرَحمَتِك وعلى الوُسْعةِ غَيرِ المُتَناهِيةِ لِحاكِمِيَّتِك.
وكذا إِحضارُ كُلِّ ما هو خَفِيٌّ ومَرَكتِطٌ، وفي ظُلْمةِ طَبَقاتِ التُّرابِ، إِحضارًا مُنتَظِمًا بِعِلمٍ وبِبَصِيرةٍ ودُونَ حَيْرةٍ وحَسَبَ الحاجةِ.. يَدُلُّ على إِحاطةِ عِلمِك المُتَعلِّقِ بكُلِّ شَيءٍ، وعلى حِكْمَتِك المُنَظِّمةِ لِكُلِّ شَيءٍ، وشُمُولِها جَمِيعَ الأَشي "مِن وكذا إِحضارُ الأَدْوِيةِ وادِّخارُ المَوادِّ المَعدِنيّةِ يُشِيرُ بِوُضُوحٍ ويَدُلُّ بِجَلاءٍ على مَحاسِنِ تَدابِيرِ رُبُوبِيَّتِك الرَّحِيمِذَا اكَرِيمةِ، وعلى لَطائِفِ مُدَّخَراتِ عِنايَتِك.
وكذا جَعْلُ الجِبالِ الشَّوامِخِ مَخازِنَ احتِياطِيّةً مُنتَظِمةً ومُستَودَعاتٍ مُكَمِّلةً لِكُنُوزٍ ضَرُورِيّةٍ لِحَياةِ الضُّيُوفِ أَلفَِمِينَ إِلى مَضِيفِ الأَرضِ ولِسَدِّ حاجاتِهِم في المُستَقبَلِ.. يُشِيرُ ويَدُلُّ بل ويَشهَدُ على أنَّ صانِعًا له هذا الكَرَمُ الواسِعُ ومُكرِمًا وحَكِيمًودٌ بقوفًا، وقَدِيرًا ومُرَبِّيًا.. لا بُدَّ له خَزائِنُ أَبدِيّةٌ لِآلائِه الأَبدِيّةِ في عالَمٍ أَبدِيٍّ لِأُولَئِك المُسافِرِينَ الضُّيُوفِ المَحبُوبِينَ عِندَه.. فتَقُومُ النُّجُومُ هُناك بِمُهِمّةٍ ما تَقُومُ الجِبالُ بِظِيمٌ،ُنا.
يا قَادِرُ على كُلِّ شَيءٍ..
إِنَّ الجِبالَ وما فِيهَا مِنَ المَخلُوقاتِ مُسَخَّراتٌ ومُدَّخَراتٌ في مُلكِكَ أَنتَ، وبِقُوَّتِك وَ الشِّك أَنتَ، وبِعِلمِك وحِكْمَتِك أَنتَ. إِنَّها تُسَبِّحُ وتُقَدِّسُ لِفاطِرِها الَّذي وَظَّفَها وسَخَّرَها على هذه الصُّورةِ.
— 257 —
يا خالِقُ ويا رَحمٰنُ.. ويا رَبُّ ويا رَحِيمُ..
لَقَد عَلِمتُ بِتَعلِيمِ الرَّسُولِ الِ بدَرِ (ص) وبِدَرسِ القُرآنِ الحَكِيمِ أنَّه: مِثلَما تَعرِفُك السَّماءُ والفَضاءُ والأَرضُ والبَحرُ والجَبَلُ وتُعَرِّفُك بِما فِيها وبِمَخلوُتُ وها، كَذلِك جَمِيعُ الأَشجارِ والنَّباتاتِ في الأَرضِ تَعرِفُك وتُعَرِّفُك یی بدَرَجةِ البَداهةِ یی بِأَوراقِها وأَزهارِها وأَثمارِها.. فكُلُّ وَرَلمُمكِن أَوْراقِ الأَشجارِ والنَّباتاتِ المُهتَزَّةِ بِجَذَباتِ الذِّكرِ وشَوْقِه.. وكُلُّ زَهْرةٍ مِنَ الأَزهارِ الواصِفةِ والمُعَرِّفةِ بِزِينَتِها لِأَسماءِ صانِعِها.. وكُلُّ ثَمَرةٍ ةِ الألأَثمارِ المُتَبَسِّمةِ مِن لَطافَتِها بِتَجَلِّي الرَّحْمةِ فِيها.. تَشهَدُ كُلُّها: بِالنِّظامِ الَّذِي في صَنْعَتِها الخارِقةِ، وبالمِيزانِ الُها دَفي النِّظامِ، وبِالزِّينةِ الَّتي في المِيزانِ، وبِالنُّقُوشِ المَوجُودةِ في الزِّينةِ، وبِالعَبَقِ الطَّيِّبِ المُتَنَوِّعِ المَمزُوجِ بِالنُّقُوشِ، وبِالطُّعُومِ المُختَلِفةِ في العَبَقِ الفَوّاحِ لِلأَثمارِ.. شَهتِ الرِدَرَجةِ البَداهةِ یی لا يُمكِنُ نِسْبَتُها إِلى المُصادَفةِ یی على وُجُوبِ وُجُودِ صانِعٍ لا نِهايةَ لِرَحمَتِه ولا نِهايةَ لِكَرَمِه.
فكَما أنَّ الأَمرَ هكذا في كُلِّ فَردٍ، فكُلُّ ااقِ ییرِ والنَّباتاتِ مَعًا تَشهَدُ كَذلِك بِالبَداهةِ على وَحْدةِ ذلك الصّانِعِ الواجِبِ وُجُودُه وعلى أَحَدِيَّتِه: بِوَحْدَتِها واتِّفاقِها ومَعِيَّتِها على سَطْحِ الأَرضِ كافَّةً، وبِتَشابُهِها على سِكّةِ الخِلْقةِ وبِارتِباطِها في التَّدبِيرِ فَوائدارةِ، وبِتَوافُقِها فِيما يَتَعلَّقُ بِها مِن أَفعالِ الإِيجادِ والأَسماءِ الرَّبّانيّةِ، وبِإِدارةِ الأَفرادِ غَيرِ المَحدُودةِ لِمِئةِ أَلفِ نَوعٍ مَعَ تَداخُلِها إِدارةً مُباشِرةً دُونَ حَيْرةٍ ولا خَطَأٍ.
وكَذا مِثلَما يَشهَدُ أُولأَبَدِلى وُجُوبِ وُجُودِك وعلى وَحْدَتِكَ، فإِنَّ إِعاشةَ وإِدارةَ أَفرادٍ غَيرِ مَحدُودةٍ لِجَحْفَلِ الأَحياءِ مِنَ الجَيشِ الهائِلِ المُتَشَكِّلِ مِن أَربَعِ مِئةِ أَلفٍ مِنَ الأُمَمِ على وَجْهِ الأَرضِ إِدارةاتِ المالِ الإِتقانِ وبِمِئاتِ الآلافِ مِن أَنماطِ الإِعاشةِ والإِدارةِ الَّتي تَتِمُّ بِكَمالِ الِانتِظامِ دُونَ سَهْوٍ ولا خَلْطٍ.. تَدُلُّ على جَلالِ رُبُوبِيَّتِك وهَيْبَتِها فيقِ الإانِيَّتِك، وعلى عَظَمةِ قُدْرَتِك الَّتي تَخلُقُ الرَّبِيعَ بِيُسْرِ إِيجادِ زَهْرةٍ وتَعَلُّقِها بِكُلِّ شَيءٍ، وتَدُلُّ قَطْعًا على سَم ركيزحْمَتِك المُطلَقَةِ الَّتي تُهَيِّئُ أَقسامَ الأَطعِمةِ المُتَنوِّعةِ المُختَلِفةِ وغَيرِ المَحدُودةِ، وتُحضِرُها لِحَيَواناتٍ غَيرِ مَحدُودةٍ ولِلإِنسانِ في كُلِّ جِهةٍ مِن جِهاتِ هذه الأَرضِ الضَّخْمةِ.نَ الأ وإِنَّ جَرَيانَ تلك الأُمُورِ والإِنعاماتِ وأَشكالِ الإِدارةِ وأَنواعِ الإِعاشةِ والإِجراءاتِ غَيرِ المَحدُودةِ، بِكَمالِ الِانتِظامِ، وإِنَّ انقِيادَ كُلِّ شَيءٍ وخُضُوعَه حإلى أَالذَّرّاتِ لِتِلك الأَوامِرِ والإِجراءاتِ.. تَدُلُّ دَلالةً قاطِعةً على السَّعةِ المُطلَقةِ لِحاكِمِيَّتِك.
وإِنَّ عَمَلَ كُلِّ شَيءٍ لِكُلِّ وَرَقةٍ وزَهْرةٍ وثَمَرةٍ، ولِكُلِّ جَذْرٍ وغُصْنٍلشُّعُعٍ، مِن تِلك الأَشجارِ والنَّباتاتِ، عَمَلًا بِعِلمٍ وبَصِيرةٍ وَفقَ ما تَقتَضِيه الفَوائِدُ والمَصالِحُ والحِكَمُ.. يَدُلُّ على إِحاطةِ عِلمِك بكُلِّ شَيءٍ، وشُمُولِ حِكْمَتِك لِكُلِّ شَيءٍ، دَلالةً ظاهِرةً جَو في م، وتُشِيرُ إِلَيْهِما بِأَصابِعِها الَّتي لا تُحَدُّ.. وإِنَّها تَحمَدُ وتُثنِي بِأَلسِنَتِها غَيرِ المَحدُودةِ على جَمالِ صَنْعَتِك وهِنَراه ُنتَهَى الكَمالِ، وعلى كَمالِ نِعمَتِك وهِي في مُنتَهَى الجَمالِ.
وكَذا فإِنَّ هذه الإِحساناتِ الثَّمِينةَ والنِّعَمَ القَيِّمةَ العَمِيمةَ، وهَذِه المَصارِفَ والإِكراماتِ اأَكرَمتَفُوقُ الحَدَّ، تَصِلُنا بِأَيادِي الأَشجارِ والنَّباتاتِ في هذه الدّارِ المُؤَقَّتةِ والمَضِيفِ الفانِي، وفي زَمَنٍ قَصِيرٍ وعُمُرٍ قَلِيلٍ.. تُشِيرُ بل تَشهَدُ على أنَّ اِجَها يمَ ذا القُدْرةِ والكَرَمِ الَّذي ساقَ هُنا لِضُيُوفِه كُلَّ هذه الرَّحْمةِ، لا بُدَّ أنَّه قد أَعَدَّ أَشجارًا مُثمِرةً ونَباتاتٍ مُزهِرةً خالِدةً بِما يَلِيقُ بِالج یی بِالخالِدةِ في عالَمٍ خالِدٍ في مَمْلَكةٍ خالِدةٍ، لِعِبادِه الَّذِينَ سيُخَلِّدُهُم أَبَدَ الآبِدِينَ.. لِكَيْ يَحُولَ دُونَ انقِلابِ نَتائِجِ مَصارِيفِه وآلائِه الَّتي صَرَفَها لِلتَّوَدونُیكمالتَّعَرُّفِ إلى ضِدِّها یی أَيْ: لِئَلَّا تَقُولَ جَمِيعُ الخَلائِقِ: لَقَد أَذاقَنا تِلك النِّعَمَ وأَعدَمَنا قَبلَ أن نَتَناوَلَها یی ولِكَي يَحُولَ دُونَ إِسقاطِ هَيْبةِ أُلُوهِيَّتِه، ودُوحُكُومكارِ سَعةِ رَحْمَتِه، ودُونَ تَحَوُّلِ جَمِيعِ أَحِبَّتِه المُشتاقِينَ إِلَيْه أَعداءً بِحِرمانِهِم.. أَجَلْ، لَقَد أَحْضَرَها مِن خَزائِنِ الرَّحْمةِ الخالِدةِ وف، أن ياتِه الخالِدةِ. وما الَّتي هاهُنا إِلّا نَماذِجُ عَرْضٍ لِلزَّبائِنِ فحَسْبُ.
وكَما أنَّ الأَشجارَ والنَّباتاتِ كافّةً تُقَدِّسُك وتُسَبِّحُك وتَحمَدُك بِكَلهَدَ اأَوْراقِها وأَزهارِها وأَثمارِها، كَذلِك كُلُّ كَلِمةٍ مِن تِلك الكَلِماتِ بِحَدِّ ذاتِها تُقَدِّسُك أَيضًا، وبِخاصّةٍ خَلْقُ الأَثمارِ خَلْقًا بَدوجَعَلولُبابِها المُتَنوِّعةِ، وصَنْعَتِها العَجِيبةِ وبُذُورِها
— 258 —
َرَجاتِ الحَياةِ كالنَّباتاتِ والحَيَواناتِ وهي تحتَ نَظْرَتِنا ويَرفُضُ أيَّ تَدَخّلٍ كان، فكيف بنا ونحنُ في قِمّةِ مَراتِبِ الحَياةِ؟ ألَيس الَّذي يَبدُو اختِلاطًعَظِيمْضَى هو نَوعٌ مِن كِتابةٍ رَبّانيّةٍ حَكِيمةٍ؟ أفيُمكِنُ للَّذي مَكَّن خُيُوطَ النُّقُوشِ البَدِيعةِ لِهذا البِساطِ، كلًّا في مَوضِعِه المُناسِبِ، وفي أيِّ جُزءٍ وطَرَفٍ كان، أن يكُونَ غيرَ صانِعِه، غيرَ خالِقِه الحَقِيقيِّ،لِلصَُّمكِنُ أن يكُونَ خالِقُ النَّواةِ غيرَ خالقِ ثَمَرتِها؟ وهل يُمكِنُ أن يكونَ خالِقُ الثَّمَرةِ غيرَ خالِقِ شَجَرتِها؟ ولكنَّك أَعمَى لا تُبصِرُ! ألا تَرَى مُعجِزاتِ القُدرةِ والصّْهِي وخَوارِقَ الصَّنْعةِ في فِطْرَتي؟ فإنِ استَطَعتَ أن تُشاهِدَها، فستُدرِكُ أنَّ خالِقِي لا يَخفَى علَيه شَيءٌ ولا يَصعُبُ علَيه أَمرٌ، ولا يُعجِزُه شَيءٌ، يُدِيرُ يَدُلُومَ بيُسْرِ إدارةِ الذَّرَّاتِ، ويَخلُقُ الرَّبيعَ الشَّاسِعَ بسُهُولةِ خَلْقِ زَهرةٍ واحِدةٍ، وهو الَّذي أَدْرَجَ فِهرِسَ الكَونِ العَظِيمِ في ماهِيَّتي بانتِظامٍ دَقيقٍ، أفَيُمك الجَوعاجِزٍ أَعمَى مِثلِك أن يَحشُرَ نَفسَه فيَتَدخَّلَ في إبداعِ هذا الخالِقِ العَظِيمِ والصَّانِعِ الجَلِيلِ.. ولهذا فاسْكُتْ واصْرِفْ وَجْهَك عنِّي.. فيَمضِي مَطرُودًا.
ثمَّ يَذهَبُ ذلك المُدَّع شَيءٍالبِساطِ الزّاهِي المَفرُوشِ على وَجْهِ الأَرضِ والحُلّةِ القَشِيبةِ المُزَيَّنةِ الَّتي أُلبِسَت، فخاطَبَه باسمِ الأَسبابِ وبِلُغةِ الطَّبِيعةِ ولِسانِ الفَلسَفةِ: "إنَّني أَتَمكَّنُ مِنَ التَّصَرُّفِ في شُؤُونِك، فأنا إمَوجُولِكٌ لك ولي حَظٌّ فيك في الأَقَلِّ".
وعِندَ ذلك تَكَلَّم ذلك البِساطُ المُزَرْكَشُ وتلك الحُلّةُ القَشِيبةُ (حاشية): ولكن مِثلَما أنَّ هذا النَّسِيجَ ذُو حَيَويّة، فهو كذلك في اهتِزازٍ مُنتَظِمٍ، إذ تتبدَّلُ نُقُوشُه باستمرارٍي هذه مةٍ كامِلةٍ وتَناسُقٍ تامٍّ، وذلك إظهارًا لِتَجَلِّياتِ الأسماءِ الحُسنَى المُختَلِفةِ لنَسّاجِه البديعِ في تجَلِّياتٍ مُتَنوِّعةٍ مُختَلِفةٍ. وخاطَب ذلك المُدَّعِيَ بلُغةِ الحَلِانقِ وبلِسانِ الحِكْمةِ المُودَعةِ فيه: "إن كانَت لك قُدرةٌ نافِذةٌ وإتقانٌ بَدِيعٌ يَجعَلانِك تَنسُجُ جَمِيعَ هذه البُسُطَ المَفرُوشةَ والحُلَلَ البَهِيّةَ الَّتي تُخلَعُ على الأَرضِ بعَدَدِ القُرُونِ والسِّنِينَذي أُن تَنزِعُها عنها بنِظامٍ تامٍّ وتَنشُرُها على حَبْلِ الزَّمانِ الماضِي، ومِن بعدِ ذلك تَخِيطُ ما يُخلَعُ علَيها مِن حُلَلٍ زاهِرةٍ بنُقُوشِها وادةٌ أِلُ تَصامِيمَها في دائِرةِ القَدَرِ.. وكذا إن كُنتَ مالِكًا لِيَدٍ مَعنَوِيّةٍ ذاتِ قُدرةٍ وحِكْمةٍ بحيثُ تَمتَدُّ إلى كلِّ شَيءٍ ابتِداءً مِن خَلْقِ الأَرضِ إلى دَمارِها، بل مِنَ الأَزَلِ إلءُ.
بدِ، فتُجَدِّدُ
— 259 —
الخارِقةِ، وإِيداعُ صِحافِ الطَّعامِ تِلك إِلى أَيدِي الأَشجارِ، ووَضْعُها على رُؤُوسِ النَّباتاتِ، وإِتَؤُولا هكَذا إِلى ضُيُوفِه الأَحياءِ، مِمّا يَجعَلُ تَسبِيحاتِ أَلسِنةِ حالَاتِها ظاهِرةً وجَلِيّةً تَبلُغُ دَرَجةَ لِسانِ المَقالِ.
فجَمِيعُ أُولَئِك مُسَخَّراتٌ في مءٍ مادأَنتَ، وبِقُوَّتِك وقُدْرَتِك أَنتَ، وبإِرادَتِك وإِحساناتِك أَنتَ، وبِرَحْمَتِك وحِكْمَتِك أَنتَ، وإِنَّها مُنقادةٌ مُطِيعةٌ لِكُلِّ أَمرٍ صادِرٍ مِنكيةً، ويا مَنِ اختَفَى بِشِدّةِ الظُّهُورِ، ويا مَنِ احتَجَب بِعَظَمةِ الكِبْرِياءِ.. يا صانِعُ، يا حَكِيمُ.. يا خَالِقُ يا رَحِيمُ.. إِنِّي أَحمَدُك وأُثْنِي عَلَيْك مُقَدِّسًا إِيّاكَ مِنَ القُصُورِ والعَجزِ والشَّرِيكِ، بِأَلسِنةِ جَمِيعِ أوِ الارِ والنَّباتاتِ وجَمِيعِ الأَوْراقِ والأَزهارِ والأَثمارِ وبِعَدَدِها.
يا فاطِرُ يا قادِرُ.. يا مُدَبِّرُ يا حَكِيمُ.. يا مُرَبِّي يا رَحِيمُ..
لَقَد عَلِمتُ بِتَعلِيمِ الرَّسُولِ الأَكرَمِ (ص) وبِدَرسِ القُرآنالعَمِكِيمِ وآمَنتُ بِأنَّه: كَما أنَّ النَّباتاتِ والأَشجارَ تُعَرِّفُك وتُعَلِّمُ صِفاتِك القُدْسِيّةَ وأَسماءَك الحُسنَى، فلَيسَ في الأَحياءِ المالِكةِ لِلرُّوحِ كالإِنسانِ والحَيَواناتِ مِن فَرْدٍ لا يَشهَفي تلك وُجُوبِ وُجُودِك، وعلى تَحَقُّقِ صِفاتِك: بِأَعضاءِ جِسمِه الدّاخِلِيّةِ مِنها والخارِجِيّةِ، العامِلةِ والمُساقةِ إلى العَمَلِ یی كالسَّاعاتِ المُنت ويَقِ یی وبِآلاتِه وحواسِّه المَوضُوعةِ في بَدَنِه بِنِظامٍ في مُنتَهَى الدِّقّةِ وبِمِيزانٍ في مُنتَهَى الحَسَاسِيّةِ وبِفَوائِدَ ذاتِ أَهَمِّيّةٍ، وبِأَجهِزَتِه البَدَنِيّةِ المَخلُوقةِ في غايةِ الإِتقانان عائمَفرُوشةِ في غايةِ الحِكْمةِ والمَوضُوعةِ في غايةِ المُوازَنةِ.. لِأَنَّ هذه الصَّنْعةَ الدَّقِيقةَ بِبَصِيرةٍ، والحِكْمةَ اللَّطِيفةَ ب سُورةرٍ، والمُوازَنةَ التّامّةَ بِتَدبِيرٍ، لا يُمكِنُ أن تَتَدخَّلَ فيها القُوّةُ العَمْياءُ ولا الطَّبِيعةُ الصَّمّاءُ ولا المُصادَفةُ العَشْواءُ، فلا يُمكِنُ أن تكُونَ هذه الأُمُورُ مِن أَعمالِها.. أَمَّا تَشَكُّلُها بِنَت كلّ فهُو مُحالٌ في مِئةِ مُحالٍ، لِأنَّه يَنبَغِي أن تَعرِفَ كُلُّ ذَرّةٍ مِن ذَرّاتِها وتَرَى وتَعمَلَ كُلَّ ما يَخُصُّ تَركِيبَ جَسَدِهَا، بل كُلَّ شَيءٍ يَتَعلَّقُ بِها في الدُّنيا، فتَملِكَ عِلمًا وقُدْرةً مُظامِ ونِ كأَنَّها إِلٰهٌ، ثُمَّ يُمكِنَ أن يُحالَ تَشكِيلُ الجَسَدِ إِلَيْها ويُقالَ: إِنَّها تَشَكَّلَت بِنَفسِها!
— 260 —
وكذا لَيسَت هُناك كَيفِيّةٌ لِلأَحياءِ عامّةً، مِن وَحْدةِ المِمّا يرِ ووَحْدةِ الإِدارةِ ووَحْدةِ النَّوعِ ووَحْدةِ الجِنسِ ووَحْدةِ سِكّةِ الفِطْرةِ یی المُشاهَدِ اتِّفاقُها في أَوْجُهِها عامّةً مِن عَينٍ وأُذُنٍ وفَمِ وغَيرِها یی ومَِدَدِ اتِّحادِ في سِكَّةِ الحِكْمةِ یی الظّاهِرةِ في سِيماءِ كُلِّ فَرْدٍ مِن أَفرادِ النَّوعِ الواحِدِ یی ومِنَ المَعِيّةِ في الإِعاشةِ والإِيجادِ مَعَ تَداخُلِ بَعضِها في بَعضٍ.. إِلّا وتَتَضمَّنَرِيعةدةً قاطِعةً على وَحْدَتِك، وإِشارةً إِلى أَحَدِيَّتِك في الواحِدِيّةِ بِما يَملِكُ كُلُّ فَرْدٍ مِن أَفرادِها مِن تَجَلِّياتِ جَمِيعِ الأَسماءِ النّاظِرةِ إِلى الكَونِ.
وكذا فكَما أنَّ تَسخِيرَ مِئاتِ الآلافِ . أنتَنواعِ الحَيَواناتِ المُنتَشِرةِ معَ الإِنسانِ على وَجهِ البَسِيطةِ كافّةً وتَجهِيزَها وتَدرِيبَها وجَعْلَها مُطِيعةً ومُسَخَّرةً كأَنَّها جَيشَدُنْ ظَّمٌ، وجَرَيانَ أَوامِرِ الرُّبُوبِيّةِ فيها بِانتِظامٍ بالِغٍ، يَدُلُّ على دَرَجةِ جَلالِ رُبُوبِيَّتِك تلك. فإِنَّ القِيمةَ الغالِيةَ لِتِلك المَخلُوقاتِ معَ أنَّها في غايةِ الكَثْرةِ،َقيقةَادَها في مُنتَهَى السُّرعةِ معَ أنَّها في غايةِ الكَمالِ، وخَلْقَها في مُنتَهَى السُّهُولةِ معَ أنَّها في غايةِ الإِتقانِ.. يَدُلُّ دَلالةً قاطِعةً على عَظَمةِ قُدْرَتِك.
اليَقيذا إِيصالُ أَرزاقِ تلك المَخلُوقاتِ المُنبَثَّةِ في أَقاصِي الشَّرقِ والغَربِ والشَّمالِ والجَنُوبِ، ابتِداءً مِن أَصغَرِ مِيكرُوبٍ وانتِهاءً بِأَضخَمِ حَيَوانٍ، ومِن أَصغَرِ حَشَرةٍ إلى أَضخَمِ طَيرٍ.. يَدُلُّ على سَعةِ رََباءِ ك المُطلَقةِ.
وكَذا تَحَوُّلُ وَجهِ الأَرضِ كُلَّ رَبِيعٍ إلى مُعَسكَرٍ لِتِلك المَخلُوقاتِ بَدَلًا مِن تلك الَّتي أُنْهِيَت خِدْماتُها في الخَرِمِنَ اأَداءُ كُلٍّ مِنها مُهِمَّتَها الفِطْرِيّةَ كأَنَّها جُندِيٌّ مُطِيعٌ يُستَنفَرُ مِن جَدِيدٍ.. يَدُلُّ دَلالةً قاطِعةً على سَعةِ حاكِمِيَّتِك المُطلَقةِ.
وكَذا فكَما أنَّ كُلَّ حَيَوانٍ يُشِيرُ إِشاراتٍ بِعضِ، لالحَيَواناتِ إلى إِحاطةِ عِلمِك بِكُلِّ شَيءٍ، وشُمُولِ حِكْمَتِك لِكُلِّ شَيءٍ.. بِخَلْقِها كَنُسخةٍ مُصَغَّرةٍ لِلكائِناتِ، بِعِلمٍ في غايةِ العُمقِ، وحِكْمةٍ في غايةِ الدِّقّةِ، بِلا خَلْطٍ بَينَأَحَدًزاءِ المُختَلِطةِ، وبِلا تَحَيُّرٍ بَينَ الصُّوَرِ المُتَبايِنةِ لِلحَيَواناتِ كافّةً، وبِلا خَطَأٍ ولا سَهوٍ ولا نَقصٍ.. فإِنَّ خَلْقَ كُلٍّ مِنها كَذلِك خَلْقًا في رَوْعةِ الإِتقانِ والجَمالِ، مِمّا يَجعَلُه مُعجُِودِ ا الصَّنعةِ وخارِقةً في الحِكْمةِ..
— 261 —
يُشِيرُ إلى كَمالِ حُسْنِ صَنْعَتِك الرَّبانيّةِ، وإِلى غايةِ جَمالِها، تِلك الصَّنعةِ الَّتي تُحِبُّها وتَرغَبُ في عَرْضِها ونَشْرِها.
وكذا تَربِيةُ كُلٍّ ضِمنَ یی وبِخاصّةٍ الصِّغارُ یی تَربِيةً في غايةِ الرِّقّةِ واللُّطْفِ، وتَلبِيةُ جَمِيعِ رَغَباتِها وآمالِها.. تُشِيرُ إِشاراتٍ غَيرَ مَحدُودةٍ إِلى الجَمالِ افي عَلعِ لِعِنايَتِك.
يا رَحمٰنُ يا رَحِيمُ.. يا صادِقَ الوَعدِ الأَمِينَ.. يا مَالِكَ يَومِ الدِّينِ..
لَقَد عَلِمتُ بِتَعلِيمِ رَسُولِك ، ونُحَمِ (ص) وبِإِرشادِ قُرآنِك الحَكِيمِ أنَّه:
ما دامَتِ الحَياةُ أَعظَمَ نَتِيجةٍ مُنتَخَبةٍ مِنَ الكَونِ، والرُّوحُ هِي الخُلاصةُ المُختارضِحةٌ َ الحَياةِ، وأُولُو المَشاعِرِ هُمُ النَّتِيجةُ الخالِصةُ مِن بَينِ أَقسامِ ذَوِي الأَرواحِ، والإِنسانُ هو أَجمَعُ أُولِي المَشاعِرِ، وجَمِيعُ الكائِناتِ بِدَوْرِها مُسَخَّرةٌ وساعِيةٌ لِأَجلِ الحَياةِ، وذَوُو الحَياةِ مُسَختَبه قَ لِذَوي الأَرواحِ وقد بُعِثُوا إِلى الدُّنيا لِأَجلِهِم، وذَوُو الأَرواحِ مُسَخَّرُونَ لِلإِنسانِ وفي عَوْنِه دائِمًا، والنَّاسُ يُحِبُّونَ خالِقَهُم مَحَبّةً خالِصةً بِفِطْرَتِهم، وخالَهُ لِيُحِبُّهُم ويُحَبِّبُ نَفسَه إِلَيهِم بِكُلِّ وَسِيلةٍ، واستِعدادُ الإِنسانِ وأَجهِزَتُه المَعنَوِيّةُ تَتَطلَّعُ إلى عالَمٍ آخَرَ باقٍ وإِلى حَياةٍ أُخرَى أَبدِيّةٍ، وأَنَّ قَلبَه وشُعُورَه يَطلُباذا: فإَقاءَ ويَتُوقانِ إِلَيْه، وأَنَّ لِسانَه يَتَوسَّلُ إِلى خالِقِه بِأَدعِيةٍ غَيرِ مَحدُودةٍ طالِبًا البَقاءَ.. فلا يُمكِنُ مُطلقًا إِغضابُ النَّاسِ المُحِبِّينَ الُؤُونِبِينَ وإِسخاطُهُم بِعَداوةٍ أَبدِيّةٍ بِعَدَمِ بَعْثِهِم بَعدَ إِماتَتِهِم، وهُم قد خُلِقُوا أَصلًا لِمَحَبّةٍ خالِدةٍ، وأُرسِلُوا إِلى هذه الدُّنيا بِحِكْمةٍ لِنَيلِ عَيْشٍ سَعِيدٍ في عالَمٍ أَبدِيٍّ آخَرَ.
ثُمَّ ئك الّالأَسماءَ الحُسنَى المُتَجَلِّيةَ على الإِنسانِ تُشِيرُ إِلى أنَّ الَّذي هُو مِرآةٌ عاكِسةٌ لِتَجَلِّياتِ تلك الأَسماءِ في هذه الحَياةِ القَصِيرةِ الفانِيةِ سيَحْظَى بِتَجَلِّياتِها الأَبدِيّةِ في عالَمِ البَقاءِ. نَعَم، إِنَّ الخهَدَ ا الصَّادِقَ لِلخالِدِ يكُونُ خالِدًا، وإِنَّ المِرآةَ الشَّاعِرةَ لِلباقِي يَستَلزِمُ بَقاءَها. وكَما يُفهَمُ مِنَ الرِّواياتِ الصَّحِيحةِ: أنَّ أَرواحَ الحَيَواناتِ سُلِهِ. دائِمةً، وأنَّ أَرواحَ بَعضِ أَفرادٍ خاصّةٍ مِنَ الحَيَواناتِ ستَمضِي إِلى عالَمِ البَقاءِ معَ أَجسادِها، كهُدْهُدِ ونَمْلِ سُلَيْمانَ عَلَيهِ السَّلَام، وناقةِ صالِحٍ عَلَيهِ السَّلَام، وكَلبِ أَصحابِ الكَهْفِ، وأنَّ كُ، و"اوعٍ
— 262 —
مِنها سيَتَجَسَّدُ بِجَسَدٍ لِاستِعمالِه أَحيانًا.. فالحِكْمةُ والحَقِيقةُ وكَذا الرَّحْمةُ والرُّبُوبِيّةُ تَقتَضِي كُلُّها ذلك.
يا قادِرُ يا قَيُّومُ..
إِنَّ جَمِيعَدَّقيق الحَياةِ وذَوِي الأَرواحِ وذَوِي الشُّعُورِ قد وُظِّفُوا بِوَظائِفَ فِطْرِيّةٍ في مُلْكِك أَنتَ، وسُخِّرُوا لِأَوامِرِ رُبُوبِيَّتِك أَنتَ، وبِقُوَّتِك وقُدْرَتِك وَحْدُّقطةِإِرادَتِك وتَدبِيرِك ورَحْمَتِك وحِكْمَتِك. وإِنَّ قِسمًا مِنها قد سُخِّرَت وذُلِّلَت لِلإِنسانِ مِن لَدُنْ رَحْمَتِك، لا بِقُوَّتِه وغَلَبََ مِن لِضَعْفِه وعَجْزِه فِطْرةً.. فكُلُّ حَيَوانٍ يُؤَدِّي عِبادَتَه الخاصّةَ به، بِلِسانِ الحالِ والمَقالِ، مُسَبِّحًا خالِقَه وبارِئَه ومَعبُودَه، مُقَدِّسبِتُ نّاه مِنَ القُصُورِ والشِّركِ، حامِدًا شاكِرًا لِأَنعُمِه وآلائِهِ.
سُبحانَك يا مَنِ اختَفَى بِشِدّةِ الظُّهُورِ! سُبحانَك يا مَنِ احَ شَيء بِعَظَمةِ الكِبْرِياءِ! إِنِّي أُقَدِّسُك بِتَسبِيحاتِ جَمِيعِ ذَوِي الأَرواحِ مُنادِيًا: سُبحانَك.. يا مَن جَعَل مِنَ الماءِ كُلَّ شَيءٍ حَيٍّ..
يا رَبَّ إلى تمِينَ.. يا إِلٰهَ الأَوَّلِينَ والآخِرِينَ.. يا رَبَّ السَّماواتِ والأَرَضِينَ..
لَقَد عَلِمتُ بِتَعلِيمِ الرَّسُولِ الأَكرَمِ (ص) وبِدَرسِ القُرآنِ الحَكِيمِ وآمَنتُ أنَّه: مُ باخت السَّماءُ والفَضاءُ والأَرضُ والبَرُّ والبَحرُ والشَّجَرُ والنَّباتُ والحَيَوانُ.. تَعرِفُك بِأَفرادِها وأَجزائِها وذَرّاتِها، وتَشهَدُ على وُجُودِك وعلى وَحْدَتِك، وتَدُلُّ علَيْهِما وتُشِيرُ؛ فإِنَّْهَرَ بِياءَ والأَولِياءَ والأَصفِياءَ الَّذِينَ هُم خُلاصةُ نَوعِ الإِنسانِ الَّذي هو خُلاصةُ ذَوِي الحَياةِ الَّذِينَ هم خُلاصةُ الكَونِ، يَشهَدُونَ ويُخبِرُونَ بِوُجُوبِ وُجُودِك ووَحْدانِيَّتِك وأَحَدِيَّت الخاصخبارًا قاطِعًا بِقُوّةِ مِئاتِ الإِجماعِ ومِئاتِ التَّواتُرِ المُستَنِدةِ إِلى مُشاهَداتِ قُلُوبِهِم وعُقُولِهِم وكَشْفِيّاتِها وإِلهاماتِها واستِخراجاتِها وبِقَطْعِيَّتِها، ويُثبِتُونَ إِخباراتِهِم بمُعجِزاتِهِم وكَراماتِهِم وبَرأَداءِهِمُ اليَقِينيّةِ.
نَعَم، لَيسَت في القُلُوبِ خاطِرةٌ غَيبِيّةٌ تُومِئُ إِلى الذَّاتِ المُخبِرةِ بِها في سِتارِ الغَيبِ، ولَيسَ فِيها إِلهامٌ صادِقٌ يَسُوقُ الرُّزَيَّنِلى الذّاتِ المُلهِمةِ فيها، ولَيسَت فيها عَقِيدةٌ يَقِينيّةٌ تَكشِفُ عن صِفاتِك القُدسِيّةِ وأَسمائِك الحُسنَى كَشْفًا بِحَقِّ اليَقِينِ، ولَيسَ في الأَنبِياءِ
— 263 —
والأَولِياءِ قَلبٌ نُورانِيٌّ يُشاهِدُ أَنوارَ القُبِ الوُجُودِ بِعَينِ اليَقِينِ، ولَيسَ في الأَصفِياءِ والصِّدِّيقِينَ عَقلٌ مُنَوَّرٌ يُصَدِّقُ آياتِ وُجُوبِ وُجُودِ خالِقٍ لِكُلِّ شَيءٍ ويُثبِتُ بَراهِينَ وَحْدَتِه بِعِلمِ اليَقِينِ.. إِلّا ويَشهَدُ شَهادةً ويَملِكُ دَلالةً فَى إذضُ إِشارةً على وُجُوبِ وُجُودِك وعلى صِفاتِك المُقَدَّسةِ وعلى وَحْدَتِك وعلى أَحَدِيَّتِك وعلى أَسمائِك الحُسنَى.
ولَيسَت هُناك مُعجِزةٌ مِنَ المُعجِزاتِ الباهِرةِ المُصَدِّقةِ لِأَخبارِ سَيِّدِ جَمِيعَذا النبِياءِ والأَولِياءِ والأَصفِياءِ والصِّدِّيقِينَ ورَئِيسِهِم وخُلاصَتِهِم ذلك الرَّسُولِ الأَكرَمِ (ص)، ولا حَقِيقةٌ مِن حَقائِقِه السّامِيةِ المُظهِرةِ لِحَإلى ماَّتِه، ولا آيةٌ مِن آياتِ التَّوحِيدِ القاطِعةِ لِلقُرآنِ المُعجِزِ البَيانِ الَّذِي يُلَخِّصُ جَمِيعَ الكُتُبِ المُقَدَّسةِ الحَقّةِ، ولا مَسأَلةٌ إِيمانيّةٌ مِن مَسائِلِه القُدسِيّةِ.. إِلّا وتَشهَدُ شَهادةً وتَملِكُ دَلالةً وتَعرِضُ إِشارة
نعوُجُوبِ وُجُودِك وعلى صِفاتِك المُقَدَّسةِ وعلى وَحْدَتِك وعلى أَحَدِيَّتِك وعلى أَسمائِك الحُسنَى وعلى صِفاتِك الجَلِيلةِ.
ومِثلَما يَشهَدُ جَمِيعُ أُول تارِيلمُخبِرِينَ الصَّادِقِينَ الَّذِينَ يُعَدُّونَ بِمِئاتِ الآلافِ یی مُستَنِدِينَ إلى مُعجِزاتِهِم وكَراماتِهِم وحُجَجِهِم یی على وُجُودِك وعلى وَحْدانِيَّتِك.. فإِنَّهُم يُخبِرُونَ یی كُن هنتُونَ بالإِجماعِ والِاتِّفاقِ یی عن مَدَى عَظَمةِ جَلالِ رُبُوبِيَّتِك الجارِيةِ ابتِداءً مِن إِدارةِ الأُمُورِ الكُلِّيّةِ لِلعَرشِ الأَعظَمِ الملَقةَ: بِكُلِّ شَيءٍ، إِلى مَعرِفةِ أَخفَى الخَلَجاتِ والخَواطِرِ الجُزئِيّةِ لِلقَلبِ وسَرائِرِه وآمالِه وأَدعِيَتِه والِاستِماعِ إِلَيْه وإِدارَتِه.. ويُعلِنُونَ مَدَى عَظَمةِ قُدْرَتِكلجَلالي تُوجِدُ الأَشياءَ المُختَلِفةَ غَيرَ المَحدُودةِ یی أَمامَ أَعيُنِنا یی دُفعةً واحِدةً، وتَخلُقُ أَكبَرَ شَيءٍ بِسُهُولةِ خَلقِ أَصغَرِ حَشَرةٍ، دُونَ أَن يَمنَعَ فِعلٌ فِعلًا.
ومِثلَما أنَّهُم يُخبِرُونَ ییعَينِ ِتُونَ ذلك بِمُعجِزاتِهِم وحُجَجِهِم یی عن سَعَةِ رَحمَتِك المُطلَقةِ الَّتي صَيَّیرَتِ الكَونَ في حُكمِ قَصرٍ مُنِيفٍ لِذَوِي الأَرواحِ وبِخاصّةٍ لِلإِنسانِ، والَّتي أَعَدَّتِ الجَنَّةَ والسَّحْمَتِالأَبدِيَّةَ لِلجِنِّ والإِنسِ، والَّتي لا تَنسَى مُطلَقًا أَصغَرَ كائِنٍ حَيٍّ وتَسعَى لِتَطْمِينِ أَعجَزِ قَلبٍ وتَلطِيفِه.. وعن سَعَةِ حاكِمِيَّتِك المُطلَقةِ الَّتي تُسَخِّرُ وتُوَظِّفُ وتُخضُِبُهاتَوامِرِها جَمِيعَ أَنواعِ المَخلُوقاتِ مِنَ الذَّرّاتِ إِلى السَّيّاراتِ.. فإِنَّهُم
— 264 —
يَشهَدُونَ ويَدُلُّونَ ويُشِيرُونَ كَذلِك یی بِالإِجماعِ والِاتِّفاقِ یی إِلى إِحاطةِ عِلمِك المُحِيطِ بِكُلِّ شَيءٍ، الَّذي َحسُوبالكَونَ بِحُكْمِ كِتابٍ كَبِيرٍ يَضُمُّ رَسائِلَ بِعَدَدِ أَجزائِه، والَّذِي سَجَّلَ جَمِيعَ حَوادِثِ المَوجُوداتِ في "إِمامٍ مُبِينٍ" وفي "كِتابٍ مُبِينٍ"، وهُما سِجِلَّا "اللَّوحِ المَحفُوظِ"، والَّذي أَوْدَع ال، بِعََ فَهارِسَ الأَشجارِ ومَناهِجَها كافّةً، والَّذي أَملَى في جَمِيعِ القُوَى الحافِظةِ في رُؤُوسِ أُولي المَشاعِرِ تَوارِيخَ حَياتِهِم بِانتِظامٍ ودُونَ خَطَأٍ..
ويَشهَدُونَ كَذلِك على شُمُولِ حِكَياةُ" المُقَدَّسةِ كُلَّ شَيءٍ، الَّتي قَلَّدَت كُلَّ مَوجُودٍ حِكَمًا كَثِيرةً جِدًّا، حَتَّى إِنَّها أَعطَت بِما تَمُدُّ كُلَّ شَجَرةٍ نَتائِجَ بِعَدَدِ أَثمارِها، والَّتي لِهَذاَت في كُلِّ ذِي حَياةٍ مَصالِحَ بِعَدَدِ أَعضائِه، بل بِعَدَدِ أَجزائِه وخَلاياه، حَتَّى إِنَّها معَ تَوظِيفِها لِسانَ الإِنسانِ بِوَظائِفَ عِدّةٍ فُ الََّّزَتْه أَيضًا بِمَوازِينَ ذَوْقِيّةٍ بِعَدَدِ أَذْواقِ الأَطعِمةِ..
وهُم يَشهَدُونَ أَيضًا على استِمرارِ تَجَلِّياتِ الأَسماءِ الجَلالِيّةِ والجَمالِيّةِ یی الظّاهِرةِ آثارُها فمَوْتِالدُّنيا یی ودَوامِها بِأَسطَعِ صُورةٍ وأَبهَرِها في أَبَدِ الآبادِ، وعلى استِمرارِ آلائِك المُشاهَدةِ أَمثالُها في هذه الدُّنيا الفانِيةِ وبَقائِها أَكثَرَ بَهاءً ولَمَعانًا في دار السَّعِ قَلْوعلى مُرافَقَتِها المُشتاقِينَ الَّذِينَ حَظُوا بِها في هذه الدُّنيا ومُصاحَبَتِها لَهُم في الخُلُودِ.
فالرَّسُولُ الأَكرَمُ (ص) یی في المُقَدِّمةِ یی مُستَنِدًا إلى مِئاتٍ مِن مُعجِزاتِه الباهِرةِ، والقُرآنُ الكَرِيمُ مُستَنِدًا إِلائجَ وِه الجازِمةِ، ثُمَّ جَمِيعُ الأَنبِياءِ عَلَيهِم السَّلَام وهُم ذَوُو الأَرواحِ النَّیيِّرةِ، وجَمِيعُ الأَولِياءِ وهُم أَقطابُ ذَوِي القُلُوبِ النُّورانيّةِ، وجَمِيعُ الأَصفِياءِ وهُم أَربابُ دخُلُ ولِ المُنَوَّرةِ.. يُبَشِّرُونَ الجِنَّ والإِنسَ بالسَّعادةِ الأَبدِيّةِ ويُنذِرُونَ الضَّالِّينَ بِجَهَنَّمَ یی وهُم يُؤمِنُونَ بِهذا نُقِشَدُونَ عَلَيْه یی استِنادًا إِلى ما ذَكَرْتَه مِرارًا وتَكرارًا مِنَ الوَعدِ والوَعِيدِ في جَمِيع الكُتُبِ السَّماوِيّةِ والصُّحُفِ المُقَدَّسةِ، واعتِمادًا على صِفاتِك وشُؤُونِك القُدسِيّةِ كالقُدْرةِ والرَّحمةِ وعِ وهُيةِ والحِكْمةِ والجَلالِ والجَمالِ، ووُثُوقًا بعِزّةِ جَلالِك وسُلطانِ رُبُوبِيَّتِك، ويُبَشِّرُونَ بِكَشْفِيّاتِهِم ومُشاهَداتِهِم وبِعَقِيدَتِهِمُ الرّاسِخةِ بِخِيفةِاليَقِينِ.
— 265 —
يا قادِرُ يا حَكِيمُ، يا رَحمٰنُ يا رَحِيمُ، يا صادِقَ الوَعدِ الكَرِيمَ، يا قَهَّارُ يا ذا الجَلالِ، ويا ذا العِزَّةِ والعَظَمةِ والجَلالِ..
إِنَّك مُقَدَّسٌ مُطلَقٌ، وأَنتَ مُتَعالٍ مُنَزَّهٌ بَ وَرٌ عن أن تُوصِمَ بِالكَذِبِ كُلَّ هذا العَدَدِ مِن أَولِيائِك الصّادِقِينَ ووُعُودِك العَدِيدةِ وصِفاتِك الجَلِيلةِ وشُؤُونِك المُقَدَّسةِ.. فتَحجُبَ ما تَقتَضِيه حَتمًا سَلْطَنةُ رآثارِهيَّتِك، وتَرُدَّ ما لا يُحَدُّ مِن أَدعِيةٍ ودَعَواتٍ صادِرةٍ مِمَّن لا يُعَدُّ مِن عِبادِك المَقبُولِينَ الَّذِينَ أَحبَبتَهُم وأَحَبُّوك وحَبَّبُوا أَدِيقِ ُم إِلَيْك بِالإِيمانِ والتَّصدِيقِ والطّاعة.. فأَنتَ مُنَزَّهٌ وأَنتَ مُتَعالٍ مُطلَقٌ مُستَغنٍ عن تَصدِيقِ أَهلِ الضَّلالةِ والكُفرِ الَّذِينَ يَتَعرَّضُونَ لِعَظَمةِ كِبْرِيائِك في إِنكارِهِم الحَشرَ، ويَتَسَبَّیبُونَ نَوعًاَّجاوُزِ على عِزّةِ جَلالِك، ويَمَسُّونَ هَيْبةَ أُلُوهِيَّتِك ورَأْفةَ رُبُوبِيَّتِك بكُفرِهِمُ وعِصيانِهِم وبِتَكذِيبِهِم إِيَّاك في وَعْدِك.
فأَنا أُقَدِّسُ عَدالَتَك وجَمالَك ورَحْمَتَك غَيرَ المُتَناهِيةِ یی بِلا حَدٍّ ولانِ في الیی وأُنزِّهُها عن هذا الظُّلمِ والقُبحِ غَيرِ المُتَناهِيَينِ وأَرغَبُ أن أَتلُوَ بِعَدَدِ ذَرَّاتِ وُجُودِي الآيةَ الكَرِيمةَ: سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقَُلّا، عُلُوًّا كَبِيرًا، بل إِنَّ رُسُلَك الصّادِقِينَ یی أُولَئِك الَّذِينَ هُم دُعاةُ سَلْطَنَتِك الحَقِيقِيُّونَ یی يَشهَدُونَ ويُبَشِّرُونَ ويُشِيرُونَ بِحَقِّ اليَقِينِ وعَينِ اليَقِينِ وعِلمِ اليَقِينِ إِلى خَزائِنِ رَحْمَتِك الأُخرَوِيّةِةِ ضابوزِ آلائِك في عالَمِ البَقاءِ، وإِلى انكِشافِ تَجَلِّياتِ أَسمائِك الحُسنَى تَجَلِّيًا تامًّا خارِقًا في دارِ السَّعادةِ، ويُرشِدُونَ عِبادَك المُتي تَقنَ بِأَنَّ أَعظَمَ شُعاعٍ لِاسمِ "الحَقِّ" الَّذي هو مَرجِعُ جَمِيعِ الحَقائِقِ وشَمْسُها وحامِيها هو حَقِيقةُ الحَشرِ الكُبْرَى.
يا رَبَّ الأَنبِياءِ والصِّدِّيقِينَ..
إِنَّ أُولَئِك جَمِيعًا مُسَخَّرُونَ َقِينَِّفُونَ في مُلكِك أَنتَ، وبِأَمرِك وقُدْرَتِك أَنتَ، وبإِرادَتِك وتَدبِيرِك أَنتَ، وبِعِلمِك وحِكْمَتِك أَنتَ.. وقد أَظهَرُوا الكُرةَ الأَرضِيّةَ بِالتَّقدِيسِ والتَّسبِيحِ والتَّكبِيرِ والتَّحمِيدِ والتَّهلِيلِ في حُكْمِ أَعظَمِ مَكتُسَلّلذِّكرِ، وأَبرَزُوا الكَونَ في حُكْمِ أَكبَرِ مَسجِدٍ لِلعِبادةِ.
— 266 —
يا رَبِّي، ويا رَبَّ السَّماواتِ والأَرَضِينَ.. يا خَالِقِي، ويا خَالِقَ كُلِّ شَيءٍ..
بِحَقّوزيعِ.َتِك وإِرادَتِك وحِكْمَتِك وحاكِمِيَّتِك ورَحْمَتِك الَّتي سَخَّرتَ بِها السَّمَاواتِ بِنُجُومِها، والأَرضَ بمُشتَمَلاتِها، وجَمِيعَ المَخلُوقاتِ بِجَمِيعِ، مِئةيّاتِها وأَنواعِها:
سَخِّرْ لي نَفسِي، وسَخِّرْ لي مَطلُوبِي، وسَخِّر قُلُوبَ النَّاسِ لِرَسائِلِ النُّورِ لِيَخدُمُوا القُرآنَ والإِيمانَ.. وهَبْ ليَجانِبخوانِي إِيمانًا كامِلًا وحُسنَ الخاتِمةِ؛ وكما سَخَّرتَ البَحرَ لِمُوسَى عَلَيهِ السَّلَام، وسَخَّرتَ النّارَ لِإِبراهِيمَ عَلَيهِ السَّلَام، وسَخَّرتَ الجِبالَ ولوَعدِيدَ لِداوُدَ عَلَيهِ السَّلَام، وسَخَّرتَ الإِنسَ والجِنَّ لِسُلَيمانَ عَلَيهِ السَّلَام، وسَخَّرتَ الشَّمسَ والقَمَرَ لِمُحَمَّدٍ علَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ، سَخِّرِ القُلُوبَ والعُقُولَ لِرَسائِلِ ا خَلَِّ؛ واحْفَظْنِي واحْفَظْ طَلَبةَ رَسائِلِ النُّورِ مِن شَرِّ النَّفسِ والشَّيطانِ، ومِن عَذابِ القَبرِ ومِن نارِ جَهَنَّمَ، وأَسعِدْنا في فِردْصَ فيلجَنّةِ. آمِينَ.. آمِينَ.. آمِينَ.
سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِمادِّيرَبِّ الْعَالَمِينَ
هَذا هُو الدَّرسُ الَّذي تَعَلَّمتُه مِنَ القُرآنِ الكَرِيم ومِنَ المُناجاةِ النَبَوِيّةِ المُسمَّاةِ الجَوْشَنَ الكَبِيرَ، فإِنْ كُنتُ قصَّرتُ في تَقدِيمِه عِبادةً تَفكُّرِيّةً بَينَ يَدَيْ رَمثالَهلرَّحِيمِ، فإِنِّي أَضْرَعُ إلى رحْمَتِه سُبْحانَه مُستَشفِعًا بالقُرآنِ والجَوْشَنِ الكَبيرِ لِيَعفُوَ عَنِّي.
سعيد النُّورْسِيّ

* * *

— 267 —
الحجّة الإيمانية التاسعة
(مُقدِمة الشُّعاع التَّاسع حَولَ الحَشر)
بِسْمِ اسُبحان الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ٭ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وذ تقُو تُظْهِرُونَ ٭ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ ٭ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونََديّةٍِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ٭ وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ َ لها!َرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ ٭ وَمِنْ آَيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنُّْبُوبِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ٭ وَمِنْ آَيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَِ والأَ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ٭ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَسَهْلٌَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ ٭ وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
— 268 —
إن لمِّنُ في هذا "الشُّعاعِ التّاسِعِ" بُرهانًا قَوِيًّا، وحُجّةً كُبرَى، لِما تُبَيِّنُه هذه الآياتُ الكَريمةُ مِن مِحوَرِ الإيمانِ وقُطْبِه، وهو الحَشْرُ، ومِنَ البَراهتَنْفَلسَّامِيةِ المُقدَّسةِ الدّالّةِ عليه.
وإنَّه لَعِنايةٌ رَبّانيّةٌ لَطِيفةٌ أن كَتَب "سَعيدٌ القَديمُ" قبلَ ثلاثين سَنةً في خِتامِ مُؤَلَّفِه "مُحاكَمه إلى َّذي كَتَبَه مُقدِّمةً لِتَفسيرِ "إشاراتِ الإعجازِ في مَظانِّ الإيجازِ" ما يأتي:
المَقصَدُ الثاني:سوف يُفسِّرُ آيتَينِ تُبيِّنانِ الحَشرَ وتُشِي سنُبييه.
ولكنَّه ابتَدَأَ بی: نَخُوْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وتَوَقَّف، ولم تُتَح له الكِتابةُ.
فأَلْفُ شُكْرٍ وشُكْرٍ للخالِقِ الكَريمِ وبعَدَدِ دَلائلِ الحَشرِ وأَماراتِه أن وَفَّقني لِبَيانِ ذلك التَّفسيرِ بعدَ ثلاثين سنةً،ابٍ مَُمَ سُبحانَه وتَعالَى علَيَّ بتَفسيرِ الآيةِ الأُولَى:
فَانْظُرْ إِلَى آَثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
وذلك لتَّرجَحوِ عَشْرِ سَنَواتٍ، فأَصبَحَتِ "الكَلِمةَ العاشِرةَ" و"الكَلِمةَ التّاسِعةَ والعِشرين"، وهما حُجَّتانِ ساطِعَتانِ قَوِيَّتانِ أَخرَسَتا المُنكِرين الجاحِدِين..
وبعدَ حَوالَيْ عَشْرِ سَنَواتٍ مِن بَيانِ ذلن ظُلُالحِصنَينِ الحَصينَينِ لِلحَشرِ، أفاضَ علَيَّ سُبحانَه وتَعالَى وأَنعَمَ بتَفسيرِ الآياتِ المُتَصدِّرةِ لهذا الشُّعاعِ، فكان هذه الرِّسالةَ. فهذا "ائلِها عُ التّاسِعُ" عِبارةٌ عن تِسعةِ مَقاماتٍ سامِيةٍ مِمّا أَشارَت إلَيْه الآياتُ الكَريمةُ مع مُقدِّمةٍ مُهِمّةٍ.

* * *

— 269 —
المقدمة
هذه المُقدِّمة نُقطَتانِ: سنَذكُرُ أوحةٌ مُوباختِصارٍ نَتيجةً واحِدةً جامِعةً مِن بينِ النَّتائجِ الحَياتيّةِ والفَوائدِ الرُّوحيّةِ لِعَقيدةِ الحَشرِ، مُبيِّنين مَدَى ضَرُورةِ هذه العَقيدةِ للحَياةِ الإنسانيةِ، ولا سيَّما الِاَّ لِليّةِ.
ونُورِدُ كذلك حُجّةً كُلِّيَّةً واحِدةً مِن بينِ الحُجَجِ العَديدةِ لِعَقيدةِ الإيمانِ بالحَشرِ، مُبيِّنين أيضًا مَدَى بَداهَتِها ووُضُوحِها حيثُ لا يُداخِلُها رَيبٌ ولا شُبهةٌ.
النإِسلامالأُولَى:
سنُشِيرُ إلى أَربَعةِ أَدِلّةٍ على سَبيلِ المِثالِ وكنَمُوذَجٍ قِياسِيٍّ مِن بينِ مِئاتِ الأَدِلّةِ على أنَّ عَقيدةَ الآخِرة55
ُسُّ الأَساسِ لِحياةِ الإنسانِ الِاجتِماعيةِ والفَردِيّةِ، وأَساسُ جَميعِ كَمالاتِه ومُثُلِه وسَعادَتِه.
الدليلُ الأوَّلُ:إنَّ الأَطفالَ الَّذين يُمَثِّلُون نِصفَ البَشَريّةِ، لا يُمكِنُهم أن يَتَحمَّلُدٍ، وأ الحالاتِ الَّتي تَبدُو مُؤلِمةً ومُفجِعةً أَمامَهم مِن حالاتِ المَوتِ والوَفاةِ إلَّا بما يَجِدُونه في أَنفُسِهم وكِيانِهمُ الرَّقيقِ اللَّطيفِ مِنَ القُوّةِّع هذعنَويّةِ النّاشِئةِ مِنَ "الإيمانِ بالجَنّةِ"، ذلك الإيمانِ الَّذي يَفتَحُ بابَ الأَمَلِ المُشرِقِ أَمامَ طَبائعِهمُ الرَّقيقةِ الَّتي لا تَتَمكَّنُ مِنظَرةٍ قاوَمةِ والصُّمودِ وتَبكِي لِأَدنَى سَبَبٍ؛ فيَتَمكَّنُون به مِنَ العَيشِ بهَناءٍ وفَرَحٍ وسُرورٍ، فيُحاوِرُ الطِّفلُ المُؤمنُ بالجَنّةِ نَفسَه: إنَّ أخي الصَّغيرَ أو صَديقي الحَبيبَ الَّذي تُوُفِّي، أَصبَحَ الآنَ فيها، مِن طُيُورِ الجَنّةِ، فهو إذًا يَسرَحُ مِنَ الجَنّةِ حيثُ يَشاءُ، ويَعيشُ أَفضَلَ وأَهنَأَ مِنَّا؛ وإلَّا فلَولا هذا الإيمانُ بالجَنّةِ، لَهَدَم المَوْتُ الَّذي يُصيبُ أَطفالًا أَ هذه ا یی وكذلك الكِبارُ یی تلك القُوّةَ المَعنَويّةَ لِهؤلاء الَّذين لا حِيلةَ لهم ولا قُوّةَ،
— 270 —
ولَحَطَّم نَفسِيّاتِهم، ولَدَمَّر حَياتَهم ونَغَّصَها، فتَبكي عِندَئذٍ جَميعُ جَوارِحِهم ولَطائِفِهم مِن رُوحٍ وقَلبٍ وعَقلٍ مع بُكا بُطلاُونِهم؛ فإمَّا أن تَمُوتَ أَحاسِيسُهم وتَغلُظَ مَشاعِرُهم أو يُصبِحُوا كالحَيَواناتِ الضّالّةِ التَّعِسةِ.
الدَّليلُ الثاني:إنَّ الشُّيوخَ الَّذين هم نِصفُ البَشَريّةِ، إنَّما يَتَحمَّلُون ويَصبِرُون وهم على شَفيرِ القَبْرَّلالَلإيمانِ بالآخِرةِ"، ولا يَجِدُون الصَّبْرَ والسُّلوانَ مِن قُرْبِ انطِفاءِ شُعلةِ حَياتِهمُ العَزيزةِ علَيهم، ولا مِنِ انغِلاقِ بابِ دُنياهمُ الحُلْوةِ الجَميلةِ في وُجُوهِهم الآلافي ذلك الإيمانِ؛ فهَؤُلاءِ الشُّيوخُ الَّذين عادُوا كالأَطفالِ وأَصبَحُوا مُرَهَفِيْ الحِسِّ في أَرْواحِهم وطَبائعِهم، إنَّما يُقابِلُون ذلك اليَأْسَ القاتِلَ الأَلِيمَ النّاش الأَبنَ المَوتِ والزَّوالِ، ويَصبِرُون عليه بالأَمَلِ في الحَياةِ الآخِرةِ، وإلَّا فلَولا هذا الإيمانُ بالآخِرةِ لَشَعَر هؤلاء الآباءُ والأُمَّهاتُ الَّذينكلُّ إجْدَرُ بالشَّفَقةِ والرَّأفةِ والَّذين هم في أَشَدِّ الحاجةِ إلى الِاطمِئنانِ والسَّكِينةِ والحَياةِ الهادِئةِ، ضِرامًا رُوحِيًّا واضطِرابًا نَفسِيًّا وقَلَقًا قَلْبيًّا، ولَضاقَتْ علَيهمُ الدُّنيا بما رَحُبَت، ولَتَحَوَّلَت سِجنًرسالُهِمًا رَهيبًا، ولَانقَلَبَتِ الحَياةُ إلى عَذابٍ أَلِيمٍ قاسٍ.
الدَّليلُ الثالث:إنَّ الشَّبابَ والمُراهِقين الَّذين يُمَثِّلُون مِحوَرَ الحَياةِ الِاجتِماعيّةِ لا يُهَدِّئُ فَوْرةَ مَشاعِرِهم، ولا يَمنَعُهم مِن تَجاوُزِ السمًا م إلى الظُّلمِ والتَّخريبِ، ولا يَمنَعُ طَيْشَ أَنفُسِهم ونَزَواتِها، ولا يُؤَمِّنُ السَّيرَ الأَفضَلَ في علاقاتِهمُ الِاجتِماعيّةِ إلَّا الخَوْفُ مِن نارِ جَهَنَّمَ، فلَولا هذا الخَِأَمرٍِن عَذابِ جَهَنَّمَ لَقَلَبَ هؤلاء المُراهِقُون الطَّائِشُون الثَّمِلُون بأَهوائِهمُ الدُّنيا إلى جَحيمٍ تَتَأَجَّجُ على الضُّعَفاءِ والعَجائزِ، حيثُ "الحُكْمُ للغالِبِ"، ولَحَوَّلُوا الإنسانيّةَ السَّامن شِئتلى حَيَوانيَّةٍ سافِلةٍ.
الدَّليلُ الرابع:إنَّ الحَياةَ العائليَّةَ هي نابِضُ الحَياةِ الدُّنيَويّةِ ومَركَزُها الجامِعُ، وهي جَنّةُ سَعادَتِها وقَلعَتُها الحَصينةُ ومَلْجَؤُها الأَمينُ؛ وإنَّ بَيتَ كلِّ فَردٍ هو عاَّهِمْودُنياه الخاصّةُ، فلا سَعادةَ لِرُوحِ الحَياةِ العائليّةِ إلَّا بالِاحتِرامِ المُتَبادَلِ الجادِّ والوَفاءِ الخالِصِ بينَ الجَميعِ، والرَّأفةِ الصَّاديثُ إنالرَّحمةِ الَّتي تَصِلُ إلى حَدِّ التَّضحِيةِ
— 271 —
والإيثارِ؛ ولا يَحصُلُ هذا الِاحتِرامُ الخالِصُ والرَّحمةُ المُتَبادَلةُ الوَفِيَّة إلَّا بالإيمانِ بوُجُودِ علاقاتِ صَداقةٍ أَبَديَّةٍ، ورُفقةٍ دائمةٍ، اضِ وُّةٍ سَرمَديّةٍ، في زَمَنٍ لا نِهايةَ له، وتحتَ ظِلِّ حياةٍ لا حُدُودَ لها، تَربِطُها عَلاقاتُ أُبُوّةٍ مُحتَرَمةٍ مَرمُوقةٍ، وأُخُوّةٍ خالِصةٍ نَقِيَّةٍ، وصَداقةٍ وَفِيَّةهِندِ يهةٍ، حيثُ يُحَدِّثُ الزَّوجُ نَفسَه: "إنَّ زَوْجَتي هذه رَفيقةُ حَياتي وصاحِبَتي في عالَمِ الأَبَدِ والحَياةِ الخالِدةِ، فلا ضَيْرَ إمَزِيدَحَتِ الآنَ دَميمةً أو عَجُوزًا، إذ إنَّ لها جَمالًا أَبَديًّا سيَأتي، لِذا فأنا مُستَعِدٌّ لِتَقديمِ أَقصَى ما يَستَوجِبُه الوَفاءُ والرَّأفةُ، لكَريمِّيَ بكلِّ ما تَتَطلَّبُه تلك الصَّداقةُ الدَّائمةُ".. وهكذا يُمكِنُ أن يُكِنَّ هذا الرَّجلُ حُبًّا ورَحمةً لِزَوجَتِه العَجُوزِ كما يُكِنُّه للحُورِ العِينِ؛ وإلَّا فإنَّ صُحبةً وصَداقةً صُورِيّةً تَستَغرِقُ ساعاءَهم ساعتَينِ ومِن ثَمَّ يَعقُبُها فِراقٌ أَبَديٌّ ومُفارَقةٌ دائمةٌ لَهِي صُحبةٌ وصَداقةٌ ظاهِريّةٌ لا أَساسَ لها ولا سَنَدَ، ولا يُمكِنُها أن تُعطِيَ إلَّا رَحمةً مَجازِيّةً، ، بل يامًا مُصطَنَعًا، وعَطْفًا حَيَوانِيَّ المَشاعِرِ، فَضْلًا عن تَدَخُّلِ المَصالِحِ والشَّهَواتِ النَّفسانِيّةِ وسَيطَرَتِها على تلك الرَّحمةِ والِاحتِرامِ، فتَنقَلِبُ عِندَئذٍ تلك الجَنّةُ الدُّنيَوِيّةُ إلى جَحيمٍ لا يُطاقُ.
وهكذا، فإنَّ نَ#171
ش واحِدةً للإيمانِ بالحَشرِ مِن بينِ مِئاتِ النَّتائجِ تَتَعلَّقُ بالحَياةِ الِاجتِماعيّةِ للإنسانِ، وتَعُودُ إلَيها، ولها مِئاتُ الأَوجُهِ والفَوائدِ، إذا ما قِيسَت على تلك الدَّلائلِ الأَربعةِ المَذكُورةِ آنفًا، يُدرَك أنَّ وُقُوعَ حَقيقةِ اوالخَو وتَحَقُّقَها قَطعِيٌّ كقَطعِيّةِ ثُبُوتِ حَقيقةِ الإنسانِ السَّامِيةِ وحاجاتِه الكُلِّيَّةِ؛ بل هي أَظهَرُ دَلالةً مِن حاجةِ المَعِدةِ إلى الأَطعِمةِ والأَغذِيةِ، وأَوضَحُ شَهادةً مِنها؛ ويُمكِنُ أن يُقدَّرَ مَدَى تَحَقُّهْنِ (َحَقُّقًا أَعمَقَ وأَكثَرَ إذا ما سُلِبَتِ الإنسانيّةُ مِن هذه الحَقيقةِ: الحَشرِ، حيثُ تُصبِحُ ماهِيَّتُها الَّتي هي سامِيةٌ ومُهِمّةٌ وحَيَويّةٌ بمَثابةِ جِيفةٍ نَتِنةٍ ومَأْوَى المَيكرُوباتِ والجَراثيمِ.
فَلْيُلقِ السَّمْعَ عُلَماءُ الِ تَيَسعِ والسِّياسةِ والأَخلاقِ مِنَ المَعنِيِّين بشُؤُونِ الإنسانِ وأَخلاقِه واجتِماعِه، ولْيَأْتُوا ويُبيِّنُوا بماذا سيَملَؤُون هذا الفَراغَ؟ وبماذا سيُداوُون ويُضَمِّدُون هذه الجُروحَ الغائرةَ العَميقةَ؟!
— 272 —
النُّقطةاءً مَِانِية:
تُبيِّنُ هذه النُّقطةُ بإيجازٍ شديدٍ بُرهانًا واحِدًا مِن بينِ البَراهينِ الَّتي لا حَصْرَ لها على حَقيقةِ الحَشرِ، وهو ناشِئٌ مِن خُلاصةِ ، رَغمِ سائرِ الأَركانِ الإيمانيَّةِ، وعلى النَّحوِ الآتي:
إنَّ جَميعَ المُعجِزاتِ الدَّالَّةِ على رِسالةِ سيِّدنا مُحمَّدٍ (ص) مع جَميعِ دَلائلِ نُبُوَّتِه وجَميعِ البَراهِينِ الدَّالَّةِ على صِدْقِه، تَشهَدُسبةُ تُوعِها معًا، على حَقيقةِ الحَشرِ، وتَدُلُّ علَيها وتُثبِتُها، لأنَّ دَعوَتَه (ص) طَوالَ حَياتِه المُبارَكةِ قد انصَبَّتْ بعدَ التَّوحِيدِ علىكَرَ ترِ؛ وأنَّ جَميعَ مُعجِزاتِ الأَنبِياءِ عَلَيهِم السَّلَام وحُجَجَهُمُ الدّالّةَ على صِدقِهم وتَحمِلُ الآخَرين على تَصديقِهم؛ تَشهَدُ على الحَقيقةِ نَفسِها، وهي الحَشرُ.. وكذا شَهادةُ "الكُتُبِ المُنَزَّلةِ" الَّتي رَقَّتِرُنا َهادةَ الصَّادِرةَ مِنَ "الرُّسُلِ الكِرامِ" إلى دَرَجةِ البَداهةِ، تَشهَدانِ على الحقيقةِ نَفسِها، وعلى النَّحوِ الآتي:
فالقرآنُ الكَريمُ ذُو البَيانِ المُعجِزِ يَشهَدُ بجَميع مُعجِزاتِه وحُجَجِه وحَقائقِه الَّتي تُثب فأَنعحَقِّيَّیتَه، على حُدُوثِ الحَشرِ ويُثبِتُه، حيثُ إنَّ ثُلُثَ القُرآنِ بأَكمَلِه، وأَوائلَ أَغلَبِ السُّوَرِ القِصارِ، آياتٌ جَلِيّةٌ على في كلِّ، أي: إنَّ القُرآنَ الكَريمَ يُنبِئُ عنِ الحَقيقةِ نَفسِها بآلافٍ مِن آياتِه الكَريمةِ صَراحةً أو إشارةً ويُثْبِتُها بوُضُوحٍ، ويُظهِرُرةُ بللاءٍ.
فمَثَلًا:إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ، إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا، إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ، إتَنتَظلسَّمَاءُ انْشَقَّتْ، عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ، هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ، فيُثبِتُ القرآنُ الكريمُ بهذه الآياتِ وأَمثالِها في مُفتَتَحِ ما يُقارِبُ أَربَعين سُورةً أنَّ الحَشْرَ لا رَيبَ فستَدعِنَّه حَدَثٌ في غايةِ الأَهَمِّيّةِ في الكَوْنِ، وأنَّ حُدُوثَه ضَروريٌّ جِدًّا ولا بُدَّ مِنه، ويُبيِّنُ بالآياتِ الأُخرَى دَلائلَ مُختَلِفةً مُقنِعةً على تلك الحَقيقةِ.
تُرَى إن كان كِتابٌ تُثمِرُ إشارةٌ واحئكةِ"،ِآيةٍ مِن آياتِه تلك الحَقائقَ العِلْميّةَ والكَونيّةَ المَعرُوفةَ بالعُلُومِ الإسلاميّةِ، فكيف إذًا بشَهادةِ آلافٍ مِن آياتِه ودَلائلِه الَّتي تُبيِّنُ الإيمانَ
— 273 —
بالحَشاءِ، وشَّمسِ ساطِعةً؟ ألا يكُونُ الجُحُودُ بهذا الإيمانِ كإنكارِ الشَّمسِ، بل كإِنكارِ الكائناتِ قاطِبةً؟! ألا يكُونُ ذلك باطِلًا ومُحالًا في مِئةِ مُحالٍ؟!
تُرَى هل يُمكِنُ أن يُوصَم آلافُ امةٍِ ب والوَعيدِ لِكَلامِ سُلطانٍ عَزيزٍ عَظيمٍ بالكَذِبِ أو أنَّها بلا حَقيقةٍ، في حِينِ قد يَخُوضُ الجَيشُ غِمارَ الحَربِ لِئلّا تُكذَّبَ إشارةٌ صادِرةٌ مِن سُلطانٍ؟! فكيف بالسُّلطانِ المَعنَويِّ العَظيمِ الَّذي دامَ حُكْمُه وهَيمَنَتُه ثُجَدِّعَشَرَ قَرْنًا دونَ انقِطاعٍ، فرَبَّى ما لا يُعَدُّ مِنَ الأَرواحِ والعُقُولِ والقُلُوبِ والنُّفُوسِ، وزَكَّاها وأَدارَها على الحَقِّ والحَقيقةِ، ألا تَكفِي إشارةٌ واحِدةٌ مِنه لإثباتِ حَالثّانالحَشرِ؟ عِلمًا أنَّ فيه آلافَ الصَّراحةِ الواضِحةِ المُثبِتةِ لهذه الحَقيقةِ! ألَيسَ الَّذي لا يُدرِكُ هذه الحَقيقةَ الواضِحةَ أَحمَقَ جاهِلًتُوَضّ يَكُونُ مِنَ العَدالةِ المَحضةِ أن تكُونَ النّارُ مَثْواه؟
ثمَّ إنَّ الصُّحُفَ السَّماوِيَّةَ والكُتُبَ المُقدَّسةَ جَميعَها الَّتي حَكَماتِ الٌ مِنها لحِقبةٍ مِنَ العُصُورِ والأَزمِنةِ، قد صَدَّقَت بآلافٍ مِنَ الدَّلائلِ دَعوَى القُرآنِ الكَريمِ في حَقيقةِ الحَشرِ مع أنَّ بَيانَها لها مُختَصَرٌ ومُوجَزٌ، وذلك بمُقتَضَى زَمانِها وعَصرِها، تلك الحَقيقةُ القاَينِ یالَّتي بَيَّنَها القُرآنُ الكَريمُ الَّذي سادَ حُكْمُه على العُصُورِ جَميعِها، وهَيْمَن على المُستَقبَلِ كلِّه، بيَّنَها بجَلاءٍ وأَفاضَ في إيضاحِها.
يُدرَجُ هنا نَصُّ ما جاءَركِ واِرِ رِسالةِ"المُناجاةِ"انسِجامًا مع البَحْثِ، تلك الحُجّةُ القاطِعةُ المُلَخَّصةُ للحَشرِ، والنّاشِئةُ مِن شَهادةِ سائرِ الأركانِ الإيمانيّةِ ودَلائلِها على الإيمانِ بالّائلةِ الآخِرِ، ولا سِيَّما الإيمانِ بالرُّسُلِ والكُتُبِ، والَّتي تُبَدِّدُ الأَوهامَ والشُّكُوكَ، حيثُ جاءَت بأُسلُوبٍ مُوجَزٍ، وعلى صُورةِ مُناجاةٍ:
"يا رَبِّي الرَّحيمَ..لقد أَدْرَكْتُ بتَعلِيمِ الرَّسُولِ (ص المُعِمتُ مِن تَدرِيسِ القُرآنِ الحَكيمِ، أنَّ الكُتُبَ المُقَدَّسةَ جَميعَها، وفي مُقَدِّمَتِها القُرآنُ الكَريمُ، والأَنبِياءُ عَلَيهِم السَّلَام جَميعُهم، وفي مُقَدِّمَتِي مَوضرَّسُولُ الأَكرَمُ (ص)، يَدُلُّون ويَشهَدُون ويُشِيرُون بالإِجماعِ والِاتِّفاقِ إلى أنَّ تَجَلِّياتِ الأَسماءِ الحُسنَى یی ذاتِ الجَلالِ والجَمالِ یی الظَّاهِرةِ آثارُها في هذه الدُّنيا، وفي العَوالِمِ كافّةً، ستَدُومُ دَوامًا أَسْطَعَ وأَبكِيمِ"في أَبَدِ الآبادِ.. وأنَّ تَجَلِّياتِها
— 274 —
یی ذاتَ الرَّحمةِ یی وآلاءَها المُشاهَدةَ نَماذِجُها في هذا العالَمِ الفَاني، ستُثْمِرُ بأَبهَى نُورٍ وأَعظَمٍ تَأَلُّقٍ، وستَبْقَى دَوْمًا في دارِ اه، وفادةِ.. وأنَّ أُولَئِك المُشتاقِين الَّذين يَتَمَلَّونَها یی في هذه الحَياةِ الدُّنيا القَصيرةِ یی بلَهْفةٍ وشَوْقٍ سيُرافِقُونها بالمَحَبّةِ والوُدِّ، ويَصْحَبُونها إلى الأَبَدِ، ويَظَلُّوَمانِ.ها خالِدين.. وأنَّ جَميعَ الأَنبِياءِ وهم ذَوُو الأَرواحِ النَّيِّرةِ یی وفي مُقَدِّمَتِهمُ الرَّسُولُ الأَكرَمُ (ص) یی وجَميعَ الأَولياءِ ودُنًقطابُ ذَوِي القُلوبِ المُنوَّرةِ، وجَميعَ الصِّدِّيقين وهم مَنابِعُ العُقولِ النّافِذةِ النَّيیِّرةِ، كلُّ أُولَئِك يُؤْمِنُون إيمانًا راسِخًا عَمِيقًا بالحَشرِ ويَشهَدُون عليه ويُبَشّرضِيّةلبَشَريّةَ بالسَّعادةِ الأَبَديّةِ، ويُنذِرُون أهلَ الضَّلالةِ بأنَّ مَصِيرَهمُ النّارُ، ويُبَشِّرُون أَهلَ الهِدايةِ بأنَّ عاقِبَتَهمُ الجَنّةُ، مُستَنِدِين إلى مِئاتِ المُعجِزاتِ البدًّا! والآياتِ القاطِعةِ، وإلى ما ذَكَرْتَه أَنتَ يا رَبِّي مِرارًا وتَكرارًا في الصُّحُفِ السَّماوِيّةِ والكُتُبِ المُقَدَّسةِ كُلِّها مِن آلافِ الوَعدِ والوَعيدِ؛ ومُعتَمِدِلى سُو عِزّةِ جَلالِك وسُلطانِ رُبُوبِيَّتِك وشُؤُونِك الجَليلةِ، وصِفاتِك المُقدَّسةِ كالقُدْرةِ والرَّحمةِ والعِنايةِ والحِكمةِ والجَلالِ والجَمالِ، وبِناءً على مُشاهَداتِ وكمشْفِيّاتِهم غيرِ المَعدُودةِ الَّتي تُنْبِئُ عن آثارِ الآخِرةِ ورَشَحاتِها؛ وبِناءً على إيمانِهم واعتِقادِهمُ الجازِمِ الَّذي هو بدَرَجةِ عِلمِ اليَقِينِ وعَمَرغُويَقِينِ.
فيا قَدِيرُ ويا حَكِيمُ ويا رَحمٰنُ ويا رَحِيمُ ويا صادِقَ الوَعدِ الكَريمَ، ويا ذا العِزّةِ والعَظَمةِ والجَلالِ، ويا قَهَّارُ ذُو الجَلالِ.ُستَخد مُقَدَّسٌ ومُنَزَّهٌ، وأنتَ مُتَعالٍ عن أن تَصِمَ بالكَذِبِ كلَّ أَوْلِيائِك وكلَّ وُعُودِك وصِفاتِك الجَلِيلةِ وشُؤُونِك المُقَدَّسةِ.. فتُكَذِّبَهم، وأن تَحْجُبَ ما يَقتَضِيه قَطْعًا سُلْطانُ رُبُوبِيَّتِك بعَدَمِ استِجابَتِك لِتِلك رادِ تِيةِ الصّادِرةِ مِن عِبادِك الصّالِحِين الَّذين أَحبَبْتَهم وأَحَبُّوك، وحَبَّبوا أَنفُسَهم إلَيك بالإيمانِ والتَّصْديقِ والطّاعةِ، فأنتَ مُنَزَّهٌ ومُتَعالٍ مُطلَقٌ عن أن تُصَدِّقَيّ" (ث الضَّلالةِ والكُفرِ في إنكارِهِمُ الحَشرَ، أُولَئك الَّذين يَتَجاوَزُون على عَظَمَتِك وكِبرِيائِك بكُفرِهم وعِصْيانِهم وتَكذِيبِهم لك ولِوُعُجُودِ والَّذين يَستَخِفُّون بعِزّةِ جَلالِك وعَظَمةِ أُلُوهِيَّتِك ورَأْفةِ رُبُوبِيَّتِك..
فنحنُ نُقَدِّسُ بلا حَدٍّ ولا نِهايةٍ عَدالَتَك وجَمالَك المُطلَقَينِ ورَحمَتَك الواسِعةَ ونُنَیزِّهُها مِن هذا الظُّلملِقَ اُبْحِ غيرِ المُتَناهي.. ونَعتَقِدُ ونُؤمِنُ بكلِّ ما أُوتِينا مِن قُوّةٍ بأنَّ
— 275 —
الآلافَ مِنَ الرُّسُلِ والأَنبِياءِ الكِرامِ، وبما لا يُعَدُّ ولا يُحْصَى مِنَ الأَصفِياءِ والأَولِياءِ الَّذين همُ المُنادُونَ إبّاؤُهم شاهِدُونَ بحَقِّ اليَقِينِ وعَينِ اليَقينِ وعِلمِ اليَقينِ على خَزائِنِ رَحمَتِك الأُخرَوِيّةِ وكُنُوزِ إحسَانَاتِك في عالَمِ البَقاءِ، وتَجَلِّياتِ أَسمائِك الحُسنَىلكَلامي تَنكَشِفُ كُلِّيًّا في دارِ السَّعادةِ.. ونُؤْمِنُ أنَّ هذه الشَّهادةَ حَقٌّ وحَقيقةٌ، وأنَّ إشاراتِهم صِدقٌ وواقِعٌ، وأنَّ بِشاراتِهم صادِقةٌ وواقِعةٌ..
فهَؤُلاءِ جَميعَدِّيًمِنُون بأنَّ هذه الحَقيقةَ الكُبرَى (أي: الحَشرَ) شُعاعٌ عَظيمٌ مِنِ اسمِ "الحَقِّ" الَّذي هو مَرْجِعُ جَميعِ الحَقَائقِ وشَمْسُها، فيُرشِدُونرةَ واَك یی بإذنٍ مِنك یی ضِمنَ دائرةِ الحَقِّ، ويُعَلِّمُونَهم بعَينِ الحَقيقةِ.
فيا رَبِّي.. بحَقِّ دُرُوسِ هَؤُلاءِ، وبحُرمةِ إرشاداتِهم، آتِنا إيمانًا كامِلًا، وارْزُقنا حُسْنَ الخاتِمةِ، لنا ولِطُلّابِ النُّورِ، واجعَلْبالِغَلًا لِشَفاعَتِهم.. آمين".
وهكذا فإنَّ الدَّلائِلَ والحُجَجَ الَّتي تُثبِتُ صِدْقَ القُرآنِ الكَريمِ بل جَميعِ الكُتُبِ السَّماوِيّةِ، وإنَّ المُعجِزاتِ والبَراهِينَ الَّتي تُثلأَشجاُبُوّةَ حَبِيبِ اللهِ بلِ الأَنبِياءِ جَمِيعِهم، تُثبِتُ بدَوْرِها أَهَمَّ ما يَدْعُون إليه، وهو تَحَقُّقُ الآخِرةِ وتَدُلُّ علَيها؛ كما أنَّ أَغلَبَ الأَدِلّةِ والحُجَجِ الشّاهِدةِ على وُجُوبِ واجِبِ الوُجُودِ ووَحْدَتِه سُبحانَه، هي بِدَوْرأنَّه هِدةٌ على دارِ السَّعادةِ وعالَمِ البَقاءِ الَّتي هي مَدارُ الرُّبُوبيّةِ والأُلُوهِيّةِ وأَعظَمُ مَظهَرٍ لَهُما، وهي شاهِدةٌ على وُجُودِ تلك الدَّارِ وانفِتاَليٌّ وابِها یی كما سيُبَيَّنُ في المَقاماتِ الآتِيةِ یی لأنَّ وُجُودَه سُبحانَه وتَعالَى، وصِفاتِه الجَلِيلةَ، وأَغلَبَ أَسمائِه الحُسنَى، وشُؤُونَه الحَكِيمةَ، وأَوصافَه المُقَدَّسةَ أَمثلى أَشرُّبُوبيّةِ والأُلُوهِيّةِ والرَّحمةِ والعِنايةِ والحِكمةِ والعَدالةِ، تَقتَضِي جَمِيعُها الآخِرةَ وتُلازِمُها، بل تَستَلزِمُ وُجُودَ عالَمِ البَقاءِ بدَرَجةِ الوُجُئةِ أَتَطْلُبُ الحَشرَ والنُّشُورَ للثَّوابِ والعِقابِ بدَرَجةِ الضَّرُورةِ أيضًا.
نعم، ما دامَ اللهُ مَوجُودًا، وهو واحِدٌ، أَزَلِيٌّ أَبَدِيٌّ، فلا بُدَّ أنَّ مِحوَرَ سُلطانِ أُلُوهِيَّتِه وهو الآخِرةُ، مَوجُودٌ أيضًا.. وما دامَقد هَُّبُوبيّةُ المُطلَقةُ الَّتي هي ذاتُ جَلالٍ وعَظَمةٍ وحِكمةٍ ورَأفةٍ تَتَجَلَّى ظاهِرةً واضِحةً في هذه الكائِناتِ ولا سِيَّما في الأَحياءِ،
#27رَى مابُدَّ أنَّ هناك سَعادةً أَبَدِيّةً تَنفِي عنِ الرُّبُوبيّةِ المُطلَقةِ أيَّ ظَنٍّ بكَونِها تَترُكُ الخَلْقَ هَمَلًا دُونَ ثَوابٍ، وتُبْرِئُ الحِكمةَ مِنَ العَبَثِ، وتَصُونُ الرَّأفةَ مِنَ الغَدْرِ؛ أي:نَّ عَتلك الدّارَ مَوجُودةٌ قَطْعًا ولا بُدَّ مِنَ الدُّخُولِ فيها.
وما دامَت هذه الأَنواعُ مِنَ الإنعامِ والإحسانِ واللُّطْفِ والكَرَمِ والعِنايةِ والرَّحمةِ مُشاهَدةً وظاهِرةً أَمامَ العُقُولِ الَّتي لم ترَتِه.ئْ، وأَمامَ القُلُوبِ الَّتي لم تَمُتْ، وتَدُلُّنا على وُجُوبِ وُجُودِ رَبٍّ رَحمٰنٍ رَحِيمٍ وَراءَ الحِجابِ، فلا بُدَّ مِن حَياةٍ باقِيةٍ خالِدةٍ، لِتُنقِذَ الإِنعاٍ مُحََ الِاستِهزاءِ، أي: يَأخُذَ الإِنعامُ مَداه، وتَصُونَ الإحسانَ مِنَ الخِداعِ لِيَستَوْفِيَ حَقِيقَتَه، وتُنقِذَ العِنايةَ مِنَ العَبَثِ لِتَستَكمِلَ تَحَقُّقَها الشَّجِيَ الرَّحمةَ مِنَ النِّقمةِ فيَتِمَّ وُجُودُها، وتُبرِئَ اللُّطْفَ والكَرَمَ مِنَ الإهانةِ لِيَفِيضا على العِبادِ.. نعم، إنَّ الَّذي يَجعَلُ الإحسانَ إِحسانًا حَقًّا، والنِّعمةَ نِعمةً حَقًّا، هوَفسِهادُ حَياةٍ باقِيةٍ خالِدةٍ في عالَمِ البَقاءِ والخُلُودِ.. نعم، لا بُدَّ أن يَتَحَقَّقَ هذا.
وما دامَ قَلَمُ القُدرةِ الَّذي يَكتُبُ في فَصلِ الرَّبيعِ وفي صَحِيفةٍ ضَيِّقةٍ صَغِيرةٍتَكَرَّ أَلْفِ كِتابٍ، كِتابةً مُتَداخِلةً بلا خَطَأٍ ولا نَصَبٍ ولا تَعَبٍ، كما هو واضِحٌ جَلِيٌّ أَمامَ أَعيُنِنا؛ وأنَّ صاحِبَ ذلك القَلَمِ قد تَعَهَّد ووَعَدَ مِئةَ أَطرَتِهَرّةٍ: لَأَكْتُبَنَّ كِتابًا أَسهلَ مِن كِتابِ الرَّبيعِ المَكتُوبِ أَمامَكم، ولَأَكتُبنَّه كِتابةً خالِدةً، في مَكانٍ أَوْسَعَ وأَرْحَبَ وأَجْمَلَ مِن هذا المَكانِ الضَّيِّقِ المُختَلتُخِلّمُتَداخِلِ.. فهو كِتابٌ لا يَفنَى أَبدًا، ولَأَجعَلَنَّیكُم تَقرَؤُونه بحَيرةٍ وإعجابٍ!. وأنَّه سُبحانَه يَذكُرُ ذلك الكِتابَ في جَميعِ أَوامِرِه، أي: إنّ بمَثاولَ ذلك الكِتابِ قد كُتِبَت بلا رَيبٍ، وستُكتَبُ حَواشِيه وهَوامِشُه بالحَشرِ والنُّشُورِ، وستُدَوَّنُ فيه صَحائفُ أَعمالِ الجَميعِ..
وما دامَتى الخُلأَرضُ قد أَصبَحَت ذاتَ أَهَمِّيّةٍ عُظَمَى مِن حيثُ احتِواؤُها على كَثرةِ المَخلُوقاتِ، ومِئاتِ الأُلُوفِ مِن أَنواعِ ذَوِي الحَياةِ والأَرْواحِ المُختَلِفةِ المُتَبَدِّلةِ، حتَّى صارَت قَلْبَ اليٍّ مُ وخُلاصَتَه، ومَركزَه وزُبدَتَه ونَتِيجَتَه وسَبَبَ خَلْقِه؛ فذُكِرَت دائمًا صِنْوًا للسَّماواتِ كما في: رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ في جَميعِ الأَوامِرِ السَّماوِيّةِ..
— 277 —
وما دامَ ابنُ آدَمَ يَحْكُمُ فسِها.
َى جِهاتِ هذه الأَرضِ یی الَّتي لها هذه الماهِيّاتُ والخَواصُّ یی ويَتَصَرَّفُ في أَغلَبِ مَخلُوقاتِها مُسَخِّرًا أَكثَرَ الأَحياءِ له، جاعِلًا أَكثَرَ المَصنُوعاتِ تَحُوسمِه سْلَه وَفْقَ مَقايِيسِ هَواه، وحَسَبَ حاجاتِه الفِطرِيّةِ، ويُنَظِّمُها ويَعرِضُها ويُزَيِّنُها، ويُنَسِّقُ الأَنواعَ العَجِيبةَ مِنها في كلِّ مَكانٍ بحَيثُ لا يَلْفِتُ نَظَرَ الإنسِ والجِنِّ وَحدَهرِهم، يَلفِتُ أيضًا نَظَرَ أَهلِ السَّماواتِ والكَوْنِ قاطِبةً، بل حتَّى نَظَرَ مالِكِ الكَوْنِ، فنالَ الإعجابَ والتَّقديرَ والِاستِحسانَ، وأَصبَحَت له یی مِن هذه الجِهةِ یی أَهَمِّيّةٌ عَظِيمةٌ، وقِيمةٌ عالِيةٌ، فأَا فَقَما أُوتِيَ مِن عِلمٍ ومَهارةٍ أنَّه هو المَقْصُودُ مِن حِكمةِ خَلْقِ الكائناتِ، وأنَّه هو نَتِيجَتُها العُظمَى وثَمَرتُها النَّفيسةُ، ولا غَرْوَ فهُو خَلِيفةُ الأَرضِ.. وحوسُفيَّّه يَعرِضُ صَنائِعَ الخالِقِ البَديعةَ، ويُنَظِّمُها بشَكلٍ جَميلٍ جَذَّابٍ في هذه الدُّنيا، فقد أُجِّلَ عَذابُه رَغمَ عِصيانِه وكُفرِه، وسُمِحَ له بالعَيشِ في الدّنيا، اصِفَ لَ لِيَقُومَ بهذه المُهِمّةِ بنَجاحٍ..
وما دامَ لابنِ آدَمَ یی الَّذي له هذه الماهِيّةُ والمَزايا خِلقةً وطَبْعًا، وله حاجاتٌ لا تُحَدُّ مع ضَعْفِه الشَّديدِ، وآلامٌ لا تُعَدُّ مع عَجْزِه يَكَدْلِ یی ربٌّ قَدِيرٌ، له الحِكمةُ والقُدرةُ والرَّأفةُ المُطلَقةُ مِمَّا يَجعَلُ هذه الأَرضَ الهائلةَ العَظيمةَ مَخْزَنًا عَظِيمًا لِأَنواعِ المَعادِنِ الَّتي يَحتاجُها الإنسانُ، ومُلك العَعًا لِأَنواعِ الأَطعِمةِ الضَّرُورِيّةِ له، وحانُوتًا للأَموالِ المُختَلِفةِ الَّتي يَرغَبُها، وأنَّه سُبحانَه يَنظُرُ إليه بعَينِ العِنايةةٍ كَبَّأفةِ ويُرَبِّيه ويُزَوِّدُه بما يُريدُ..
وما دامَ الرَّبُّ سُبحانَه یی كما في هذه الحَقيقةِ یی يُحِبُّ الإنسانَ، ويُحَبِّبُ نَفسَه إليه، وهو باقٍ، وله عَوالِمُ باقِيةٌ، ويُجرِي الأُمُورَ وَفْقَ عَدالَتِه، ويَعمَلُ كلَّ شَرِقًا،فْقَ حِكمَتِه، وأنَّ عَظَمةَ سُلطانِ هذا الخالِقِ الأَزَلِيِّ وسَرْمَدِيّةَ حاكِمِيَّتِه لا تَحصُرُهما هذه الدُّنيا القَصِيرةُ، ولا يَكفِيهِما عُمُرُ الإنسانِ القَصيرُ جِدًّا، ولا عُمُرُ هذه الأَرضِ المُؤَقَّتةِ الفانِيةِ؛َريمةٍيَظَلُّ الإنسانُ دُونَ جَزاءٍ في هذه الدُّنيا لِما يَرْتَكِبُه مِن وَقائِعِ الظُّلمِ، وما يَقتَرِفُه مِن إنكارٍ وكُفرٍ وعِصيانٍ، تُجاهَ مَوْلاه الَّذي أَنعَمَ علَيه ورَبَّا أَهلَفةٍ كامِلةٍ وشَفَقةٍ
— 278 —
تامّةٍ، مِمّا يُنافي نِظامَ الكَوْنِ المُنَسَّقِ، ويُخالِفُ العَدالةَ والمُوازَنةَ الكامِلةَ الَّتي فيها، ويُخالِفُ جَمالَه وحُسْنَه، إذ يَقضِي الظَّالِمُ القاسِي حَياتَه براحةٍ، بَينَما المِه سُبُ البائِسُ يَقضِيها بشَظَفٍ مِنَ العَيشِ. فلا شَكَّ أنَّ ماهِيّةَ تلك العَدالةِ المُطلَقةِ یی الَّتي تُشاهَدُ آثارُها في الكائِناتِ یی لا تَقبَلُ أَبدًا، ولا تَرضَى مُطلَقًا، عا في ببَعْثِ الظَّالِمِين العُتاةِ معَ المَظلُومِين البائِسِين الَّذين يَتَساوَوْن معًا أَمامَ المَوتِ.
وما دامَ مالِكُ المُلكِ قدِ اختارَ الأَرضَ مِنَ الكَوْنِ، واختارَ الإ المُتمِنَ الأَرضِ، ووَهَبَ له مَكانةً سامِيةً، وأَوْلاه الِاهتِمامَ والعِنايةَ، واختارَ الأَنبِياءَ والأَوْلِياءَ والأَصْفِياءَ مِن بينِ النَّاسِ، وهُمُ الَّذين انسَجَمُوا معَ المَقاصِدِ الرَّبّانِيُّ في آَبَّبُوا أَنفُسَهم إلَيه بالإيمانِ والتَّسلِيمِ، وجَعَلَهم أَوْلِياءَه المَحبُوبِين المُخاطَبِين له، وأَكرَمَهم بالمُعجِزاتِ والتَّوفِيقِ في الأَعمالِ، وأَدَّبَ أَعد
— 279 —
يَتَحوَّلُ جَميعُ الكَونِ بمَثابةِ جُنُودٍ مُستَنفَرين لِذلك الواحِدِ الأَحَدِ، ومُوَظَّفين مُسَخَّرين له؛ وبمَجِيءِ الآخِ كَلامُجُودِها تَتَحقَّقُ كَمالاتُه وتُصانُ مِنَ السُّقُوطِ وتَسُودُ عَدالتُه المُطلَقةُ، وتَنجُو مِنَ الظُّلمِ، وتُنزَّهُ حِكمَتُه العامّةُ إنَّ أُ مِنَ العَبَثِ والسَّفاهةِ، وتَأخُذُ رَحمَتُه الواسِعةُ مَداها، وتُنقَذُ مِنَ التَّعذِيبِ المُشِينِ؛ وتَبدُو عِزَّتُه وقُدرَتُه المُطلَقَتانِ وتُنقَذان مِنَ العَجزِ الذَّليلِ؛ وتَتَقدَّسُ كلُّ صِفةٍ مِن صِفاتِه سُبحانَه وتَتَجلَّى مُنَزَّهمَصابِيلةً.
فلا بُدَّ ولا رَيبَ مُطلَقًا أنَّ القِيامةَ ستَقُومُ، وأنَّ الحَشرَ والنُّشُورَ سيَحدُثُ، وأنَّ أَبوابَ دارِ الثَّوابِ والعِقابِ ستُفتَحُ، بمُقتَضَى ما في حَقائقِ هذه الفِقْراتِ الثَّمانِيةِ عِبادُورةِ المُبتَدَأةِ بی"ما دامَ" الَّتي هي مَسأَلةٌ دَقِيقةٌ ونُكتةٌ ذاتُ مَغزًى لَطيفٍ مِن بينِ مِئاتِ النِّیكاتِ الدَّقيقةِ للإيمانِ بالله؛ وذلك كي تَتَحقَّقَ أَهَمِّيّةُ الأَرضِ ومَركََحَتِ ُها، وأَهَمِّيّةُ الإِنسانيّةِ ومَكانَتُها.. ولكي تَتَقرَّرَ عَدالةُ رَبِّ الأَرضِ والإنسانِ وحِكمَتُه ورَحمَتُه وسُلطانُه؛ ولكي يَنجُوَ الأَولِياءُ و، ولَهبَّاءُ الحَقِيقيُّون والمُشتاقُون إلى الرَّبِّ البَاقِي مِنَ الفَناءِ والإعدامِ الأَبَدِيّ؛ ولكي يَرَى أَعظَمُهم وأَحَبُّهم وأَعَزُّهم ثَوابَ عَمَلِه، ونَتائِجَ خِدْماتِه الجَليلةِ الَّتي جَعَلَتِ الكانعم، إفي امتِنانٍ ورِضًا دائمَينِ.. ولكي يَتَقدَّسَ كَمالُ السُّلطانِ السَّرمَدِيِّ مِنَ النَّقْصِ والتَّقصيرِ، وتَتَنزَّهَ قُدرَتُه مِنَ العَجْزِ، وتَبرَأَ حِكمَتُه مِنَ السَّفاهةِ، وتَتَعالَى عةِ التُه عنِ الظُّلمِ.
والخُلاصةُ:ما دامَ اللهُ جلَّ جَلالُه مَوجُودًا فإنَّ الآخِرةَ لا رَيبَ فيها قَطعًا.
وكما تُثبِتُ الأَركانُ الإيمانيّةُ الثّلاثةُ یی المَذكُورةُ آنِفًا یی الحَشرَ بجَميعِ دَلاميعِ موتَشهَدُ عليه، كذلك يَستَلزِمُ الرُّكنانِ الإيمانيّانِ"وبمَلائكَتِه، وبالقَدَرِ خَيرِه وشَرِّه مِنَ اللهِ تعالَى"أيضًا الحَشرَ، ويَشهَدانِ شَهادةً قَوِيّةً على العالَمِ الباقي ويَدُلّانِ علَيه على النَّحوِ الآتي:
أنَّ تَ جَميعَ الدَّلائلِ والمُشاهَداتِ والمُكالَماتِ الدَّالَّةِ على وُجُودِ المَلائكةِ ووَظائفِ عُبُودِيَّتِهم، هي بدَوْرِها دَلائلُ على وُجُودِ عالَمِ الأَرواحِ وعالَمِ الغَيبِ وعالَمِ البَقاءِ وعالَمِ الآخِالَ وَار السَّعادةِ والجَنّةِ والنّارِ اللَّتَينِ ستَعمُرانِ بالجِنِّ والإنسِ، لأنَّ
— 280 —
المَلائكةَ يُمكِنُهم یی بإذنٍ إِلٰهيٍّ یی أن يُشاهِدُوا هذه العَوالِمَ ويَدخُلُوها، لذا فالمَلائكةُ المُقرَّبُون يُخبِرُون بالاتِّفشُبْهة كجِبريلَ عَلَيهِ السَّلَام الَّذي قابلَ البَشَرَ یی بوُجُودِ تلك العَوالِمِ المَذكُورةِ وتَجْوالِهم فيها؛ فكما أنَّنا نَعلَمُ بَديهةً وُجُودَ قارّةِ أَمرِيك، والّتي لم نَرَها مِن كَلامِ القادِمِين مِنها، كذلك يكونُ الإيمانُ بديهةً بما أَخبَرَت به المَلائكةُ یی وهو بقُوّةِ مِئةِ تَواتُرٍ یی عن وُجُودِ عالَمِ البَقاءِ ودارِ الآخِرةِ والجَنّةِ والنّارِ.. وهكذا نُؤمِنُ ونُصَده الفَ وكذلك الدَّلائلُ الَّتي تُثبِتُ "الإيمانَ بالقَدَرِ" یی كما جاءَت في رِسالةِ القَدَرِ "الكَلِمةِ السّادِسةِ والعِشرين" یی هي بدَوْرِها دَلائلُ على الحَشرِ ونَشرِ الصُّحُفِ ومُوازَنةِ الأَعمالِ عِندَ الِيمةِ،ِ الأَكبَرِ، ذلك لأنَّ ما نَراه أمامَ أَعيُنِنا مِن تَدوِينِ مُقَدَّراتِ كلِّ شيءٍ على أَلواحِ النِّظامِ والمِيزانِ، وكِتابةِ أَحداثِ الحَياةِ ووَقائعِها لكلِّ ذي حَياةٍ في قُواه الحافِظةِ، وفي حُبُوبِه ونَواه، وفي سائرِ الأَلواحِ اِشُعُوِيّةِ؛ وتَثبِيتِ دَفاتِرِ الأَعمالِ لكلِّ ذِي رُوحٍ ولا سِيَّما الإنسانِ، وإقرارِها في أَلواحٍ مَحفُوظةٍ.. كلُّ هذا القَدْرِ مِنَ القَدَرِ المُحِيطِ، ومِنَ التَّقديرِ الحَكيمِ، ومِنَ التَّدوينِ الدَّقيقِ، ومِنَ الكِتابةِ الأَمينةِ، لا ي لِصُد أن يكونَ إلَّا لِأَجْلِ مَحكَمةٍ كُبرَى، ولِنَيلِ ثَوابٍ وعِقابٍ دائمَينِ، وإلَّا فلا يَبقَى مَغزًى ولا فائدةٌ أبدًا لذلك التَّدوِينِ المُحِيطِ والكِتابةِ الَّتي تُسَجِّلُ وتَحفَظُ أَدَقَّ الأُمُورِ، فيَقَعُ إذًا ما هو خِلافُ اأَردَفِ والحَقيقةِ؛ كما أنَّه إن لم يَحدُثِ الحَشرُ فإنَّ جَميعَ مَعاني كِتابِ الكَونِ الحَقّةِ الَّتي كُتِبَت بقَلَمِ القَدَرِ سوف تُمسَخُ وتَفسُدُ! وهذا لا يُمكِنُ أن يكونَ مُطلَقًا، وليس له احتِمالٌ أبَدًا، بل هو مُحالٌ في بحانَه، كإنكارِ هذا الكونِ، بل هو هَذَيانٌ ليس إلَّا.
نَحصُلُ مِمّا تَقَدَّم: أنَّجَميعَ دَلائلِ أَركانِ الإيمانِ الخَمسةِ هي بدَوْرِها دَلائلُ على الحَشرِ ووُجُودا حتَّلى النُّشُورِ وحُدُوثِه، وعلى وُجُودِ الدّارِ الآخِرةِ وانفِتاحِ أَبوابِها؛ بل تَستَدعِيه وتَشهَدُ علَيه، لذا فإنَّه مِنَ الوِفاقِ الكامِلِ والانسِجامِ التّامِّ أن يَبحَثَ ثُلُثُ القُرآنِ الكَريمِ المُعجِزِ البَيانِ بكامِلِ"، فلمالحَشرِ لِما له مِنَ الأُسُسِ والبَراهِينِ الَّتي لا تَتَزَعزَعُ، ويَجعَلَه أَساسًا ورَكِيزةً لِجَميعِ حَقائقِه الَّتي يَرفَعُها على ذلك الحَجَرِ الأَساسِ.
(انتَهَحِيةُ ُقدِّمة)
— 281 —
المَقامُ الأَوَّلُ مِنَ المَقاماتِ التِّسعةِ حَولَ طَبَقاتِ البَراهِينِ الحَشْرِيّةِ التِّسعةِ الَّتي تُشِيرُ إِلَيْها الآيةُ المُتَصَدِّرةُ بِشَكلٍ مُعجِزٍ، سيُبَيَّنُ فيه وَجِدانَحُ یی بِمَشِيئةِ الرَّحمٰنِ یی الحُجّةُ القَطعِيّةُ والبُرهانُ الباهِرُ مِمّا أَظهَرَه الدُّستُورُ الحَشْرِيُّ الوارِدُ في الآياتِ:
فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ٭ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وما كَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ ٭ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْ لإثباَ

* * *

— 282 —
الحجّة الإيمانية العاشرة
(المكتُوب العشرُون)
بِاسمِه سُبحَانَهُ
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِه
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
لَا إلٰه إِلَّا الله وَحْدَهُ لَا شَريكَ لَهُ، لَهُ المةَ الرولَهُ الحَمدُ، يُحيِي ويُمِيتُ، وهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، بِيَدِهِ الخَيرُ، وهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَديرٌ، وإِلَيهِ المَصيرُ
إنَّ رًا لِجُملةَ الَّتي تُلَخِّصُ التَّوحِيدَ عِبارةٌ عن إحدَى عَشْرةَ كَلِمةً، ولِقِراءَتِها عَقِبَ صَلاتَيِ الفَجرِ والمَغرِبِ فَضائلُ جَمّةٌ، حتَّى وَرَد نُّقطةَى الرِّواياتِ الصَّحِيحةِ أنَّها تَحمِلُ مَرتَبةَ "الِاسمِ الأَعظَمِ"، فلا غَرْوَ إذًا أن تُقَطِّرَ كلُّ كَلِمةٍ مِن كَلِماتِها أَمَلًا شافيًا وبُشرَى سارّةً، وأن تَحمِلَ مَرتَبةً جمِن خِ مِن مَراتِبِ تَوحِيدِ الرُّبُوبيّةِ، وتُبيِّنَ مِن زاوِيةِ الِاسمِ الأَعظَمِ كِبْرِياءَ الوَحدانيّةِ وكَمالَ التَّوحِيدِ.
وحَيثُ إنَّّةِ لِلحَقائقَ الواسِعةَ الرَّفيعةَ قد وُضِّحَت بجَلاءٍ في سائرِ "الكَلِماتِ"، فنُحِيلُ إلَيها، ونَكتَفِي هنا بوَضْعِ فِهرِسٍ لها، بِناءً على وَعدٍ سابِقٍ، على صُورةِ خُلاصةٍ مُجِاعتِرجِدًّا، تتكَوَّنُ مِن "مَقامَينِ" و"مُقَدِّمةٍ".
— 283 —
المُقدِّمة
اعلَمْ يَقِينًا أنَّ أَسمَى غايةٍ للخَلْقِ، وأَعظَمَ نَتِيجةٍ للفِطرةِ الإنسانيّةِ، هي "الإيمانُ باللهِ"؛ واعلَمْ أنَّ أيَحصُرمَرتَبةٍ للإنسانيّةِ، وأَفضَلَ مَقامٍ للبَشَرِيّةِ، هو "مَعرِفةُ اللهِ" الَّتي في ذلك الإيمانِ؛ واعلَمْ أنَّ أَزهَى سَعادةٍ للإنسِ والجِنِّ، وأَحلَى نِعمةٍ، هو "مَحَبّةُ اللهِ" النَّابِعةُ مِن تلك المَعرِفةِ؛ واعلَمْ أنَّ أَصفَى سُرُورٍ لِرَمِّهالإنسانِ، وأَنقَى بَهجةٍ لِقَلبِه، هو "اللَّذّةُ الرُّوحِيّةُ" المُتَرشِّحةُ مِن تلك المَحَبّةِ.
أَجَل، إنَّ جَمِيعَ أَنواعِ السَّعادةِ الحَقّةِ، والسُّرُورِ الخالِصِ، وأنَّ النِّعمةَ الَّتي ما بَعدَها نِعمةٌ، واماواتِةَ الَّتي لا تَفُوقُها لَذّةٌ، إنَّما هي في "مَعرِفةِ اللهِ".. في "مَحَبّةِ اللهِ". فلا سَعادةَ، ولا مَسَرَّةَ، ولا نِعمةَ حَقًّا بدُوَ الوا فكُلُّ مَن عَرَف اللهَ تَعالَى حَقَّ المَعرِفةِ، ومَلَأ قَلبَه مِن نُورِ مَحَبَّتِه، سيكُونُ أَهلًا لِسَعادةٍ لا تَنتَهي، ولِنِعمةٍ لا تَنضُبُ، ولِأَنوارٍ وأَسرارٍ لايّةِ، دُ، وسيَنالُها إمَّا فِعْلًا وواقِعًا أوِ استِعدادًا وقابِليّةً؛ بَينَما الَّذي لا يَعرِفُ خالِقَه حَقَّ المَعرِفةِ، ولا يُكِنُّ له ما يَلِيقُ مِن حُبٍّ ووُدٍّ، يُصابُ بشَقاقُوّةِِّيٍّ ومَعنَوِيٍّ دائِمَينِ، ويَظَلُّ يُعاني مِنَ الآلامِ والأَوهامِ ما لا يُحصَرُ.
نعم، إنَّ هذا الإنسانَ البائِسَ الَّذي يَتَلوَّى أَلَمًا مِن فَقْدِه مَولاه وحامِيه، ويَضطَرِبُ مِن تَفاهةِ حَياتِه وعَدَمِ جَدواها، وهو عاجِزٌ وضَيفٍ إلبينَ جُمُوعِ البَشَرِيّةِ المَنكُودةِ.. ماذا يُغنيه عمَّا يُعانيه ولو كان سُلطانَ الدُّنيا كلِّها!
فما أَشَدَّ بُؤسَ هذا الإِنسانِ المُضطَرِبِ في دَوَّامةِ حَياةٍ فانِيةٍ زائِلةٍ، وبينَ جُمُوعٍ سائِبةٍ مِنَ البَشَرِ إنْ لم يَجِدْ مَولاهليَقِيَّ، ولم يَعرِفْ مالِكَه ورَبَّه حَقَّ المَعرِفةِ! ولكن لو وَجَد رَبَّه وعَرَف مَولاه ومالِكَه لَالْتَجَأ إلى كَنَفِ رَحمَتِه الواسِعةِ، واستَنَد إلى جَلالِ قُدرَتِه المُطلَقِة، ولَتَحوَّلَت له الدُّنيا المُوحِشةُ رَوضةً مُؤنِسةً، وسُوِينَ دارةٍ مُربِحةٍ.
— 284 —
المَقامُ الأوَّل
كلُّ كَلِمةٍ مِن كَلِماتِ هذا الكَلامِ التَّوحِيديِّ الرَّائِعِ تَزُفُّ بُشرَى سارَّةً، وتَبُثُّ أَمَلًا دافِئًا؛ و.
ِ بُشرَى شِفاءٌ وبَلْسَمٌ؛ وفي كلِّ شِفاءٍ لَذَّةٌ مَعنَوِيّةٌ وانشِراحٌ رُوحِيٌّ.
الكَلِمةُ الأُولَى: "لَا إِلٰهَ إِلَّا الله":
هذه الكَلِمةُ تَتَقطَّرُ بُشرَىنِ أن مةً وأَمَلًا بَهِيجًا كالآتي:
إنَّ رُوحَ الإنسانِ المُتَلَهِّفةَ إلى حاجاتٍ غيرِ مَحدُودةٍ، والمُستَهدَفةَ مِن قِبَلِ أَعداءٍ لا يُعَدُّون.. هذه الرُّوحُ المُبتَلاةُ بينَ حاجاتٍ لا تَنتَهي وأَعداءٍ لا يُحصَرُون، تَفسِك،في هذه الكَلِمةِ العَظِيمةِ مَنبَعًا ثَرًّا مِنَ الِاستِمدادِ، بما يُفتَحُ لها مِن أَبوابِ خَزائِنِ رَحمةٍ واسِعةٍ يَرِدُ مِنها ما يُطَارٍ وت جَميعَ الحاجاتِ ويَضمَنُ جَميعَ المَطالِبِ؛ وتَجِدُ فيها كذَلك مُرتَكزًا شَدِيدًا ومُستَنَدًا رَضِيًّا يَدفَعُ عنها جَميعَ الشُّرُورِ، ويَصرِفُ عنها جَميعَ الأَضرارِ، وذلك بما تُرِي الإنسانَ مِن قُوّةِ مَولاه الحَقِّقُ كلرشِدُه إلى مالِكِه القَدِيرِ، وتَدُلُّه على خالِقِه ومَعبُودِه.. وبهذه الرُّؤيةِ السَّدِيدةِ والتَّعَرُّفِ على اللهِ الواحِدِ الأَحَدِ، تُنقِذُ هذه الكَلِمةُ قَلْبَ الإنسانِ مِن ظَلامِ الوَحْشةِ والوضَحَتِ، وتُنْجِي رُوحَه مِن آلامِ الحُزنِ والكَمَدِ، بل تَضمَنُ له فَرَحًا أَبَدِيًّا، وسُرُورًا دائمًا.
الكَلِمةُ الثَّانيةُ: "وَحْدَهُ":
هذه الكَلِمةُ تُشرِقُ أَمَلًا قُرُونُّ بُشرَى سارّةً كالآتي:
إنَّ رُوحَ البَشَرِ، وقَلْبَه المُرهَقَينِ بلِ الغارِقَينِ إلى حَدِّ الِاختِناقِ تحتَ ضُغُوطِ ارتِباطاتٍ شَدِيدةٍ وأَواصِرَ مَتينةٍ معَ أَغلَبِ أَنواعِ الكائناتِ، يَجِدالِ الإهذه الكَلِمةِ مَلْجَأً أَمِينًا، يُنقِذُهما مِن تلك المَهالِكِ والدَّوَّاماتِ. أي: أنَّ كَلِمةَ "وَحْدَه" تَقُولُ مَعنًى:
— 285 —
إنَّ اللهَ واحِدٌ أَحَدٌ، فلا تُتعِبْ نَفسَك أيُّها الإنسانُ بمُراجَعةِ الأَغيالاتٍ لا تَتَذلَّلْ لهم، فتَرزَحَ تحتَ مِنَّتِهم وأَذاهم؛ ولا تَحْنِ رَأْسَك أَمامَهم وتَتَمَلَّقْ لهم؛ ولا تُرْهِقْ نَفسَك فتَلْهَثْ وراءَهم؛ ولا تَخَفْ مِنهم وتَرتَعِدْ إزاءَهم.. لأَنَّ سُلطانَ الكَونِ واحِدٌ، وعِندَه مَفاتِيحُ كلِّسانُ، ، بيَدِه مِقْوَدُ كلِّ شَيءٍ، تَنْحَلُّ عُقَدُ كلِّ شَيءٍ بأَمرِه، وتَنفَرِجُ كلُّ شِدَّةٍ بإِذنِه.. فإن وَجَدتَه فقد مَلَكْتَ كلَّ شَيءٍ، وفُزْتَ بما اءِ واُه، ونَجَوتَ مِن أَثقالِ المَنِّ والأَذَى ومِن أَسْرِ الخَوفِ والوَهْمِ.
الكَلِمةُ الثَّالثة: "لَا شَرِيكَ لَهُ":
أي: كما أنَّه لا نِدَّ له ولا ضِدَّ في أُلُوهِيَّتِهُ الدّطَنَتِه، لأنَّ اللهَ واحِدٌ، فإنَّ رُبُوبيَّتَه وإجراءاتِه وإيجادَه الأَشياءَ مُنَزَّهةٌ كذَلِك مِنَ الشِّرْكِ؛ بخِلافِ سَلاطِينِ الأَرضِ، إذ يَحدُثُ أنْ يكُونَ السُّلطانُ واحِدًاالأَجهرِّدًا في سَلْطَنَتِه، إلّا أنَّه ليس مُتَفرِّدًا في إجراءاتِه، حيثُ إنَّ مُوَظَّفيه وخَدَمَه يُعَدُّون شُرَكاءَ له في تَسيِيرِ الأُمُورِ وتَنفِيذِيُعَبّاءاتِ، ويُمكِنُهم أن يَحُولُوا دُونَ مُثُولِ الجَمِيعِ أَمامَه، ويَطلُبُوا مِنهم مُراجَعَتَهم أَوَّلًا! ولكنَّ الحَقَّ سُبحانَه وتَعالَى ظيّةِ،لطانُ الأَزَلِ والأَبَدِ، واحِدٌ لا شَرِيكَ له في سَلطَنَتِه، فليس له حاجةٌ قَطُّ في إجراءاتِ رُبُوبيَّتِه أيضًا إلى شُرَكاءَ ومُعِينِين للتَّنفِيذِ، إذ لا يُؤَثِّرُ شَيءٌ في شَيءبما في بأَمرِه وحَوْلِه وقُوَّتِه، فيُمكِنُ للجَمِيعِ أن يُراجِعُوه دُونَ وَسِيطٍ؛ ولِعَدَمِ وُجُودِ شَرِيكٍ أو مُعِينٍ، لا يُقالُ للمُراجِعِ: لا يَجُوزُ لك الدُّخُولُ إلى الحَضْرةِ الإلٰهيّةِ.عادةَ كذا تَحمِلُ هذه الكَلِمةُ في طَيّاتِها أَمَلًا باسِمًا وبِشارةً بَهِيجةً، فتقُولُ:
إنَّ الإنسانَ الَّذي استَنارَت رُوحُه بنُورِ الإيمانِ، لَيَستوسنُشِ عَرْضَ حاجاتِه كُلِّها بلا حاجِزٍ ولا مانِعٍ بينَ يَدَي ذلك الجَمِيلِ ذِي الجَلالِ، ذلك القَدِيرِ ذِي الكَمالِ، ويَطلُبَ ما يُحَقِّقُ رَغَباتِه أَينَما كان هذا الإنسانُ وحاشرةُ" حَلَّ، فيَعرِضَ حاجاتِه ومَطالِبَه كُلَّها أَمامَ ذلك الرَّحِيمِ الَّذي يَملِكُ خَزائِنَ الرَّحمةِ الواسِعةِ، مُستَنِدًا إلى قُوَّتِه المُطلَقةِ، فيَمتَلِئُ عِندَئذٍ فَرَحًا كامِلًا وسُرُورًا غا يُعين
— 286 —
الكَلِمةُ الرَّابعةُ: "لَهُ المُلْكُ":
أي: أنَّ المُلكَ كلَّه له دُونَ استِثناءٍ، وأنَّك أَنتَ أَيضًا مُلكُه، كما أنَّك عَبدُه ومَملُوكُي لِهَمِلٌ في مُلكِه..
فهذه الكَلِمةُ تَفُوحُ أَمَلًا وتَقطُرُ بُشرَى شافيةً، وتقُولُ:
أيُّها الإنسانُ.. لا تَحسَبْ أنَّك مالِكُ نَفسِك، كلَّا.. لأنَّك لا تَقدِرُ على أن تُدِيرَ أُمُورَ نكسجين) وذلك حِملٌ ثَقِيلٌ، وعِبْءٌ كَبِيرٌ، ولا يُمكِنُك أن تُحافِظَ علَيها، فتُنجِيَها مِنَ البَلايا والرَّزايا، وتُوَفِّرَ لها لَوازِمَ حَياتِك.والنَّتُجَرِّعْ نَفسَك إذًا الآلامَ سُدًى، فتُلقِي بها في أَحضانِ القَلَقِ والِاضطِرابِ دُونَ جَدوَى، فالمُلكُ ليس لك، وإنَّما لِغَيرِك، وذلك المالِكُ قادِرٌ، وهو رَحِيمٌ. فاستَنِدْ إلى قُدرَتِه، ولا تَتِ في ك رَحمَتَه.. دَعْ ما كَدَرَ، خُذْ ما صَفَا.. انبِذِ الصِّعابَ والأَوصابَ، وتَنَفَّسِ الصُّعَداءَ، وحُزْ على الهَناءِ والسَّعادةِ.
وتقُولُ أَيضًا: إنَّ هذا الوُجُودَ الَّذي تَي هذا َعنًى، وتَتَعلَّقُ به، وتَتَألَّمُ لِشَقائِه واضطِرابِه، وتُحِسُّ بعَجزِك عن إصلاحِه.. هذا الوُجُودُ كلُّه مُلكٌ لِقادِرٍ رَحِيمٍ؛ فسَلِّمِ المُلْماطَلةَولاه، وتَخَلَّ عنه فهو يَتَولّاه، واسْعَدْ بمَسَرّاتِه وهَنائِه، دُونَ أنْ تُكَدِّرَك مُعاناتُه ومُقاساتُه، فالمَولَى حَكِيمٌ ورَحِيمٌ، يَتَصَرَّفُ في مُلكِه كيف يَشاءُ وَفْقَ حِكمَتِه ورَحمَتِه.
وإذا ما أَخَذَك الرؤُونِه والدَّهشةُ، فأَطِلَّ مِنَ النَّوافِذِ ولا تَقتَحِمْها، وقُل كما قال الشّاعِرُ إبراهيمُ حَقِّي:
لِنَرَ المَولَى ماذا يَفعَلُ.. فما يَفعَلُ هو الأَجمَلُ.
الكَلِمةُ الخامِسةُ: "وَلَهَمالٌ.مْدُ":
أي: أنَّ الحَمدَ والثَّناءَ والمَدْحَ والمِنّةَ خاصٌّ به وَحدَه، ولائِقٌ به وَحدَه، لأنَّ النِّعَمَ والآلاءَ كُلَّها مِنه وَحدَه، وتَفِيضُ مِن خَزائِنِه الواسِعةِ، والخَزائِنُ دائِمةٌ لا تَنضُبُ.
وِندَماَمنَحُ هذه الكَلِمةُ بُشرَى لَطِيفةً، وتقُولُ:
— 287 —
أيُّها الإنسانُ.. لا تُقاسِ الأَلَمَ بزَوالِ النِّعمةِ، لِأنَّ خَزائِنَ الرَّحمةِ لا تَنفَدُ؛ ولا تَصرُخْ مِن زَوارُبُوبَّذّةِ، لِأنَّ تلك النِّعمةَ لَيسَت إلّا ثَمَرةَ رَحمةٍ واسِعةٍ لا نِهايةَ لها، فالثِّمارُ تَتَعاقَبُ ما دامَتِ الشَّجَرةُ باقيةً.
واعلَمْ أَيُّها الإنسانُ أنَّك تَستَطِيعُ أن تَجعَلَ لَذّةائقِ اِعمةِ أَطيَبَ وأَعظَمَ مِنها بمِئةِ ضِعفٍ، وذلك برُؤيَتِك الْتِفاتةَ الرَّحمةِ إلَيك، وتَكَرُّمَها علَيك، وذلك بالشُّكرِ والحَمْدِ، إذ بَثَ بَّ مَلِكًا عَظِيمًا وسُلْطانًا ذا شَأْنٍ إذا أَرسَلَ إلَيك هَدِيّةً یی ولْتَكُن تُفّاحةً مَثَلًا یی فإنَّ هذه الهَدِيّةَ تَنطَوِي على لَذّةٍ تَفُوقُ لَذّةَ التُّفّاحِ المادِّيّةَ بأَضعافِ الأَضعافِ، تلك هي لَذّةُ الِالتِفاتِ المَلَكِءِ:تُلتَّوَجُّهِ السُّلطانِيِّ المُكَلَّلِ بالتَّخصِيصِ والإحسانِ؛ كذَلك كَلِمةُ"لَه الحَمدُ"تَفتَحُ أَمامَك بابًا واسِعًا تَتَدفَّقُ مِنه لَذّةٌ مَعنَوِيّةٌ خالِصةٌ هي أَلَذُّ مِن تلك النِّعَمِ نَفسِها بأَلفِ ضِعفٍ وضِعفٍ، وذلك بالحلَيك هالشُّكرِ، أي: بالشُّعُورِ بالإنعامِ عن طَرِيقِ النِّعمةِ، أي: بمَعرِفةِ المُنعِمِ بالتَّفَكُّرِ في الإنعامِ نَفسِه، أي: بالتَّفَكُّرِ والَما يصُّرِ في الْتِفاتِ رَحمَتِه سُبحانَه وتَوَجُّهِهِ إلَيك وشَفَقَتِه علَيك، ودَوامِ إنعامِه علَيك.
الكَلِمةُ السّادِسةُ: "يُحْيِي":
أي: هو الَّذي يَهَبُ الحَياةَ، وهو الَّذي يُدِيمُها والفَنزقِ، وهو المُتَكَفِّلُ بكُلِّ ضَرُوراتِها وحاجاتِها، وهو الَّذي يُهَيِّئُ لَوازِمَها ومُقَوِّماتِها؛ فالغاياتُ السَّامِيةُ للحَياةِ تَعُودُ إلَيه، والنَّتائِجُ المُهِمّةُ لها تَتَوجَّهُ إلَيه، َ ذلك وتِسعُون بالمِئةِ مِن ثَمَراتِها ونَتائِجِها تَقصِدُه وتَرجِعُ إلَيه.
وهكذا، فهذه الكَلِمةُ تُنادِي هذا الإنسانَ الفانِيَ العاجِزَ، وتُزجِي له البِشارةَ، نافِخةً فيه رُوحَ الأَمَلِ، وتقُوَمايُز أيُّها الإنسانُ.. لا تُرهِقْ نَفسَك بحَمْلِ أَعباءِ الحَياةِ الثَّقيلةِ على كاهِلِك الضَّعِيفِ، ولا تَذهَبْ نَفسُك حَسَراتٍ على فَناءِ الحَياةِ ى: وَائِها؛ ولا تُظهِرِ النَّدَمَ والتَّذَمُّرَ مِن مَجِيئِك إلى الحَياةِ كُلَّما تَرَى زَوالَ نَعِيمِها وتَفاهةَ ثَمَراتِها.. واعلَمْ أنَّ حَياتَك الَّتي تَعمُرُ سَفِينةَ وُجُودِك إنَّما تَعُودُ إلى "الحَيِّ المَواضِمِ"، فهو المُتَكَفِّلُ بكُلِّ حاجاتِها ولَوازِمِها؛
— 288 —
فهذه الحَياةُ تَعُودُ إلَيه وَحدَه، بغاياتِها الوَفيرةِ، ونَتائِجِها الكَثِيرةِ، وما أَنت إلّا مَلّاحٌ في تلك السَّفِينةِ، فقُمْ بواجِبِينَ وََنَ قِيامٍ، ثمَّ اقبِضْ أُجرَتَك وتَمَتَّعْ بها، وتَذَكَّرْ دائمًا: مَدَى عِظَمِ هذه الحَياةِ الَّتي تَمخُرُ عُبابَ الوُجُودِ، ومَدَى جَلالةِ فَوائِدِها، وثَمَراتِها، ومَدَى كَرَمِ، ويَسِها وسَعةِ رَحمةِ مَولاها.. تَأَمَّلْ ذلك واسْبَحْ في فَضاءِ السُّرُورِ، واستَبْشِرْ به خَيرًا، وأَدِّ شُكْرَ ما علَيك تِجاهَ مَولاك؛ واعلَمْ بأنَّك إنِ استَقَمْتَ في أَعمالِك تُسَجناءِ، ي صَحِيفَتِك جَميعُ نَتائِجِ سَفِينةِ الحَياةِ هذه، فتُوهَبْ لك حَياةٌ باقِيةٌ، وتَحْيَ حَياةً أَبَدِيّةً.
الكَلِمةُ السَّابعةُ: "وَيُمِيتُ":
أي: أنَّه هو الَّذي يَهَبُ المَوتَ، أي: هو الَّذييها تَِّحُك مِن وَظِيفةِ الحَياةِ، ويُبَدِّلُ مَكانَك في الدُّنيا الفانيةِ، ويُنقِذُك مِن عِبْءِ الخِدمةِ، ويُحَرِّرُك مِن مَسؤُوليّةِ الوَظِيفةِ. أي: يَأخُذُك مِن هذه الحَياةِ الفانيةِ إلى الحَياةِ الباقيةِ.
وهكذا، فهذه الكَلِمةُ تَالَ الفي أُذُنِ الإنسِ والجِنِّ الفانِينَ وتقُولُ:
بُشْراكُم.. المَوتُ ليس إعدامًا، ولا عَبَثًا ولا سُدًى ولا انقِراضًا، ولا انطِفاءً، ولا فِراقًا أَبَدِيًّا.. كلَّا! فالمَوتُ ليس عَدَمًا، ولا مُصادَفةً، ولا انعِدامًا ذاتِيًّا بلا فاعِلٍ، بل هو تمَوجُوٌ مِن لَدُنْ فَعَّالٍ حَكِيمٍ رَحِيمٍ، وتَبدِيلُ مَكانٍ، وتَغيِيرُ مَقامٍ، وسَوْقٌ نَحوَ السَّعادةِ الخالِدةِ، حيثُ الوَطَنُ الأَصلِيُّ.. أي: هو يَبحَِصالٍ لِعالَمِ البَرزَخِ.. عالَمٌ يَجمَعُ تِسعةً وتِسعِين بالمِئةِ مِنَ الأَحبابِ.
الكَلِمةُ الثَّامِنةُ: "وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ":
أي: أنَّ الكَمالَ والحُسْنَ والإحسانَ الظَّاهِرَ في المَوجُوداتِ وَسِيلةً للمَحَبّةِ، الأرضِلَّى بما لا يُمكِنُ وَصْفُه وبما لا تَحُدُّه حُدُودٌ، وفَوقَ الدَّرَجاتِ العُلا مِن مالِكِ الجَمالِ والكَمالِ والإحسانِ؛ فوَمْضةٌ مِن تَجَلِّياتِ جَمالِه سُبحانَه تُعادِلُ جَميعَ مَحبُوباتِ الدُّنيا بأَسرِها.. همادِّيلٰهُ المَحبُوبُ المَعبُودُ له حَياةٌ أَبَدِيّةٌ دائِمةٌ مُنَزَّهةٌ عن كلِّ شَوائِبِ الزَّوالِ وظِلالِ الفَناءِ، مُبَرَّأةٌ عن كُلِّ عَوارِضِ النَّقصِ والقُصُورِ.
— 289 —
إذًا: فهذه الكَلِمةُ تُعلِنُ أَيضًأِ جَمِيعًا مِنَ الجِنِّ والإنسِ وأَربابِ المَشاعِرِ والفِطْنةِ وأَهلِ العِشقِ والمَحَبّةِ وتقُولُ:
إلَيكُمُ البُشرَى.. إلَيكُم نَسَمةُ أَمَلٍ وخَيرٍ، إنَّ لكم مَحبُوبًا أَزَلِيًّا باقِيًا، يُداوِي الجُرُوحَ المُتَمَخِّضةَ بِاللوعةِ الفِراقِ الأَبَدِيِّ لِمَحبُوباتِكُمُ الدُّنيَوِيّةِ، ويَمَسُّها ببَلْسَمِه الشَّافي بمَرْهَمِ رَحمَتِه؛ فما دامَ هو مَوجُودًا، وما دامَ هو باقِيًا، فكلُّ يقةِ ايَهُونُ.. فلا تَقْلَقُوا ولا تَبتَئِسُوا، فإنَّ الحُسْنَ والإحسانَ والكَمالَ الَّذي جَعَلَكم مَشغُوفين بأَحِبَّائِكم ليس إلَّا لَمحةً مِن ظِلٍّ ضَعِيفٍ انشَقَّ عن ظِلالِ الحُجُبِ والأَستارِ الكَثِ وكُلِّدًّا لِتَجَلٍّ واحِدٍ مِن تَجَلِّياتِ جَمالِ ذلك المَحبُوبِ الباقي؛ فلا يُعَذِّبنَّكم زَوالُ أُولَئِك وفِراقُهم، لأنَّهم جَمِيعًا لَيسُوا إلّا نَوْعًا مِن مَرايا عاكِسةٍ، وتَبدِ والطلمَرايا وتَغيِيرُها يُجَدِّدُ ويُجَمِّلُ انعِكاساتِ تَجَلِّي الجَمالِ وشَعشَعَتِه الباهِرةِ، فما دام هو مَوجُودًا، فكُلُّ شَيءٍ مَوجُودٌ إذًا.
الكَلِمةُ التَّاسِعةُ: "بِيَدِهِ الخَيرُ":
أي: إنَّ الخَيرَ كُلَّه براهِين وأَعمالُكم الخَيِّرةُ كُلُّها تُسَجَّلُ في سِجِلِّه، وما تُقَدِّمُونه مِن صالِحاتِ الأَعمالِ جَمِيعُها تُدرَجُ عِندَه.
فهذه الكَلِمةُ تُنادِي الجِنَّ والإنسَ، وتَزُفُّ لهُمُ البُشرَى، وتَهَبُ لهُمُ الأَمَلَ والشمُتَنافتقُولُ: أيُّها المَساكِينُ.. لا تَقُولُوا عِندَما تُغادِرُون الدُّنيا إلى المَقبَرةِ: "أَوّاه.. وا أَسَفاه.. وا حَسْرَتاه.. لقد ذَهَبَت أَموالُنا هَباءً، وضاعَ رِ كُلنا هَدَرًا، فدَخَلْنا ضَيْقَ القَبْرِ بعدَ فُسْحةِ الدُّنيا!.."، لا.. لا تَصرُخُوا يائِسِين، لأنَّ كلَّ ما لَدَيكُم مَحفُوظٌ عِندَه سُبحانَه، وكلَّ ما ق وشُعُُمُوه مِن عَمَلٍ وجُهدٍ قد سُجِّلَ ودُوِّنَ عِندَه، فلا شَيءَ يَضِيعُ ولا جُهْدَ يُنسَى، لأنَّ ذا الجَلالِ الَّذي بيَدِه الخَيرُ كُلُّه سيُثِيبُكم على أَعمالِكُم، وسيَدعُوكم للمُثُولِ أَمامَه بعدَ أن يَُربَى في التُّرابِ: مَثواكُمُ المُؤَقَّتِ.
فما أَسعَدَكم أنتُم إذًا، وقد أَتمَمْتُم خِدْماتِكم، وأَنهَيْتُم وَظائِفَكم! بَرِئَت ساحَتُكم، وانتَهَت أَيّامُ المُعاناةِ والأَعباءِ الثَّقيلةِ، فأَنتُم ماضُون الِّ القَبضِ الأُجُورِ واستِلامِ الأَرباحِ.
— 290 —
أَجَل، إنَّ القادِرَ الجَليلَ الَّذي حافَظَ على البُذُورِ والنُّوَى الَّتي هي صُحُفُ أَعمالِ الرَّبيعِ الماضِي ودَفاتِرُ خِدْماتِه وحُجُراتُ وَظائِفِه، ونَشَرَها في هذا الرَّبيعٌِ مِن هِي وفي أَبهَى حُلّةٍ، وفي غايةِ التَّأَلُّقِ، وأَكثَرَ بَرَكةً وغَزارةً، وفي أَرْوَعِ صُورةٍ.. إنَّ هذا القَدِيرَ الجَليلَ لا رَيْبَ يُحافِظُ أيضًا على نَتائِجِ حَياتِكُم ومَصائِرِ أَعمالِكُم، وسيُجازِيكُم بها أَحْسَنَ الجَزاءِوَنةِ َلَ الثَّوابِ.
الكَلِمةُ العاشِرةُ: "وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ":
أي: أنَّه واحِدٌ أَحَدٌ، قادرٌ على كلِّ شيءٍ، لا يَشُقُّ علَيه شَيءٌ، ولا يَؤُودُه شَيءٌ، ولا يَصعُبُ علَيه أَمرٌ، فخَلْقُ رَبِيعٍ كامِلٍ یی مَثلًا یی ةَ! فإ ويَسِيرٌ علَيه كخَلْقِ زَهرةٍ واحِدةٍ، وخَلْقُ الجَنّةِ عِندَه كخَلْقِ ذلك الرَّبِيعِ وبالسُّهُولةِ واليُسْرِ الكامِلَينِ؛ فالمَخلُوقاتُ غيرُ المَحدُودةِ الَّتي يُوجِدُها وي سَماحدُها كلَّ يَومٍ، كلَّ سَنةٍ، كلَّ عَصْرٍ، لَتَشْهَدُ كُلُّها بأَلسِنةٍ غيرِ مَحدُودةٍ على قُدرَتِه غيرِ المَحدُودةِ.
فهذه الكَلِمةُ أيضًا تَمنَحُ أَمَلًا وبُشرَى وتقينا إذ أيُّها الإنسانُ.. إنَّ أَعمالَك الَّتي أَدَّيْتَها، وعُبُودِيَّتَك الَّتي قُمتَ بها، لا تَذهَبُ هَباءً مَنثُورًا، فهُناك دارُ جَزاءٍ خالِدةٌ، ومَقُمكِنُعادةٍ هانِئٌ قد هُيِّئَ لك، فأَمامَك جَنّةٌ خالِدةٌ مُتَلهِّفةٌ لِقُدُومِك، مُشتاقةٌ إلَيك، فثِقْ بوَعدِ خالِقِك ذِي الجَلالِ الَّذي تَخِرُّ له ساجِدًا عابِدًا، وآمِنْ به واطْمَئِنَّ إ السَّفإنَّه مُحالٌ أن يُخْلِفَ وَعْدًا قَطَعَه على نَفسِه، إذ لا تَشُوبُ قُدرَتَه شائِبةٌ أو نَقْصٌ، ولا يُداخِلُ أَعمالَه عَجْزٌ أو ضَعْفٌ، فكما خَلَق لك حَدِيقَتَك الصَّغِيرةَ، فهو قادِرٌ على أن يَ في و لك الجَنّةَ الواسِعةَ، بل قد خَلَقَها فِعلًا، ووَعَدَك بها؛ ولِأنَّه وَعَدَ فسيَفِي بوَعْدِه حَتْمًا ويُدخِلُك تلك الجَنّةَ.
وما دُمنا نَرَىما هذه يَحشُرُ ويَنشُرُ في كلِّ عامٍ على وَجْهِ البَسِيطةِ أَكثَرَ مِن ثَلاثِ مِئةِ أَلفِ نَوعٍ مِن أَنواعِ النَّباتاتِ وأُمَمِ الحَيَواناتِ وبانتِظامٍ كامِلٍ ومِيزانٍ دَقِيقٍ، وفي سُرعةٍ فائِقةٍ وُلطانِةٍ تامّةٍ.. فلا بُدَّ أنَّ هذا القادِرَ الجَليلَ، قادِرٌ أَيضًا على أنْ يَضَع وَعْدَه مَوضِعَ التَّنفِيذِ.
— 291 —
وما دامَ القادِرُ المُطلَقُ يُوجِدُ في كلِّ سنةٍ آلافَ النَّماذِجِ للحَشْرِ والجَنّةِ وبمُختَلِفِ الأَنماطِ والأَشكةُ مِنوما دامَ أنَّه يُبَشِّرُ بالجَنّةِ المَوعُودةِ، ويَعِدُ بالسَّعادةِ الأَبَدِيّةِ في جَمِيعِ أَوامِرِه السَّماوِيّةِ.. وما دامَت جَمِيعُ إجراءاتِه وشُؤُونِه حَقًّا وحَقِيقةً وصِدْقًا وصائِبةً.. وما دامَت جَمِيعُ الكَمالاتِ تَدُلُّ بِشَهادةِتِسعةِه على كَمالِه المُطلَقِ، وتَشهَدُ أنَّه مُنَزَّهٌ عن كُلِّ نَقصٍ أو قُصُورٍ.. وما دامَ نَقْضُ العَهْدِ وإخْلافُ الوَعدِ والكَذِبُ والمُطارُ تُ مِن أَقبَحِ الصِّفاتِ فَضْلًا عن أنَّها نَقْصٌ وقُصُورٌ.. فلا بُدَّ أنَّ ذلك القَدِيرَ ذا الجَلالِ، وذلك الحَكِيمَ ذا الكَمالِ، وذلك الرَّحِيمَ ذا الجَمالِ سيُنَفِّذُ وَعْدَه حَتْمًا مَقْضِيًّا، وسيَفتَحُ أَبلخُصُولسَّعادةِ الأَبَدِيّةِ، وسيُدخِلُكم أيُّها المُؤمِنُون الجَنّةَ.. مَوطِنَ أَبِيكم آدَمَ عَليهِ السَّلام.
الكَلِمةُ الحادِيةَ عَشْرةَ: "وَإِلَيهِ المَصِيرُ":
أي: أنَّ الَّذين يُرسَلُون إلى دارِ الدُّنيا یی دارِ الِامتِحانِ والِاختِبارِ نَه، فِّجارةِ وإنجازِ الوَظائِفِ، سيَرجِعُون مَرّةً أُخرَى إلى مُرسِلِهمُ الخالِقِ ذِي الجَلالِ، بعدَ أن أَدَّوْا وَظائِفَهم وأَتَمُّوا تِجارَتَهم وأَنْهَوا خِدْماتِهم، وسيُلاقُون مَولاهُمُ الكَرِيمَ الَّذي أَرسَلَهم.. لِوائنَّهم سيَتَشرَّفُون بالمُثُولِ بينَ يَدَي رَبِّهِمُ الرَّحِيمِ، في مَقعَدِ صِدقٍ عندَ مَليكِهِمُ المُقتَدِرِ، ليس بَينَهم وبَينَه حِجابٌ، وا القُُصُوا مِن مَخاضِ الأَسبابِ وظَلامِ الحُجُبِ والوَسائِطِ، وسيَجِدُ كلُّ واحِدٍ مِنهم ويَعرِفُ بِشَكلٍ مُباشَرٍ خالِقَه ومَعبُودَه ورَبَّه وسَيِّدَه ومالِكَه.
فهذه الكَلِمةُ تُشِعُّ أَُختَلِوتَتَألَّقُ بُشرَى تَفُوقُ كلَّ الآمالِ والبِشاراتِ اللَّذِيذةِ، وتقُولُ: أيُّها الإنسانُ.. هل تَعلَمُ إلى أينَ أنت سائِرٌ؟ وإلى أين أنت تُساقُ؟
فقد ذُكِرَ في خِتامِ "الكَلِمةِ الثّانيةِ والثَّلاثين": أنَّ قِ خَطَأَلفِ سَنةٍ مِن حَياةِ الدُّنيا وفي سَعادةٍ مُرَفَّهةٍ، لا يُساوِي ساعةً واحِدةً مِن حَياةِ الجَنّةِ! وأنَّ قَضاءَ أَلفِ سَنةٍ وسَنةٍ بسُرُورٍ كامِلٍ من حَياةٍ في نَعِيمِ الجَنّْلانًايُساوِي ساعةً مِن فَرحةِ رُؤيةِ جَمالِ الجَمِيلِ سُبحانَه.
— 292 —
فأنت إذًا أيُّها الإنسانُ راجِعٌ إلى مَيدانِ رَحمَتِه، صائِرٌ إلى أثُ الر دِيوانِ حَضْرَتِه؛ فما الحُسْنُ والجَمالُ الَّذي تَراه في أَحِبَّتِك المَجازِيِّين، فتَشتاقُ إلَيهم وتُفتَنُ بهم، بل ما الحُسْنُ والجَمالُ في جَمِيعِ مَوجُوداتِ الدُّنيا، إلّا نَوعُ ظِلٍّ مِن تَجَلِّي جَمالِه سُبحانَه وحُسْنِ أَسمائِه سَ لهاعَلا؛ فالجَنّةُ بلَطائِفِها ولَذائِذِها وحُورِها وقُصُورِها ما هي إلّا تَجَلٍّ مِن تَجَلِّياتِ رَحمَتِه سُبحانَه؛ وجَمِيعُ أَنواعِ الشَّوقِ والمَحَبّةِ والِانجِذابِ والجَواذِبِ ما هي إلّا لَمْعةٌ مِن مَحَبّةِ ذلك المَعبَخلُوقلباقي وذلك المَحبُوبِ القَيُّومِ! فأنتُم ذاهِبُون إذًا إلى دائِرةِ حُظْوَتِه ومَقامِ حَضْرَتِه الجَليلةِ، وأنتُم مَدعُوُّون إذًا إلى دارِ ضِيافَتِ مِن أبَدِيّةِ.. إلى الجَنّةِ الخالِدةِ.
فلا تَحزَنُوا ولا تَبْكُوا عندَ دُخُولِكُمُ القَبْرَ، بلِ استَبْشِرُوا خَيرًا واستَقبِلُوه بابتِسامةٍ وفَرَحٍ.
وتُتابِعُ هذه الكَلِمةُ وَظِيفَتَهِئَ مَِثِّ نُورِ الأَمَلِ والبُشرَى وتقُولُ:
أيُّها الإنسانُ.. لا تَتَوهَّمْ أنَّك ماضٍ إلى الفَناءِ، والعَدَمِ، والعَبَثِ، والظُّلُماتِ، والنِّسيانِ، والتَّفَسُّخِ، واللَستِ ُّمِ، والِانْهِشام، والغَرَقِ في الكَثرةِ والِانعِدامِ؛ بل أنت ذاهِبٌ إلى البَقاءِ لا إلى الفَناءِ، وأنت مَسُوقٌ إلى الوُجُودِ الدَّائِمِ لا إلى العَدَمِ، وأنت ماضٍ إلى عالَمِ النُّورعٌ لِكلى الظُّلُماتِ، وأنت سائِرٌ نحوَ مَوْلاك ومالِكِك الحَقِّ، وأنت عائِدٌ إلى مَقَرِّ سُلطانِ الكَونِ.. سُلطانِ الوُجُودِ.. ستَرتاحُ وتَنشَرِحُ في مَيدانِ التَّوحِيدِ دُونَ الغَرَقِ في الكَثرةالمُتَدًا، فأنتَ مُتَوجِّهٌ إلى اللِّقاءِ والوِصالِ دُونَ البِعادِ والفِراقِ!.

* * *

— 293 —
الحجة الإيمانية الحادية عشرة
(المَقام الأوَّل مِن الذي هو الثَّانية والعشرِين)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ
وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهإِنَّ نَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ
استَحَمَّ شَخصانِ ذاتَ يومٍ في حَوضٍ كبيرٍ، فغَشِيَهما ما لا طاقةَ لهما به ففَقَدا وَعْيَهما، وما إن أَفاقا حتَّى وَجَدا أنّتُ مِند جِيءَ بهما إلى عالَمٍ غيرِ عالَمِهما، إلى عالَمٍ عَجيبٍ، وعَجيبٌ فيه كلٌّ شيءٍ، فهو مِن فَرْطِ انتِظامِه الدَّقيقِ كأنَّه مَملَكةٌ مُنَسَّقةُ الأَطرافِ، ومِن رَوعةِ جَمالِههرَجانبةِ مَدينةٍ عامِرةٍ، ومِن شِدّةِ تَناسُقِ أَركانِه بحُكمِ قَصرٍ بَديعٍ.. وبدَأَا يَنظُرانِ بلَهفةٍ فيما حَولَهما وقدِ امتَلَأَا حَيْرةً وإعجابًا بما رَأَيَا أَمامَهما مِن عالَمٍ عَظيمٍ حقًّا، إذ لو نُظِرَ إلى جانِبٍ مِنه لَشُوهِدَت م الرٌَّ مُنتَظِمةٌ، وإذا ما نُظِرَ إلَيه مِن جانِبٍ آخَرَ تَراءَت مَدينةٌ كامِلةُ الجَوانبِ، بَينَما إذا نُظِرَ إلَيه مِن جانِبٍ آخَرَ إذا هو بقَصرٍ عَظيمٍ شاهِقٍ يَضُمُّ عالَمًا مَهِيبًا.. وئُنا س يَتَجوَّلانِ معًا في أَرجاءِ هذا العالَمِ العَجيبِ، فوَقَع نَظَرُهما على مَخلُوقاتٍ يَتَكلَّمُون بكَلامٍ مُعيَّنٍ لا يَفقَهانِه، إلَّا أنَّهما أَدرَكا مِن إشاراتِهم وتَلوِيحاتِهم أنَّهم يُؤَدُّون أَعمالًا عَظيمةً ويَنهَضُون بولمَنطٍُ جَليلةٍ.
قال أَحَدُهما للآخَرِ: لا شَكَّ أنَّ لِهذا العالَمِ العَجيبِ مُدبِّرًا يُدبِّرُ شُؤُونَه، ولِهذه المَملَكةِ البَديعةِ مالِكًا يَرعاها، ولِهذه المَدينةِ الرّائعةِ سيِّدًا يَتَولَّى أُمُورَها، ولهذا َرةٌ إِ المُنيفِ صانِعًا بَدِيعًا قد أَبدَعَه؛ فأَرَى لِزامًا علَينا أن نَسعَى لِمَعرِفَتِه، إذ يَبدُو أنَّه هو
— 294 —
الَّذي قد أَتَى بنا إلى هاهنا، وليس أَحَدٌ غَيرُه؛ فلو لم نَعرِفْه فمَن ذا غَيرُه يونُمُونا ويُغيثُنا ويَقضِي حَوائجَنا ونحن في هذا العالَمِ الغَريبِ؟! فهل تَرَى بَصِيصَ أَمَلٍ نَرجُوه مِن هؤلاء العاجِزِين الضُّعَفاءِ ونحن لا نَفقمِ (ص)سانَهم ولا هم يُصغُون إلى كَلامِنا؟ ثمَّ إنَّ الَّذي جَعَل هذا العالَمَ العَظيمَ على صُورةِ مَملَكةٍ مُنَسَّقةٍ وعلى هَيئةِ مَدينةٍ رائعةٍ وعلى شَكلِ قَصرٍ بَديعٍ، ؟.. فهه كَنزًا لِخَوارقِ الأَشياءِ، وجَمَّلَه بأَفضلِ زِينةٍ وأَروَعِ حُسْنٍ، ورَصَّعَ نَواحِيَه كلَّها بمُعجِزاتٍ مُعبِّرةٍ حَكيمةٍ.. أَقُولُ: إنَّ صانِعًا له كلُّ هذه العَظَمةِ والهَيبةِ وقد أَتَى بنا وبمَن حَولَنا إلى الآخَ، لا شَكَّ أنَّ له شأنًا في هذا؛ فوَجَب قبلَ كلِّ شيءٍ أن نَعرِفَه مَعرِفةً جَيِّدةً، وأن نَعلَمَ مِنه ما يُرِيدُ مِنَّا وماذا يَطلُبُ؟
قال له صاحِبُه: دَعْ عنك هذا الكَلامَ، فأنا لا أُصَدًِّ مِنهَ واحِدًا أَحَدًا يُديرُ هذا العالَمَ الغَريبَ!
فأجابَه: مَهْلًا يا صاحِبي.. هلَّا أعَرتَني سَمْعَك؟ فنحن لو أَهمَلْنا مَعرِفَتَه فلا نَكسِبُ شَيئًا قَطُّ، وإن كان في إهمالِنا ضَرَرٌ فضَرَرُه جيَوْمَِليغٍ؛ بَينَما إذا سَعَينا إلى مَعرِفَتِه فليس في سَعيِنا هذا مَشَقّةٌ ولا نَلقَى مِن وَرائِه خَسارةً، بل مَنافِعَ جَليلةً وعَظيمةً.. فلا يَليقُ بنا إذًا أن نَبقَى مُعرِضين هكذا عن مَعرِفَتِه.
ولكنَّ صاحِبَه الغافلٰهِيّل: أنا لَستُ معَك في كَلامِك هذا، فأنا أَجِدُ راحَتي ونَشوَتي في عَدَمِ صَرْفِ الفِكرِ إلى مِثلِ هذه الأُمُورِ، وفي عَدَمِ مَعرِفةِ ما تدَّعيه عن هذا الص: "أَلِ البَديعِ؛ فلا أَرَى داعِيًا أن أُجهِدَ نَفسِي فيما لا يَسَعُه عَقلي، بل أَرَى هذه الأَفعالَ جَميعَها لَيسَت إلَّا مُصادَفاتٍ وأُمُورًا مُتَداخِلةً مُتَشابِكةً تَجرِي وتَعمَلُ بنَفسِها؟ فما لي وهذه الأُمُورِ؟!
مِنَ اَ علَيه العاقِلُ: أَخشَى أن يُلقِيَ بنا عِنادُك هذا وبالآخَرِين إلى مَصائبَ وبَلايا! ألَم تُهدَمْ مُدُنٌ عامِرةٌ مِن جَرَّاءِ سَفاهةِ شَقيٍّ وأَفعالِ فاسِقٍ؟!
ومَرّةً أُخرَى انبَرَى له الغافِلَ قائلًا: لِنَحسِمِ المَوضُوعَ نِهاةَ الق فإمّا أن تُثبِتَ لي إثباتًا قاطِعًا لا يَقبَلُ الشَّكَّ بأنَّ لهذه المَملَكةِ الضَّخمةِ مالِكًا واحِدًا وصانِعًا واحِدًا أَحَدًا، أو تَدَعَني وشَأْني.
— 295 —
ورِ وإبَه صَدِيقُه: ما دُمتَ يا صاحِبي تُصِرُّ على عِنادِك إلى حَدِّ الجُنُونِ والهَذَيانِ مِمّا يَسُوقُنا والمَملَكةَ بكامِلِها إلى الدَّمارِ! فسأَضَعُ بينَ يَدَيك اثنَي عَشرَ بُرهانًا أُثبِتُ بها أنَّ لهذا العالَمِ الرّائعِ رَوعةَ الةً: إن ولهذه المَملَكةِ المُنتَظِمةِ انتِظامَ المَدينةِ، صانِعًا بَديعًا واحِدًا أَحَدًا هو الَّذي يُدَبِّرُ الأُمُورَ كلَّها.. فلا تَرَى مِن فُطُورٍ في شيءٍ، ولا تَرَى مِن نَقصٍ في أَمسًا فيلك الصّانِعُ الَّذي لا نَراه يُبصِرُنا ويُبصِرُ كلَّ شيءٍ، ويَسمَعُ كَلامَ كلِّ شيءٍ، فكلُّ أَفعالِه مُعجِزاتٌ وآياتٌ وخَوارِقُ ورَوائعُ، والحَقِ المَخلُوقاتُ الَّتي لا نَفهَمُ أَلسِنَتَهم إلَّا مَأمُورُون ومُوَظَّفُون في مَملَكَتِه.
البُرهان الأول
تَعالَ معي يا صاحِبي لِنَتأَمَّل ما حَولَنا مِن أَشياءَ وأُمُورٍ: ألا تَرَى أنَّ يَدًا خَفِيّةً تَِ مُنومِن وَراءِ الأُمُورِ جَميعِها؟ أوَلا تَرَى أنَّ ما لا قُوّةَ له أَصلًا ولا يَقوَى على حَملِ نَفسِه (حاشية-١): إشَارة إلى البُذُور والنُّوَى التي تَحمِل أشجَارًا ضَخمةً. يَحمِلُ آلافَ الأَرطالِ مِنَ الحِملِ الثَّقيلِ؟ ِ أَلفتُشاهِدُ أنَّ ما لا إدراكَ له ولا شُعُورَ يقُومُ بأَعمالٍ في غايةِ الحِكمةِ؟ (حاشية-٢): إشَارة إلى سِيقانِ العِنَب مثلًا، التي تَمُدُّ أَيديَها اللَّطيفةَ وتُعانقُ الأشَجارَ الأُخرَى، لجَرةَ ها عن حَملِ عَناقيدِها الغَنِيّة. فهذه الأَشياءُ إذًا لا تَعمَلُ مُستَقِلّةً بنَفسِها، بل لا بُدَّ أنَّ مَولًى عَليمًا وصانِعًا قَديرًا يُدِيرُها مِن وَراءِ اي فوقَِ، إذ لو كانَت مُستقِلّةً بذاتِها، وأَمرُها بيَدِها، لَلَزِمَ أن يكُونَ كلُّ شيءٍ هنا صاحِبَ مُعجِزةٍ خارِقةٍ.. وما هذه إلَّا سَفسَطةٌ لا مَعنَى لها!
البُرهان الثَّاني
تَعالَ معي يا صاحِبي لِنُمعُِوّادٍَظَرَ في هذه الأَشياءِ الَّتي تُزيِّنُ المَيادِينَ والسّاحاتِ، ففي كلِّ زِينةٍ مِنها أُمُورٌ تُخبِرُنا عن ذلك المالِكِ وتَدُلُّنا علَيه كأنَّها سِكَّتُه وخَتْمُه، كما
— 296 —
تَدُلُّنا طُغْراءُ السُّلطانِ وخَتْمُه على وُجُودِه، وتُنبِضِ والِكَّتُه الَّتي على مَسكُوكاتِه عن عَظَمَتِه وهَيبَتِه؛ فإن شِئتَ فانظُر إلى هذا الجِسمِ الصَّغيرِ جِدًّا الَّذي لا يَكادُ الإنسانُ يَعرِفُ له و للأست (حاشية-١): إشارةً إلى البُذُور المُتَنوِّعة، فبُذُورُ البِطِّيخ والخَوخِ وغيرِها تَنسُج أوراقًا أَجمَلَ مِن أَجوَدِ قُماشٍ، وتُقدِّم لنا ثِمارًا طَيِّبةً هي أَلَذُّ مِنَ الحَلْوَى تأتي بها مِن خَزِينةِ الرَّحمةِ الإ هم أَة. قد صَنَع مِنه المَولَى أَطوالًا مِن نَسِيجٍ مُلوَّنٍ بأَلوانٍ زاهِيةٍ ومُزَركَشٍ بزَخارِفَ باهِرةٍ، ويُخرِجُ مِنه ما هو أَلَذُّ مِنَ الحَلْوَياتِ والمُعَجَّناتِ المُعَسَّلة، فلو لَبِسَ آلافٌ مِن أَمثالِنا تلك المَنسُوجاتِ وأَكَلويَشهَلك المَأكُولاتِ لَمَا نَفِدَت.
ثمَّ انظُر، إنَّه يَأخُذُ بيَدِه الغَيبيّةِ هذا الحَديدَ والتُّرابَ والماءَ والفَحمَ والنُّحاسَ والفِضلاثةَ لذَّهَب، ويَصنَعُ مِنها جَميعًا قِطعةَ لَحم. (حاشية-٢): إشارةً إلى خَلقِ جِسمِ الحَيَوانِ مِنَ العَناصِرِ، وإلى إيجادِ الكائنِ الحَيِّ مِنَ النُّطفةِ.
فيا أيُّها الغافِلُ.. هذه الأَشياءُ والأَفعالُ إنَّما َّ إِسُ مَن زِمامُ هذه المَمْلَكةِ بيَدِه، ومَن لا يَعزُبُ عنه شيءٌ، وكلُّ شيءٍ مُنقادٌ لإرادَتِه.
البُرهان الثالث
تَعالَ لِنَنظُر إلى مَصنُوعاتِه العَجِيبةِ المُتحَرِّكةِ.. (حاشية-٣): إشَارةً إلى الحَيَواناتِ والإنسانِ، لأنَّ الحَيَواني:الحِسٌ مُصَغَّر لهذا العالَمِ، والماهِيّةُ الإنسانيّةُ مِثالٌ مُصَغَّر للكائناتِ، فما مِن شيءٍ في العالَمِ إلَّا ونَمُوذَجُه في الإنسانِ. فقد صُنِعَ كلٌّ مِنها كأنَّه نُسخةٌ مُصَغَّرةُعدَمُهذا القَصرِ العَظيمِ، إذ يُوجَدُ فيه ما في القَصرِ كلِّه؛ فهل يُمكِنُ أن يُدرِجَ أَحَدٌ هذا القَصرَ مُصَغَّرًا في ماكِينةٍ دَقيقةٍ غيرُ صانِعِه البَديعِ؟ أو هل يُمكِنُ أن تَرَى عَبَثًا أو مُصادَفةً في عالَمٍ ضُمَّ داخِلَ مي كانٍَ صَغيرةٍ؟
أي: إنَّ كلَّ ما تُشاهِدُه مِن مَكائنَ إنَّما هي بمَثابةِ آيةٍ تَدُلُّ على ذلك الصّانِعِ البَديعِ، بل كلُّ ماكِينةٍ دَليلٌ علَيه، وإعلانٌ يُفصِحُ عن َشياءَتِه، ويقُولُ بلِسانِ الحالِ: نحن مِن إبداعِ مَن أَبدَعَ هذا العالَمَ بسُهُولةٍ مُطلَقةٍ كما أَوجَدَنا بسُهُولةٍ مُطلَقةٍ.
— 297 —
البُرهان الرَّابع
أيُّها الأَخُ العَنيدُ.. تَعالَ أُرِكَسَ عَما أَكثَرَ إثارةً للإعجابِ! انظُر، فها قد تَبَدَّلتِ الأُمُورُ في هذه المَملَكةِ، وتَغيَّرَت جَميعُ الأَشياءِ، وها نحن أُولاءِ نَرَى بأَعيُنُِستَخد التَّبدُّلَ والتَّغيُّرَ، فلا ثَباتَ لِشَيءٍ مِمّا نَراه، بلِ الكُلُّ يَتَغيَّرُ ويَتَجدَّدُ.
انظُر إلى هذه الأَجسامِ الجامِدةِ المُشاهَدةِ الَّتي لا نَرَى فيها شُعُورًا، كأنَّ كُلًّا مِنها يفِ، وَّخَذ صُورةَ حاكِمٍ مُطلَقٍ، والآخَرُون مَحكُومُون تحتَ سَيطَرَتِه، وكأنَّ كلًّا مِنها يُسَيطِرُ على الأَشياءِ كُلِّها.. انظُر إلى هذه الماكِينةِ الَّتي بقُربِنا (حاشية-١): إشارةً إلى النَّباتات المُثمِرة لأنَّها تَحمِلُ مِئاتَتَصاغصانِعِ والمَعامِل الدَّقيقةِ في أَعضَائها الرَّقيقةِ، فتَنسُجُ الأَوراقَ اللَّطيفةَ والأَزهارَ الزّاهِيةَ وتُنضِجُ الثِّمارَ اليانِعةَ وتُقدِّمها إلَينا. ومنها أَشجعلى صَصَّنَوبَر الشّامِخةُ الَّتي نَصَبَت مَعامِلَها على الصُّخُور الصَّمّاءِ في الجِبالِ. كأنَّها تَأمُرُ فيُهرَعُ إلَيها مِن بَعيدٍ ما تَحتاجُه مِن لَوازِمادًا إينَتِها وعَمَلِها، وانظُر إلى ذلك الجِسمِ الَّذي لا شُعُورَ له، (حاشية-٢): إشارةً إلى الحُبُوبِ والبُذَيراتِ وبُيُوضِ الحَشَراتِ، فتَضَع البَعُوضةُ مثلًا بُيُوضَها على أَوراقِ شَجَرةٍ، فإذا الوَرَقةُ تكُون لها كرَحِمِ الأُمِّ والمَهدِ اللَّطاهةًصتَمتَلِئُ بغِذاءٍ لَذيذٍ كالعَسَل.. فكأنَّ تلك الشَّجَرةَ غيرَ المُثمِرةِ تُثمِرُ كائناتٍ حَيّةً. كأنَّه يُسَخِّر بإشارةٍ خَفِيّةٍ مِنه أَضخَمَ جِسمٍ وأَكيلٌ، وفي شُؤُونِه الخاصّةِ ويَجعَلُه طَوْعَ إشارَتِه.. وقِسِ الأُمُورَ الأُخرَى على هذَينِ المِثالَينِ.
فإن لم تُفوِّضْ أَمرَ إدارةِ المَملَكةِ إلى ذلك المالِكِ الَّذي لا نَراه، فعلَيك إذًا أن تُحِيلَ إلى كلِّ مَصنُوعٍ ما للبَدِيعِ مِن إتقانٍ ذِي جَاتٍ، حتَّى لو كان حَجَرًا أو تُرابًا أو حَيَوانًا أو إنسانًا أو أيَّ مَخلُوقٍ مِنَ المَخلُوقاتِ.
فإذا ما استَبعَدَ عَقلُك أنَّ بَدِيعًا واحِدًا أَحَدًا هو المالِكُ لهذه المَملَكةِ وهو الَّذي يُدِيرُها، فما عليك إلَّا قَبُولُرِيمةَينِ المَلايينِ مِنَ الصَّانِعِين المُبدِعِين، بل بعَدَدِ المَوجُوداتِ! كلٌّ مِنها نِدٌّ للآخَرِ ومَثِيلُه وبَدِيلُه ومُتَدخِّلٌ في شُؤُونِه! مع أنَّ النِّظامَ المُتقَنَ البَديعَ يَقتَضي عدَمَ التَّدَخُّلِ، فلو كان هناك تَدَخُّلٌ مَهما كان طَفيفًا ومِن أيِّ
— 298 —
شيءٍ كان، وفي أيِّ أَمرٍ مِن أُمُورِ هذه المَملَكةِ الهائلةِ، لَظَهَر أَثَرُه الدّاا، إذ تَختَلِطُ الأُمُورُ وتَتَشابكُ إن كان هناك سيِّدانِ في قريةٍ أو مُحافِظانِ في مَدينةٍ أو سُلطانانِ في مَملَكةٍ.. فكيف بحُكَّامٍ لا يُعَدُّون ولا يُحصَون في مَملَكةٍ مُنَسَّقةٍ بَدِيعةٍ؟!
البقُدرَتالخامس
أيُّها الصَّديقُ المُرتابُ.. تَعالَ لِنُدقِّقْ في نُقُوشِ هذا القَصرِ العَظيمِ، وَلْنُمعِنِ النَّظَرَ في تزيِيناتِ هذه المَدِينةِ العامِرةِ، ولْنُشاهِدِ النِّظامَ الِيرِ" لِهذه المَملَكةِ الواسِعةِ، ولْنَتأَمَّلِ الصَّنعةَ المُتقَنةَ لِهذا العالَمِ.. فها نحنُ نَرَى أنَّه إن لم تَكُن هذه النُّقُوشُ كِتابةَ قَلَمِ المالِكِ البَديعِ الَّذي لا حَدَّ لِمُعجِزاتِه وإبداعِهلرّابعنِدَت كِتابتُها ونَقشُها إلى الأَسبابِ الَّتي لا شُعُورَ لها، وإلى المُصادَفةِ العَمياءِ، وإلى الطَّبِيعةِ الصَّمّاءِ، لَلَزِم إذًا أن يكُونَ َيثُ اٍ مِن أَحجارِ هذه المَملَكةِ وعُشبِها مُصَوِّرٌ مُعجِزٌ وكاتِبٌ بَدِيعٌ يَستَطيعُ أن يَكتُبَ أُلُوفَ الكُتُبِ في حَرفٍ واحِدٍ، ويُمكِنُه أن يُدرِجَ مَلايينَ الأَعمالِ المُتقَنةِ البَدِيعةِ في نَقْش سُبحادٍ، لأنَّك تَرَى أنَّ هذا النَّقْش الَّذي أَمامَك في هذه اللَّبِنةِ (حاشية): إشَارةً إلى الإنسَانِ الذي هو ثَمَرةُ الخِلقةِ، وإلى الثَّمَرةِ اءِ عُيحمِلُ فِهرِسَ شَجَرتِها وبَرنامَجَها.. فما كَتَبه قَلَمُ القُدرةِ في كِتابِ العالَمِ الكَبيرِ قد كَتَبه مُجمَلًا في ماهيّةِ الإنسانِ، وما كَ كلِّ لَمُ القَدَر في الشَّجَرةِ قد دَرَجَه في ثَمَرتِها الصَّغيرةِ. يَضُمُّ نُقُوشَ جَميعِ القَصرِ، ويَنطَوِي على جَميعِ قَوانينِ المَدِينةِ وأَنظِمَتِها، ويَتَضمَّنُ خُطَطَ أَعمالِها.
أي: إنَّ إيجادَ َجِدُ نُّقُوشِ الرّائعةِ مُعجِزةٌ عَظيمةٌ كإيجادِ المَملَكةِ نَفسِها، فكلُّ صَنعةٍ بَدِيعةٍ لَيسَت إلَّا لَوحةَ إعلانٍ تُفصِحُ عن أَوصافِ ذلك الصّانِعِ البَدِيعِ، وكلُّ نَقْشٍ جَميلٍ هو خَتْمٌ مِن نٌ مِن أَختامِه الدّالّةِ علَيه.
فكما أنَّه لا يُمكِنُ لِحَرفٍ إلَّا أن يَدُلَّ على كاتِبِه، ولا يُمكِنُ لِنَقْشٍ إلَّا أن يُنبِئَ عن نَقّاشِه، فكيف يُمكِنُ إذًا ألَّا يَدُلَّ حَرفٌ كُتِبَ فيه كِتابٌ عَظِيمٌ على كاتِبِه، ونَقْشٌ سعِه أت علَيْه أُلُوفُ النُّقُوشِ على نَقَّاشِه؟ ألا تكُونُ دَلالَتُه أَظهَرَ وأَوضَحَ مِن دَلالَتِه على نَفسِه؟
— 299 —
البُرهان السادس
تَعالَ يا صَدِيقي، لِنَذهَب إلى نُزهةٍ نَتَجوَّلُ في هذه الفَلاةِ الواسِهما كاحاشية): إشارةً إلى سَطحِ الأرضِ في مَوسِمَيِ الرَّبيعِ والصَّيفِ.. حيث تُخلَقُ مِئاتُ الأُلُوفِ مِنَ المَخلُوقاتِ خَلْقًا مُتَداخِلًا مُتَشابِكًا، وتُكتَبُ على صَحيفةِ الأرضِ دونَ خَطَأٍ ولا قُصُورٍ، وتُبدَّلُ بانتِظامٍ، فتُفلْفِ مُلُوفٌ مِن ضِيافاتِ الرَّحمٰنِ، ثمَّ تُرفَعُ وتُجَدَّدُ.. فكأنَّ كلَّ شَجَرةٍ خادِمُ مَطعَمٍ، وكلَّ بُستانٍ قِدْرٌ لإعدادِ المَأكُولاتِ.
المَفرُوشةِ أَمامَنا.. ها هو ذا جَبَلٌ أَشَمُّ، تَعالَ لِنَصَعد علَيه حتَّى نَتَمكَّنَ مِن مُشاهَدةِ ُّدِ و الأَطرافِ بسُهُولٍة، ولْنَحمِلْ مَعَنا نَظَّاراتٍ مُكبِّرةٍ تُقَرِّبُ لنا ما هو بَعيدٌ عن أَنظارِنا.. فهذه المَملَكةُ فيها مِنَ الأُمُورِ العَجِيبةِ والحَوادِثِ الغَرِيبةِ ما لا يَخطُرُ على بالِ أَحَدٍاسِخًاُر إلى تلك الجِبالِ والسُّهُولِ المُنبَسِطةِ والمُدُنِ العامِرةِ، إنَّه أَمرٌ عَجِيبٌ حَقًّا إذ تَتَبدَّلُ جَمِيعًا دُفعةً واحِدةً، بل إنَّ مَلايينَ المَلايينِ مِنَ الأَفعالِ المُتَشابِكةِ تَتَبدَّلُ تَبَدُّلًا بكُلِّ نِِ "العبكُلِّ تَناسُقٍ، فكأنَّ مَلايينَ الأَطوالِ مِن مَنسُوجاتٍ مُلَوَّنةٍ رائعةٍ تُنسَجُ أَمامَنا في آنٍ واحِدٍ..
حقًّا إنَّ هذه التَّحَوُّلاتِ عَجيبةٌ جِزٌ بالفأَينَ تلك الأَزاهِيرُ الَّتي ابتَسَمَت لنا والَّتي أَنِسْنا بها؟.. لقد غابَتْ عنَّا، وحلَّت مَحَلَّها أَنواعٌ مُخالِفةٌ لها صُورةً، مُماثِلةٌ ماهِيّةً؛ وكأنَّ هادةِ وُّهُولَ المُنبَسِطةَ وهذه الجِبالَ المَنصُوبةَ صَحائفُ كِتابٍ يُكتَبُ في كلٍّ مِنها كُتُبٌ مُختَلِفةٌ في غايةِ الإتقانِ دُونَ سَهْوٍ أو خََفسِه ثم تُمسَحُ تلك الكُتُب ويُكتَبُ غَيرُها.. فهل تَرَى يا صَدِيقي أنَّ تَبَدُّلَ هذه الأَحوالِ وتَحَوُّلَ هذه الأَوضاعِ الَّذي يَتِمُّ بكُلِّ نِظامٍ ومِيزانٍ يَحدُثُ مِن تِلقاءِ نَفسِه؟! ألَيسَ ذلك مُحنَ عَمِن أَشَدِّ المُحالاتِ؟
فلا يُمكِنُ إحالةُ هذه الأَشياءِ الَّتي أَمامَنا وهي في غايةِ الإتقانِ والصَّنعةِ إلى نَفسِها قَطُّ، فذلك مُحالٌ في مُحالٍتَمكَّي أَدِلّةٌ واضِحةٌ على صانِعِها البَديعِ أَوضَحَ مِن دَلالَتِها على نَفسِها، إذ تُبيِّنُ أنَّ صانِعَها البَديعَ لا يُعجِزُه شيءٌ، ولا يَؤُودُه شيءٌ، فكِتابةُ أَلفِ كِتابٍ أَمرٌ يَسِيرٌ لَدَيه ككِتابةِ حَرفٍ واحِدٍ.. ثمَّ تَأَمَّلْ يا أَخيًا تلكأَرجاءِ كافّةً، تَرَ أنَّ الصّانِعَ الأَعظَمَ قد وَضَع بحِكمةٍ تامّةٍ كلَّ شيءٍ في مَوضِعِه اللّائقِ به، وأَسبَغَ على كلِّ
— 300 —
شيءٍ نِعَمَه وكَرَمَه بلُطفِه وفَضْلِه العَمِيمِ.. وكما يَفتَحُ أَبوابَ نِعَمِه وآلائِه العَمِيمةِ أَمامَ عِيفٌ يءٍ، يُسعِفُ رَغَباتِ كلِّ شيءٍ، ويُرسِلُ إلَيه ما يُطَمْئِنُه.
وفي الوَقتِ نَفسِه يَنصِبُ مَوائدَ فاخِرةً عامِرةً بالسَّخاءِ والعَطاءِ، بل يُنعِمُ على مَصِيّةَتِ هذه المَملَكةِ كافّةً مِن حَيَوانٍ ونَباتٍ نِعَمًا لا حَدَّ لها، بل يُرسِلُ إلى كلِّ فَردٍ باسمِه ورَسمِه نِعمَتَه الَّتي تُلائمُه دُونَ خَطَأٍ أو نِسيانٍ.. فهل هُناك مُحالٌ أَعظَمُ مِن أن تَظُنَّ أنَّ في هذه الأُمُورَ شاتِ الِنَ المُصادَفةِ مَهما كان ضَئِيلًا؟ أو شَيئًا مِنَ العَبَثِ وعَدَمِ الجَدْوَى؟ أو أنَّ أَحَدًا غيرَ الصّانِعِ البَدِيعِ قد تَدَخَّل في أُمُورِ المَملَكةِ؟ أو أن يُتَصَوَّر ألّا يَدِينَ له كلُّ شيءٍ في مُلكِهِيّةٍ ل تَقدِرُ يا صَدِيقي أن تَجِدَ مُبَرِّرًا لإنكارِ ما تَراه؟..
البُرهان السابع
لنَدَعِ الجُزئيّاتِ يا صاحِبي، ولْنَتَأمَّلْ في هذارُ ادَّمِ العَجِيبِ، ولْنُشاهِدْ أَوضاعَ أَجزائِه المُتَقابِلِ بَعضُها مع البَعضِ الآخَرِ.. ففي هذا العالَمِ البَدِيعِ مِنَ النِّظامِ الشّامِلِ والِانتِظاوصُحُفامِلِ كأنَّ كلَّ شيءٍ فاعِلٌ مُختارٌ حَيٌّ يُشرِفُ على نِظامِ المَملَكةِ كُلِّها، ويَتَحرَّكُ مُنسَجِمًا مع ذلك النِّظامِ العامِّ.. حتَّى تَرَى الأَشياءَ المُتَباعِدةَ جِدًّا يَسعَى الواحِدُ مِنها نحوَ الآخَرِ للتَّعاوُنِ والتَّآزَُّوقَ انظُر.. إنَّ قافِلةً مَهِيبةً تَنطَلِقُ مِنَ الغَيبِ (حاشية-١): وهي قَافلةُ النَّباتاتِ الحامِلةِ لِأَرزاقِ الأَحياءِ كافّةً. مُقبِلةً علَينا، فهي قافِلةٌ تَحمِلُ صُحُونَ أَرزاقِ الأَحياءِ؛ ثمَّ انظُرْ إلى ذِ الشِّصباحِ الوَضِيءِ (حاشية-٢): إشَارةً إلى الشَّمس. المُعَلَّقِ في قُبَّةِ المَملَكةِ، فهي تُنِيرُ الجَميعَ وتُنضِجُ المَأكُولاتِ المُعلَّقةَ بخَيطٍ دَقيقٍ (حاشية-٣): إشَارةً إلى أغصَان الشَّجرَة الهُومُ َة الحَامِلة للأثمَار اللَّذيذة. والمَعرُوضةَ أَمامَه بِيَدٍ غَيبِيّةٍ.. ألا تَلتَفِتُ معي إلى هذه الحَيَواناتِ النَّحِيفةِ الضَّعِيفةِ العاجِزةِ كيف
— 301 —
يَسِيلُ إلى أَفواهِها غِذاءٌ لَطَِّتِه،لِصٌ يَتَدفَّقُ مِن مِضَخّاتٍ (حاشية-١): إشَارةً إلى ثَدي الأُمهَات. مُتَدلِّيةٍ فَوقَ رُؤُوسِها، وحَسْبُها أن تُلصِقَ أَفواهَها بها!
نَخلُصُ مِن هذا:أنَّه ما مِن شيءٍ فَ النّالعالَمِ إلَّا كأنَّه يَتَطلَّعُ إلى الآخَرِ فيُغيثُه، أو يَرَى الآخَرَ فيَشُدُّ أَزْرَه ويُعاوِنُه، فيُكَمِّلُ الواحِدُ عَمَلَ الآخَرِ ويكُونُ ظَهِيرَه وسَِيّةِ ويَتَوجَّهُ الجَميعُ جَنْبًا إلى جَنْبٍ في طَريقِ الحَياةِ.. وقِسْ على ذلك.. فهذه الظَّواهِرُ جَميعُها تَدُلُّنا دَلالةً قاطِعةً وبيَقينٍ جازِمٍ إلى أنَّه ما مِن شيءٍ في هذا القَصرِ العَجِيبِ إلَّا وهو مُسَخَّر أَلفِلِكِه القَديرِ ولِصانِعِه البَدِيعِ، ويَعمَلُ باسمِه وفي سَبِيلِه، بل كلُّ شيءٍ بمَثابةِ جُندِيٍّ مُطِيعٍ مُتَأَهِّبٍ لِتَلَقِّي الأَوامِرِ.. فكُلُّ شيءٍ يُؤَدِّي ما كُلِّف به مِن واجِبٍ ب وأَجز مالِكِه وحَوْلِه، فيَتَحرَّكُ بأَمرِه، ويَنتَظِمُ بحِكمَتِه، ويَتَعاوَنُ بكَرَمِه وفَضْلِه، ويُغيثُ الآخَرين برَحمَتِه.. فإن كُنتَ تَستَطيعُ يا أخي إبداءَ شيءٍ مِنَ الِاعتِراَّافي شَّكِّ أَمامَ هذا البُرهانِ فهاتِه.
البُرهان الثامن
تَعالَ يا صاحِبي المُتَعاقِلَ ويا مَثِيلَ نَفسِي الأَمَّارةِ بالسُّوءِ الَّتي تَعُدُّ نَفسَها رَشِيدةً وتُح فكَم لظَّنَّ بنَفسِها.. أَراك يا صاحِبي تَرغَبُ عن مَعرِفةِ صاحِبِ هذا القَصرِ البَدِيعِ، مع أنَّ كلَّ شيءٍ يَدُلُّ علَيه، وكلَّ شيءٍ يُشِيرُ إلَيه، وكلَّ شيءٍ يَشهَدُ بوُجُودِه؛ فكيف تَجرُؤُ على تَكذِيبِ هذه الشَّهاداتِ كلِّها؟! إذًا علَيك أنك العُرَ وُجُودَ القَصرِ نَفسِه، بل علَيك أن تُعلِنَ أنَّه لا قَصرَ ولا مَملَكةَ ولا شيءَ في الوُجُودِ؛ بل تُنكِرَ نَفسَك وتَعُدَّها مَعدُومةً لا وُجُودم الَّ.. أو علَيك أن تَعُودَ إلى رُشْدِك وتُصغِيَ إلَيَّ جيِّدًا، فها أنا أَضَعُ بينَ يدَيك هذا المَنظَرَ:
تَأَمَّل في هذه العَناصِرِ والمَعادِنِ (حاشية-٢): إشَارَةً إلى عَناصرِ الهَواءِ والمَاءِ التي تُؤدِّي وَظائفَ مُهِمّةً شَتَّلك الممِدُّ كلَّ مُحتاجٍ بإذنِ اللهِ وتَنتَشِر في كلِّ مكانٍ بأمرِ الله، فتُهيِّئُ لَوازِمَ الحياةِ لذَوِي الحياةِ، وهي الأصلُ في خُيُوطِ نَقشِ المَصنُوعاتِ الإلٰهِيّة. الَّتي تَعُحُ شَهه المَملَكةَ والَّتي تُوجَدُ في كلِّ أَرجاءِ هذا القَصرِ؛ ومَعلُومٌ أنَّه ما مِن شيءٍ يُنتَجُ في هذه المَملَكةِ إلَّا مِن تلك المَوادِّ،
— 302 —
فمَن كانَ مالِمُ لكملك المَوادِّ والعَناصِرِ فهو إذًا مالِكٌ لكُلِّ ما يُصنَعُ ويُنتَجُ مِنها، إذ مَن كان مالِكًا للمَزرَعةِ فهو مالِكُ المَحاصِيلِ، ومَن كان مالِكًا للبَحرِ فهو مالِكٌ لِما فيه.
ثمَّ انظُر يا صاحِبي إلى هذه المَنسُوجاتِ سةٍ ثامِشةِ المُلَوَّنةِ المُزدانةِ بالأَزهارِ: إنَّها تُصنَعُ مِن مادّةٍ واحِدةٍ، فالَّذي هَيَّأ تلك المادّةَ وغَزَلَها لا بدَّ أنَّه واحِدٌ، لأنَّ تلك الصَّنعةَ لا تَقبَلُ الِاشتِراكَ، فالمَنسُوجاتُ المُتقَغَيرَ خُصُّه هو.. ثمَّ الْتَفِت إلى هذا: إنَّ أَجناسَ هذه المَنسُوجاتِ مَوجُودةٌ في كلِّ جُزءٍ مِن أَجزاءِ هذا العالَمِ العَجِيبِ، وقدِ انتَشَرتِ انتِشارًا واسِعَ النِّطاقِ حتَّى إنَّتَرِيحسَجُ معًا وبتَداخُلٍ في آنٍ واحِدٍ وبنَمَطٍ واحِدٍ في كلِّ مكانٍ، أي: إنَّه فِعلُ فاعلٍ واحِدٍ، فالجَميعُ يَتَحرَّكُ بأَمرٍ واحِدٍ؛ وإلَّا فمُحالٌ أن يكُونَ هناك انسِجامٌ تامٌّ وتَوافُقٌ واضِحٌ في العَمَلِ وفي آنٍبِسْمٍ وبنَمَطٍ واحِدٍ وبنَوعِيّةٍ واحِدةٍ وهَيئةٍ واحِدةٍ في جَميعِ الأَنحاءِ، لِذا فإنَّ كلَّ ما هو مُتقَنُ الصُّنعِ يَدُلُّ دَلالةً واضِحةً على ذلك الفاعِلِ الَّذي لا نَراه، بل كأنَّه يُعلِنُ عنه صَراحةً، بل كأنَّ كلَّ نَسِيجٍ مَغرُوةِ أَشزُّهُورِ، وكلَّ ماكِينةٍ بَديعةٍ، وكلَّ مَأكُولٍ لَذيذٍ، إنَّما هو عَلامةُ الصّانِعِ المُعجِزِ وخاتَمُه وآيتُه وطُغْراؤُه، فكلٌّ مِنهم يقُولُ بلِسانِ الحالِ: "مَن كُنتُ أنا مَصنُوعَه، فمَوضِعي الَّذي أنا فيِها الُه". وكلُّ نَقْشٍ يقُولُ: "مَن قامَ بنَسجِي ونَقشِي فلَفيفُ القُماشِ الَّذي أنا فيه هو مَنسُوجُه". وكلُّ لُقمةٍ لَذيذةٍ تقُولُ: "مَن يَصنَعُني ويُنضِجُني فالقِدْرُ الَّذي أُطبِنِينَه مُلكُه". وكلُّ ماكِينةٍ تقُولُ: "مَن قامَ بصُنعي فكلُّ ما في العالَمِ مِن أَمثالي مَصنُوعُه وهو مالِكُه. أي: مَن كان مالِكًا للمَملَكةِ والقَصرِ كلِّه فهو الَّذي يُمكِنُه أن يَملِكَنا". وذلك بمِثلِ مَن أَرادَ أن يَدَّعِيَصَنْعةُّكَ أَزرارِ البِزّةِ العَسكَريّةِ ووَضْعَ شِعارِ الدَّولةِ علَيها لا بُدَّ أن يكُونَ مالِكًا لِمَصانِعِها كلِّها حتَّى يكُونَ مالِكًا حَقيقيًّا، وإلّا فليس له إلّا الِادِّعاءُ الكاذِبُ، بل يُعاقَبُ على عَمَلِه ويُؤاخَذُ على كَلامِه.
َذافيرصةُ:كما أنَّ عَناصِرَ هذه المَملَكةِ مَوادُّ مُنتَشِرةٌ في جَميعِ أَرجائِها، فمالِكُها إذًا واحِدٌ، يَملِكُ ما في المَملَكةِ كلِّها، كذلك المَصنُوعاتُ المُنتَشِرةُ في أَرجاءِ المَملَكةِ
— 303 —
لأنَّها مُتَشابِهةٌ تُظهِرُ علامةً واحِدةً و رَسائًا واحِدًا، فجَميعُها إذًا تَدُلُّ على ذلك الواحِدِ المُهَيمِنِ على كلِّ شيءٍ.
فيا صَدِيقي.. إنَّ علامةَ الوَحدةِ ظاهِرةٌ في هذا العالَمِ، وآيةَ التَّوحيدِ واضقد أَوَيِّنةٌ، ذلك لأنَّ قِسمًا مِنَ الأَشياءِ رَغمَ أنَّه واحِدٌ فهو مَوجُودٌ في العالَمِ كُلِّه، وقِسمًا آخَرَ رَغمَ تَعدُّدِ أَشكالِه فإنَّه يُظهِرُ وَحدةً نَوعيّةً مع أُّ باله لِتَشابُهِه وانتِشارِه في الأَرجاءِ، وحيثُ إنَّ الوَحدةَ تَدُلُّ على الواحِدِ كما هو مَعلُومٌ، لِذا يَلزَمُ أن يكُونَ صانِعُ هذه الأَشياءِ ومالِكُها واحِدًا على مُا.. زِدْ على هذا فإنَّك تَرَى أنَّه يَخرُجُ حَبلٌ غَلِيظٌ مِن وَراءِ سِتارِ الغَيبِ، فتَتَدلَّى مِنه خُيُوطٌ (حاشية): الحَبلُ إشَارةٌ إلى الشَّجرةِ المُثمِرة، والخُيوطُ الرَّفيعةُ إشَارةٌ إلى أغصَانِها، أمّا َهم فييَا والمُرصَّعات فَهي إشَارةٌ إلى أَنواعِ الأزهَارِ وأضرَابِ الثِّمار. تَحمِلُ ما هو أَثمَنُ مِنَ الماسِ والزُّمُرُّدِ مِنَ الآلاءِ والإحسانِ.
إذًا: نسَخٌ ر بنَفسِك مَدَى بَلاهةِ مَن لا يَعرِفُ الَّذي يُديرُ هذه الأُمُورَ العَجِيبةَ ويُقَدِّم هذه الهَدايا البَديعةَ! قَدِّر مَدَى تَعاسةِ مَن لا يُؤدِّي شُكرَه علَيها! إذ إنَّ جَهلَه به يُرغِمُه على التَّفَوُّهِ بما هو مِن قَه برَأالهَذَيانِ، فيقُولُ مثلًا: إنَّ تلك الحِبالَ هي الَّتي تَصنَعُ تلك اللَّآلِئَ المُرَصَّعاتِ! أي: يُلزِمُه جَهلُه أن يَمنَحَ مَعنَى السُّلطانِ لكُلِّ حَبلٍ مِن تلك الحِبالِ! والحايفةِ، َنا نَرَى أنَّ يَدًا غَيبِيّةً هي الَّتي تَمتَدُّ إلى تلك الحِبالِ فتَصنَعُها وتُقلِّدُها الهَدايا. أي: إنَّ كلَّ ما في هذا القَصرِ يَدُلُّ على صانِعِه المُبدِعِ دَلالةً أَوضَحَ مِن دَلالَتِه علىةِ لا ه.. فإن لم تَعرِفْه يا صاحِبي حَقَّ المَعرِفةِ فستَهوِي إذًا في دَرْكٍ أَحَطَّ مِنَ الحَيَواناتِ، لأنَّك تُضطَرُّ إلى إنكارِ جَميعِ هذه الأَشياءِ.
البُرهان التاسع
أيُّها الصَّدِيقُ الَّذي يُطلِقُ أَحكامَه جِزافًا، إنَّك لا تَعرِفُ مت تلك هذا القَصرِ ولا تَرغَبُ في مَعرِفَتِه، فتَستَبعِدُ أن يكُونَ له مالِكٌ، وتَنساقُ إلى إنكارِ أَحوالِه لعَجْزِ عَقلِك عنِ استِيعابِ هذه المُعجِزاتِ الباهِيِّ والرَّوائعَ البَديعةَ، مع أنَّ الِاستِبعادَ الحَقيقيَّ،
— 304 —
والمُشكِلاتِ العَوِيصةَ والصُّعُوباتِ الجَمَّةَ في مَنطِقِ العَقلِ إنَّما هو في عَدَمِ مَعرِفةِ المالِكِ، والَّذي يُفضِي بك إلى إنكارِ وُجُودِ هذه المَوادِّ المَبذُولةِ لك بأُلٍ داها الزَّهيدةِ ووَفْرَتِها العَظيمةِ.
بَينَما إذا عَرَفْناه يكُونُ قَبُولُ ما في هذا القَصرِ، وما في هذا العالَمِ سَهلًا ومُستَساغًا ومَعقُولًا جِدًّا، كأنَّه شيءٌ واحِدٌ، إذ لو لم نَعرِفْه ولَولاه، لكان كلُّ شيءٍ عِندَئذٍ صَعْبًاغةَ عليرًا، بل لا تَرَى شَيئًا مِمّا هو مُتَوفِّرٌ ومَبذُولٌ أَمامَك.. فإن شِئتَ فانظُر فحَسْبُ إلى عُلَبِ المُرَبَّيَاتِ (حاشية): مُعلَّباتُ المُربَّيات، إشَارةً إلى البِطّيخِ والشالأَكرم والرُّمَّان وغَيرِها مِن مُعلَّباتِ القُدرةِ الإلٰهِيّة، وكلُّ ذلك هَدَايا الرَّحمةِ الإلٰهِيّة. المُتَدَلِّيةِ مِن هذه الخُيُوطِ، فلو لم تكُن مِن إنتاجِ مَطبَخِ نها بمقُدرةِ المُعجِزةِ، لَمَا كان باستِطاعَتِك الحُصُولُ علَيها ولو بأَثمانٍ باهِظةٍ.
نعم، إنَّ الِاستِبعادَ والمُشكِلاتِ والصُّعُوبةَ والهَلاكَ والمُحالَ إنَّما هو في عَدَمِ مَعرِفَتِه، لأنَّ إيجادَ ثَمَرتلك المَثلًا یی يكُونُ صَعبًا ومُشكِلًا كالشَّجَرةِ نَفسِها فيما إذا رُبِطَ كلُّ ثَمَرةٍ بمَراكِزَ مُتَعدِّدةٍ وقَوانينَ مُختَلِفةٍ، بَينَما يكُونُ الأَمرُ سَهلًا مُستُتُبُ إذا ما كان إيجادُ الثَّمَرةِ بقانُونٍ واحِدٍ ومِن مَركَزٍ واحِدٍ، فيكُونُ إيجادُ آلافِ الأَثمارِ كإيجادِ ثَمَرةٍ واحِدةٍ؛ مَثَلُه في هذا كمَثَلِ تفي غايِ الجَيشِ بالعَتادِ، فإن كان مِن مَصدَرٍ واحِدٍ وبقانُونٍ واحِدٍ ومِن مَعمَلٍ واحِدٍ، فالأَمرُ سَهلٌ ومُستَساغٌ عَقلًا.. بَينَما إذا جُهِّزَ كلُّ جُندِيٍّ بقانُونٍ خاصٍّ ومِن مَصدقِها تصٍّ ومِن مَعمَلٍ يَخُصُّه، فالأَمرُ صَعبٌ ومُشكِلٌ جِدًّا، بل سيَحتاجُ ذلك الجُندِيُّ حِينَئذٍ إلى مَصانِعِ عَتادٍ ومَراكِزِ تَجهِيزاتٍ وقَوانينَ كَثيرةٍ بعَدَدِ أَفرادِ جَيشٍ كامِلٍ.
فعلى غِرارِ هذَينِ المِثالَينِ، فإنَّ إيجادفي التالأَشياءِ في هذا القَصرِ العَظيمِ والمَدينةِ الرّائعةِ، وفي هذه المَملَكةِ الرّاقيةِ والعالَمِ المَهِيبِ إذا ما أُسنِدَ إلى واحِدٍ أَحَدٍ، فإنَّ الأَمرَ سَهلٌ ومُستَسا أمامَثُ يكُونُ ما نَراه مِن وَفرةِ الأَشياءِ وكَثرَتِها واضِحًا؛ بَينَما إن لم يُسنَدِ الأَمرُ إلَيه يكُونُ إيجادُ أيِّ شيءٍ كان عَسِيرًا جِدًّا، بل لا يُمكِنُ إيجادُه أَصلًا حتَّى لو أُعطِيَتِ الدُّنيا كلُّها ثَمَنًا له.
— 305 —
البُرهان ارِيّةِر
أيُّها الصَّديقُ، ويا مَن يَتَقرَّبُ شَيئًا فشَيئًا إلى الإنصافِ.. فها نحنُ هنا منذُ خَمسةَ عَشَرَ يَومًا، (حاشية-١): إشَارةً إلى سِنِّ التَّكليفِ البالِغِ خَمسَ عَشْرةَ سنةً. فإن لم نَعرِفْ أَنظِمةَ هذه اسَبِيلِ وقَوانينَها ولم نَعرِفْ مَلِيكَها فالعِقابُ يَحِقُّ علَينا، إذ لا مَجالَ لنا بَعدُ للِاعتِذارِ، فلقد أَمهَلُونا طَوالَ هذه الأَيّامِ، ولم يَتَعرَّضُوا لنا بشيءٍ؛ إلّا أنَّنا لا شَكَّ لَسنا طُلَقاءَ سائِبِينَ، فنحنُ العَبلَكةٍ رائعةٍ بَدِيعةٍ فيها مِنَ الدِّقّةِ والرِّقّةِ والعِبرةِ في المَصنُوعاتِ المُتقَنةِ ما يَنُمُّ عن عَظَمةِ مَلِيكِها، فلا بُدَّ أنَّ جَزاءَه شَديدٌ أيضًا.. وتَستَطيعُ أن تَفهَمَ عَظَمةَ المالِكِ وقُدرَتَه مِن هذ
فكإنَّه يُنَظِّم هذا العالَمَ الضَّخمَ بسُهُولةِ تَنظِيمِ قَصرٍ مُنيفٍ، ويُدِيرُ أُمُورَ هذا العالَمِ العَجِيبِ بيُسرِ إدارةِ بَيتٍ صَغيرٍ، ويَملَأُ ه شَرَِّدِينةَ العامِرةَ بانتِظامٍ كامِلٍ دُونَ نَقصٍ، ويُخْلِيها مِن سُكّانِها بحِكمةٍ تامّةٍ بمِثل سُهُولةِ مَلْءِ صَحنٍ وإفراغِه، ويَنصِبُ المَوائدَ الفَخمةَ المُتَنوِّعةَ، (حاشية-٢): إشَارةً إلى وَجهِ قُدرةِ في الرَّبيعِ والصَّيفِ، حَيث تَخرُج أَطعِمةٌ لَذيذةٌ مُتَنوِّعةٌ مِن مَطبَخِ الرَّحمةِ الإلٰهِيّةِ، وتُنصَبُ مَوائدُ النِّعَم المُتَنوِّعةُ المُختَلِفةُ وتُجَدَّد باستمرارٍ، فكلُّا؟ ألانٍ مَطبَخٌ، وكلُّ شَجَرةٍ خادِمُ المَطبَخِ. ويُعِدُّ الأَطعِمةَ اللَّذيذةَ بكَمالِ كَرَمِه بِيَدٍ غَيبِيّةٍ ويَفرُشُها مِن أَقصَى العالَمِ إلى أَقصاه، ثمَّ يَرفَعُها بسُهُولةِ وَضعِ سُفرةِ الطَّعامِ ورَفعِها.. فإن كُنتَ فَطِنًا فستَفْهَماجِمُه هذه العَظَمةَ والهَيبةَ لا بُدَّ أنَّها تَنطَوِي على كَرَمٍ لا حَدَّ له وسَخاءٍ لا حُدُودَ له.
ثمَّ انظُر: كما أنَّ هذه الأَشياءَ شاهِدةُ صِدقٍ بمِيزاظَمةِ المالِكِ القَديرِ وعلى هَيمَنَتِه، وعلى أنَّه سُلطانٌ واحِدٌ أَحَدٌ، كذلك القَوافِلُ المُتَعاقبةُ والتَّحَوُّلاتُ المُتَرادِفةُ دَليلٌ على دَوامِ ذلك السُّلطانِ وبَقائِه، لأنَّ الأفإنَّ الزّائلةَ إنَّما تَزُولُ معَها أَسبابُها أيضًا؛ فالأَشياءُ والأَسبابُ تَزُولانِ معًا، بَينَما الَّتي تَعقُبُها تَأْتي جَديدةً ولها آثارٌ كسابِقَتِها، فهي إذًا لَيسَت مِن فِعلِ تلك الأَسبابعلى عَمِمَّن لا يَطرَأُ علَيه الزَّوالُ! فكما أنَّ بَقاءَ اللَّمَعانِ
— 306 —
والتَّألُّقِ یی بعدَ زَوالِ حَبابِ النَّهرِ الجاري یی في الَّتي تَعقُبُها مِن الحَبابِ، يُفَهِّمُنا أنَّ هذا التَّألُّقَ ليس مِنَ الحَبابِ الزّائلةِ بل مِن مَصدَشَيَّدرٍ دائمٍ، كذلك تَبَدُّلُ الأَفعالِ بالسُّرعةِ المُذهِلةِ، وتَلَوُّنُ الَّتي تَعقُبُها وانصِباغُها بصِفاتِها يَدُلُّنا على أنَّ تلك الأَفعالَ إنَّما هي تَجَلِّياتُ مَن هو دائمٌ لا يَزُولُ وقائمٌ لا يَحُولَُنّةِ أَشياءُ جَميعًا نُقُوشُه ومَراياه وصَنعَتُه ليس إلَّا.
البُرهان الحاديَ عشَرَ
تَعالَ أيُّها الصَّديقُ لِأُبيِّنَ لك بُرهانًا يَملِكُ مِنَ القُوّةِ ما لِلبَراهينِ العَشَرةِ السّابِقةِ:
دَعدَنا وتَأَهَّبْ لِسَفْرةٍ بَحرِيّةٍ، سنَركَبُ سَفينةً
(حاشية-١): السَّفينةُ إشارةٌ إلى التَّاريخِ، والجَزيرةُ إشارةٌ إلى خَيرِ القُرُونِ وهو قَرْنُ السُّ العَ النَّبويّةِ؛ فإذا خَلَعْنا ما أَلْبَسَتنا الحَضارةُ الدَّنِيّة مِن مَلابسَ على ساحِلِ هذا العَصرِ المُظلِمِ، وأَلقَيْنا أَنفُسنَا في بحرِ الزَّمان، ورَكِبنا سفينةَ كُتُبِ التاريخِ والسِّيرةِ الشَّريفة ووَصَلْنا إلى ساحِلِ جَزِيرةِ عك الزّلسَّعادةِ والنُّورِ، وبَلَغْنا الجَزيرةَ العَربيّةَ، وحَظِينا بالرَّسول الكريمِ (ص) وهو يُزاوِلُ مُهِمّةَ النُّبوّةِ المُقدَّسة، عندَ ذلك نَعلَمُ أنَّ ذلك النبيَّ (ص) إنَّما هو بُرهانٌ بمِنُ وللتَّوحِيدِ ودَليلٌ ساطعٌ عَليه بحيثُ نوَّرَ سطحَ الأرضِ جَميعًا، وأَضاءَ وَجهَيِ الزَّمانِ المَاضي والمُستقبَلِ، ومَحَا ظُلُماتِ الكُفرِ والضَّلالةِ.
لِنَذهَبَ إلى جَزيرةٍ بَعيدةٍ عَنّا.. أَتَعلَمُ لِماذا نَذهَبُ إلَيها؟ يًّا، يها مَفاتِيحَ أَلغازِ هذا العالَمِ ومَغاليقَ أَسرارِه وأَعاجِيبِه.. ألا تَرَى أَنظارَ الجَميعِ مُحدِقةً بها، يَنتَظِرُون مِنها بَلاغًا ويَتَلقَّون مِنها ال قَوْسرَ؟ فها نحن نَبدَأُ بالرِّحلةِ.. وها قد وَصَلنا إلَيها ووَطِئَت أَقدامُنا أَرضَ الجَزيرةِ.. نحنُ الآنَ أَمامَ حَشْدٍ عَظيمٍ مِنَ النّاسِ وقدِ اجتَمَعَ أَشرافُ المَملَكةِ جَميعُهم هنا.. أَمعِجلِ صََّظَرَ يا صَدِيقي إلى رَئيسِ الِاجتِماعِ المَهِيبِ.. هلَّا نَتَقرَّبُ إلَيه قَليلًا فنَعرِفَه عن كَثَبٍ.. فها هو ذا مُتَقلِّدٌ أَوْسِمةً راقِيةً تَزِيدُ على الأَلفِ، (حاشية-٢): إشَارةً إلى المبِّي اتِ الَّتي أَظهَرها الرَّسولُ الكريمُ (ص) وهي ثَابتةٌ عِند أُولِي العِلمِ والتَّحقيقِ. ويَتَحدَّثُ بكَلامٍ مِلْؤُه الطِّيبُ والثِّقةُ والِاطمِئنانُ..
— 307 —
وحيثُ إنِّي كُنتُ قد تَعَلَّمتُ شيئًا مِمّا يقُولُ خِلالَ خَمسةَ عَشَرَ يَومًا السّابِقةِ فسوف أُعَلِّمُك إيّاه.. إنَّه يَتَحدَّثُ عن سُلطانِ هذه المَملَكةِ ذِي المُعجِزاتِ ويقُولُ: إنَّه هو الَّذي أَرسَلَني إلَيكُم.. انظُر: إنَّه يُظهِرُ خَوارِقَ عَجِيبةً ومُعجِزاتٍ باهِرةًى الأَ لا يَدَعُ شُبهةً في أنَّه مُرسَلٌ خِصِّيصًا مِن لَدُنِ السُّلطانِ العَظِيمِ.. أَصْغِ جَيِّدًا إلى حَديثِه وكَلامِه، فجَميعُ المَخلُوقاتِ آذانٌ صاغِيةٌ له، وسَلْمَملَكةُ برُمَّتِها تُصغِي إلَيه، حيثُ الجَميعُ يَسعَوْن إلى سَماعِ كَلامِه الطَّيِّبِ، ويَتَلهَّفُون لِرُؤيةِ مُحَيّاه الزّاهِرِ.. أوَتَظُنُّ أنَّ الإنسانَ وَحدَه يُكَريمَلَيه فحَسْبُ؟ بلِ الحَيَواناتُ أَيضًا، بل حتَّى الجِبالُ والجَماداتُ تُصغِي لِأَوامِرِه وتَهتَزُّ مِن خَشْيَتِها وشَوْقِها إلَيه.. انظُر إلى الأَشجارِ كيف تَنقادُ إلى أَوامِرِه وتَذهَبُ إلى ما أَشارَ إلَيه مِن مَواضِعَ، إنَّه يُفَجّ حاوَرماءَ أَينَما يُرِيدُ، بل حتَّى مِن بينِ أَصابِعِه، فيَرتَوِي النّاسُ مِن ذلك الماءِ الزُّلالِ.. انظُر إلى ذلك المِصباحِ المُتَدلِّي مِن سَقفِ المَملَكةِ (حاشي لا نَإشَارةً إلى القَمَر، ومُعجِزةِ شقِّ القَمَر. فَقد قَال مَوْلانا جامي: إنَّ ذلك الأُمِّيَّ الذي لَم يَكتُب في حَياتِه شيئًا غيرَ ما كَتَبه بإصبعِهةَ إلىأَلِفٍ على صَحيفةِ السَّماءِ، فشَقَّ به القَمَر شِقَّينِ... إنَّه يَنشَقُّ إلى شِقَّينِ اثنَينِ بمُجَرَّدِ إشارةٍ مِنه، فكأنَّ هذه المَملَكةَ وُوفِ اها تَعرِفُه جيِّدًا وتَعلَمُ يَقِينًا أنَّه مُوَظَّفٌ مُرسَلٌ بمُهِمّةٍ مِن لَدُنِ السُّلطانِ، ومُبَلِّغٌ أَمينٌ لِأَوامِرِه الجَليلةِ، فتَراهُم يَنقادُون له انقِيادَ الجُندِيِّ المُطِيعِ، فما مِن راشِدٍِ أَلفٍ مِمَّن حَولَه إلَّا ويقُولُ: إنَّه رَسُولٌ كَريمٌ، ويُصَدِّقُونه ويُذعِنُون لِكَلامِه؛ ليس هذا فحَسْبُ، بل يُصَدِّقُه ما في المَملَكةِ مِنَ الجِبالِ والمِصباحِ العَظيمِ، (حاشية-٢): إشَارةً جُ.. وشَّمسِ التي رَجَعَت عنِ المَغيبِ بعَودةِ الأرضِ مِنَ المَشرِق ، فشُوهِدَت مِن جديدٍ، وبناءً على هذه المُعجِزة أدَّى الإمامُ عليٌّ رَضِيَ الله عَنهُ صَلاةَ العَصرِ التي كَادَت تَفُوتُه، وذلك بِسبَب نَومِ الرسولِ (ص) على فَخِذِه. والجَميعُ الَ واون بلِسانِ الحالِ وبخُضُوعٍ: نعم.. نعم إنَّ كلَّ ما يَنطِقُ به صِدقٌ وعَدلٌ وصَوابٌ..
فيا أيُّها الصَّدِيقُ الغافِلُ.. هل تَرَى أنَّه يُمكِنُ أن يكُون هناك أَدنَى احتِمالٍ لِكَذِبٍ أو خِداعٍ في كَلامِ هذا الكَريمِ؟ حاشَ للهِ أن يكُونَ ٭ وَللك شيءٌ مِن كَلامِه أَبدًا! وهو
— 308 —
الَّذي أَكرَمَه السُّلطانُ بأَلفٍ مِنَ الأَنواطِ والشّاراتِ، وهي عَلاماتُ تَصدِيقِه له، وجَميعُ أَشرافِ المَملَكةِ يُصَدِّقُونه، وكَلامُه كُلُّه ثِقةٌ واطمِئنانٌ، فهولامِ، ثُ في أَوصافِ السُّلطانِ المُعجِزِ وعن أَوامِرِه البَليغةِ، فإن كُنتَ تَجِدُ في نَفسِك شَيئًا مِنِ احتِمالِ الكَذِبِ، فيَلزَمُ علَيك أ مِن ذذِّبَ كلَّ الجَماعاتِ المُصَدِّقةِ به، بل تُنكِرَ وُجُودَ القَصرِ والمَصابِيحِ وتُنكِرَ وُجُودَ كلِّ شيءٍ وتُكَذِّبَ حَقيقَتَهم، وإلَّا فهاتِ ما عِندَك إن كان لَدَيك شيءٌ، فالدَّلائلُ تَتَحدَّىامِلًالبُرهان الثَّانيَ عشَرَ
أيُّها الأَخُ.. لَعلَّك استَرشَدتَ بما قُلنا شَيئًا فشَيئًا، فسأُبيِّنُ لك الآنَ بُرهانًا أَعظَمَ مِن جَميعِ البَراهِينِ السَّابقةِ:
انظُر إلى هذه المَرسُومِ السَّئِك ايِّ النَّازِلِ مِنَ الأُفُقِ الأَعلَى.. الجَميعُ يُوَقِّرُونَه ويَنظُرُون إلَيه بإجلالٍ وإعجابٍ، وقد وَقَف ذلك الشَّخصُ الكَريمُ المُجَلَّلُ بالأَوسِمةِ بجانِبِ هذا المَرسُومِ النُّورانِ القاد(حاشية): إشَارةً إلى القُرآنِ الكريمِ والعَلامةُ المَوضُوعةُ عليه إشَارةٌ إلى إعجَازِه. ويُفَسِّر للحُشُودِ المُجتَمِعةِ مَعانِيَه.. انظُر إلى أُسلُوبِه: إنَّه يُشِعُّ ويَسطَعُ حتَّى يَسُوقَ العةِ رَ إلى الإعجابِ والتَّعظيمِ، إذ يَبحَثُ في مَسائلَ جادَّةٍ تُهِمُّ الجَميعَ بحيثُ لا يَدَعُ أَحَدًا إلَّا ويُصْغي إلَيه.. إنَّه يُفَصِّلُ تَفصيلًا كامِلًا شُؤُونَ السُّلطانِ وأَفعالَه وأَوامِرَه وأَوص یی بلفكما أنَّ على ذلك المَرسُومِ السُّلطانِيِّ طُغْراءَ السُّلطانِ نَفسِه، فعلى كلِّ سَطرٍ مِن سُطُورِها أيضًا شارَتُه، بل إذا أَمعَنتَ النَّظَرَ فعلى كلِّ جُملةٍ بل كلِّ حَرفٍ َتِيجةاتَمُه الخاصُّ، فَضْلًا عن مَعانِيها ومَرامِيها وأَوامِرِها ونَواهِيها.
الخُلاصةُ:إنَّ ذلك المَرسُومَ السُّلطانِيَّ يَدُلُّ على ذلك السُّلطانِ العَظيمِ كدَلالةِ الضَّوءِ على النَّهودَلائ309
فيا أيُّها الصَّدِيقُ..أَظُنُّك قد عُدتَ إلى صَوابِك وأَفَقْتَ مِن نَومِ الغَفلةِ، فإنَّ ما ذَكَرناه لك وبَسَطْناه مِن بَراهِينَ لَكافٍ ووافٍ، فإن بَدَا لك شيءٌ فاذكُرْه.
الخُلاان مِن ذلك المُعانِدِ إلَّا أن قالَ:لا أَقُولُ إلَّا: الحَمدُ للهِ، لقد آمَنتُ وصَدَّقتُ، بل آمَنتُ إيمانًا واضِحًا أَبلَجَ كالشَّمسِ وكالنَّهارِ، ورَضِيتُ بأنَّ لِهذه المَملَكةِ رَبًّاَ هذه مالٍ، ولِهذا العالَمِ مَولًى ذا جَلالٍ، ولِهذا القَصرِ صانِعًا ذا جَمالٍ.. لِيَرضَ اللهُ عنك يا صَدِيقي الحَميمَ، فقد أَنقَذتَني مِن إسارِ العِنادِ والتَّعَصُّبِ المَمقُوتِ الَّذي بَلَغ بي حَدَّ الجُنُونِ وًا مُسهةِ؛ ولا أَكتُمُك يا أَخي، فإنَّ ما سُقتَه مِن بَراهِينَ، كلُّ واحِدٍ مِنها كان بُرهانًا كافيًا لِيُوصِلَني إلى هذه النَّتيجةِ، إلَّا أنّلِ ما نتُ أُصغِي إلَيك لِأَنَّ كلَّ بُرهانٍ مِنها قد فَتَح آفاقًا أَرحَبَ ونَوافِذَ أَسطَعَ إلى مَعرِفةِ اللهِ وإلى مَحَبَّتِه الخالِصةِ. وهكذا تَمَّتِ الحِكايةُ الَّت، إلّات تُشِيرُ إلى الحَقيقةِ العُظمَى للتَّوحِيدِ والإيمانِ باللهِ.
وسنُبيِّنُ في المَقامِ الثّاني بفَضلِ الرَّحمٰنِ وفَيضِ القُرآنِ الكَريمِ ونُورِ الإيمانِ مُقابِلَ ما جاءَ مِنِ اثنَي عَشَرَ بُرهانًا في الحِكايةِ التَّمثيل الكَرثنَتَي عَشْرةَ لَمعةً مِن لَمَعاتِ شَمسِ التَّوحِيدِ الحَقيقيِّ بعدَ أن نُمَهِّدَ لها بمُقدِّمةٍ. (٭): هذا القسم في الكلمة الثانية والعشرين
نَسأَلُ ِ أَنبالتَّوفيقَ والهِدايةَ.

* * *

— 310 —
الفهرس
المقدمات ٤
القسم الأول
(رسالة الثمرة)
المسألة الأُولى ١١
خلاصة المسألة الثَّانية ١٣
المسألة الثَّالثة ١٧
المسألة الرَّابعة ٢٢
َّمَّالة الخامسة ٢٥
المسألة السَّادسة ٢٧
المسألة السَّابعة ٣٣
خلاصة المسألة الثَّامنة ٩٤
المسألة التَّاسعة ٦٨
المسألة العاشرة (زهرة أميرداغ) ٦٧
حواشي المسألة العاشرة ٩٠
رسالة خُسْرَوُ بالآاذ ٣٩
المسألة الحادية عشرة ٩٥
خاتمة المسألة الحادية عشرة ٧٠١
رسالة خُسْرَو ١١١
رسالة طلاب رسائل النور في إسبارطة ١١٥
— 311 —
القسم الثاني
(َدَع سله البالغة)
الحجة الإيمانية الأولى (تسع عشرة مرتبة من الآية الكبرى) ١٢٣
الحجة الإيمانية الثانية (الموقِف الأوَّل من الكلمة الثانية والثلاثين) ١٧إِشارالحجة الإيمانية الثالثة (رسالة الطبيعة) ١٩١
خاتمة رسالة الطبيعة ٢١٤
الحجة الإيمانية الرابعة (نكتة اسم العدل) ٢٢٣
الحجة الإيمانية الخامسة (نكتة اسم الحكم) دةٍ تلالحجة الإيمانية السادسة (الحقيقة التاسعة من رسالة الحشر) ٢٣٩
الحجة الإيمانية السابعة (النافذة السابعةَ عَشْرةَ) ٢٤٣
الحجة الإيمانية الثامنة (رسالة المناجاة) ٢٤٦
الحجة الإيمانية التاسعة (الشعاع التاسع مع أن٤٧
الحجة الإيمانية العاشرة (المقام الأول من المكتوب العشرين) ٢٨٢
الحجة الإيمانية الحادية عشرة (المقام الأول من الكلمة الثانية والعشرين) ٢٩٣