Risale-i Nur

عصا موسى
— 3 —

من كُلِّياتِ رَسَائِل النُّور

عَصَا مُوسَى
تأليف
بَدِيع الزَّمَان سَعِيد النُّورْسِيّ
ترجمة
إحسَان قَاسِم الصَّالِحِي
— 4 —
بِاسمِه سُبحَانَهُ
مِثلَما يَحتاجُ أَهلُ الإِيمانِ إلى "رَسائِلِ النُّورِ"، ويَحتاجُ مُعَلِّمُو المَدارِسِ الحَدِيثةِ في هذا العَصرِ العَجِيبِ إلى "عَصَا مُوسَى"، فإِنَّ العُلَماءَ وحُفَّاظَ القُرآنِ الكَرِيمِ بِحاجةٍ ماسّةٍ إلى "ذُو الفَقَارِ".
نعم، لَقَد أُثبِتَتْ لَمَعاتُ الإِعجازِ ولَطائِفُ النِّكاتِ القُرآنيّةِ في المَواطِنِ الَّتي أُثِيرَت حَولَها الشُّبُهاتُ والِاعتِراضاتُ في مُعظَمِ الآياتِ الوارِدةِ في مَبحَثِ "إِعجازِ القُرآنِ".
باسمِ جميعِ تلاميذِ النُّور
سَعِيدٌ النُّورْسِيُّ
— 5 —
بِاسمِه سُبحَانَهُ... وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِه
السَّلام عليكم ورحمةُ الله وبركاتُه أَبدًا دائمًا...
إِخوَتي الأَعِزّاءَ الصِّدِّيقِينَ..
نَظَرًا لِشُرُوعِ رَسائِلِ النُّورِ بِالِانتِشارِ بآلةِ "الرُّونيُو"، والتِفافِ الكَثِيرِينَ مِنَ الطُّلَّابِ والمُدَرِّسِينَ الَّذِينَ يَقرَؤُونَ الفَلسَفةَ الحَدِيثةَ في المَدارِسِ حَولَ رَسائِلِ النُّورِ، لَزِم بَيانُ الحَقِيقةِ الآتيةِ:
إِنَّ الفَلسَفةَ الَّتي تُهاجِمُها رَسائِلُ النُّورِ وتَصفَعُها بِصَفَعاتِها القَوِيّةِ، هي الفَلسَفةُ المُضِرّةُ وَحْدَها، ولَيسَتِ الفَلسَفةُ على إِطلاقِها، ذلك لِأنَّ قِسمَ الحِكْمةِ مِنَ الفَلسَفةِ الَّتي تَخدُمُ الحَياةَ الِاجتِماعِيّةَ البَشَرِيّةَ، وتُعِينُ الأَخلاقَ والمُثُلَ الإِنسانيّةَ، وتُمَهِّدُ السُّبُلَ لِلرُّقيِّ الصِّناعِيِّ، هي في وِفاقٍ ومُصالَحةٍ معَ القُرآنِ الكَرِيمِ، بل هي خادِمةٌ لِحِكْمةِ القُرآنِ، ولا تُعارِضُها، ولا يَسَعُها ذلك؛ لِذا لا تَتَصَدَّى رَسائِلُ النُّورِ لِهَذا القِسمِ مِنَ الفَلسَفةِ.
أَمَّا القِسمُ الثَّاني مِنَ الفَلسَفةِ، فكما أَصبَح وَسِيلةً لِلتَّرَدِّي في الضَّلالةِ والإِلحادِ والسُّقُوطِ في هاوِيةِ المُستَنقَعِ الآسِنِ لِلفَلسَفةِ الطَّبِيعِيّةِ، فإِنَّه يَسُوقُ الإِنسانَ إلى الغَفْلةِ والضَّلالةِ بِالسَّفاهةِ واللَّهوِ.. وحَيثُ إِنَّه يُعارِضُ بِخَوارِقِه الَّتي هي كالسِّحرِ الحَقائِقَ المُعجِزةَ لِلقُرآنِ الكَرِيمِ، فإِنَّ رَسائِلَ النُّورِ تَتَصَدَّى لِهَذا القِسمِ الضّالِّ مِنَ الفَلسَفةِ في أَغلَبِ أَجزائِها، وذلك بِنَصبِها مَوازِينَ دَقِيقةً ودَساتِيرَ رَصِينةً، وبِعَقْدِها مُوازَناتٍ ومُقايَساتٍ مُعَزَّزةً بِبَراهِينَ دامِغةٍ؛ فتَصفَعُها بِصَفَعاتِها الشَّدِيدةِ، في حِينِ أنَّها لا تَمَسُّ القِسمَ السَّدِيدَ النّافِعَ مِنَ الفَلسَفةِ.
ومِن هُنا لا يَعتَرِضُ طُلَّابُ المَدارِسِ الحَدِيثةِ على رَسائِلِ النُّورِ، بل يَنضَوُونَ یی ويَنبَغِي لَهُم أن يَنضَوُوا یی تَحتَ لِوائِها دُونَ تَرَدُّدٍ وإِحجامٍ.
— 6 —
بَيْدَ أنَّ المُنافِقِينَ المُتَستِّرِينَ، الَّذِينَ استَغَلُّوا عَدَدًا مِن عُلَماءِ الدِّينِ، وجَعَلُوهُم یی لِأَسبابٍ تافِهةٍ جِدًّا ولا مَعنَى لها إِطلاقًا یی في عَداءٍ معَ رَسائِلِ النُّورِ الَّتي هي بِضاعةُ المَدارِسِ الشَّرعِيّةِ وهُم أَصحابُها الحَقِيقِيُّونَ، فلَرُبَّما يَستَغِلُّونَ أَيضًا الغُرُورَ العِلمِيَّ لَدَى بَعضِ أَربابِ الفَلسَفةِ ويُثِيرُونَهُم على رَسائِلِ النُّورِ، لِذا أَرَى مِنَ الأَنسَبِ كِتابةَ هذه الحَقِيقةِ في مُستَهَلِّ كُلٍّ مِن مَجْمُوعةِ "عَصَا مُوسَى" و"ذُو الفَقَارِ".
سَعِيدٌ النُّورْسِيّ
— 7 —
بِاسمِه سُبحَانَهُ
أَثبَتَ الشُّعاعُ الثّامِنُ واللَّمْعةُ الثّامِنةُ والعِشرُونَ أنَّ الإِمامَ عَلِيًّا رَضِيَ الله عَنهُ أَخبَر في "القَصِيدةِ البَديعيّةِ" عن رَسائِلِ النُّورِ وبَعضِ أَجزائِها المُهِمّةِ إِخبارًا قَوِيًّا أَقرَبَ إلى التَّصرِيحِ؛ وقد أَخبَرَ عن آخِرِ رِسالةٍ مِن رَسائِلِ النُّورِ في "البَديعيّةِ" بِقَولِه: «واسْمُ عَصَا مُوسَى بِه الظُّلمةُ انجَلَتْ» ؛ وكُنّا قَبلَ نَحوِ سَنتَينِ ظَنَنَّا أنَّ "الآيةَ الكُبْرَى" هي آخِرُ الرَّسائِلِ، إِلّا أنَّنا تَبَينَّا أُمُورًا رَدَّتْ هذا الظَّنَّ.
مِنها: أنَّ اكتِمالَ تَأْليفِ الرَّسائِلِ يكُونُ في عامِنا هذا، العامِ الرّابعِ والسِّتِّينَ بعدَ الأَلفِ والمِئةِ الثَّالِثةِ لِلهِجرةِ (١٩٤٨م)، ومِنها: مَعنَى هذه الجُملةِ العَلَوِيّةِ، فإِنَّها تُخبِرُ عن رِسالةٍ تُبدِّدُ الظُّلُماتِ، وتَنشُرُ النُّورَ، وتُبطِلُ السِّحرَ كعَصَا مُوسَى عَلَيهِ السَّلَام، ومِنها: أنَّ قِسمَ "الثَّمَرةِ" في هذا المَجمُوعِ أَصبَح لائِحةَ دِفاعٍ أَزالَتْ ما تَوالَى علَيْنا مِن مَظالِمَ رَهِيبةٍ وظُلُماتٍ هائِلةٍ، كما أنَّ قِسمَ "الحُجَجِ" بَدَّد ظُلُماتِ الفَلسَفةِ الَّتي جابَهَتِ الأَنوارَ، وهُو ما اضْطَرَّ لَجْنةَ الخُبَراءِ بِأَنقَرةَ إلى التَّسلِيمِ لِلرَّسائِلِ واستِحسانِها.
ومِنها: وُجُودُ أَماراتٍ كَثِيرةٍ تَدُلُّ على أنَّ الظُّلُماتِ ستُبدِّدُ في المُستَقبَلِ، ومِنها: أنَّ هذا المَجمُوعَ يتَضَمَّنُ في قِسمِ "الثَّمَرةِ" إِحدَى عَشْرةَ مَسأَلةً نُورانيّةً، ويتَضَمَّنُ قِسمُ "حُجّةُ اللهِ البالِغةُ" مِنه إِحدَى عَشْرةَ حُجّةً قاطِعةً، وهذا يُقابِلُ ويُشابِهُ ما جَرَى لِعَصَا مُوسَى عَلَيهِ السَّلَام إِذِ انفَجَر بِها مِنَ الصَّخرِ اثْنَتا عَشْرةَ عَيْنًا، وتَحَقَّقَت بِها إِحدَى عَشْرةَ مُعجِزةً..
فكُلُّ هذا جَعَلَنا على يَقِينٍ بأَنَّ الإِمامَ عَلِيًّا كانَ بِقَولِه المَذكُورِ آنِفًا يَنظُرُ مُباشَرةً إلى المَجمُوعِ المُسَمَّى: "عَصَا مُوسَى" ويُخبِرُ عنه بِاستِحسانٍ.
سعيد النُّورْسِيّ
— 9 —

القسم الأول

من عصا موسى
ثَمَرةٌ من ثِمارِ سِجنِ دَنِيزْلي
هذه الرِّسالةُ: دفاعُ الإيمانِ تَرفَعُه رسائلُ النُّور لِصَدِّ الزَّندَقةِ والكُفرِ المُطلَقِ، فليس لنا دِفاعٌ حقيقيٌّ عن قَضِيَّتِنا في سِجنِنا هذا إلّا هذا الدِّفاعُ، فنحن لا نَسعَى إلّا له.
وهي خاطِرةُ ثَمَرةٍ أَثمَرَها سِجنُ "دَنِيزْلي" في يومَينِ مِن أيَّامِ الجُمَعِ المُبارَكةِ.
سعيدٌ النُّورْسِيّ
— 11 —
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ
نَفهَمُ مِن أَسرارِ هذه الآيةِ الكَريمةِ أنَّ يُوسُفَ عَلَيهِ السَّلَام هو قُدوةُ المَسجُونينَ ورائِدُهم، فيُصبِحُ السِّجنُ إذًا نَوعًا مِن "مدرسةٍ يُوسُفِيّة".. وحيثُ إنَّ عَدَدًا غَفيرًا مِن طُلّابِ النُّورِ قد دَخَلُوا هذه المَدرَسةَ مرَّتَينِ، لذا يَنبَغي لهم أن يَتَدارَسُوا ويُدَرِّسوا قِسمًا مِن خُلاصةِ المَسائلِ الإيمانيّةِ الَّتي أَثبَتَتْها رسائلُ النُّورِ ولها مَساسٌ بالسِّجنِ، للِاستِرشادِ بها ولِتقوِيمِ الأَخلاقِ والسُّلُوكِ في هذه المَدرَسةِ المَفتُوحةِ لتلَقِّي التَّربيةِ.. وها نحنُ أُولاءِ نُبيِّنُ بِضعًا مِن تلك الخُلاصاتِ.

المسألة الأولى

يُمكِنُ تلخيصُ هذه المَسأَلةِ الَّتي تمَّ إيضاحُها في "الكَلِمةِ الرَّابعةِ" كما يأتي:
إنَّ رأسَ مالِ حَياتِنا هو هذه السَّاعاتُ الأَربعُ والعِشرُون الَّتي يَحمِلُها إلَينا اليَومُ نِعمةً خالِصةً مِن نِعَم خالِقِنا الكَريمِ جلَّ جلالُه، لِنَكسِبَ بكلِّ ساعةٍ مِن هذه السَّاعاتِ ما يَلزَمُنا، وما هو ضَرُوريٌّ في حَياتَينا كِلْتَيهِما الدُّنيَويَّةِ والأُخْرَويَّةِ.
وما لم نَصْرِف ساعةً واحِدةً یی وهي كافيةٌ لِأَداءِ الصَّلَواتِ المَفرُوضةِ یی لِحَياتِنا الأُخرَوِيَّةِ الخالِدةِ، بَينَما نَصرِفُ ثلاثًا وعِشرين ساعةً في سَبِيلِ هذه الحياةِ الدُّنيا القَصيرةِ، نكُونُ قدِ ارتَكَبنا خَطَأً جَسِيمًا لا يَستَصْوِبُه عَقلٌ سَلِيمٌ؛ فلا جَرَمَ أنَّنا نُعاني نَتيجةَ هذا الخَطَأِ الفادِحِ غِلظةَ القَلبِ وقَسوَتَه، وانقِباضَ الرُّوحِ وظُلمَتَها، المُؤَدِّيةَ بمَجمُوعِها إلى تَعكِيرِ صَفْوِ الأَخلاقِ، وتَلَوُّثِ نَقاوةِ الرُّوحِ.. وفوقَ هذا تَمضِي حَياتُنا رَتِيبةً مُمِلَّةً يائِسةً
— 12 —
خاوِيةَ المَعنَى، فيُصِيبُنا الضَّجَرُ، فلا نكادُ نُفِيدُ مِن دُرُوسِ هذه المَدرَسةِ اليُوسُفِيّةِ، ومِن مِحنةِ الِامتِحانِ والِابتِلاءِ ما يُرَبِّينا ويَرقَى بنا، فنَخسَرُ بهذا خُسرانًا مُبِينًا.
أمَّا إذا صَرَفْنا ساعةً واحِدةً في أَداءِ الصَّلَواتِ الخَمسِ، فكلُّ ساعةٍ مِن ساعاتِ الِابتِلاءِ وأَوقاتِ المِحَنِ تَتَحوَّلُ إلى يومٍ مِنَ العِبادةِ، فكَأنَّ السَّاعاتِ الفانِيةَ قدِ اكتَسَبَت ببَرَكةِ هذه السَّاعةِ صِفةَ الخُلُودِ، وأَصبَحَت في حُكمِ ساعاتٍ أَبَديّةٍ باقِيةٍ؛ فتَنزاحُ عنِ القَلبِ سُحُبُ اليَأْسِ، ويَتَبَدَّدُ عنِ الرُّوحِ ظَلامُ القُنُوطِ.. وتُصبِحُ هذه السَّاعةُ مِنَ العِبادةِ كَفَّارةً لِبَعضِ ما ارتُكِبَ مِن أَخطاءٍ وذُنُوبٍ، رُبَّما كانَتِ السَّبَبَ في الدُّخُولِ إلى السِّجنِ.. وبذَلك نَكتَشِفُ حِكمةَ ابتِلائنا بالسِّجنِ، ويَغدُو السِّجنُ مَدرَسةً نَتَلقَّى فيها الدُّرُوسَ النَّافِعةَ، ونَجِدُ فيه مع إخوَتِنا في المُصِيبةِ والبَلاءِ العَزاءَ والسُّلوانَ.
وقد ذُكِرَ في "الكَلِمةِ الرَّابعةِ" أَيضًا مِثالٌ يُبيِّنُ فَداحةَ الخَسارةِ الَّتي تُصِيبُ مَن يَلْهَثُ وَراءَ حَظِّه مِنَ الدُّنيا ويَعزِفُ عنِ الآخِرةِ وهو:
هناك مَن يَدفَعُ خَمسًا أو عَشْرًا مِن أَربعٍ وعِشرين لَيرةً يَملِكُها في شِراءِ بطاقةِ قِمارِ اليانَصيبِ، رُبَّما يكُونُ احتِمالُ الفَوزِ بها واحِدًا مِن أَلفٍ لوُجُودِ ألفٍ مِنَ المُشتَرِكين معَه.. بَينَما لا يَصرِفُ واحِدًا مِن أَربعٍ وعِشرين ساعةً يَملِكُها في شِراءِ بِطاقةٍ تُرْبِحُه كَنزًا خالِدًا أُخرَوِيًّا؛ عِلمًا أنَّ احتِمالَ الفَوزِ بها للمُؤمِنين الَّذين خُتِمَت أَعمالُهم بالحُسنَى هو بيَقينِ تِسعٍ وتِسعين وتِسعِ مِئةٍ من أَلفٍ، كما أَكَّدَ ذلك جَميعُ الأَنبِياءِ والرُّسُلِ الكِرامِ عَلَيهِم السَّلَام، وصَدَّقَهم یی كَشْفًا وتَحقِيقًا یی الأَولِياءُ والأَصفِياءُ الَّذين لا يَحصُرُهمُ العَدُّ.
فهذا الدَّرسُ البَلِيغُ مِن رَسائلِ النُّورِ يَنبَغي أن يَرتاحَ إلَيه مَسؤُولُو السِّجنِ وكلُّ مَن يَعنِيه أَمرُ البِلادِ وشُؤُونُها، لأنَّه قد ثَبَت بالتَّجرِبةِ: أنَّ إدارةَ أَلفٍ مِنَ المُؤمِنينَ المُشفِقينَ مِن عَذابِ سِجنِ جَهَنَّمَ والمُستَجِيرينَ باللهِ مِنها، هي أَسهَلُ بكَثيرٍ مِن إدارةِ عَشَرةٍ مِن تارِكِي الصَّلاةِ، ومِن فاسِدِي العَقِيدةِ والأَخلاقِ، الَّذين لا يَرتَدِعُون إلّا بعِقابِ الدُّنيا وسِجنِها ولا يُميِّزُون الحَلالَ عنِ الحَرامِ.
— 13 —

خلاصة المسألة الثانية

مِثلَما بَيَّنَتْ رِسالةُ "مُرشِدِ الشَّبابِ" ووَضَّحَتْ إيضاحًا جَمِيلًا أنَّ المَوتَ لا مَفَرَّ مِنه أَبدًا، بل إنَّ مَجِيئَه أَيقَنُ مِن مَجِيءِ اللَّيلِ لَهذِا النَّهارِ، ومِن تَعاقُبِ الشِّتاءِ لِهذا الخَريفِ؛ وكما أنَّ هذا السِّجنَ مَضِيفٌ مُؤَقَّتٌ لا يَكادُ يَفرَغُ حتَّى يُملَأَ مِن جَديدٍ، فالدُّنيا كَذلِك كالفُندُقِ، وكمَنزِلِ حِلٍّ وتَرحالٍ مُقامٍ على طَريقِ القَوافِلِ المُسرِعةِ.
فالمَوتُ الَّذي يُفرِّغُ كلَّ مَدينةٍ مِن سُكَّانِها مِئةَ مرّةٍ، ويَدفَعُ بهم إلى المَقابرِ، لا بُدَّ أنَّه يَطلُبُ شيئًا أَكثَرَ مِمّا تَطلُبُه مِن هذه الحَياةِ الفَانِيةِ.
ولقد حَلَّتْ رَسَائِلُ النُّورِ لُغْزَ هذه الحَقيقةِ المُدهِشةِ، وكَشَفَتْها.. وخُلاصَتُها هَي:
مَا دامَ المَوتُ لا يُقتَلُ، وبابُ القَبْرِ لا يُغلَقُ، فإنَّ أَعظَمَ ما سيَشغَلُ بالَ الإنسانِ ويُشَكِّلُ أَكبَرَ مُعضِلةٍ له هو النَّجاةُ مِن يَدِ جَلَّادِ المَوتِ هذا، والخَلاصُ مِن سِجنِ القَبْرِ المُنفَرِدِ.
ولقد أَثبَتَت رَسائلُ النُّورِ إثباتًا جازِمًا بفَيضٍ مِن نُورِ القُرآنِ الكَريمِ أنَّ لِهذه المُعضِلةِ عِلاجًا، وخُلاصَتُه هي: أنَّ المَوتَ إمّا هو إعدامٌ أَبَدِيٌّ، وفَناءٌ تامٌّ يُصِيبُ المَرءَ وأَحِبَّتَه، وذَوِي قُرْباه جَميعًا؛ أو هو تَسرِيحٌ مِنَ العَمَلِ للذَّهابِ إلى عالَمٍ آخَرَ أَفضَلَ، وجَوازُ سَفَرٍ للدُّخُولِ إلى قُصُورِ السَّعادةِ بشَهادةِ الإيمانِ ووَثيقَتِه.. أمّا القَبْرُ فهو إمَّا سِجنٌ انفِرادِيٌّ مُظلِمٌ وبِئرٌ سَحِيقةٌ، أو هو بَابٌ إلى رَوضَاتٍ خَالِدةٍ، ومَضِيفٌ مُنَوَّرٌ بعدَ السَّراحِ مِن سِجنِ الدُّنيا.
وقد أَثبَتَت رِسالةُ "مُرشِدِ الشَّبابِ" هذه الحَقيقةَ بمِثالٍ وهو: أنَّه نُصِبَت في فِناءِ هذا السِّجنِ أَعوادُ مَشانِقَ تَستَنِدُ على جِدارٍ، خَلفَه دائرةٌ عَظيمةٌ تَمنَحُ جَوائزَ سَخِيّةً يَشتَرِكُ فيها النَّاسُ كلُّهم؛ ونحن المَساجِينُ الخَمسُ مِئةٍ نَنتَظِرُ دَوْرَنا لِنُدعَى إلى ذلك المَيدانِ، فسنُدعَى إلَيه فَرْدًا فَرْدًا شِئنا أم أَبَينا، فلا نَجاةَ! فإمَّا أن يُقالَ لِكُلٍّ مِنّا: "تَعالَ
— 14 —
تَسَلَّمْ أَمرَ إعدامِكَ واصْعَدِ المِشنَقةَ"، أو: "تَسَلَّمْ أَمرَ السِّجنِ الِانفِرادِيِّ الأَبَديِّ وادخُلْه مِن هذا البابِ المَفتُوحِ"، أو يُقالَ: "بُشراكَ! فقد فُزتَ ببِطاقةٍ تُربِحُك مَلايينَ اللَّيراتِ الذَّهَبيّةِ.. هيَّا خُذْها".
فهَا نحنُ أُولَاءِ نُشاهِدُ إعلَاناتِ هَذه الدَّعوةِ مُنتَشِرةً هُنا وهُناك، ونَرَى أُناسًا يَصعَدُون المَشانِقَ بالتَّعاقُبِ ومِنهم مَن يَتَدلَّى، ومِنهم مَن يتَّخِذُها دَرَجًا وسُلَّمًا للبُلُوغِ إلى دَائرةِ الجَوائزِ الوَاقِعةِ خَلْفَها، وقد أَصْبَحْنا على يَقينٍ جازِمٍ بما يَدُورُ في تِلك الدَّائرةِ كأنَّنا نَراه رَأْيَ العَينِ، استِنادًا إلى ما يَروِيه كِبارُ مُوَظَّفي تلك الدَّائرةِ مِن رِواياتٍ صادِقةٍ لا تَقبَلُ الشَّكَّ.
دَخَلَتْ سِجْنَنا في هَذِه الأَثناءِ طائفَتانِ، تَحمِلُ إحداهُما آلَاتِ الطَّرَبِ وقَناني الخَمرِ مع حَلْوَيَاتٍ، ظاهِرُها العَسَلُ وباطِنُها السُّمُومُ، دَسَّتْها شَياطِينُ الإنسِ، وهُم يُقَدِّمُونَها إلَينا ويُرَغِّبُوننا في تَناوُلِها؛ أمَّا الجَماعةُ الثَّانيةُ ففي أَيدِيهم كُتُبٌ تَربَويّةٌ ومَنشُوراتٌ أَخلاقِيَّةٌ مع مَأْكُولاتٍ طَيِّبةٍ ومَشرُوباتٍ مُبارَكةٍ، يُقَدِّمُونَها هدايا لَنا، ويَذكُرُون لنا بالِاتِّفاقِ والِاطمِئنانِ الكامِلِ واليَقينِ التّامِّ:
أنَّ ما تُقَدِّمُه الطَّائِفةُ الأُولَى لَكُم مِن مَأكُولاتٍ مَا هِي إلَّا للِامتِحانِ والِاختِبارِ، فإذا ما قَبِلتُمُوها ورَضِيتُم بها فسَيَكُونُ مَصِيرُكم كَمَا هُو ماثِلٌ أَمَامَكم في المَشانِقِ؛ أمَّا إذا رَضِيتُم بِهَدايَانا الَّتي نُقَدِّمُها إلَيكُم باسمِ حَاكِمِ هذه البِلادِ وبِأَمرِه، وتَلَوْتُم ما في تلك الكُتُبِ مِن تَعلِيماتٍ وأَذكارٍ فسَتَنجُون مِنَ الإعدامِ وتَستَلِمُون بطاقةَ الجائزةِ مِن تلك الدَّائرةِ، لِتَفُوزُوا بالرِّبحِ العَظيمِ، هَدِيَّةً مِنَ السُّلطانِ وكَرَمًا مِنه وفَضلًا..
صَدِّقُوا بَما نَقُولُه لَكم واعتَقِدُوا به اعتِقادًا راسِخًا كأنَّیكُم تَرَونه في وَضَحِ النَّهارِ.. ولَكِن حَذارِ مِن تَلِك الحَلْوَى المُعَسَّلةِ المُحَرَّمةِ أوِ المُرِيبةِ، فلو أَكَلتُم مِنها تَلَوَّت بُطُونُیكم بمَغْصٍ شَديدٍ مِن أَثَرِ السُّمُومِ، فتُقاسُون مِنها الآلامَ لِحِينِ صُعُودِكمُ المَشانِقَ.
وهكذا، على غِرارِ هذا المِثالِ، سيَهَبُ القَدَرُ الإِلٰهيُّ للمُؤمِنينَ الَّذين قَضَوا حَياتَهم بالطّاعةِ، وخُتِمَت أَعمالُهم بالحُسنَى خَزائنَ أَبَديّةً لا تَنضُبُ بعدَ أن يَنتَهِيَ
— 15 —
أَجَلُهم في الدُّنيا. أمَّا أُولئك المُتَمادُون في الضَّلالةِ والفِسقِ مِن دُونِ أن يَتُوبُوا إلى رَبِّهم فسيُعدَمُون إعدامًا نِهائيًّا (لِمَن لا يُؤمِنُ بالآخِرةِ) أو يُزَجُّون في سِجنٍ انفِرادِيٍّ مُظلِمٍ أَبَدِيٍّ (لِمَن يَتَمادَى في غَيِّه وسَفَهِه مع إيمانِه ببَقاءِ الرُّوحِ)؛ فهؤلاء يَتَسَلَّمُون قَرارَ شَقائِهمُ الأَبَدِيِّ بيَقينٍ يَبلُغُ تِسعًا وتِسعين بالمِئةِ.
نعم، يُخبِرُ بهذا الخَبَرِ الصّادِقِ مِئةٌ وأَربعةٌ وعِشرُون أَلفًا مِنَ الأَنبِياءِ عَلَيهِم السَّلَام، وبينَ أَيدِيهم مُعجِزاتٌ تُصَدِّقُهم، ويُخبِرُ أَكثَرُ مِن مِئةٍ وأَربعةٍ وعِشرِين مِليُونًا مِنَ الأَولياءِ یی قَدَّسَ اللهُ أَسرارَهُمُ یی المُقتَفِين آثارَ الأَنبِياءِ والمُصَدِّقين بما أُخبِرُوا به كَشْفًا وذَوْقًا، ويُخبِرُ به كذلك مَن لا يُحصِيهِمُ العَدُّ مِنَ العُلَماءِ المُحَقِّقين (حاشية): إنَّ أحد أولئك العُلَماء المحقِّقين هو: رسائلُ النُّور التي أَلجَمَت أَعتَى الفلاسفةِ المادِّيِّين، وأَفحَمَت أشَدَّ الزَّنادقة تَمَرُّدًا، طَوالَ العِشرين سنةً التي خَلَتْ، وما تَزالُ قائمةً على قَدَمٍ وساقٍ في مَيدانِ التَّحَدِّي والمُبارَزةِ، وهي في مُتَناوَلِ الجميعِ، فبِوُسعِ أيِّ واحِدٍ قِراءَتُها دون تَفنيدِها. والمُجتَهِدين والصِّدِّيقِين الَّذين أَثبَتُوا دَعواهُم وتَصدِيقَهُم عَقلًا وفِكرًا بالبَراهينِ الدَّامِغةِ والحُجَجِ القاطِعةِ، فأَخبَرُوا يَقِينًا ما أَخبَرَ به أُولَئك الأَفذاذُ مِن تِلكُما الطّائفَتَينِ.. فهؤلاء الطَّوائفُ الثَّلاثُ العَظِيمةُ والجَماعاتُ الغَفِيرةُ مِن أَهلِ الحَقِّ والحَقيقةِ یی هم رُوَّادُ الإنسانيّةِ وشُمُوسُ البَشَريّةِ وأَقمارُها یی يُخبِرُون جَميعًا بتلك الحَقيقةِ إجمَاعًا وتَواتُرًا..
فيا خَسارةَ مَن لا يَهتَمُّ بأَوامِرِهم، ولا يَسلُكُ الصِّراطَ السَّوِيَّ المُؤَدِّيَ إلى السَّعادةِ الأَبَدِيّةِ بإرشاداتِهم، ولا يَكْتَرِثُ بمَصِيرِه المُؤلِمِ وهو بيَقينٍ يَبلُغُ تِسعًا وتِسعين بالمِئةِ، في حِينِ أنَّه لا يَسلُكُ طَريقًا فيه احتِمالٌ واحِدٌ مِنَ الخُطُورةِ واستِنادًا على قَولِ مُخبِرٍ واحِدٍ، بل يَستَبدِلُ به طَريقًا آخَرَ ولو كان أَطْوَلَ.
فهؤلاء أَشبَهُ بسِكِّيرٍ أو مَعتُوهٍ شَقِيٍّ يَلتَهِي بِلَسْعِ الذُّبابِ عنِ انقِضاضِ وُحُوشٍ كاسِرةٍ عليه، إذ قد فَقَد عَقْلَه وأَضاعَ قَلبَه وأَفسَدَ رُوحَه ودَمَّرَ إنسانِيَّتَه؛ لأنَّه رَغمَ التَّبلِيغاتِ الصَّادِقةِ الصَّادِرةِ مِن أُولَئك المُخبِرين الَّذين لا يَحصُرُهمُ العَدُّ فقد تَرَكَ الطَّريقَ الأَقصَرَ والأَسهَلَ المُؤَدِّيَ إلى الفَوزِ المُحَقَّقِ بالجَنّةِ والسَّعادةِ الأَبدِيّةِ، واختارَ
— 16 —
طَريقًا أَطوَلَ مِنه وأَوْعَرَ وأَضْيَقَ، والَّذي يُؤَدِّي به إلى سِجنِ جَهَنَّمَ والشَّقاءِ الأَبَدِيِّ حَتْمًا.
بَينَما الإنسانُ یی كما قُلْنا یی لا يَلِجُ طَريقًا قَصيرًا في الدُّنيا فيه احتِمالُ واحِدٍ بالمِئةِ مِنَ الخُطُورةِ، أو فيه سِجنُ شَهرٍ واحِدٍ وبِناءً على كلامِ مُخبِرٍ واحِدٍ، وقد يكُونُ كاذِبًا؛ بل يُفَضِّلُ علَيه طَرِيقًا آخَرَ ولو كان طَوِيلًا، أو مِن دُونِ نَفْعٍ، وذلك لِمُجَرَّدِ خُلُوِّه مِنَ الضَّرَرِ.
فما دامَت حَقيقةُ الأَمرِ هذه، فيَنبَغي لنا نحنُ مَعاشِرَ المُبتَلَينَ بالسِّجنِ أن نَقبَلَ بكُلِّ رِضًا وسُرُورٍ هدايا الطّائفةِ الثّانيةِ لِنَثأَرَ لأَنفُسِنا مِن مُصِيبةِ السِّجنِ؛ إذ كما أنَّ لَذّةَ دَقيقةٍ في الِانتِقامِ، ومُتعةَ بِضعِ دَقائقَ أو ساعاتٍ في السَّفاهةِ قد زَجَّتْ بنا في السِّجنِ، فيَقضِي فيه بَعضُنا خَمْسَ عَشْرةَ سَنةً، والبَعضُ الآخَرُ عَشْرَ سَنَواتٍ، وآخَرُون خَمْسَ سَنَواتٍ، أو سَنةً أو سَنَتَينِ أو ثلاثًا مِنَ الأَحكامِ.. فعَلَينا إذًا یی وأَنفُ السِّجنِ راغِمٌ یی أن نُحَوِّلَ بقَبُولِنا هَدايا القافِلةِ الثّانيةِ، هذه السّاعاتِ القَلِيلةَ إلى أَيّامٍ مِنَ العِبادةِ مِثلِها، ونُحَوِّلَ سنَتَينِ أو ثلاثًا مِن عِقابِنا إلى عِشرِينَ وثَلاثينَ سَنةً مِنَ العُمُرِ الخالِدِ، ونُبَدِّلَ بعِشرِينَ سَنةً أو ثلاثين سَنةً مِن مُكُوثِنا في السِّجنِ مَلايينَ السَّنَواتِ الخالِدةِ؛ فتكُونَ الأَحكامُ الصَّادِرةُ علَينا وَسِيلةَ نَجاةٍ مِن سِجنِ جَهَنَّم.. وحِينَها تَبتَسِمُ حَياتُنا الأُخرَى وتُسَرُّ إزاءَ بُكاءِ دُنيانا وحُزنِها، ونكُونُ بذلك قد ثَأَرْنا لِأَنفُسِنا مِن تلك المِحنةِ، وأَظهَرْنا حَقًّا أنَّ السِّجنَ مَدرَسةٌ تَربَوِيّةٌ لِتَقويمِ الأَخلاقِ.
فلْيُشاهِدْ مَسؤُولُو السِّجنِ ومَن يَتَوَلَّوْن أَمرَه، أنَّ مَن ظَنُّوهم مُجرِمِين قَتَلَةً، وحَسِبُوهُم سُفَهاءَ مُخِلِّين بالنِّظامِ، قد أَصبَحُوا طُلَّابَ مَدرَسةٍ تَربَوِيّةٍ مُبارَكةٍ يَتَعلَّمُون فيها الأَدَبَ الجَميلَ والخُلُقَ القَوِيمَ، وغَدَوْا أَعضاءً نافِعِين للبِلادِ والعِبادِ.. فلْيَشْكُرُوا رَبَّهم أَجزَلَ شُكْرٍ.
— 17 —

المسألة الثالثة

وهي حادِثةٌ ذاتُ عِبرةٍ، سَبَق ذِكرُها في "مُرشِدِ الشَّبابِ" مُفَصَّلًا، وخُلاصَتُها هي:
كُنتُ في أَحَدِ أَيّامِ عِيدِ الجُمهُورِيّةِ جالِسًا أَمامَ شُبَّاكِ سِجنِ "أَسكِي شَهِر" الَّذي يُطِلُّ على مَدرَسةٍ ثانَوِيّةٍ، وكانَت طالِباتُها اليافِعاتُ يَلعَبْنَ ويَرقُصْنَ في ساحةِ المَدرَسةِ وفِنائِها ببَهجةٍ وسُرُورٍ، فتَراءَى لي فَجأةً على شاشةٍ مَعنَوِيّةٍ ما تَؤُولُ إلَيه حالُهُنَّ بعدَ خَمسِين سَنةً، فرَأَيتُ: أنَّ نَحْوًا مِن خَمسِين مِن مَجمُوعِ ما يُقارِبُ السِّتِّين طالِبةً يَتَحَوَّلْنَ إلى تُرابٍ ويُعَذَّبْنَ في القَبرِ، وأنَّ عَشَرةً مِنهُنَّ قد تَحَوَّلْنَ إلى عَجائِزَ دَمِيماتٍ بَلَغْنَ السَّبعينَ والثَّمانينَ مِنَ العُمُرِ، شاهَتْ وُجُوهُهُنَّ وتَشَوَّهَ حُسْنُهُنَّ، يُقاسِينَ الآلامَ مِن نَظَراتِ التَّقَزُّزِ والِاستِهجانِ مِنَ الَّذين كُنَّ يَتَوقَّعْنَ مِنهُمُ الإعجابَ والحُبَّ، حيثُ لم يَصُنَّ عِفَّتَهُنَّ أيّامَ شَبابِهنَّ!.. نعم، رَأَيتُ هذا بيَقينٍ قاطِعٍ، فبَكَيتُ على حالِهِنَّ المُؤلِمةِ بُكاءً ساخِنًا أَثارَ انتِباهَ البَعضِ مِن زُمَلاءِ السِّجنِ، فأَسرَعُوا إلَيَّ مُستَفسِرينَ، فقُلتُ لهم: "دَعُوني الآنَ وحالي.. انصَرِفُوا عنِّي..".
أَجَل، إنَّ ما رَأَيتُه حَقيقةٌ وليس بخَيالٍ، إذ كما سيَؤُولُ هذا الصَّيفُ والخَريفُ إلى الشِّتاءِ، فإنَّ ما خَلْفَ صَيفِ الشَّبابِ ووَراءَ خَرِيفِ الشَّيبِ، شِتاءَ القَبْرِ والبَرزَخِ؛ فلَو أَمكَنَ إظهارُ حَوادِثِ ما بعدَ خَمسِينَ سَنةً مِنَ المُستَقبَلِ مِثلَما يُمكِنُ ذلك لِحَوادِثِ الخَمسِين سَنةً الفائتةِ بجِهازٍ كجِهازٍ السِّينِما، وعُرِضَت حَوادِثُ أَهلِ الضَّلالةِ وأَحوَالُهم في المُستَقبَلِ، إذًا لَتَقزَّزُوا ولَتَألَّمُوا ولَبَكَوْا بُكاءً مُرًّا على ما يَفرَحُون مِنه الآنَ ويَتَلذَّذُون به مِنَ المُحَرَّماتِ في الوَقتِ الحاضِرِ.
وبَينَما كُنتُ غارِقًا في التَّأَمُّلِ، ومُنصَرِفًا إلى مَشاهِدِ الشّاشةِ المَعنَوِيّةِ المَعرُوضةِ أَمامِي في سِجنِ "أَسْكِي شَهِر" إذِ انتَصَبَ أَمامي شَخصٌ مَعنَوِيٌّ كأنَّه يُمَثِّلُ الشَّيطانَ
— 18 —
الإِنسِيَّ يَدعُو إلى السَّفاهةِ، ويُرَوِّجُ للضَّلالةِ قائلًا لي: "نحن نُريدُ أن نَستَمتِعَ بجَميعِ لَذائذِ الحَياةِ ونُمَتِّعَ الآخَرين بها.. دَعْنا وشَأْنَنا، وإلَيكَ عَنَّا".
فأَجَبتُه قائلًا: "ما دُمتَ تَرمِي بنَفسِك في أَحضانِ الضَّلالةِ والسَّفاهةِ حُصُولًا على لَذّةٍ جُزئيّةٍ وذَوْقٍ ضَئِيلٍ مُتَناسِيًا المَوتَ غيرَ آبِهٍ به، إذًا فاعْلَمْ: أنَّ "الماضِيَ" كُلَّه یی حَسَبَ ضَلالَتِك یی قد ماتَ واندَثَر وانتَهَى إلى العَدَمِ، فهو مَقبَرةٌ عَظيمةٌ مُوحِشةٌ مُرعِبةٌ، قد رَمَّت فيها الجُثَثُ وبَلِيَت فيها الآثارُ، لذا إن كانَت لك مُسْكةٌ مِن عَقلٍ أو كُنتَ تَملِكُ قَلبًا يَنبِضُ بالحَياةِ فإنَّ الآلامَ المُتَوَلِّدةَ یی بمُقتَضَى ضَلالَتِك یی مِنَ المَوتِ الأَبَدِيِّ، ومِن أَنواعِ الفِراقِ غيرِ المَحدُودِ لِأَقارِبِك وأَحبابِك غيرِ المَعدُودِين تُزِيلُ تلك اللَّذّةَ الجُزئيّةَ المُسكِرةَ الَّتي تَتَذَوَّقُها في بُرهةٍ قَصِيرةٍ جِدًّا.
وكما أنَّ "الماضِيَ" مَعدُومٌ بالنِّسبةِ إلَيك، فی"المُستَقبَلُ" مَعدُومٌ لك كذلك، وذلك بسَبَبِ انعِدامِ إيمانِك، بل هو ساحةٌ مُوحِشةٌ رَهِيبةٌ مُظلِمةٌ مَيْتةٌ.. فما مِن أَحَدٍ مِنَ المَوجُوداتِ المِسكِينةِ يأتي ويَبْرُزُ إلى الوُجُودِ یی مارًّا بالحاضِرِ یی إلَّا ويَقبِضُه جَلَّادُ المَوتِ ويَقذِفُه إلى العَدَمِ، وأنت لِكَونِك مُرتَبِطًا بتلك العَوالِمِ یی بحُكمِ عَقلِك یی فإنَّ المُستَقبَلَ يَصُبُّ على رَأسِك المُلحِدِ مَطَرَ السَّوءِ مِنَ الآلامِ المُوجِعةِ والقَلَقِ الشَّديدِ والِاضطِراباتِ العَنيفةِ، حتَّى يَجعَلَ جَميعَ لَذائذِك الجُزئيّةِ السَّفيهةِ أَثرًا بعدَ عَينٍ.
ولكن ما إن تَنبِذُ طَريقَ الضَّلالةِ وتَتْرُكُ سُلُوكَ السَّفاهةِ داخِلًا حَظيرةَ الإيمانِ التَّحقِيقيِّ، مُستَقِيمًا علَيه حتَّى تَرَى بنُورِ الإيمانِ أنَّ ذلك الماضِيَ السَّحيقَ ليس بمَعدُومٍ وليسَ بمَقبَرةٍ تُبلي كلَّ شيءٍ وتُفنِيه، بل هو عالَمٌ نُورانِيٌّ مَوجُودٌ فِعلًا، الَّذي يَنقَلِبُ إلى المُستَقبَلِ، وهو ساحةُ انتِظارِ الأَرواحِ الباقيةِ المُتَرقِّبةِ للبَعْثِ، دُخُولًا إلى فِردَوسِ السَّعادةِ الأَبَديّةِ المُعَدّةِ لهم؛ لذا يُذِيقُك یی وأنت ما زِلْتَ في الدُّنيا یی لَذَّةَ الجَنّةِ المَعنَويَّةِ حَسَبَ دَرَجةِ إيمانِك.. كما أنَّ المُستَقبَلَ ليسَ مُؤْلِمًا ولا مُقلِقًا ولَيسَ مَحَلًّا للوَحْشةِ ولا وادِيًا مُظلِمًا مُخِيفًا، بل هو بِنُورِ الإيمانِ مَنازِلُ سَعادةٍ أَبَديّةٍ للرَّحمٰنِ الرَّحيمِ ذِي الجَلالِ والإكرامِ، الَّذي وَسِعَت رَحمَتُه كلَّ شيءٍ وأَحاطَ كَرَمُه بكلِّ شيءٍ..
— 19 —
فكما فَرَشَ سُبحانَه الرَّبيعَ والصَّيفَ مائِدَتَينِ مَملُوءَتَينِ بأَنواعِ النِّعَمِ والمَطعُوماتِ، فقد بَسَط سُبحانَه مَوائدَ ضِيافَتِه الفاخِرةِ في تلك القُصُورِ العَوالي، وفَتَح مَعارِضَ إحسانِه وآلائِه العَميمةِ هناك، والنَّاسُ يُشَوَّقُون إلَيها بل يُساقُون.
نعم، هكَذا يَراها المُؤمِنُ بالشَّاشةِ الإيمانيّةِ كلٌّ حَسَبَ دَرَجَتِه، وبوُسعِه أن يَشعُرَ شيئًا مِن لَذائذِ ذلك النَّعِيمِ المُقِيمِ.
فإذًا، اللَّذّةُ الحَقيقيّةُ الصَّافيةُ الَّتي لا يُكَدِّرُها أَلَمٌ، إنَّما هي في الإِيمانِ، وبالإِيمانِ وَحدَه يُمكِنُ الفَوزُ بها.
وهناك أُلُوفٌ مِنَ الثَّمَراتِ اللَّذيذةِ للإيمانِ في هذه الدُّنيا، وأُلُوفٌ مِنَ الفَوائدِ والنَّتائجِ، إلّا أنَّنا سنُبيِّنُ واحِدةً مِنها بمِثالٍ:
تَصَوَّرْ أيُّها الأَخُ أنَّ ابنَك الوَحيدَ الَّذي تُحِبُّه كَثيرًا جِدًّا طَرِيحُ الفِراشِ يُعانِي مِن سَكَراتِ المَوتِ، وأنت تَغُوصُ في تَفكِيرٍ يائسٍ مَريرٍ، وتَتأَلَّمُ أَلَمًا مُوجِعًا شَديدًا مِن فِراقِه الأَبَديِّ المُؤلِمِ.. تَصَوَّرْ یی وأنت في هذه الحالةِ اليائِسةِ یی إذا بطَبيبٍ حاذِقٍ كالخَضِرِ أو لُقمانَ عَلَيهِمَا السَّلَام يأتي ويَسقِي الطِّفلَ دَواءً مُضادًّا للسموم، وإذا به يَفتَحُ عَينَيه فَرِحًا جَذِلًا ببَهجةِ الحَياةِ، وقد نَجا مِن قَبضةِ المَوتِ.. كم يكُونُ يا تُرَى فَرَحُك وسُرُورُك اللَّذانِ يَغمُرانِك؟
كذلك الحالُ في أُولَئك المَلاييِنِ المَدفُونينَ في مَقبَرةِ الماضِي الَّذين تُحِبُّهم یی كهذا الطِّفلِ یی حُبًّا كَثيرًا وتَرتَبِط معَهم بوَشائجَ؛ فبَينَما هم على وَشْكِ أن يُبادُوا ويُفنَوا مِنَ الوُجُودِ في مَقبَرةِ الماضِي یی في نَظَرِك یی إذا بحَقيقةِ الإيمانِ تَبعَثُ مِن شُبّاكِ القَلبِ نُورًا یی كما فَعَل لُقمانُ الحَكيمُ معَ ذلك الطِّفلِ یی إلى تلك المَقبَرةِ الواسِعةِ الَّتي يُظَنُّ أنَّها مَقَرُّ الإعدامِ؛ وإذا الأَمواتُ قِيامٌ أَحياءٌ بذلك النُّورِ في عالَمِ البَرزَخِ، يُنادُون بلِسانِ الحالِ: "لَسْنا أَمواتًا.. ولَن نَمُوتَ أبدًا.. وسنَلتَقي عَمَّا قَريبٍ..".
نعم، مِثلَما يَبعَثُ شِفاءُ الطِّفلِ فَرَحًا وبَهجةً لا حَدَّ لَهُما بعدَ اليَأسِ والقُنُوطِ، كذلك الأَمرُ هنا، ممَّا يَجعَلُنا نَتيَقَّنُ أنَّ الإيمانَ یی ببَثِّه هذا الفَرَحَ والسُّرورَ في دُنيانا هذه یی
— 20 —
يُثبِتُ أنَّ حَقيقَتَه بِذرةٌ تَحمِلُ مِنَ الحَيَويّةِ ما لو تَجَسَّمَتْ لَنَبَتَت علَيها جَنّةٌ خاصّةٌ لكُلِّ مُؤمِنٍ، ولَأَصبَحَت له شَجَرةَ طُوبَى.
هكذا قُلتُ لذلك الشَّيطانِ الإِنسِيِّ العَنيدِ، إلّا أنَّه انبَرَى لي قائلًا: "دَعْنا نَحْيا ولو كالحَيَوانِ، غافِلِين عمَّا يَدُورُ حَولَنا مِن هذه الأُمُورِ الدَّقيقةِ، ولْنُمضِ حَياتَنا بلَذّةِ اللَّهوِ ونَشوةِ اللَّعِبِ".
فأَجَبتُه: إنَّك لا تُقاسُ بالحَيَوانِ، ولن تكُونَ مِثلَه، إذ ليس للحَيَوانِ ما يُفَكِّرُ به مِن ماضٍ ومُستَقبَلٍ، فلا يَجِدُ الحَيَوانُ مِمّا مَضَى أَلَمًا ولا أَسَفًا، ولا يأتيه قَلَقٌ ولا خَوفٌ مِنَ المُستَقبَلِ، لذا يَجِدُ لَذَّتَه كامِلةً فيَشكُرُ خالِقَه الكَريمَ؛ بل حتَّى الحَيَوانُ المُعَدُّ للذَّبحِ لا يُحِسُّ إلّا بأَلَمِ السِّكِّينِ وهي تَمُرُّ على حُلُقومِه، وسَرعانَ ما يَزُولُ هذا الإحساسُ، فيَنجُو مِن ذلك الأَلَمِ.
فيا لَلرَّحمةِ الإِلٰهيّةِ والشَّفَقةِ الرَّبّانيّةِ ما أَعظَمَها تَجَلِّيًا في إخفاءِ الغَيبِ وسَتْرِ المَصائبِ والبَلايا.. ولا سِيَّما في الحَيَواناتِ والبَهائِمِ!
ولكِن أيُّها الإنسانُ.. لقد خَرَج شَيءٌ مِن ماضِيك ومُستَقبَلِك مِنَ الغَيبِ بحُكمِ ما تَحمِلُه مِن عَقلٍ، فأَنت مَحرُومٌ كُلِّيًّا مِمّا تَتَنعَّمُ به الحَيَواناتُ مِن راحةٍ واطمِئنانٍ بانسِدالِ سِتارِ الغَيبِ أَمامَها، فالحَسَراتُ والآهاتُ النّاشِئةُ مِمّا مَضَى، وأَنواعُ الفِراقِ الأَليمِ والمَخاوِفُ النّاجِمةُ مِنَ المُستَقبَلِ تُزِيلُ لَذَّتَك الجُزئيّةَ وتُبِيدُها، وتَهوِي بك في دَرَجةٍ أَدنَى بكَثيرٍ مِنَ الحَيَوانِ مِن حَيثُ اللَّذّةُ؛ فما دامَتِ الحَقيقةُ هكذا فما علَيك إذًا إلّا أن تَتَبرَّأَ مِن عَقلِك وتَرمِيَه خارِجًا، وتَعُدَّ نَفسَك حَيَوانًا فتَنجُوَ، أو تُنَوِّرَ عَقلَك بنُورِ الإيمانِ وتُنصِتَ إلى الصَّوتِ العَذْبِ للقُرآنِ الكَريمِ فتكُونَ أَرقَى مِنَ الحَيَوانِ وأَرفَعَ بِمِئةِ مَرّةٍ، مُغتَنِمًا لَذائذَ نَقِيّةً صافِيةً طاهِرةً وأَنتَ ما زِلتَ في هذه الدُّنيا الفانِيةِ.
فأَلزَمتُه بهذه الحُجّةِ، ولكِنَّه اعتَرَض قائلًا: "سنَعِيشُ في الأَقلِّ مِثلَ مَلاحِدةِ الأَجانِبِ".
فقُلتُ له جَوابًا: "لن تكُونَ حتَّى مِثلَ أُولَئك المَلاحِدةِ الأَجانبِ، لأنَّهم إن أَنكَرُوا نَبِيًّا واحِدًا فإنَّهم يُؤمِنُون بسائرِ الأَنبِياءِ؛ وحتَّى إذا لم يَعرِفُوا أَحَدًا مِنَ الأَنبِياءِ،
— 21 —
فقد يكُونُ لهم إيمانٌ باللهِ، وإن لم يَكُن لهم هذا الإيمانُ أيضًا فلَرُبَّما لهم ما يُوصِلُهم إلى الكَمالِ مِن سَجايا حَميدةٍ وخِصالٍ إنسانيّةٍ..
أمَّا إذا أَنكَرَ المُسلِمُ خاتَمَ النَّبيِّين (ص) وجَحَد بالدِّينِ الَّذي لا دِينَ غيرُه في الحَقِّ والشُّمُولِ، وفَسَق عن دائرةِ هِدايَتِه، وحَلَّ رَقَبتَه مِنها، فلا يَرضَى بنَبيٍّ آخَرَ، بل لا يَقبَلُ الإيمانَ باللهِ، لأنَّه ما عَرَف سائرَ الأَنبِياءِ ولا اهتَدَى إلى الإيمانِ بالله إلّا عن طَرِيقِه (ص) وبتَبلِيغِه وإرشادِه وهَدْيِه.. لذا لا يَبقَى في قَلبِه شيءٌ مِن أُولَئك دُونَ الإيمانِ به (ص).. ومِن هنا كان النّاسُ مِن سائرِ الأَديانِ منذُ زَمَنٍ سَحيقٍ يَدخُلُون دِينَ الإسلامِ أَفواجًا، بَينَما لم يَحدُثْ أن أَصبَحَ مُسلِمٌ واحِدٌ قَطُّ يَهُودِيًّا حَقيقِيًّا ولا مَجُوسِيًّا ولا نَصْرانِيًّا، ورُبَّما يُصبِحُ مُلحِدًا فاسِدَ الأَخلاقِ والسَّجايا، مُضِرًّا بالبِلادِ والعِبادِ".
هكذا أَقَمتُ الحُجّةَ على ذلك العَنيدِ مِن أنَّه لا يَستَطِيعُ التَّشَبُّهَ حتَّى بمَلاحِدةِ الأَجانِبِ.. ولَمَّا لم يَجِد ما يَستَنِدُ إلَيه، خَنَس ووَلَّى إلى جَهَنَّمَ وبِئسَ المَصيرُ.
فيا زُمَلائي المُجتَمِعين في هذه المَدرَسةِ اليُوسُفيّةِ.. ما دامَتِ الحَقيقةُ هي هذه، ورَسائلُ النُّورِ قد نَشَرَت نُورَها یی ولا تَزالُ یی مُنذُ عِشرين سَنةً، وهي تَكسِرُ عِنادَ المُتمَرِّدين وتُرغِمُهم على الإيمانِ، فعلَينا إذًا التَّمَسُّكُ بالإيمانِ والصِّراطِ المُستَقيمِ السَّهلِ النّافِعِ السَّليمِ لدُنيانا ومُستَقبَلِنا وآخِرَتِنا وبِلادِنا وأُمَّتِنا، وذلك بألّا نَقتُلَ أَوقاتَنا فيما لا يَعنِي مِن تُرَّهاتِ الخَيالِ وسَفْسافِ الآمالِ، بل نُحيِيَها بتِلاوةِ ما نَعلَمُه مِن سُوَرِ القُرآنِ الكَريمِ آناءَ اللَّيلِ وأَطرافَ النَّهار، وبتَعَلُّمِ مَعانِيها مِن إخوانِنا العالِمِين بها، وبقَضاءِ ما فاتَنا مِنَ الصَّلَواتِ المَكتُوبةِ، وبكَسْبِ الأَخلاقِ الحَمِيدةِ مِن بَعضِنا بعضًا، فلَعلَّ اللهَ سُبحانَه يَجعَلُنا مِمَّن يَغرِسُون في هذا السِّجنِ الغِراسَ لِتَخرُجَ مِنه أَشجارٌ مُثمِرةٌ نافِعةٌ. ونَسعَى جاهِدين ليكُونَ مَسؤُولُو السِّجنِ أَساتِذةً مُرشِدين يُهيِّئُون في هذه المَدرَسةِ اليُوسُفيّةِ رِجالًا إلى الجَنّةِ، ومُشرِفين طَيِّبِين يَتَولَّوْن حُسنَ تَوجِيهِهم، وليسُوا زَبانيَةَ عَذابٍ على جُناةٍ قَتَلةٍ.
— 22 —

المسألة الرابعة

كذا فُصِّلَ في رِسالةِ «مُرشِدِ الشَّبابِ»: سأَلَني يَومًا إخواني الَّذين يَتَولَّون خِدمَتي قائلِين:
لقد أَخَذَتِ الحَربُ العالَمِيّةُ باهتِمامِ النَّاسِ، وشَغَلَتِ الكُرةَ الأَرضيّةَ وأَوقَعَتْها في اضطِرابٍ وقَلَقٍ وهي ذاتُ عَلاقةٍ بمُقَدَّراتِ العالَمِ الإسلاميِّ، إلّا أنَّنا نَراك لا تَسأَلُ عنها رَغمَ مُرُورِ خَمسِين يَومًا على نُشُوبِها یی بل سَبعِ سِنين- (٭): هذه الجملة المعتَرِضة تعودُ إلى سنة (١٩٤٦م). في الوَقتِ الَّذي نَرَى مُتَديِّنين وعُلَماءَ يَدَعُون الجامِعَ والجَماعةَ مُهرَعِين إلى استِماعِ المِذْياعِ.. فهل هُناك قَضِيّةٌ أَعظَمُ مِنها تَشغَلُ بالُك؟ أم أنَّ الِانشِغالَ بها فيه خَسارةٌ و الَرٌ؟
فأَجَبتُهم: إنَّ رأسَ مالِ العُمُرِ قليلٌ، ورِحلةَ العُمُرِ هنا قَصيرةٌ، بَينَما الواجِباتُ الضَّرُورِيّةُ والمُهِمّاتُ الَّتي كُلِّفنا القِيامَ بها كَثيرةٌ، وهذه الواجِباتُ هي كالدَّوائرِ المُتَداخِلةِ المُتَّحِدةِ المَركَزِ حَولَ الإنسانِ:
فابتِداءً مِن دائرةِ القَلبِ والمَعِدةِ والجَسَدِ والبَيتِ والمَحَلَّةِ والمَدِينةِ والبِلادِ والكُرةِ الأَرضِيّةِ والبَشَريّةِ، وانتِهاءً إلى دائرةِ الأَحياءِ قاطِبةً والعالَمِ أَجمَعَ، كلُّها دَوائرُ مُتَداخِلةٌ بَعضُها في بَعضٍ؛ فكلُّ إنسانٍ له نَوعٌ مِنَ الوَظيفةِ في كلِّ دائرةٍ مِن تلك الدَّوائرِ، ولكنَّ أَعظَمَ الواجِباتِ وأَهَمَّها، بل أَدوَمَها بالنِّسبةِ له هي في أَصغَرِ تلك الدَّوائرِ وأَقرَبِها إلَيه؛ بَينَما أَصغَرُ الواجِباتِ وأَقَلُّها شَأنًا ودَوامًا هي في أَعظَمِ تلك الدَّوائرِ وأَبعَدِها عنه.. فقِياسًا على هذا: يُمكِنُ أن تَتَناسَبَ الوَظائفُ والواجِباتُ تَناسُبًا عَكْسِيًّا معَ سَعةِ الدّائرةِ، أي: كُلَّما صَغُرَتِ الدّائرةُ وقَرُبَت عَظُمَتِ الوَظيفةُ، وكُلَّما كَبُرَتِ الدّائرةُ وبَعُدَت قَلَّت أَهَمِّيّةُ الوَظِيفةِ.. ولكن لمَّا كانَتِ الدّائرةُ العُظمَى فاتِنةً جَذّابةً، فهي تَشغَلُ الإنسانَ بأُمُورٍ غيرِ ضَرُورِيّةٍ له، وتَصرِفُ
— 23 —
فِكْرَه إلى أَعمالٍ لا تَعنِيه بشَيءٍ، حتَّى تَجعَلَه يُهمِلُ واجِباتِه الضُّرُورِيّةَ في الدّائرةِ الصَّغِيرةِ القَريبةِ مِنه، فيُهدِرُ عِندَئذٍ رَأسَ مالِ عُمُرِه، ويُضَيِّعُ حَياتَه سُدًى.. زِدْ على ذلك قد يَمِيلُ قَلبُه ويَنحازُ إلى إحدَى الجِهَتَينِ المُتَخاصِمَتَينِ لِتَتبُّعِه بلَهفةٍ أَخبارَ الحَربِ الطّاحِنةِ بَينَهما، فلا يَجِدُ في نَفسِه إنكارًا لِمَظالِمِ تلك الجَهةِ، بل يَرتاحُ إلَيها، ويكُونُ شَريكًا لها في ظُلمِها.
أمَّا الجَوابُ عنِ النُّقطةِ الأُولَى فهو أنَّ أمامَ كلِّ إنسانٍ یی ولا سِيَّما المُسلِمِ یی مَسأَلةً مُهِمّةً، وحادِثةً خَطِيرةً، هي أَعظَمُ مِنَ الصِّراعِ الدّائرِ بينَ الدُّوَلِ الكُبْرَى لِأَجلِ السَّيطَرةِ على الكُرةِ الأَرضِيّةِ.. تلك المَسأَلةُ هي مِنَ الأَهَمِّيّةِ والخُطُورةِ ما لوِ امتَلَكَ الإنسانُ العاقِلُ قُوّةَ الأَلْمانِ والإنكْلِيزِ وثَرْوَتَهما معًا، لَمَا تَرَدَّد في أن يَضَعَها كُلَّها لِأَجلِ كَسْبِ تلك القَضِيّةِ المُبتَغاةِ.
تلك القَضيّةُ هي الَّتي أَعلَنَها مِئةُ أَلفٍ مِنَ المُصطَفَينَ الأَخيارِ، ورَفَع رايَتَها ما لا يُحَدُّ مِن نُجُومِ البَشَريّةِ ومُرشِدِيها المُستَنِدين إلى آلافٍ مِن مَواثيقِ ربِّ العالَمِين ومِن وُعُودِه وعُهُودِه، بل لقد شاهَدَها قِسمٌ مِنهم عِيانًا، تلك القَضيّةُ قَضِيّةٌ مَصِيريّةٌ للإنسانِ وهي:
أنْ يَكسِبَ الإنسانُ بالإيمانِ أو يَخسَرَ دُونَه مُلكًا عَظيمًا خالِدًا ومَساكِنَ طَيِّبةً في جَنّاتِ عَدْنٍ عَرضُها السَّماواتُ والأَرضُ.. فمَن لم يَفُزْ بشَهادةِ الإيمانِ ولم يَرْعَها حَقَّ رِعايَتِها فسَوفَ يُضَيِّعُ حَتمًا تلك القَضيّةَ ويَخسَرُها، وذلك هو الخُسرانُ المُبِينُ.
ولقد ضَيَّع الكَثِيرُون في عَصرِنا هذا مِمَّنِ ابتُلُوا بطاعُونِ المادِّيّةِ قَضِيَّتَهم هذه، حتَّى كَشَف أَحَدُهم وهو مِن أَهلِ العِلمِ والكَشْفِ، وشاهَدَ أنَّ أَفرادًا قَلائلَ فقط مِن كُلِّ أَربَعِينَ شَخصًا في مكانٍ مّا، همُ الَّذين نَجَوا بإيمانِهم في سَكَراتِ المَوتِ، وخُتِمَت حَياتُهُم بالحُسنَى، أمّا الباقُون فهَلَكوا! تُرَى لو عُوِّضَ أَحَدُ هؤلاء سُلطانَ الدُّنيا ومُلكَها وزِينَتَها بَدِيلًا عن تلك القَضِيّةِ العُظمَى، أفَيكُونُ هذا البَديلُ كُفْئًا لِمَا فاتَه؟ أو يَسُدُّ مَسَدَّه بحالٍ مِنَ الأَحواِل؟ كَلّا!
ولهذا فنحن مَعاشِرَ طَلَبةِ النُّورِ نَعلَمُ يَقينًا أنَّ تَرْكَ خِدْماتٍ عَظيمةٍ تُربِحُنا تلك القَضِيّةَ، وإهمالَ مُهِمّاتِ وَكيلِها الَّذي يَصُونُها لِتِسعين بالمِئةِ، والِانشِغالَ عنها بما لا يَعني مِن أُمُورٍ خارِجيّةٍ واهتِماماتٍ تافِهةٍ كأنَّ الدُّنيا خالِدةٌ، ما هو إلّا مِن سَخافةِ العَقلِ وجُنُونِه.
— 24 —
فنحن على يَقينٍ تامٍّ واطمِئنانٍ كامِلٍ مِن هذا، لذا لو مَلَكَ أَحَدُنا عقلًا وإدراكًا للأُمُورِ أَضعافَ أَضعافِ ما يَملِكُه الآنَ، لَبَذَلَه كلَّه فيما يَلزَمُ تلك القَضِيّةَ وفي سَبِيلِها.
فيا إخوَتي الحَدِيثي العَهدِ بمُصيبةِ السِّجنِ.. إنَّكم لم تَطَّلِعُوا بَعدُ على رَسائلِ النُّورِ كما اطَّلعَ علَيها إخواني السَّابِقُون الَّذين دَخَلُوا السِّجنَ مَعَنا، فإنِّي أُسْمِعُكم قَولًا وأُشهِدُ علَيه أُولَئك الإخوةَ جَميعًا وأُلوفًا مِن أَمثالِهم، وقد قُلتُه مِرارًا، وأَثبَتُّه تَكرارًا:
إنَّ رَسائلَ النُّورِ قد أَكسَبَت تِسعينَ بالمِئةِ مِنهم تلك القَضِيّةَ العُظمَى، وهي الَّتي سَلَّمَت وَثيقةَ الفَوزِ وشَهادَتَه یی وهي الإيمانُ التَّحقِيقيُّ یی لِعِشرين أَلفًا مِنَ النّاسِ خِلالَ عِشرين سنةً خَلَت.. فلا غَرْوَ فقد نَبَعَت مِنَ المُعجِزةِ المَعنَويّةِ للقُرآنِ الكَريمِ وأَصبَحَت في مُقدِّمةِ وُكَلاءِ القَضِيّةِ العَظيمةِ والمُدافِعين عنها في هذا الزَّمانِ، فرَغمَ انقِضاءِ ثَمانيَ عَشْرةَ سنةً والأَعداءُ والزَّنادِقةُ والمادِّيُّون يَحِيكُون أَنواعًا مِنَ الدَّسائسِ والمَكرِ الخَبِيثِ، وما زالُوا يُحَرِّضُون قِسمًا مِنَ المُوَظَّفين علَينا، مُستَغْفِلِين إيّاهم في سَبيلِ إبادَتِنا حتَّى زَجُّوا بِنا في غَياهِبِ السُّجُونِ مِثلَ هذه المَرّةِ.. إلّا أنَّهم لم يَفعَلُوا شَيئًا يُذكَرُ، ولن يَفعَلُوا بإذنِ اللهِ، ذلك لأنَّهم لم يَتَمكَّنُوا مِن أن يَتَعرَّضُوا لِقَلعةِ رَسائلِ النُّورِ الفُولاذِيّةِ ولا أن يَمَسُّوا أَعتِدَتَها البالِغةَ مِئةً وثلاثين عَتادًا (رِسالةً) سِوَى رِسالَتَينِ أو ثلاثٍ مِنها.
لذا فمَن أَرادَ أن يُوَكِّلَ مُحامِيًا يُدافِعُ عن قَضِيَّتِه يَكفِي أن يَتَحصَّنَ بها ويَقتَبِسَ مِن نُورِها.
فيا أيُّها الإخوةُ.. لا تَخافُوا، إنَّ رَسائلَ النُّورِ لن تُمنَعَ عنِ الأَنظارِ ولن تُحجَبَ عنِ الرُّؤيةِ، ولن تُرفَعَ مِنَ الأَوساطِ بإذنِ اللهِ، إذ يَتَداوَلُ أَجزاءَها المُهِمّةَ یی ماعدا رِسالَتَينِ أو ثلاثةً یی نُوّابُ البَرْلَمانِ وأَركانُ الدَّولةِ بحُرِّيّةٍ تامّةٍ.
وسيَأتي ذلك اليومُ الَّذي يُوَزِّعُ فيه المُوَظَّفُون والمُدَراءُ المَحظُوظُون إن شاءَ اللهُ رَسائلَ النُّورِ على المَسجُونين كما يُوزِّعُون علَيهِمُ الخُبزَ والعِلاجَ، وسيُحَوِّلُون السُّجُونَ إلى مَدارِسِ إرشادٍ وتَربِيةٍ وإصلاحٍ.
— 25 —

المسألة الخامسة

كما فُصِّلَ في رِسالةِ «مُرشِدِ الشَّبابِ»:
إنَّ الشَّبابَ ذاهِبٌ وآفِلٌ، وسيَزُولُ لا مَحالةَ؛ إذ كما أنَّ الصَّيفَ يَخلُفُه الخَريفُ والشِّتاءُ، والنَّهارَ يَعقُبُه المَساءُ واللَّيلُ، فالشَّبابُ كذلك سيَتَحوَّلُ إلى مَشيبٍ وإلى المَوتِ، بمِثلِ هذه الحَقيقةِ المُحَتَّمةِ.
فإذا ما بَذَل الشَّابُّ ما يَملِكُ مِن طاقةٍ مُؤقَّتةٍ في سَبيلِ الخَيرِ والصَّلاحِ، ضِمنَ دائرةِ الطُّهرِ والعِفّةِ والِاستِقامةِ، فإنَّ الأَوامِرَ السَّماوِيّة كلَّها تُبشِّرُه بأنَّه سيَغنَمُ به شَبابًا باقِيًا لا زَوالَ له، وكما أنَّ غَضَب دَقيقةٍ واحِدةٍ قد يَدفَعُ الإنسانَ إلى ارتِكابِ جَريمةِ قتلٍ، فيَقضي المَلايينَ مِنَ الدَّقائقِ في مُقاساةٍ مِن عذابِ السِّجنِ، كذلك نَشوةُ الشَّبابِ وسَفاهَتُه، وأَذواقُه العابرةُ في غيرِ ما أَحَلَّ اللهُ، تُسبِّبُ له آلامًا أَكثَرَ وأَعمَقَ في ذاتِ اللَّذّةِ نَفسِها، فَضْلًا عنِ العِقابِ الرَّهيبِ في الآخِرةِ، والعَذابِ المَرِيرِ في القَبْرِ، وعَلاوةً على مُعاناةِ الحَسَراتِ العَمِيقةِ المُنبَعِثةِ مِن زَوالِ اللَّذّةِ والعِقابِ في الدُّنيا المُتَرتِّبِ على الذُّنُوبِ والآثامِ، يَشهَدُ بصِدْقِ وُجُودِ هذه الآلامِ في اللَّذّةِ نَفسِها كلُّ شابٍّ حَصِيفٍ، بما مَرَّ علَيه مِن تَجارِبَ.
فمثلًا: إنَّ الحُبَّ المُحَرَّمَ، أوِ العِشقَ لِغَيرِ وَجهِ الحَقِّ، فيه مِنَ الآلامِ ما يُنَغِّصُ اللَّذّةَ الجُزئيّةَ فيه؛ مِنها الشُّعُورُ بأَلَمِ الغَيرةِ والحَسَدِ، ومِنها أَلَمُ الفِراقِ عنِ المَعشُوقِ، ومِنها أَلَمُ عَدَمِ مُقابَلةِ المَحبّةِ بالمِثلِ.. وغيرُها كَثيرٌ مِنَ المُنَغِّصاتِ الَّتي تَجعَلُ تلك اللَّذّةَ الجُزئيّةَ بحُكمِ عَسَلٍ مَسمُومٍ.
فإن كُنتَ تُريدُ أن تَفهَمَ أنَّ سُوءَ تَصَرُّفَ الشَّبابِ وإسرافَهم في أَمرِهم يُسَبِّبُ فيهم مِنَ الأَمراضِ ما يَسُوقُهم إلى المُستَشفَياتِ أوِ المَقابِرِ.. وإن كُنتَ تُرِيدُ أن تَفهَمَ
— 26 —
أنَّ غُرُورَ الشَّبابِ وطَيشَهم يَدفَعُهم إلى السُّجُونِ.. وإن كُنتَ تُريدُ أن تَفهَمَ أنَّ ما يُصِيبُهم مِن آلامٍ مَعنَويّةٍ وهُمُومٍ نَفسِيّةٍ مِن الخَواءِ الرُّوحِيِّ والجُوعِ القَلبيِّ والفَراغِ يَسُوقُهم إلى أَبوابِ الحاناتِ والمَلاهي.. نعم، إنْ كُنتَ تُريدُ أنْ تَتَحقَّقَ مِن هذا، فاسأَلِ المُستَشفَياتِ والسُّجُونَ والخَمَّاراتِ والمَقابرَ، فستَسْمَعُ حَتمًا أَنّاتٍ وآهاتٍ، وبُكاءً مَرِيرًا، وحَسَراتِ النَّدَمِ، وأَصواتَ الأَسَى والأَسَفِ، يُطلِقُها على الأَغلَبِ شَبابٌ أَشقِياءُ، تَلَقَّوُا الصَّفَعاتِ المُوجِعةَ والضَّرَباتِ الأَليمةَ لِخُرُوجِهم عَمَّا أباحَ اللهُ لهم مِنَ الطَّیيِّباتِ بدافِعِ نَزَواتِهم وإسرافِهم وسَيِّئِ أَعمالِهم، وارتِكابِهمُ المُحَرَّماتِ، وانسِياقِهم وَراءَ اللَّذّاتِ المَشؤُومةِ.
بَينَما إذا ما قَضَى الشّابُّ عَهدَ شَبابِه بما أَمَرَه اللهُ به، واتَّبَع الصِّراطَ السَّوِيَّ واستَقامَ علَيه، فإنَّه يَجعَلُه أَحلَى نِعمةٍ إِلٰهيّةٍ وأَجملَ هِبةٍ رَحمانيّةٍ، ويَتَّخِذُه سَبيلًا قَويمًا مُمَهَّدًا إلى الصّالِحاتِ مِنَ الأَعمالِ، ولَأَثمَرَ له كذلك شَبابًا ناضِرًا، وفُتُوّةً خالِدةً دائمةً في الآخِرةِ بَدَلًا مِن هذا الشَّبابِ الفاني الزّائلِ.. ذلك ما تُبَشِّرُنا به الكُتُبُ السَّماوِيّةُ والصُّحُفُ المُنزَّلةُ جَميعُها، وفي مُقدِّمَتِها القرآنُ الكَريمُ بآياتِه المُحكَمةِ الكَريمةِ.
فما دامَت هذه هي الحَقيقةَ.. وما دام مَيدانُ الحلالِ كافيًا ووافيًا للأُنسِ والمُتعةِ والنَّشوةِ.. وما دامَتِ اللَّذّةُ الواحِدةُ ضِمنَ المُحَرَّماتِ تُذيقُ صاحِبَها أَلَمًا يَدُومُ سنةً واحِدةً مِن عذابِ السِّجنِ وأَحيانًا عَشْرَ سَنَواتٍ.. فيَلزَمُ إذًا قَضاءُ عَهدِ الشَّبابِ بالعِفّةِ والطُّهرِ والِاستِقامةِ على الصِّراطِ السَّوِيِّ أَداءً لِشُكرِ تلك النِّعمةِ اللَّذِيذةِ المُهداةِ، بل هذا هو الأَلزَمُ.
— 27 —

المسألة السادسة

هذه المسألة إشارةٌ مُختَصَرةٌ إلى بُرهانٍ واحِدٍ فقط مِن بينِ أُلُوفِ البَراهِينِ الكُلِّيَّة حَولَ (الإيمانِ بالله)، والَّذي تَمَّ إيضاحُه مع حُجَجِهِ القاطِعةِ في عِدّةِ مَواضِعَ مِن رَسائلِ النُّورِ.
جاءَني فَريقٌ مِن طُلّابِ الثّانَوِيّةِ في "قَسْطَمُوني" قائلِينَ:
«عَرِّفْنا بخالِقِنا، فإنَّ مُدَرِّسينا لا يَذكُرُون اللهَ لنا!».
فقُلتُ لَهم: "إنَّ كلَّ عِلمٍ مِنَ العُلُومِ الَّتي تَقرَؤُونَها يَبحَثُ عنِ اللهِ دَومًا، ويُعَرِّفُ بالخالِقِ الكَريمِ بلُغَتِه الخاصّةِ؛ فاستَمِعُوا إلى تلك العُلُومِ دُونَ المُدرِّسِين".
فمَثلًا: لو كانَت هُناكَ صَيدَليّةٌ ضَخمةٌ، في كلِّ قِنِّينةٍ مِن قَنانِيها أَدوِيةٌ ومُستَحضَراتٌ حَيَوِيّةٌ، وُضِعَت فيها بمَوازِينَ حَسّاسةٍ، وبمَقادِيرَ دَقيقةٍ؛ فكما أنَّها تُرِينا أنَّ وَراءَها صَيْدَليًّا حَكِيمًا، وكِيميائيًّا ماهِرًا، كذلك صَيدَلِيّةُ الكُرةِ الأَرضِيّةِ الَّتي تَضُمُّ أَكثَرَ مِن أَربعِ مِئةِ أَلفِ نَوعٍ مِنَ الأَحياءِ نَباتًا وحَيَوانًا، وكلُّ واحِدٍ مِنها في الحَقيقةِ بمَثابةِ زُجاجةِ مُستَحضَراتٍ كِيميائيّةٍ دَقيقةٍ، وقِنِّينةِ مَخالِيطَ حَيَويّةٍ عَجِيبةٍ؛ فهذه الصَّيدَلِيّةُ الكُبرَى تُرِي حتَّى للعُميانِ صَيدَليَّها الحَكيمَ ذا الجَلالِ، وتُعرِّفُ خالِقَها الكَريمَ سُبحانَه بدَرَجةِ كَمالِها وانتِظامِها وعَظَمَتِها، قِياسًا على تلك الصَّيدَليّةِ الَّتي في السُّوقِ، وَفْقَ مَقاييسِ عِلمِ الطِّبِّ الَّذي تَقرَؤُونَه.
ومَثلًا: كما أنَّ مَصْنعًا خارِقًا عَجِيبًا يَنسُجُ أُلُوفًا مِن أَنواعِ المَنسُوجاتِ المُتَنوِّعةِ، والأَقمِشةِ المُختَلِفةِ، مِن مادّةٍ بَسِيطةٍ جِدًّا، يُرِينا بلا شَكٍّ أنَّ وَراءَه مُهَندِسًا مِيكانِيكيًّا ماهِرًا، ويُعَرِّفُه لنا؛ كذلك هذه الماكِينةُ الرَّبّانيّةُ السَّيّارةُ المُسمَّاةُ بالكُرةِ الأَرضِيّةِ، وهذا
— 28 —
المَصنَعُ الإِلٰهِيُّ الَّذي فيه مِئاتُ الآلافِ مِن مَصانِعَ رَئيسِيّةٍ، وفي كلٍّ مِنها مِئاتُ الآلافِ مِنَ المَصانعِ المُتقَنةِ، يُعرِّفُ لنا بلا شَكٍّ صانِعَه، ومالِكَه، وَفْقَ مَقاييسِ عِلمِ المَكائنِ الَّذي تَقرَؤونَه، يُعرِّفُه بدَرَجةِ كَمالِ هذا المَصنَعِ الإِلٰهِيِّ وعَظَمَتِه، قِياسًا على ذلك المَصنَعِ الإِنسانِيِّ.
ومَثلًا: كما أنَّ حانُوتًا أو مَخزَنًا للإعاشةِ والأَرزاقِ، ومَحَلًّا عَظِيمًا للأَغذِيةِ والمَوادِّ، أُحضِرَ فيه مِن كلِّ جانِبٍ أَلفُ نوعٍ مِنَ المَوادِّ الغِذائيّةِ، ومُيِّز كلُّ نوعٍ عنِ الآخَرِ، وصُفِّفَ في مَحَلِّه الخاصِّ به، يُرِينا أنَّ له مالِكًا ومُدَبِّرًا؛ كذلك هذا المَخزَنُ الرَّحمانِيُّ للإِعاشةِ الَّذي يَسِيحُ في كلِّ سنةٍ مَسافةَ أَربَعةٍ وعِشرِين أَلفَ سنةٍ، في نِظامٍ دَقيقٍ مُتقَنٍ، والَّذي يَضُمُّ في ثَناياهُ مِئاتِ الآلافِ مِن أَصنافِ المَخلُوقاتِ الَّتي يَحتاجُ كلٌّ مِنها إلى نَوعٍ خاصٍّ مِنَ الغِذاءِ، والَّذي يَمُرُّ على الفُصُولِ الأَربعةِ فيَأْتِي بالرَّبيعِ كشاحِنةٍ مُحَمَّلةٍ بآلافِ الأَنواعِ مِن مُختَلِفِ الأَطعِمةِ، فيَأْتي بها إلى الخَلْقِ المَساكِينِ الَّذين نَفِدَ قُوتُهم في الشِّتاءِ..
تلك هي الكُرةُ الأَرضِيّةُ، والسَّفينةُ السُّبْحانيّةُ الَّتي تَضُمُّ آلافَ الأَنواعِ مِنَ البَضائعِ والأَجهِزةِ ومُعَلَّباتِ الغِذاءِ، فهذا المَخْزَنُ والحانُوتُ الرَّبّانِيُّ يُرِي یی وَفْقَ مَقاييسِ عِلمِ الإعاشةِ والتِّجارةِ الَّذي تَقرَؤُونَه یی صاحِبَه ومالِكَه ومُتَصرِّفَه بدَرَجةِ عَظَمةِ هذا المَخْزَنِ، قِياسًا على ذلك المَخْزَنِ المَصنُوعِ مِن قِبَلِ الإنسانِ، ويُعَرِّفُه لنا، ويُحَبِّبُه إلَينا.
ومَثلًا: لو أنَّ جَيشًا عَظِيمًا يَضُمُّ تحتَ لِوائِه أَربعَ مِئةِ أَلفِ نَوعٍ مِنَ الشُّعُوبِ والأُمَمِ، لكُلِّ جِنسٍ طَعامُه المُستَقِلُّ عنِ الآخَرِ، وما يَستَعمِلُه مِن سِلاحٍ يُغايِرُ سِلاحَ الآخَرِ، وما يَرتَدِيه مِن مَلابِسَ تَختَلِفُ عن أَلبِسةِ الآخَرِ، ونَمَطُ تَدرِيباتِه وتَعلِيماتِه يُبايِنُ الآخَرَ، ومُدّةُ عَمَلهِ وأَوقاتُ رُخَصِهِ هي غيرُ المُدّةِ للآخَرِ.. فقائدُ هذا الجَيشِ الَّذي يُزَوِّدُهم وَحدَه بالأَرزاقِ المُختَلِفةِ، والأَسلِحةِ المُتَبايِنةِ، والأَلبِسةِ المُتَغايِرةِ، دُونَ نِسيانِ أيٍّ مِنها ولا الْتِباسٍ ولا حَيرةٍ، لَهُو قائدٌ ذُو خَوارِقَ بلا رَيبٍ؛ فكَما أنَّ
— 29 —
هذا المُعَسْكَرَ العَجيبَ يُرِينا بَداهةً ذلك القائدَ الخارِقَ، بل يُحَبِّبُه إلَينا بكلِّ تَقديرٍ وإعجابٍ؛ كذلك مُعَسكَرُ الأَرضِ؛ ففي كلِّ رَبيعٍ يُجَنَّدُ مُجَدَّدًا جَيشٌ سُبحانِيٌّ عَظِيمٌ مُكَوَّنٌ مِن أَربعِ مِئةِ أَلفِ نَوعٍ مِن شُعُوبِ النَّباتاتِ وأُمَمِ الحَيَواناتِ، ويُمنَحُ لكلِّ نَوعٍ أَلبِسَتُه وأَرزاقُه وأَسلِحَتُه وتَدرِيبُه ورُخَصُه الخاصّةُ به، مِن لَدُنْ قائدٍ عَظيمٍ واحِدٍ أَحَدٍ جلَّ وعلا، بلا نِسيانٍ لِأَحَدٍ ولا اختِلاطٍ ولا تَحَيُّرٍ وفي مُنتَهَى الكَمالِ وغايةِ الِانتِظامِ.. فهذا المُعَسكَرُ الشّاسِعُ الواسِعُ للرَّبيعِ المُمتَدِّ على سَطحِ الأَرضِ يُرِي یی لِأُولِي الأَلبابِ والبَصائرِ یی حاكِمَ الأَرضِ حَسَبَ العُلُومِ العَسكَريّةِ ورَبَّها ومُدَبِّرَها، وقائِدَها الأَقدَسَ الأَجَلَّ، ويُعَرِّفُه لهم، بدَرَجةِ كَمالِ هذا المُعَسكَرِ المَهِيبِ، ومَدَى عَظَمَتِه، قِياسًا إلى ذلك المُعَسكَرِ المَذكُورِ، بل يُحبِّبُ مَلِيكَه سُبحانَه بالتَّحمِيدِ والتَّقديسِ والتَّسبِيحِ.
ومَثلًا: هَبْ أنَّ مَلايينَ المَصابيحِ الكَهْرَبائيّةِ تَتَجوَّلُ في مَدينةٍ عَجيبةٍ دُونَ نَفَادٍ للوَقُودِ ولا انطِفاءٍ، ألا تُرِي بإعجابٍ وتَقدِيرٍ أنَّ هناك مُهَندِسًا حاذِقًا، وكَهرَبائيًّا بارِعًا لِمَصنَعِ الكَهرَباءِ، ولتلك المَصابِيحِ؟.. فمَصابِيحُ النُّجُومِ المُتَدلِّيةُ مِن سَقْفِ قَصرِ الأَرضِ وهي أَكبَرُ مِنَ الكُرةِ الأَرضِيّةِ نَفسِها بأُلُوفِ المَرّاتِ حَسَبَ عِلمِ الفَلَكِ، وتَسِيرُ أَسرَعَ مِنِ انطِلاقِ القَذيفةِ، مِن دُونِ أن تُخِلَّ بنِظامِها، أو تَتَصادَمَ معَ بَعضِها مُطلَقًا ومِن دُونِ انطِفاءٍ، ولا نَفَادِ وَقُودٍ وَفْقَ ما تَقرَؤُونَه في عِلمِ الفَلَكِ..
هذه المَصابيحُ تُشِيرُ بأَصابعَ مِن نُورٍ إلى قُدرةِ خالِقِها غيرِ المَحدُودةِ. فشَمسُنا مثَلًا وهي أَكبَرُ بمِليُونِ مَرّةٍ مِن كُرَتِنا الأَرضِيّةِ، وأَقدَمُ مِنها بمِليُونِ سنةٍ، ما هي إلَّا مِصباحٌ دائمٌ، ومَوقِدٌ مُستَمِرٌّ لدارِ ضِيافةِ الرَّحمٰنِ.. فلِأَجلِ إدامةِ اتِّقادِها واشتِعالِها وتَسجِيرِها كلَّ يومٍ يَلزَمُ وَقُودٌ بقَدْرِ بِحارِ الأَرضِ، وفَحْمٌ بقَدْرِ جِبالِها، وحَطَبٌ بقَدْرِ أَضعافِ أَضعافِ حَجْمِ الأَرضِ، ولكِنَّ الَّذي يُشعِلُها یی ويُشعِلُ جَميعَ النُّجُومِ الأُخرَى أَمثالِها یی بلا وَقُودٍ ولا فَحْمٍ ولا زَيتٍ ودُونَ انطِفاءٍ، ويُسَيِّرُها بسُرعةٍ عَظيمةٍ معًا دُونَ اصطِدامٍ، إنَّما هي قُدرةٌ لا نِهايةَ لها وسَلطَنةٌ عَظيمةٌ لا حُدُودَ لها.. فهذا الكَونُ العَظيمُ وما فيه مِن مَصابِيحَ مُضِيئةٍ وقَنادِيلَ مُتَدلِّيةٍ، يُبيِّنُ بوُضُوحٍ یی وَفْقَ مَقاييسِ عِلمِ الكَهرَباءِ
— 30 —
الَّذي قَرَأتُمُوه أو ستَقرَؤُونه یی سُلطانَ هذا المَعرِضِ العَظيمِ والمَهرَجانِ الكَبِيرِ، ويُعرِّفُ مُنوِّرَه ومُدَبِّرَه البَديعَ وصانِعَه الجَليلَ، بشَهادةِ هذه النُّجُومِ المُتَلألِئةِ، ويُحَبِّبُه إلى الجَميعِ بالتَّحمِيدِ والتَّسبِيحِ والتَّقدِيسِ، بل يَسُوقُهم إلى عِبادَتِه سُبحانَه.
ومثلًا: لو كان هُناكَ كِتابٌ كُتِبَ في كلِّ سَطرٍ مِنه كِتابٌ بخَطٍّ دَقيقٍ، وكُتِبَ في كلِّ كَلِمةٍ مِن كَلِماتِه سُورةٌ قُرآنيّةٌ، وكانَت جَميعُ مَسائلِه ذاتَ مَغزًى ومَعنًى عَميقٍ، وكُلُّها يُؤيِّدُ بَعضُه بعضًا، فهذا الكِتابُ العَجِيبُ يُبيِّنُ بلا شَكٍّ مَهارةَ كاتِبِه الفائقةَ، وقدُرةَ مُؤَلِّفِه الكامِلةَ؛ أي: إنَّ مِثلَ هذا الكِتابِ يُعرِّفُ كاتِبَه ومُصَنِّفَه تَعرِيفًا يُضاهِي وُضُوحَ النَّهارِ، ويُبيِّنُ كَمالَه وقُدرَتَه، ويُثيرُ مِنَ الإعجابِ والتَّقدِيرِ لَدَى النّاظِرين إلَيه ما لا يَملِكُون معَه إلَّا تَردِيدَ: تَبارَكَ اللهُ! سُبحانَ اللهِ! ما شاءَ اللهُ! مِن كَلِماتِ الِاستِحسانِ والإعجابِ؛ كذلك هذا الكِتابُ الكَبيرُ للكَونِ الَّذي يُكتَبُ في صَحيفةٍ واحِدةٍ مِنه، وهي سَطحُ الأَرضِ، ويُكتَبُ في مَلزَمةٍ واحِدةٍ مِنه، وهي الرَّبيعُ، ثلاثُ مِئةِ أَلفِ نَوعٍ مِنَ الكُتُبِ المُختَلِفةِ، وهي طَوائفُ الحَيَواناتِ وأَجناسُ النَّباتاتِ، كلٌّ مِنها بمَثابةِ كِتابٍ.. يُكتَبُ كلُّ ذلك معًا ومُتَداخِلًا بعضُه ببعضٍ بلا اختِلاطٍ ولا خَطَأٍ ولا نِسيانٍ، وفي مُنتَهَى الِانتِظامِ والكَمالِ، بل يُكتَبُ في كلِّ كَلِمةٍ مِنه كالشَّجَرةِ، قَصيدةٌ كامِلةٌ رائعةٌ، وفي كلِّ نُقطةٍ مِنه كالبِذرةِ، فِهرِسُ كِتابٍ كامِلٍ.
فكما أنَّ هذا مُشاهَدٌ وماثِلٌ أَمامَنا، ويُرِينا بالتَّأكِيدِ أنَّ وَراءَه قَلَمًا سيَّالًا يُسَطِّر، فلَكُم إذًا أن تُقَدِّرُوا مَدَى دَلالةِ كِتابِ الكَونِ الكَبِيرِ العَظيمِ الَّذي في كلِّ كَلِمةٍ مِنه مَعانٍ جَمّةٌ وحِكَمٌ شَتَّى، ومَدَى دَلالةِ هذا القُرآنِ الأَكبَرِ المُجَسَّمِ یی وهو العالَمُ یی على بارِئِه سُبحانَه، وعلى كاتِبِه جلَّ وعلا، قِياسًا إلى ذلك الكِتابِ المَذكُورِ في المِثالِ.. وذلك بمُقتَضَى ما تَقرَؤُونَه مِن عِلمِ حِكمةِ الأَشياءِ أو فَنِّ القِراءةِ والكِتابةِ، وتَناوُلِه بمِقياسٍ أَكبَرَ، وبالنَّظرةِ الواسِعةِ إلى هذا الكَونِ الكَبيرِ؛ بل تَفهَمُون كيفَ يُعرِّفُ الخالقَ العَظيمَ بی"اللهُ أَكبَرُ"، وكيفَ يُعلِّمُ التَّقديسَ بی"سُبحانَ الله!" وكيفَ يُحَبِّبُ اللهَ سُبحانَه إلَينا بثَناءِ "الحَمدُ للهِ".
— 31 —
وهكذا، فإنَّ كلَّ عِلمٍ مِنَ العُلُومِ العَديدةِ جِدًّا، يَدُلُّ على خالِقِ الكَونِ ذِي الجَلالِ یی قِياسًا على ما سَبَق یی ويُعرِّفُه لنا سُبحانَه بأَسمائِه الحُسنَى، ويُعَلِّمُه إيّانا بصِفاتِه الجَليلةِ وكَمالاتِه، وذلك بما يَملِكُ مِن مَقاييسَ واسِعةٍ، ومَرايا خاصّةٍ، وعُيُونٍ حادّةٍ باصِرةٍ، ونَظَراتٍ ذاتِ عِبرةٍ.
فقُلتُ لأُولئك الطَّلَبةِ الشَّبابِ: إنَّ حِكمةَ تَكرارِ القُرآنِ الكَريمِ مِن: خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ و رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إنَّما هي لِأَجلِ الإِرشادِ إلى هذه الحَقيقةِ المَذكُورةِ، وتَلقينِ البُرهانِ الباهِرِ للتَّوحِيدِ، ولِأَجلِ تَعرِيفِنا بخالِقِنا العَظيمِ سُبحانَه.
فقالُوا: شُكرًا لِرَبِّنا الخالِقِ بغَيرِ حَدٍّ، على هذا الدَّرسِ الَّذي هو الحَقيقةُ السّامِيةُ عَينُها، فجَزاكَ اللهُ عنّا خَيرَ الجَزاءِ ورَضِيَ عنك.
قلتُ: إنَّ الإنسانَ ماكِينةٌ حَيَويّةٌ، يَتَألَّمُ بآلافِ الأَنواعِ مِنَ الآلامِ، ويَتَلذَّذُ بآلافِ الأَنواعِ مِنَ اللَّذائذِ، ومع أنَّه في مُنتَهَى العَجزِ، فإنَّ له مِنَ الأَعداءِ ما لا يُحَدُّ، سَواءٌ المادِّيُّونَ أوِ المَعنَوِيُّون؛ ومع أنَّه في غايةِ الفَقرِ، فإنَّ له رَغَباتٍ باطِنةً وظاهِرةً لا تُحصَرُ، فهو مَخلُوقٌ مِسكِينٌ يَتَجرَّعُ آلامَ صَفَعاتِ الزَّوالِ والفِراقِ باستِمرارٍ.. فرَغمَ كلِّ هذا، فإنَّه يَجِدُ بانتِسابِه إلى السُّلطانِ ذِي الجَلالِ بالإيمانِ والعُبُوديّةِ، مُستَنَدًا قَوِيًّا، ومُرتَكَزًا عَظيمًا يَحتَمِي إلَيه في دَفعِ أعدائِه كافّةً، ويَجِدُ فيه كذلك مَدارَ استِمدادٍ يَستَغِيثُ به لِقَضاءِ حاجاتِه وتَلبِيةِ رَغَباتِه وآمالِه كافّةً، فكَما يَنتَسِبُ كلٌّ إلى سَيِّدِه ويَفخَرُ بشَرَفِ انتِسابِه إلَيه، ويَعتَزُّ بمَكانةِ مَنزِلَتِه لَدَيه، كذلك فإنَّ انتِسابَ الإنسانِ بالإيمانِ إلى القَديرِ الَّذي لا نِهايةَ لِقُدرَتِه، وإلى السُّلطانِ الرَّحيمِ ذِي الرَّحمةِ الواسِعةِ، ودُخُولَه في عُبُودِيَّتِه، بالطّاعةِ والشُّكرانِ، يُبَدِّلُ الأَجَلَ والمَوتَ مِنَ الإعدامِ الأَبَدِيِّ إلى تَذكِرةِ مُرُورٍ ورُخصةٍ إلى العالَمِ الباقي!. فلَكُم أن تُقَدِّروا كم يكُونُ هذا الإنسانُ مَتَلَذِّذًا بحَلاوةِ العُبُوديّةِ بينَ يَدَيْ سَيِّدِه، ومُمتَنًّا بالإيمانِ الَّذي يَجِدُه في قَلبِه، وسَعيدًا بأَنوارِ الإسلامِ، ومُفتَخِرًا بسَيِّدِه القَديرِ الرَّحيمِ، شاكِرًا له نِعمةَ الإيمانِ والإسلامِ.
— 32 —
ومِثلَما قُلتُ ذلك لإخواني الطَّلَبةِ، أَقُولُ كذلك للمَسجُونِين:
إنَّ مَن عَرَف اللهَ وأطاعَه سَعيدٌ ولو كان في غَياهِبِ السِّجنِ، ومَن غَفَلَ عنه ونَسِيَه شَقِيٌّ ولو كان في قُصُورٍ مُشَيَّدةٍ.. فلقد صَرَخ مَظلُومٌ ذاتَ يومٍ بوَجهِ الظّالِمِين وهو يَعتَلِي مِنَصّةَ الإعدامِ فَرِحًا جَذِلًا وقائلًا:
إنَّني لا أَنتَهِي إلى الفَناءِ ولا أُعدَمُ، بل أُسَرَّحُ مِن سِجنِ الدُّنيا طَلِيقًا إلى السَّعادةِ الأَبَديّةِ، ولكِنِّي أَراكُم أَنتُم مَحكُومًا علَيكم بالإعدامِ الأَبَديِّ لِأنَّكم تَرَون المَوتَ فَناءً وعَدَمًا، فأنا إذًا قد ثَأَرْتُ لِنَفسِي مِنكم. فَسَلَّم رُوحَه وهو قَريرُ العَينِ يُردِّدُ: «لا إِلٰهَ إلَّا اللهُ».
سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
— 33 —

المسألة السابعة

(ثَمَرةٌ أَينَعَت في يوم جُمُعة من أيّام سِجنِ دَنِيزْلي)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ
مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ
فَانْظُرْ إِلَى آَثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
كُنتُ قد أَلقَيتُ ذاتَ يومٍ دَرسًا في "قَسطَمُوني" بلُغةِ العُلُومِ المَدْرَسيّةِ على بعضِ طَلَبةِ الثّانَوِيّةِ الَّذين جاؤُوا يَسأَلونَني: "عَرِّفْنَا بخالِقِنا" كما جاءَ في "المَسأَلةِ السَّادِسةِ" المَذكُورةِ آنِفًا، واطَّلَع علَيها بعضُ مَنِ استَطاعَ الِاتِّصالَ معي مِنَ المَسجُونِين في "دَنِيزْلي"، فحَصَل لَدَيهم مِنَ الِاطمِئنانِ الإيمانِيِّ والقَناعةِ التّامّةِ ما جَعَلَهم يَستَشعِرُون شَوقًا غامِرًا نحوَ الآخِرةِ، فبادَرُوا بالقَولِ: "عَلِّمْنا آخِرَتَنا أيضًا عِلْمًا كامِلًا، لا تُضِلُّنا بعدَه أَنفُسُنا وشَياطِينُ العَصْرِ، فتُلقيَ بنا إلى مِثلِ هذه السُّجُونِ!".
ونُزُولًا عندَ طَلَبِ هؤلاء وإسعافًا لِحاجةِ طَلَبةِ رَسائلِ النُّورِ في سِجنِ "دَنِيزْلي" وللرَّغبةِ المُلِحّةِ مِن أُولئك الَّذين طالَعُوا "المَسأَلةَ السّادِسةَ"، فقد رَأَيتُ لِزامًا علَيَّ أن أُبيِّنَ خُلاصةً مُوجَزةً عنِ الرُّكنِ الإيمانِيِّ المُهِمِّ: "الآخِرة".
فأَقُولُ مُلَخِّصًا مِن رَسائلِ النُّورِ: كما أنَّنا سَأَلْنا في "المَسأَلةِ السّادِسةِ" الأَرضَ والسَّماواتِ عن خالِقِنا سُبحانَه وتَعالَى، فأَجابَتْنا بلِسانِ العُلُومِ الحاضِرةِ بما عَرَّفَنا بخالِقِنا الكَريمِ مَعرِفةً واضِحةً وُضُوحَ الشَّمسِ، فسنَسأَلُ كذلك أَوَّلًا رَبَّنا الَّذي عَرَفْناه
— 34 —
يَقِينًا عن آخِرَتِنا، ثمَّ نَسألُ رَسُولَنا الأَعظمَ (ص) ثمَّ قُرآنَنا الكَريمَ، ثمَّ سائرَ الأَنبِياءِ عَلَيهِم السَّلَام، والكُتُبَ المُقدَّسةَ، ثمَّ المَلائكةَ، ثمَّ الكائناتِ.
فها نحن أُولاء في أُولَى المَراتبِ.. نَسأَلُ اللهَ سُبحانَه وتَعالَى عنِ "الآخِرةِ" فيُخاطِبُنا جلَّ وعلا بجَميعِ أَوامِرِه وبجَميعِ رُسُلِه الكِرامِ، وبجَميعِ أسمائه الحُسنَى، وبجَميعِ صِفاتِه الجَليلةِ، قائلًا لنا: الآخِرةُ لا رَيبَ فيها، وأنتُم مُساقُون إلَيها.. وحيثُ إنَّ "الكَلِمةَ العاشِرةَ" قد أَثبَتَتِ الآخِرةَ باثنَتَيْ عَشْرةَ حَقيقةً قاطِعةً ناصِعةً، وأَوْضَحَتْها بدَلالةِ قِسمٍ مِنَ الأَسماءِ الحُسنَى؛ لذا نُشيرُ هنا إشارةً مُختَصَرةً إلى تلك الدَّلالاتِ، مُكتَفِين بذلك الإيضاحِ.
نعم، إنَّه ليس هناك سُلطانٌ عَظيمٌ دونَ أن يكُونَ له ثَوابٌ للمُطيعين وعِقابٌ للعاصِين، فلا بُدَّ مِن أنَّ السُّلطانَ السَّرمَدِيَّ یی وهو في عَلْياءِ الرُّبُوبيّةِ المُطلَقةِ یی له ثَوابٌ للمُنتَسِبين إلَيه بالإيمانِ والمُستَسلِمين لأَوامِرِه بالطّاعةِ، وعِقابٌ للَّذين أَنكَرُوا عَظَمتَه وعِزَّتَه بالكُفرِ والعِصيانِ.. ولا بُدَّ مِن أنَّ ذلك الثَّوابَ سيَكُون لائقًا برَحمَتِه وجَمالِه، وذلك العِقابَ سيَكُونُ مُلائمًا لعِزَّتِه وجَلالِه.
وبهذا يُجِيبُنا اسمُ «السُّلطانُ الدَّيّانُ» و «رَبُّ العالَمِين» عن سُؤالِنا حَولَ الآخِرةِ.
ثمَّ إنَّنا نَرَى بأَعيُنِنا رُؤيةً واضِحةً وُضُوحَ الشَّمسِ أنَّ رَحمةً عامّةً ورَأفةً مُحِيطةً وكَرَمًا شامِلًا سابِغًا على وَجهِ الأَرضِ، فما إن يَحُلُّ الرَّبيعُ الزّاهي حتَّى تَرَى الرَّحمةَ تُزيِّنُ الأَشجارَ والنَّباتاتِ المُثمِرةَ، وتُلبِسُها ثِيابًا خُضْرًا كأَنَّها حُورُ الجَنّةِ، وتُسَلِّمُ إلى أَيدِيها أَنواعًا مُختَلِفةً مِن ثِمارٍ شَتَّى، وتُقَدِّمُها إلَينا قائلةً: "هاكُم.. كُلُوا وتَفَكَّهُوا.."، وتَراها تُطعِمُنا عَسَلًا مُصَفًّى شافيًا لَذيذًا بأَيدِي حَشَرةٍ سامّةٍ! وتُلبِسُنا حَريرًا ناعِمًا تَنسُجُه حَشَرةٌ بلا يَدٍ! وتَدَّخِرُ في حَفنةٍ مِن بُذَيراتٍ وحُبُوبٍ آلافَ الأَطنانِ مِنَ الغِذاءِ وتُحَوِّلُها إلى كُنُوزٍ احتِياطيّةٍ لنا.. فالَّذي له هذه الرَّحمةُ الواسِعةُ، وله هذه الرَّأفةُ العامَّةُ والكَرَمُ السَّابِغُ، لا رَيبَ أنَّه لن يُفنيَ ولن يُعدِمَ عِبادَه المُؤمِنين المَحبُوبين لَدَيه، أُولئك الَّذين رَبَّاهم ومَنَّ علَيهم، وكَرَّمَهم إلى هذه الدَّرَجةِ مِنَ اللُّطفِ والرِّفقِ والعِنايةِ.. بل سيُنهي وَظيفَتَهم في الحَياةِ الدُّنيا لِيُهيِّئَهم لِرَحَماتٍ أَوسَعَ وأَعظَمَ.
— 35 —
وبهذا يُجِيبُنا اسمُ اللهِ «الرَّحمٰنُ» و «الكَريمُ» مِنَ الأَسماءِ الحُسنَى عن سُؤالِنا حَولَ الآخِرةِ، قائلَينِ لنا: «الجَنّةُ حَقٌّ».
ثمَّ إنَّنا نَرَى أنَّ وَظائفَ المَخلُوقاتِ تُنسَجُ على مِنوالِ الحِكمةِ وتُكالُ بمِيزانِ العَدْلِ، وهما مِنَ الدِّقّةِ والحَساسِيّةِ بحيثُ لا يَتَصوَّرُ الإنسانُ أَفضلَ مِنهما.. فنَرَى الحِكمةَ الأَزَليّةَ قد وَهَبَت للإنسانِ قُوّةَ حافِظةٍ كحَبّةِ الخَردَلِ حَجمًا، وكَتَبَت فيها تَفاصِيلَ حَياتِه وما يَمَسُّه مِن أَحداثٍ لا تُعَدُّ، وكأنَّها مَكتَبةٌ وثائقِيّةٌ مُصغَّرةٌ جِدًّا، ووَضَعَتْها في زاوِيةٍ مِن دِماغِه، لتُذَكِّرَه دَوْمًا بيَومِ الحِسابِ، يومَ يُنشَرُ ما فيها مِن صَحائفِ الأَعمالِ.
ونَرَى العَدالةَ المُطلَقةَ تَضَعُ كلَّ عُضوٍ مِنَ الكائنِ الحَيِّ في مَوضِعِه اللّائقِ به، وتُنَسِّقُه بمَوازِينَ دَقيقةٍ حَسّاسةٍ، ابتِداءً مِن مَيكرُوبٍ صَغيرٍ إلى كَرْكَدنٍّ ضَخْمٍ، ومِن نَحلٍ ضَعيفٍ إلى نَسْرٍ مَهِيبٍ، ومِن زَهرةٍ لَطيفةٍ إلى رَبيعٍ زاهٍ بمَلايينَ مِنَ الأَزهارِ.. ونَراها تَمنَحُ كلَّ عُضوٍ تَناسُقًا لا عَبَثَ فيه، ومُوازَنةً لا نَقْصَ فيها، وانتِظامًا لا تَرَى فيه إلَّا الإبداعَ، كلُّ ذلك ضِمنَ جَمالٍ زاهِرٍ وحُسنٍ باهِرٍ حتَّى تَغدُوَ المَخلُوقاتُ نَماذِجَ مُجسَّمةً للإبداعِ والإتقانِ والجَمالِ.. فضلًا عن أنَّها تَهَبُ لكلِّ ذي حَياةٍ حَقَّ الحَياةِ؛ فتُيَسِّرُ له سُبُلَ الحَياةِ، وتَنصِبُ له مَوازِينَ عَدالةٍ فائقةٍ؛ فجَزاءُ الحَسَنةِ حَسَنةٌ مِثلُها، وجَزاءُ السَّيِّئةِ سَيِّئةٌ مِثلُها.. وفي الوَقتِ نَفسِه تُشعِرُ قُوَّتَها وسَرمَدِيَّتَها بما تُنزِلُ مِن عذابٍ مُدَمِّرٍ على الطُّغاةِ والظّالِمين مُنذُ عَهدِ آدَمَ عَلَيهِ السَّلَام.. فكما لا تكُونُ الشَّمسُ دُونَ نَهارٍ، فتلك الحِكمةُ الأَزَليّةُ، وتلك العَدالةُ السَّرمَدِيّةُ لن تَتَحقَّقا تَحَقُّقًا كُلِّيًّا إلَّا بحَياةٍ أُخرَى خالِدةٍ، لذا لن تَرْضَيا أَبدًا ولن تَسمَحا بحالٍ مِنَ الأَحوالِ بنِهايةٍ لا عَدالةَ فيها ولا حِكمةَ ولا إحقاقَ حَقٍّ، تلك هي المَوتُ الَّذي لا بَعْثَ بعدَه، والَّذي يَتَساوَى فيه الظّالِمُون العُتاةُ مع المَظلُومين البائِسِين! فلا بُدَّ إذًا أن تكُونَ وَراءَه حَياةٌ أُخرَى خالدةٌ كي تَستكمِلَ الحِكمةُ والعَدالةُ حَقيقَتَهما.
وبهذا يُجيبُنا إجابةً قاطِعةً اسمُ اللهِ «الحَكِيمُ» و «الحَكَمُ» و «العَدْلُ» و «العادِلُ» مِنَ الأَسماءِ الحُسنَى عن سُؤالِنا حَولَ الآخِرةِ.
— 36 —
ثمَّ إنَّنا نَرَى أنَّ كلَّ كائنٍ حَيٍّ تُوَفَّرُ له حاجاتُه الَّتي ليس في طَوْقِه الحُصُولُ علَيها، وتُستَجابُ جَميعُ مَطاليبِه الَّتي يَسأَلُها یی بنَوعٍ مِن دُعاءٍ یی سواءٌ بلِسانِ حاجاتِه الضَّروريّةِ، أو بلُغةِ استِعداداتِه الفِطريّةِ، وتُسَلَّم إلَيه في أَنسَبِ وَقتٍ وأَفضلِه مِن لَدُن يَدِ رَحيمٍ واسِعِ الرَّحمةِ، وسَميعٍ مُطلَقِ السَّمعِ، ورَؤُوفٍ شاملِ الرَّأفةِ.. وتُستَجابُ أيضًا أَغلَبُ دَعَواتِ الإنسانِ الإراديّةِ، ولا سِيَّما دَعَواتُ الأَصفِياءِ مِنَ النّاسِ، وبخاصّةٍ دَعَواتِ الأَنبياءِ عَلَيهِم السَّلَام الَّتي يُستَجابُ أَغلَبُها استِجابةً خارِقةً للعادةِ، فتلك الِاستِجاباتُ تُفَهِّمُنا يَقينًا أنَّ وَراءَ الحِجابِ "سَمِيعًا مُجِيبًا" يَسمَعُ آهاتِ كلِّ ذِي مُصِيبةٍ، وأنَّاتِ كلِّ ذِي داءٍ، ويُصغي إلى دُعاءِ كلِّ مُحتاجٍ، ويَرَى أَدنَى حاجةٍ لِأَصغَرِ مَخلُوقٍ ويَسمَعُ أَخفَى أَنينٍ لِأَضعَفِ كائنٍ، فيَشمَلُه برَأفَتِه ويُسعِفُه فِعلًا فيُرضيه.. فما دامَ الأَمرُ هكذا، فإنَّ دُعاءً للسَّعادةِ الأُخرَوِيّةِ والبَقاءِ والخُلُودِ یی وهو أَفضَلُ دُعاءٍ وأَعَمُّه ويَمَسُّ جَميعَ الكائناتِ ويَرتَبِطُ بجَميعِ الأَسماءِ الحُسنَى وبجَميعِ الصِّفاتِ الجَليلةِ یی هذا الدُّعاءُ يَسأَلُه أَفضَلُ مَخلُوقٍ وهو الإنسانُ، ويَضُمُّه ضِمنَ أَدعِيَتِه أَعظَمُ عَبدٍ وأَحَبُّه إلى اللهِ، ذلك هو الرَّسولُ الأَعظَمُ (ص)، وهو إمامُ الأَنبِياءِ عَلَيهِم السَّلَام الَّذين هم شُمُوسُ البَشَرِيّةِ ورُوَّادُها فيُؤَمِّنون على دُعائه هذا، بل يُؤَمِّن على دُعائه بصَلَواته علَيه يَومِيًّا كلُّ مُؤمِنٍ مِن أُمَّتِه عِدّةَ مَرّاتٍ في الأَقَلِّ، بل تَشتَرِكُ جَميعُ المَخلُوقاتِ في دُعائه قائلةً: "استَجِبْ يا رَبَّنا دُعاءَه، فنحنُ نَتَوسَّلُ بك ونَتَضرَّعُ إلَيك مِثلَه"..
فمِثلُ هذا الدُّعاءِ الشّامِلِ للخُلُودِ والسَّعادةِ الأَبَديّةِ، مِن مِثلِ هذا الرَّسولِ الحَبيبِ (ص) وضِمنَ هذه الشُّرُوطِ الَّتي لا تُرَدُّ، لا شَكَّ مُطلَقًا أنَّه وَحدَه مُبَرِّرٌ كافٍ وسَبَبٌ وافٍ لإيجادِ الجَنّةِ الخالِدةِ وإحداثِ الآخِرةِ مِن بينِ أَسبابٍ لا تُعَدُّ ولا تُحصَى مُوجِبةٍ لإيجادِها.. فَضْلًا عن أنَّ إيجادَها سَهلٌ على قُدرَتِه سُبحانَه وهَيِّنٌ علَيها كإيجادِ الرَّبيعِ وخَلقِه.
وهكذا يُجِيبُنا اسمُ اللهِ «المُجِيبُ» و «السَّميعُ» و «الرَّحيمُ» مِنَ الأَسماءِ الحُسنَى عن سُؤالِنا حَولَ الآخِرةِ.
ثمَّ إنَّ ما في تَبَدُّلِ المَواسِمِ مِن مَظاهِرِ المَوتِ ومَشاهِدِ البَعثِ على الأَرضِ كافّةً يَدُلُّ دَلالةً واضِحةً كدَلالةِ النَّهارِ على الشَّمسِ على أنَّ وَراءَ الحِجابِ رَبًّا يُدِيرُ الأَرضَ
— 37 —
الهائلةَ في غايةِ الِانتِظامِ وفي مُنتَهَى السُّهُولةِ، كإدارةِ حَديقةٍ صَغيرةٍ بل كإدارةِ شَجَرةٍ واحِدةٍ وبانتِظامِها، ويُدِيرُ الرَّبيعَ الشّاسِعَ ويُزَيِّنُه بسُهولةِ إدارةِ زَهرةٍ واحِدةٍ وبزِينَتِها المَوزُونةِ، ويُسَطِّرُ على صَحيفةِ الأَرضِ ثَلاثَ مِئةِ أَلفٍ مِن طَوائفِ النَّباتاتِ والحَيَواناتِ الَّتي هي بمَثابةِ ثَلاثِ مِئةِ أَلفِ كِتابٍ يَعرِضُ نَماذِجَ الحَشرِ وأَمثِلةَ النُّشُورِ.
فهذا الرَّبُّ القَديرُ الَّذي يَكتُبُ هذه النَّماذِجَ المُتداخِلةَ دُونَ تَحَيُّرٍ ولا لَبْسٍ، ودُونَ سَهْوٍ ولا خَطَأٍ وبإتقانٍ وانتِظامٍ وبمَعانٍ بَلِيغةٍ رَغمَ تَشابُكِها وتَشابُهِها وتَماثُلِها، يُظهِرُ ضِمنَ جَلالِ العَظَمةِ قُدرةً فاعِلةً رَحيمةً حَكيمةً، فهو سُبحانَه يَشمَلُ الوُجُودَ برَحمَتِه وحِكمَتِه هذه، فيَهَبُ للإنسانِ مَقامًا سامِيًا ويُسَخِّر له الكَونَ الضَّخمَ ويَجعَلُه مَسكَنًا ومَهْدًا له، ثمَّ يُنَصِّبُه خَلِيفةً في الأَرضِ ويُحَمِّلُه الأَمانةَ الكُبرَى الَّتي أَبَتِ السَّماواتُ والأَرضُ والجِبالُ أن يَحمِلْنَها، ويُفَضِّلُه على سائرِ المَخلُوقاتِ، ويُشَرِّفهُ بكَلامِه الرَّبّانِيِّ وبخِطابِه السُّبحانِيِّ وبمُوالاته إيّاه، فَضْلًا عن أنَّه قد قَطَع على نَفسِه عَهْدًا، ووَعَد هذا الإنسانَ وَعْدًا في جَميعِ كُتُبِه المُنزَّلةِ، أنَّه سيُخَلِّدُه بالسَّعادةِ الأَبَديّةِ والبَقاءِ الأُخرَوِيِّ.. فلا رَيبَ أنَّه سيَفتَحُ له أَبوابَ سَعادةٍ دائمةٍ، وسيُحدِثُ الحَشرَ والقِيامةَ حَتْمًا وهو أَهوَنُ علَيه مِنَ الرَّبيعِ نَفسِه.
وبهذا يُجِيبُنا اسمُ اللهِ «المُحيِي» و «المُمِيتُ» و «الحَيُّ» و «القَيُّومُ» و «القَدِيرُ» و «العَلِيمُ» عن سُؤالِنا حَولَ الآخِرةِ.
حَقًّا إنَّ القُدرةَ الإِلٰهيّةَ الَّتي تُحيِي أُصُولَ الأَشجارِ والأَعشابِ كافّةً في كلِّ رَبيعٍ، وتُوجِدُ نَماذِجَ ثلاثِ مِئةِ أَلفِ نَوعٍ مِن حَشْرٍ ونَشرٍ في الحَيَواناتِ والنَّباتاتِ كافّةً، بل تُظهِرُ أَلفَ مِثالٍ للحَشرِ والنُّشُورِ وأَلفَ دَليلٍ علَيه في أَلفَيْ رَبيعٍ، (حاشية): إنَّ كلَّ ربيعٍ يُقبِلُ هو بحُكمِ حَشرٍ للرَّبيع السابقِ الَّذي قامَت قيامتُه وانتَهَت حياتُه. عندَما يُنظَرُ خَيالًا إلى أَلفِ سنةٍ مِنَ السِّنينَ الَّتي قَضاها كلٌّ مِن أُمّةِ مُحمَّدٍ ومُوسَى عَلَيهِمَا السَّلَام وقُوبِلا معًا! فكيف يُستَبعَدُ بَعثُ الأَجسادِ والحَشرِ الجِسمانِيِّ مِن هذه القُدرةِ المُطلَقةِ؟ ألَيسَ استِبعادُه عَمًى ما بَعدَه عَمًى؟!
— 38 —
ثمَّ إنَّ مِئةً وأَربعةً وعِشرِين أَلفًا مِن أَفضَلِ بَني آدَمَ وهُمُ الأَنبِياءُ عَلَيهِم السَّلَام، قد أَعلَنُوا السَّعادةَ الأَبَدِيّةَ وخُلُودَ الآخِرةِ، مُتَّفِقين مُستَنِدين إلى آلافِ الوُعُودِ والعُهُودِ الَّتي قَطَعَها اللهُ سُبحانَه وتَعالَى على نَفسِه، وأَثبَتُوا صِدقَهم بمُعجِزاتِهمُ الباهِرةِ؛ وأنَّ ما لا يُحصَرُ مِن أَولياءِ اللهِ الصَّالِحِين يُصَدِّقُون الحَقيقةَ نفسَها بالكَشْفِ والذَّوقِ.
فلا بُدَّ أنَّ تلك الحَقيقةَ ظاهِرةٌ ظُهُورَ الشَّمسِ في رابِعةِ النَّهارِ، فمَن شَكَّ فيها فقد حُرِمَ العَقلَ، لأنَّ حُكمَ مُتَخصِّصٍ واحِدٍ أو اثنَينِ في عِلمٍ أو مَهنةٍ في مَسأَلةٍ ضِمنَ اختِصاصِه، يُسقِطُ مِنَ الِاعتِبارِ قِيمةَ آراءِ وأَفكارِ أَلفِ مُعارِضٍ غيرِ مُتَخصِّصٍ في ذلك العِلمِ أوِ المَهنةِ ولو كانُوا أُولي اختِصاصٍ في عُلُومٍ أُخرَى.. وأنَّ حُكمَ اثنَينِ مِن شُهُودِ الإثباتِ في مَسأَلةٍ يُرَجَّحُ على آلافٍ مِنَ المُنكِرِين أوِ النّافِين للمَسأَلةِ، كما هو في رُؤيةِ هِلالِ رَمَضانَ في يومِ الشَّكِّ، أوِ ادِّعاءِ وُجُودِ مَزارِعِ جَوزِ الهِندِ الشَّبِيهةِ بعُلَبِ الحَلِيبِ في الأَرضِ؛ ذلك لأن المُثبِت يَكسِبُ القَضِيّةَ بمُجَرَّدِ الإشارةِ إلَيها أو إبرازِ جَوزِ الهِندِ أو بَيانِه لِمَكانِه..
أمَّا النَّافي الَّذي يُنكِرُ وُجُودَه فإنَّه لا يَستَطِيعُ أن يُثبِتَ دَعواه إلّا إذا جاسَ وجالَ في أَنحاءِ العالَمِ كُلِّه وتَحَرَّى دَعواه في الأَمكِنةِ كُلِّها.. وهكذا الَّذي يُخبِرُ عنِ الجَنَّةِ ودارِ السَّعادةِ والخُلُودِ فإنَّه يُثبِتُها ويَكسِبُ القَضِيّةَ بمُجَرَّدِ إظهارِه أَثَرًا مِن آثارِ الجَنّةِ، أو أَمارةً مِن أَماراتِها، أو ظِلًّا مِن ظِلالِها كَشْفًا؛ في حِينِ لا يَستَطِيعُ مَن يَنفي وُجُودَها ويُنكِرُها أن يَجِدَ لإِنكارِه مَجالًا مَهْما كَدَّ، إلّا إذا شاهَدَ وأَشهَدَ الآخَرِين جَميعَ الأَكوانِ وجَميعَ الأَزمانِ مِنَ الأَزَلِ إلى الأَبَدِ، وأَظهَرَ عَدَمَ وُجُودِها وأَثبَتَ نَفْيَها!! فلِأَجلِ هذه الحِكمةِ ارتَضَى العُلَماءُ المُحَقِّقون على قاعِدةٍ أَساسٍ هي: "لا يُمكِنُ إثباتُ النَّفيِ غيرِ المُحَدَّدِ مَكانُه یی كالحَقائقِ الإيمانيّةِ الشَّامِلةِ للكَونِ قاطِبةً یی ما لم يكُنِ الأَمرُ مُحالًا بذاتِه".
فبِناءً على هذه الحَقيقةِ القاطِعةِ لا يَنبَغي أن يَجلِبَ إنكارُ آلافِ الفَلاسِفةِ ومُعارَضَتُهم أَيّةَ شُبْهةٍ ولا وَسوَسةٍ أَمامَ مُخبِرٍ صادِقٍ في مِثلِ هذه المَسائلِ الإيمانيّةِ.. فيا حَماقةَ مَن يَتَلوَّثُ بشُبْهةٍ یی مَهما كانَت یی في أَركانِ الإيمانِ بمُجَرَّدِ إنكارِ قِلّةٍ مِن
— 39 —
فَلاسِفةٍ مادِّيِّين تَحَدَّرَت عُقُولُهم إلى عُيُونِهم، فلا يَرَوْن إلّا المادّةَ بل ماتَت قُلُوبُهم فلا يَشعُرُون بالمَعنَوِيّاتِ، بَينَما اتَّفَق على تلك الأَركانِ مِئةٌ وعِشرُون أَلْفًا مِنَ المُثبِتين أُولي الِاختِصاصِ مِنَ الأَنبِياءِ الصَّادِقين عَلَيهِم السَّلَام ومِمَّن لا يُحصَوْن ولا يُعَدُّون مِنَ المُثبِتين والمُختَصِّين مِن أَهلِ الحَقيقةِ الأَولياءِ وأَصحابِ التَّحقيقِ العُلَماءِ.
ثمَّ إنَّنا نُشاهِدُ سَواءٌ في أَنفُسِنا أو فيما حَوْلَنا رَحمةً عامّةً وحِكمةً شامِلةً وعِنايةً دائِمةً ناشِرةً نُورَها كالنُّهارِ، ونَرَى كذلك آثارَ رُبُوبيّةٍ مَهِيبةٍ وأَنَوارَ عَدالةٍ بَصِيرةٍ، وتَجَلِّياتِ إجراءاتٍ جَلِيلةٍ عَزِيزةٍ، بل نَرَى "حِكمةً" تُقلِّدُ الشَّجَرةَ حِكَمًا بعَدَدِ أَزهارِها وأَثمارِها، ونَرَى "رَحمةً" تُقِيمُ على كلِّ إنسانٍ إحسانًا وعَطايا بعَدَدِ حَواسِّه وقُواه وأَجهِزَتِه، ونَرَى "عَدالةً" ذاتَ عِزّةٍ تُهلِكُ بسَوْطِ عَذابِها أَقوامًا عُصاةً أَمثالَ قَومِ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ وقَومِ عادٍ وثَمُودَ وفِرعَونَ، وهي ذاتُ عِنايةٍ كذلك تُحافِظُ على حُقُوقِ أَصغَرِ مَخلُوقٍ وأَضعَفِه.. فالآيةُ الكَريمةُ الآتِيةُ تُبيِّنُ بإيجازٍ مُعجِزٍ عَظَمةَ تلك الرُّبُوبيّةِ الجَليلةِ وهَيبَتَها المُطلَقةَ: وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ
إذ تُبيِّنُ أنَّ السَّماواتِ والأَرضَ تَمْتَثِلانِ الأَمرَ الإِلٰهيَّ كالجُنُودِ المُرابِطِين والرَّاقِدِين في مُعسكَرَينِ، فكما أنَّهم يُهرَعُون إلى أَخذِ مَواقِعِهم وتَسَلُّمِ أَسلِحَتِهم بدَعوةٍ مِنَ القائدِ وبنَفخةٍ مِن بُوقٍ، كذلك السَّماواتُ والأَرضُ كمُعَسكَرَينِ حالَما يُنادَى بالأَمواتِ الرّاقِدِين فيهما بصُورِ إسرافيلَ عَلَيهِ السَّلَام، إذا بهم يَخرُجُون مِنَ الأَجداثِ سِراعًا لابِسِين ثِيابَ الجَسَد؛ بل نَرَى هذه العَظَمةَ والطّاعةَ في كلِّ رَبيعٍ، إذ يُحشَرُ ما في مُعَسكَرِ الأَرضِ مِن جُنُودٍ ويُنشَرُون بنَفخةٍ مِن بُوقِ مَلَكِ الرَّعدِ.. فبِناءً على التَّحقيقاتِ السّابِقةِ، لا بُدَّ أنَّ تلك الرَّحمةَ والحِكمةَ والعِنايةَ والعَدالةَ والسَّلطَنةَ السَّرمَدِيّةَ ستُحَقِّقُ أَبعادَها وغاياتِها في دارٍ أُخرَى، أي: إنَّها تَقتَضي الحَشرَ بالضَّرُورةِ، كما أَثبَتَتْها "الكَلِمةُ العاشِرةُ"؛ إذ لا شَكَّ في مَجِيءِ الآخِرةِ، بل إنَّ عَدَمَ مَجِيئِها مُحالٌ في أَلفِ مُحالٍ، حيثُ إنَّ عَدَمَها يعني: تَبَدُّلَ "الرَّحمةِ" الَّتي هي في مُنتَهَى الجَمالِ قَسوةً في مُنتَهَى البَشاعةِ، ويعني: تَحَوُّلَ
— 40 —
كَمالِ "الحِكمةِ" إلى نَقصِ العَبَثِ القاصِرِ وغايةِ الإسرافِ، ويعني: انقِلابَ "العِنايةِ" الَّتي هي في مُنتَهَى الحُسنِ واللُّطفِ إلى إهانةٍ في مُنتَهَى القُبحِ والمَرارةِ، ويعني: تَغَيُّرَ "العَدالةِ" الَّتي هي في مُنتَهَى الإنصافِ والحَقِّ إلى ظُلمٍ في أَشَدِّ القَسوةِ والبُطلانِ..
زِدْ على ذلك فإنَّ عَدَمَ مَجِيءِ الآخِرةِ يعني أيضًا سُقُوطَ هَيبةِ السَّلطَنةِ السَّرمَدِيّةِ العَزِيزةِ، وبَوارَ أُبَّهَتِها وقُوَّتِها، ويعني اتِّهامَ كَمالِ الرُّبُوبيّةِ بالعَجزِ والقُصُورِ.. فكلُّ هذا باطِلٌ ومُحالٌ لا يَقبَلُه عَقلُ أيِّ إنسانٍ مَهما كان، وهو المُمتَنِعُ والخارِجُ عن دائرةِ الإمكانِ، لأنَّ كلَّ ذِي شُعُورٍ يَعلَمُ أنَّ اللهَ سُبحانَه قد خَلَق هذا الإنسانَ في أَحسَنِ تَقوِيمٍ، ورَبَّاه أَحسَنَ تَربِيةٍ، وزَوَّدَه مِنَ الأَجهِزةِ والأَعضاءِ كالعَقلِ والقَلبِ ما يَتَطلَّعُ به إلى السَّعادةِ الأَبَديّةِ ويَسُوقُه نَحوَها، ويُدرِكُ كذلك مَدَى الظُّلمِ والقَسوةِ إذا ما انتَهَى مَصِيرُ هذا الإنسانِ المُكَرَّمِ إلى العَدَمِ الأَبَدِيِّ! ويَفهَمُ كذلك مَدَى البُعدِ عنِ الحِكمةِ في عَدَمِ البَعثِ الَّذي يَجعَلُ جَميعَ الأَجهِزةِ والقُوَى الفِطرِيّةِ الَّتي لها آلافُ المَصالِحِ والفَوائدِ دُونَ جَدْوَى ودُونَ قِيمةٍ! في الوَقتِ الَّذي أَودَعَ سُبحانَه مِئاتٍ مِنَ الحِكَمِ والفَوائدِ في دِماغِه فحَسْبُ!.. ويَفهَمُ كذلك مَدَى العَجزِ الظّاهِرِ والجَهلِ التّامِّ المُنافِيَينِ كُلِّيًّا لِعَظَمةِ تلك السَّلطَنةِ وكَمالِ الرُّبُوبيّةِ في عَدَمِ الإيفاءِ بآلافِ الوُعُودِ والعُهُودِ! تَعالَى اللهُ عن ذلك عُلُوًّا كَبِيرًا.. قِسْ على هذا كُلًّا مِنَ "العِنايةِ" و"العَدالةِ".
وهكذا يُجِيبُنا اسمُ اللهِ «الرَّحمٰنُ» و «الحَكِيمُ» و «العَدْلُ» و «الكَرِيمُ» و «الحاكِمُ» مِنَ الأَسماءِ الحُسنَى بتلك الحَقيقةِ المَذكُورةِ عن سُؤالِنا الَّذي سَأَلْناه حَولَ الآخِرةِ، ويُثبِتُها لنا إثباتًا لا شُبهةَ فيه بل واضِحًا جَلِيًّا كوُضُوحِ الشَّمسِ وجَلائِها.
ثمَّ إنَّنا نَرَى «حَفِيظِيّةً» مَهِيبةً مُحِيطةً بادِيةً للعِيانِ، تَحكُمُ على كلِّ شيءٍ حَيٍّ، وتُهَيمِنُ على كلِّ حادِثٍ، تَحفَظُ صُوَرَه الكَثيرةَ، تُسَجِّلُ أَعمالَ وَظِيفَتِه الفِطرِيّةِ، تُدَوِّنُ تَسبِيحاتِه الَّتي يُؤَدِّيها بلِسانِ الحالِ تِجاهَ الأَسماءِ الحُسنَى.. تُدَوِّنُها في لَوحاتٍ مِثاليّةٍ، وفي بُذَيراتِه ونَواه، وفي قُواه الحافِظةِ یی وهي نَماذِجُ مُصَغَّرةٌ لِلَّوحِ المَحفُوظِ یی ولا سِيَّما في حافِظةِ الإنسانِ الَّتي هي مَكتَبةٌ عُظمَى مُصَغَّرةٌ جِدًّا مَوضُوعةٌ في دِماغِه، وتُسَجِّلُها سائرُ المَرايا والمَعاكِسِ المادِّيّةِ والمَعنَوِيّةِ..
— 41 —
وما إن يَحُلَّ الرَّبيعُ یی تلك الزَّهرةُ المُجَسَّمةُ للقُدرةِ الإِلٰهيّةِ یی حتَّى تُبْرِزَ لنا الحَفِيظِيّةُ تلك الكِتاباتِ المَعنَوِيَّةَ ظاهِرةً مَشهُودةً مُجَسَّمةً؛ وتَعرِضَ في تلك الزَّهرةِ العُظمَى حَقيقةَ الحَشرِ الَّتي تَتَضمَّنُها الآيةُ الكَريمةُ: وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ، وتُعلِنُها بأَلسِنةِ مَلايِينِ المَلايِينِ مِنَ الأَمثِلةِ والدَّلائلِ، وتُؤَكِّدُ لنا يَقينًا أنَّ الأَشياءَ جَميعَها یی ولا سِيَّما الأَحياءُ یی لم تُخلَقْ لِتَنتَهِيَ إلى الفَناءِ، ولا لِتَهوِيَ إلى العَدَمِ، ولا لِتُمحَى إلى غيرِ شيءٍ ولا سِيَّما الإنسانُ، بل خُلِقُوا للمُضِيِّ بسُمُوِّهم إلى البَقاءِ، وللدُّخُولِ بتَزكِيةِ أَنفُسِهم إلى عالَمِ الحَياةِ الخالِدةِ، وللوُلُوجِ بالِاستِعدادِ الفِطرِيِّ إلى وَظيفةٍ سَرمَدِيّةٍ تَنتَظِرُهم في دارِ الخُلُودِ.
نعم، إنَّ كلَّ شَجَرٍ وجَذْرٍ وكلَّ حَبّةٍ ونَواةٍ مِنَ النَّباتاتِ غيرِ المَحدُودةِ الَّتي ماتَت في قِيامةِ الخَريفِ، ما إن يَحِينُ حَشرُ الرَّبيعِ إلّا ويَتلُو الآيةَ الكَريمةَ: وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ بلِسانِه الخاصِّ ويُفَسِّرُ مَعنًى مِن مَعانيها، وذلك بقِيامِ كلِّ جُزءٍ مِن أَجزائِه بمِثلِ الوَظائفِ الفِطرِيّةِ الَّتي قامَ بها في السِّنِينَ السَّابِقةِ، ويُبيِّنُ في الوَقتِ نَفسِه عَظَمةَ الحَفِيظيّةِ في أَوسَعِ مَداها كما تَتَضمَّنُها الآيةُ الكَريمةُ: هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ، وتُرشِدُنا إلى أَربَعِ حَقائقَ جَلِيلةٍ في كلِّ شيءٍ، وتُقيمُ الحُجَّةَ الدّامِغةَ على حَتمِيّةِ الحَشرِ كحَتمِيَّةِ مَجِيءِ الرَّبيعِ ويُسْرِه.
نعم، إنَّ أَنوارَ هذه الأَسماءِ الحُسنَى الأَربعةِ وتَجَلِّياتِها تَسرِي وتَنفُذُ مِن أَصغَرِ جُزئيٍّ إلى أَكبَرِ كُلِّيٍّ.. ولْنُوَضِّحْ هذا بمِثالٍ:
فالبِذرةُ الَّتي هي أَصلُ الشَّجَرةِ تُبيِّنُ عَظَمةَ الحَفِيظيّةِ بتَعَرُّضِها لِأَنوارِ اسمِ اللهِ «الأوَّل» ، وذلك بما تَحوِي مِن خُطّةٍ دَقيقةٍ كامِلةٍ للشَّجَرةِ، وبما تَضُمُّ مِن أَجهِزةٍ بَدِيعةٍ لإيجادِها ونُشُوئِها كامِلةً غيرَ مَنقُوصةٍ، وبما تَشتَمِلُ علَيه مِن شَرائطِ تكوينِ الشَّجَرةِ رَغمَ أنَّها عُلبةٌ صَغيرةٌ جِدًّا.
والثَّمَرةُ أيضًا تَشهَدُ شَهادةً صادِقةً على تلك الحَفِيظيّةِ بتَعَرُّضِها لِأَنوارِ اسمِ اللهِ «الآخِر» ، وذلك بما تَحوِي مِن فِهرِسِ جَميعِ الوَظائفِ الفِطرِيّةِ لتلك الشَّجَرةِ، وبما تَضُمُّ
— 42 —
مِن صَحائفِ أَعمالِها، وبما تَنطَوِي علَيه مِن قَوانينِ حَياتِها الثّانيةِ، عِلمًا أنَّها صُندُوقٌ صَغيرٌ جِدًّا.
أمَّا ظاهِرُ الشَّجرةِ المُجَسَّمِ فإنَّه يُظهِرُ عَظَمةَ القُدرةِ وكَمالَ الحِكمةِ وجَمالَ الرَّحمةِ ضِمنَ الحَفِيظيّةِ المُطلَقةِ، ويُبرِزُها للعِيانِ مَشهُودةً بتَعَرُّضِها لِأَنوارِ اسمِ اللهِ «الظَّاهِر» ، وذلك بحُلَلِها البَهِيّةِ المُزدانةِ بالنُّقُوشِ البَدِيعةِ المُتَنوِّعةِ والأَوسِمةِ المُرَصَّعةِ كأنَّها ثِيابُ الحُورِ العِينِ المُلَوَّنةِ بسَبعِين لَوْنًا.
أمّا الأَجهِزةُ الدّاخِليّةُ لتلك الشَّجَرةِ الَّتي أَصبَحَت كأنَّها مِرآةٌ تَعكِسُ أَنوارَ اسمِ اللهِ «الباطِن» ، فهي أيضًا تُثبِتُ إثباتًا ساطِعًا كالشَّمسِ كَمالَ القُدرةِ والعَدالةِ، وجَمالَ الرَّحمةِ والحِكمةِ، إذ إنَّها مَصنَعٌ خارِقٌ كامِلُ النِّظامِ، بل مُختَبَرُ كِيمياءٍ عَظِيمٌ، بل مُستَودَعُ إعاشةٍ وأَرزاقٍ لا يَدَعُ غُصنًا ولا ثَمَرًا ولا وَرَقًا إلَّا ويُزَوِّدُه بالغِذاءِ الَّذي يَحتاجُه.
وكما يُظهِرُ كلٌّ مِنَ البِذرةِ والثَّمَرةِ، وظاهِرُ الشَّجَرةِ وباطِنُها تَجَلِّياتِ الأَسماءِ الحُسنَى الأَربَعةِ «الأوَّل، والآخِر، والظَّاهِر، والباطِن» ، فالكُرةُ الأَرضِيّةُ كذلك تُظهِرُها وتُبيِّنُ بَداهةً أنَّ الحَفِيظَ ذا الجَلالِ والإكرامِ إنَّما يَعمَلُ بقُدرةٍ وعَدالةٍ وحِكمةٍ ورَحمةٍ مُطلَقةٍ؛ إذ إنَّها یی أيِ: الكُرةَ الأَرضِيّةَ یی كالشَّجَرةِ مِن حيثُ تَبَدُّلُ المَواسِمِ السَّنَوِيّةِ، فجَميعُ النَّوَى والحُبُوبِ الَّتي أُودِعَتْ في الخَريفِ بتَجَلِّي اسمِ اللهِ «الأوَّل» ، أَمانةً إلى الحَفِيظيّةِ، تُرسِلُ ما لا يُعَدُّ مِنَ السُّوقِ والأَغصانِ، وتَمُدُّها إلى شَتَّى الجِهاتِ، وتَفتَحُ ما لا يُحصَى مِنَ الأَزهارِ البَهِيجةِ والأَثمارِ الطَّيِّبةِ، فتُلبِسُ الأَرضَ وِشاحَ الرَّبيعِ البَهِيجَ.. ذلك لأنَّ كُلًّا مِنها تَضُمُّ كُرّاساتٍ مُصَغَّرةً سُطِّرَت فيها الأَوامِرُ الرَّبّانيّةُ، وتُبطِنُ صَحائفَ مُصَغَّرةً دُوِّن فيها ما أُنجِزَ في السَّنةِ الماضِيةِ مِن أَعمالٍ، بل تَستَوعِبُ تلك البُذُورُ والنَّوَى جَميعَ ما يَعُودُ إلى تَرَكُّبِ شَجَرةِ الأَرضِ العَظِيمةِ.
أمَّا آخِرُ شَجَرةِ الأَرضِ السَّنَوِيّةِ فهو ما يَضَعُه في عُلَبٍ مُتَناهِيةٍ في الصِّغَرِ مِن جَميعِ الوَظائفِ الَّتي قامَت بها الشَّجَرةُ في الخَريفِ، وجَميعِ التَّسبِيحاتِ والأَذكارِ الفِطرِيّةِ الَّتي أَدَّتْها تِجاهَ الأَسماءِ الحُسنَى، وجَميعِ ما يُمكِنُ نَشرُه في حَشرِ الرَّبيعِ المُقبِلِ مِن
— 43 —
صَحائفِ الأَعمالِ، ويُسَلِّمُ هذا جَميعًا إلى يَدِ الحِكمةِ للحَفيظِ ذِي الجَلالِ تالِيًا بهذا اسمَ اللهِ: «الآخِر» بأَلسِنةٍ لا حَدَّ لها على أَسماعِ الكائناتِ وأَنظارِها.
أمَّا ظاهِرُ هذه الشَّجَرةِ فهو: تلك الأَزهارُ الكُلِّيّةُ المُتَنوِّعةُ المُتَبايِنةُ الَّتي تُفصِحُ عن ثَلاثِ مِئةِ أَلفِ نَوعٍ مِن أَمثِلةِ الحَشرِ وأَماراتِه، وهو تلك المَوائدُ المَنصُوبةُ للرَّحمٰنِ الرَّحيمِ والرَّزَّاقِ الكَريمِ، وهو تلك الضِّيافاتُ المَفتُوحةُ لِذَوِي الحَياةِ كافّةً، فكُلُّ ما في ظاهِرِ تلك الشَّجَرةِ يَذكُرُ ويَتلُو اسمَ اللهِ: «الظَّاهِر» بأَلسِنةِ ثَمَراتِها وأَزهارِها وطُعُومِها مُظهِرًا حَقيقةَ: وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ ساطِعةً كالشَّمسِ في كَبِدِ السَّماءِ.
أمَّا باطِنُ هذه الشَّجَرةِ العَظيمةِ فهو مَعمَلٌ ومَصنَعٌ يُحَرِّكُ ما لا يُعَدُّ ولا يُحصَى مِن مَكائنَ مُنتَظِمةٍ ومَعامِلَ دَقيقةٍ، حتَّى إنَّه يُعِدُّ طَنًّا مِنَ الأَطعِمةِ ويُنضِجُها مِن دِرهَمٍ مِنَ المَوادِّ ويُوصِلُه إلى الجائِعِين، ويَنهَضُ بأَعمالِه في مُنتَهَى الدِّقّةِ بما لا يَدَعُ مَجالًا لِتَلعَبَ به الصُّدْفةُ، فيَذكُرُ الوَجهَ الباطِنَ للأَرضِ اسمُ اللهِ: «الباطِن» ، بل يُثبِتُه ويُعلِنُه بمِئةِ أَلفٍ مِنَ الأَنماطِ والصُّوَرِ، كما يُعلِنُه قِسمٌ مِنَ المَلائكةِ الَّذين يُسَبِّحُون بمِئةِ أَلفِ لِسانٍ.
وكَما أنَّ الأَرضَ مِن حيثُ حَياتُها السَّنَويّةُ كالشَّجَرةِ بَيَّنَتِ «الحَفِيظيَّةَ» الَّتي في تلك الأَسماءِ الحُسنَى الأَربعةِ بوُضُوحٍ، وجَعَلَتْها مِفتاحًا لِبابِ الحَشرِ، فهي كذلك كالشَّجَرةِ المُتَناسِقةِ جِدًّا مِن حيثُ حَياةُ العُصُورِ وحَياةُ الدُّهُورِ، إذ تُرسِلُ ثَمَراتِها یی على مَدَى العُصُورِ والدُّهُورِ یی إلى سُوقِ الآخِرةِ.
وهكذا تُصبِحُ الأَرضُ بأَسرِها مِرآةً واسِعةً جِدًّا لِتَجَلِّياتِ تلك الأَسماءِ الأَربَعةِ، وتَفتَحُ سَبِيلًا واسِعًا جِدًّا إلى الآخِرةِ بحَيثُ تَظَلُّ عُقُولُنا ولُغاتُنا قاصِرةً وعاجِزةً عنِ الإحاطةِ بها.. لذا نَكتَفي بالآتي ولا نَزِيدُ:
إنَّ عَقارِبَ السَّاعةِ الَّتي تَعُدُّ الثَّوانِيَ والدَّقائقَ والسَّاعاتِ والأَيَّامَ تَتَشابَهُ فيما بَينَها، فالواحِدُ يَدُلُّ على الآخَرِ ويُثبِتُه، فمَن يُراقِبُ حَرَكةَ عَقْرَبِ الثَّواني يُضطَرُّ إلى تَصدِيقِ حَرَكةِ التُّرُوسِ الأُخرَى؛ كذلك الدُّنيا كساعةٍ كُبْرَى لِخالقِ السَّماواتِ والأَرضِ، حيثُ تَتَشابَهُ الأَيّامُ الَّتي تَعُدُّ ثَوانِيَ هذه السّاعةِ الكُبْرَى، والسَّنَواتُ الَّتي تُحصِي دَقائقَها،
— 44 —
والعُصُورُ الَّتي تُظهِرُ ساعاتِها، والأَحقابُ الَّتي تُعرِّفُ أَيّامَها.. فمعَ تَشابُهِ بَعضِها معَ بَعضٍ، فإنَّ كُلًّا مِنها يَدُلُّ على الآخَرِ ويُثْبِتُه.
ومِن هذه الزّاوِيةِ نَرَى الأَرضَ تُخبِرُ بأَماراتٍ لا حَدَّ لها عن مَجِيءِ رَبيعٍ خالِدٍ وصُبحٍ سَرْمَدِيٍّ بعدَ شِتاءِ الدُّنيا الفانيةِ المُظلِمِ.. تُخبِرُ عنه بحَتمِيّةِ مَجِيءِ الصُّبحِ لهذا اللَّيلِ، وبقَطعِيّةِ مَجِيءِ الرَّبيعِ بعدَ هذا الشِّتاءِ.. وبهذه الحَقيقةِ يُجِيبُنا اسمُ «الحَفيظِ» مع الأَسماءِ الحُسنَى الأَربَعةِ: «الأوَّل، والآخِر، والظَّاهِر، والباطِن» عن سُؤالِنا الَّذي سَأَلناه حَولَ الحَشرِ.
وما دُمنا نَرَى بأَعيُنِنا ونَفْقَهُ بعُقُولِنا أنَّ الإنسانَ:
هو آخِرُ ثَمَرةٍ لِشَجَرةِ الكَونِ وأَجمَعُها..
وهو بِذرَتُها الأَصلِيَّةُ مِن حَيثُ الحَقيقةُ المُحَمَّدِيّةُ..
وهو الآيةُ الكَونيّةُ الكُبْرَى لِقُرآنِ الكَونِ.. بل هو الآيةُ الحامِلةُ لِتَجَلِّياتِ الِاسمِ الأَعظَمِ في ذلك القُرآنِ الكَونِيِّ كآيةِ الكُرسِيِّ في القُرآنِ الكَريمِ..
وهو أَكرَمُ ضَيفٍ في قَصرِ الكَونِ..
وهو أَنشَطُ مُوَظَّفٍ مَأذُونٍ له بالتَّصَرُّفِ في سَكَنةِ ذلك القَصرِ..
وهو المَأمُورُ المُكَلَّفُ عن حَرثِ مَزرَعةِ الأَرضِ، والنَّاظِرُ المَسؤُولُ عن وارِداتِها ومَصارِيفِها، بما جُهِّزَ مِن مِئاتِ العُلُومِ وأُلُوفِ المُؤَهِّلاتِ..
وهو خَلِيفةُ الأَرضِ، والمُفَتِّشُ الباحِثُ في مَملَكةِ الأَرضِ، والمُرسَلُ مِن لَدُن سُلطانِ الأَزَلِ والأَبَدِ، والعامِلُ تحتَ رَقابَتِه..
وهو المُتَصرِّفُ في شُؤُونِ الأَرضِ معَ تَسجِيلٍ كامِلٍ لِأَعمالِه بجُزئيّاتِها وكُلِّيّاتِها..
وهو عَبدٌ كُلِّيٌّ، مُكَلَّفٌ بعِبادةٍ واسِعةٍ شامِلةٍ..
والحامِلُ للأَمانةِ الكُبْرَى الَّتي أَبَتِ السَّماواتُ والأَرضُ والجِبالُ أن يَحمِلْنَها، فانفَرَجَت أَمامَه طَرِيقانِ عَجِيبانِ، فهُو في أَحَدِهِما أَشقَى ذَوِي الحَياةِ، وفي الآخَرِ أَسعَدُهُم..
— 45 —
وهو الَّذي يَعكِسُ كالمِرآةِ جَميعَ تَجَلِّياتِ الأَسماءِ الحُسنَى، ويَتَجلَّى فيه اسمُ اللهِ الأَعظَمُ..
وهو المُخاطَبُ المَقصُودُ للخِطابِ السُّبْحانِيِّ، والأَكثَرُ فَهمًا للكَلامِ الرَّبّانِيِّ..
وهو الأَكثَرُ فاقةً وعَجْزًا مِن بينِ أَحياءِ الكَونِ..
وهو الكائنُ الحَيُّ العاجِزُ الفَقِيرُ بلا حُدُودٍ، مع أنَّ له أَعداءً ومُؤذِياتٍ بلا عَدٍّ، ومَقاصِدَ وآلامًا بلا حَدٍّ.. وهو أَغنَى استِعدادًا مِن بينِ ذَوِي الحَياةِ..
وهو أَشَدُّ إحساسًا وشُعُورًا بالأَلَمِ ضِمنَ لَذّةِ الحَياةِ، حيثُ تَمتَزِجُ لَذّاتُه بآلامٍ مُنَغِّصةٍ..
وهو أَشَدُّ شَوقًا إلى البَقاءِ، وأَكثَرُ حاجةً إلى الخُلُودِ، بل هو الأَجدَرُ به..
وهو الَّذي يَتَوسَّلُ لِأَجلِ البَقاءِ والخُلُودِ بأَدعِيةٍ غيرِ مَحدُودةٍ، فلو أُعطِيَ له ما في الدُّنيا مِن مُتَعٍ لَمَا شَفَتْ غَلِيلَه للخُلُودِ..
وهو الَّذي يُحِبُّ الَّذي أَنعَمَ علَيه حُبًّا لِحَدِّ العِبادةِ، ويُحَبِّبُه للآخَرِين، وهو المَحبُوبُ أَيضًا..
وهو أَعظَمُ مُعجِزاتِ القُدرةِ الصَّمَدانيّةِ، بل هو أُعجُوبةُ الخَلْقِ لِما انطَوَى فيه العالَمُ الأَكبَرُ، ولِما تَشهَدُ جَميعُ أَجهِزَتِه بأنَّه مَخلُوقٌ للسَّيرِ قُدُمًا نحوَ الأَبَديّةِ والخُلُودِ.
فهذا الإنسانُ الَّذي يَرتَبِطُ بمِثلِ هذه الحَقائقِ العِشرِينَ الكُلِّيّةِ باسمِ اللهِ «الحَقّ» ، والَّذي هو وَثيقُ العَلاقةِ باسمِ اللهِ «الحَفيظ» الَّذي لا يَعزُبُ عنه شيءٌ في السَّماواتِ والأَرضِ، يَرَى أَدنَى حاجةٍ لِأَصغَرِ حَيٍّ، ويَسمَعُ نِداءَ حاجَتِه، فيُغِيثُه، فيُدَوِّنُ كَتَبَتُه الكِرامُ جَميعَ أَعمالِ هذا الإنسانِ وأَفعالِه المُتَعلِّقةِ بالكائناتِ.. فهذا الإنسانُ یی بحُكمِ هذه الحَقائقِ العِشرِينَ یی لا بُدَّ أن يكُونَ له حَشرٌ ونُشُورٌ، ولا رَيبَ أنَّه سيُكافَأُ باسمِ اللهِ «الحَقّ» على ما قَدَّم مِن خِدْماتٍ وأَعمالٍ، وسيُجازَى على ما قَصَّر فيها، ولا شُبهةَ أنَّه سيُساقُ إلى المُحاسَبةِ والِاستِجوابِ عمَّا دُوِّنَ مِن أَعمالِه
— 46 —
باسمِ «الحَفيظ» جُزئيِّها وكُلِّيِّها، ولا شَكَّ أن ستُفتَحسُ أَمامَه أَبوابُ سَعادةٍ خالِدةٍ وضِيافةٍ أَبَدِيّةٍ، أو أَبوابُ سُجُونٍ رَهِيبةٍ وشَقاءٍ مُقِيمٍ؛ وأنَّه لا يُمكِنُ ألّا يُحاسَبَ ويَتَوارَى عنِ الأَنظارِ ضابِطٌ قادَ أَكثَرَ مَخلُوقاتِ هذا العالَمِ وتَدَخَّل في شُؤُونِها، ولا يُمكِنُ ألّا يُنَبَّه مِن رَقْدَتِه!
لأنَّه لا يُعقَلُ قَطُّ أن يُسمَعَ دُعاءٌ أَخفَتُ مِن طَنينِ الذُّبابِ ويُغاثَ فِعلًا بلَوازِمِ الحَياةِ، ثمَّ لا يُسمَعَ أَدعِيةٌ لها مِنَ القُوّةِ ما يَهُزُّ العَرشَ والفَرْشَ، والَّتي تَنطَلِقُ مِن تلك الحَقائقِ العِشرينَ، وتَسأَلُ البَقاءَ والخُلُودَ.. ولا يُعقَلُ قَطُّ یی بل هو خارِجٌ عنِ الإمكانِ یی أن تُهدَرَ وتُضَيَّعَ كُلِّيًّا تلك الحُقُوقُ الكَثِيرةُ، بل لا يُمكِنُ لِحِكمةٍ لا عَبَثَ فيها قَطُّ یی ولو بمِقدارِ جَناحِ ذُبابةٍ بشَهادةِ انتِظامِها وإتقانِها یی أن تَعبَثَ كُلِّيًّا باستِعداداتِ الإنسانِ المُرتَبِطةِ بها تلك الحَقائقُ، وتَعبَثَ بجَميعِ آمالِه ورَغَباتِه المُمتَدّةِ إلى الخُلُودِ، وتَعبَثَ بجَميعِ تلك الرَّوابِطِ وحَقائقِ الكائناتِ العَدِيدةِ الَّتي تُنَمِّي تلك الِاستِعداداتِ والرَّغَباتِ، لأنَّ هذا الاحتِمالَ ظُلمٌ فَظِيعٌ وقُبحٌ مُشِينٌ تَرُدُّه جَميعُ المَوجُوداتِ وتَرفُضُه قائلةً: إنَّ ذلك مُحالٌ في مُحالٍ بمِئةِ وَجهٍ، ومُمتَنِعٌ مُستَحِيلٌ بآلافِ الوُجُوهِ، بل تَرُدُّه جَميعُ المَوجُوداتِ الشَّاهِدةُ على الأَسماءِ الحُسنَى: «الحَقُّ» و «الحَفِيظ» و «الحَكِيم» و «الجَمِيل» و «الرَّحِيم».
وهكذا تُجِيبُنا هذه الأَسماءُ الحُسنَى: «الحَقُّ» و «الحَفِيظُ» و «الحَكِيم» و «الجَمِيل» و «الرَّحِيم» ، عن سُؤالِنا حَولَ الآخِرةِ، فتُخاطِبُنا تلك الأَسماءُ قائلةً: "إنَّ الحَشرَ حَقٌّ لا رَيبَ فيه، وهو حَقيقةٌ راسِخةٌ لا مِراءَ فيها، مِثلَما أنَّنا حَقٌّ ومِثلَما تَشهَدُ لنا حَقيقةُ ثُبُوتِ المَوجُوداتِ".
ولولا أنَّ المَسأَلةَ أَوضَحُ مِنَ الشَّمسِ لَزِدتُّ بَيانًا، ولكنِّي اختَصَرتُ مُكتَفِيًا بالأَمثِلةِ المَذكُورةِ، وقِياسًا على ما في الفِقْراتِ السَّابِقةِ؛ فإنَّ كلَّ اسمٍ مِنَ الأَسماءِ الحُسنَى المِئةِ بل الأَلفِ المُتَوجِّهَ إلى الكَونِ، يُثبِتُ مُسَمَّاه سُبحانَه بَداهةً بتَجَلِّياتِه وبمَراياه الَّتي هي المَوجُوداتُ، كما يُظهِرُ الحَشرَ والدَّارَ الآخِرةَ ويُثبِتُه إثباتًا قاطِعًا.
— 47 —
ومِثلَما يُجِيبُنا رَبُّنا سُبحانَه وتَعالَى جَوابًا قُدسِيًّا وجازِمًا بجَميع أَوامِرِه في جَميعِ ما أَنزَلَ مِن كُتُبٍ، وبجَميعِ أَسمائِه الَّتي سَمَّى بها نَفسَه، عن سُؤالِنا الَّذي سَأَلْناه حَولَ الآخِرةِ، كذلك يُجِيبُنا سُبحانَه بأَلسِنةِ مَلائكَتِه ويُعَرِّفُنا الآخِرةَ بنَمَطٍ آخَرَ، إذ تقُولُ المَلائكةُ:
"هناك أَماراتٌ ودَلالاتٌ لا حَدَّ لها على وُجُودِنا والعالَمِ الرُّوحانِيِّ، وقد جَرَت لِقاءاتٌ ومُكالَماتٌ وتَعارُفٌ بَينَكم وبَينَنا وبينَ الرُّوحانِيِّين مُنذُ زَمَنِ آدَمَ عَلَيهِ السَّلَام، وهي حَوادِثُ يَقِينيّةٌ مُتَواترةٌ لا تَقبَلُ الرَّيبَ، ولقد ذَكَرنا ودَومًا نَذكُرُ ما نَراه خِلالَ تَجوالِنا في مَنازِلِ الآخِرةِ ومَشاهِدِها إلى قادَتِكُم أَثناءَ لِقائِنا معَهم: إنَّنا نُبَشِّرُكم بِشارةً لا رَيبَ فيها أنَّ هذه الأَرْوِقةَ الدَّائِمةَ وما وَراءَها مِن قُصُورٍ خالِدةٍ ومَنازِلَ مُعَدَّةٍ إنَّما أُعِدَّتْ لِاستِقبالِ ضُيُوفٍ كِرامٍ مُكْرَمِين وهُيِّئَت لِقُدُومِهم".
وبهذا تُجِيبُنا المَلائكةُ الكِرامُ عن سُؤالِنا حَولَ الآخِرةِ.
ثمَّ إنَّ خالِقَنا الكَريمَ قد عَيَّن لنا أَعظَمَ مُعَلِّمٍ، وأَكمَلَ أُستاذٍ، وأَصدَقَ قُدوةٍ، وأَقوَمَ رائدٍ.. ألا وهو مُحَمَّدٌ الهاشِميُّ عليه أَفضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ؛ وقد أَرسَلَه خاتَمًا للرُّسُلِ الكِرامِ عَلَيهِم السَّلَام، فعلَينا إذًا وقبلَ كلِّ شيءٍ أن نَسأَلَ أُستاذَنا ما سَأَلْناه مِن خالِقِنا عزَّ وجَلَّ حَولَ الآخِرةِ لَعلَّنا نَتكامَلُ في مَعرِفَتِنا ونَتَرقَّى مِن مَرتَبةِ عِلمِ اليَقينِ إلى عَينِ اليَقينِ وإلى حَقِّ اليَقينِ، لأنَّ هذا النَّبيَّ الحَبيبَ الصَّادِقَ المُصَدَّقَ مِن لَدُنِ الخالِقِ العَليمِ بأَلفٍ مِنَ المُعجِزاتِ، مِثلَما أنَّه مُعجِزةُ القُرآنِ الكَريمِ، فأَثبَتَ للعالَمِ أَجمَعَ أنَّه كِتابُ رَبِّ العالَمِين لا يَأتيه الباطِلُ مِن بينِ يَدَيه ولا مِن خَلفِه، فقد أَصبَحَ القُرآنُ الكَريمُ أيضًا مُعجِزةً مِن مُعجِزاتِه (ص)، ودَليلًا على أنَّه الصَّادِقُ المُصَدَّقُ، وأنَّه رَسُولُ رَبِّ العالَمِين.
فكِلتا المُعجِزَتَينِ یی إحداهما لِسانُ عالَمِ الشَّهادةِ ومعَها تَصدِيقُ جَميعِ الأَنبِياءِ عَلَيهِم السَّلَام والأَولياءِ، والأُخرَى لِسانُ عالَمِ الغَيبِ المُتَضمِّنُ جَميعَ الكُتُبِ السَّماوِيّةِ وجَميعَ حَقائقِ الكَونِ یی قد أَقامَتا الحُجَجَ على حَقيقةِ الحَشرِ والنُّشُورِ راسِخةً واضِحةً وُضُوحَ الشَّمسِ والنَّهارِ، بجَميعِ حَياةِ المُعجِزةِ الأُولَى وآلافٍ مِن آياتِ المُعجِزةِ الثّانيةِ.
— 48 —
حَقًّا إنَّ «مَسأَلةَ الحَشرِ والآخِرةِ» مِنَ المَسائلِ الَّتي هي فوقَ طاقةِ العَقلِ وحُدُودِه، ولا تُفهَمُ إلّا بتَعلِيمِ هذَينِ الأُستاذَينِ المُعجِزَينِ: "القُرآنِ الكَريمِ والرَّسُولِ الحَبيبِ (ص)" وإرشادِهما.
أمّا لِمَاذا لَمْ يُوَضِّح الأَنبِياءُ السّابقُون عَلَيهِم السَّلَام مَسأَلةَ الحَشرِ لِأُمَمِهم كما هو واضِحٌ في القُرآنِ الكَريمِ؟ فلِأنَّ عُصُورَهم كانَت عُصُورَ طُفُولةِ البَشَريّةِ وبَداوةِ الإنسانيّةِ، والإيضاحُ يكُونُ وَجِيزًا في الدُّرُوسِ الِابتِدائيّةِ كما هو مَعلُومٌ.
وصَفوةُ القَولِ: ما دامَ أَكثَرُ الأَسماءِ الحُسنَى تَقتَضي الآخِرةَ وتَدُلُّ علَيها، فلا بُدَّ أنَّ الحُجَجَ والدَّلائلَ الدّالّةَ على الأَسماءِ الحُسنَى هي بدَورِها دَلائلُ على ثُبُوتِ الآخِرةِ وقيامِها..
وما دامَ المَلائكةُ يُخبِرُون عَمّا يُشاهِدُون مِن مَنازِلِ الآخِرةِ وعالَمِ البَقاءِ، فلا بُدَّ أنَّ الدَّلائلَ الشّاهِدةَ على وُجُودِ المَلائكةِ والعالَمِ الرُّوحانِيِّ وعِباداتِهم هي بدَورِها دَلائلُ إثباتٍ على العالَمِ الآخَرِ..
وما دامَ أَهَمُّ ما أَعلَنَه مُحمَّدٌ (ص) خِلالَ حَياتِه المُطَهَّرةِ المُبارَكةِ، وأَساسُ ما دَعا إلَيه بعدَ التَّوحِيدِ هو الآخِرةَ، فلا بُدَّ أنَّ جَميعَ المُعجِزاتِ والحُجَجِ الدَّالَّةِ على نُبُوَّتِه وصِدْقِه (ص) هي بدَورِها شاهِدةٌ على حَقيقةِ مَجِيءِ الآخِرةِ..
وما دامَ رُبُعُ القُرآنِ الكَريمِ يَبحَثُ عنِ الحَشرِ والآخِرةِ، ويُقيمُ الدَّلائلَ علَيه بآلافٍ مِن آياتِه ويُخبِرُ عنه، فلا بُدَّ أنَّ الشَّواهِدَ والحُجَجَ والدَّلائلَ والبَراهِينَ الدّالّةَ كُلَّها على أَحَقِّيّةِ القُرآنِ هي بدَورِها شاهِدةٌ على تَحَقُّقِ الآخِرةِ ودالّةٌ علَيها.
وهكذا.. تأَمَّلُوا في هذا الرُّكنِ الإيمانِيِّ العَظيمِ لِتُقدِّرُوا مَدَى قَطِعيّةِ «الإيمان بالآخِرة» ومَدَى ثُبُوتِه ورُسُوخِه.
— 49 —

خلاصة المسألة الثامنة

لقد أَرَدْنا في "المَسأَلةِ السَّابعةِ" أن نَستَوضِحَ مَسأَلةَ الحَشرِ مِن مَقاماتٍ كَثيرةٍ، إلّا أنَّ جَوابَ خالِقِنا بأَسمائِه الحُسنَى كان شافيًا ووافيًا جِدًّا، أَورَثَ اليَقينَ الجازِمَ والقَناعةَ التّامّةَ، فأَغنانا عن أَيِّ استِفسارٍ آخَرَ، فاقتَصَرنا هناك على ذلك الإثباتِ.
أمَّا في هذه المَسأَلةِ فسنُلَخِّصُ واحِدةً مِن مِئاتِ الثَّمَراتِ والفَوائدِ والنَّتائجِ الَّتي يُحَقِّقُها «الإيمانُ بالآخِرةِ» ، مِنها ما يَعُودُ إلى سَعادةِ الإنسانِ في الآخِرةِ، ومِنها ما يَعُودُ إلى سَعادَتِه في الدُّنيا.
أمَّا ما يَعُودُ إلى السَّعادةِ الأُخرَوِيّةِ فليس بعدَ إيضاحِ القُرآنِ الكَريمِ إيضاحٌ آخَرُ، فلْيُرجَعْ إلَيه، أمّا ما يَعُودُ إلى "السَّعادةِ الدُّنيَويّةِ" فتُوَضِّحُه رَسائلُ النُّورِ؛ وسنُبيِّنُ هنا بَيانًا مُوجَزًا بِضعَ نَتائجَ فقط مِن بينِ المِئاتِ مِنَ النَّتائجِ الَّتي يُحَقِّقُها «الإيمانُ بالآخِرة» لإسعادِ الإنسانِ في حَياتِه الشَّخصِيّةِ والِاجتِماعيّةِ.
الثَّمرةُ الأُولى:
كما أنَّ الإنسانَ یی خِلافًا للحَيَوانِ یی ذُو عَلاقةٍ معَ بَيتِه، فهو أَيضًا ذُو ارتِباطٍ وَثيقٍ معَ الدُّنيا، ومِثلَما أنَّه مُرتَبِطٌ بأَقارِبِه برَوابِطَ ووَشائجَ، فهو كذلك ذُو عَلاقةٍ فِطرِيّةٍ بالجِنسِ البَشَرِيِّ؛ وكما أنَّه يُحِبُّ البَقاءَ في الدُّنيا الفانيةِ فهو يَتُوقُ إلى بقائِه في الدّارِ الباقيةِ؛ وكما أنَّه يَسعَى دائمًا لِتأمينِ حاجاتِ مَعِدَتِه إلى الغِذاءِ، فهو مُضطَرٌّ بفِطرَتِه یی بل يَسعَى یی لِتأمينِ الأَغذِيةِ لِعَقلِه وقلَبِه ورُوحِه وإنسانيَّتِه وتَناوُلِها مِنَ المَوائدِ المُمتَدّةِ على سَعةِ الدُّنيا، بلِ المُمتَدّةِ إلى الأَبَدِ، وله آمالٌ ومَطالِبُ لا يُشبِعُها سِوَى السَّعادةِ الأَبَديّةِ.
— 50 —
لقد حَدَّثتُ خَيالي في عَهدِ صِباي: أيُّ الأَمْرَينِ تُفضِّلُ؟ قَضاءَ عُمُرٍ سَعيدٍ يَدُومُ أَلفَ أَلفِ سَنةٍ معَ سَلطَنةِ الدُّنيا وأُبَّهَتِها على أن يَنتَهِيَ ذلك إلى العَدَمِ، أم وُجُودًا باقِيًا مع حَياةٍ اعتِيادِيّةٍ شاقّةٍ؟ فرَأَيتُه يَرغَبُ في الثّانيةِ ويَضجَرُ مِنَ الأُولَى، قائلًا: "إنَّني لا أُرِيدُ العَدَم بلِ البَقاءَ ولو كان في جَهَنَّمَ!".
فما دامت جَميعُ لَذائذِ الدُّنيا لا تُشبِعُ الخَيالَ الَّذي هو أَحَدُ خُدّامِ الماهِيّةِ الإنسانيّةِ، فلا بُدَّ أنَّ حَقيقةَ الماهِيّةِ الإنسانيّةِ الجامِعةِ الشّامِلةِ جِدًّا مُرتَبِطةٌ فِطرةً بالخُلُودِ والبَقاءِ.
فكم يكُونُ «الإيمانُ بالآخِرة» إذًا كَنزًا عَظِيمًا كافِيًا ووافِيًا لهذا الإنسانِ الوَثيقِ الصِّلةِ بهذه الرَّغَباتِ والآمالِ الَّتي لا تَنتَهي، وهو لا يَملِكُ سِوَى جُزءٍ مِنَ الِاختِيارِ الجُزئيِّ، ويَتَقلَّبُ في الفَقرِ المُطلَقِ! وكم يكُونُ هذا الإيمانُ مِحوَرًا للسَّعادةِ المَطلُوبةِ واللَّذّةِ المُبتَغاةِ! وكم يكُونُ مَرجِعًا ومَدارَ استِمدادٍ وسَلْوةً له تِجاهَ هُمُومِ الدُّنيا غيرِ المَحصُورةِ؟ فلو ضَحَّى هذا الإنسانُ بكلِّ حَياتِه الدُّنيا في سَبِيلِ الفَوزِ بهذا الإِيمانِ لكانَت إذًا زَهِيدةً!
الثَّمَرةُ الثانية المُتوجِّهةُ لحياة الإنسان الشَّخصية:
إنَّ ما يُقلِقُ الإنسانَ دَومًا ويُنَغِّصُ حَياتَه، هو تَفكِيرُه الدّائمُ في مَصِيرِه، وكَيفيّةِ دُخُولِه القَبْرَ، مِثلَما انتَهَى إلَيه مَصِيرُ أَحِبَّتِه وأَقارِبِه؛ فتَوَهُّمُ الإنسانِ المِسكِينِ الَّذي يُضَحِّي برُوحِه لِأَجلِ صَديقٍ عَزِيزٍ، وتَصَوُّرُه أنَّ آلافًا بل مَلايِينَ المَلايِينِ مِن إخوانِه البَشَرِ يَنتَهُون إلى العَدَمِ بالمَوتِ یی ذلك الفِراقِ الأَبَدِيِّ الَّذي لا لِقاءَ وَراءَه یی سيُذِيقُه هذا التَّصَوُّرُ أَلَمًا شَديدًا يُنبِئُ بآلامِ جَهَنَّمَ.. وحِينَما يَتَلوَّى هذا الإنسانُ مِن أَلَمِ ذلك العَذابِ الأَليمِ النّابِعِ مِن ذلك التَّفكِيرِ، يأتي «الإيمانُ بالآخِرة» فاتِحًا بَصِيرتَه، مُزِيلًا الغِشاوةَ عن عَينَيه، قائلًا له: "انظُر.."، فيَنظُرُ بنُورِ الإيمانِ، فإذا به يَكسِبُ لَذَّةً رُوحِيّةً عَمِيقةً تُنبِئُ بلَذّةِ الجَنّةِ، بما يُشاهِدُ مِن نَجاةِ أَحِبَّتِه وخَلاصِهم جَميعًا مِنَ المَوتِ النِّهائيِّ والفَناءِ والبِلَى والِاندِثارِ، ومِن بَقائِهم خالِدِين في عالَمِ النُّورِ الأَبَديِّ مُنتَظِرِين قُدُومَه إلَيهم.. نَقتَصِرُ على هذا حيثُ وَضَّحَتْ رَسائلُ النُّورِ هذه النَّتيجةَ معَ حُجَجِها.
— 51 —
الثَّمرةُ الثالثة التي تعودُ لِلحَياةِ الشَّخصِيّة:
إنَّ مَقامَ الإنسانِ الرّاقي وتَفَوُّقَه على سائرِ الأَحياءِ وامتِيازَه علَيها إنَّما هو لِسَجاياه السّامِيةِ، ولِاستِعداداتِه الفِطرِيّةِ الجامِعةِ، ولِعُبُودِيَّتِه الكُلِّيّة، ولِسَعةِ دَوائرِ وُجُودِه، لذا فالإنسانُ المُنحَصِرُ في الحاضِرِ فقط، المُنسَلِخُ مِنَ الماضِي، المَبتُوتُ الصِّلةِ بالمُستَقبَلِ یی وهما مَعدُومانِ مَيِّتانِ مُظلِمانِ بالنِّسبةِ له یی هذا الإنسانُ يَكسِبُ سَجايا المُرُوءةِ والمَحَبّةِ والأُخُوّةِ والإِنسانيّةِ على أَساسِ حاضِرِه الضَّيِّقِ، وتَتَحدَّدُ عندَه على وَفقِ مَقايِيسِه ومَوازِينِه المَحدُودةِ، فيُوْلي المَحَبّةَ لِأَبيه أو أخِيه أو زَوجَتِه أو أُمَّتِه أو وَطَنِه، ويَقُومُ بخِدمَتِهم على وَفقِ تلك المَقايِيسِ الضَّيِّقةِ وكأنَّه لا يَعرِفُهم سابِقًا ولن يَراهم مُستَقبَلًا، فلا يَرقَى أَبَدًا إلى مَرتَبةِ الصِّدقِ في الوَفاءِ، ولا إلى مَكانةِ الإخلاصِ في الصَّداقةِ، ولا إلى دَرَجةِ الوُدِّ المُصَفَّى مِنَ الشَّوائبِ في المَحَبّةِ، ولا إلى الِاحتِرامِ المُبَرَّأِ مِنَ الغَرَضِ في الخِدمةِ، لأنَّ سَعةَ تلك السَّجايا والكَمالاتِ قد تَضاءَلَت وصَغُرَت بالنِّسبةِ نَفسِها، وحِينَها يَتَردَّى الإنسانُ إلى دَرَكِ أَدنَى الحَيَواناتِ مِن ناحِيةِ العَقلِ.
ولكن ما إن يأتي «الإيمانُ بالآخِرة» إلى هذا الإنسانِ لِيُنقِذَه ويُمِدَّه ويُغِيثَه، حتَّى يُحَوِّلَ ذلك الزَّمَنَ الضَّيِّقَ الشَّبِيهَ بالقَبْرِ إلى زَمانٍ فَسِيحٍ واسِعٍ جِدًّا بحيثُ يَستَوعِبُ الماضيَ والمُستَقبَلَ معًا، فيُرِيه وُجُودًا واسِعًا بسَعةِ الدُّنيا، بل بسَعةٍ تَمتَدُّ مِنَ الأَزَلِ إلى الأَبدِ؛ وعندَئذٍ يقُومُ هذا الإنسانُ باحتِرامِ والِدِه وتَوقيرِه بمُقتَضَى الأُبُوّةِ المُمتَدّةِ إلى دارِ السَّعادةِ وعالَمِ الأَرواحِ، ويُساعِدُ أخاه ويُعاوِنُه بذلك التَّفكِيرِ بالأُخُوّةِ المُمتَدّةِ إلى الأَبدِ، ويُحِبُّ زَوجَتَه ويَرفُقُ بها ويُعاوِنُها لأنَّها أَجمَلُ رَفيقةِ حَياةٍ له حتَّى في الجَنّةِ، ولا يَجعَلُ هذه الدَّائرةَ الحَياتيّةَ الواسِعةَ الفَسِيحةَ وما فيها مِن عَلاقاتٍ وخِدماتٍ مُهِمّةٍ، وَسيلةً لأُمُورٍ تافِهةٍ دُنيَوِيّةٍ ولا لِأَغراضِها الجُزئيّةِ ومَنافِعِها الزَّهِيدةِ.. لذا يَظفَرُ بالصَّداقةِ التّامّةِ، والوَفاءِ الخالِصِ، والإخلاصِ الأَتَمِّ، في علاقاتِه وخِدْماتِه، فتَبدَأُ كمالاتُه وخِصالُه بالسُّمُوِّ والرُّقيِّ بالنِّسبةِ نَفسِها، وتَتَعالَى إنسانيَّتُه، ولِكُلٍّ حَسَبَ دَرَجَتِه..
— 52 —
فذلك الإنسانُ الَّذي ما كان له أن يَرْقَى إلى مُستَوَى عُصفُورٍ في تَذَوُّقِه الحَياةَ، أَصبَحَ الآنَ بفَضلِ الإيمانِ بالآخِرةِ ضَيفًا مَرمُوقًا في الدُّنيا، وكائنًا سَعِيدًا، ومَخلُوقًا مُمتازًا فيها، يَرقَى فوقَ جَميعِ الحَيَواناتِ، بل يُصبِحُ أَحَبَّ مَخلُوقٍ، وأَكرَمَ عَبدٍ عندَ ربِّ الكَونِ ومالِكِه.
اكتَفَيْنا بهذا القَدْرِ في بَيانِ هذه النَّتيجةِ حيثُ بَيَّنَتْها رَسائلُ النُّورِ بحُجَجٍ وبَراهِينَ.
الفائدة الرابعة التي تتطلَّع إلى الحياة الاجتماعية:
وهي الَّتي وَضَّحَها "الشُّعاعُ التّاسعُ"، وخُلاصَتُها هي: أنَّ «الأطفال» الَّذين يُمثِّلُون رُبُعَ البَشَرِيّةِ، لا يُمكِنُهم أن يَعيشُوا عِيشةَ إنسانٍ سَوِيٍّ يَنطَوي على نَوازِعَ إنسانيّةٍ إلّا بالإيمانِ بالآخِرةِ؛ إذ لولا هذا الإيمانُ لَاضطَرُّوا أن يَقضُوا حَياةً مِلْؤُها الوَقاحةُ والِاضطِرابُ والهُمُومُ الأَليمةُ، فلا يَهنَؤُون بأَلعابِهم ولا يَتَسَلَّون بلُعَبِهم، لأنَّ المَوتَ الَّذي يُصِيبُ مَن حَولَهم مِنَ الأَطفالِ يُؤثِّرُ بالِغَ التَّأثيرِ في نَفسِ كلِّ طِفلٍ، وفي شُعُورِه المُرهَفِ الرَّقيقِ، وفي قَلبِه الَّذي يَنطَوِي على آمالٍ مُستَقبَلِيّة ورَغَباتٍ كَثيرةٍ، وفي رُوحِه الَّتي لا تَستَطِيعُ الثَّباتَ فتُصابُ بالقَلَقِ والحَيرةِ، حتَّى تُصبِحَ حَياتُه وعَقلُه وَسِيلَتَي عَذابٍ له، فلا يُجدِي ما يَتَسَتَّرُ به مِن لَهْوٍ ولَعِبٍ نَفْعًا قبلَ أن يَجِدَ لِتَساؤُلِه وحَيرَتِه جَوابًا.. إلّا أنَّ إرشادَ «الإيمان بالآخِرة» يَجعَلُه يُحاوِرُ نَفسَه على النَّحوِ الآتي:
"إنَّ صَدِيقي أو أخي الَّذي تُوُفِّي قد أَصبَح الآنَ طَيرًا مِن طُيُورِ الجَنّةِ، فهو أَكثَرُ مِنّا أُنْسًا وانطِلاقًا وتَجْوالًا؛ وإنَّ والِدَتي وإن تُوُفِّيَت إلّا أنَّها مَضَت إلى الرَّحمةِ الإِلٰهيّةِ الواسِعةِ، وستَضُمُّني أيضًا إلى صَدرِها الحَنُونِ في الجَنّةِ، فأَرَى تلك الوالِدةَ الشَّفِيقةَ". وبهذا يُمكِنُه أن يَعيشَ هادِئًا مُطمَئِنًّا عَيشًا يَلِيقُ بالإنسانِ.
وكذا «الشُّيُوخُ» الَّذين يُمَثِّلُون رُبُعَ البَشَرِيّةِ، فإنَّهم لا يَرَون السُّلوانَ حِيالَ انطِفاءِ حَياتِهم قَرِيبًا، ودُخُولِهم تحتَ التُّرابِ، وقد أَوصَدَتِ الدُّنيا الجَمِيلةُ الحُلوةُ أَبوابَها في وُجُوهِهم إلّا بی «الإيمانِ بالآخِرة» ، إذ لولا هذا الإيمانُ لَتَجرَّعَ أُولئك الآباءُ المُحتَرَمُون
— 53 —
الرُّحَماء، وتلك الأُمَّهاتُ الفِدائيّاتُ الشَّفِيقاتُ الوَيلَ تِلْوَ الوَيلِ، ولَبَاتُوا في حالةٍ نَفسِيّةٍ تَعِسةٍ جِدًّا، وفي قَلَقٍ قَلبِيٍّ عَنيفٍ، ولَأَصبَحَتِ الدُّنيا تَضِيقُ علَيهم كالسِّجنِ، ولَغَدَتِ الحَياةُ نَفسُها عَذابًا مُقِيمًا لا يُطاقُ.
بَينَما «الإيمانُ بالآخِرةِ» يَهتِفُ بهم قائلًا: "لا تَغتَمُّوا أيُّها الشُّيُوخُ ولا تُبالُوا كَثيرًا، فإنَّ لكم شَبابًا خالِدًا وهو أَمامَكم وسيأتي حَتْمًا.. وإنَّ حَياةً ساطِعةً بَهِيجةً، وعُمُرًا مَدِيدًا أَبَديًّا في انتِظارِكم، وستَلتَقُون أنتُم وأَولادُكم وأقارِبُكم الَّذين فَقَدتُمُوهم، وجَميعُ حَسَناتِكُم مَحفُوظةٌ وستَأخُذُون ثَوابَها.."، وهكذا يَمنَحُ «الإيمانُ بالآخرة» سُلْوانًا وانشِراحًا لهم، بحيثُ لو حَمَلَ أَحَدُهم أَثقالَ مِئةِ شَيخُوخةٍ لَتَحَمَّلَها صابِرًا في انتِظارِ ما سيَعقُبُها مِن حياةٍ أُخرَوِيّةٍ سَعِيدةٍ.
وكذا «الشَّبابُ» الَّذين يُمَثِّلُون ثُلُثَ البَشَرِيّةِ، قد لا يُصغُون لِصَوتِ عُقُولِهمُ الجَريئةِ، فرَغَباتُهم وهَواهم في ثَورةٍ وجَيَشانٍ، وهم مَغلُوبُون على أَمرِ حَواسِّهم ونَوازِعِهم، فإذا ما فَقَد هؤلاء الشَّبابُ «الإيمانَ بالآخِرة» ، ولم يَتَذكَّروا عذابَ جَهَنَّمَ، فإنَّ أَموالَ النّاسِ وأَعراضَهم وراحةَ الضُّعَفاءِ وكَرامةَ الشُّيُوخِ تُصبِحُ مُهَدَّدةً بالخَطَرِ، إذ قد يُدَمِّرُ أَحَدُهم سَعادةَ بيتٍ آمِنٍ هَانئٍ لِأَجلِ لَذّةٍ طارِئةٍ، ومِن ثَمَّ يَذُوقُ وَبالَ أَمرِه عَذابًا لِسِنين عَدِيدةٍ في مِثلِ هذه السُّجُونِ، فيَتَحوَّلُ إلى ما يُشبِهُ الحَيَوانَ الكاسِرَ.
ولكن إذا أَمَدَّه «الإيمانُ بالآخِرة» وأَغاثَه، فسَرعانَ ما يَستَرجِعُ صَوابَه ويَستَرشِدُ بعَقلِه، ويُخاطِبُ نَفسَه قائلًا: "على الرَّغمِ مِن أنَّ شُرْطةَ الحُكُومةِ وعُيُونَها لا يُمكِنُهم رُؤيَتِي لِكَوني في خَفاءٍ عنهم، فإنَّ مَلائكةَ السُّلطانِ الأَعظَمِ ذِي الجَلالِ الَّذي يَملِكُ سِجنَ جَهَنَّم یی ذلك السِّجنَ الأَكبَرَ الدّائمَ یی يُسَجِّلُون علَيَّ سَيِّئاتي.. فأنا إذًا لَستُ طَلِيقًا مُفلَتَ الزِّمامِ، بل أنا ضَيفٌ عابِرٌ ذُو مُهِمّةٍ.. وسأَكُونُ لا مَحالةَ في يومٍ مّا ضَعِيفًا وشَيخًا مِثلَهم"، فتَتَرشَّحُ قَطَراتُ الرَّحمةِ والرَّأفةِ والشَفَقةِ عِندَئذٍ مِن أَعماقِ قَلبِه، ويَشعُرُ بالِاحتِرامِ لأُولَئك الَّذين كان يُرِيدُ أن يَتَعدَّى على حُقُوقِهم ظُلْمًا؛ وحيثُ إنَّ رَسائلَ النُّورِ قد وَضَّحَتْ هذا المَعنَى، نَقتَصِرُ على هذا القَدْرِ.
— 54 —
وكذلك «المَرضَى والمَظلُومُون وأَمثالُنا مِن ذَوِي المَصائبِ والفُقراءُ والمَسجُونون الَّذين حُكِمَ عَلَيهِم بعُقُوباتٍ مُشَدَّدةٍ» ، كلُّ هؤلاء يُمَثِّلُون الجُزءَ الأَهَمَّ مِنَ البَشَرِيّةِ، فإن لم يُعِنْهمُ «الإيمانُ بالآخِرة» ، وإن لم يَتَسَلَّوا به فإنَّ المَوتَ الَّذي يَجِدُونه أَمامَهم دائمًا بما عِندَهم مِن مَرَضٍ، وإنَّ الإهانةَ الَّتي يَرَونَها مِنَ الظَّلَمةِ دُونَ أن يَتَمكَّنُوا مِنَ الِاقتِصاصِ مِنهم ولا مِن إنقاذِ شَرَفِهم وكَرامَتِهم مِن بينِ مَخالِبِهم، وإنَّ اليَأْسَ الأَليمَ النّابِعَ مِمّا أَصابَ أَموالَهم وأَولادَهم مِنَ الضَّياعِ في الكَوارِثِ، وإنَّ الضِّيقَ الشَّدِيدَ النّاشِئَ مِن آلامِ السِّجنِ وعَذابِه لِسَنَواتٍ عِدّةٍ نَتيجةَ لَذّةٍ طارِئةٍ لا تَستَغرِقُ دَقائقَ أو ساعاتٍ.. كلُّ ذلك يُصَيِّرُ الدُّنيا بلا رَيبٍ سِجْنًا كَبيرًا لِهؤلاء المَنكُوبِينَ، ويَجعَلُ الحَياةَ نَفسَها عَذابًا أَليمًا لهم! ولكن ما إن يُمِدُّهمُ «الإيمانُ بالآخِرة» بالعَزاءِ والسُّلوانِ إلّا ويَنشَرِحُون فَورًا، ويَتَنفَّسُون الصُّعَداءَ، لِما يُزِيلُ عنهم مِنَ الضِّيقِ واليَأسِ والقَلَقِ والِاضطِرابِ وسَوْرةِ الثَّأْرِ إزالةً كُلِّيّةً أو جُزئيّةً كلٌّ حَسَبَ دَرَجاتِ إيمانِه.
حتَّى يُمكِنُني القَولُ: إنَّه لَولا الإيمانُ بالآخِرةِ الَّذي أَمَدَّني وإخواني في مُصِيبَتِنا الرَّهيبةِ ودُخُولِنا السِّجنَ هذا دُونَ ذَنبٍ اقْتَرَفناه، لكان تَحَمُّلُ مَرارةِ يومٍ واحِدٍ مِن أيّامِ العَذابِ كالمَوتِ نَفسِه، ولَساقَتْنا هذه المُصِيبةُ إلى تَرْكِ الحَياةِ ونَبْذِها.. ولكن شُكْرًا لله بلا عَدٍّ ولا حَدٍّ أن جَعَلَني أَتحَمَّلُ آلامَ كَثيرٍ مِن إخواني الَّذِينَ هم أَحَبُّ إلَيَّ مِن نَفسِي، وأَتحَمَّلُ ضَياعَ آلافٍ مِن رَسائلِ النُّورِ الَّتي هي أَعَزُّ مِن عُيُوني، وأَتحَمَّلُ فِقدانَ كَثيرٍ مِن مُجَلَّداتي الزّاهِيةِ الثَّمِينةِ جِدًّا.. فأَتحَمَّلُ كلَّ هذا الحُزنَ والأَسَى بذلك «الإيمانِ بالآخِرة» ، رَغمَ أنَّني ما كُنتُ أَتحَمَّلُ أَيّةَ إهانةٍ وتَحَكُّمٍ مِن أَحَدٍ مَهما كان، فإنِّي أُقسِمُ لكم لِتَطمَئِنُّوا: إنَّ نُورَ الإيمانِ بالآخِرةِ وقُوَّتَه قد مَنَحَني صَبرًا وجَلَدًا وعَزاءً وتَسلِيةً، وصَلابةً وشَوْقًا للفَوْزِ بثَوابِ جِهادٍ عَظِيمٍ في هذا الِامتِحانِ إلى حَدٍّ بِتُّ أَعُدُّ نَفسِي في مَدرَسةٍ كلُّها خَيرٌ وجَمالٌ.. وحَقٌّ أن تُطلَقَ علَيها "المَدرَسةُ اليُوسُفِيّةُ" كما ذَكَرتُه في مُستَهَلِّ هذه الرِّسالةِ، فلولا المَرَضُ الَّذي كان يَنتابُني أَحيانًا، ولولا الحِدَّةُ الحاصِلةُ مِنَ الكُهُولةِ، لَكُنتُ أَسعَى بجِدٍّ أَكثَرَ لِأَتَلَقَّى دُرُوسي في هذه المَدرَسةِ معَ ما أَحمِلُه مِنِ اطمِئنانٍ وسَكِينةِ قَلْبٍ..
على كلِّ حالٍ فقد خَرَجْنا عنِ الصَّدَدِ.. أَرجُو العَفوَ عن هذا الِاستِطرادِ.
— 55 —
وكذلك فإنَّ «بَيتَ كلِّ إنسانٍ» هو دُنياه الصَّغيرةُ بل جَنَّتُه المُصَغَّرةُ، فإن لم يكُنِ «الإيمانُ بالآخِرة» حاكِمًا ومُهَيمِنًا في سَعادةِ هذا البَيتِ لَوَجَد كلُّ فَردٍ مِن أَفرادِ تلك العائلةِ اضطِرابًا أَليمًا، وعَذابًا شَدِيدًا في عَلاقةِ بَعضِهم ببَعضٍ حَسَبَ دَرَجاتِ رَأْفَتِه ومَحَبَّتِه لهم، فتَتَحوَّلُ تلك الجَنّةُ إلى جَحِيمٍ لا يُطاقُ، وقد يَخْدَرُ عَقلُه باللَّهْوِ والسَّفَهِ المُؤَقَّتِ، فيكُونُ مَثَلُه في هذا كمَثَلِ النَّعامةِ إذا رَأَتِ الصَّيّادَ تُخفي رَأسَها في الرَّملِ كَيلا يَراها الصَّيّادُ وهي عاجِزةٌ عنِ الفِرارِ والطَّيَرانِ، فهو كذلك يَغمُرُ رَأسَه في الغَفلةِ، لِئلَّا يَراه المَوتُ والزَّوالُ والفِراقُ، مُلغِيًا شُعُورَه مُؤَقَّتًا ببَلاهةٍ، وكأَنَّه وَجَد عِلاجًا لِما يُعانِيه!
فمَثلًا: الوالِدةُ الَّتي تُضَحِّي بنَفسِها لِأَجلِ وَلَدِها كلَّما رَأَتِ ابنَها يَتَعرَّضُ للخَطَرِ ارتَعَشَت هَلَعًا وخَوْفًا عليه، والأَولادُ كذلك حِينَما لا يَستَطِيعُون إنقاذَ آبائِهم أو إخوانِهم مِنَ المَصائبِ الَّتي لا تَنقَطِعُ، يَظَلُّون في قَلَقٍ دائِمٍ ويُحِسُّون خَوفًا مُستَمِرًّا.. فقِياسًا على هذا فإنَّ حَياةَ تلك العائلةِ الَّتي يُظَنُّ أنَّها حَياةٌ سَعِيدةٌ، تَفقِدُ سَعادَتَها في هذه الدُّنيا المُضطَرِبةِ الزّائلةِ حيثُ لا تُعطِي الرَّابِطةُ بينَ الأَفرادِ، ولا عَلاقةُ القُربَى فيما بَينَهم یی ضِمنَ حَياةٍ قَصِيرةٍ جِدًّا یی الصَّداقةَ الحَقيقيّةَ والوَفاءَ الخالِصَ والإخلاصَ الكامِلَ، والخِدمةَ والمَحَبّةَ الصّافِيتَينِ، بل تَتَصاغَرُ الأَخلاقُ وتَنكَمِشُ بنِسبةِ قِصَرِ الحَياةِ نَفسِها، ورُبَّما تَسقُطُ وتَنعَدِمُ كُلِّيًّا.
ولكن ما إن يَحُلُّ «الإيمانُ بالآخِرة» في ذلك البَيتِ حتَّى يُنَوِّرَ أَرجاءَه مُباشَرةً ويَستَضِيءَ، لأنَّ عَلاقةَ القُربَى والرَّأفةَ والمَحَبَّةَ الَّتي تَربِطُهم لا تُقاسُ عِندَئذٍ ضِمنَ زَمَنٍ قَصيرٍ جِدًّا، بل تُقاسُ على وَفقِ عَلاقاتٍ تَمتَدُّ إلى خُلُودِهم وبَقائِهم في دارِ الآخِرةِ والسَّعادةِ الأَبَديّةِ، فيَقُومُ عِندَئذٍ كلُّ فَردٍ باحتِرامٍ خالِصٍ تِجاهَ الآخَرين، ويُولِيهم مَحَبّةً صافِيةً، ويُظهِرُ رَأفةً صادِقةً، ويُبدِي صَداقةً وَفِيّةً، صارِفًا النَّظَرَ عنِ التَّقصيراتِ.. فتَتَعالَى الأَخلاقُ وتَسمُو، وتَبدَأُ السَّعادةُ الإنسانيّةُ الحَقّةُ بالتَّأَلُّق في ذلك البَيتِ.
وقد بُيِّنَ هذا المَضمُونُ في رَسائلِ النُّورِ.. اكتَفَينا هنا بما سَلَفَ.
— 56 —
وهكذا، فإنَّ كلَّ «مَدِينة» هي بحَدِّ ذاتِها بَيتٌ واسِعٌ لِسَكَنَتِها، فإن لم يكُنِ «الإيمانُ بالآخِرة» مُسَيطِرًا على أَفرادِ هذه العائلةِ الكَبيرةِ فسيَسْتَولي علَيهِمُ الحِقدُ والمَنافِعُ الشَّخصِيّةُ والِاحتِيالُ والأَنانيّةُ والتَّكلُّفُ والرِّياءُ والرِّشوةُ والخِداعُ، بَدَلًا مِن أُسُسِ الأَخلاقِ الحَميدةِ الَّتي هي الإخلاصُ والمُرُوءةُ والفَضِيلةُ والمَحَبّةُ والتَّضحِيةُ ورِضا اللهِ والثَّوابُ الأُخرَوِيُّ.. وكانَت مَعاني الإرهابِ والفَوضَى والوَحشِيّةِ حاكِمةً ومُسَيطِرةً تحتَ اسمِ النِّظامِ والأَمْنِ والإنسانيّةِ الَّتي يُظهِرُونَها، وحِينئذٍ تَتَسمَّمُ حَياةُ تلك المَدينةِ، فيَتَّصِفُ الأطفالُ بالوَقاحةِ والإهمالِ، والشَّبابُ بالسُّكْرِ والعَرْبَدةِ، والأَقوِياءُ بالظُّلمِ والتَّجاوُزِ، والشُّيُوخُ بالبُكاءِ والأَنينِ.
وقِياسًا على هذا: فإنَّ «البِلاد» بأَكمَلِها ما هي إلّا بَيتٌ واسِعٌ جِدًّا، والوَطَنَ بَيتُ عائلةِ الأُمّةِ؛ فإذا ما حَكَمَ «الإيمانُ بالآخِرة» هذه البُيُوتَ وسَيْطَر، فإنَّ الفَضائلَ تَتَكشَّفُ وتَنبَسِطُ وتَتَوضَّحُ فيها، فتُظهِرُ الِاحتِرامَ المُتَبادَلَ والرَّحمةَ الجادّةَ، والمَحَبّةَ الخالِصةَ بلا عِوَضٍ، والمُعاوَنةَ معَ الخِدمةِ الحَقّةِ بلا احتِيالٍ، والمُعاشَرةَ والإحسانَ بلا رِياءٍ، والفَضِيلةَ والتَّوقيرَ بلا استِكبارٍ، وتُشِيعُ الفَضائلَ الأُخرَى جَميعًا؛ حيثُ يَهتِفُ «الإيمانُ بالآخِرة» بأُولئك الأَطفالِ قائلًا لهم: "دَعُوا الوَقاحةَ والإهمالَ، فقُدّامَكم جَنّةُ النَّعيمِ، فلا تَشغَلُوا أَنفُسَكم عنها بالأَلاعيبِ"، فيُمَكِّنُ الأَخلاقَ عِندَهم بإرشادِ القُرآنِ الكَريمِ.
ويُخاطِبُ الشَّبابَ: "إنَّ أَمامَكم نارَ جَهَنَّم، فانتَهُوا عنِ السُّكْرِ والعَرْبَدةِ"، ويَجعَلُهم يَثُوبُون إلى رُشدِهم.. ويُخاطِبُ الظَّالِمَ: "احذَرْ.. فإنَّ عَذابًا شَديدًا سيَحُلُّ بك"، فيَردَعُه عنِ الظُّلمِ ويَجعَلُه يَرضَخُ للعَدالةِ.. ويُخاطِبُ الشُّيُوخَ: "أَبشِرُوا.. فإنَّ أَمامَكم شَبابًا خالِدًا ذا نَضارةٍ، وفي انتِظارِكم سَعادةً أُخرَوِيّةً دائمةً باقِيةً، هي أَسمَى مِمّا فَقَدتُمُوه مِن أَنواعِ السَّعادة وأَعلَى مِنها، فهَلُمُّوا واسْعَوْا للفَوزِ بها"، فيُحوِّلُ بُكاءَهم إلى بَهجةٍ وفَرَحٍ.
وقِياسًا على هذا: فإنَّ «الإيمانَ بالآخِرة» يُبيِّنُ تأثيرَه الطَّيِّبَ ويُرسِلُ شُعاعَ نُورِه إلى كلِّ طائفةٍ: جُزئيِّها وكُلِّيِّها، عامِّها وخاصِّها، قَليلِها وكَثيرِها.
فلْتَرِنَّ آذانُ الِاجتِماعيِّين والأَخلاقيِّين مِنَ المَعنيِّين بشُؤُونِ الإنسانِ!
— 57 —
وإذا قِيسَ على ما ذَكَرناه آنِفًا مِن فَوائدِ الإيمانِ بالآخِرةِ ما بَقي مِنَ الفَوائدِ، فسيُفهَمُ بوُضُوحٍ وبشَكلٍ قاطِعٍ أنَّ مِحوَرَ السَّعادةِ في الدّارَينِ وفي كِلْتا الحَياتَينِ إنَّما هو الإيمانُ وَحْدَه.
ولقد جاءَت في "الكَلِمةِ الثّامنةِ والعِشرين" وفي رَسائلِ النُّورِ الأُخرَى أَجوِبةٌ قَوِيّةٌ جِدًّا، رَدًّا على شُبُهاتٍ تافِهةٍ حَولَ: "جُسمانِيّةِ الحَشرِ" نَكتَفي بها، إلّا أنَّنا نُشِيرُ إلَيها هنا إشارةً مُختَصَرةً وقَصِيرةً جِدًّا، فنقُولُ:
إنَّ أَكثَرَ الأَسماءِ الإِلٰهيّةِ الحُسنَى تَتَجَلَّى في الجُسمانيّةِ، فهي أَجمَعُ مِرآةٍ لها.. وإنَّ أَقصَى المَقاصِدِ الإِلٰهيّةِ مِن خَلْقِ الكائناتِ تَظهَرُ في الجُسمانيّةِ، فهي أَغنَى مَركَزٍ لتلك المَقاصِدِ وأَكثَرُها فَعّاليّةً.. وإنَّ أَكثَرَ أَنواعِ الإحساناتِ الرَّبّانيّةِ المُختَلِفةِ وآلاءَها العَمِيمةَ تَتَبيَّنُ في الجُسمانيّةِ.. وإنَّ أَغلَبَ بُذُورِ الأَدعِيةِ الَّتي يَرفَعُها الإنسانُ بلِسانِ حاجاتِه، وأَكثَرَ أُصُولِ الشُّكرِ والحَمدِ المُقَدَّمِ مِنه إلى خالِقِه الرَحيمِ نابِعةٌ مِنَ الجُسمانيّةِ.. وإنَّ أَزيَدَ النَّوَى تَنَوُّعًا لِعَوالِمِ المَعنَوِيّاتِ والرُّوحانيّاتِ هي كذلك تَكمُنُ في الجُسمانيّةِ.
فقِياسًا على هذا: إنَّ الجُسمانيّةَ تَتَمركَزُ فيها مِئاتٌ مِنَ الحَقائقِ الكُلِّيّةِ، لذا فإنَّ الخالِقَ الكَريمَ يُكَثِّرُ مِنَ الجُسمانيّةِ ويَزِيدُها على سَطحِ الأَرضِ كي تَتَجلَّى فيها تلك الحَقائقُ المَذكُورةُ، فيَهَبُ للمَوجُوداتِ وُجُودًا بسُرعةٍ مُتَناهِيةٍ وبفَعّالِيّةٍ مُدهِشةٍ، قافِلةً إثرَ قافِلةٍ، مُرسِلًا إيّاها إلى مَعرِضِ العالَمِ هذا، ثمَّ يُنهي خِدْماتِها ويَبعَثُ عَقِبَها مَوجُوداتٍ أُخرَى باستِمرارٍ.. وهكذا يَجعَلُ ماكِينةَ الكائناتِ في عَمَلٍ دائبٍ وشُغُلٍ دائمٍ، ناسِجًا مَحاصِيلَ جُسمانيّةً على الأَرضِ، جاعِلًا الأَرضَ مَزرَعةَ الآخِرةِ ومَشْتَلَ الجَنّةِ، حتَّى إنَّه سُبحانَه لِأَجلِ أن يُطَمْئِنَ مَعِدةَ الإنسانِ (الجُسمانيّةَ) ويَجعَلَها في امتِنانٍ ورِضًا، يَسمَعُ دُعاءَها الَّذي تَرفَعُه بلِسانِ الحالِ لِأَجلِ بَقائِها، ويَستَجِيبُ له فِعلًا بما يَخلُقُ ما لا يُحصَرُ ولا يُحصَى مِنَ المَطعُوماتِ اللَّذيذةِ المُتقَنةِ الصُّنْعِ، وبإيجادِه النِّعَمَ النَّفيسةَ بمِئاتِ الآلافِ مِنَ الأَنماطِ والأَنواعِ، مِمّا يُظهِرُ بَداهةً وبلا رَيبٍ أنَّ أَغلَبَ أَنواعِ
— 58 —
اللَّذائذِ المَحسُوسةِ في الجَنّةِ إنَّما هي جُسمانيّة.. وأنَّ أَهَمَّ نِعَمِ السَّعادةِ الأَبَديّةِ الَّتي يَطلُبُها الجَميعُ ويَأنَسُ بها إنَّما هي جُسمانيّةٌ أيضًا.
فيا تُرَى هل يُمكِنُ وهل يُعقَلُ وهل هناك احتِمالٌ قَطُّ أن يَقبَلَ القَدِيرُ الرَّحيمُ والعَلِيمُ الكَريمُ دَوْمًا دُعاءَ لِسانِ حالِ المَعِدةِ البَسِيطةِ لِاستِبقائِها، ويَستَجِيبَ لها قَصْدًا وفِعلًا یی دُونَما تَدَخُّلٍ للمُصادَفةِ یی بما يَخلُقُ لها مِن أَغذِيةٍ مادِّيّةٍ مَحسُوسةٍ في مُنتَهَى الإتقانِ والإعجازِ، فيُرضيَ بها تلك المَعِدةَ، ثم لا يَقْبَلَ سُبحانَه أَدعِيةً عامّةً ودَعَواتٍ غيرَ نِهائيّةٍ تَرفَعُها المَعِدةُ الإنسانيّةُ الكُبرَى وفِطرَتُها الأَصِيلةُ، ولا يُغدِقَ علَيها لَذائذَ جُسمانيّةً في الآخِرةِ، تلك الَّتي تَأنَسُ بها وتَرجُوها فِطرةً بل تُرِيدُها في دارِ الخُلُودِ؟! وهل يُمكِنُ ألّا يُلَبِّيَ تلك الأَدعِيةَ فِعلًا ولا يُنجِزَ الحَشْرَ الجُسمانِيَّ؟! ولا يُرضِيَ هذا الإنسانَ الَّذي هو نَتِيجةُ الكائناتِ وخَلِيفةُ الأَرضِ والعَبدُ المُعَزَّزُ المُكَرَّمُ رِضاءً أَبَدِيًّا؟! كلَّا.. ثمَّ كلَّا!.. فهذا مُحالٌ في مِئةِ مُحالٍ بل باطِلٌ كُلِّيًّا، إذ كيف يَسمَعُ طَنِينَ الذُّبابِ ولا يَسمَعَ رُعُودَ السَّماءِ، وكيف يُراعي عُدّةَ الجُندِيِّ البَسِيطِ ولا يُبالي بالجَيشِ العَظِيمِ؟! فتَعالَى اللهُ عن ذلك عُلُوًّا كَبِيرًا.
نعم، إنَّ الصَّراحةَ القاطِعةَ للآيةِ الكَريمةِ: وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ تُبيِّنُ أنَّ أَكثَرَ ما يَأْنَسُ الإنسانُ به مِنَ اللَّذائذِ المادِّيّةِ المَحسُوسةِ یی والَّذي يَتَذوَّقُ نَماذِجَها في الدُّنيا یی سيَراها ويَتَذوَّقُها بصُورَتِها اللّائقةِ بالجَنّةِ؛ وأنَّ ثَوابَ ما يُؤدِّيه اللِّسانُ والعَينُ والأُذُنُ وسائرُ الأَعضاءِ والجَوارِحِ مِنَ الشُّكرِ الخالِصِ والعِباداتِ الخاصّةِ سيُمنَحُ لها بتلك اللَّذائذِ الجُسمانيّةِ المَخصُوصةِ بها.. فبَيانُ القُرآنِ الكَريمِ للَّذائذِ الجُسمانيّةِ صَريحٌ في غايةِ الصَّراحةِ، بحيثُ لا يُمكِنُ أن يَتَحمَّلَ أيَّ تَأوِيلٍ يَصرِفُه عنِ المَعنَى الظّاهِرِيِّ، بل يَمتَنِعُ عَدَمُ قَبُولِ المَعنَى الظّاهِرِيّ.
وهكذا تُظهِرُ ثَمَراتُ الإيمانِ بالآخِرةِ ونَتائجُه أنَّه مِثلَما تَدُلُّ حَقيقةُ مَعِدةِ الإنسانِ وحاجاتُها دَلالةً قاطِعةً على وُجُودِ الأَطعِمةِ، فإنَّ حَقيقةَ الإنسانِ وكَمالاتِه وحاجاتِه الفِطرِيّةَ وآمالَه الأَبَديّةَ وحَقائقَه واستِعداداتِه الَّتي تَتَطلَّبُ النَّتائجَ والفَوائدَ
— 59 —
المَذكُورةَ للإيمانِ بالآخِرةِ، تَدُلُّ قَطعًا على الآخِرةِ وعلى الجَنّةِ وعلى لَذائذَ مادِّيّةٍ مَحسُوسةٍ باقيةٍ، وتَشهَدُ على تَحَقُّقِها.. وإنَّ حَقيقةَ كَمالاتِ هذا الكَونِ أيضًا وآياتِه التَّكوينيةَ الحَكِيمةَ وجَميعَ حَقائقِه المُرتَبِطةِ بالحَقائقِ الإنسانيّةِ تَدُلُّ دَلالةً قاطِعةً أيضًا على وُجُودِ الآخِرةِ وعلى تَحَقُّقِها، وتَشهَدُ شَهادةً صادِقةً على مَجِيءِ الحَشرِ وانفِتاحِ أَبوابِ الجَنّةِ والنّارِ.
ولَمّا كانَت رَسائلُ النُّورِ قد أَثبَتَت هذه المَسأَلةَ بصُورةٍ رائعةٍ وبحُجَجٍ قَوِيّةٍ جِدًّا دُونَ أن تَترُكَ غُبارًا للشُّبهةِ، ولا سِيَّما "الكَلِمةُ العاشرةُ" و"الثّامنةُ والعِشرون" بمَقامَيها و"التّاسعةُ والعِشرون"، و"الشُّعاعُ التاسِعُ"، و"رِسالةُ المُناجاةِ"، فإنَّنا سنَكتَفي بها.
إنَّ بَيانَ القُرآنِ الكَريمِ فيما يَخُصُّ جَهَنَّمَ واضِحٌ جَلِيٌّ لم يَدَعْ مَجالًا لِأَيِّ إيضاحٍ آخَرَ، إلّا أنَّنا سنُبيِّنُ باختِصارٍ شَديدٍ ما يُزِيلُ بِضعَ شُبُهاتٍ تافِهةٍ في نُكتتَينِ، مُحِيلِين تَفاصِيلَها إلى رَسائلِ النُّورِ:
النُّكتة الأُولى:
إنَّ التَّفكيرَ في جَهَنَّمَ والخَوفَ مِنها لا يُزيلُ لَذائذَ ثَمَراتِ الإيمانِ المَذكُورةَ ولا يُفَوِّتُها، لأنَّ الرَّحمةَ الرَّبّانيّةَ الواسِعةَ تَهتِفُ بذلك الخائفِ: "تَعالَ إلَيَّ، فدُونَك بابَ التَّوبةِ، ادخُلْ مِنه"، فإنَّ وُجُودَ جَهَنَّمَ ليس للتَّخوِيفِ، بل لِيُعَرِّفَك لَذائذَ الجَنّةِ مَعرِفةً كامِلةً، ولِيُذِيقَك إيّاها تَذَوُّقًا كامِلًا، ولِيَأخُذَ لك ولِمَخلُوقاتٍ غيرِ مَحدُودةٍ الثَّأْرَ والِانتِقامَ مِمَّنِ انتَهَك حُقُوقَ الجَميعِ واعتَدَى علَيها، ولِيُفرِحَكُم جَمِيعًا بِهَذا ويُدخِلَ السُّرُورَ عَلَيكُم.
فيا غارِقًا في الضَّلالة وليس بمُستَطِيعٍ أن يَخرُجَ مِنها.. إنَّ وُجُودَ جَهَنَّمَ لهُو أَفضَلُ لك مِنَ العَدَمِ الأَبَدِيِّ، إذ في وُجُودِها نَوعٌ مِنَ الرَّحمةِ حتَّى للكُفّارِ أَنفُسِهم، لأنَّ الإنسانَ یی والحَيَواناتِ الوَلُودةَ یی يَستَمتِعُ بتَمَتُّعِ أَقارِبِه وأَولادِه وأَحبابِه ويَسعَدُ یی مِن جِهةٍ یی بسَعادَتِهم.. فيا أيُّها المُلحِدُ.. إمّا أنَّك ستَسقُطُ في هاوِيةِ العَدَمِ باعتِبارِ ضَلالَتِك، أو ستَدخُلُ نارَ جَهَنَّم.. ولَمّا كان العَدَمُ شَرًّا مَحْضًا، فإنَّ الإعدامَ النِّهائيَّ لِأَحبابِك
— 60 —
جَميعًا ومِمَّن تُسعَدُ بسَعادَتِهم مِن أَقارِبِك وآبائِك ونَسلِك، سيُحرِقُ رُوحَك ويُعذِّبُ قَلبَك ويُؤلِمُ ماهِيَّتَك الإنسانيّةَ أَكثَرَ مِن عَذابِ جَهَنَّمَ بأَلفِ مَرّةٍ؛ لأنَّه لو لم تكُن جَهَنَّمُ لَمَا كانَت هناك جَنّةٌ أيضًا.. فيَسقُطُ كلُّ شيءٍ إذًا بكُفرِك إلى العَدَمِ؛ ولكن إذا دَخَلْتَ جَهَنَّمَ وبَقِيتَ ضِمنَ دائرةِ الوُجُودِ، فإنَّ أَحبابَك وأَقارِبَك إمّا أنَّهم سيُسعَدُون في الجَنّةِ أو أنَّهم يكُونُون ضِمنَ دَوائرِ وُجُودٍ تحتَ رَحمةِ اللهِ سُبحانَه.. فلا مَناصَ لك إلّا أن تَقبَلَ بوُجُودِ جَهَنَّمَ، إذِ العَداءُ لوُجُودِها ورَفضُه يعني الِانحِيازَ إلى العَدَمِ المَحْضِ، الَّذي هو إبادةُ سَعادةِ جَميعِ الأَحِبّةِ والأَصدِقاءِ وإفناؤُهم!
نعم، إنَّ جَهَنَّمَ دارُ وُجُودٍ تُؤَدِّي مُهِمّةَ السِّجنِ بحِكمةِ الحَكيمِ الجَليلِ وعَدالَتِه، وهي مَوضِعٌ مُرعِبٌ ومَهيبٌ ضِمنَ دائرةِ الوُجُودِ الَّذي هو الخَيرُ المَحضُ، زِدْ على ذلك: لها وَظائفُ أُخرَى وخِدماتٌ جَليلةٌ وحِكَمٌ شَتَّى تَخُصُّ عالَمَ البَقاءِ؛ فهي مَسكَنٌ ذُو جَلالٍ وهَيبةٍ لكَثيرٍ مِن ذَوِي الحَياةِ أَمثالَ الزَّبانِيَةِ.
النُّكتةُ الثانية:
إنَّ وُجُودَ جَهَنَّمَ وعَذابَها الشَّديدَ لا يُنافي قَطعًا الرَّحمةَ غيرَ المَحدُودةِ، ولا العَدالةَ الحَقيقيّةَ، ولا الحِكمةَ المَوزُونةَ الَّتي لا إسرافَ فيها، بل إنَّ الرَّحمةَ والعَدالةَ والحِكمةَ تَتَطلَّبُ وُجُودَ جَهَنَّمَ وتَقتَضيه، لأنَّ قَتلَ حَيَوانٍ افتَرَسَ مِئةً مِنَ الحَيَواناتِ، أو إنزالَ عِقابٍ بظالِمٍ هَتَكَ حُرُماتِ أَلفٍ مِنَ الأَبرِياءِ، هو رَحمةٌ بآلافِ الأَضعافِ للمَظلُومِين مِن خِلالِ العَدالةِ.. وإنَّ إعفاءَ ذلك الظّالِمِ مِنَ العِقابِ أوِ التَّجاوُزَ عنه، وتَرْكَ ذلك الحَيَوانِ الوَحشِيِّ طَليقًا، فيه ظُلمٌ شَنيعٌ وعَدَمُ رَحمةٍ لِمِئاتِ المَساكينِ بمِئاتِ الأَضعافِ، إزاءَ رَحمةٍ في غَيرِ مَوضِعِها.
ومِثلُ هذا أيضًا الكافرُ المُطلَقُ الَّذي يَدخُلُ سِجنَ جَهَنَّمَ، فإنَّه بكُفرِه يُنكِرُ حُقُوقَ الأَسماءِ الإِلٰهيّةِ الحُسنَى، أي: يَتَعدَّى على تلك الحُقُوقِ.. وبتَكذِيبِه لِشَهادةِ المَوجُوداتِ الشّاهِدةِ على تلك الأَسماءِ، يَتَعدَّى على حُقُوقِها أيضًا.. وبإنكارِه للوَظائفِ السَّامِيةِ للمَخلُوقاتِ یی وهي تَسبِيحاتُها تِجاهَ الأَسماءِ یی يَتَجاوَزُ على حُقُوقِها.. وبجُحُودِه
— 61 —
لِأَنواعِ العِباداتِ الَّتي تُؤَدِّيها المَخلُوقاتُ تِجاهَ تَظاهُرِ الرُّبُوبيّةِ والأُلُوهيّةِ یی وهي غايةُ خِلْقَتِها وسَبَبٌ مِن أَسبابِ وُجُودِها وبَقائها یی يَتَعدَّى تَعَدِّيًا صارِخًا على حُقُوقِ جَميعِ المَخلُوقاتِ؛ لذا فالكُفرُ جِنايةٌ عَظيمةٌ وظُلمٌ شَنيعٌ تَتَجاوَزُ بَشاعَتُه كلَّ حُدُودِ العَفوِ والمَغفِرةِ، فيَحِقُّ عليه إذًا تَهديدُ الآيةِ الكَريمةِ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ...، بل إنَّ عَدَم إلقاءِ مِثلِ هذا الشَّخصِ في جَهَنَّمَ رَحمةً به هو أَمرٌ يُنافي الرَّحمةَ مُنافاةً كُلِّيّةً في حَقِّ هذه الأَعدادِ الهائلةِ مِنَ المَخلُوقاتِ والكائناتِ الَّتي انتُهِكَت حُقُوقُها.
وهكذا مِثلَما يُطالِبُ أَصحابُ الدَّعاوَى بوُجُودِ جَهَنَّمَ، فإنَّ عِزّةَ جَلالِ اللهِ وعَظَمةَ كَمالِه سُبحانَه تَطلُبانِها قَطعًا.
نعم، إذا قالَ سَفيهٌ أو شَقِيٌّ عاصٍ لِحاكِمٍ عَزِيزٍ للبِلادِ: "إنَّك لا تَستَطيعُ أن تَقذِفَني في السِّجنِ، ولن تَقدِرَ على ذلك أَبَدًا"، مُتَجاوِزًا حَدَّه ومُتَعدِّيًا على عِزّةِ ذلك الحاكِمِ وعَظَمَتِه، فلا بُدَّ أنَّ ذلك الحاكِمَ سيُنشِئُ سِجنًا لذلك السَّفيهِ المُتَعدِّي حتَّى لو لم يكُن هناك سِجنٌ في البِلادِ. كذلك الأَمرُ في الكافِرِ المُطلَقِ، فإنَّه بكُفرِه يَتَعدَّى بشِدّةٍ على عِزّةِ جَلالِه سُبحانَه، وبإنكارِه يَتَحدَّى عَظَمةَ قُدرَتِه، وبتَجاوُزِه يَمَسُّ كَمالَ رُبُوبيَّتِه، فإن لم يكُن هناك حتَّى تلك الأَسبابُ المُوجِبةُ وتلك المُبَرِّراتُ الكَثيرةُ والحِكَمُ العَديدةُ والوَظائفُ الكَثيرةُ لِجَهنَّمَ ولِوُجُودِها؛ فإنَّ خَلْقَ جَهَنَّمَ لِمِثلِ هؤلاء الكُفّارِ وإلقاءَهم فيها هو مِن شَأنِ تلك العِزّةِ وذلك الجَلالِ.
ثمَّ إنَّ ماهِيّةَ الكُفرِ نَفسَها تُوحِي بجَهَنَّمَ، إذ كما أنَّ ماهِيّةَ الإيمانِ إذا تَجَسَّمَت يُمكِنُ أن تَبنيَ بلَذائذِها ونَعيمِ جَمالِها جنةً خاصّةً في وِجدانِ الإنسانِ وقَلبِه، هي جَنّةٌ مُصَغَّرةٌ تُومِئُ وتُخبِرُ عن جَنّةِ الخُلدِ الَّتي تَنتَظِرُه في الآخِرةِ؛ كذلك الكُفرُ یی ولا سِيَّما الكُفرُ المُطلَقُ یی والنِّفاقُ والرِّدّةُ، فيه مِنَ الآلامِ والأَعذِبةِ والظُّلُماتِ المُرعِبةِ بحيثُ لو تَجَسَّمَت وتأَصَّلَت في نَفسِ صاحِبِها لكَوَّنَت له جَهَنَّمَه الخاصّةَ به، تلك الَّتي تُشِيرُ إلى ما سيُفضِي إلَيه في آخِرَتِه مِن جَهَنَّمَ هي أَشَدُّ هَوْلًا وأَشَدُّ عَذابًا.. ولقد أَثبَتْنا هذا بدَلائلَ قاطِعةٍ في رَسائلِ النُّورِ، وأُشِيرَ إلَيه في مُستَهَلِّ المَسائلِ السّابِقةِ أيضًا.
— 62 —
ولَمّا كانَت هذه الدُّنيا مَزرَعةَ الآخِرةِ، فالحَقائقُ الصَّغيرةُ الَّتي فيها تُثمِرُ وتَتَسَنبَلُ في الآخِرة، فهذه البِذرةُ السّامّةُ (الكُفرُ) تُشِيرُ مِن هذه الزّاوِيةِ إلى شَجَرةِ الزَّقُّومِ تلك، وتقُولُ: "أنا أَصلُ تلك الشَّجَرةِ وجَوهَرُها.. فمَن يَحمِلُني في قَلبِه مِنَ المَنكُوبين سأُثمِرُ له نَمُوذَجًا خاصًّا مِن تلك الشَّجَرةِ المَلعُونةِ".
وما دامَ الكُفرُ تَعَدِّيًا على حُقُوقٍ غيرِ مَحدُودةٍ، وتَجاوُزًا فاضِحًا، فهو إذًا جِنايةٌ غيرُ مَحدُودةٍ، لذا يَجعَلُ صاحِبَه مُستَحِقًّا لِعَذابٍ غيرِ مَحدُودٍ؛ فلَئِن كان القَتلُ الَّذي يَحدُثُ في دَقيقةٍ واحِدةٍ يُذِيقُ القاتِلَ خَمسَ عَشْرةَ سنةً مِنَ العَذابِ (ما يُقارِبُ ثَمانيةَ مِليونِ دَقيقةٍ)، ويُعتَبرُ ذلك مُوافِقًا للعَدالةِ البَشَريّةِ ومُوافِقًا للمَصلَحةِ العامّةِ وحُقُوقِها؛ فلا جَرَمَ أنَّ دَقيقةً واحِدةً مِنَ الكُفرِ المُطلَقِ یی على اعتِبارِ الكُفرِ أَلفَ قَتلٍ یی تُقَابَلُ إذًا بعَذابٍ يَقرُبُ مِن ثَمانيةِ مِلياراتٍ مِنَ الدَّقائقِ، على وَفقِ تلك العَدالةِ الإنسانيّةِ، فالَّذي يَقضِي سَنةً كامِلةً مِن عُمُرِه في الكُفرِ إذًا يَستَحِقُّ عَذابَ تِرليُونَينِ وثَمانِ مِئةٍ وثَمانين مِليارًا مِنَ الدَّقائقِ، أي: يكُونُ أَهلًا لی: خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا
هذا، وإنَّ الأُسلُوبَ المُعجِزَ للقُرآنِ الكَريمِ في بَيانِه الجَنّةَ والنّارَ، وما في "رَسائلِ النُّورِ" یی الَّتي هي فَيضٌ مِنه وتَفسِيرُه یی مِن حُجَجٍ حَولَ وُجُودِهما، لم يَتْرُكا مَجالًا لِأَيِّ إيضاحٍ آخَرَ.. فآياتٌ كَثيرةٌ جِدًّا أَمثالُ: وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ٭ إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا، وأَغلَبُ ما كان يُرَدِّدُه الرَّسُولُ الأَكرَمُ (ص) في أَدعِيَتِه في كلِّ وَقتٍ، والأَنبِياءُ عَلَيهِم السَّلَام وأَهلُ الحَقيقةِ مِن: «أَجِرْنا مِنَ النّارِ».. "نَجِّنا مِنَ النّارِ".. "خَلِّصْنا مِنَ النّارِ"... الَّذي حازَ عِندَهم قَطعِيّةً تامّةً بِناءً على الوَحيِ والشُّهُودِ.. كلُّ ذلك يُبيِّنُ لنا أنَّ أَعظَمَ قَضِيّةٍ للبَشَريّةِ على الأَرضِ إنَّما هي النَّجاةُ مِنَ النّارِ، وأنَّ أَعظَمَ حَقيقةٍ وأَدهَشَها مِن حَقائقِ الكائِناتِ، بل أَكثَرَها أَهَمِّيّةً إنَّما هي "جَهَنَّمُ" الَّتي يُشاهِدُها قِسمٌ مِن أُولَئك المُحَقِّقين وأَهلِ الشُّهُودِ والكَشْفِ، ويَرَى آخَرُون أَلسِنةَ لَهِيبِها وظُلمةَ سَوادِها، ويَسمَعُ بَعضُهم أَزِيزَ تَضَرُّمِها وفَوَرانِها، فيَصرُخُون مِن هَوْلِها: «أَجِرْنا مِنَ النّارِ».
— 63 —
نعم، إنَّ تَقابُلَ الخَيرِ والشَّرِّ في هذا الكَونِ، واللَّذّةِ والأَلَمِ، والنُّورِ والظَّلامِ، والحَرارةِ والبُرُودةِ، والجَمالِ والقُبحِ، والهِدايةِ والضَّلالةِ؛ وتَداخُلَ بعضِها ببَعضٍ، إنَّما هي لِحِكمةٍ كُبْرَى، لأَنَّه ما لم يكُن هناك الشَّرُّ فلا يُفهَمُ الخَيرُ، وما لم يكُن هناك الأَلَمُ فلا تُعرَفُ اللَّذّةُ، والضِّياءُ مِن دُونِ ظَلامٍ إزاءَه لا يَبِينُ جَمالُه، ودَرَجاتُ الحَرارةِ تَتَحقَّقُ بوُجُودِ البُرُودةِ، وتُصبِحُ حَقيقةٌ واحِدةٌ مِنَ الجَمالِ أَلفًا مِنَ الحَقائقِ بوُجُودِ القُبحِ، بل يَكتَسِبُ آلافًا مِن أَنواعِ الجَمالِ ومَراتبِ الحُسنِ، ويَختَفي الكَثيرُ مِن لَذائذِ الجَنّةِ بعَدَمِ وُجُودِ جَهَنَّمَ.. فقِياسًا على هذا يُمكِنُ أن يُعرَفَ كلُّ شيءٍ مِن جِهةٍ بضِدِّه، وبوُجُودِ الضِّدِّ يُمكِنُ أن تُثمِرَ حَقيقةٌ واحِدةٌ حَقائقَ عِدّةً.
فما دامَت هذه المَوجُوداتُ المُختَلِطةُ تَسِيل سَيلًا مِن دارِ الفَناءِ إلى دارِ البَقاءِ، فلا بُدَّ أنَّ الخَيرَ واللَّذّةَ والنُّورَ والجَمالَ والإيمانَ وأَمثالَها تَسِيلُ إلى الجَنّةِ، ويَتَساقَطُ الشَّرُّ والأَلَمُ والظَّلامُ والقُبحُ والكُفرُ وأَمثالُها مِنَ الأَمُورِ المُضِرّةِ إلى جَهَنَّم؛ فتَسِيلُ سُيُولُ هذه الكائناتِ المُتَلاطِمةِ دائمًا إلى ذَينِك الحَوضَينِ وتَهدَأُ ساكِنةً عِندَهما نِهايةَ المَطافِ.
نكتَفي بهذا القَدْرِ ونُحيلُ إلى ما جاء في نِهايةِ "الكَلِمة التَّاسِعةِ والعِشرين" مِن نِكاتٍ رَمزِيّةٍ.
يا زُمَلاءَ الدِّراسةِ في هذه المَدرَسةِ اليُوسُفيّة..
إنَّ السَّبيلَ اليَسِيرةَ للنَّجاةِ مِنَ السِّجنِ الأَبَدِيِّ المُرعِبِ "جَهَنَّمَ" إنَّما هي في اغتِنامِنا فُرصةَ بَقائِنا في السِّجنِ الدُّنيَوِيِّ، هذا الَّذي قَصَّر أَيدِيَنا عن كَثيرٍ مِنَ الآثامِ فأَنقَذَنا مِنها؛ فما علَينا إذًا إلّا الِاستِغفارُ والتَّوبةُ عمّا اقتَرَفناه مِن ذُنُوبٍ سابِقةٍ، مع أَداءٍ للفَرائضِ، كي نُحَوِّلَ كلَّ ساعةٍ مِن ساعاتِ هذا السِّجنِ بحُكمِ يومٍ مِنَ العِبادةِ، فهي إذًا أَفضَلُ فُرصةٍ لنا للنَّجاةِ مِنَ السِّجنِ الأَبَديِّ، ولِدُخُولِنا الجَنّةَ النُّورانيّةَ.. فلَئِن فاتَتْنا هذه الفُرصةُ فسَنُغرِقُ آخِرَتَنا بالعَبَراتِ كما هي حالُ دُنيانا، ويَحِقُّ علَينا قولُه تَعالَى: خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ
— 64 —
كانَت أَصواتُ تكبِيرةِ عِيدِ الأَضحَى المُبارَكِ تَتَعالَى حِينَما كان هذا البَحثُ يُكتَبُ، فذَهَب بي الخَيالُ إلى أنَّ خُمُسَ البَشَريّةِ يُرَدِّدُون: «اللهُ أَكبَرُ» ، وأنَّ أَكثَرَ مِن ثَلاثِ مِئةِ مِليُونِ مُسلمٍ يُرَدِّدُونَه معًا، فكأنَّ صَوتَ «اللهُ أَكبَرُ» يَتَعالَى بكِبَرِ كُرةِ الأَرضِ وبسَعَتِها فتُسمِعُ الأَرضُ أَخَواتِها الكَواكِبَ السَّيّارةَ هذه الكَلِمةَ المُقدَّسةَ في أَرجاءِ السَّماواتِ.. وهناك أَكثَرُ مِن عِشرِين أَلفًا مِنَ الحُجّاجِ في عَرَفةَ والعِيدِ يُرَدِّدُون معًا صَدَى ما قالَه الرَّسُولُ الأَكرَمُ (ص) قبلَ أَلفٍ وثلاثِ مِئةِ سنةٍ معَ الآلِ والأَصحابِ الكَرامِ وأَمَرَ به.. فأَحسَسْتُ إحساسًا كامِلًا، بلِ اقتَنَعتُ اقتِناعًا تامًّا أنَّ تلك الأَصداءَ والأَصواتَ والتَّردِيداتِ إنَّما هي عُبُودِيّةٌ واسِعةٌ كُلِّيّةٌ تُقابِلُ تَجَلِّيَ الرُّبُوبيّةِ الإِلٰهيّةِ الكُلِّيّةِ بعَظَمةِ "رَبِّ الأَرضِ" "رَبِّ العالَمِينَ".
ثمَّ سَأَلتُ نَفسِي: تُرَى ما وَجهُ العَلاقةِ بينَ الآخِرةِ وهذه الكَلِمةِ المُقدَّسةِ "اللهُ أَكبَرُ"؟ فتَذَكَّرتُ فَورًا أنَّ هذه الكَلِمةَ معَ الكَلِماتِ الطَّيِّباتِ الباقياتِ الصّالِحاتِ: «سُبحانَ اللهِ، والحَمدُ للهِ، ولا إِلٰهَ إلّا اللهُ» وأَمثالِها مِن كَلِماتِ شَعائرِ الإسلامِ تُذَكِّرُ یی بلا شَكٍّ یی بالآخِرةِ سَواءٌ بصُورةٍ جُزئيّةٍ أو كُلِّيّةٍ وتُشِيرُ إلى تَحَقُّقِها.
إنَّ أَحَدَ أَوجُهِ مَعاني "اللهُ أَكبَرُ" هو: أنَّ قُدرةَ اللهِ وعِلمَه هي فوقَ كلِّ شيءٍ وأَكبَرُ وأَعظَمُ مِن كلِّ شيءٍ، فلن يَخرُجَ أيُّ شيءٍ كان مِن دائرةِ عِلمِه، ولن يَهرُبَ مِن تَصَرُّفِه وقُدرَتِه، ولن يُفلِتَ مِنها قَطعًا، فهو سُبحانَه أَكبَرُ مِن كلِّ كَبيرٍ نَخافُه ونَستَعظِمُه؛ أي: أَكبَرُ مِن إيجادِ الحَشرِ الَّذي نَستَهوِلُه، وأَكبَرُ مِن إنقاذِنا مِنَ العَدَمِ، وأَكبَرُ مِن مَنْحِنا السَّعادةَ الأَبَدِيّةَ؛ فهو أَكبَرُ مِن أيِّ شيءٍ عَجِيبٍ، ومِن أيِّ شيءٍ خارِجَ نِطاقِ عَقلِنا، إذ يقُولُ سُبحانَه: مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ، فصَراحةُ هذه الآيةِ الكَريمةِ تُبيِّنُ أنَّ حَشْرَ البَشَريّةِ ونَشرَهم جَميعًا سَهلٌ وهَيِّنٌ على القُدرةِ الإِلٰهيّةِ كإيجادِ نَفسٍ واحِدةٍ، فلا عَجَبَ أن يَجرِيَ مَجرَى الأَمثالِ قَولُ الإنسانِ: "اللهُ أَكبَرُ، اللهُ أَكبَرُ" كلَّما رَأَى شَيئًا عَظِيمًا أو مُصِيبةً كُبرَى أو غايةً عُظمَى، مُسَلِّيًا بها نَفسَه، جاعِلًا مِن هذه الكَلِمةِ العَظيمةِ قُوّةً عَظيمةً يَستَنِدُ إلَيها.
— 65 —
نعم، إنَّ هذه الكَلِمةَ معَ قَرِينَتِها: «سُبحانَ اللهِ، والحَمدُ للهِ» فِهرِسُ جَميعِ العِباداتِ وبُذُورُ الصَّلاةِ وخُلاصَتُها یی كما جاءَت في "الكَلِمةِ التاسِعةِ" یی فتَكرارُ هذه الكَلِماتِ یی وهي حَقائقُ عُظمَى ثلاثٌ في الصَّلاةِ وفي أَذكارِها یی إنَّما هو لتَقوِيةِ مَعنَى الصَّلاةِ وتَعمِيقِه وتَرسِيخِه، وهي إجابةٌ قاطِعةٌ للأَسئلةِ الَّتي تَنشَأُ مِنَ التَّعَجُّبِ واللَّذّةِ والهَيبةِ الَّتي تَأخُذُ بأَقطارِ نَفسِ الإنسانِ حِينَما يُشاهِدُ الكَونَ ويَرَى ما يُثيرُه ويُحيِّرُه وما يَسُوقُه إلى الشُّكرانِ، وما هو مَدارُ العَظَمةِ والكِبرِياءِ مِن أُمُورٍ عَجيبةٍ وجَميلةٍ وعَظيمةٍ ووَفيرةٍ وما هو فوقَ ما اعتادَه.
نعم، إنَّ الجُندِيَّ يَدخُلُ إلى حَضرةِ السُّلطانِ ودِيوانِه في العِيدِ بمِثلِ دُخُولِ القائدِ العامِّ إلَيه، بَينَما في سائرِ الأَيّامِ يَعرِفُ سُلطانَه مِن رُتبةِ الضّابطِ ومِن مَقامِه یی كما جاءَ في خِتامِ "الكَلِمة السّادِسةَ عَشْرةَ" یی فكلُّ شَخصٍ في الحَجِّ كذلك يَبدَأُ بمَعرِفةِ مَولاه الحَقِّ سُبحانَه وتَعالَى باسمِ "رَبِّ الأَرضِ ورَبِّ العالَمين" مَعرِفةً أَشبَهَ ما تكُونُ بمَعرِفةِ الأَولياءِ الصّالِحين؛ فكُلَّما تَفتَّحَت مَراتِبُ الكِبْرِياءِ والعَظَمةِ الإِلٰهيّةِ في حَنايا قَلبِه أَجابَ بی"اللهُ أَكبَرُ"، لِما تَستَولي على رُوحِه مِن أَسئِلةٍ مُكرَّرةٍ مُلِحّةٍ مُحَيِّرةٍ، فی"اللهُ أَكبَرُ" هو الجَوابُ القاطِعُ لِدابِرِ أَهَمِّ دَسائسِ الشَّيطانِ، كما جاءَ في "اللَّمعةِ الثّالثةَ عَشْرةَ".
نعم، فكما أنَّ هذه الكَلِمةَ: «اللهُ أَكبَرُ» تُجِيبُ عن سُؤالِنا حَولَ الآخِرةِ إجابةً قَصيرةً وقَوِيّةً في ذاتِ الوَقتِ، فإنَّ جُملةَ «الحَمدُ للهِ» هي الأُخرَى تُذَكِّرُ بالحَشرِ وتَستَدعِيه، إذ تقُولُ لنا: "لا يَتِمُّ مَعنايَ دُونَ الآخِرةِ"، لأنَّ مَعنايَ يُفِيدُ: "كلُّ حَمدٍ أو شُكرٍ يَصدُرُ مِن أيِّ حامِدٍ ويَقَعُ على أيِّ مَحمُودٍ كان، ابتِداءً مِنَ الأَزَلِ إلى الأَبَدِ، هو خاصٌّ به سُبحانَه"، ولِأَنَّ السَّعادةَ الأَبَديّةَ هي أَصلُ جَميعِ النِّعمِ وذِروَتُها، وهي الَّتي تُحِيلُ النِّعَمَ نِعَمًا حَقيقيّةً لا تَزُولُ ولا تَحُولُ، وهي الَّتي تُنقِذُ جَميعَ ذَوِي الشُّعُورِ مِن مَصائبِ العَدَمِ وتُخَلِّصُهم مِنها، لذا فهي وَحْدَها يُمكِنُ أن تُقابِلَ مَعنايَ الكُلِّيَّ.
نعم، إنَّ تَرديدَ كلِّ مُؤمنٍ يَومِيًّا عَقِبَ الصَّلاةِ بما يَأمُرُ به الشَّرعُ بأَكثَرَ مِن مِئةٍ وخَمسِين مَرّةً: «الحَمدُ للهِ» في الأَقَلِّ، والَّتي تُفيدُ حَمْدًا وثَناءً وشُكْرًا واسِعًا جِدًّا مُمتَدًّا
— 66 —
مِنَ الأَزلِ إلى الأَبدِ إنَّما هو ثَمَنٌ يَدفَعُه مُقَدَّمًا لِنَيلِ السَّعادةِ الأَبَديّةِ في الجَنّةِ، إذ لا يُمكِنُ أن يُحصَرَ مَعنَى الحَمدِ على نِعَمِ الدُّنيا القَصيرةِ الفانيةِ المُنَغَّصةِ بالآلامِ، ولا يُمكِنُ أن يكُونَ مُقتَصِرًا علَيها؛ بل حتَّى لو تَأَمَّلتَ في تلك النِّعَمِ نَفسِها تَرى أنَّها ليست إلّا وَسائلَ لِنَعَمٍ أَبَديّةٍ خالِدةٍ تَستَحِقُّ الشُّكرَ علَيها.
أمّا كَلِمةُ «سُبحانَ اللهِ» فإنَّها تَعني: تَنزِيهَ اللهِ سُبحانَه وتَقدِيسَه مِن كلِّ شَريكٍ وتَقصِيرٍ ونَقصٍ وظُلمٍ وعَجْزٍ وقَسْوةٍ وحاجةٍ وحِيلةٍ، وكلِّ ما يُخالِفُ كَمالَه وجَمالَه وجَلالَه؛ وهذا المَعنَى يُذَكِّرُ بالسَّعادةِ الأَبَديّةِ ويَدُلُّ على الآخِرةِ الَّتي هي مِحوَرُ عَظَمَتِه سُبحانَه وجَلالِه وكَمالِه.. ويُشِيرُ أيضًا إلى ما في تلك الدّارِ مِن جَنّةِ نَعيمٍ ويَدُلُّ علَيها، وإلّا فلو لم تكُن هناك سَعادةٌ أَبَديّةٌ فإنَّ أَصابعَ الِاتِّهامِ تَتَوجَّهُ إلى عَظَمَتِه سُبحانَه وكَمالِه وجَلالِه وجَمالِه ورَحمَتِه، فتَشُوبُها بالتَّقصِيرِ والنُّقصانِ، تَعالَى اللهُ عن ذلك عُلُوًّا كَبِيرًا.. أي: إنَّ الآخِرةَ لا رَيبَ فيها، إذ هي مُقتَضَى سُلطانِ اللهِ وكَمالِه وجَلالِه وجَمالِه ورَحمَتِه سُبحانَه.
وهكذا، فإنَّ هذه الكَلِماتِ المُقدَّسةَ الثَّلاثَ معَ «باسمِ اللهِ» و «لا إِلٰهَ إلّا اللهُ» وسائرَ الكَلِماتِ المُبارَكةِ، كلٌّ مِنها بِذرةٌ مِن بُذُورِ الأَركانِ الإيمانيّةِ، وكلٌّ مِنها خُلاصةٌ لِحَقائقِ الأَركانِ الإيمانيّةِ والحَقائقِ القُرآنيّةِ.
وكما أنَّ هذه الكَلِماتِ الثَّلاثَ هي نَوَى الصَّلاةِ وبُذُورُها فهي نَوَى القُرآنِ الكَريمِ أيضًا، كما تُشاهَدُ في بَدْءِ بعضِ السُّوَرِ الباهِرةِ حيثُ تُفتَتَحُ وكأنَّها جَوهَرةٌ لامِعةٌ في مُستَهَلِّها، وهي كُنُوزٌ حَقيقيّةٌ وأُسُسٌ مَتينةٌ لِأَجزاءٍ مِن رَسائلِ النُّورِ الَّتي تُستَهَلُّ أَكثَرُ سَوانِحِها في أَذكارِ الصَّلاةِ، وهي أَيضًا أَورادُ الطَّرِيقةِ المُحَمَّديّةِ تُذكَرُ عَقِبَ الصَّلاةِ ضِمنَ دائرةٍ واسِعةٍ جِدًّا للوِلايةِ الأَحمَدِيّةِ والعُبُودِيّةِ المُحَمَّديّةِ، فعِندَ كلِّ صَلاةٍ هنالك أَكثَرُ مِن مِئةِ مِليُونِ مُؤمِنٍ في تلك الحَلْقةِ الكُبْرَى للذِّكْرِ يُرَدِّدُون معًا ثلاثًا وثلاثين مَرّةً: «سُبحانَ اللهِ» وثَلاثًا وثَلاثين مَرّةً: «الحَمدُ للهِ» وثَلاثًا وثَلاثين مَرّةً: «اللهُ أَكبَرُ» ، فلا بُدَّ أنَّك تُدرِكُ مَدَى أَهَمِّيّةِ قِراءةِ تلك الكَلِماتِ المُبارَكاتِ الثَّلاثِ الَّتي هي بُذُورُ القُرآنِ
— 67 —
والإيمانِ والصَّلاةِ وخُلاصَتُها، ومَدَى ثَوابِ تَردِيدِها بثَلاثٍ وثَلاثين مَرّةً عَقِبَ الصَّلاةِ ضِمنَ تلك الحَلْقةِ الواسِعةِ.
وهكذا، فكما أنَّ "المَسأَلةَ الأُولَى" مِن هذه الرِّسالةِ كانَت دَرْسًا قَيِّمًا في الصَّلاةِ، فإنَّ آخِرَ الرِّسالة هذه أَصبَحَ یی دُونَ اختِيارِي یی دَرْسًا مُهِمًّا حَولَ أَذكارِ الصَّلاةِ! والحَمدُ للهِ على نَعمائِه.
سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
— 68 —

المسألة التاسعة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ... إلى آخر الآية.
إنَّ السَّببَ الَّذي أَدَّى إلى إيضاحِ هذه الآيةِ الجامِعةِ السَّامِيةِ العَظِيمةِ ودَعا إلى بَيانِها، هو حالةٌ خاصّةٌ مُعَيَّنةٌ نَتَجَت عن سُؤالٍ مَعنَويٍّ مُثيرٍ، وعنِ انكِشافِ نِعمةٍ إِلٰهيّةٍ عَظِيمةٍ، كالآتي:
فقد وَرَد إلى الرُّوحِ هذا السُّؤالُ: لِمَ يُعتَبَرُ كافِرًا مَن يُنكِرُ جُزءًا مِن حَقيقةٍ إيمانيّةٍ، ولا يُعَدُّ مُسلِمًا مَن لم يَقْبَلْها، معَ أنَّ نُورَ الإيمانِ باللهِ واليَومِ الآخِرِ كالشَّمسِ يَنبَغِي أَن يُبَدِّدُ كلَّ ظَلامٍ؟
ثمَّ، لِمَ يُصبِحُ مُرتَدًّا مَن يُنكِرُ حَقيقةً أو رُكنًا إيمانيًّا ويُردِيه إلى الكُفرِ المُطلَقِ، ومَن لم يَقبَلْها يَخرُجْ مِن دائرةِ الإسلامِ؛ بَينَما يَنبَغي أن يُنقِذَه إِيمانُه بالأَركانِ الأُخرَى یی إنْ وُجِدَ یی مِن ذلك الكُفرِ المُطلَقِ؟
الجَوابُ: إنَّ الإيمانَ حَقيقةٌ واحِدةٌ نابِعةٌ مِن سِتّةِ أَركانٍ مُتَّحِدةٍ ومُوَحَّدةٍ لا تَقبَلُ التَّفريقَ، وهو كُلِّيٌّ لا يَتَحمَّلُ التَّجزِئةَ، وهو كُلٌّ لا تَقبَلُ أَركانُه الِانقِسامَ، ذلك لأنَّ كلَّ رُكنٍ مِن تلك الأَركانِ الإيمانيّةِ معَ حُجَجِه الَّتي تُثبِتُه، يُثبِتُ بَقِيّةَ الأَركانِ، فيُصبِحُ كلُّ رُكنٍ حُجّةً قاطِعةً عُظمَى لكلٍّ مِنَ الأَركانِ الأُخرَى.. لذا فالَّذي لا يَتَمكَّنُ مِن جَرحِ جَميعِ الأَركانِ مع جَميعِ أَدِلَّتِها يَعجِزُ كُلِّيًّا مِن جِهةِ الحَقيقةِ عن نَفيِ رُكنٍ واحِدٍ مِنها، وتَفنِيدِ حَقيقةٍ واحِدةٍ مِن حَقائقِها؛ إلّا أن يُغمِضَ المُنكِرُ عَينَيه ويَتَشبَّثَ بعَدَمِ القَبُولِ أوِ
— 69 —
الرَّفضِ، فيَدخُلُ عِندَئذٍ الكُفرَ العِنادِيَّ، ويَسُوقُه ذلك بمُرُورِ الزَّمَنِ إلى الكُفرِ المُطلَقِ، فتَنعَدِمُ إنسانِيَّتُه ويُولِّي إلى جَحيمٍ مادِّيٍّ فَضلًا عمَّا هو فيه مِن جَحِيمٍ مَعنَوِيٍّ.

وكما قد بَيَّنَّا باقتِضابٍ في مَسائلِ "الثَّمَرةِ" دَلالةَ الأَركانِ الإيمانيّةِ على الحَشرِ، كذلك سنُبيِّنُ هنا بإشاراتٍ مُختَصَرةٍ جِدًّا ومُجمَلةٍ: المَغزَى العَمِيقَ العَظيمَ لهذه الآيةِ، مُعتَمِدِين على عِنايَتِه سُبحانَه.. وذلك في سِت hNنِقاطٍ:

النُّقطةُ الأُولى:
إنَّ «الإيمانَ بالله» بحُجَجِه القاطِعة يُثبِتُ «الإيمانَ بالآخِرةِ» ، مع إثباتِه سائِرَ الأَركانِ الإيمانيّةِ الأُخرَى، كما وُضِّح في "المَسأَلةِ السّابعةِ".
نعم، إنَّ سَلطَنةَ الرُّبُوبيّةِ وقُدرَتَها الأَزَليّةَ وقُوَّتَها الباقيةَ وغِناها المُطلَقَ وحاكِمِيّةَ الأُلُوهيّةِ الأَبَديّةَ والدَّائمةَ الَّتي تُدِيرُ هذا الكَونَ غيرَ المَحدُودِ یی معَ جَميعِ لَوازِمِه وضَرُورِيّاتِه یی كإدارةِ قَصرٍ أو مَدِينةٍ.. والَّتي تُصَرِّفُ جَميعَ شُؤُونِه ضِمنَ نِظامٍ ومِيزانٍ، وتُغيِّرُه على وَفقِ حِكَمٍ كَثيرةٍ.. والَّتي تُديرُ الذَّرّاتِ والكَواكِبَ، وتُجَهِّزُ الذُّبابَ والنُّجُومَ معًا كالجُنُودِ المُطِيعين للجَيشِ المُنَسَّقِ.. والَّتي تَسُوقُ الجَميعَ ضِمنَ إرادَتِها وأَمرِها إلى استِعراضٍ هائلٍ عامٍّ للعُبُودِيّةِ الخالِصةِ، مِن خِلالِ مُناوَرةٍ سامِيةٍ وابتِلاءٍ واختِبارٍ وتَدرِيبٍ على الوَظائفِ وتَعليمٍ لها، بفَعّاليّةٍ ونَشاطٍ دائمٍ وسَيرٍ وجَوَلانٍ مُستَمِرٍّ.. هل يُمكِنُ، أم هل يُعقَل، لا بل هل هناك أيُّ احتِمالٍ قَطُّ في ألّا يكُونَ هُناك مَقَرٌّ باقٍ، ومَملَكةٌ دائمةٌ، وظُهُورٌ خالِدٌ، وتَجَلٍّ سَرمَدِيٌّ في دارٍ أَبَديّةٍ لِمِثلِ هذه السَّلطَنةِ الأَبَديّةِ ولِمِثلِ هذه الحاكِمِيّةِ الباقيةِ الدّائمةِ؟! حاشا وكلَّا.. وأَلفُ مَرّةٍ: كلَّا.
فسَلطَنةُ رُبُوبيّةِ اللهِ جَلَّ وعَلا وعَظَمَتُها إذًا، وأَغلَبُ أَسماءِ اللهِ الحُسنَى یی كما جاءَ في "المَسأَلةِ السّابعةِ" یی وجَميعُ دَلائلِ وحُجَجِ وُجُوبِ وُجُودِه سُبحانَه وتَعالَى، تَشهَدُ جَميعًا وتَدُلُّ على «الآخِرةِ» وتَقتَضِيها.
فما أَعظَمَ مُرتَكَزَ هذا الرُّكنِ الإيمانِيِّ العَظيمِ! وما أَمْتَنَ نُقطةَ استِنادِه! أَلَا فأَدْرِكْ ذلك، وصَدِّقْ به كأَنَّك تَراه.
— 70 —
ثمَّ إنَّ «الإيمانَ باللهِ» كما لا يُمكِنُ أن يكُونَ دُونَ «الإيمانِ بالآخِرةِ» ، كذلك لا يُمكِنُ ولا يُعقَلُ أن يكُونَ «الإيمانُ بالله» دُونَ «الإيمانِ بالرُّسُلِ» مِثلَما ذُكِرَ مُلَخَّصًا في «رِسالةِ الحَشرِ».
وذلك: أنَّ اللهَ تَعالَى الَّذي خَلَق هذا الكَونَ إظهارًا لِأُلُوهيَّتِه ومَعبُودِيَّتِه، على هَيئةِ كِتاب صَمَدانِيٍّ مُجَسَّمٍ بحيثُ تُعَبِّرُ كلُّ صَحيفةٍ مِن صَحائفِه عن مَعاني كِتابٍ، ويُظهِرُ كلُّ سَطرٍ مِن أَسطُرِه مَعنَى صَحيفةٍ.. وخَلَقَه على شَكلٍ قُرآنٍ سُبحانِيٍّ مُجَسَّمٍ بحيثُ إنَّ كلَّ آيةٍ مِن آياتِه التَّكوينيّةِ، وكلَّ كَلِمةٍ مِن كَلِماتِه، بل حتَّى كلَّ حرفٍ مِنه وكلَّ نُقطةٍ بمَثابةِ مُعجِزةٍ تُقدِّسُه وتُسَبِّحُه.. وخَلَقَه على صُورةِ مَسجِدٍ رَحمانِيٍّ مَهِيبٍ، وزَيَّنه بما لا يُحَدُّ مِنَ الآياتِ والنُّقُوشِ الحَكيمةِ، بحيثُ إنَّ في كلِّ زاوِيةٍ مِن زَواياه طائفةً مُنهَمِكةً بنَوعٍ مِنَ العِبادةِ الفِطريّةِ لخالِقِهُّ الرَّحمٰنِ..
فهل يُمكِنُ ألّا يُرسِلَ هذا الخالقُ المَعبُودُ الحَقُّ أساتِذةً ليُدَرِّسوا مَعانِيَ ما في ذلك الكِتابِ الكَبيرِ ويُعلِّمُوا ما فيه؟! أم هل يُمكِنُ ألّا يَبعَثَ مُفسِّرين ليُفَسِّروا آياتِ ذلك القُرآنِ المُجَسَّمِ الصَّمَدانِيِّ؟! أم هل يُمكِنُ ألّا يُعيِّنَ أَئمّةً لذلك المَسجِدِ الأَكبَرِ ليَؤُمُّوا الَّذين يَعبُدُونه بأَنماطٍ وأَشكالٍ مُختَلِفةٍ مِنَ العِباداتِ؟! أم هل يُمكِنُ ألّا يُزَوِّدَ أُولَئك الأَساتِذةَ والمُفَسِّرين والأَئمّةَ بالأَوامِرِ السُّلطانيّةِ؟! حاشا للهِ وكلَّا.. وأَلفُ مَرّةٍ كلَّا.!
ثمَّ إنَّ الخالقَ الرَّحيمَ الكَريمَ الَّذي خَلَق هذا الكَونَ إظهارًا لِجَمالِ رَحمَتِه على ذَوِي الشُّعُورِ وحُسنِ رَأفَتِه بهم وكَمالِ رُبُوبيَّتِه لهم، ولِيَحُثَّهم على الشُّكرِ والحَمدِ، قد خَلَقَه على هَيئةِ دارِ ضِيافةٍ فَخْمةٍ، ومَعرِضٍ رائعٍ واسِعٍ، ومُتَنزَّهٍ جَميلٍ بَديعٍ؛ وأَعَدَّ فيه ما لا يُحَدُّ مِنَ النِّعَمِ اللَّذيذةِ المُتَنوِّعةِ المُختَلِفةِ؛ ونَظَّم فيه ما لا يُعَدُّ مِن خَوارِقِ الصَّنعةِ وبَدائعِها الرَّائعةِ..
فهل يُمكِنُ ألّا يَتَكلَّمَ هذا الخالقُ الرَّحيمُ الكَريمُ بواسِطةِ رُسُلِه، مع ذَوِي الشُّعُورِ مِن مَخلُوقاتِه في دارِ ضِيافَتِه الفاخِرةِ هذه؟! أم هل يُعقَلُ ألّا يُعَلِّمَهم وَظائفَ شُكرِهم
— 71 —
وكَيفيّةَ امتِنانِهم تِجاهَ تلك النِّعَمِ الجَسِيمةِ، ومَهامَّ عُبُودِيَّتِهم تِجاهَ رَحمَتِه السّابِغةِ وتَوَدُّدِه الظّاهِر؟! كلَّا.. ثمَّ أَلفُ أَلفِ مَرّةٍ: كلَّا!!
ثمَّ إنَّ الخالقَ الَّذي يُحِبُّ خَلْقَه وصَنْعَتَه، ويُرِيدُ جَلْبَ الإعجابِ والتَّقدِيرِ إلَيه، بل يَطلُبُ استِحسانَه وإكبارَه، بدَلالةِ إيداعِه الإحساسَ بآلافِ الأَنواعِ مِنَ الأَذواقِ في الأَفواهِ، فيُعَرِّفُ نَفسَه سُبحانَه بكلِّ مَخلُوقٍ مِن مَخلُوقاتِه ويُظهِرُ به نَوعًا مِن جَمالِه المَعنَوِيِّ ويَجعَلُه مَوضِعَ حُبِّ مَخلُوقاتِه، فزَيَّن هذا الكَونَ ببَدائعِ صَنائعِه ومَخلُوقاتِه.
فهل يُعقَلُ ألّا يَتَكلَّمَ هذا الخالقُ البَديعُ معَ أَفاضِلِ الإنسانِ الَّذي هو سَيِّدُ المَخلُوقاتِ؟! وهل يُمكِنُ ألّا يَبعَثَ مِن أُولَئك الأَفاضِلِ رُسُلًا، فتَظَلَّ تلك الصَّنائعُ الجَميلةُ دُونَ تَقدِيرٍ، ويَظَلَّ جَمالُ تلك الأَسماءِ الحُسنَى الخارِقةِ دُونَ استِحسانٍ ولا إعجابٍ، ويَظَلَّ تَعرِيفُه وتَحبِيبُه دُونَ مُقابِلٍ؟! حاشا لله وكلَّا.. ثمَّ أَلفُ مَرّةٍ: كلَّا!
ثمَّ إنَّ المُتكلِّمَ العَليمَ الَّذي يَستَجِيبُ في الوَقتِ المُناسِبِ لِدَعَواتِ جَميعِ ذَوِي الحَياةِ، مُلَبِّيًا حاجاتِها الفِطرِيّةَ، ومُغِيثًا تَضَرُّعاتِها ورَغَباتِها المَرفُوعةَ إلَيه بلِسانِ الحالِ، فيَتَكلَّمُ صَراحةً فِعلًا وحالًا بإحسَانَاتِه غيرِ النِّهائيّةِ لهم وإنعاماتِه غيرِ المَحدُودةِ علَيهم، مُظهِرًا القَصْدَ والِاختِيارَ والإرادةَ؛ فهل يُمكِنُ وهل يُعقَلُ أن يَتَكلَّمَ هذا المُتَكلِّمُ العَليمُ معَ أَصغَرِ كائنٍ حَيٍّ فِعلًا وحَالًا، ويُسعِفَ داءَه ويُغِيثَه بإحسانِه ويَسُدَّ حَاجَاتِه، ثمَّ لا يُقابِلَ الرُّؤَساءَ المَعنَويِّين للإنسانِ الَّذي هو سَيِّدُ أَغلَبِ المَخلُوقَاتِ الأَرضِيّةِ، وهو خَليفةُ اللهِ في أَرضِه، وهو النَّتيجةُ المُستَخلَصةُ مِنَ الكائناتِ؟! أم هل يُعقَلُ ألّا يَتَكلَّمَ معَهم قَولًا وكَلامًا مِثلَما يَتَكلَّمُ معَ كلِّ ذِي حَياةٍ فِعلًا وحالًا؟! أم هل يُمكِنُ ألّا يُرسِلَ معَهم أَوامِرَه وصُحُفَه وكُتُبَه المُقَدَّسةَ؟ حاشَا لله كلَّا.. ثمَّ أَلفُ مَرّةٍ: كلَّا.!
وهكذا يُثبِتُ «الإيمانُ بالله» مع حُجَجِه القاطِعةِ الثّابتةِ الإيمانَ «بكُتُبِه» المُقدَّسةِ «وبرُسُلِه» الكِرام عَلَيهِم السَّلَام.
ثمَّ إنَّ الَّذي جَعَل الكَونَ يُدَوِّي بحَقيقةِ القُرآنِ ويَتَرنَّمُ بها، والَّذي عَرَفَ وعَرَّفَ بأَكمَلِ وَجهٍ ذلك الخالقَ البَديعَ فأَحَبَّه وحَبَّبه، وأَدَّى شُكرَه له ودَلَّ الآخَرين على القيامِ
— 72 —
بشُكرِه، بل جَعَل الأَرضَ تُردِّدُ: «سُبحانَ اللهِ، والحَمدُ للهِ، واللهُ أَكبَرُ» حتَّى أَسمَعَتِ السَّماواتِ العُلا.. والَّذي قابلَ الرُّبُوبيَّةَ الظَّاهِرةَ للخالقِ بعُبُودِيّةٍ واسِعةٍ كُلِّيّةٍ، فقادَ خُمُسَ البَشَريَّةِ كَمِيَّةً ونِصفَها نَوعِيَّةً خِلالَ أَلفٍ وثلاثِ مِئةِ سنةٍ قِيادةً أَهاجَ بها البَرَّ والبَحرَ ومَلَأَهما شَوقًا ووَجْدًا.. والَّذي هَتَف بالقُرآنِ الكَريمِ في أُذُنِ الكَونِ وعلى مَدَى جَميعِ العُصُورِ إزاءَ المَقاصِدِ الإِلٰهيّة، فأَلقَى دَرْسًا عَظيمًا، ودَعا بدَعوةٍ كَريمةٍ، مُظهِرًا وَظِيفةَ الإنسانِ وقيمَتَه، ومُبيِّنًا مَرتَبَتَه ومَنزِلَتَه.. ذلك هو مُحمَّدٌ الأَمينُ (ص) الصَّادِقُ المُصَدَّقُ بأَلفِ مُعجِزةٍ ومُعجِزةٍ.
فهل يُمكِنُ ألّا يكُونَ هذا العَبدُ العَزيزُ المُصطَفَى المُختارُ أَكرَمَ رَسولٍ لذلك المَعبُودِ الحَقِّ؟! وهل يُمكِنُ ألّا يكُونَ أَعظَمَ نَبيٍّ له؟ حاشا وكلَّا.. أَلفُ أَلفِ مَرّةٍ: كلَّا!!
فحَقيقةُ «أَشهَدُ أنْ لا إِلٰهَ إلّا اللهُ» معَ حُجَجِها إذًا تُثبِتُ حَقيقةَ «أَشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا رسولُ اللهِ».
ثمَّ إنَّ الخالقَ الَّذي جَعَل مَخلُوقاتِه يَتَبادَلُون الكَلامَ بمِئاتِ الآلافِ مِنَ الأَلسِنةِ واللُّغاتِ، وهو الَّذي يَسمَعُ كَلامَ الجَميعِ ويَعرِفُه، فهل يُمكِنُ ألّا يَتَكلَّم هو؟! كلَّا ثمَّ كلَّا! ثمَّ هل يُعقَلُ ألّا يُعَلِّم مَقاصِدَه الإِلٰهيّةَ بكِتابٍ عَظيمٍ كالقُرآنِ الكَريمِ الَّذي يُجِيبُ عن ثلاثةِ أَسئِلةٍ تَحارُ العُقُول أَمامَها: مِن أينَ تأتي هذه المَخلُوقاتُ؟ والى أينَ المَصِيرُ؟ ولماذا تَتَعاقَبُ ثمَّ لا تَلبَثُ أن تَغِيبَ؟.. كلَّا.
فالقُرآنُ الكَريمُ الَّذي نَوَّر ثلاثةَ عَشَرَ قَرْنًا وأَضاءَها.. والَّذي يَتَناقَلُه في كلِّ ساعةٍ مِئةُ مِليُونِ لِسانٍ بكلِّ إجلالٍ وتَوقيرٍ.. والَّذي سُطِّر في صُدُورِ مَلايينِ الحُفّاظِ بكلِّ سُمُوٍّ وقَداسةٍ.. والَّذي أَدارَ بقَوانينِه القِسمَ الأَعظَمَ مِنَ البَشَريّةِ، ورَبَّى نُفُوسَهم وزَكَّى أَرواحَهم، وصَفَّى قُلُوبَهم وأَرشَد عُقُولَهم.. والَّذي هو مُعجِزةٌ خالِدةٌ كما أَثبَتْنا إعجازَه بأَربعينَ وَجهًا في رَسائلِ النُّورِ، فوَضَحَ أنَّ له إعجازًا لكلِّ طَبَقةٍ مِنَ الطَّبَقاتِ الأَربعينَ للنَّاسِ یی كما جاءَ في "المَكتُوبِ التّاسِعَ عَشَرَ" ذي الكَرامةِ الخارِقةِ یی. هذا
— 73 —
القُرآنُ العَظيمُ استَحَقَّ بحَقٍّ أن يُطلَق علَيه: "كَلامُ اللهِ"، فأَصبَحَ مُحمَّدٌ (ص) معَ آلافٍ مِن مُعجِزاتِه مُعجِزةً باهِرةً له.
فهل يُمكِنُ ألّا يكُونَ هذا القُرآنُ الكَريمُ كَلامَ ذلك المُتكَلِّمِ الأَزَليِّ سُبحانَه؟! وهل يُمكِنُ ألّا يكُونَ أَوامرَ ذلك الخالِقِ السَّرمَدِيِّ جلَّ وعلا؟! حاشا لله وكلَّا.. أَلفُ أَلفِ مَرّةٍ: كلَّا!
فی «الإيمانُ بالله» معَ جَميعِ حُجَجِه إذًا يُثبِتُ أنَّ القُرآنَ الكَريمَ كَلامُ اللهِ عزَّ وجلَّ.
ثمَّ إنَّ السُّلطانَ ذا الجَلالِ الَّذي يَملَأُ سَطْحَ الأَرضِ بذَوِي الحَياةِ باستِمرارٍ ويُفرِغُه، مُعمِّرًا دُنيانا بذَوِي الشُّعُورِ لِأَجلِ مَعرِفَتِه سُبحانَه وعِبادَتِه وتَسبِيحِه..
هل يُمكِنُ لهذا السُّلطانِ ذي الجَلالِ أن يَتْرُكَ السَّماواتِ والنُّجُومَ خاليةً فارِغةً، ولا يُعمِّرَ تلك القُصُورَ السَّماوِيّةَ بأَهالي وسَكَنةٍ تُناسِبُها؟..
وهل يُمكِنُ أن يَتْرُكَ هذا السُّلطانُ العَظيمُ سَلطَنةَ رُبُوبيَّتِه في أَوسَعِ مَمالِكِه بلا هَيْبةٍ وعَظَمةٍ، وبلا مُوَظَّفِين مَأمُورِين، وبلا سُفَراءَ رُسُلٍ، وبلا ناظِرِين مُشرِفِين، وبلا مُشاهِدِين مُعجَبِين، وبلا عِبادٍ مُكرَمِين، وبلا رَعايا مُطِيعِين؟! حاشا لله وكلَّا.. بعَدَدِ المَلائكةِ.
ثمَّ إنَّ الحاكِمَ الحَكيمَ والعَليمَ الرَّحيمَ الَّذي كَتَب هذا الكَونَ بشَكلِ كِتابٍ، حتَّى سَجَّل تارِيخَ حَياةِ كلِّ شَجَرةٍ في كلِّ بِذْرٍ مِن بُذُورِها، ودَوَّن وَظائفَ حَياةِ كلِّ عُشبٍ ومَهامَّ كلِّ زَهرٍ في جَميعِ نَواها.. وكَتَب جَميعَ حَوادِثِ الحَياةِ لكلِّ ذِي شُعُورٍ في قُواه الحافِظةِ الصَّغيرةِ كحَبّةِ الخَرْدَلِ.. واحتَفَظَ بكلِّ عَمَلٍ في مُلكِه كافّةً وبكلِّ حادِثةٍ في دَوائرِ سَلطَنَتِه بالْتِقاطِ صُوَرِها المُتَعدِّدةِ.. والَّذي خَلَق الجَنّةَ والنّارَ والصِّراطَ والمِيزانَ الأَكبرَ لِأَجلِ تَجَلِّياتِ وتَحَقُّقِ العَدالةِ والحِكمةِ والرَّحمةِ الَّتي هي أَهَمُّ أَساسٍ للرُّبُوبيّةِ..
فهل يُمكِنُ لهذا الحاكِمِ الحَكيمِ ولهذا العَليمِ الرَّحيمِ ألّا يُسَجِّلَ أَعمالَ الإنسانِ الَّتي تَتَعلَّقُ بالكائناتِ؟!
— 74 —
وهل يُمكِنُ ألّا يُدَوِّنَ أَفعالَه للثَّوابِ والعِقابِ، ولا يَكتُبَ سَيِّئاتِه وحَسَناتِه في أَلواحِ القَدَرِ؟! حاشا لله وكلَّا بعَدَدِ حُرُوفِ ما كُتِبَ في اللَّوحِ المَحفُوظِ للقَدَرِ.
أي: إنَّ حَقيقةَ «الإيمانِ بالله» معَ حُجَجِها تُثبِتُ حَقيقةَ «الإيمانِ بالمَلائكةِ» ، كما تُثبِتُ حَقيقةَ «الإيمانِ بالقَدَرِ» أَيضًا إثباتًا قاطِعًا، كالشَّمسِ الَّتي تُظهِرُ النَّهارَ والنَّهارِ الَّذي يَدُلُّ على الشَّمسِ.
وهكذا، فالأَركانُ الإيمانيّةُ يُثبِتُ بعضُها بَعضًا.
النُّقطةُ الثانية:
إنَّ جَميعَ ما دَعَت إلَيه الكُتُبُ والصُّحُفُ السَّماوِيّةُ وفي مُقَدِّمَتِها القُرآنُ الكَريمُ، وجَميعَ الدَّعَواتِ الَّتي قامَ بها الأَنبِياءُ عَلَيهِم السَّلَام وفي مُقَدِّمَتِهم مُحمَّدٌ (ص)، تَدُورُ على أُسُسٍ ثابِتةٍ وأَركانٍ مُعيَّنةٍ؛ ولقد سَعَى جَميعُهم لإثباتِ الأُسُسِ وتَلقِينِها للآخَرين.. لِذا فجَميعُ الحُجَجِ والدَّلائلِ الَّتي تَشهَدُ على نُبُوَّتِهم وصِدقِهم مُتَوجِّهةٌ معًا إلى تلك الأُسُسِ والأَركانِ مِمّا يَزِيدُها قُوّةً وأَحَقِّيّةً. وما تلك الأُسُسُ إلّا الإيمانُ باللهِ، وباليومِ الآخِرِ، وبمَلائكَتِه، وكُتُبِه، ورُسُلِه، وبالقَدَرِ خَيرِه وشَرِّه مِنَ اللهِ تَعالَى.
فلا يُمكِنُ إذًا التَّفريقُ بينَ أَركانِ الإيمانِ السِّتّةِ إطلاقًا، حيثُ إنَّ كُلَّ رُكنٍ مِنَ الأَركانِ يُثبِتُ الأَركانَ عامّةً بل يَستَدعِيها ويَقتَضِيها، لذا فإنَّ الأَركانَ السِّتّةَ كلٌّ لا يَقبَلُ التَّجزِئةَ البَتّةَ، وكُلِّيٌّ لا يُمكِنُ أن يَنقَسِم أبدًا؛ فكما أنَّ كلَّ غُصنٍ مِن أَغصانِ الشَّجَرةِ المُبارَكةِ یی شَجَرةِ طُوبَى یی المُمتَدِّ جَذرُها في السَّماءِ، وكلَّ ثَمَرٍ مِن ثِمارِها وكلَّ وَرَقةٍ مِن أَوراقِها يَستَنِدُ إلى الحَياةِ الخالِدةِ لتلك الشَّجَرةِ، فلا يُمكِنُ لِأَحَدٍ أن يُنكِرَ حَياةَ وَرَقةٍ واحِدةٍ مُتَّصِلةٍ بتلك الشَّجَرةِ ما لم يَتَحقَّقْ له إنكارُ حَياةِ تلك الشَّجَرةِ الظّاهِرةِ ظُهُورًا ساطِعًا كالشَّمسِ؛ ولَئِن أَنكَرَ فإنَّ تلك الشَّجَرةَ تُكَذِّبُه بعَدَدِ أَغصانِها وثِمارِها وأَوراقِها وتُسْكِتُه، كذلك الإيمانُ بأَركانِه السِّتّةِ هو بالصُّورةِ نَفسِها.
هذا، ولقد كانَتِ النِّيّةُ مَعقُودةً على بَيانِ الأَركانِ الإيمانيّةِ السِّتّةِ في سِتِّ نِقاطٍ وفي كلِّ نُقطةٍ خَمسُ نِكاتٍ ذاتِ مَغزًى، وكانَتِ الرَّغبةُ مُتَوجِّهةً إلى إجابةِ السُّؤالِ
— 75 —
المُثيرِ الوارِدِ في المُقدِّمةِ ببَيانٍ أَكثَرَ وتَوضِيحٍ أَوْسَعَ، إلّا أنَّ عوائقَ وعَوارِضَ حالَت دُونَ ذلك؛ بَيْدَ أنَّني أَخالُ أنَّ "النُّقطةَ الأُولَى" لم تَدَع سَبِيلًا لإيضاحٍ أَكثَرَ لِأَهلِ الدِّرايةِ، حيثُ إنَّها مِقياسٌ كافٍ للمَوضُوعِ.
وهكذا وُضِّحَ تَمامًا أنَّه: إذا ما أَنكَرَ المُسلِمُ أيّةَ حَقيقةٍ إيمانيّةٍ كانَت فإنَّه يَتَردَّى إلى الكُفرِ المُطلَقِ، إذ تَسَلسَلَتِ الأَركانُ الإيمانيّةُ بعضُها ببَعضٍ، وفُصِّلَ في الإسلامِ ووُضِّحَ ما أُجمِل في الأَديانِ الأُخرَى.. فالمُسلِمُ الَّذي لا يَعرِفُ مُحمَّدًا (ص) ولا يُصَدِّقُ به فلا يَعرِفُ اللهَ سُبحانَه (بصِفاتِه) ولا يَعرِفُ الآخِرةَ كذلك.. فإيمانُ المُسلِمِ قَوِيٌّ ورَصِينٌ إلى دَرَجةٍ لا يَتَزَعزَعُ أَبَدًا، ولا يَدَعُ مَجالًا للإِنكارِ قَطعًا، لِاستِنادِه إلى حُجَجٍ كثيرةٍ جِدًّا، حتَّى كأنَّ العَقلَ يَرضَخُ رُضُوخًا لِقَبُولِ هذا الإيمانِ.
النُّقطة الثالثة:
قلتُ ذاتَ مَرّةٍ: «الحَمدُ للهِ» ، ثمَّ بَحَثتُ عن نِعمةٍ عَظيمةٍ جِدًّا تُقابِلُ مَعناها الواسِعَ جِدًّا، فخَطَر على القَلبِ الجُملةُ الآتيةُ:
الحَمدُ للهِ على الإيمانِ باللهِ، وعلى وَحْدانيَّتِه، وعلى وُجُوبِ وُجُودِه، وعلى صِفاتِه، وأَسمائِه، حَمْدًا بعَدَدِ تَجَلِّياتِ أَسمائِه مِنَ الأَزَلِ إلى الأَبَدِ.
فتَأَمَّلتُ فيها فوَجَدتُها مُطابِقةً تَمامًا للمَعنَى.. وهي كالآتي:

..............

— 76 —

المسألة العاشرة

زهرة أميرداغ
(ردٌّ شافٍ ومُقنِعٌ على اعتراضاتٍ تَرِدُ حولَ التَّكرارِ في القرآنِ الكريم)
إخواني الأعِزّاءَ الأوفياءَ..
كنتُ أُعاني مِن حالةٍ مُضطَرِبةٍ بائِسةٍ حِينَما تَناوَلْتُ هذه المَسأَلةَ بالكِتابةِ، لِذا اكتَنَفَها شيءٌ مِنَ الغُمُوضِ لِكَونِها بَقِيَت كما جاءَت عَفْوَ الخاطِرِ؛ ولكنِّي أَدرَكتُ أنَّ تلك العِباراتِ المُشَوَّشةَ تَنطَوِي على إعجازٍ رائِعٍ.. فيا أَسَفَى إذْ لم أَستَطِع أن أُوفِيَ حَقَّ هذا الإعجازِ مِنَ الأَداءِ والتَّعبِيرِ، فعِباراتُ الرِّسالةِ مَهما كانَت خافِتةَ الأَنوارِ، إلّا أنَّها تُعَدُّ یی مِن حيثُ تَعَلُّقُها بالقُرآنِ الكَريمِ یی "عِبادةً فِكرِيّةً" وصَدَفَةً تَضُمُّ لَآلِئَ نَفيسةً سامِيةً، فالرَّجاءُ أن تَصرِفُوا النَّظَرَ عن قِشرَتِها وتُنعِمُوا النَّظَرَ بما فيها مِن لَآلِئَ ساطِعةٍ.. فإن وَجَدتُمُوها جَدِيرةً حَقًّا فاجْعَلُوها "المَسأَلةَ العاشِرةَ" لرِسالةِ الثَّمَرةِ، وإلّا فاقبَلُوها رِسالةً جَوابيّةً عن تَهانِيكُم.
ولقدِ اضطُرِرتُ إلى كِتابَتِها في غايةِ الإجمالِ والِاقتِضابِ، لِما كُنتُ أُكابِدُ مِن سُوءِ التَّغذِيةِ وأَوجاعِ الأَمراضِ، حتَّى إنَّني أَدرَجتُ في جُملةٍ واحِدةٍ مِنها حَقائقَ وحُجَجًا غَزِيرةً، وأَتمَمتُها بفَضلِ اللهِ في يَومَينِ مِن أَيّامِ شَهرِ رَمَضانَ المُبارَكِ.. فأَرجُو المَعذِرةَ عمَّا بَدَر مِنِّي مِن تَقصِيرٍ. (حاشية): هذه المسألة زُهَيرة لطيفة وَضَّاءة لهذا الشَّهر الكَرِيم ولِمَدِينة "أَميرْداغْ"، أُلحِقَت بی"ثَمَرَة" سجنِ "دَنِيزْلي" على أنَّها "المَسأَلة العَاشِرة"، فَهي تُزيلُ بإذن الله مَا يَنفُثُه أهلُ الضَّلالَة مِن سُمُومِ الأوهامِ العَفِنةِ حولَ ظاهرةِ التَّیكرار في القرآن، وذَلك بِبيَانِها حِكمةً مِن حِكَمِها الكَثيِرة.
— 77 —
إخوَتي الأَوفياءَ الصّادِقين..
حِينَما كُنتُ أَتلُو القُرآنَ المُعجِزَ البَيانِ في الشَّهرِ المُبارَكِ (رَمَضانَ)، تَدَبَّرتُ في مَعاني الآياتِ الثَّلاثِ والثَّلاثين الَّتي وَرَدَت إشارَاتُها إلى رَسائلِ النُّورِ في "الشُّعاعِ الأَوَّلِ"، فرَأَيتُ أنَّ كلَّ آيةٍ مِنها، بل آياتِ تلك الصَّفحةِ في المُصحَفِ ومَوضُوعَها، كأنَّها تُطِلُّ على رَسائلِ النُّورِ وطُلّابِها مِن جِهةِ نَيلِهم غَيضًا مِن فَيضِها وحَظًّا مِن مَعانيهاٍ، لا سِيَّما آيةَ النُّورِ في سُورةِ النُّورِ، فهي تُشِيرُ بالأَصابعِ العَشرِ إلى رَسائلِ النُّورِ، كما أنَّ الآياتِ الَّتي تَعقُبُها یی وهي آيةُ الظُّلُماتِ یی تُطِلُّ على مُعارِضِي الرَّسائلِ وأَعدائِها، بل تُعطِيهم حِصّةً كُبْرَى، إذْ لا يَخفَى أنَّ مَقامَ تلك الآياتِ وأَبعادَها ومَرامِيَها غيرُ قاصِرةٍ على زَمانٍ ومَكانٍ مُعَيَّنَينِ، بل تَشمَلُ الأَزمِنةَ والأَمكِنةَ جَمِيعَها، أي: تَخرُجُ مِن جُزئيّةِ الأَمكِنةِ والأَزمِنةِ إلى كُلِّيَّتِهما الشّامِلةِ؛ لِذا شَعَرتُ أنَّ رَسائلَ النُّورِ وطُلّابَها إنَّما يُمَثِّلُون في عَصرِنا هذا یی حَقَّ التَّمثيلِ یی فَردًا واحِدًا مِن أَفرادِ تلك الكُلِّيّةِ الشَّامِلةِ.
إنَّ خِطابَ القُرآنِ الكَريمِ قدِ اكتَسَب الصِّفةَ الكُلِّيّةَ والسَّعةَ المُطلَقةَ والرِّفعةَ السَّامِيةَ والإحاطةَ الشَّامِلةَ، لِصُدُورِه مُباشَرةً مِنَ المَقامِ الواسِعِ المُطلَقِ للرُّبُوبيّةِ العامَّةِ الشّامِلةِ للمُتَكلِّمِ الأَزَليِّ سُبحانَه.. ويَكتَسِبُها مِنَ المَقامِ الواسِعِ العَظيمِ لِمَن أُنزِل علَيه هذا الكِتابُ، ذلِكُمُ النَّبيُّ الكَريمُ (ص) المُمَثِّلُ للنَّوعِ البَشَريِّ والمُخاطَبُ باسمِ الإنسانيّةِ قاطِبةً، بل باسمِ الكائناتِ جَميعًا.. ويَكتَسِبُها أيضًا مِن تَوَجُّهِ الخِطابِ إلى المَقامِ الواسِعِ الفَسِيحِ لِطَبَقاتِ البَشَريّةِ كافّةً وللعُصُورِ كافّةً.. ويَكتَسِبُها أيضًا مِنَ المَقامِ الرَّفيعِ المُحيطِ النّابعِ مِنَ البَيانِ الشَّافي لِقَوانينِ اللهِ سُبحانَه المُتَعلِّقةِ بالدُّنيا والآخِرةِ، بالأَرضِ والسَّماءِ، بالأَزَلِ والأَبَدِ، تلك القَوانينِ الَّتي تَخُصُّ رُبُوبيَّتَه وتَشمَلُ أُمُورَ المَخلُوقاتِ كافّةً.
فهذا الخِطابُ الجَليلُ الَّذي اكتَسَب مِنَ السَّعةِ والسُّمُوِّ والإحاطةِ والشُّمُولِ ما اكتَسَب، يُبرِزُ إعجازًا رائعًا وإحاطةً شامِلةً، بحيثُ: إنَّ مَراتِبَه الفِطرِيّةَ والظّاهِرِيّةَ الَّتي تُلاطِفُ أَفهامَ العَوامِّ البَسِيطةَ یی وهم مُعظَمُ المُخاطَبِينَ یی تَمنَحُ في الوَقتِ نَفسِه حِصّةً
— 78 —
وافِرةً لِأَعلَى المُستَوَياتِ الفِكرِيّةِ ولِأَرقَى الطَّبَقاتِ العَقلِيّةِ، فلا يَهَبُ لِمُخاطَبِيه شَيئًا مِن إرشاداتِه وَحدَها، ولا يَخُصُّهم بعِبرةٍ مِن حِكايةٍ تارِيخيّةٍ فَقَطْ، بل يُخاطِبُ معَ ذلك كلَّ طَبَقةٍ في كلِّ عَصْرٍ یی لِكَونِها فَرْدًا مِن أَفرادِ دُستُورٍ كُلِّيٍّ یی خِطابًا نَدِيًّا طَرِيًّا جَدِيدًا كأنَّه الآنَ يَنزِلُ علَيهم.
ولا سِيَّما كَثرةُ تَكرارِه: الظَّالِمِينَ.. الظَّالِمِينَ.. وزَجْرُه العَنيفُ لهم وإنذارُه الرَّهِيبُ مِن نُزُولِ مَصائبَ سَماوِيّةٍ وأَرضِيّةٍ بذُنُوبِهم ومَظالِمِهم، فيَلفِتُ الأَنظارَ بهذا التَّكرارِ إلى مَظالِمَ لا نَظِيرَ لها في هذا العَصرِ، بعَرضِه أَنواعًا مِنَ العَذابِ والمَصائبِ النَّازِلةِ على قَوْمِ عادٍ وثَمُودَ وفِرعَونَ؛ وفي الوَقتِ نَفسِه يَبعَثُ السُّلوانَ والطُّمَأنينةَ إلى قُلُوبِ المُؤمِنين المَظلُومين، بذِكرِه نَجاةَ رُسُلٍ كِرامٍ أَمثالَ إبراهِيمَ ومُوسَى عَلَيهِمَا السَّلَام.
ثمَّ إنَّ هذا القُرآنَ العَظيمَ يُرشِدُ كلَّ طَبَقةٍ مِن كلِّ عَصرٍ إرشادًا واضِحًا بإعجازٍ رائعٍ مُبَيِّنًا: أنَّ "الأَزمِنةَ الغابِرةَ" والعُصُورَ المُندَثِرةَ الَّتي هي في نَظَرِ الغافِلين الضّالِّين وادٍ مِن عَدَمٍ سَحِيقٍ مُوحِشٍ رَهِيبٍ، ومَقبَرةٌ مُندَرِسةٌ أَليمةٌ كَئيبةٌ، يَعرِضُها صَحيفةً حَيّةً تَطفَحُ عِبَرًا ودُرُوسًا، وعالَمًا عَجِيبًا يَنبِضُ بالحَياةِ ويَتَدفَّقُ بالحَيَويّةِ مِن أَقصاه إلى أَقصاه، ومَملَكةً رَبّانيّةً تَرتَبِطُ معَنا بوَشائجَ وأَواصِرَ فيُبيِّنُها بإعجازِه البَدِيعِ واضِحةً جَلِيّةً كأنَّها مَشهُودةٌ تُعرَضُ أَمامَنا على شاشةٍ، فتارةً يأتي بتلك العُصُورِ ماثِلةً شاخِصةً أَمامَنا، وتارةً يَأخُذُنا إلى تلك العُصُورِ.
ويُبيِّنُ بالإعجازِ نَفسِه "الكَونَ" الَّذي يَراه الغافِلُون فَضاءً مُوحِشًا بلا نِهايةٍ، وجَماداتٍ مُضطَرِبةً بلا رُوحٍ تَتَدحرَجُ في دَوّامةِ الفِراقِ والآلامِ، يُبيِّنُه القُرآنُ كِتابًا بَليغًا، كَتَبه الأَحَدُ الصَّمَدُ، ومَدِينةً مُنَسَّقةً عَمَرَها الرَّحمٰنُ الرَّحِيمُ، ومَعرِضًا بَدِيعًا أَقامَه الرَّبُّ الكَريمُ لإِشهارِ مَصنُوعاتِه؛ فيَبعَثُ بهذا البَيانِ حَياةً في تلك الجَماداتِ، ويَجعَلُ بَعضَها يَسعَى لإِمدادِ الآخَرِ، وكلُّ جُزءٍ يُغيثُ الآخَرَ ويُعِينُه كأنَّه يُحاوِرُه مُحاوَرةً وُدِّيّةً صَمِيميّةً، فكلُّ شيءٍ مُسَخَّرٌ وكلُّ شيءٍ أُنِيطَ به وَظيفةٌ وواجِبٌ.. وهكذا يُلقِي القُرآنُ دُرُوسَ الحِكمةِ الحَقِيقيّةِ والعِلمِ المُنَوَّرِ إلى الإنسِ والجِنِّ والمَلائكةِ كافّةً.. فلا رَيبَ
— 79 —
أنَّ هذا القُرآنَ العَظيمَ الَّذي له هذا الإعجازُ في البَيانِ قَمِينٌ بأن يَحُوزَ خَواصَّ راقيةً عاليةً، ومِيزاتٍ مُقَدَّسةً سامِيةً، أَمثالَ:
في كلِّ حَرفٍ مِنه عَشْرُ حَسَناتٍ، بل أَلفُ حَسَنةٍ أَحيانًا، بل أُلُوفُ الحَسَناتِ في أَحيانٍ أُخرَى.. وعَجْزُ الجِنِّ والإنسِ عنِ الإتيانِ بمِثلِه ولوِ اجتَمَعُوا له.. ومُخاطَبَتُه بَني آدَمَ جَمِيعَهم بلِ الكائناتِ برُمَّتِها مُخاطَبةً بَلِيغةً حَكِيمةً.. وحِرْصُ المَلايينِ مِنَ النّاسِ في كلِّ عَصْرٍ على حِفظِه عن ظَهرِ قَلْبٍ بشَوقٍ ومُتعةٍ.. وعَدَمُ السَّأَمِ مِن تِلاوَتِه الكَثيرةِ رَغمَ تَكراراتِه.. واستِقرارُه التّامُّ في أَذهانِ الصِّغارِ اللَّطِيفةِ البَسِيطةِ معَ كَثرةِ ما فيه مِن جُمَلٍ ومَواضِعَ تَلتَبِسُ علَيهِم.. وتَلَذُّذُ المَرضَى والمُحتَضَرين الَّذين يَتَألَّمُون حتَّى مِن أَدنَى كَلامٍ بسَماعِه، وجَرَيانُه في أَسماعِهم عَذْبًا طَيِّبًا.. وغَيرُها مِنَ الخَواصِّ السَّامِيةِ والمَزايا المُقدَّسةِ الَّتي يَحُوزُها القُرآنُ الكَريمُ، فيَمنَحُ قُرَّاءَه وتَلامِيذَه أَنواعًا مِن سَعادةِ الدَّارَينِ.
ويُظهرُ إعجازَه الجَميلَ أيضًا في "أُسلُوبِ إرشادِه البَلِيغِ" حيثُ راعَى أَحسَنَ الرِّعايةِ أُمِّيّةَ مُبَلِّغِه الكَريمِ (ص) باحتِفاظِه التّامِّ على سَلاسَتِه الفِطرِيّةِ، فهو أَجَلُّ مِن أن يَدنُوَ مِنه تَكَلُّفٌ أو تَصَنُّعٌ أو رِياءٌ مَهما كان نَوعُه، فجاءَ أُسلُوبُه مُستَساغًا لَدَى العَوامِّ الَّذين هم أَكثَريّةُ المُخاطَبِين مُلاطِفًا بَساطةَ أَذهانِهم بتَنَزُّلاتِه الكَلامِيّةِ القَرِيبةِ مِن أَفهامِهم.. باسِطًا أَمامَهم صَحائفَ ظاهِرةً ظُهُورًا بَدِيهيًّا كالسَّماواتِ والأَرضِ.. مُوَجِّهًا الأَنظارَ إلى مُعجِزاتِ القُدرةِ الإِلٰهيّةِ وسُطُورِ حِكمَتِه البالِغةِ المُضمَرَتَينِ تحتَ العادِيّاتِ مِنَ الأُمورِ والأَشياءِ.
ثمَّ إنَّ القُرآنَ الكَريمَ يُظهِرُ نَوعًا مِن إعجازِه البَدِيعِ أَيضًا في "تَكرارِه البَليغِ" لِجُملةٍ واحِدةٍ، أو لِقِصّةٍ واحِدةٍ، وذلك عِندَ إرشادِه طَبَقاتٍ مُتَبايِنةً مِنَ المُخاطَبين إلى مَعانٍ عِدّةٍ وعِبَرٍ كَثيرةٍ في تلك الآيةِ أوِ القِصّةِ، فاقتَضَى التَّكرارَ، حيثُ إنَّه كِتابُ دُعاءٍ ودَعوةٍ كما أنَّه كِتابُ ذِكرٍ وتَوحيدٍ، وكلٌّ مِن هذا يَقتَضِي التَّكرارَ، فكلُّ ما كُرِّرَ في القُرآنِ الكَريمِ إذًا مِن آيةٍ أو قِصّةٍ إنَّما تَشتَمِلُ على مَعنًى جَديدٍ وعِبرةٍ جَديدةٍ.
— 80 —
ويُظهِرُ إِعجازَه أَيضًا عِندَ تَناوُلِه "حَوادِثَ جُزئيّةً" وَقَعَت في حَياةِ الصَّحابةِ الكِرامِ أَثناءَ نُزُولِه وإرسائِه بِناءَ الإسلامِ وقَواعِدَ الشَّرِيعةِ، فتَراه يَأخُذُ تلك الحَوادِثَ بنَظَرِ الِاهتِمامِ البالِغِ، مُبيِّنًا بها أنَّ أَدَقَّ الأُمُورِ لِأَصغَرِ الحَوادِثِ جُزئيّةً إنَّما هي تحتَ نَظَرِ رَحمَتِه سُبحانِه، وضِمنَ دائرةِ تَدبِيرِه وإرادَتِه، فَضْلًا عن أنَّه يُظهِرُ بها سُنَنًا إِلٰهيّةً جارِيةً في الكَونِ ودَساتيرَ كُلِّيّةً شامِلةً؛ زِدْ على ذلك أنَّ تلك الحَوادِثَ الَّتي هي بمَثابةِ النُّوَيّاتِ عِندَ تَأسِيسِ الإسلامِ والشَّرِيعةِ، ستُثمِرُ فيما يأتي مِنَ الأَزمانِ ثِمارًا يانِعةً مِنَ الأَحكامِ والفَوائدِ.
إنَّ تَكَرُّرَ الحاجةِ يَستَلزِمُ التَّكرارَ. هذه قاعِدةٌ ثابِتةٌ، لذا فقد أَجابَ القُرآنُ الكَريمُ عن أَسئِلةٍ مُكرَّرةٍ كَثيرةٍ خِلالَ عِشرِين سَنةً، فأَرشَدَ بإجاباتِه المُكَرَّرةِ طَبَقاتٍ كَثيرةً مُتَبايِنةً مِنَ المُخاطَبِين؛ فهو يُكَرِّرُ جُمَلًا تَملِكُ أُلُوفَ النَّتائجِ، ويُكَرِّرُ إرشاداتٍ هي نَتِيجةٌ لِأَدِلّةٍ لا حَدَّ لها، وذلك عِندَ تَرسِيخِه في الأَذهانِ وتَقرِيرِه في القُلُوبِ ما سيَحدُثُ مِنِ انقِلابٍ عَظِيمٍ وتَبَدُّلٍ رَهيبٍ في العالَمِ، وما سيُصِيبُه مِن دَمارٍ وتَفَتُّتِ الأَجزاءِ، وما سيَعقُبُه مِن بِناءِ الآخِرةِ الخالِدةِ الرّائعةِ بَدَلًا مِن هذا العالَمِ الفاني.
ثمَّ إنَّه يُكَرِّرُ تلك الجُمَلَ والآياتِ أيضًا عِندَ إثباتِه أنَّ جَميعَ الجُزئيّاتِ والكُلِّيّاتِ ابتِداءً مِنَ الذَّرّاتِ إلى النُّجُومِ إنَّما هي في قَبْضةِ واحِدٍ أَحَدٍ سُبحانَه وضِمنَ تَصَرُّفِه جَلَّ شَأنُه.
ويُكرِّرُها أيضًا عِندَ بَيانِه الغَضَبَ الإِلٰهيَّ والسَّخَطَ الرَّبّانِيَّ على الإنسانِ المُرتَكِبِ للمَظالِمِ عِندَ خَرْقِه الغايةَ مِنَ الخَلقِ، تلك المَظالِمِ الَّتي تُثيرُ هَيَجانَ الكائناتِ والأَرضِ والسَّماءِ والعَناصِرِ وتُؤَجِّجُ غَضَبَها على مُقتَرِفيها.
لِذا فإنَّ تَكرارَ تلك الجُمَلِ والآياتِ عِندَ بَيانِ أَمثالِ هذه الأُمُورِ العَظِيمةِ الهائلةِ لا يُعَدُّ نَقصًا في البَلاغةِ قَطُّ، بل هو إعجازٌ في غايةِ الرَّوعةِ والإبداعِ، وبَلاغةٌ في غايةِ العُلُوِّ والرِّفعةِ، وجَزالةٌ یی بل فَصاحةٌ یی مُطابِقةٌ تَطابُقًا تامًّا لِمُقتَضَى الحالِ، فعلى سَبِيلِ المِثالِ:
— 81 —
إنَّ جُملةَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هي آيةٌ واحِدةٌ تَتكرَّرُ مِئةً وأَربَعَ عَشْرةَ مَرّةً في القُرآنِ الكَريمِ، ذلك لأَنَّها حَقيقةٌ كُبرَى تَملَأُ الكَونَ نُورًا وضِياءً، وتَشُدُّ الفَرْشَ بالعَرْشِ برِباطٍ وَثيقٍ یی كما بَيَّنّا في اللَّمْعةِ الرّابعةَ عَشْرةَ یی فما مِن أَحَدٍ إلّا وهو بحاجةٍ مَسِيسةٍ إلى هذه الحَقيقةِ في كلِّ حِينٍ، فلو تَكَرَّرَت هذه الحَقيقةُ العُظمَى مَلايِينَ المَرّاتِ، فالحاجةُ ما زالَت قائمةً باقيةً لا تَرْتَوِي، إذ لَيسَت هي حاجةً يَومِيّةً كالخُبزِ، بل هي أيضًا كالهَواءِ والضِّياءِ الَّذي يُضطَرُّ إلَيه ويُشتاقُ كلَّ دَقيقةٍ.
وإنَّ الآيةَ الكَرِيمةَ: وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ تَتكَرَّرُ ثَمانِيَ مَرّاتٍ في سُورةِ "الشُّعَراءِ"، فتَكرارُ هذه الآيةِ العَظِيمةِ الَّتي تَنطَوِي على أُلُوفِ الحَقائقِ في سُورةٍ تَذْكُرُ نَجاةَ الأَنبِياءِ عَلَيهِم السَّلَام وعَذابَ أَقوامِهم، إنَّما هو لِبَيانِ: أنَّ مَظالِمَ أَقوامِهم تَمَسُّ الغايةَ مِنَ الخَلْقِ، وتَتَعرَّضُ إلى عَظَمةِ الرُّبُوبيّةِ المُطلَقةِ، فتَقتَضي العِزّةُ الرَّبّانيّةُ عَذابَ تلك الأَقوامِ الظّالِمةِ مِثلَما تَقتَضي الرَّحمةُ الإِلٰهيّةُ نَجاةَ الأَنبِياءِ عَلَيهِم السَّلَام؛ فلو تَكَرَّرَت هذه الآيةُ أُلُوفَ المَرّاتِ لَمَا انقَضَتِ الحاجةُ والشَّوقُ إلَيها، فالتَّكرارُ هُنا بَلاغةٌ راقِيةٌ ذاتُ إعجازٍ وإيجازٍ.
وكذلك الآيةُ الكَريمةُ: فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ المُكَرَّرةُ في سُورةِ "الرَّحمٰنِ"، والآيةُ الكَريمةُ: وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ المُكَرَّرةُ في سُورةِ "المُرسَلاتِ"، تَصرُخُ كلٌّ مِنهما في وَجهِ العُصُورِ قاطِبةً وتُعلِنُ إعلانًا صَرِيحًا في أَقطارِ السَّماواتِ والأَرضِ أنَّ كُفْرَ الجِنِّ والإِنسِ وجُحُودَهم بالنِّعَمِ الإِلٰهيّةِ، ومَظالِمَهمُ الشَّنيعةَ، يُثِيرُ غَضَبَ الكائناتِ ويَجعَلُ الأَرضَ والسَّماواتِ في حِنْقٍ وغَيظٍ علَيهم.. ويُخِلُّ بحِكمةِ خَلقِ العالَمِ والقَصدِ مِنه.. ويَتَجاوَزُ حُقُوقَ المَخلُوقاتِ كافّةً ويَتَعدَّى علَيها.. ويَستَخِفُّ بعَظَمةِ الأُلوُهيّةِ ويُنكِرُها، لذا فهاتانِ الآيَتانِ تَرتَبِطانِ بأُلُوفٍ مِن أَمثالِ هذه الحَقائقِ، ولَهما مِنَ الأَهَمِّيّةِ ما لِأُلُوفِ المَسائلِ وقُوَّتِها، لو تَكَرَّرَتا أُلُوفَ المَرّاتِ في خِطابٍ عامٍّ مُوَجَّهٍ إلى الجِنِّ والإنسِ لَكانَتِ الضَّرُورةُ قائمةً بَعدُ، والحاجةُ إلَيها ما زالَت مَوجُودةً باقيةً؛ فالتَّكرارُ هنا بلاغةٌ مُوجَزةٌ جَليلةٌ ومُعجِزةٌ جَميلةٌ.
— 82 —
ومثالٌ آخَرُ نَسُوقُه حَولَ حِكمةٍ التَّكرارِ في الحَديثِ النَّبَويِّ (ص): فالمُناجاةُ النَّبَويّةُ المُسَمّاةُ بی"الجَوشَنِ الكَبيرِ" مُناجاةٌ رائعةٌ مُطابِقةٌ لِحَقيقةِ القُرآنِ الكَريمِ، ونَمُوذَجٌ مُستَخلَصٌ مِنه.. نَرَى فيها جُملةَ: «سُبحانَك يا لا إِلٰهَ إلّا أنتَ، الأَمانَ الأَمانَ، خَلِّصْنا مِنَ النّارِ.. أَجِرْنا مِنَ النّارِ.. نَجِّنا مِنَ النّارِ» ، هذه الجُمَلُ تَتَكرَّرُ مِئةَ مَرّةٍ، فلو تَكَرَّرَت أُلُوفَ المَرّاتِ لَمَا وَلَّدَتِ السَّأَمَ، إذ إنَّها تَنطَوِي على أَجَلِّ حَقيقةٍ في الكَونِ وهي التَّوحِيدُ، وأَجَلِّ وَظيفةٍ للمَخلُوقاتِ تِجاهَ رَبِّهِمُ الجَليلِ وهي التَّسبِيحُ والتَّحمِيدُ والتَّقدِيسُ، وأَعظَمِ قَضِيّةٍ مَصِيريّةٍ للبَشَريّةِ وهي النَّجاةُ مِنَ النّارِ والخَلاصُ مِنَ الشَّقاءِ الخالِدِ؛ وأَلْزَمِ غايةٍ للعُبُودِيّةِ وللعَجْزِ البَشَرِيِّ وهي الدُّعاءُ.
وهكذا نَرَى أَمثالَ هذه الأُسُسِ فيما تَشتَمِلُ علَيه أَنواعُ التَّكرارِ في القُرآنِ الكَريمِ، حتَّى نَرَى أنَّه يُعَبِّرُ أَكثَرَ مِن عِشرِين مَرّةً عن حَقيقةِ التَّوحِيدِ صَراحةً أو ضِمنًا، في صَحيفةٍ واحِدةٍ مِنَ المُصحَفِ، وذلك حَسَبَ اقتِضاءِ المَقامِ، ولُزُومِ الحاجةِ إلى الإفهامِ، وبلاغةِ البَيانِ، فيُهيِّجُ بالتَّكرارِ الشَّوْقَ إلى تَكرارِ التِّلاوةِ، ويُمِدُّ به البَلاغةَ قُوّةً وسُمُوًّا مِن دُونِ أن يُورِثَ سَأَمًا أو مَلَلًا.
ولقد أَوضَحَتْ أَجزاءُ رَسائلِ النُّورِ حِكمةَ التَّكرارِ في القُرآنِ الكَريمِ وبَيَّنَتْ حُجَجَها وأَثبَتَت مَدَى مُلاءَمةِ التَّكرارِ وانسِجامِه معَ البَلاغةِ، ومَدَى حُسنِه وجَمالِه الرَّائعِ.
أمّا حِكمةُ اختِلافِ السُّوَرِ المَكِّيّةِ عنِ المَدَنِيّةِ مِن حيثُ البَلاغةُ، ومِن جِهةِ الإعجازِ، ومِن حيثُ التَّفصيلُ والإجمالُ فهي كما يأتي:
إنَّ الصَّفَّ الأَوَّلَ مِنَ المُخاطَبين والمُعارِضين في مَكّةَ كانُوا مُشرِكِي قُرَيشٍ، وهم أُمِّيُّون لا كِتابَ لهم، فاقتَضَتِ البَلاغةُ أُسلُوبًا عالِيًا قَوِيًّا وإجمالًا مُعجِزًا مُقنِعًا، وتَكرارًا يَستَلزِمُه التَّثبِيتُ في الأَفهامِ؛ لِذا تَناوَلَت أَغلَبُ السُّوَرِ المَكِّيّةِ أَركانَ الإيمانِ ومَراتِبَ التَّوحِيدِ بأُسلُوبٍ في غايةِ القُوّةِ والعُلُوِّ، وبإيجازٍ في غايةِ الإعجازِ، وكَرَّرَتِ الإيمانَ باللهِ والمَبدَأِ والمَعادِ والآخِرةِ كَثيرًا، بل قد عَبَّرَت عن تلك الأَركانِ الإيمانيّةِ في كلِّ صَحِيفةٍ أو آيةٍ، أو في جُملةٍ واحِدةٍ، أو كَلِمةٍ واحِدةٍ، بل رُبَّما عَبَّرَت عنها في حَرفٍ واحِدٍ، في
— 83 —
تَقديمٍ وتَأخِيرٍ، في تَعرِيفٍ وتَنكِيرٍ، في حَذْفٍ وذِكْرٍ؛ فأَثبَتَت أَركانَ الإيمانِ في أَمثالِ تلك الحالاتِ والهَيئاتِ البَلاغِيّةِ إثباتًا جَعَلَ عُلَماءَ البَلاغةِ وأَئِمَّتَها يَقِفُونَ حَيارَى مَبهُوتينَ أَمامَ هذا الأُسلُوبِ المُعجِزِ.
ولقد وَضَّحَت رَسائلُ النُّورِ یی ولا سِيَّما "الكَلِمةُ الخامِسةُ والعِشرُون: المُعجِزاتُ القُرآنيّةُ" معَ ذُيُولِها یی إعجازَ القُرآنِ في أَربَعِين وَجْهًا، وكذلك تَفسِيرُ "إشاراتُ الإعجازِ في مَظانِّ الإيجازِ" باللُّغةِ العَرَبيّةِ الَّذي يُبيِّنُ بَيانًا رائعًا إعجازَ القُرآنِ مِن حيثُ وَجهُ النَّظمِ بينَ الآياتِ الكَريمةِ؛ فأَثبَتَت كِلْتا الرِّسالَتَينِ فِعلًا عُلُوَّ الأُسلُوبِ البَلاغِيِّ الفَذِّ وسُمُوَّ الإيجازِ المُعجِزِ.
أمّا الآياتُ المَدَنيّةُ وسُوَرُها فالصَّفُّ الأَوَّلُ مِن مُخاطَبِيها ومُعارِضِيها كانُوا مِنَ اليَهُودِ والنَّصارَى وهم أَهلُ كِتابٍ مُؤمِنُون باللهِ، فاقتَضَت قَواعِدُ البَلاغةِ وأَساليبُ الإرشادِ وأُسُسُ التَّبلِيغِ أن يكُونَ الخِطابُ المُوَجَّهُ لِأَهلِ الكِتابِ مُطابِقًا لِواقِعِ حالِهم، فجاءَ بأُسلُوبٍ سَهلٍ واضِحٍ سَلِسٍ، مع بَيانٍ وتَوضِيحٍ في الجُزئيّاتِ دُونَ الأُصُولِ والأَركانِ (الإيمانيّةِ)، لأنَّ تلك الجُزئيّاِت هي مَنشَأُ الأَحكامِ الفَرعِيّةِ والقَوانينِ الكُلِّيّةِ، ومَدارُ الِاختِلافاتِ في الشَّرائعِ والأَحكامِ.
لِذا فغالبًا ما نَجِدُ الآياتِ المَدَنيّةَ واضِحةً سَلِسةً بأُسلُوبٍ بَيانِيٍّ مُعجِزٍ خاصٍّ بالقُرآنِ الكَريمِ، ولكِنَّ ذِكْرَ القُرآنِ فَذْلَكةً قَوِيّةً أو نَتيجةً مُلَخَّصةً أو خاتِمةً رَصِينةً أو حُجّةً دامِغةً تَعقِيبًا على حادِثةٍ جُزئيّةٍ فَرْعيّةٍ، يَجعَلُ تلك الحادِثةَ الجُزئيّةَ قاعِدةً كُلِّيّةً عامّةً، ومِن بعدِ ذلك يَضمَنُ الِامتِثالَ بها بتَرسِيخِ الإيمانِ باللهِ الَّذي يُحَقِّقُه ذِكْرُ تلك الفَواصِلِ الخِتامِيّةِ المُلَخِّصةِ للتَّوحِيدِ والأَسماءِ والآخِرةِ، فتَرَى أنَّ ذلك المَقامَ الواضِحَ السَّلِسَ يَتَنوَّرُ ويَسمُو بتلك الفَواصِلِ الخِتامِيّةِ.
ولقد بَيَّنَت رَسائلُ النُّورِ وأَثبَتَت حتَّى للمُعانِدِين مَدَى البَلاغةِ العاليةِ والمِيزاتِ الرّاقيةِ وأَنواعَ الجَزالةِ السّاميةِ الدَّقيقةِ الرَّفيعةِ في تلك الفَذْلَكاتِ والفَواصِلِ وذلك في عَشْرِ مُمَيِّزاتٍ ونُكَتٍ في النُّورِ الثّاني مِنَ الشُّعلةِ الثّانيةِ للكَلِمةِ الخامِسةِ والعِشرِين الخاصّةِ بإعجازِ القُرآنِ.
— 84 —
فإن شِئتَ فانظُرْ إلى إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، وَهُوَ الْعَزِيزُ الحَكِيمُ، وأَمثالِها مِنَ الفَذْلَكاتِ الَّتي تُفيدُ التَّوحِيدَ وتُذَكِّرُ بالآخِرةِ، والَّتي تَنتَهي بها أَغلَبُ الآياتِ الكَريمةِ، تَرَ أنَّ القُرآنَ الكَريمَ عِندَ بَيانِه الأَحكامَ الشَّرعيّةَ الفَرعيّةَ والقَوانينَ الِاجتِماعيّةَ يَرفَعُ نَظَرَ المُخاطَبِ إلى آفاقٍ كُلِّيّةٍ سامِيةٍ، فيُبَدِّلُ بهذه الفَواصِلِ الخِتامِيّةِ ذلك الأُسلُوبَ السَّهلَ الواضِحَ السَّلِسَ أُسلُوبًا عاليًا رَفيعًا، كأنَّه يَنقُلُ القارِئَ مِن دَرسِ الشَّرِيعةِ إلى دَرسِ التَّوحِيدِ؛ فيُثبِتُ أنَّ القُرآنَ كِتابُ شَرِيعةٍ وأَحكامٍ وحِكمةٍ كما هو كِتابُ عَقيدةٍ وإيمانٍ، وهو كِتابُ ذِكْرٍ وفِكْرٍ كما هو كِتابُ دُعاءٍ ودَعوةٍ.
وهكذا تَرَى أنَّ هناك نَمَطًا مِن جَزالةٍ مُعجِزةٍ ساطِعةٍ في الآياتِ المَدَنيّةِ هو غيرُ بلاغةِ الآياتِ المَكِّيّةِ، حَسَبَ اختِلافِ المَقامِ وتَنَوُّعِ مَقاصِدِ الإرشادِ والتَّبلِيغِ.
فقد تَرَى هذا النَّمَطَ في كَلِمتَينِ فقط: رَبِّكَ و رَبِّ الْعَالَمِينَ إذ يُعلِّمُ الأَحَديّةَ بتَعبيرِ: رَبِّكَ، ويُعلِّمُ الواحِدِيّةَ بی رَبِّ الْعَالَمِينَ، فيُفِيدُ أنَّ الواحِدِيّةَ ضِمْنَ الأَحَديّةِ.
بل قد تَرَى ذلك النَّمَطَ مِنَ البَلاغةِ في جُملةٍ واحِدةٍ، فيُريك في آيةٍ واحِدةٍ مَثلًا نُفُوذَ عِلمِه إلى مَوضِعِ الذَّرّةِ في بُؤبُؤِ العَينِ، ومَوقِعَ الشَّمسِ في كَبِدِ السَّماءِ، وإحاطةَ قُدرَتِه الَّتي تَضَعُ بالآلةِ الواحِدةِ كُلًّا في مَكانِه، جاعِلةً مِنَ الشَّمسِ كأنَّها عَينُ السَّماءِ. مَثلًا بَعدَ آية: خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ يَأتي بآية: يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ فيُعَقِّبُها بی: وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ، أي: يُعَقِّبُ نُفُوذَ عِلمِه سُبحانَه إلى خَفايا الصُّدُورِ بعدَ ذِكرِه عَظَمةَ الخَلْقِ في السَّماواتِ والأَرضِ وبَسْطِها أَمامَ الأَنظارِ، فيُقِرُّ في الأَذهانِ أنَّه يَعلَمُ خَواطِرَ القُلُوبِ وخَوافِيَ شُؤُونِها ضِمنَ جَلالِ خَلّاقِيَّتِه للسَّماواتِ والأَرضِ وتَدبِيرِه لِشُؤُونِها.. فهذا التَّعقِيبُ: وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ لَونٌ مِنَ البَيانِ يُحَوِّلُ ذلك الأُسلُوبَ السَّهلَ الواضِحَ الفِطْرِيَّ القَرِيبَ إلى أَفهامِ العَوامِّ، إلى إرشادٍ سامٍ وتَبلِيغٍ عامٍّ جَذّابٍ.
— 85 —
سُؤالٌ: إنَّ النَّظْرةَ السَّطْحِيّةَ العابِرةَ لا تَستَطِيعُ أن تَرَى ما يُورِدُه القُرآنُ الكَريمُ مِن حَقائقَ ذاتِ أَهَمِّيّةٍ، فلا تَعرِفُ نَوعَ المُناسَبةِ والعَلاقةِ بينَ فَذْلَكةٍ تُعبِّرُ عن تَوحِيدٍ سامٍ أو تُفيدُ دُستُورًا كُلِّيًّا، وبينَ حادِثةٍ جُزئيّةٍ مُعتادةٍ، لِذا يَتَوهَّمُ البَعضُ أنَّ هناك شَيئًا مِن قُصُورٍ في البَلاغةِ؛ فمَثلًا: لا تَظهَرُ المُناسَبةُ البَلاغيّةُ في ذِكرِ الدُّستُورِ العَظِيمِ: وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ تَعقِيبًا على حادِثةٍ جُزئيّةٍ، وهي إيواءُ يُوسُفَ عَلَيهِ السَّلَام أَخاه إلَيه بتَدبِيرٍ ذَكِيٍّ.. فيُرجَى بَيانُ السِّرِّ في ذلك وكَشْفُ الحِجابِ عن حِكمَتِه؟
الجَوابُ: إنَّ أَغلَبَ السُّوَرِ المُطَوَّلةِ والمُتَوسِّطةِ الَّتي كلٌّ مِنها كأنَّه قُرآنٌ على حِدةٍ، لا تَكتَفي بمَقصَدَينِ أو ثلاثةٍ مِن مَقاصِدِ القُرآنِ الأَربَعةِ (وهي: التَّوحِيدُ، النُّبُوّةُ، الحَشرُ، العَدْلُ معَ العُبُودِيّةِ)، بل كلٌّ مِنها يَتَضمَّنُ ماهيّةَ القُرآنِ كلَّها، والمَقاصِدَ الأَربَعةَ معًا، أي: كلٌّ مِنها: كِتابُ ذِكرٍ وإيمانٍ وفِكرٍ، كما أنَّه كِتابُ شَريعةٍ وحِكمةٍ وهِدايةٍ؛ فكلُّ سُورةٍ مِن تلك السُّوَرِ تَتَضمَّنُ كُتُبًا عِدّةً، وتُرشِدُ إلى دُرُوسٍ مُختَلِفةٍ مُتَنوِّعةٍ.
فتَجِدُ أنَّ كلَّ مَقامٍ یی بل حتَّى الصَّحِيفةَ الواحِدةَ یی يَفتَحُ أَمامَ الإنسانِ أَبوابًا للإيمانِ يُحَقِّقُ بها إقرارَ مَقاصِدَ أُخرَى، حيثُ إنَّ القُرآنَ يَذكُرُ ما هو مَسطُورٌ في كِتابِ الكَونِ الكَبيرِ ويُبَيِّنُه بوُضُوحٍ، فيُرَسِّخُ في أَعماقِ المُؤمِنِ إحاطةَ رُبُوبيَّتِه سُبحانَه بكلِّ شيءٍ، ويُرِيه تَجَلِّياتِها المَهِيبةَ في الآفاقِ والأَنفُسِ.. لِذا فإنَّ ما يَبدُو مِن مُناسَبةٍ ضَعيفةٍ، يُبنَى علَيها مَقاصِدُ كُلِّيّةٌ، فتَتَلاحَقُ مُناسَباتٌ وَثيقةٌ وِ لاقاتٌ قَوِيّةٌ بتلك المُناسَبةِ الضَّعِيفةِ ظاهِرًا، فيكُونُ الأُسلُوبُ مُطابِقًا تَمامًا لِمُقتَضَى ذلك المَقامِ، فتَتَعالَى مَرتَبَتُه البَلاغِيّةُ.
سُؤالٌ آخَرُ: ما حِكمةُ سَوقِ القُرآنِ أُلُوفَ الدَّلائلِ لإثباتِ أُمُورِ الآخِرةِ وتَلقِينِ التَّوحِيدِ وإثابةِ البَشَرِ؟ وما السِّرُّ في لَفْتِه الأَنظارَ إلى تلك الأُمُورِ صَراحةً وضِمنًا وإشارةً في كلِّ سُورةٍ بل في كلِّ صَحِيفةٍ مِنَ المُصحَفِ وفي كلِّ مَقامٍ؟
الجَوابُ: لأنَّ القُرآنَ الكَريمَ يُنَبِّهُ الإنسانَ إلى أَعظَمِ انقِلابٍ يَحدُثُ ضِمنَ المَخلُوقاتِ ودائرةِ المُمكِناتِ في تارِيخِ العالَمِ، وهو الآخِرةُ؛ ويُرشِدُه إلى أَعظَمِ مَسأَلةٍ
— 86 —
تَخُصُّه وهو الحامِلُ للأَمانةِ الكُبرَى وخِلافةِ الأَرضِ، تلك هي مَسأَلةُ التَّوحِيدِ الَّذي تَدُورُ علَيه سَعادَتُه وشَقاوَتُه الأَبَدِيَّتانِ.. وفي الوَقتِ نَفسِه يُزِيلُ القُرآنُ سَيْلَ الشُّبُهاتِ الوارِدةِ دُونَ انقِطاعٍ، ويُحَطِّمُ أَشَدَّ أَنواعِ الجُحُودِ والإنكارِ المَقِيتِ.
لِذا لو قامَ القُرآنُ بتَوجِيهِ الأَنظارِ إلى الإيمانِ بتلك الِانقِلاباتِ المُدهِشةِ وحَمْلِ الآخَرِين على تَصدِيقِ تلك المَسأَلةِ العَظِيمةِ الضَّرُورِيّةِ للبَشَرِ.. نعم، لو قامَ به آلافَ المَرَّاتِ، وكَرَّر تلك المَسائلَ مَلايِينَ المَرّاتِ، لا يُعَدُّ ذلك مِنه إسرافًا في البَلاغةِ قَطُّ، كما أنَّه لا يُوَلِّدُ سَأَمًا ولا مَلَلًا البَتّةَ، بل لا تَنقَطِعُ الحاجةُ إلى تَكرارِ تِلاوَتِها في القُرآنِ الكَريمِ، إذْ ليس في الوُجُودِ مَسأَلةٌ أَهَمُّ ولا أَعظَمُ مِنَ التَّوحِيدِ والآخِرةِ.
فمَثلًا: إنَّ حَقيقةَ الآيةِ الكَريمةِ: وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا هي بُشرَى السَّعادةِ الخالِدةِ تَزُفُّها هذه الآيةُ الكَرِيمةُ إلى الإنسانِ المِسكِينِ الَّذي يُلاقي حَقيقةَ المَوتِ كلَّ حِينٍ، فتُنقِذُه هذه البُشرَى مِن تَصَوُّرِ المَوتِ إعدامًا أَبَدِيًّا، وتُنجِيه وعالَمَه وجَميعَ أَحِبَّتِه مِن قَبضةِ الفَناءِ، بل تَمنَحُه سَلطَنةً أَبَديّةً، وتُكسِبُه سَعادةً دائمةً.. فلو تكَرَّرَت هذه الآيةُ الكَريمةُ مِليارًا مِنَ المَرّاتِ لا يُعَدُّ تَكرارُها مِنَ الإسرافِ قَطُّ، ولا يَمَسُّ بَلاغَتَها شيءٌ.
وهكذا تَرَى أنَّ القُرآنَ الكَريمَ الَّذي يُعالِجُ أَمثالَ هذه المَسائلِ القَيِّمةِ، ويَسعَى لإِقناعِ المُخاطَبِين بها بإقامةِ الحُجَجِ الدّامِغةِ، يُعَمِّقُ في الأَذهانِ والقُلُوبِ تلك التَّحَوُّلاتِ العَظيمةَ والتَّبَدُّلاتِ الضَّخمةَ في الكَونِ، ويَجعَلُها أَمامَهم سَهلةً واضِحةً كتَبَدُّلِ المَنزِلِ وتَغيُّرِ شَكْلِه؛ فلا بُدَّ أنَّ لَفْتَ الأَنظارِ إلى أَمثالِ هذه المَسائلِ یی صَراحةً وضِمنًا وإشارةً یی بأُلُوفِ المَرّاتِ ضَرُورِيٌّ جِدًّا، بل هو كضَرُورةِ الإنسانِ إلى نِعمةِ الخُبزِ والهَواءِ والضِّياءِ الَّتي تَتَكرَّرُ حاجَتُه إلَيها دائمًا.
ومَثلًا: إنَّ حِكمةَ تَكرارِ القُرآنِ الكَريمِ: وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ، إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وأَمثالَها مِن آياتِ الإنذارِ والتَّهدِيدِ، وسَوْقِها بأُسلُوبٍ
— 87 —
في غايةِ الشِّدّةِ والعُنفِ، هي یی مِثلَما أَثبَتْناه في رَسائلِ النُّورِ إثباتًا قاطِعًا یی: أنَّ كُفْرَ الإنسانِ إنَّما هو تَجاوُزٌ یی أَيُّ تَجاوُزٍ یی على حُقُوقِ الكائناتِ وأَغلَبِ المَخلُوقاتِ، مِمّا يُثِيرُ غَضَبَ السَّماواتِ والأَرضِ، ويَملَأُ صُدُورَ العَناصِرِ حِنْقًا وغَيْظًا على الكافرِين، حتَّى تَقُومَ تلك العَناصِرُ بصَفْعِ أُولَئك الظّالِمِين بالطُّوفانِ وغيرِه، بل حتَّى الجَحِيمُ تَغضَبُ علَيهم غَضَبًا تكادُ تَتَفجَّرُ مِن شِدَّتِه كما هو صَريحُ الآيةِ الكَريمةِ: إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ ٭ تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ؛ فلو كَرَّرَ سُلطانُ الكَونِ في أَوامِرِه تلك الجِنايةَ العُظمَى "الكُفْرَ" وعُقُوبَتَها بأُسلُوبٍ في غايةِ الزَّجْرِ والشِّدّةِ أُلُوفَ المَرّاتِ، بل مَلايِينَ المَرّاتِ، بل مِلياراتِ المَرّاتِ لَمَا عُدَّ ذلك إسرافًا مُطلَقًا ولا نَقْصًا في البَلاغةِ، نَظَرًا لِضَخامةِ تلك الجِنايةِ العامّةِ وتَجاوُزِ الحُقُوقِ غيرِ المَحدُودةِ، وبِناءً على حِكمةِ إظهارِ أَهَمِّيّةِ حُقُوقِ رَعِيَّتِه سُبحانَه وإبرازِ القُبحِ غيرِ المُتَناهي في كُفْرِ المُنكِرين وظُلمِهِمُ الشَّنِيعِ؛ إذ لا يُكَرَّرُ ذلك لِضَآلةِ الإنسانِ وحَقارَتِه، بل لِهَولِ تَجاوُزِ الكافِرِ وعِظَمِ ظُلْمِه.
ثمَّ إنَّنا نَرَى أنَّ مِئاتِ المَلايِينِ مِنَ النّاسِ مُنذُ أَلفٍ ومِئاتٍ مِنَ السِّنينَ يَتْلُون القُرآنَ الكَريمَ بلَهفةٍ وشَوقٍ وبحاجةٍ ماسّةٍ إلَيه دُونَ مَلَلٍ ولا سَأَمٍ.
نعم، إنَّ كلَّ وَقْتٍ وكلَّ يَومٍ إنَّما هو عالَمٌ يَمضِي وبابٌ يَنفَتِحُ لِعالَمٍ جَديدٍ، لذا فإنَّ تَكرارَ: «لا إِلٰهَ إلّا اللهُ» بشَوقِ الحاجةِ إلَيها أُلُوفَ المَرّاتِ لِأَجلِ إضاءةِ تلك العَوالِمِ السَّيّارةِ كلِّها وإنارَتِها بنُورِ الإيمانِ، يَجعَلُ تلك الجُملةَ التَّوحِيدِيّةَ كأنَّها سِراجٌ مُنيرٌ في سَماءِ تلك العَوالِمِ والأَيّامِ.
فكَما أنَّ الأَمرَ هكذا في: «لا إِلٰهَ إلّا اللهُ» ، كذلك تِلاوةُ القُرآنِ الكَريمِ، فهي تُبَدِّدُ الظَّلامَ المُخَيِّمَ على تلك الكَثرةِ الكاثِرةِ مِنَ المَشاهِدِ السّارِيةِ، وعلى تلك العَوالِمِ السَّيّارةِ المُتَجدِّدةِ، وتُزِيلُ التَّشَوُّهَ والقُبْحَ عن صُوَرِها المُنعَكِسةِ في مِرآةِ الحَياةِ، وتَجعَلُ تلك الأَوضاعَ المُقبِلةَ شُهُودًا له يومَ القِيامةِ لا شُهُودًا علَيه؛ وتُرَقِّيه إلى مَرتَبةِ مَعرِفةِ عِظَمِ جَزاءِ الجِناياتِ، وتَجعَلُه يُدرِكُ قِيمةَ النُّذُرِ المُخِيفةِ لِسُلطانِ الأَزَلِ والأَبَدِ الَّتي تُشَتِّتُ عِنادَ الظّالِمين الطُّغاةِ، وتُشَوِّقُه إلى الخَلاصِ مِن طُغيانِ النَّفسِ الأَمّارةِ بالسُّوءِ..
— 88 —
فلِأَجلِ هذه الحِكَمِ كلِّها يُكَرِّرُ القُرآنُ الكَريمُ ما يُكَرِّرُ في غايةِ الحِكمةِ، مُظهِرًا أنَّ النُّذُرَ القُرآنيّةَ الكَثيرةَ إلى هذا القَدْرِ، وبهذه القُوّةِ والشِّدّةِ والتَّكرارِ حَقيقةٌ عُظمَى، يَنهَزِمُ حتَّى الشَّيطانُ مِن تَوَهُّمِها باطِلًا، ويَهرُبُ مِن تَخَيُّلِها عَبَثًا.
نعم، إنَّ عَذابَ جَهَنَّمَ لَهُو عَينُ العَدالةِ لِأُولَئك الكُفّارِ الَّذين لا يُعِيرُون للنُّذُرِ سَمْعًا.
ومِنَ المُكَرَّراتِ القُرآنيّةِ "قِصَصُ الأَنبِياءِ" عَلَيهِم السَّلَام، فالحِكمةُ یی مَثلًا یی في تَكرارِ قِصّةِ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَام الَّتي لها من الحِكَمِ والفَوائدِ ما لِعَصا مُوسَى، وكذا الحِكمةُ في تَكرارِ قِصَصِ الأَنبِياءِ إنَّما هي لِإِثباتِ الرِّسالةِ الأَحمَدِيّةِ، وذلك بإظهارِ نُبُوّةِ الأَنبِياءِ جَمِيعِهم حُجّةً على أَحَقِّيّةِ الرِّسالةِ الأَحمَدِيّةِ وصِدْقِها، حيثُ لا يُمكِنُ أن يُنكِرَها إلّا مَن يُنكِرُ نُبُوَّتَهم جَميعًا، فذِكْرُها إذًا دَليلٌ على الرِّسالةِ.
ثمَّ إنَّ كَثيرًا مِنَ النّاسِ لا يَستَطِيعُون كلَّ حِينٍ ولا يُوَفَّقُون إلى تِلاوةِ القُرآنِ الكَريمِ كُلِّه، بل يَكتَفُون بما يَتَيسَّرُ لهم مِنه.. ومِن هنا تَبدُو الحِكمةُ واضِحةً في جَعْلِ كلِّ سُورةٍ مُطَوَّلةٍ ومُتَوسِّطةٍ بمَثابةِ قُرآنٍ مُصَغَّرٍ، ومِن ثَمَّ تَكرارِ القِصَصِ فيها بمِثلِ تَكرارِ أَركانِ الإيمانِ الضَّرُوريّةِ؛ أي: إنَّ تَكرارَ هذه القِصَصِ هو مُقتَضَى البَلاغةِ وليس فيه إسرافٌ قَطُّ؛ زِدْ على ذلك فإنَّ فيه تَعلِيمًا بأنَّ حادِثةَ ظُهُورِ مُحمَّدٍ (ص) أَعظَمُ حادِثةٍ للبَشَريّةِ وأَجَلُّ مَسأَلةٍ مِن مَسائلِ الكَونِ.
نعم، إنَّ مَنْحَ ذاتِ الرَّسُولِ الكَريمِ (ص) أَعظَمَ مَقامٍ وأَسماه في القُرآنِ الكَريمِ، وجَعْلَ «مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ» یی الَّذي يَتَضمَّنُ أَربَعةً مِن أَركانِ الإيمانِ یی مَقرُونًا بی «لا إِلٰهَ إلّا اللهُ» دَليلٌ یی وأَيُّ دَليلٍ یی على أنَّ الرِّسالةَ المُحَمَّديّةَ هي أَكبَرُ حَقيقةٍ في الكَونِ، وأنَّ مُحمَّدًا (ص) لَهُو أَشرَفُ المَخلُوقاتِ طُرًّا، وأنَّ الحَقيقةَ المُحمَّديّةَ الَّتي تُمَثِّلُ الشَّخصِيّةَ المَعنَويّةَ الكُلِّيّةَ لِمُحمَّدٍ (ص) هي السِّراجُ المُنيرُ للعالَمَينِ كِلَيهِما، وأنَّه (ص) أَهلٌ لهذا المَقامِ الخارِقِ، كما قد أُثبِتَ ذلك في أَجزاءِ رَسائلِ النُّورِ بحُجَجٍ وبَراهِينَ عَديدةٍ إثباتًا قاطِعًا.. نُورِدُ هنا واحِدًا مِن أَلفٍ مِنها كما يأتي:
— 89 —
إنَّ كلَّ ما قامَ به جَميعُ أُمّةِ مُحمَّدٍ (ص) مِن حَسَناتٍ في الأَزمِنةِ قاطِبةً يُكتَبُ مِثلُه في صَحِيفةِ حَسَناتِه (ص)، وذلك حَسَبَ قاعِدةِ: «السَّبَبُ كالفاعِلِ».. وإنَّ تَنوِيرَه لِجَميعِ حَقائقِ الكائناتِ بالنُّورِ الَّذي أَتَى به لا يَجعَلُ الجِنَّ والإنسَ والمَلائكةَ وذَوِي الحَياةِ في امتِنانٍ ورِضًا وَحْدَهم، بل يَجعَلُ الكَونَ برُمَّتِه والسَّماواتِ والأَرضَ جَميعًا راضِيةً عنه مُحَدِّثةً بفَضائلِه.. وإنَّ ما يَبعَثُه صالِحُو الأُمّةِ يَومِيًّا مِن مَلايِينِ الأَدعِيةِ ومعَ الرُّوحانيِّين مِن مِلياراتِ الأَدعِيةِ الفِطرِيّةِ المُستَجابةِ الَّتي لا تُرَدُّ یی بدَلالةِ القَبُولِ الفِعليِّ المُشاهَدِ لِأَدعِيةِ النَّباتاتِ بلِسانِ الِاستِعدادِ، وأَدعِيةِ الحَيَواناتِ بلِسانِ حاجةِ الفِطرةِ یی ومِن أَدعِيةِ الرَّحمةِ بالصَّلاةِ والسَّلامِ علَيه، وما يُرسِلُونه بما ظَفِرُوا مِن مَكاسِبَ مَعنَويّةٍ وحَسَناتِ هَدايا، إنَّما تُقَدَّمُ إلَيه أَوَّلًا.. فَضْلًا عمّا يَدخُلُ في دَفتَرِ حَسَناتِه (ص) مِن أَنوارٍ لا حُدُودَ لها بما تَتلُوه أُمَّتُه یی بمُجَرَّدِ التِّلاوةِ یی مِنَ القُرآنِ الكَريمِ الَّذي في كلِّ حَرْفٍ مِن حُرُوفِه الَّتي تَزِيدُ على ثَلاثِ مِئةِ أَلفِ حَرْفٍ، عَشْرُ حَسَناتٍ وعَشْرُ ثِمارٍ أُخرَوِيّةٍ، بل مِئةٌ بل أَلفٌ مِنَ الحَسَناتِ..
نعم، إنَّ عَلَّامَ الغُيُوبِ سُبحانَه قد سَبَق عِلْمُه وشاهَدَ أنَّ الحَقيقةَ المُحمَّديّةَ الَّتي هي الشَّخصِيّةُ المَعنَوِيّةُ لتلك الذّاتِ المُبارَكةِ (ص) ستَكُونُ كمِثالِ شَجَرةِ طُوبَى الجَنّةِ، لِذا أَوْلاه في قُرآنِه تلك الأَهَمِّيّةَ العُظمَى حيثُ هو المُستَحِقُّ لِذلك المَقامِ الرَّفيعِ، وبَيَّن في أَوامِرِه أنَّ نَيلَ شَفاعَتِه إنَّما هو باتِّباعِه والِاقتِداءِ بسُنَّتِه الشَّرِيفةِ وهو أَعظَمُ مَسأَلةٍ مِن مَسائلِ الإنسانِ، بل أَخَذَ بِنَظَرِ الِاعتِبارِ یی بينَ حِينٍ وآخَرَ یی أَوضاعَه الإنسانيّةَ البَشَريّةَ الَّتي هي بمَثابةِ بِذرةٍ لِشَجَرةِ طُوبَى الباسِقةِ.
وهكذا، فلِأنَّ حَقائقَ القُرآنِ المُكرَّرةَ تَملِكُ هذه القِيمةَ الرَّاقيةَ وفيها مِنَ الحِكَمِ ما فيها، فالفِطرةُ السَّليمةُ تَشهَدُ أنَّ في تَكرارِه مُعجِزةً مَعنَويّةً قَوِيّةً وواسِعةً، إلّا مَن مَرِضَ قَلبُه وسَقُمَ وِجدانُه بطاعُونِ المادِّيّةِ، فتَشمَلُه القاعِدةُ المَشهُورةُ:
قَد يُنكِرُ المَرْءُ ضَوْءَ الشَّمسِ مِن رَمَدٍ
ويُنكِرُ الفَمُ طَعْمَ الماءِ مِن سَقَمِ
— 90 —

خاتِمةُ هذه المسألة العاشِرة في حاشيتَينِ

الحاشيةُ الأُولَى: طَرَق سَمْعي قبلَ اثنَتَي عَشْرةَ سَنةً (حاشية): أي: قبلَ اثنَتَي عَشْرةَ سَنةً مِن تأليفِ هذه الرِّسالةِ. أنَّ زِندِيقًا عَنِيدًا، قد فَضَح سُوءَ طَوِيَّتِه وخُبْثَ قَصْدِه بإِقدامِه على تَرجَمةِ القُرآنِ الكَريمِ، فحاكَ خُطّةً رَهيبةً، للتَّهوِينِ مِن شَأنِه بمُحاوَلةِ تَرجَمَتِه؛ وصَرَّح قائلًا: لِيُتَرجَمِ القُرآنُ لِتَظهَرَ قِيمَتُه. أي: لِيَرَى النّاسُ تَكراراتِه غيرَ الضَّرُورِيّةِ! ولتُتلَى تَرجَمَتُه بَدَلًا مِنه.. إلى آخِرِه مِنَ الأَفكارِ السَّامّةِ..
إلّا أنَّ رَسائلَ النُّورِ بفَضلِ اللهِ قد شَلَّت تلك الفِكرةَ وأَجهَضَت تلك الخُطّةَ بحُجَجِها الدّامِغةِ وبانتِشارِها الواسِعِ في كلِّ مَكانٍ، فأَثبَتَت إثباتًا قاطِعًا أنَّه لا يُمكِنُ قَطعًا تَرجَمةُ القُرآنِ الكَريمِ تَرجَمةً حَقيقيّةً.. وأنَّ أَيّةَ لُغةٍ غيرِ اللُّغةِ العَرَبيّةِ النَّحْوِيّةِ عاجِزةٌ عنِ الحِفاظِ على مَزايا القُرآنِ الكَريمِ ونُكَتِه البَلاغِيّةِ اللَّطِيفةِ.. وإنَّ التَّرجَماتِ العادِيّةَ الجُزئيّةَ الَّتي يقُومُ بها البَشَرُ لن تَحُلَّ بأَيِّ حالٍ مَحَلَّ التَّعابِيرِ الجامِعةِ المُعجِزةِ للكَلِماتِ القُرآنيّةِ الَّتي في كلِّ حَرفٍ مِن حُرُوفِها حَسَناتٌ تَتَصاعَدُ مِنَ العَشَرةِ إلى الأَلفِ، لذا لا يُمكِنُ مُطلَقًا تِلاوةُ التَّرجَمةِ بَدَلًا مِنه.
بَيْدَ أنَّ المُنافِقين الَّذين تَتَلمَذُوا على يَدِ ذلك الزِّندِيقِ، سَعَوْا بمُحاوَلاتٍ هَوْجاءَ في سَبِيلِ الشَّيطانِ لِيُطفِئُوا نُورَ القُرآنِ الكَريمِ بأَفواهِهم؛ ولكن لَمَّا كُنتُ لا أَلتَقي أَحَدًا، فلا عِلمَ لي بحَقيقةِ ما يَدُورُ مِن أَوضاعٍ، إلّا أنَّ أَغلَبَ ظَنِّي أنَّ ما أَورَدتُه آنِفًا هو السَّبَبُ الَّذي دَعا إلى إملاءِ هذه "المَسأَلةِ العاشِرةِ" عَلَيَّ، رَغمَ ما يُحِيطُ بي مِن ضِيقٍ.
الحاشيةُ الثَّانية: كُنتُ جالِسًا ذاتَ يومٍ في الطّابِقِ العُلْوِيِّ مِن فُندُق "شَهِرْ" عَقِبَ إطلاقِ سَراحِنا مِن سِجنِ "دَنِيزْلي"، أَتأَمَّلُ فيما حَوْلي مِن أَشجارِ الحَوَر (الصَّفْصافِ) الكَثيرةِ في الحَدائقِ الغَنَّاءِ والبَساتينِ الجَميلةِ، رَأَيتُها جَذْلَى بحَرَكاتِها الرّاقِصةِ الجَذّابةِ، تَتَمايَلُ بجُذُوعِها وأَغصانِها، وتَهتَزُّ أَوراقُها بأَدنَى لَمْسةٍ مِن نَسِيمٍ؛ فبَدَت أَمامي بأَبهَى صُورةٍ وأَحلاها، وكأنَّها تُسَبِّحُ للهِ في حَلَقاتِ ذِكرٍ وتَهليلٍ.
— 91 —
مَسَّت هذه الحَرَكاتُ اللَّطيفةُ أَوْتارَ قَلبي المَحزُونِ مِن فِراقِ إخواني، وأنا مَغمُومٌ لِانفِرادِي وبَقائي وَحِيدًا، فخَطَر على البالِ فَجأةً مَوْسِمَا الخَرِيفِ والشِّتاءِ وانتابَتْني غَفْلةٌ، إذ ستَتَناثَرُ الأَوراقُ وسيَذهَبُ الرُّواءُ والجَمالُ.. وبَدَأتُ أَتأَلَّمُ على تلك الحَوَرِ الجَميلةِ، وأَتحَسَّرُ على سائرِ الأَحياءِ الَّتي تَتَجلَّى فيها تلك النَّشوةُ الفائقةُ تأَلُّمًا شَدِيدًا، حتَّى اغرَوْرَقَت عَينايَ واحتَشَدَت على رَأسِي أَحزانٌ تَدَفَّقَت مِنَ الزَّوال والفِراقِ تَملَأُ هذا السِّتارَ المُزَرْكَشَ البَهيجَ للكائناتِ!
وبَينَما أنا في هذه الحالةِ المُحزِنةِ إذا بالنُّورِ الَّذي أَتَت به الحَقيقةُ المُحمَّديّةُ (ص) يُغِيثُني مِثلَما يُغيثُ كلَّ مُؤمِنٍ ويُسعِفُه، فبَدَّل تلك الأَحزانَ والغُمُومَ الَّتي لا حُدُودَ لها مَسَرّاتٍ وأَفراحًا لا حَدَّ لها، فبِتُّ في امتِنانٍ أَبَدِيٍّ ورِضًا دائمٍ مِنَ الحَقيقةِ المُحمَّدِيّةِ الَّتي أَنقَذَني فَيضٌ واحِدٌ مِن فُيُوضاتِ أَنوارِها غيرِ المَحدُودةِ، فنَشَر ذلك الفَيضُ السُّلوانَ في أَرجاءِ نَفسِي وأَعماقِ وِجداني، وكان ذلك كالآتي:
إنَّ تلك النَّظرةَ الغافِلةَ أَظهَرَت تلك الأَوراقَ الرَّقيقةَ والأَشجارَ الفارِعةَ الهَيفاءَ مِن دُونِ وَظِيفةٍ ولا مُهِمّةٍ، لا نَفْعَ لها ولا جَدْوَى، وأنَّها لا تَهتَزُّ اهتِزازَها اللَّطِيفَ مِن شِدّةِ الشَّوقِ والنَّشوةِ، بل تَرتَعِدُ مِن هَوْلِ العَدَمِ والفِراقِ.. فتَبًّا لها مِن نَظرةٍ غافِلةٍ أَصابَت صَمِيمَ ما هو مَغرُوزٌ فِيَّ یی كما هو عِندَ غَيرِي یی مِن عِشقٍ للبَقاءِ، وحُبِّ الحَياةِ، والِافتِتانِ بالمَحاسِنِ، والشَّفَقةِ على بَني الجِنسِ.. فحَوَّلَتِ الدُّنيا إلى جَهَنَّمَ مَعنَوِيّةٍ، والعَقلَ إلى عُضوٍ للشَّقاءِ والتَّعذِيبِ.. فبَينَما كُنتُ أُقاسِي هذا الوَضْعَ المُؤلِمَ، إذا بالنُّورِ الَّذي أَنارَ به مُحمَّدٌ (ص) البَشَرِيّةَ جَمعاءَ يَرفَعُ الغِطاءَ ويُزِيلُ الغِشاوةَ ويُبرِزُ حِكَمًا ومَعانِيَ ووَظائفَ ومُهِمّاتٍ غَزِيرةً جِدًّا تَبلُغُ عَدَدَ أَوراقِ الحَوَر.. وقد أَثبَتَت رَسائلُ النُّورِ أنَّ تلك الوظائفَ والحِكَمَ تَنقَسِمُ إلى ثلاثةِ أَقسامٍ:
القِسمُ الأَوَّلُ: وهو المُتَوجِّهُ إلى الأَسماءِ الحُسنَى للصّانِعِ الجَليلِ.. فكما أنَّ صانِعًا ماهِرًا إذا ما قامَ بصُنعِ ماكِينةٍ بَدِيعةٍ، يُثني علَيه الجَميعُ ويُقَدِّرُون صَنْعَتَه ويُبارِكُون إبداعَه، فإنَّ تلك الماكينةَ هي بدَورِها كذلك تُبارِكُ صانِعَها وتُثني علَيه بلِسانِ حالِها، وذلك بإراءَتِها النَّتائجَ المَقصُودةَ مِنها إراءةً تامّةً.
— 92 —
أمّا القِسمُ الثّاني: فهو المُتَوجِّهُ إلى أَنظارِ ذَوِي الحَياةِ وذَوِي الشُّعُورِ مِنَ المَخلُوقاتِ، أي: يكُونُ مَوضِعَ مُطالَعةٍ حُلْوةٍ وتَأمُّلٍ لَذيذٍ، فيكُونُ كلُّ شيءٍ كأنَّه كِتابُ مَعرِفةٍ وعِلمٍ، ولا يُغادِرُ هذا العالَمُ یی عالَمُ الشَّهادةِ یی إلّا بعدَ وَضْعِ مَعانيه في أَذهانِ ذَوِي الشُّعُورِ، وطَبْعِ صُوَرِه في حافِظَتِهم، وانطِباعِ صُورَتِه في الأَلواحِ المِثاليّةِ لِسِجِلّاتِ عالَمِ الغَيبِ، أي: لا يَنسَحِبُ مِن عالَمِ الشَّهادةِ إلى عالَمِ الغَيبِ إلّا بعدَ دُخُولِه ضِمنَ دَوائرِ وُجُودٍ كَثيرةٍ، ويَكسِبُ أنواعًا مِنَ الوُجُودِ المَعنَوِيِّ والغَيبيِّ والعِلْميِّ بَدَلًا عن وُجُودٍ صُورِيٍّ ظاهِرِيٍّ.
نعم، ما دامَ اللهُ مَوجُودًا، وعِلْمُه يُحِيطُ بكلِّ شيءٍ، فلا بُدَّ ألّا يكُونَ هناك في عالَمِ المُؤمِنِ عَدَمٌ وإعدامٌ وانعِدامٌ وعَبَثٌ ومَحْوٌ وفَناءٌ مِن زاوِيةِ الحَقيقةِ.. بَينَما دُنيا الكُفّارِ زاخِرةٌ بالعَدَمِ والفِراقِ والِانعِدامِ، ومَليئةٌ بالعَبَثِ والفَناءِ؛ ومِمّا يُوَضِّحُ هذه الحَقيقةَ ما يَدُورُ على الأَلسِنةِ مِن قَولٍ مَشهُورٍ هو: «مَن كانَ له اللهُ، كان له كلُّ شيءٍ؛ ومَن لم يكُن له اللهُ، لم يكُن له شيءٌ».
الخُلاصةُ: إنَّ الإيمانَ مِثلَما يُنقِذُ الإنسانَ مِنَ الإعدامِ الأَبَديِّ أَثناءَ المَوتِ، فهو يُنقِذُ دُنيا كلِّ شَخصٍ أَيضًا مِن ظُلُماتِ العَدَمِ والِانعِدامِ والعَبَثِ.. بَينَما الكُفرُ یی ولا سِيَّما الكُفرُ المُطلَقُ یی فإنَّه يُعدِمُ ذلك الإنسانَ، ويُعدِمُ دُنياه الخاصّةَ به بالمَوتِ. ويُلقِيه في ظُلُماتِ جَهَنَّمَ مَعنَويّةٍ مُحَوِّلًا لَذائذَ حَياتَه آلامًا وغُصَصًا.
فلْتَرِنَّ آذانُ الَّذين يَستَحِبُّون الحَياةَ الدُّنيا على الآخِرةِ، ولْيَأتُوا بعِلاجٍ لهذا الأَمرِ إن كانُوا صادِقِين، أو لِيَدْخُلُوا حَظِيرةَ الإيمانِ ويُخَلِّصُوا أَنفُسَهم مِن هذه الخَسارةِ الفادِحةِ.
سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
أخوكم الرَّاجي دعَواتِكم والمُشتاقُ إليكم
سعيدٌ النُّورْسِيُّ
— 93 —

الرسالة التي كتبها خُسرَو لأستاذه بمناسبة المسألة العاشرة

سيِّدِي وأُستاذِي الحَبِيبَ..
تَلقَّينا یی بِغايةِ الحَمدِ والشُّكرِ للهِ یی "زَهرةَ أَمِيرْداغ"، بعدَ مُرُورِ شَهرَينِ على انقِطاعِ التَّواصُلِ بَينَنا، فهَوَّنَت أَحزانَ الفِراقِ، وخَفَّفَت آلامَ البِعادِ، وأَضْفَت على قُلُوبِنا حَياةً غَضّةً طَرِيّةً، وأَهدَت لِأَرواحِنا نَسِيمًا نَقِيًّا صافِيًا مُتَجَدِّدًا، وسَرَدَت على مَسامِعِنا مَحاسِنَ تَكرارِ آياتِ العِزّةِ والجَلالِ، والوَعدِ والوَعِيدِ، ومَزايا تَرْدادِ آياتِ الرَّحمةِ والشَّفَقةِ، ووَضَّحَت حِكمةَ التَّكرارِ وضَرُورَتَه وأَهَمِّيَّتَه؛ وهِي یی بعدَ هذا كُلِّه یی دِفاعٌ قَوِيٌّ لِرَسائِلِ النُّورِ، اتَّخَذ لِنَفسِه اسمَ: "المَسأَلةُ العاشِرةُ لِثَمَرةِ دَنِيزْلي". حَقًّا أقُولُ: كُلَّما شَمِمْنا رائِحةَ هذه الزَّهرةِ المُستَحِقّةِ لبالِغِ الثَّناءِ والتَّقدِيرِ، ارتَقَى في أَرواحِنا الشَّوقُ والحَنِينُ؛ ومِثلَما أَظهَرَت مَسائِلُ "الثَّمَرةِ" التِّسعةُ حُسنَها وجَمالَها بعدَ تِسعةِ أَشهُرٍ مِن عَناءِ السِّجن والأَسْرِ، وغَدَت دَليلًا عَظِيمًا على بَراءَتِنا، كَذلِك كَشَفَت مَسأَلتُها العاشِرةُ یی وهِي هذه "الزَّهرةُ" یی عن حُسنِها وبَهائِها، عَبْرَ إِظهارِها خَوارِقَ إِعجازِ القُرآنِ وإِيجازِه.
أَجَل أُستاذِي الحَبِيبَ.. فكما يَصرِفُ النَّظَرَ حُسنُ الزَّهرةِ وجَمالُ الوَردةِ عنِ الشَّوكِ المُحِيطِ بأَغصانِها، كَذلِك هذه الزَّهرةُ النُّورانيّةُ هَوَّنَت علَيْنا عَناءَ السِّجنِ الَّذي دامَ تِسعةَ أَشهُرٍ، وخَفَّفَت مِن شِدّةِ وَطْأَتِه لِدَرَجةِ العَدَمِ.
لقد أُلِّفَت هذه الزَّهرةُ النُّورانيّةُ على نَحوٍ يُحَيِّر العُقُولَ، فلا يَجِدُ قارِئُها أَثناءَ مُطالَعَتِها أَيَّ مَلَلٍ أو سآمةٍ، وذلك لِمَا تَضَمَّنَته مِن مَحاسِنَ كَثيرةٍ؛ إِحداها: إِظهارُ أَهمِّيّةِ التَّكرارِ القُرآنِيّ وقِيمتِه، وكَشفُها السِّتارَ عمَّا يتَمتَّع به القُرآنُ مِنَ المَكانةِ الرَّفيعةِ، فكانَ ذلك رَدًّا على الخِيانةِ المُتَمثِّلةِ في تَرجَمةِ القُرآنِ على نَحوٍ يُهَوِّنُ مِن شَأنِه، ويَجعَلُه في عُيُونِ البَشَرِ شَيئًا بَسِيطًا؛ كما بيَّنَت هذه الزَّهرةُ مَدَى ما في القُرآنِ المُعجِزِ البَيانِ مِن طَراوةٍ حتَّى كَأنَّه نَزَل غَضًّا، وذلك مِن خِلالِ اعتِصامِ سالِكِيه في كلِّ عَصرٍ بِحَبلِه المَتِينِ، وبكُلِّ قُوّةٍ، وانقِيادِهِم لِأَوامرِه ونَواهِيه بِحَذافيرِها؛ ومِن خِلالِ ما أَطلَقَه بِحَقِّ الظّالمِينَ في كلِّ عَصرٍ مِن تَهدِيداتٍ مُكرَّرةٍ قَوِيّةٍ وشَدِيدةِ اللَّهجةِ، وما تَلَطَّف به تِجاهَ المَظلُومِينَ بأُسلُوبٍ شَفُوقٍ رَحِيمٍ وعلى نَحوٍ مُتَكرِّرٍ.
— 94 —
وأَخُصُّ بالذِّكرِ تَهديداتِه المُوجَّهةَ إلى الظَّلَمةِ في عَصرِنا هذا، إذ جعَلَتهُم يَئِنُّونَ ويَصرُخُونَ على مَدارِ سِتّةِ أو سَبعةِ أَعوامٍ تحتَ لَظَى جَحِيمٍ سَماوِيٍّ لا يَخطُرُ بِبالٍ، وكأنَّه نَزَل مِنَ السَّماواتِ العُلا على نَحوٍ لم يُرَ له مَثِيلٌ؛ في حِينِ جَعَلَت طُلّابَ رَسائِلِ النُّورِ یی وهُم على رَأسِ قائِمةِ المَظلُومِينَ في هذا العَصرِ یی مَظهَرًا لِنَتائِجَ جَلِيلةٍ عُمُومًا وخُصُوصًا، تُذَكِّرُنا بِالنَّتائِجِ الَّتي حَظِيَ بِها أَنبِياءُ الأُمَمِ السّالِفةِ؛ وأَسفَرَت عن صَفَعاتِ عَذابٍ جَهَنَّميٍّ وُجِّهَت لِلمُلحِدِينَ مِن مُعارِضِيها؛ وكانَ خِتامُها بِحاشِيَتَينِ بَدِيعَتَينِ لَطِيفَتَينِ..
كُلُّ هذا دَفَع طالِبَكُمُ الفَقِيرَ "خُسرَو" إلى عَظِيمِ الشُّكرِ، وغَمَره بِبالِغِ الفَرَحِ والسُّرُورِ؛ وكُنتُ قد أَوضَحتُ مِرارًا لِأُستاذِي الحَبِيبِ ولِإخواني أنِّي لم أَشعُر في حَياتي قَطُّ بِمِثلِ الفَرَحِ والسُّرُورِ الَّذي مَنَحَتْني إِيّاه هذه الزَّهرةُ الجَمِيلةُ.. رَضِيَ اللهُ عَنكُم أُستاذِي الحَبِيبَ رِضًا أَبدِيًّا، فلَقَد حَمَّلتُم كاهِلَكُمُ الضَّعِيفَ الهَزِيلَ عِبْئًا ثَقِيلًا.. نَسأَلُ اللهَ أن يَمُنَّ علَيْكُم بِسَعادةٍ أَبدِيّةٍ تُخَفِّفُ عَنكُم وَطْأةَ هذا الحِملِ الثَّقِيلِ.. آمِينَ.
أَجَل أُستاذِي الحَبِيبَ.. نحنُ في غايةِ الطُّمَأنينةِ ودَوامِ الرِّضا عنِ اللهِ وعنِ القُرآنِ، وعنِ الحَبِيبِ (ص) عَظِيمِ الشَّأنِ، وعن رَسائِلِ النُّورِ، وعَنكُم أُستاذَنا الحَبِيبَ ودَلَّالَ القُرآنِ؛ ولنا الفَخرُ بِالِانتِسابِ إِلَيكُم دُونَ أَدنَى تَردُّدٍ أو نَدَمٍ؛ ولا تُساوِرُنا الرَّغبةُ في الإِقدامِ على فِعلِ المَساوِئِ ولو مِقدارَ ذَرّةٍ، فلَيسَ عَمَلُنا إِلّا ابتِغاءَ وَجهِ اللهِ وَحْدَه، ولِأَجلِ بُلُوغِ مَرضاتِه.
وإِنَّنا یی ضِمنَ دائِرةِ مَرضِيّاتِ الحَقِّ سُبحانَه یی نَملَأُ قُلُوبَنا بِأَشواقِ قُربِه ووِصالِه يَومًا بعدَ يَومٍ؛ ونَحمَدُه غايةَ الحَمدِ أن أَعلَن یی دُونَ إِرادةٍ مِنّا یی العَفوَ والصَّفحَ عن عُمُومِ مَن أَساؤُوا إِلَيْنا بِغَيرِ استِثناءٍ، ونُحِيلُ أَمرَهُم إلى الحَقِّ سُبحانَه، بل فَوقَ ذلك نُقابِلُهُم بالإِحسانِ معَ أَنَّ بَينَهُم ظَلَمةً عامَلُونا بِمُنتَهَى القَسوةِ.. ولَقَد باتَ أَمرُ الصَّفحِ هذا شِعارَ الإِسلامِ الَّذي نُقِشَ في قُلُوبِ طَلَبةِ رَسائِلِ النُّورِ.
طالبكم المقصِّر
خُسرَو
— 95 —

المسألة الحادية عشرة

إِنَّ الشَّجَرةَ المُقدَّسةَ لِلأَركانِ الإِيمانيّةِ الكُلِّيّة لها ثَمَراتٌ يانِعةٌ إِحداها هي الجَنّةُ، والأُخرَى هي السَّعادةُ الأَبَديّةُ، والثّالثةُ هي رُؤيةُ اللهِ جلَّ جَلالُه.
ولَمّا كانَت رَسائلُ النُّورِ قد أَوضَحَت مِئاتٍ مِن تلك الثِّمارِ یی كُلِّيِّها وجُزئِيِّها یی معَ حُجَجِها الدّامِغةِ، نُحِيلُ تَفاصِيلَها إلى «سِراج النُّور» ، ونُشِيرُ هنا إلى بِضعةِ نَماذِجَ فقط لِثَمَراتٍ جُزئيَّةٍ بل إلى جُزءِ الجُزئيِّ والخاصِّ مِن تلك الثِّمارِ الطَّيِّبةِ.
إحداها: كُنتُ ذاتَ يومٍ أَدعُو دُعاءً بهذا المَضمُونِ: «يا رَبِّ.. أَتَوسَّلُ إلَيك بحُرمةِ جَبْرائيلَ ومِيكائيلَ وإِسرافيلَ وعِزرائيلَ وبشَفاعَتِهم أن تَحفَظَني مِن شُرُورِ شَياطِينِ الجِنِّ والإنسِ..» ، وحَالَمَا ذَكَرتُ اسمَ عِزرائيلَ الَّذي يَملَأُ ذِكرُه النّاسَ رُعبًا وارتِجافًا، شَعَرتُ بحالةٍ ذاتِ طَعمٍ في غايةِ الحَلاوةِ والسُّلوانِ، فحَمِدتُ اللهَ قائلًا: "الحَمدُ للهِ"، وبَدَأتُ أُحِبُّ عِزرائيلَ حُبًّا خالِصًا، على أنَّه واحِدٌ مِنَ المَلائكةِ الَّذين يُعتَبَرُ الإيمانُ بوُجُودِهم رُكنًا مِن أَركانِ الإيمانِ.. وسنُشِيرُ بإلمامةٍ قَصِيرةٍ إلى ثَمَرةٍ جُزئيّةٍ واحِدةٍ مِن عَدِيدِ الثِّمارِ للإيمانِ بهذا المَلَكِ.
مِنها: أنَّ أَثمَنَ ما عِندَ الإنسانِ، وأَعظَمَ ما يَحرِصُ علَيه ويُدافِعُ عنه ويَجهَدُ في الحِفاظِ علَيه، هو رُوحُه بلا شَكٍّ.. فلقد أَحسَسْتُ يَقينًا بفَرَحٍ عَمِيقٍ إزاءَ تَسلِيمِ الإنسانِ لِأَعزِّ ما يَملِكُه في الوُجُودِ یی وهو رُوحُه یی إلى يَدِ "قَوِيٍّ أَمينٍ" لِيَحفَظَه مِنَ العَبَثِ والضَّياعِ والفَناءِ.
ثمَّ تَذَكَّرتُ المَلائكةَ المُوَكَّلين بتَسجِيلِ أَعمالِ الإنسانِ، فرَأَيتُ أنَّ لهم ثَمَراتٍ لَذِيذةً جِدًّا كهذه:
— 96 —
مِنها: أنَّ كلَّ إنسانٍ لِأَجلِ أن تُخَلَّد أَعمالُه الطَّيِّبةُ وتَبقَى كَلِماتُه القَيِّمةُ، يَسعَى للحِفاظِ علَيها وصِيانَتِها مِنَ الضَّياعِ، سَواءٌ عن طَرِيقِ الكِتابةِ أوِ الشِّعرِ، أو حتَّى بالشَّريطِ السِّينِمائيِّ، وبخاصّةٍ إذا كان لِتلك الأَعمالِ ثَمَراتُها الباقيةُ في الجَنّةِ، فيَشتاقُ إلى حِفظِها أَكثَر..
والكِرامُ الكاتبُون واقِفُون على مَنكِبَيِ الإنسانِ ليُظهِرُوه في مَشاهِدَ أَبَديّةٍ، ولِيُصَوِّرُوا أَعمالَه في مَناظِرَ خالِدةٍ، لِيُكافَأَ أَصحابُها ولِيَنالُوا الجَوائزَ الثَّمينةَ الدّائمةَ.. ولقد تَلَذَّذتُ مِن طُعُومِ هذه الثَّمَرةِ بلَذائذَ حُلْوةٍ لا أَستَطِيعُ أن أَصِفَها.
وعِندَما جَرَّدَني أَهلُ الضَّلالةِ مِن أَسبابِ الحَياةِ الِاجتِماعيّةِ، وأَبعَدُوني عن كُتُبي وأَحِبَّتي وخَدَمي وكلِّ ما كانَ يَمنَحُني السُّلوانَ، وأَلقَوْني في دِيارِ الغُربةِ والوَحشةِ، وكُنتُ في ضِيقٍ وضَجَرٍ مِن حالي إلى دَرَجةٍ كُنتُ أَشعُرُ أنَّ الدُّنيا الفارِغةَ ستَتَهدَّمُ على رَأسِي.. فبَينَما أنا في هذه الحالةِ إذا بثَمَرةٍ مِن ثَمَراتِ الإيمانِ بالمَلائكةِ تأتي لِإغاثَتي، فتُضِيءُ أَرجاءَ دُنيايَ كُلَّها، وتُنَوِّرُ العالَمَ مِن حَوْلي، وتَعْمُرُه بالمَلائكةِ وتُؤَهِّلُه بالأَرواحِ الطَّيِّبةِ، حتَّى دَبَّ السُّرُورُ والبَهجةُ في كلِّ مَكانٍ. وأَرَتْني كَذلِك كم كانَت دُنيا أَهلِ الضَّلالةِ مَلْأَى بصَرَخاتِ الوَحشةِ وحَسَراتِ العَبَثِ والظَّلامِ..
فبَينَما كان خَيالي فَرِحًا جَذِلًا بالتَّمتُّعِ بلَذّةِ هذه الثَّمَرةِ، إذا به يَتَسلَّمُ ثَمَرةً مِنَ الثِّمارِ الوَفيرةِ یی الشَّبِيهةِ بهذه یی مِنَ الإيمانِ بالرُّسُلِ عَلَيهِم السَّلَام، فذاقَها فِعلًا، وأَحسَسْتُ تَوًّا أنَّ إيماني قد تَوَسَّعَ ونَما وانبَسَط حتَّى أَصبَحَ كُلِّيًّا شامِلًا، إذ أَشرَقَت لَدَيَّ تلك الأَزمِنةُ الغابِرةُ كُلُّها واستَضاءَت بنُورِ التَّصدِيقِ والإيمانِ بهم، حتَّى كُنتُ أَشعُرُ كأنَّني أَعيشُ معَهم، وباتَ كلُّ نَبِيٍّ مِنَ الأَنبِياءِ يُصَدِّقُ بآلافِ التَّصدِيقِ على أَركانِ الإيمانِ الَّتي جاءَ بها ودَعا إلَيها خاتَمُهم (ص)، مِمّا أَخرَسَ الشَّياطِينَ وأَسكَتَهُم..
ثمَّ قَفَز إلى القَلبِ السُّؤالُ ذُو الجَوابِ الشّافي الوارِدِ في لَمْعةِ "حِكمةِ الِاستِعاذةِ"، وهو: أنَّ أَهلَ الإيمانِ الَّذين لهم مِثلُ هذه الثَّمَراتِ للإيمانِ، ومِثلُ هذه الفَوائدِ والنَّتائجِ اللَّذِيذةِ ذاتِ الطُّعُومِ غيرِ المَحدُودةِ، ولهمُ النَّتائجُ الجَمِيلةُ الطَّيِّبةُ للحَسَناتِ ومَنافِعُها
— 97 —
الكَثيرةُ، ولهمُ العِنايةُ الدّائمةُ مِن "أَرحَمِ الرّاحِمِين" وتَوفيقُه ورَحمَتُه.. كلُّ ذلك يَمنَحُهمُ القُوّةَ والإسنادَ، فلِمَ إذًا يَتَغلَّبُ أَهلُ الضَّلالةِ غالبًا علَيهم، بل قد يَتَغلَّبُ عِشرُون مِن أَهلِ الضَّلالةِ على مِئةٍ مِنهم، ويُهلِكُونَهم؟! وفي ثَنايا هذا التَّفكِيرِ خَطَر لي: لِمَ يَحْشُدُ القُرآنُ الكَريمُ هذا الحَشْدَ العَظيمَ لأَهلِ الإيمانِ بذِكرِ إمدادِ اللهِ إيّاهم بالمَلائكةِ وهم يُواجِهُون دَسائسَ شَيطانيّةً واهِيةً ضَعِيفةً؟!
وبما أنَّ رَسائلَ النُّورِ قد وضَّحَت حِكمةَ ذلك بحُجَجٍ قاطِعةٍ، فسنُشِيرُ هنا إلى الجَوابِ عن ذلك السُّؤالِ في غايةِ الإيجازِ:
نعم، يَتَولَّى أَحيانًا مِئةٌ مِنَ الأَشخاصِ المُحافَظةَ على قَصرٍ، عِندَما يُحاوِلُ أَحَدُ الشِّرِّيرِين أو أيُّ شَخصٍ مُخرِّبٍ إلقاءَ النّارِ فيه خِفيةً لِتَدمِيرِه؛ بل قد يُلْجَأُ إلى السُّلطانِ أوِ الدَّولةِ للحِفاظِ على القَصرِ، ذلك لأنَّ بَقاءَ بِناءِ القَصرِ يَتَوقَّفُ على جَميعِ الشُّرُوطِ والأَركانِ والأَسبابِ الدّاعِيةِ إلى البَقاءِ.. أمّا تَخرِيبُه وهَدْمُه فيكُونُ بانعِدامِ شَرطٍ واحِدٍ فَقَط.
فعلى غِرارِ هذا المِثالِ نَفهَمُ كيفَ أنَّ شَياطِينَ الجِنِّ والإنسِ يقُومُون بتَخرِيبٍ مُدهِشٍ وبحَرِيقٍ مَعنَويٍّ عَظيمٍ بفِعلٍ قَليلٍ جِدًّا، بمِثلِ ما يقُومُ شِرِّيرٌ بتَدميرِ بِناءٍ فَخْمٍ بإلقاءِ عُودِ كِبرِيتٍ فيه.
نعم، إنَّ أَساسَ وخَميرةَ الشُّرُورِ والرَّذائلِ والخَطايا كلِّها هو العَدَمُ والهَدْمُ، وما يَبدُو مِن وُجُودِها الظّاهِرِ يُخفِي تَحتَه الإفسادَ والتَّعَطُّلَ والعَدَمَ.
واستِنادًا إلى هذه النُّقطةِ فإنَّ شَياطِينَ الجِنِّ والإنسِ والأَشرارَ يَتَمكَّنُون بقُوّةٍ هَزِيلةٍ جِدًّا، أن يَصُدُّوا قُوّةً لا حَدَّ لها لِأَهلِ الحَقِّ والحَقيقةِ، ويُلجِئُوهم إلى بابِ اللهِ عزَّ وجَلَّ والسَّعيِ إلَيه دائمًا.. ولِأَجلِ هذا يَضَعُ القُرآنُ الكَريمُ تلك الحُشُودَ الهائلةَ لِحِمايَتِهم، ويُسَلِّمُ إلى أَيدِيهم تِسعةً وتِسعِين اسمًا مِنَ الأَسماءِ الحُسنَى، ويُصدِرُ أَوامِرَ مُشَدَّدةً لِيَثبُتُوا تِجاهَ أُولَئك الأَعداءِ.
ومِن هذا الجَوابِ ظَهَر فَجأةً أَساسُ مَسأَلةٍ مُدهِشةٍ وبِدايةُ حَقيقةٍ عَظِيمةٍ، وهو أنَّه:
— 98 —
كما أنَّ الجَنّةَ تُخَزِّنُ مَحاصِيلَ جَميعِ عَوالِمِ الوُجُودِ ونَتائِجَها، وتَستَثمِرُ النَّوَى المَزرُوعةَ في الدُّنيا فتَجعَلُها تُؤتي أُكُلَها كلَّ حِينٍ؛ فإنَّ جَهَنَّمَ تُحَمِّصُ مَحاصِيلَ العَدَمِ وتَعصِفُ بها لِأَجلِ إظهارِ النَّتائجِ الأَليمةِ جِدًّا لِعَوالِمِ العَدَمِ والفَناءِ غيرِ المَحدُودةِ، فمَصنَعُ جَهَنَّمَ الرَّهيبُ یی فَضْلًا عن وَظائفِها العَدِيدةِ یی يُطَهِّرُ ما في عالَمِ الوُجُودِ مِن أَوساخِ عالَمِ العَدَمِ وأَدْرانِه.. سنُوَضِّحُ هذه المَسأَلةَ العَظيمةَ فيما بعدُ إن شاءَ اللهُ لأنَّنا لا نُرِيدُ فَتحَ بابِها هنا.
وكذا فإنَّ جُزءًا مِن ثَمَراتِ الإيمانِ بالمَلائكةِ هو الَّذي يَعُودُ إلى المُنكَرِ والنَّكِيرِ، وهو كالآتي:
قلتُ ذاتَ يومٍ: "إنَّني لا بُدَّ یی كأَيِّ فَردٍ كانَ یی داخِلٌ لا مَحالةَ في القَبْرِ".. فدَخَلتُ إلَيه خَيالًا، وفيما كُنتُ أَستَوحِشُ يائِسًا مِن سِجنِ القَبرِ الِانفِرادِيِّ، ومِن تَجَرُّدِي المُطلَقِ مِن كلِّ شيءٍ، وَحِيدًا دُونَ مُعِينٍ، في ذلك المَكانِ الضَّيِّقِ المُظلِمِ البارِدِ، إذا بصَدِيقَينِ كَرِيمَينِ مِن طائفةِ "المُنكَرِ والنَّكِيرِ" قد بَرَزا وجاءا إلَيَّ وبَدَأَا بمُناظَرتي.. فتَوَسَّعَ قَبْرِي وانشَرَحَ قَلبِي، فاستَضَاءا وتَدَفَّأا، وفُتِحَت شَبابِيكُ نَوافِذَ مُطِلّةٍ على عالَمِ الأَرواحِ.. سُرِرتُ مِن أَعماقِ رُوحِي وشَكَرتُ اللهَ كَثيرًا على ما رَأَيتُ مِنَ الأَوضاعِ الَّتي ستَتَحقَّقُ حَتْمًا في المُستَقبَلِ وإن كُنتُ أَراها الآنَ خَيالًا.
فكَما أنَّه عِندَما تُوُفِّي طالِبُ عِلمٍ في أَثناءِ تَعَلُّمِه الصَّرفَ والنَّحوَ، سأَلَه المُنكَرُ والنَّكِيرُ في القَبرِ: "مَن رَبُّك؟" أَجابَ: "مَن مُبتَدأٌ، ورَبُّك خَبَرُه.. اِسأَلُوني سُؤالًا صَعْبًا فهذا سَهْلٌ!!" یی يَحسَبُ نَفسَه لا يَزالُ في المَدرَسةِ يَتَلقَّى الدَّرْسَ یی كما أنَّ هذا الجَوابَ أَضحَكَ المَلائِكةَ والأَرواحَ الحاضِرةَ وذلك الوَلِيَّ الصّالِحَ الَّذي انكَشَف له القَبرُ فشاهَدَ الحادِثةَ، بل جَعَل الرَّحمةَ الإِلٰهيّةَ تَبتَسِمُ، فأَنقَذَه مِنَ العَذابِ.. كَذلِك فقد أَجابَ شَهِيدٌ بَطَلٌ مِن طُلّابِ رَسائلِ النُّورِ وهو "الحافِظُ عَلِيٌّ" وقد تُوُفِّي في السِّجنِ وهو لا يَزالُ يَقرَأُ ويَكتُبُ "رِسالةَ الثَّمَرةِ" بكَمالِ الشَّوقِ، أَجابَ عن أَسئِلةِ المَلَكَينِ في القَبْرِ یی مِثلَما أَجابَ في المَحكَمةِ یی بحَقائقِ "رِسالةِ الثَّمَرةِ"، وأنا كَذلِك وسائرُ طَلَبةِ
— 99 —
رَسائلِ النُّورِ سنُجِيبُ إن شاءَ اللهُ عن تلك الأَسئِلةِ الَّتي هي حَقيقةٌ في المُستَقبَلِ، ومَجازٌ في الوَقتِ الحاضِرِ، سنُجِيبُ عنها بحُجَجِ رَسائلِ النُّورِ السّاطِعةِ وبَراهِينِها الدّامِغةِ، ونَسُوقُهم بها إلى التَّصدِيقِ والِاستِحسانِ والتَّقدِيرِ.
وكذا فإنَّ نَمُوذَجًا جُزئيًّا للإيمانِ بالمَلائكةِ مِحوَرًا لِسَعادةِ الدُّنيا هو أنَّه:
بَينَما كان طِفلٌ بَرِيءٌ يَتَلقَّى دَرسَه الإيمانِيَّ في مَبادِئِ الفِقهِ، إذ يَأتيه طِفلٌ آخَرُ باكِيًا مُوَلْوِلًا لِوَفاةِ أَخِيه البَريءِ فيُهَدِّئُه ويُسَلِّيه، قائلًا: "لا تَبْكِ يا أَخِي، بلِ اشْكُرِ اللهَ، لأنَّ أَخاك قد ذَهَب معَ المَلائكةِ ومَضَى إلى الجَنّةِ، وسيَتَجَوَّلُ ويَسْرَحُ هناك بحُرِّيّةٍ كامِلةٍ كالمَلائكةِ، وسيَجِدُ الفَرحةَ والهَناءَ أَحسَنَ مِنَّا، وسيَطِيرُ كالمَلائكةِ ويُشاهِدُ كلَّ مَكانٍ"، فبَدَّل بُكاءَه وصُراخَه وعَوِيلَه ابتِسامةً وسُرُورًا.
فأنا كذلك مِثلُ هذا الطِّفلِ الباكي، فقد تَلَقَّيتُ مع ما أنا فيه مِن وَضْعٍ أَليمٍ وفي هذا الشِّتاءِ الكَئيبِ نَبَأَ وَفاةِ اثنَينِ ونَعْيَهما بأَسًى وأَلَمٍ بالِغَينِ.
أَحَدُهما: هو ابنُ أَخي المَرحُومُ "فُؤاد" الَّذي أَحرَزَ الدَّرَجةَ الأُولَى في المَدارِسِ العُلْيا، وهو النَّاشِرُ لِحَقائقِ رَسائلِ النُّورِ.
الثّاني: تلك الَّتي حَجَّت وطافَت بالبَيتِ وهي تُعاني سَكَراتِ المَوتِ وسَلَّمَتْ رُوحَها في الطَّوافِ، وهي المَرحُومةُ أُختي العالِمةُ: "خانُم".
فبَينَما أَبكاني وَفاةُ هذَينِ القَريبَينِ كبُكائي على "عبدِ الرَّحمَنِ" المَذكُورِ في "رِسالةِ الشُّيُوخِ"، رَأَيتُ بنُورِ الإيمانِ یی قَلبًا ومَعنًى یی صَداقةَ المَلائكةِ ورِفاقةَ الحُورِ العِينِ لِذلك الشّابِّ الطَّيِّبِ: "فُؤاد" ولِتِلك السَّيِّدةِ الصَّالِحةِ، عِوَضًا عن صَداقةِ النَّاسِ، ورَأَيتُ نَجاتَهما مِن مَهالِكِ الدُّنيا وخَلاصَهما مِن خَطاياها؛ فبَدَأتُ أَشكُرُ اللهَ یی وهو أَرحَمُ الرّاحِمِين یی أَلفَ شُكرٍ وشُكرٍ، بما حَوَّل ذلك الحُزنَ الشَّدِيدَ إلى الشُّعُورِ بالبَهجةِ، والإِحساسِ بالسُّرُورِ.. وبَدَأتُ أُهَنِّئُهم وأُهَنِّئُ أَخِي "عبدَ المَجِيدِ" (أبا فُؤادٍ) وأُهَنِّئُ نَفسِي كَذلِك. ولقد كُتِبَ هذا وسُجِّلَ هاهنا مِن أَجلِ أن يَنالَ هَذانِ المَرحُومانِ بَرَكةَ الدُّعاءِ.
— 100 —
إنَّ جَميعَ ما في رَسائلِ النُّورِ مِن مَوازِينَ ومُقارَناتٍ إنَّما هو لِبَيانِ ثِمارِ سَعادةِ الإيمانِ ونَتائِجِها الَّتي تَعُودُ للحَياةِ الدُّنيا والحَياةِ الأُخرَى، فتلك الثِّمارُ الكُلِّيّةُ الضَّخمةُ تُرِي في الدُّنيا سَعادةَ الحَياةِ وتُذِيقُ لَذائذَها خِلالَ العُمُرِ، كما تُخبِرُ أنَّ إيمانَ كلِّ مُؤمِنٍ سيُكسِبُه في الآخِرةِ سَعادةً أَبَديّةً، بل ستُثمِرُ وتَتَكشَّفُ وتَنبَسِطُ بالصُّورةِ نَفسِها هناك.
فمِن نَماذِجِ تلك الثِّمارِ الكُلِّيّةِ العَدِيدةِ كُتِبَت خَمسُ ثِمارٍ مِنها على أنَّها لی"المِعراجِ" في نِهايةِ "الكَلِمةِ الحادِيةِ والثَّلاثين"، وخَمسُ ثِمارٍ في "الغُصنِ الخامِسِ مِنَ الكَلِمةِ الرّابعةِ والعِشرِين".
فكما ذَكَرنا آنِفًا أنَّ لِكُلِّ رُكنٍ مِن أَركانِ الإيمانِ ثِمارًا كَثيرةً جِدًّا بلا حُدُودٍ، فلِمَجمُوعِ أَركانِ الإيمانِ معًا ثَمَراتٌ لا حَدَّ لها أَيضًا:
إحداها: الجَنّةُ العَظِيمةُ..
والأُخرَى: السَّعادةُ الأَبَديّةُ..
والثَّالثة: هي أَلَذُّها، وهي رُؤيةُ اللهِ جلَّ جَلالُه هناك.
وقد وَضَح بجَلاءٍ في المُقارَنةِ المَعقُودةِ في نِهايةِ "الكَلِمةِ الثّانيةِ والثَّلاثين" بعضُ ثِمارِ الإيمانِ الَّذي هو مِحوَرُ سَعادةِ الدّارَينِ.
هذا، وإنَّ الدَّليلَ على أنَّ «الإيمانَ بالقَدَرِ» له ثِمارُه النَّفيسةُ أيضًا في هذه الدُّنيا، هو ما يَدُورُ على أَلسِنةِ الجَمِيعِ، حتَّى غَدا مَضرِبًا للأَمثالِ: «مَن آمَنَ بالقَدَر، أَمِنَ مِنَ الكَدَر» ، وفي نِهايةِ «رِسالةِ القَدَر» بُيِّنتْ إحدَى ثِمارِه الكُلِّيّةِ بمِثالٍ هو: دُخُولُ رَجُلَينِ حَدِيقةَ قَصرٍ سُلطانِيٍّ.. حتَّى إنَّني شاهَدتُ مِن خِلالِ حَياتي بآلافٍ مِن تَجارِبي وعَرَفتُ أنْ لا سَعادةَ للحَياةِ الدُّنيا دُونَ الإيمانِ بالقَدَرِ، فلَولا هذا الإيمانُ لَمُحِيَت إذًا تلك السَّعادةُ وفَنِيَت؛ بل كُنتُ كلَّما نَظَرتُ إلى المَصائبِ الأَليمةِ مِن زاوِيةِ الإيمانِ بالقَدَرِ كانَت تلك المَصائبُ تَخِفُّ ويَقِلُّ وَطْؤُها عَلَيَّ، فكُنتُ أَسأَلُ بِحَيرةٍ: يا تُرَى كيفَ يَستَطِيعُ العَيشَ مَن لا يُؤمِنُ بالقَدَرِ؟!
— 101 —
وقد أُشِيرَ إلى إِحدَى الثِّمارِ الكُلِّيّةِ للرُّكنِ الإيمانِيِّ: «الإيمانُ بالمَلائكةِ» في "المَقامِ الثّاني للكَلِمةِ الثّانيةِ والعِشرين" بما يأتي:
إنَّ عِزرائيلَ عَلَيهِ السَّلَام قال مُناجِيًا رَبَّه عزَّ وجلَّ: إنَّ عِبادَك سوف يَشتَكُون مِنِّي ويَسخَطُون عَلَيَّ عِندَ أَدائي وَظيفةَ قَبضِ الأَرواحِ. فقيلَ له جَوابًا: سأَجعَلُ الأَمراضَ والمَصائبَ سَتائِرَ لِوَظِيفَتِك لِتَتَوجَّهَ شَكاواهم إلى تلك الأَسبابِ لا إليك.
ووَظيفةُ عِزرائيلَ نَفسُها هي الأُخرَى سِتارٌ مِن تلك السَّتائرِ كيلا تَتَوجَّه الشَّكاوَى الباطِلةُ إلى الحَقِّ سُبحانَه وتَعالَى، وذلك لِأَنَّ الحِكمةَ والرَّحمةَ والجَمالَ والمَصلَحةَ المَوجُودةَ في المَوتِ قد لا يَراها كلُّ أَحَدٍ، إذ يَنظُرُ إلى ظاهِرِ الأُمُورِ ويَبدَأُ بالِاعتِراضِ والشَّكوَى.. فلِأَجلِ هذه الحِكمةِ یی أي: لِئلَّا تَتَوجَّه الشَّكاوَى الباطِلةُ إلى الرَّحِيمِ المُطلَقِ یی فقد أَصبَحَ عِزرائيلُ عَلَيهِ السَّلَام سِتارًا.
ومِثلُ هذا تَمامًا ما يقُومُ به جَميعُ المَلائكةِ وجَميعُ الأَسبابِ الظّاهِرةِ مِن واجِباتٍ ووَظائفَ إنَّما هي سَتائرُ لِعِزّةِ الرُّبُوبيّةِ، لِتَبقَى عِزّةُ القُدرةِ الإِلٰهيّةِ وقُدسِيَّتُها ورَحمةُ اللهِ المُحِيطةُ الشّامِلةُ مَصُونةً في الأُمُورِ والأَشياءِ الَّتي لا تُرَى فيها أَوجُهُ الجَمالِ، ولا تُعلَمُ فيها حَقائقُ الحِكمةِ، مِن دُونِ أن تكُونَ هَدَفًا للِاعتِراضاتِ الباطِلةِ.. ولا يُشاهَد عِندَئذٍ بالنَّظَرِ الظّاهِرِيِّ مُباشَرةُ يَدِ القُدرةِ في الأُمُورِ الجُزئيّةِ والمُنافِيةِ للرَّحمةِ والأَشياءِ التّافِهةِ.
هذا، وإنَّ رَسائلَ النُّورِ قد أَثبَتَت بدَلائلِها الغَزِيرةِ جِدًّا، أنَّه ليس لِأَيِّ سَبَبٍ مِنَ الأَسبابِ تَأثيرٌ حَقيقيٌّ، وليس له قابِليّةُ الإيجادِ أَصلًا؛ وأنَّ سِكَكَ التَّوحِيدِ وأَختامَها غيرَ المَحدُودةِ مَوضُوعةٌ على كلِّ شيءٍ، وأنَّ الخَلقَ والإيجادَ يَخُصُّه هو سُبحانَه وتَعالَى، فلَيسَتِ الأَسبابُ إلّا مُجَرَّدَ سَتائرَ، وليس للمَلائكةِ یی وهم ذَوُو شُعُورٍ یی غيرُ جُزءٍ مِنَ الِاختِيارِ الجُزئيِّ الَّذي له الكَسبُ دُونَ الإيجادِ، وهو نَوعٌ مِنَ الخِدمةِ الفِطرِيّةِ ونَمَطٌ مِنَ العُبُودِيّةِ العَمَليّةِ لا غيرُ.
أَجَل، إنَّ العِزّةَ والعَظَمةَ تَقتَضِيانِ وَضعَ الأَسبابِ الظّاهِرِيّةِ سَتائرَ أَمامَ نَظَرِ العَقلِ، إلّا أنَّ التَّوحِيدَ والجَلالَ يَرفَعانِ أَيدِيَ الأَسبابِ ويَرُدّانِها عنِ التَّأثيرِ الحَقيقيِّ.
— 102 —
وهكذا، فكما أنَّ المَلائكةَ والأَسبابَ الظّاهِرِيّةَ المُستَخدَمةَ في أُمُورِ الخَيرِ والوُجُودِ، هي وَسائلُ للتَّقدِيسِ الرَّبّانِيِّ وتَسبِيحِه فيما لا يُرى ولا يُعلَمُ جَمالُه مِنَ الأَشياءِ، وذلك بتَنزِيهِ القُدرةِ الرَّبّانيّةِ وصِيانَتِها عنِ التَّقصِيرِ والظُّلمِ؛ كذلك فإنَّ استِخدامَ شَياطِينِ الجِنِّ والإنسِ والعَناصِرِ المُضِرّةِ في أُمُورِ الشَّرِّ والعَدَمِ هو الآخَرُ نوعٌ مِنَ الخِدمةِ للتَّسبِيحاتِ الرَّبّانيّةِ ووَسِيلةٌ للتَّقدِيسِ والتَّنزِيهِ والتَّبْرِئةِ مِن كلِّ ما يُظَنُّ نَقصًا وتَقصِيرًا في الكائناتِ، وذلك لِصِيانةِ القُدرةِ السُّبحانيّةِ، كيلا تكُونَ هَدَفًا لإلصاقِ الظُّلمِ بها وتَوجِيهِ الِاعتِراضاتِ الباطِلةِ إلَيها، ذلك لأنَّ جَميعَ التَّقصِيراتِ تأتي مِنَ العَدَمِ ومِنَ العَجزِ ومِنَ الهَدمِ ومِن إهمالِ الواجِباتِ یی الَّتي كلٌّ مِنها عَدَمٌ یی ومِمّا ليس له وُجُودٌ مِنَ الأَفعالِ العَدَمِيّةِ.
فهذه السَّتائرُ الشَّيطانيّةُ والشِّرِّيرةُ قد أَضحَت وَسائلَ لِتَقدِيسِ الحَقِّ سُبحانَه وتَعالَى لِمَا حَمَلَت على عاتقِها یی باستِحقاقٍ یی تلك الِاعتِراضاتِ والشَّكاوَى لِكَونِها مَرجِعًا لتلك التَّقصيراتِ ومَصْدَرًا لها؛ إذِ الأَعمالُ الشِّرِّيرةُ والعَدَمِيّةُ والتَّخرِيبيّةُ لا تَتَطلَّبُ أَصلًا القُوّةَ والقُدرةَ، فالفِعلُ القَليلُ أوِ القُوّةُ الجُزئيَّةُ بل الإهمالُ لواجبٍ مّا أَحيانًا يُؤَدِّي إلى أَنواعٍ مِنَ العَدَمِ والفَسادِ. لذا يُظَنُّ أنَّ القائِمَ بتلك الأَفعالِ الشِّرِّيرةِ هو ذُو قُدرةٍ، بَينَما الأَمرُ في الحَقيقةِ أنَّه لا تَأثيرَ له إلّا العَدَمُ، ولا قُوّةَ له إلّا الكَسبُ الجُزئيُّ.
ولَمّا كانَت تلك الشُّرُورُ ناشِئةً مِنَ العَدَمِ فإنَّ أُولَئك الأَشرارَ يُعَدُّون همُ الفاعِلين الحَقيقيِّين لها، فإن كانُوا مِن ذَوِي الشُّعُورِ استَحَقُّوا أن يَذُوقُوا وَبالَ أَمرِهم؛ وهذا يَعني أنَّ أُولَئك الأَشرارَ الفاسِدِين هم فاعِلُون للسَّيِّئاتِ.. أمّا في الحَسَناتِ والخَيرِ والأَعمالِ الصَّالِحةِ فلِأَنَّها وُجُودِيّةٌ، فإنَّ الأَخيارَ لَيسُوا همُ الفاعِلين الحَقيقيِّين لها، وإنَّما هم أَهلٌ لكي تَجرِيَ الحَسَناتُ على أَيدِيهم فيَقبَلُوا الكَرَمَ الإِلٰهيَّ؛ وما إثابَتُهم على أَعمالِهم إلّا كَرَمٌ وفَيضٌ إِلٰهِيٌّ مَحضٌ، والقُرآنُ الكَريمُ يُوَضِّحُ هذا بأَمرِه: مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ
— 103 —
ومُجمَلُ القَولِ: إنَّ عَوالِمَ الوُجُودِ وعَوالِمَ العَدَمِ غيرَ المَحدُودَتَينِ عِندَما تَتَصادَمانِ مَعًا، وعِندَما تُثمِرانِ الجَنّةَ والنّارَ، وعِندَما تقُولُ جَميعُ عَوالِمِ الوُجُودِ: «الحَمدُ للهِ، الحَمدُ للهِ» ، وتُرَدِّدُ جَميعُ عَوالِمِ العَدَمِ: «سُبحانَ اللهِ، سُبحانَ اللهِ» ، وحتَّى عِندَما تَتَصارَعُ المَلائكةُ معَ الشَّياطِينِ، والخَيراتُ معَ الشُّرُورِ، بل حتَّى عِندَما يَدُورُ الجِدالُ حَولَ القَلبِ بينَ الإلهامِ والوَسوَسةِ.. عِندَما يَحدُثُ كلُّ هذا بقانُونِ المُبارَزةِ المُحِيطِ، تَتَجلَّى ثَمَرةٌ مِن ثِمارِ «الإيمانِ بالمَلائكةِ» ، فتَحسُمُ القَضِيّةَ وتَحُلُّ المُشكِلةَ، مُنوِّرةً الكائناتِ المُظلِمةَ، مُبدِيةً لنا نُورًا مِن أَنوارِ: اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، فتُذِيقُنا مِن حَلاوَتِها.. ما أَحلَاها! وما أَلذَّها!!
هذا، وإنَّ كُلًّا مِنَ "الكَلِمةِ الرّابعةِ والعِشرِين" و"الكَلِمةِ التَّاسِعةِ والعِشرِين" قد أَشارَتا إلى ثَمَرةٍ كُلِّيّةٍ أُخرَى، وأَثبَتَتا إثباتًا ساطِعًا وُجُودَ المَلائكةِ ووَظائِفَهم.
نعم، إنَّ رُبُوبيّةً جَليلةً رَحيمةً واسِعةً الَّتي عَرَّفَت نَفسَها وحَبَّبَتها، بما بَثَّت مِن كلِّ شيءٍ في جَنَباتِ الكَونِ، سواءٌ أَكان كُلِّيًّا أم جُزئيًّا، يَجِبُ أن يُقابَلَ ذلك الجَلالُ وتلك الرَّحمةُ وذلك التَّعرُّفُ والتَّحَبُّبُ بعُبُودِيّةٍ واسِعةٍ مُحيطةٍ شامِلةٍ شاكِرةٍ ضِمنَ تَقدِيسٍ وحَمْدٍ وثَناءٍ.
وحيثُ إنَّ الجَماداتِ والأَركانَ العَظيمةَ للكَونِ الَّتي ليس لها شُعُورٌ لا يُمكِنُها القِيامُ بهذه العُبُودِيّةِ العَظيمةِ، فلا يقُومُ بها عنهم إلَّا ما لا يُحصَى مِنَ المَلائكةِ.. فهؤلاء هُمُ الَّذين يُمكِنُهم أن يُمَثِّلُوا یی بكلِّ حِكمةٍ وجَلالٍ یی إجراءاتِ سَلطَنةِ الرُّبُوبيّةِ في كلِّ رُكنٍ مِن أَركانِ الكَونِ، وفي كلِّ جُزءٍ مِن أَجزائِه، مِنَ الثَّرَى إلى الثُّرَيّا، مِن أَعماقِ الأَرضِ إلى أَعالي الفَضاءِ.
فمَثلًا: إنَّ ما تُصَوِّرُه القَوانينُ المَيِّتةُ للفَلسَفةِ مِن خَلقِ الأَرضِ ووَظِيفَتِها الفِطرِيّةِ بشَكلٍ مُوحِشٍ مُظلِمٍ، تُحَوِّلُها هذه الثَّمَرةُ الإيمانيّةُ صُورةً مُؤنِسةً مُضِيئةً حيثُ المَلَكانِ المُسَمَّيانِ بالثَّورِ والحُوتِ، يَحمِلان على كَتِفِهما یی أي: تحتَ إشرافِهما یی الكُرةَ الأَرضِيّةَ، حيثُ قد أُحضِرَت مِنَ الجَنّةِ وجُلِبَت مِنها تلك المادّةُ الأُخرَوِيّةُ، وتلك
— 104 —
الحَقيقةُ الأُخرَوِيّةُ المُسَمّاةُ بی"الصَّخرةِ" لِتُصبحَ الحَجَرَ الأَساسَ الباقيَ لهذه الكُرةِ الأَرضِيّةِ الفانيةِ، إشارةً إلى أنَّ قِسمًا مِنَ الأَرضِ سيُفرَغُ ويُحَوَّلُ إلى الجَنّةِ الباقيةِ، فأَصبَحَتِ الصَّخرةُ نُقطةَ استِنادٍ للمَلَكَينِ: "الثَّورِ والحُوتِ".. هكذا رُوِيَت هذه الرِّوايةُ عن بعضِ أَنبِياءِ بَني إسرائيلَ السَّابقِين، وهي مَروِيّةٌ كذلك عنِ ابنِ عبّاسٍ رَضِيَ الله عَنهُ، ولكنَّ المُؤسِفَ جِدًّا أن يَتَحوَّلَ هذا التَّشبِيهُ اللَّطيفُ وهذا المَعنَى السَّامي بمُرُورِ الزَّمَنِ إلى حَقيقةٍ مادِّيّةٍ مُجَسَّمةٍ عِندَ العَوامِّ، بحيثُ أَصبَحَت خارِجةً عن نِطاقِ العَقلِ، إذِ المَلائكةُ يَستَطِيعُون أن يَصُولُوا ويَجُولُوا في التُّرابِ وفي الصُّخُورِ وفي مَركَزِ الأَرضِ كجَوَلانِهم في الهَواءِ، فلَيسُوا إذًا بحاجةٍ أَبَدًا یی ولا الكُرةُ الأَرضِيّةُ نَفسُها بحاجةٍ یی إلى صَخرةٍ مادِّيّةٍ مُجَسَّمةٍ ولا إلى ثَورٍ وحُوتٍ مادِّيَّينِ مُجَسَّمَينِ! بمَعنَى أنَّ تلك الرِّواية لَيسَت إلّا للتَّشبِيهِ.
ومَثلًا: لَمَّا كانَتِ الكُرةُ الأَرضِيّةُ تُسَبِّحُ للهِ بعَدَدِ رُؤُوسِ الأَنواعِ المَوجُودةِ فيها مِن حَيَوانٍ ونَباتٍ وجَمادٍ، وبعَدَدِ أَلسِنةِ أَفرادِ تلك الأَنواعِ، وبمِقدارِ أَعضاءِ تلك الأَفرادِ، وبعَدَدِ أَوراقِها وأَثمارِها، فإنَّ تَقدِيمَ هذه العُبُودِيّةِ الفِطرِيّةِ غيرِ الشُّعُورِيّةِ العَظيمةِ جِدًّا، وتَمثِيلَها، وعَرْضَها بعِلمٍ وشُعُورٍ على الحَضرةِ الإِلٰهيّةِ المُقَدَّسةِ، يَتَطلَّبُ حَتْمًا مَلَكًا مُوَكَّلًا له أَربَعُون أَلفَ رَأسٍ، وفي كلِّ رَأسٍ أَربَعُون أَلفَ لِسانٍ يُسَبِّحُ بكلِّ لِسانٍ أَربَعِين أَلفَ تَسبِيحةٍ، مِثلَما أَخبَرَ المُخبِرُ الصّادِقُ بهذه الحَقيقةِ نَفسِها.
نعم، إنَّه مِن مُقتَضَياتِ جَلالِ الرُّبُوبيّةِ وعَظَمَتِها وسُلطانِها أن يكُونَ جَبرائيلُ عَلَيهِ السَّلَام على ماهيّةٍ عَجِيبةٍ وهو المُؤَهَّلُ لِتَبلِيغِ العَلاقاتِ الرَّبّانيّةِ للإنسانِ الَّذي هو أَهَمُّ نَتِيجةٍ لِخَلقِ الكَونِ، وأن يكُونَ إسرافيلُ وعِزرائيلُ عَلَيهِمَا السَّلَام على ماهِيّةٍ عَجيبةٍ أيضًا، وهما يُمَثِّلانِ یی مُجَرَّدَ تَمثيلٍ یی الإجراءاتِ الإِلٰهيّةَ الخاصّةَ للخالقِ سُبحانَه، ويُشْرِفانِ بعُبُودِيّةٍ خالِصةٍ على أَعظَمِ شيءٍ في عالَمِ الأَحياءِ، وهو البَعثُ والمَوتُ؛ وأن يكُونَ مِيكائيلُ عَلَيهِ السَّلَام على ماهِيّةٍ عَجِيبةٍ أيضًا، إذ يُمَثِّلُ بشُعُورٍ كامِلٍ أَنواعَ الشُّكرِ غيرَ الشُّعُورِيّةِ على
— 105 —
الإحساناتِ الرَّحمانيّةِ في الرِّزقِ الَّذي هو أَجمَعُ دائرةٍ مِن دَوائرِ الحَياةِ وأَوسَعُها للرَّحمةِ وأَكثَرُها تَذَوُّقًا، فَضْلًا عن إشرافِه علَيها.
نعم، إنَّه مِن مُقتَضَياتِ جَلالِ الرُّبُوبيّةِ وأُبَّهَتِها بَقاءُ الرُّوحِ ووُجُودُ أَمثالِ هؤلاء المَلائكةِ على ماهِيّةٍ عَجيبةٍ جِدًّا، إذ إنَّ وُجُودَ هؤلاء ووُجُودَ كلِّ طائفةٍ خاصّةٍ مِنهم قَطعيُّ الثُّبُوتِ ولا رَيبَ فيه مُطلَقًا، فهو ثابِتٌ بدَرَجةٍ تَليقُ بثُبُوتِ وُجُودِ الجَلالِ والسَّلطَنةِ الظّاهِرةِ في الكونِ كالشَّمسِ.. ولْيُقَسْ على هذا المَوادُّ الأُخرَى الَّتي تَخُصُّ المَلائكةَ.
نعم، إنَّ الَّذي يَخلُقُ في الكُرةِ الأَرضِيّةِ أَربعَ مِئةِ أَلفِ نوعٍ مِنَ الأَحياءِ، بل يَخلُقُ مِن أَبسَطِ المَوادِّ ومِنَ العُفُوناتِ، ذَواتِ أَرواحٍ بكَثرةٍ هائلةٍ، ويَعمُرُ بهم أَرجاءَ الأَرضِ، ويَجعَلُهم يَنطِقُون بلِسانِهم إعجابًا: «ما شاءَ اللهُ! بارَكَ اللهُ! سُبحانَ اللهِ !» أمامَ مُعجِزاتِ صَنعَتِه سُبحانَه، والَّذي جَعَل حتَّى الحَيَواناتِ الدَّقيقةَ تَنطِقُ بی «الحَمدُ للهِ، والشُّكرُ للهِ، واللهُ أَكبَرُ» حِيالَ إحساناتِ الرَّحمةِ الواسِعةِ وآلائِها.. إنَّ هذا القَدِيرَ ذا الجَلالِ والجَمالِ قد خَلَقَ بلا رَيبٍ ولا شُبهةٍ سَكَنةً رُوحانيِّين تُناسِبُ السَّماواتِ الشّاسِعةَ، مِمَّن لا يَعصُون أَمْرَه، ويَعبُدُونَه دَوْمًا، فيَعْمُرُ بهِمُ السَّماواتِ دُونَ أن يَدَعَها خاليةً مُقفِرةً؛ فأَوجَدَ أَنواعًا كَثِيرةً جِدًّا مِنَ المَلائكةِ هي أَكثَرُ بكَثيرٍ مِن أَنواعِ الحَيَواناتِ وطَوائفِها، فقِسمٌ مِنهم صَغيرٌ جِدًّا يَمتَطُون قَطَراتِ الأَمطارِ وبِلَّوراتِ الثُّلُوجِ، ويُبارِكُون الصَّنعةَ الإِلٰهيّةَ مُهَلِّلين لرَحمَتِها الواسِعةِ بلِسانِهمُ الخاصِّ، وقِسمٌ مِنهم يَمتَطُون ظُهُورَ الكَواكِبِ السَّيّارةِ فيَسِيحُون في فَضاءِ الكَونِ مُعلِنين للعالَمِ أَجمَعَ عُبُودِيَّتَهم بالتَّكبِيرِ والتَّهليلِ أَمامَ عَظَمةِ الرُّبُوبيّةِ وعِزَّتِها وجَلالِها.
نعم، إنَّ اتِّفاقَ كلِّ الكُتُبِ السَّماوِيّةِ وجَميعِ الأَديانِ مُنذُ زَمَنِ سيِّدِنا آدَمَ عَلَيهِ السَّلَام على وُجُودِ المَلائكةِ وعلى عُبُودِيَّتِهم، وإنَّ ما رُوِيَ مِنَ الرِّواياتِ الكَثيرةِ المُتَواترةِ مِنَ التَّحَدُّثِ معَ المَلائكةِ والمُحاوَرةِ معَهم خِلالَ جَميعِ العُصُورِ، أَثبَتَ إثباتًا قاطِعًا وُجُودِ المَلائكةِ وعَلاقَتَهم معَنا، بدَرَجةِ ثُبُوتِ وُجُودِ النّاسِ الَّذين لم نَرَهُم في أَمرِيكا.
— 106 —
والآنَ انظُرْ بنُورِ الإيمانِ إلى هذه الثَّمَرةِ الكُلِّيّةِ الثّانيةِ وذُقْها لِتَرَى كيفَ أنَّها أَبهَجَتِ الكائناتِ مِن أَوَّلِها إلى آخِرِها وعَمَرَتْها وزَيَّنَتْها وحَوَّلَتْها إلى مَسجِدٍ أَكبَرَ ومَعبَدٍ أَعظَمَ، فالكَونُ المُظلِمُ البارِدُ الَّذي ليس فيه حياةٌ یی كما تُصَوِّرُه مادِّيّةُ العِلمِ والفَلسَفةِ یی يُصبِحُ بالإيمانِ كَوْنًا ذا حَياةٍ وشُعُورٍ، ومُنَوَّرًا ومُؤنِسًا ولَذيذًا، فتُذِيقُ هذه الثَّمَرةُ أَهلَ الإيمانِ شُعاعًا مِن لَذّةِ الحَياةِ الباقيةِ وهم لا يَزالُون في الدُّنيا كلٌّ حَسَبَ دَرَجَتِه.
تَتِمّةٌ:
كما أنَّه بسِرِّ الوَحدةِ والأَحَديّةِ، تُوجَدُ القُدرةُ نَفسُها والِاسمُ نَفسُه والحِكمةُ نَفسُها والإبداعُ نَفسُه، في كلِّ جِهةٍ مِن جِهاتِ الكَونِ، فيُعلِنُ كلُّ مَصنُوعٍ یی كُلِّيًّا أم جُزئيًّا یی بلِسانِ حالِه: وَحدانيّةَ الخالقِ سُبحانَه وتَصَرُّفَه وإيجادَه ورُبُوبيَّتَه وخَلَّاقيَّتَه وقُدسِيَّتَه، كذلك فإنَّه سُبحانَه يَخلُقُ مَلائكةً في أَرجاءِ الكَونِ كُلِّه لِيَقُومُوا بأَلسِنَتِهمُ الذّاكِرةِ الحامِدةِ بتَسبِيحاتٍ يُؤَدِّيها كلُّ مَخلُوقٍ بلِسانِ حالِه بلا شُعُورٍ مِنه.. فالمَلائكةُ لا يَعصُون اللهَ ما يَأمُرُهم، وليس لهم إلّا العُبُودِيّةُ الخالِصةُ، وليس لهم أيُّ إيجادٍ كانَ، ولا دَخْلَ لهم دُونَ إِذنٍ، ولا تكُونُ لهم شَفاعةٌ دُونَ إذنٍ مِنه سُبحانَه، لِذا نالُوا شَرَفَ:
بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ
وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ
— 107 —
إِشارةٌ وَجِيزةٌ لِحَقِيقةٍ وافيةٍ سَابِغةٍ، تَدُورُ حَولَ نُكتةٍ إِعجازِيّةٍ في غايةِ الأَهَمِّيّةِ، وتُظهِرُ مُعجِزةً غَيبِيّةً جَلِيّةً مِن مُعجِزاتِ سُورةِ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ، وقد أُخطِرَت إلى القَلبِ بعدَ المَغرِبِ فَجْأةً، وبِشَكلٍ لا إِراديٍّ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ٭ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ ٭ وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ ٭ وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ ٭ وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ
تُخاطِبُ هذه السُّورةُ الجَلِيلةُ بِمَعناها الإِشارِيِّ نَبِيَّنا (ص) وأُمَّتَه قائِلةً: «قُوْا أَنفُسَكُم مِن شَياطِينِ الإِنسِ والجانِّ، ومِن أَشرارِ الكَونِ الَّذِينَ يَعمَلُونَ لِصالِحِ عَوالِمِ العَدَمِ» ؛ وهِي إِذ تتَوَجَّهُ بِهَذا المَعنَى الإِشارِيِّ إلى كُلِّ عَصرٍ، فإِنَّها تتَوَجَّهُ بِشَكلٍ آكَدَ یی بل أَظهَرَ یی إلى عَصرِنا العَجِيبِ، وتَدعُو خُدَّامَ القُرآنِ إلى التَّحَصُّنِ بِالِاستِعاذةِ.
ستُبيَّنُ هذه المُعجِزةُ الغَيبِيّةُ في خَمسِ إِشاراتٍ مُختَصَرةٍ، هي على النَّحوِ التّالي:
إِنَّ لِكُلِّ آيةٍ مِن آياتِ هذه السُّورةِ مَعانِيَ كَثِيرةً، غيرَ أنَّ في مَعناها الإِشارِيِّ إِرشادًا غَيبِيًّا يَلِيقُ بِإِعجازِ القُرآنِ، وذلك مِن خِلالِ: تَكرارِها لِكَلِمةِ: شَرِّ أَربَعَ مَرّاتٍ ضِمنَ جُمَلِها الخَمسةِ، وتَوقِيعِها بِالتَّوارِيخِ الدَّقيقةِ لِأَربَعِ حَوادِثَ وَقَعَت بِأَربَعةِ أَشكالٍ في هذا العَصرِ، مِن شُرُورٍ وانقِلاباتٍ وحُرُوبٍ مَعنَوِيّةٍ ومادِّيّةٍ عاصِفةٍ ومُنقَطِعةِ النَّظِيرِ، ناهِيك عن مُناسَبَتِها المَعنَوِيّةِ القَوِيّةِ، وأَمرِها مَعنًى: «اِجتَنِبُوا هَؤُلاءِ».
فمَثلًا: جُملةُ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ في بِدايَتِها تَتَوافَقُ بالحِسابِ الأَبجَدِيِّ والجَفرِيِّ معَ تارِيخِ سَنةِ أَلفٍ وثَلاثِ مِئةٍ واثنَتَينِ وخَمسِينَ أو أَربَعٍ وخَمسِينَ (١٣٥٢
— 108 —
أو ١٣٥٤)، وتُشِيرُ إلى الحَربِ العالَمِيّةِ الثّانيةِ الَّتي تَظهَرُ بَوادِرُ اندِلاعِها بِسَبَبِ الحَربِ العالَمِيّةِ الأُولَى، ونَتِيجةَ انتِشارِ أَمراضِ الحِرصِ والحَسَدِ في البَشَرِيّةِ بِأَوسَعِ أَشكالِها؛ وتُخاطِبُ الأُمّةَ المُحمَّدِيّةَ بما مَعناه: «لا تَخُوضُوا في هذه الحَربِ، والتَجِئُوا إلى رَبِّكُم».
كما أنَّ لها التِفاتةً رَمزِيّةً خاصَّةً لِتَلامِيذِ رَسائِلِ النُّورِ الَّذِينَ هُم مِن زُمرةِ خُدّامِ القُرآنِ، فتُومِئُ بتِلك الإِشارةِ إلى فَكِّ أَسرِهِم مِن سِجنِ "أَسكِي شَهِر" في العامِ ذاتِه وبِنَفسِ التّارِيخِ، وإلى نَجاتِهِم مِن شَرٍّ عَجِيبٍ سيَحُلُّ بِهِم، وتُبَشِّرُ بِفَشَلِ المُخَطَّطِ المَرسُومِ لِلقَضاءِ علَيْهِم، ثُمَّ تُلمِحُ لَهُم بما يُشبِهُ الأَمرَ: «استَعِيذُوا».
ومَثلًا: جُملةُ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ تُساوِي یی دُونَ احتِسابِ الشَّدّةِ یی أَلفًا وثَلاثَ مِئةٍ وواحِدًا وسِتِّينَ (١٣٦١) ، وتُشِيرُ بالتَّارِيخِ الرُّومِيِّ والهِجرِيِّ إلى الدَّمارِ الهائِلِ الجائِرِ الَّذي خَلَّفَته هذه الحَربُ المَأْساوِيّةُ؛ كما تتَوَجَّهُ بِمَعنًى رَمزِيٍّ إلى تَلامِيذِ النُّورِ السّاعِينَ في خِدمةِ القُرآنِ بِكُلِّ طاقَتِهِم، فتَتَوافَقُ بِذَلِك معَ مَوعِدِ نَجاتِهِم مِن مُخَطَّطٍ رَهِيبٍ رُسِمَ لِلقَضاءِ علَيْهِم، ومِن مُصِيبةٍ عَظِيمةٍ أَليمةٍ، وكذا مِن سِجنِ "دَنِيزْلي"، وتُخاطِبُهُم بِتَلمِيحٍ خَفِيٍّ: «قُوْا أَنفُسَكُم شَرَّ الخَلقِ».
ومَثلًا: جُملةُ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ تُساوِي یی دُونَ احتِسابِ الشَّدَّاتِ یی أَلفًا وثَلاثَ مِئةٍ وثَمانِيةً وعِشرِينَ (١٣٢٨)، وإِن حُسِبَتِ اللّامُ في الشَّدّةِ فتُساوِي أَلفًا وثَلاثَ مِئةٍ وثَمانِيةً وخَمسِينَ (١٣٥٨)، وتَتَوافَقُ معَ ما وَقَع مِن حَسَدِ الخَوَنةِ الأَجانِبِ الَّذِينَ أَشعَلُوا نِيرانَ الحَربِ العالَمِيّةِ، ومعَ حِرصِهِمُ الشَّدِيدِ على تَغيِيرِ السَّلطَنةِ بُغيةَ إِفسادِ نَتائِجِ ثَورةِ الحُرِّيّةِ المُناصِرةِ لِلقُرآنِ الَّتي ظَهَرَت فِينا؛ كما تَتَوافَقُ معَ تارِيخِ ظُهُورِ بَوادِرِ شُرُورٍ قَضَت بِشَكلٍ هَمَجِيٍّ على رُقيِّ حَضارةٍ عُمُرُها أَلفُ عامٍ، وذلك بِسَبَبِ اندِلاعِ حَربَيِ البَلقانِ والطِّليانِ والحَربَينِ العالَمِيَّتَينِ الأُولَى والثّانيةِ، ونَتِيجةً لِنَفثِ الدُّبلُوماسِيِّينَ السِّياسِيِّينَ عَبْرَ المِذْياعِ لِسُمُومِهِم وشُرُورِهِمُ المادِّيّةِ والمَعنَوِيّةِ في عُقُولِ الجَمِيعِ، وتَلقِينِهِم مُخَطَّطاتِهِمُ الخَفِيّةَ حَولَ عُقَدِ المُقَدَّراتِ البَشَرِيّةِ.. أَجَل، إِنَّها تَتَوافَقُ معَ هذا التّارِيخِ، وتَتَطابَقُ تَمامًا معَ مَعنَى: النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ
— 109 —
ومَثلًا: جُملةُ وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ تُساوِي یی دُونَ احتِسابِ الشَّدّةِ والتَّنوِينِ أَيضًا یی أَلفًا وثَلاثَ مِئةٍ وسَبعةً وأَربَعِينَ (١٣٤٧)، وتَتَوافَقُ معَ وُقُوعِ اضطِرباتٍ كَبِيرةٍ في هذا الوَطَنِ نَتِيجةِ الإِلزامِ بالمُعاهَداتِ الأَجنَبِيّةِ، ومعَ حُصُولِ تَحُوُّلاتٍ خَطِيرةٍ في هذه الأُمّةِ المُتَديِّنةِ بِسَبَبِ تَسَلُّطِ الفَلسَفةِ عَلَيْها؛ كما تَتَوافَقُ معَ الِاشتِدادِ الرَّهِيبِ لِلمُنافَسةِ والحَسَدِ بينَ الدُّوَلِ المُشارِكةِ في الحَربِ العالَمِيّةِ الثَّانيةِ.. فتَتَوافَقُ تَمامًا معَ هذا المَعنَى الإِشارِيِّ؛ وهُو في حَقِيقةِ الأَمرِ: لَمْعةُ إِعجازٍ غَيبِيٍّ لِهَذِه السُّورةِ الجَلِيلةِ.
تَنبِيهٌ: لِكُلِّ آيةٍ مَعانٍ عَدِيدةٌ، ولِكُلِّ مَعنًى كُلِّيٍّ أَفرادٌ في كُلِّ عَصرٍ؛ والمُتَوجِّهُ لِعَصرِنا هذا في مَبحَثِنا هذا هو الجانِبُ الإِشارِيُّ فحَسْبُ؛ كما أنَّ عَصْرَنا فَردٌ مِن أَفرادِ تلك المَعانِي الكُلِّيّةِ، إِلّا أنَّه نالَ مِيزاتٍ خاصّةً حتَّى باتَ يتَوَجَّهُ ويَنظُرُ إِلَيْه بالتَّوارِيخِ والأَعوامِ.. وإِنَّني مُنذُ أَربَعةِ أَعوامٍ لا أَعلَمُ شَيئًا عن مُجرَياتِ هذه الحَربِ ولا نَتائِجِها، ولا إن كانَ ثَمّةَ سَلامٌ أم لا، لِذا لا أُدرِكُ المَزِيدَ مِن إِشاراتِ هذه السُّورةِ المُقدَّسةِ لِهَذا العَصرِ ولِهَذِه الحَربِ، ولم أَطرُق بابَها أَكثَرَ؛ غيرَ أنَّ هذه الخَزِينةَ تَحتَوِي على أَسرارٍ كَثِيرةٍ، وقد بُيِّنَت وأُثبِتَت في أَجزاءِ رَسائِلِ النُّورِ، خُصُوصًا في "رِسالةِ الرُّمُوزاتِ الثَّمانيةِ"، لِذا نُحِيلُ الأَمرَ إِلَيْها ونَختَصِرُ الحَدِيثَ.
جَوابٌ لسؤالٍ يُمكن أن يَرِدَ إلى الأَذهانِ:
إِنَّ احتِسابَ كُلٍّ مِن مِنْ و شَرِّ المَوجُودَينِ في البِدايةِ ضِمنَ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، واحتِسابَ شَرِّ فقط، وعَدَمَ احتِسابِ وَمِنْ المَوجُودَينِ في نِهايةِ وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ، وكذا عَدَمُ احتِسابِ الِاثنَينِ معًا في وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ، في هذا كُلِّه تَرمِيزٌ وتَلمِيحٌ لِمُناسَبةٍ دَقِيقةٍ ولَطِيفةٍ جِدًّا في ثَنايا هذه اللَّمْعةِ الإِعجازِيّةِ، وهي: بِغَضِّ النظرِ عن وُجُودِ الشَّرِّ، فإِنَّ ثَمّةَ خَيراتٍ بينَ النّاسِ كَذلِك؛ كما أنَّ عُمُومَ الشَّرِّ لا يُصِيبُ الجَمِيعَ؛ ولِأَجلِ الإِشارةِ إلى هذا الأَمرِ دَخَلَ كُلٌّ مِن مِنْ و شَرِّ ليُفِيدا التَّبعِيضَ.
— 110 —
أَمّا "الحاسِدُ إذا حَسَد" فإِنَّ فِعلَه هذا شَرٌّ كُلُّه، ولا حاجةَ هُنا لِلتَّبعِيضِ؛ وما تَرمُزُ إِلَيْه جُملةُ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ أَنَّ أَفعالَ أُولَئِك النّافِخِينَ والدُّبلُوماسِيِّينَ السَّحَرةَ كُلَّها أَفعالُ شَرٍّ، إذ هُم یی لِأَجلِ مَصالِحِهِمُ الشَّخصِيّةِ یی يَدفَعُونَ بِالكُرةِ الأَرضِيّةِ إلى النّارِ، فلِذا لم تَعُد ثَمّةَ حاجةٌ لِلَفظةِ: شَرِّ

حاشية لنُكتة إعجازية تخُصُّ هذه السُّورة

مِثلَما تتَوَجَّهُ هذه السُّورةُ بِالمَعنَى الإِشارِيِّ في أَربَعِ جُمَلٍ مِن جُمَلِها الخَمسةِ إلى أَربَعِ عَواصِفَ وتَحَوُّلاتٍ فاسِدةٍ وَقَعَت في عَصْرِنا هذا، فكَذلِك بِتَكرارِها أَربَعَ مَرّاتٍ لِكَلِمةِ: مِنْ شَرِّ یی دُونَ احتِسابِ الشَّدّةِ یی تتَوَجَّهُ بالمَعنَى الإِشارِيِّ والمَقامِ الجَفرِيِّ مُشِيرةً أَربَعَ مَرّاتٍ إلى أَشَدِّ فِتَنِ العالَمِ الإِسلاميِّ وُقُوعًا، وهِي فِتَنُ: جِنگيز خان، وهُولاكُو، وانهِيارِ الدَّولةِ العَبّاسِيّةِ وسُقُوطِها.. أَجَل، شَرِّ بِدُونِ الشَّدّةِ تُساوِي (٥٠٠)، و مِنْ تُساوِي (٩٠).
ولِأَنَّ الكَثِيرَ مِنَ الآياتِ الَّتي تتَوَجَّهُ إلى المُستَقبَلِ تُشِيرُ مَعًا إلى عَصْرِنا هذا وإلى تلك العُصُورِ، فإِنَّ الإِمامَ عَلِيًّا رَضِيَ الله عَنهُ والغَوثَ الأَعظَمَ (قَدَّس اللهُ سِرَّه) اللَّذَينِ يُخبِرانِ عنِ المُستَقبَلِ، نَظَرَا إلى عَصْرِنا هذا وإلى تلك العُصُورِ وأَخبَرا بِبَعضِ الأَخبارِ؛ فإِنَّ كَلِماتِ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ لا تَنظُرُ إلى هذا الزَّمَنِ، بل غَاسِقٍ تُساوِي أَلفًا ومِئةً وواحِدًا وسِتِّينَ (١١٦١)، و إِذَا وَقَبَ تُساوِي ثَمانَ مِئةٍ وعَشَرةً (٨١٠)، وتُشِيرُ إلى شُرُورٍ مادِّيّةٍ ومَعنَوِيّةٍ رَهِيبةٍ وَقَعَت في هذه الأَعوامِ؛ فإِنِ اجتَمَعا مَعًا تُصبِحُ النَّتِيجةُ أَلفًا وتِسعَ مِئةٍ وواحِدًا وسَبعِينَ مِيلادِيّةً (١٩٧١)، وتُخبِرُ عن شَرٍّ عَظِيمٍ يَقَعُ في العامِ المَذكُورِ.. فإِن لم تَتِمَّ مُعالَجةُ مَحاصِيلِ البُذُورِ الحاليّةِ فإِنَّ صَفَعاتِها سوف تكُونُ قَوِيّةً بعدَ عِشرِينَ سَنةً.
— 111 —

لاحقة حاشية المسألة الحادية عشرة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تَتِمّةُ آيةِ الكُرسِيِّ، وهِي:
لَا إِكْرَاهَ فِي (الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ) مِنَ الْغَيِّ (١٣٥٠).
فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ (١٩٢٨) أو (١٩٢٩).
وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ (٩٤٦)، ويَتَوافَقُ معَ اسمِ رِسالةِ النُّورِ.
(بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى) لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٣٤٧).
(اللَّهُ) (وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا) إن كانا معَ بَعضِهما فإِنَّهُما يُساوِيانِ (١٠١٢)؛ وإِن كانا مُتَفرِّقَينِ فإِنَّهُما يُساوِيانِ (٩٤٥) (بِدُونِ حِسابِ شَدّةٍ واحِدةٍ).
يُخْرِجُهُمْ مِنَ (الظُّلُمَاتِ) إِلَى النُّورِ (١٣٧٢) (بِدُونِ شَدّةٍ).
وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ (الطَّاغُوتُ) (١٤١٧).
(يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى) الظُّلُمَاتِ (١٣٣٨) (لا تُحسَبُ الشَّدّةُ).
أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٢٩٥) (تُحسَبُ الشَّدّةُ).
فهَذِه الآياتُ تَتَوافَقُ تَوافُقًا تامًّا مَرَّتَينِ معَ اسمِ "رِسالةِ النُّورِ"، ومعَ طِرازِ جِهادِها، ومعَ زَمَنِ إِنجازِها والفَراغِ مِن تَأْليفِها؛ وتَتَوافَقُ كَذلِك معَ سَعيِ أَهلِ الكُفرِ لِإِطفاءِ نُورِ العالَمِ الإِسلاميِّ في حَربِ عامِ أَلفٍ ومِئَتَينِ وتِسعةٍ وثَلاثِينَ (١٢٩٣)؛ كما تَتَوافَقُ بِشَكلٍ تامٍّ معَ تَوارِيخِ المُعاهَداتِ الجائِرةِ الَّتي أُقِرَّت ومُرِّرَت استِغلالًا لِظُرُوفِ الحَربِ العالَمِيّةِ الأُولَى، لِجَرِّ النّاسِ بِشَكلٍ عَمَليٍّ مِنَ النُّورِ إلى الظُّلُماتِ، وكانَ ذلك سَنةَ أَلفٍ وثَلاثِ مِئةٍ وثَمانٍ وثَلاثِينَ (١٣٣٨).
— 112 —
أَضِف إلى ذلك: أنَّها تتَضَمَّنُ مُوازَناتٍ مُكَرَّرةً بينَ النُّورِ والظُّلُماتِ، وتُخبِرُ بِمَعناها الإِشارِيِّ أنَّ ثَمّةَ نُورًا مِن أَنوارِ القُرآنِ سيَكُونُ نُقطةَ استِنادٍ لِأَهلِ الإِيمانِ في جِهادِهِمُ المَعنَوِيِّ.. هكذا أُخطِرَ إلى قَلبِي، فاضطُرِرتُ لِكِتابَتِه؛ ثُمَّ لاحَظْتُ بعدَ ذلك أنَّ مُناسَبةَ مَعاني هذه الآياتِ لِعَصْرِنا هذا مُناسَبةٌ في غايةِ القُوّةِ، فلو لم تَكُن هُنالِك أَيّةُ أَماراتِ تَوافُقٍ، لَحَصَلَت عِندِي قَناعةٌ أنَّ هذه الآياتِ تتَحَدَّثُ إِلَيْنا بالمَعنَى الإِشارِيِّ، شَأنُها في ذلك شَأنُ نَظْرَتِها إلى كُلِّ عَصرٍ مِنَ العُصُورِ.
أوَّلًا: جُملةُ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ الَّتي في مُقدِّمةِ الآياتِ تُشِيرُ بالمَقامِ الجَفرِيِّ والأَبجَدِيِّ إلى تارِيخِ سَنةِ أَلفٍ وثَلاثِ مِئةٍ وخَمسِينَ (١٣٥٠)، وتقُولُ بالمَعنَى الإِشارِيِّ: في هذا التّارِيخِ سيَتَحَوَّلُ مَفهُومُ (حُرِّيّةِ التَّديُّنِ) یی المُعارِضُ لِلإِكراهِ في الدِّينِ، والمُناهِضُ لِلجِهادِ الشَّرعِيِّ ولِحَملِ السِّلاحِ نُصْرةً لِلدِّينِ یی إلى قانُونٍ ودُستُورٍ أَساسِيٍّ لَدَى الحُكُوماتِ يَتَمثَّلُ في فَصلِ الدِّينِ عنِ الدُّنيا، وستَتَحَوَّلُ مِن خِلالِه الحُكُومةُ إلى جُمهُورِيّةٍ عَلْمانيّةٍ.. وبِالمُقابِلِ سيَكُونُ هُنالِك جِهادٌ دِينيٌّ مَعنَوِيٌّ بِسَيفِ الإِيمانِ التَّحقِيقيِّ، إذ سيَسطَعُ نُورٌ مِنَ القُرآنِ يَلفِتُ الأَنظارَ إلى مَعاني الرُّشدِ والإِرشادِ، والحَقِّ والحَقِيقةِ المُتَجَلِّيةِ في الدِّينِ، ويُثبِتُها بِبَراهِينَ قَطعِيّةٍ لا تَكادُ تُخطِئُها العَينُ.. نعم، إِنَّ هذه الجُملةَ القُرآنيّةَ تُخبِرُ عن هذا الأَمرِ، وتُظهِرُ لَمْعةَ إِعجازِها.
بل حتَّى كَلِمةُ خَالِدُونَ تَتَضَمَّنُ مُوازَناتٍ مُتَعدِّدةً مُتَكرِّرةً بينَ الظُّلُماتِ والنُّورِ والإِيمانِ، شَبِيهةً بِجَمِيعِ المُوازَناتِ المَنشُورةِ في رَسائِلِ النُّورِ، وهِي أَصلٌ أَصِيلٌ ومَنبَعٌ جَلِيلٌ، وفي ذلك أَمارةٌ خَفِيّةٌ على أنَّ بَطَلًا مَهِيبًا يَحمِلُ اسمَ النُّورِ سيَخُوضُ ساحاتِ الجِهادِ المَعنَوِيِّ في ذلك التّارِيخِ یی وهذا البَطَلُ هو "رَسائِلُ النُّورِ" یی وأنَّ سَيفَه المَعنَوِيَّ الحالَّ لِمِئاتِ الطَّلاسِمِ المُثارةِ في الدِّينِ لا يَدَعُ حاجةً لِلسُّيُوفِ المادِّيّةِ.
أَجَل؛ نَحمَدُ اللهَ حَمْدًا لا يُحَدُّ ولا يَتَناهَى أن حَقَّقَت "رَسائِلُ النُّورِ" هذا الإِخبارَ الغَيبِيَّ، وأَظهَرَت هذه اللَّمْعةَ الإِعجازِيّةَ بِشَكلٍ عَمَلِيٍّ مُنذُ عِشرِينَ عامًا.. ولِأَجلِ هذا السِّرِّ العَظِيمِ لا يَتَدخَّلُ تَلامِيذُ رَسائِلِ النُّورِ بِالقَضايا الدُّنيَوِيّةِ المُتَعلِّقةِ بالسِّياسةِ ولا بِتَيّاراتِها، ولا يُبالُونَ بِصِراعاتِها المادِّيّةِ، بل يَتَرفَّعُونَ عنها.
— 113 —
ويُقابِلُ تَلامِيذُها الحَقِيقيُّونَ اعتِداءاتِ أَشَدِّ أَعدائِهِم بالحِلمِ والشَّفَقةِ، ويُخاطِبُونَه بالقَولِ:
"أيُّها البائِسُ: إِنَّني أَسعَى جاهِدًا لِإِنقاذِك مِنَ الإِعدامِ الأَبَدِيِّ، وأن أَنتَشِلَك مِن دَرَكاتِ الحَيَوانيّةِ الفانيةِ إلى مَقاماتِ السَّعادةِ الإِنسانيّةِ الباقِيةِ؛ بَينَما تَسعَى أَنتَ لِقَتلِي وإِعدامِي! أَذواقُك في هذه الحَياةِ الدُّنيا قَلِيلةٌ وقَصِيرةٌ جِدًّا، بَينَما بَلاياك وعُقُوبَتُك في الآخِرةِ عَظِيمةٌ وطَوِيلةٌ لِلغايةِ؛ أَمّا أَنا فمَوتِي عِبارةٌ عن تَسرِيحٍ.. اُغرُبْ عن وَجْهِي، لا يُمكِنُ أن أُضَيِّعَ وَقتِي مَعَك، اِفعَلْ ما يَحلُو لك"، يقُولُ هذا دُونَ أن يَغضَبَ مِن هذا العَدُوِّ الظّالِمِ، بل يَتَأَلَّمُ لِحالِه ويُشفِقُ عَلَيْه، ويَسعَى لِإِصلاحِه قائِلًا: لَيتَه يُنقِذُ نَفسَه!
ثانيًا: وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى: بِصَرفِ النَّظَرِ عنِ المُناسَبةِ القَوِيّةِ لِهاتَينِ الجُملَتَينِ القُدسِيَّتَينِ، فإِنَّه بِحِسابِ مَقامِهِما الجَفرِيِّ والأَبجَدِيِّ يَتَطابَقانِ مَعنًى وجَفْرًا: الأوَّل معَ اسمِ رِسالةِ النُّورِ، والثّاني معَ إِنجازِ رَسائِلِ النُّورِ والفَراغِ مِن تَأْليفِها، وما يَتْبَعُ ذلك مِن فُتُوحاتِها العَظِيمةِ.. وهذا التَّطابُقُ أَمارةٌ على أنَّ رَسائِلَ النُّورِ "عُرْوةٌ وُثْقَى" في هذا العَصْرِ وفي تارِيخِ هذا العامِ، بِمَعنَى أنَّها سَلاسِلُ قَوِيّةٌ وحَبلُ اللهِ المَتِينُ الَّذي لا يُقطَعُ؛ كما تُخبِرُ هاتانِ الجُملَتانِ بِالمَعنَى الرَّمزِيِّ أنَّ الَّذي يَتَمسَّكُ بِها يَحظَى بالفَوزِ والنَّجاةِ.
ثالثًا: جُملةُ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا فيها رَمزٌ لِرِسالةِ النُّورِ بِالمَعنَى والحِسابِ الجَفرِيِّ، وهُو على النَّحوِ التّالي:...
(حاشِيةٌ): عَدَمُ كِتابةِ تَتِمّةِ هذه النُّكتةِ في الوَقتِ الحاضِرِ نَظَرًا لِكَونِها تَتَعلَّقُ بالدُّنيا والسِّياسةِ نَوعًا ما، ونَحنُ مَمنُوعُونَ مِنَ النَّظَرِ.. أَجَل، إنَّ آيةَ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى تَنظُرُ إلى هذا الطّاغُوتِ، وتَدفَعُ الآخَرِينَ إلى النَّظَرِ إِلَيْه.
سعيدٌ النُّورْسِيُّ
— 114 —
(قِطعَة مِن الرِسَالة الَّتي كَتَبهَا بَطَل رَسائِل النُّور خُسرَو بِخُصوص المَّسأَلة الحّادِية عَشَرَة مِن رِسَالَة الثَّمَرة)
بِاسمِه سُبحَانَهُ... وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِه
السلام عليكم ورحمةُ الله وبركاتُه..
سيِّدي وأُستاذِي الحَبِيبَ الجَليلَ المُباركَ..
إنَّ رِسالةَ الثَّمَرةِ الجامِعةَ لِمَحاسِنَ عَظِيمةٍ تَعُمُّ العِبادَ والبِلادَ، غَدَت بِمَسائِلِها التِّسعةِ وَسِيلةً تُحيِّرُ الأَلبابَ لِنَجاةِ تَلامِيذِها الَّذِينَ يَعِيشُونَ في زَمَنٍ رَهِيبٍ، وبينَ أُناسٍ عُصاةٍ مُجرِمِينَ، وأَعداءٍ مِن أَشَدِّ الخُصُومِ.
ولم تَكتَفِ بِذَلِك، بل رَحَّبَت في مَسأَلتَيْها العاشِرةِ والحادِيةَ عَشْرةَ تَرحِيبًا خاصًّا بِتَلامِيذِ النُّورِ الماضِينَ في سَبِيلِ الحَقِيقةِ، وتَحَدَّثَت عَمّا يَؤُولُ إِلَيْه حالُهُم في عالَمِ القَبرِ، ذلك المَنزِلِ الحَقِّ الَّذي نَمضِي تِجاهَه، وتَكَلَّمَت عن سُكْناهم في ذلك المَثْوَى المُرعِبِ والمَأْوَى المُخِيفِ لِلجَمِيعِ، والمُفزِعِ والمُحزِنِ لِأَهلِ الغَفْلةِ على وَجهِ الخُصُوصِ، فأَظهَرَت لِتَلامِيذِ النُّورِ أنَّه مَكانٌ مُؤنِسٌ جِدًّا، وحَبَّبَت إلى نُفُوسِهِم مُقابَلةَ ومُحاوَرةَ مَن سيَلْقَوْنَ تَحتَ التُّرابِ مِنَ المَلائِكةِ؛ فكانَ أَنْ بَثَّت في نُفُوسِنا الطُّمَأْنينةَ، وبَدَّدَت مَخاوِفَنا غيرَ المَحدُودةِ حَولَ هذا القَبرِ المُخِيفِ الَّذي هو أَوَّلُ مَنازِلِ المَيِّتِ.
لَقَد باتَت بِحُكْمِ مَصابِيحَ كَهرَبائيّةٍ بِيَدِ الَّذِينَ لا يَرْقَوْنَ لِمَقامِ مُشاهَدَةِ الحَياةِ النُّورانيّةُ لِذَلِك العالَمِ، تَمتَدُّ أَشِعَّتُها لِمَسافاتٍ تَبلُغُ مِئاتِ السِّنِينَ، وصارَت أَشبَهَ بِعَيِّنةٍ مِن بُستانٍ مُزهِرٍ يَفُوحُ عِطرُه وأَرِيجُه على الدَّوامِ.
أَجَل، لَقَد طَلَبْنا الإِذنَ مِن أُستاذِنا الحَبِيبِ بأَن نَعرِضَ علَيْه بِشَكلٍ دائِمٍ ما استَفَدْناه مِنَ النُّورِ، كحالِ الطّالِبِ الَّذي يَعرِضُ دَرْسَه على أُستاذِه كُلَّ يَومٍ، لكِنَّ أُستاذَنا أَجَّلَ حَدِيثَه في الوَقتِ الحاضِرِ.
— 115 —
أُستاذِي العَزِيزَ.. إِنَّ حَقِيقةَ رَسائِلِ النُّورِ وجَمالَ ثَمَرتِها وفَيضَ زَهرَتِها أَهَّلَني لِلتَّحَدُّثِ قَلِيلًا بِاسمِ بِلادِي، فهِي قد وَهَبَتِ الحَياةَ لِقُلُوبِ مُتَحدِّثِينَ كُثْرٍ أَمثالي، فمِن أَجلِ الزَّهرةِ الحادِيةَ عَشْرةَ لِلثَّمَرةِ اكتَسَبَتِ الخُطُواتُ المُتَّخَذةُ لِصالِحِ رَسائِلِ النُّورِ وكذا السَّواعِدُ المُمتَدّةُ لِمُؤازَرَتِها مَزِيدًا مِنَ القُوّةِ والخِبرةِ اليَومَ، وعاوَدَت نَشاطَهَا في الأَماكِنِ المُجاوِرةِ.
طالبُكم الأقلّ
خُسرَو
(رِسالةٌ كُتِبَت باسمِ جَمِيعِ طُلّابِ رَسائِلِ النُّورِ في إِسبارْطةَ، تُهنِّئُ بِقُدُومِ شَهرِ رَمَضانَ المُبارَكِ، وقد عُدِّلَت مِن خِلالِ ثَلاثَ عَشْرةَ فِقْرةً)
بِاسمِه سُبحَانَهُ... وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِه
يا سَيِّدَنا وأُستاذَنا الأَكرَمَ..
يا مَن تَفِيضُ عَيناه المُبارَكَتانِ بالدِّماءِ بَدَلَ الدُّمُوعِ مِن أَجلِ السَّلامةِ الدُّنيَوِيّةِ والنَّجاةِ الأُخرَوِيّةِ لِلعالَمِ الإِسلامِيِّ، وذلك بِفَيضِ القُرآنِ، وبِحَقائِقِ رَسائِلِ النُّورِ، وبِهِمَمِ تَلامِيذِها الصّادِقِينَ..
يا مَن تَعَرَّض لِأَمراضٍ ومَصائِبَ تُضاهِي ما تَعَرَّض له سَيِّدُنا أَيُّوبُ عَلَيهِ السَّلَام، في حِقْبةٍ مُضطَرِبةٍ تَعصِفُ بِها فِتَنُ آخِرِ الزَّمانِ..
وسَعَى كلُقْمانَ الحَكِيمِ لِمُداواةِ أَمراضِ العالَمِ الإِسلامِيِّ المادِّيّةِ والمَعنَوِيّةِ، مِن خِلالِ أَنوارِ القُرآنِ، وبَراهِينِ رَسائِلِ النُّورِ، وهِمَمِ تَلامِذَتِها..
يا مَن أَثبَتَ بِثَلاثٍ وثَلاثِينَ آيةً قُرآنيّةً ومِن خِلالِ الكَراماتِ العَلَوِيّةِ والغَوْثيّةِ أنَّ ما بينَ يَدَيْه المُبارَكَتَينِ مِن قِطَعِ النُّورِ حَقٌّ وحَقِيقةٌ..
— 116 —
ويُقابِلُ مَن يُسِيئُونَ إِلَيْه بالإِحسانِ وبِدُعاءِ الخَيرِ، بِصَداقةِ طُلّابِ النُّورِ، وحُجَجِ رَسائِلِ النُّورِ، وحَقائِقِ القُرآنِ؛ ومعَ أنَّه مَرِيضٌ وطاعِنٌ في السِّنِّ، وهَزِيلٌ ناحِلٌ يُرثَى لِحالِه، إِلّا أنَّه أَشَدُّ النّاسِ تَألُّمًا لِحالِ العالَمِ الإِسلامِيِّ، لِدَرَجةِ استِعدادِه لِلتَّضحِيةِ بِحَياتِه في سَبِيلِه..
ويا مَن نَزَلَت به وبِطُلّابِه المُصِيبةُ، وزُجَّ بِه في السِّجنِ بِسَبَبِ طِباعَتِه أَحَدَ مُؤَلَّفاتِه المُهِمّةِ الجَلِيلةِ: "الآيةُ الكُبْرَى"..
وحَوَّل السُّجُونَ الَّتي سِيقَ إِلَيْها إلى مَنابرِ إِرشادٍ ومَدارِسَ يُوسُفِيّةٍ، بِفَضلِ الإِرشاداتِ القُرآنيّةِ ودُرُوسِ رَسائِلِ النُّورِ، وبِلَهْفةِ تَلامِيذِها واشتِياقِهِم.. ولم يُغادِر نُزَلاءُ السِّجنِ إِلّا وقد أَتَمُّوا خَتْمَ القُرآنِ الكَرِيمِ في مَدرَسَتِهِم تلك بعدَ أن كانُوا يُعانُونَ مِنَ الأُمِّيّةِ..
وحَمَل على كاهِلِه في خِضَمِّ تلك المُصِيبةِ یی وهُو الهَرِمُ الضَّعِيفُ یی جَمِيعَ أَعبائِنا ومَسؤُوليّاتِنا، بِبَرَكةِ القُوّةِ القُدسِيّةِ لِلقُرآنِ، وبِسُلوانِ رَسائِلِ النُّورِ، وبِمُصابَرةِ الإِخوانِ واحتِمالِهِم..
وفَتَح أَبوابَ السِّجنِ ومَنَحَنا البَراءةَ بِإِذنٍ إِلٰهِيٍّ، وبِرِسالَتَيْه: "الثَّمَرةِ" و"الدِّفاعاتِ"، وبإِعجازِ القُرآنِ المُعجِزِ البَيانِ، وبِبَراهِينِ رَسائِلِ النُّورِ القَوِيّةِ، وإِخلاصِ تَلامِيذِها..
وقَلَب ذلك اليَومَ عِيدًا لنا ولِلعالَمِ الإِسلامِيِّ..
وأَثبَتَ أنَّ رَسائِلَ النُّورِ هي في الحَقِيقةِ "نُورٌ على نُورٍ"، ومَنَح الإِذنَ التّامَّ في قِراءَتِها وكِتابَتِها حتَّى قِيامِ السّاعةِ..
وأَثبَتَ مِن خِلالِ الغِذاءِ القُدسِيِّ لِلقُرآنِ العَظِيمِ وأَطعِمةِ النُّورِ الأُخرَوِيّةِ وتَلَهُّفِ تَلامِيذِها: أنَّ حاجةَ العالَمِ الإِسلامِيِّ لِرَسائِلِ النُّور ماسّةٌ كالحاجةِ إلى الخُبزِ والماءِ والهَواءِ، وأنَّ الآلافَ مِنَ الَّذِينَ قَرَؤُوا هذه الأَنوارَ وكَتَبُوها دَخَلُوا قُبُورَهُم على الإِيمانِ..
— 117 —
ولم يُخَيِّب آمالَ طُلّابِه المُنتَسِبِينَ إِلَيْه في أيِّ مَكانٍ، ولم يَتْرُكهُم يَومًا مَغلُوبًا على أَمرِهِم..
وأَطفَأَ اليَومَ أَيضًا لَهِيبَ قُلُوبِنا المُتَّقِدَ لَيلَ نَهارَ بِنِيرانِ الفِراقِ، وأَدخَلَ علَيْها السَّعادةَ والسُّلوانَ مِن خِلالِ (المَسائِل) المُبارَكةِ و(الأَزهارِ)، فكانَت كماءِ الحَياةِ وشَرابِ الكَوثَرِ، ومِن خِلالِ أَزهارِ "الثَّمَرةِ" ومَسأَلَتَيْها العاشِرةِ والحادِيةَ عَشْرةَ ودَرسِ القُرآنِ السَّماوِيِّ وأُسُسِ رَسائِلِ النُّورِ وعَبقَرِيّةِ تَلامِيذِها..
ويا مَن حَوَّل مَفهُومَ المَوتِ في نُفُوسِ أَهلِ الإِيمانِ یی وهُو أَشَدُّ ما يَخشاه جَمِيعُ الخَلقِ یی مِن إِعدامٍ أَبَدِيٍّ إلى مُذكِّرةِ تَسرِيحٍ، وذلك مِن خِلالِ الوُعُودِ القَطعِيّةِ لِلقُرآنِ العَظِيمِ الشّأنِ ووَعِيدِه، ومِن خِلالِ الكَشفِ القَطعِيِّ لِرَسائِلِ النُّورِ، ومُشاهَدةِ تَلامِيذِها المُتَوفَّينَ، ورُؤَى مَن فِيهِم مِن أَصحابِ المُكاشَفاتِ..
وأَثبَتَ أنَّه رِحلةٌ مُمتِعةٌ لِلمُضِيِّ قُدُمًا إلى عالَمِ النُّورِ..
وأَبانَ أنَّه إِعدامٌ أَبَدِيٌّ لِلكُفّارِ والمُنافِقِينَ..
وأَثبَتَ أنَّ القَبرَ المُخِيفَ المُظلِمَ البارِدَ الضَّيِّقَ هو في حَقِّ أَهلِ الإِيمانِ مَرتَعٌ مِن مَراتِعِ الجِنانِ، وبَوّابةٌ لِرِياضِ النَّعِيمِ، أَثبَتَ ذلك بالإِخباراتِ القَطعِيّةِ لِلقُرآنِ المُعجِزِ البَيانِ، المُصَدَّقةِ بِأَلفِ مُعجِزةٍ مِنَ المُعجِزاتِ الأَحمَدِيّةِ، وبِتَصدِيقِ أَربَعِينَ وَجهًا مِن وُجُوهِ إِعجازِ القُرآنِ، وبالِاستِنباطاتِ القُرآنيّةِ المَبثُوثةِ في رَسائِلِ النُّورِ، وبِحُجَجِها الَّتي هَزَمَت أَعتَى الأَعداءِ، وبِخُضُوعِ تَلامِيذِ النُّورِ وإِذعانِهِم لِأَماراتٍ وتَجارِبَ كَثِيرةٍ، بَلَغَت بِهِم دَرَجةَ القَناعةِ التّامّةِ..
وأَثبَتَ أنَّ القَبرَ في حَقِّ الزَّنادِقةِ مِنَ الكَفَرةِ والمُنافِقِينَ حُفرةٌ مِن حُفَر جَهَنَّمَ، مُمتَلِئةٌ بِالعَقارِبِ والأَفاعِي.
وجَعَل مِنَ المَلَكَينِ "مُنكَرٍ ونَكِيرٍ" اللَّذَينِ يَأْتِيانِ القَبرَ لِسُؤالِ المَيِّتِ، جَعَلَهُما صاحِبَينِ أَنِيسَينِ لِمَن يَمضِي في سَبِيلِ أَهلِ الحَقِّ والحَقِيقةِ..
— 118 —
وأَدخَلَ تَلامِيذَ رَسائِلِ النُّورِ في عِدادِ طُلّابِ العِلمِ، وكَشَف بِوَفاةِ المَرحُومِ الحافِظِ عَلِيٍّ أَنَّهُم يُجِيبُونَ على أَسئِلةِ مُنكَرٍ ونَكِيرٍ مِن رَسائِلِ النُّورِ..
وتَضَرَّع إلى الرَّحمةِ الإِلٰهِيّةِ رَجاءَ أَن يَجعَلَ جَوابَ الأَحياءِ مِنّا أَيضًا كَذلِك..
وأَبانَ بِصُورةٍ جَمِيلةٍ ووَضَّحَ بِطَرِيقةٍ بَدِيعةٍ، وعلى نَحوٍ لم يُرَ ولم يُسمَع مِثلُه مِن قَبلُ: أنَّ القُرآنَ العَظِيمَ الشَّأنِ كَلامُ اللهِ، وأنَّه أَعظَمُ الكُتُبِ السَّماوِيّةِ، وأَكثَرُها فَضِيلةً، وأنَّ في ثَنايا فاتِحةٍ واحِدةٍ آلافَ الفَواتِحِ، وفي سُورةِ إِخلاصٍ واحِدةٍ آلافَ سُوَرِ الإِخلاصِ، وأنَّ حُرُوفَه تُكسِبُ عَشَرةً ومِئةً وأَلفًا وآلافًا مِنَ الحَسَناتِ.. أَثبَتَ ذلك كُلَّه مِن خِلالِ إِظهارِه لِكُلِّ طَبَقةٍ مِنَ الطَّبَقاتِ الأَربَعِينَ نَوعًا مِنَ الإِعجازِ المَعنَوِيِّ لِلقُرآنِ العَظِيمِ، وأنَّه كَلامٌ أَزَليٌّ مُتَوجِّهٌ لِجَمِيعِ الطَّبَقاتِ؛ ومِن خِلالِ رِسالَتَيِ "المُعجِزاتِ القُرآنيّةِ" و"الرُّمُوزاتِ الثَّمانيةِ" مِن رَسائِلِ النُّورِ الَّتي هي نَوعٌ مِن تَفسِيرِ القُرآنِ؛ ومِن خِلالِ كِتابةِ القُرآنِ بِشَكلٍ مُعجِزٍ على النَّحوِ المُثبَتِ في اللَّوحِ المَحفُوظِ رَغمَ أنَّه لم يَتَمَكَّن أَحَدٌ مِن كِتابَتِه بِهَذا الشَّكلِ البَدِيعِ مُنذُ خَيرِ القُرُونِ، وذلك بالهِمّةِ العاليةِ لِإِخوةٍ وتَلامِذةٍ أَبطالٍ أَمثالِ سِكِرْتيرِ مَصنَعِ وَرْدِ رَسائِلِ النُّورِ، وبِتَفَضُّلِه على "خُسرَو" أَحَدِ كُتَّابِ رَسائِلِ النُّورِ الأَبطالِ بِأَمرِ: اُكتُبْ..
وأَثبَتَ أنَّ "الكَلِمةَ الخامِسةَ والعِشرِينَ" معَ ذُيُولِها مِن رَسائِلِ النُّورِ إِعجازٌ قُرآنِيٌّ مِن أَربَعِينَ وَجهًا، وهِي الَّتي أَخرَسَت أَعتَى المُتَمَرِّدِينَ والمُعانِدِينَ، وتَحَدَّتِ العالَمِ بِأسلُوبٍ لا يُعلَمُ له نَظِيرٌ عَبْرَ التّارِيخِ، وذلك بإِظهارِها الإِعجازَ الدّائِمَ المُستَمِرَّ لِلقُرآنِ المُعجِزِ البَيانِ مُنذُ أَلفٍ وثَلاثِ مِئةِ عامٍ، ومِن خِلالِ تَصَدِّيها لِمُعارِضِيها، وبِدَلائِلِ النُّورِ البادِيةِ رَأْيَ العَينِ، وبِأَقلامِ تَلامِذةِ النُّورِ..
ويا مَن أَظهَرَ بِصُورةٍ ناضِرةٍ وبِرِسالةِ النُّورِ المُسَمَّاةِ: "المُعجِزاتِ الأَحمَدِيّةَ (ص)" آلافَ مُعجِزاتِ النَّبِيِّ (ص)، وأنَّ نُبُوّةَ المُصطَفَى علَيْه الصَّلاةُ والسَّلامُ حَقٌّ، وأنَّه سَيِّدُ وأَفضَلُ عُمُومِ الأَنبِياءِ البالِغِ عَدَدُهُم مِئةً وأَربَعةً وعِشرِينَ أَلفَ نَبِيٍّ؛ وأَفادَ أنَّ اتِّباعَ سُنَّة هذه الشَّخصِيّةِ الفاضِلةِ أَعظَمُ رِبحٍ، وأنَّ التِزامَ سُنّةٍ واحِدةٍ فَقَط مِن سُنَنِه بِأَجرِ مِئةِ شَهِيدٍ،
— 119 —
وذلك بعدَ إِعلانِ القُرآنِ العَظِيمِ أنَّ الرَّسُولَ الأَكرَمَ (ص) مَبعُوثٌ رَحْمةً لِلعالَمِينَ، وبَعدَ إِثباتِ الأَنوارِ بِبَراهِينِها المُثبَتةِ مِن بِدايتِها حتَّى نِهايتِها أنَّه (ص) مُرسَلٌ رَحْمةً لِلعالَمِينَ، ومِن خِلالِ إِظهارِها حتَّى لِلعُميانِ أنَّ أَفعالَ هذا الرَّسُولِ وأَحوالَه أَكمَلُ مُرشِدٍ، وأنَّه (ص) أَولَى مَن يُقتَدَى بِه في هذا العالَمِ، ومِن خِلالِ شَهادةِ ارْتِفاعِ البَلايا زَمَنَ انتِشارِ الأَنوارِ في الأَناضُولِ وأَماكِنَ مُحَدَّدةٍ، وبِنُزُولِ المَصائِبِ لَحْظةَ إِسكاتِها، ومِن خِلالِ الخِدْمةِ المَتِينةِ الَّتي يُؤَدِّيها تَلامِيذُ النُّورِ تَحتَ وَطْأةِ ظُرُوفٍ صَعْبةٍ، وبِالعَلاقاتِ الوَثيقةِ الَّتي تَربِطُ بَينَهُم..
وأَثبَتَ بِدَرَجةِ عَينِ اليَقِينِ أنَّ رَسائِلَ النُّورِ دَفَعَتِ المَصائِبَ والبَلايا مُنذُ عِشرِينَ عامًا، بعدَ أن كانَت ستَحُلُّ بالأَناضُولِ، تَمامًا كما تَدفَعُ الصَّدَقاتُ البَلايا والمَصائِبَ..!
وبِنَيلِها البَراءةَ اليَومَ أَدخَلَت رَسائِلُ النُّورِ البَهجةَ والسُّرُورِ في نَفسِكُم أوَّلًا، ثُمَّ في نُفُوسِنا نَحنُ طُلّابَكُمُ العاجِزِينَ المُقَصِّرِينَ، ثُمَّ عُمُومِ العالَمِ الإِسلامِيِّ، وجَعَلَت مِن هذا اليَومِ عِيدًا ثانيًا عَظِيمًا؛ لِذا نُبارِكُ لَكُم أُستاذَنا المُبارَكَ هذا العِيدَ العَظِيمَ، ونُبارِكُ عِيدَكُمُ الثّالِثَ حُلُولَ شَهرِ رَمَضانَ ولَيْلةِ القَدرِ، ونَتَضَرَّعُ إلى المَولَى الجَلِيلِ أَن يُبَلِّغَنا الكَثِيرَ مِن هذه الأَيّامِ المُبارَكةِ.
ونَطلُبُ مِنكُمُ العَفوَ والسَّماحَ عن تَقصِيرِ أَمثالِنا، ونُقرِئُكُم جَمِيعًا السَّلامَ، ونُقبِّلُ أَيدِيَكُمُ المُبارَكةَ، ونَرجُو دَعَواتِكُم سَيِّدِي.
طُلّابُ النُّور في إِسبارطةَ وما حَولَها
إِنَّ مِن كُفْرانِ النِّعمةِ: المُبالَغةَ في التَّواضُعِ ورَفضَ مَضمُونِ هذه الرِّسالةِ الَّتي تَفُوقُ حَدِّي بِكَثِيرٍ، بل في ذلك مُخالَفةٌ لِجَمِيعِ التَّلامِيذِ في حُسنِ ظَنِّهِم؛ كما أنَّ مِنَ الغُرُورِ والأَنانيّةِ والِافتِخارِ قَبُولَها على ما هِي علَيْه، لِذا أُضيفُ "الفِقْراتِ الثَّلاثَ عَشْرةَ" إلى هذه الرِّسالةِ الطَّوِيلةِ الَّتي حَرَّرَها كاتِبُ رَسائِلِ النُّورِ بِاسمِ الجَمِيعِ، وأُرسِلُ
— 120 —
لَكُم صُورةً عنها حتَّى يَتِمَّ إِلحاقُها بِنِهايةِ "المَسأَلةِ الحادِيةَ عَشْرةَ" مِنَ "الثَّمَرةِ"، لِتَكُونَ: "رِسالةً مِن طُلّابِ النُّورِ في إِسبارْطةَ وما حَوْلَها"، وذلك كبادِرةِ شُكرٍ مَعنَوِيٍّ، وبِهَدَفِ التَّخَلُّصِ مِنَ الغُرُورِ وكُفْرانِ النِّعمةِ.
ومعَ كِتابَتي لِهَذِه الرِّسالةِ وأَثناءَ إِجرائِي هذه التَّعدِيلاتِ علَيْها، تَرَدَّدَت حَمامةٌ لِجِوارِنا وحَطَّت على النّافِذةِ مَرَّتَينِ، وأَوْشَكَت على الدُّخُولِ، إِلّا أنَّها انصَرَفَت لَمّا لَمَحَت رَأْسَ "جَيْلانَ".
وبَعدَ بِضعِ دَقائِقَ حَطَّت حَمامةٌ أُخرَى، فشاهَدَتِ الكاتِبَ أَيضًا ولم تَدخُل؛ فتَوَلَّدَت لَدَيْنا قَناعةٌ تامّةٌ بِأَحَدِ أَمرَينِ: إِمّا إنَّهُما جاءَتا تَحمِلانِ البَشائِرَ، تَمامًا كحالِ العُصفُورِ واليَمامةِ سابِقًا؛ وإِمّا أنَّهُم جَمِيعًا أَتَوْا يُهَنِّئُونَ ويُبارِكُونَ كِتابةَ هذه الرِّسالةِ وتَعدِيلَها، ومِثلُها سائِرُ الرَّسائِلِ الَّتي نَكتُبُها.
سَعِيدٌ النُّورْسِيُّ
— 121 —

القسم الثاني

من عصا موسى
رسالة حُجّة الله البالغةُ
عبارة عن إحدى عشرة حجّةً إيمانيةً
لقد أَثنَت لَجنةُ خُبَراءِ أَنقَرةَ على هذه الرِّسالة ثَناءً عَظِيمًا، كما أَضحَت سَببًا مُهِمًّا لِبَراءَتِنا في المَحكَمةِ، فلا جَرَمَ أنَّها حُجّةٌ قاطِعةٌ نافِذةٌ، وبُرهانٌ قَوِيٌّ سامٍ، يَكسِرُ شَوكةَ الكُفرِ المُطلَقِ.
سعيدٌ النُّورْسِيُّ
— 123 —

الحُجّة الإيمانية الأولى

الآية الكبرى
مشاهداتُ سائحٍ يسألُ الكونَ عن خالقِه
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا
إنَّ آياتٍ كَثِيرةً في القُرآنِ الكَرِيمِ یی أَمثالَ هذه الآيةِ العُظمَى یی تَذكُرُ في مُقدِّمةِ تَعرِيفِها لِخالقِ هذا الكَونِ: «السَّماواتِ» التي هي أَسطَعُ صَحِيفةٍ لِلتَّوحِيدِ، فما مِن مُتَأَمِّلٍ يَتأَمَّلُ فيها إلّا غَمَرَته الحَيرةُ وغَشِيَه الإِعجابُ، فيَستَمتِعُ بمُطالَعَتِها بكُلِّ ذَوقٍ ولَذّةٍ؛ فالأَولَى إِذًا أن يُستَهَلَّ بِها.
نعم، إنَّ كلَّ مَن يَأتِي ضَيفًا إلى مَمْلَكةِ الدُّنيا، ويَحُلُّ في دارِ ضِيافَتِها، يُشاهِدُ كلَّما فَتَح عَينَيهِ وقَلَّبَ نَظَرَه مَضافةً في غايةِ الكَرَمِ، ومَعرِضًا في غايةِ الإِبداعِ، ومُعَسكَرَ تَدرِيبٍ في غايةِ الهَيْبةِ، ومُتَنزَّهًا جَمِيلًا في غايةِ الرَّوعةِ، ومَشهَرًا في غايةِ الإِثارةِ لِلشَّوقِ والبَهجةِ، ودارَ مُطالَعةٍ ذاتَ مَعانٍ في غايةِ البَلاغةِ والحِكْمةِ.
وبَينَما الضَّيفُ في حالةٍ مِن شِدّةِ الفُضُولِ لِمَعرِفةِ صاحِبِ هذه الضِّيافةِ الكَرِيمةِ، وتَعرُّفِ مُؤلِّفِ هذا الكِتابِ الكَبِيرِ، وسُلطانِ هذه المَمْلَكةِ المَهِيبةِ، إِذا بِوَجهِ السَّماواتِ الجَمِيلِ المُتَلَألئِ بالنُّجُومِ النَّيِّرةِ يُطِلُّ عليه مُنادِيًا: "اُنظُرْ إِلَيَّ.. سأُعَرِّفُك بالَّذي تَبحَثُ عنه".
— 124 —
فيَنظُرُ السَّائِحُ، ويَرَى أنَّ رُبُوبِيّةً ظاهِرةً تتَجَلَّى في رَفعِها مِئاتِ الأُلُوفِ مِنَ الأَجرامِ السَّماوِيّةِ بغَيرِ عَمَد ولا سَنَدٍ، بَعضُها أَكبَرُ مِن أَرضِنا بِأَلفِ مَرّةٍ، وبَعضُها أَسرَعُ انطِلاقًا مِن قَذِيفةِ المَدفَعِ بِسَبعِينَ مَرّةً..
وفي تَسيِيرِها وإِجرائِها لتِلكَ الأَجرامِ معًا بِسُرعةٍ فائِقةٍ، وبلا مُزاحَمةٍ ولا مُصادَمةٍ..
وفي إِيقادِها تلك القَنادِيلَ المُتَدلِّيةَ اللّامَحدُودةَ، بِلا وَقُودٍ ولا انطِفاءٍ.. وفي إِدارَتِها تلك الكُتَلَ الهائِلةَ الَّتي لا حَدَّ لها، بِلا ضَوْضاءَ ولا صَخَبٍ ولا اختِلالٍ..
ويَرَى تَجَلِّيَها كَذلِك: في تَسخِيرِها تلك المَخلُوقاتِ العَظِيمةَ في وَظائِفَ مُعَيَّنةٍ، كاستِجابةِ الشَّمسِ والقَمَرِ لِأَداءِ وَظائِفِهما دُونَ إِحجامٍ أو تَلَكُّؤٍ..
وفي تَصرِيفِها هذا العَدَدَ الهائِلَ الَّذي لا تَحُدُّه أَرقامٌ، عَبرَ فَضاءٍ شاسِعٍ لا يَتَناهَى، مُمتَدٍّ بينَ دائرتَيِ القُطبَينِ مُجتَمِعًا، تَصرِيفًا يَجرِي في الوَقتِ نَفسِه، وبالقُوّةِ نَفسِها، وبالطِّرازِ نَفسِه، وبِسِكّةِ الفِطْرةِ نَفسِها، وبالصُّورةِ نَفسِها، دُونَ أن يَشُوبَه أَدنَى نَقصٍ أو خَلَلٍ.
وهالَه ما يَرَى مِن تَجَلِّي الرُّبُوبِيّةِ: في إِخضاعِها تلك السَّيّاراتِ الضَّخْمةَ الَّتي تَملِكُ قُوًى هائِلةً ومُتَجاوِزةً لِحُدُودِها، فتَجعَلُها مُنقادةً مُطِيعةً لِقانُونِها، لا تتَعَدَّاه ولا تَزِيغُ عنه..
وفي تَنظِيفِها وَجْهَ السَّماءِ، فتَجعَلُه صافيًا نَقِيًّا طاهِرًا مِنَ الأَدرانِ أَمثالِ أَنقاضِ تلك الأَجرامِ المُزدَحِمةِ، دُونَ أن يُرَى عليه قَذًى أو أَذًى..
وفي سَوقِها تلك الأَجرامَ كأنَّها مُناوَرةٌ عَسكَرِيّةٌ مُنَسَّقةٌ، وعَرضِها أَمامَ المُشاهِدِينَ مِنَ المَخلُوقاتِ كأنَّها مَشَاهِدُ سِينِمائيّةٌ، مِن خِلالِ تَدوِيرِ الأَرضِ باللَّيلِ والنَّهارِ، وتَجدِيدِها بتلك المُناوَرةِ المَهِيبةِ أَنماطَ المَناظِرِ الحَقِيقيّةِ الخَلّابةِ المُثِيرةِ لِلخَيالِ، وإِبرازِها في كُلِّ لَيلةٍ وفي كُلِّ سَنةٍ.
— 125 —
فهَذِه الرُّبُوبِيّةُ الجَلِيلةُ الظّاهِرةُ، وما يتَبَدَّى ضِمنَ فَعّاليَّتِها مِن حَقِيقةٍ جَلِيّةٍ مُرَكَّبةٍ مِنَ "التَّسخِيرِ، والتَّدبِيرِ، والإِدارةِ، والتَّنظِيمِ، والتَّنظِيفِ، والتَّوظِيفِ"، تَشهَدُ على وُجُوبِ وُجُودِ خالقِ تلك السَّماواتِ، وعلى وَحْدَتِه، بِعَظَمَتِها المَهِيبةِ هذه، وبإِحاطَتِها الكُلِّيّةِ هذه؛ وتَشهَدُ یی كما هو مُشاهَدٌ یی بأَنَّ وُجُودَه جَلَّ وعَلا أَجلَى مِن وُجُودِ هاتِيك السَّماواتِ.
وقد ذُكِرَ هذا المَعنَى في المَرتَبةِ الأُولَى مِنَ المَقامِ الأَوَّلِ، فقِيلَ فيه:
(لا إِلٰهَ إلّا اللهُ الواجِبُ الوُجُودِ، الَّذي دَلَّ على وُجُوبِ وُجُودِه في وَحْدَتِه: السَّماواتُ بِجَمِيعِ ما فيها، بِشَهادةِ عَظَمةِ إِحاطةِ حَقِيقةِ: التَّسخِيرِ والتَّدبِيرِ والتَّدوِيرِ والتَّنظِيمِ والتَّنظِيفِ والتَّوظِيفِ الواسِعةِ المُكَمَّلةِ بالمُشاهَدةِ).
ثُمَّ إِنَّ جَوَّ السَّماءِ الَّذي هو مَحشَرُ العَجائِبِ ومَعرِضُ الخَوارِقِ، نادَى بِصَوتٍ هادِرٍ ذلك الضَّيفَ السّائِحَ القادِمَ إلى الدُّنيا: "اُنظُرْ إِليَّ لِأُرشِدَك إلى مَن تَبحَثُ عنه بِشَوقٍ ولَهْفةٍ، وأُعَرِّفَك بِذاك الَّذي أَرسَلَك إلى هُنا".
فيَنظُرُ إلى وَجْهِ الجَوِّ المُكفَهِرِّ وهُو يتَقَطَّرُ رَحْمةً! ويَستَمِعُ إلى دَوِيِّه المُخِيفِ المُفزِعِ وهُو يَحمِلُ رَحِيقَ البُشرَى! فيَرَى أنَّ: «السَّحابَ» الَّذي عُلِّقَ بينَ السَّماءِ والأَرضِ يَسقِي رَوْضةَ الأَرضِ سُقْيا تتَفَجَّرُ حِكْمةً ورَحْمةً، ويُمِدُّ سُكّانَها بالماءِ الباعِثِ لِلحَياةِ، مُلَطِّفًا به شِدّةَ الحَرارةِ یی أي: شِدّةَ ضِرامِ العَيشِ یی ويُسْرِعُ لِنَجْدةِ كلِّ بُقعةٍ بحَسَبِ حاجَتِها.
ومعَ أنَّ ذلك السَّحابَ الثَّقِيلَ الضَّخمَ يقُومُ بوَظائِفَ كَثِيرةٍ أَمثالِ هذه، فإِنَّه يَختَفِي ويتَبَدَّدُ فَجْأةً بعدَ أن يَملَأَ أَرجاءَ الجَوِّ، ويَنسَحِبُ بجَمِيعِ أَجزائِه لِتَخلُدَ إلى الرّاحةِ، ويَتَوارَى عنِ الأَنظارِ دُونَ أن يَترُكَ أَثَرًا، وكأَنَّه جَيشٌ مُنتَظِمٌ يَظهَرُ ويَتَوارَى وَفقًا لِأَوامِرَ فَورِيّةٍ.. حتَّى إذا ما تَلقَّى الأَمرَ: "اِنطَلِقْ لِلإِمطارِ" اجتَمَع فمَلَأَ الجَوَّ في غُضُونِ ساعةٍ، بل غَمَرَها في دَقائِقَ، ووَقَفَ مُتَأهِّبًا كجُندِيٍّ يَنتَظِرُ أَمرَ القائِدِ!
— 126 —
ثُمَّ يَنظُرُ ذلك السَّائِحُ إلى «الرِّياحِ»: الَّتي تَجُولُ في الجَوِّ، فيَرَى أنَّ الهَواءَ يُستَخدَمُ في وَظائِفَ جَمّةٍ، في مُنتَهَى الحِكمةِ والكَرَمِ، استِخدامًا كأَنَّ كلَّ ذَرّةٍ مِن ذَرّاتِ ذلك الهَواءِ الجامِدِ تَسمَعُ وتَعِي ما يُلقَى إِلَيها مِنَ الأَوامِرِ الصّادِرةِ مِن سُلطانِ هذا الكَونِ معَ أنَّها لا تَملِكُ شُعُورًا، فتُؤَدِّي خِدْماتِها بقُوّةِ ذلك الآمِرِ وهَيمَنَتِه، وتُنفِّذُها بكُلِّ انتِظامٍ ودِقّةٍ دُونَ تَوانٍ، فتَدخُلُ هذه الذَّرّاتُ في استِنشاقِ جَمِيعِ أَحياءِ الأَرضِ لِلهَواءِ، أو نَقلِ الأَصواتِ أوِ المَوادِّ الضَّرُورِيّةِ لِذَوِي الحَياةِ كالحَرارةِ والضَّوءِ والكَهرَباءِ، أو تَتوَسَّطُ لِتَلقِيحِ النَّباتاتِ.. أو ما شابَهَها مِنَ الوَظائِفِ الكَثِيرةِ، فهِي تُستَخدَمُ بِجَمِيعِ هذه الخِدْماتِ مِن قِبَلِ يَدٍ غَيبِيّةٍ استِخدامًا في مُنتَهَى الشُّعُورِ، والعِلمِ، والحَيَوِيّةِ.
ثُمَّ يَنظُرُ إلى «المَطَرِ»: فيَرَى أنَّ تلك القَطَراتِ اللَّطِيفةَ البَرّاقةَ العَذْبةَ الَّتي أُرسِلَت وأُغدِقَت مِن خَزِينةِ الرَّحمةِ الغَيبِيّةِ، تَزخَرُ بِهَدايا رَحْمانيّةٍ ووَظائِفَ غَزِيرةٍ، حتَّى كأنَّ الرَّحْمةَ المُهداةَ قد تَجَسَّدَت مُنصَبّةً مِن عُيُونِ الخَزِينةِ الرَّبّانيّةِ على صُورةِ تلك القَطَراتِ المُتَهاطِلةِ.. ولِهَذا أُطلِقَ على المَطَرِ اسمُ: "الغَيثِ".. و"الرَّحْمةِ".
ثُمَّ يَنظُرُ إلى «البَرقِ» ويُصغِي إلى «الرَّعدِ» ، فيَرَى أنَّهُما يُستَخدَمانِ في أُمُورٍ بالِغةِ الإِعجابِ والغَرابةِ.
فيَرجِعُ بَصَرَهُ ويتَوَجَّهُ إلى عَقلِه، ويُحاوِرُ نَفسَه قائِلًا: إنَّ هذا السَّحابَ الجامِدَ العَدِيمَ الشُّعُورِ، والمَنفُوشَ كالعِهْنِ (القُطنِ المَندُوفِ)، لا شَكَّ أنَّه يَجهَلُنا ولا يَعرِفُنا، ولا يُمكِنُ أن يُسارِعَ مِن تِلقاءِ نَفسِه لِإِمدادِنا رَأْفةً بِنا وإِشفاقًا علَيْنا، ولا يُمكِنُ أن يَظهَرَ بادِيًا في السَّماءِ ويَختَفِيَ مُنقَشِعًا بِدُونِ أَمرٍ، بل لا بُدَّ أنَّه يتَحَرَّكُ في وَظِيفَتِه وَفقَ أَمرٍ صادِرٍ مِن آمِرٍ قَدِيرٍ مُطلَقِ القُدْرةِ، ورَحِيمٍ غايةَ الرَّحْمةِ.. حَيثُ يَختَفِي دُونَ أن يُعقِّبَ، ثُمَّ يَظهَرُ فَجْأةً، مُتَسلِّمًا مَهامَّ عَمَلِه، فيَملَأُ عالَمَ الجَوِّ ويُخْلِيهِ بينَ الفَينةِ والأُخرَى تَنفِيذًا لِأَمرِ سُلطانٍ جَلِيلٍ مُتَعالٍ فَعّالٍ، فيَخُطُّ على لَوحةِ السَّماءِ دَوْمًا بحِكمةٍ، ويَمحُو بالإِعفاءِ، مُحَوِّلًا إِيّاها إلى "لَوحِ مَحْوٍ وإِثباتٍ"، وإلى صُورةٍ مُصَغَّرةٍ لِلحَشرِ والقِيامةِ.
— 127 —
إِذْ يَركَبُ السَّحابُ مَتْنَ الرِّياحِ بِأَمرٍ مِن حاكِمٍ مُدَبِّرٍ ذِي أَلطافٍ وإِحسانٍ وذِي إِكرامٍ وعِنايةٍ، حامِلًا خَزائِنَ أَمطارٍ واسِعةً سَعَةَ الجِبالِ وضَخامَتَها، فيُغِيثُ بِها مَواضِعَ مِنَ الأَرضِ مُحتاجةً إِلَيْها، وكأَنَّه يَرِقُّ لِحالِها فيَبكِي، فيَجعَلُهَا تَبتَسِمُ بِالأَزاهِيرِ مِن خِلالِ دُمُوعِه، ويُخَفِّفُ مِن شِدّةِ لَفْحةِ الشَّمسِ، ويَسقِي بَساتِينَ الأَرضِ ومُرُوجَها، ويَغسِلُ وَجْهَها وأَدِيمَها ويُطَهِّرُها مِنَ الأَقذارِ، لِيُشرِقَ بالصَّفاءِ والرِّواءِ.
ثُمَّ يُحاوِرُ ذلك السّائِحُ الشَّغُوفُ عَقلَه قائِلًا: إنَّ هذا الهَواءَ الجامِدَ الَّذي لا حَياةَ له ولا شُعُورَ، ولا قَرارَ له ولا هَدَفَ، وهُو في اضْطِرابٍ دائِمٍ، وهَيَجانٍ لا يَسكُنُ، وذُو عَواصِفَ وأَعاصِيرَ لا تَهدَأُ، إِلّا أنَّه يَنطَوِي على مِئاتِ الآلافِ مِنَ الأَعمالِ والوَظائِفِ والإِحساناتِ والإِمداداتِ العامِرةِ بالحِكمةِ والرَّحمةِ والإِتقانِ، والَّتي تَبرُزُ بواسِطَتِه إلى الوُجُودِ؛ مِمّا يُثبِتُ بَداهةً: أنَّه لَيسَت لِهَذِه الرِّياحِ الدّائِبةِ حَرَكةٌ ذاتيّةٌ، فلا تَتحَرَّكُ مِن تِلقاءِ نَفسِها أَبدًا، وإِنَّما يُحَرِّكُها أَمرٌ صادِرٌ مِن آمِرٍ في غايةِ العِلمِ والقُدْرةِ، وغايةِ الكَرَمِ والحِكمةِ، وكأنَّ كُلَّ ذَرّةٍ مِن ذَرّاتِها تَفهَمُ وتَسمَعُ یی كالجُندِيِّ المُطِيعِ یی كلَّ أَمرٍ صادِرٍ مِن لَدُنْ ذلك الآمِرِ وتُدرِكُه فتَنقادُ إلَيْه، وتَجعَلُ الأَحياءَ جَمِيعَها تَتنَفَّسُها لِتُسهِمَ في إِعاشَتِها، وتُشارِكَ في تَلقِيحِ النَّباتاتِ ونُمُوِّها، وتُعاوِنُ في تَوفِيرِ المَوادِّ الضَّرُورِيّةِ لِحَياتِها، وتَصرِيفِ السُّحُبِ وإِدارَتِها، وتَسيِيرِ السُّفُنِ بلا وَقُودٍ وجَعْلِها تَمخَرُ البِحارَ وتَسِيحُ فيها، وتَتوَسَّطُ خاصّةً في إِيصالِ الأَصواتِ والمُكالَماتِ والِاتِّصالاتِ عَبرَ أَمواجِ المِذْياعِ والتِّلِغْرافِ والهَواتِفِ اللّاسِلكِيّةِ، وأَمثالِ هذه الخِدْماتِ العامّةِ الكُلِّيّةِ، ومعَ أنَّ ذَرَّاتِ الهَواءِ مُرَكَّبةٌ مِن مَوادَّ بَسِيطةٍ كالآزُوتِ ومُوَلِّدِ الحُمُوضةِ (الأُوكسِجِينِ)، ويُماثِلُ بَعضُها بَعضًا، إِلّا أَنَّني أَراها تُستَخدَمُ بِيَدٍ حَكِيمةٍ وبانتِظامٍ كامِلٍ، في مِئاتِ الأُلُوفِ مِن أَنماطِ المَصنُوعاتِ الرَّبّانيّةِ.
لِذا حَكَم السَّائِحُ قائِلًا: حَقًّا إنَّ الَّذي يُجرِي أَمرَه على الهَواءِ، ويَستَعمِلُه في خِدْماتٍ ووَظائِفَ رَبّانيّةٍ غَيرِ مَحدُودةٍ، بِتَصرِيفِ الرِّياحِ، وفي أَعمالٍ رَحمانيّةٍ غَيرِ مَحدُودةٍ، بِتَسخِيرِ السَّحابِ، ويُوجِدُ الهَواءَ على تلك الصُّورةِ، وَفْقَ ما صَرَّحَت به
— 128 —
الآيةُ الكَرِيمةُ: وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، ليس إِلّا رَبًّا واجِبَ الوُجُودِ، قادِرًا على كُلِّ شَيءٍ، وعالِمًا بكُلِّ شَيءٍ، ذا جَلالٍ وإِكرامٍ.
ثمَّ يَرجِعُ بنَظَرِه إلى "الغَيثِ": فيَرَى أنَّه مُثْقَلٌ بِمَنافِعَ بعَدَدِ حَبّاتِه، ويَحمِلُ جَلَواتٍ رَحْمانيّةً بعَدَدِ زَخّاتِه، ويُظهِرُ حِكَمًا بقَدْرِ رَشَحاتِه؛ ويَرَى أنَّ تلك القَطَراتِ العَذْبةَ اللَّطِيفةَ المُبارَكةَ تُخلَقُ في غايةِ الِانتِظامِ وفي مُنتَهَى الجَمالِ والبَهاءِ، وبخاصّةٍ البَرَدُ الَّذي يُرسَلُ یی حتَّى في الصَّيفِ یی بِانتِظامٍ ومِيزانٍ، بحَيثُ لا يُمكِنُ أَن تُخِلَّ بِهذا المِيزانِ والِانتِظامِ حتَّى العَواصِفُ والرِّياحُ العاتيةُ الَّتي تَضطَرِبُ لِهَوْلِها الكُتَلُ الضَّخْمةُ الكَثِيفةُ، ولا أَن تُصادِمَ بينَ قَطَراتِه بحَيثُ تَجمَعُ بَينَها وتُؤَلِّفُ مِنها كُتَلًا مُضِرّةً!
فهذا الماءُ الَّذي هو جَمادٌ بَسِيطٌ لا يَملِكُ شُعُورًا، يُستَخدَمُ في أَمثالِ هذه الأَعمالِ الحَكِيمةِ، وبخاصّةٍ في الإِحياءِ والتَّروِيةِ، وهُو المُرَكَّبُ مِن مادَّتَينِ بَسِيطَتَينِ جامِدَتَينِ خاليَتَينِ مِنَ الشُّعُورِ؛ هُما مُوَلِّدُ الماءِ ومُوَلِّدُ الحُمُوضةِ یی الهِيدرُوجِين والأُوكسُجِين یی إِلّا أنَّه يُستَخدَمُ في مِئاتِ الآلافِ مِنَ الخِدْماتِ والصَّنائِعِ المُختَلِفةِ المَشحُونةِ بالحِكمةِ والشُّعُورِ.
إذًا، فهذا الغَيثُ ما هو إلّا رَحمةٌ مُجسَّمةٌ بعَينِها، ولا يَتِمُّ صُنْعُه إِلّا في خَزِينةِ الرَّحمةِ الغَيبِيّةِ لی"الرَّحمٰنِ الرَّحِيمِ"، وهُو بِنُزُولِه وانصِبابِه على الأَرضِ يُفسِّرُ عَمَلِيًّا وبوُضُوحٍ الآيةَ الكَرِيمةَ: وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ
ثمَّ يُصغِي ذاهِلًا إلى "الرَّعدِ"، ويَنظُرُ مُندَهِشًا إلى "البَرقِ"، فيَرَى أنَّ هاتَينِ الظّاهِرَتَينِ الجَوِّيَّتَينِ العَجِيبَتَينِ تُفَسِّرانِ تَمامًا الآيتَينِ الجَلِيلَتَينِ: وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ، وتُخبِرانِ كَذلِك بقُدُومِ الغَيثِ، فتُبشِّرانِ المُعوِزِينَ المَلهُوفِينَ..
نعم، إنَّ إِنطاقَ الجَوِّ المُظلِمِ بِدَوِيٍّ هادِرٍ يُزَمجِرُ ويُجَلجِلُ، وتَبدِيدَ الظَّلامِ الدّامِسِ بنُورٍ باهِرٍ يَكادُ يَذهَبُ بالأَبصارِ، وبِنارٍ تُرعِبُ كُلَّ مَوجُودٍ، وإِشعالَ السُّحُبِ العَظِيمةِ كالجِبالِ، والمَنفُوشةِ كالعِهْنِ، المُحَمَّلةِ بالبَرَدِ والثَّلجِ والماءِ.. وما شابَهَها مِن
— 129 —
هذه الأَوضاعِ الحَكِيمةِ الغَرِيبةِ؛ لَتُنبِّهُ الإِنسانَ الغافِلَ وتُوقِظُه، وتَقْرَعُ بالدِّرّةِ على رَأْسِ هذا المُكِبِّ على وَجهِه قائِلةً:
يا هذا! اِرفَعْ رَأسَك، وانظُرْ إلى غَرائِبِ الصَّنعةِ وبَدائِعِ الخِلْقةِ لِلفَعّالِ القَدِيرِ الَّذي يُرِيدُ أن يُعَرِّفَ نَفسَه لِعِبادِه، فكما أنَّك لَستَ طَلِيقًا سائِبًا مُفلَتَ الزِّمامِ في هذا الوُجُودِ، فلن تكُونَ هذه الحَوادِثُ سُدًى ولا عَبَثًا، بل كُلٌّ مِنها تُساقُ إلى وَظائِفَ حَكِيمةٍ بِخُضُوعٍ واستِسلامٍ، وكُلٌّ مِنها يُستَخدَمُ مِن لَدُنْ رَبٍّ مُدَبِّرٍ حَكِيمٍ.
وهكَذا يَسمَعُ هذا السّائِحُ الشَّغُوفُ شَهادةً سامِيةً جَلِيّةً لِحَقِيقةٍ مُرَكَّبةٍ مِن تَسخِيرِ السَّحابِ، وتَصرِيفِ الرِّياحِ، وإِنزالِ الغَيثِ، وتَدبِيرِ الظَّواهِرِ الجَوِّيّةِ، فيقُولُ: آمَنتُ باللهِ..
وقد أَفادَتِ تنبيه: كُنتُ أُريدُ أن أُوضِّح المَراتبَ الثَّلاثَ والثَّلاثينَ مِن مَراتبِ التَّوحيدِ المَذكُورةِ في "المَقامِ الأوَّلِ"، لكنَّني اضطُرِرْتُ للِاكتفاءِ ببَراهينِها المُختَصَرةِ جِدًّا وبمُجرَّد تَرجمَتِها بسَببِ وَضعِي الصِّحِّيّ وعدمِ سَماحِ حالتي.. ولَمّا كانت ثَلاثُونَ رِسالةً مِن رسائلِ النُّورِ بل مِئةٌ مِنها قد بَيَّنتْ یی كلٌّ على حِدَةٍ یی قِسمًا مِن تلك المَراتبِ الثَّلاثِ والثَّلاثينَ مع دَلائلِها بأَساليبَ مُختلِفةٍ؛ لذا أُحِيلَتِ التَّفاصِيلُ إليها. المَرتَبةُ الثّانيةُ مِنَ المَقامِ الأوَّلِ مُشاهَداتِ هذا السّائِحِ في الجَوِّ كالآتي:
(لا إِلٰهَ إلّا اللهُ الواجِبُ الوُجُودِ الَّذي دَلَّ على وُجُوبِ وُجُودِه: الجَوُّ بِجَمِيعِ ما فيه، بِشَهادةِ عَظَمةِ إِحاطةِ حَقِيقةِ: التَّسخِيرِ والتَّصرِيفِ والتَّنزِيلِ والتَّدبِيرِ، الواسِعةِ المُكَمَّلةِ بالمُشاهَدةِ).
ثمَّ إنَّ ذلك السَّائِحَ المُتَفكِّرَ، المُتَعوِّدَ على السِّياحةِ الفِكرِيّةِ، هَتفَت به "كُرةُ الأَرضِ" بلِسانِ حالِها، قائِلةً: "لِمَ تَجُولُ في الهَواءِ وتَدُورُ في أَرجاءِ السَّماءِ والفَضاءِ؟ هَلُمَّ إِلَيَّ لِأُعرِّفَك بالَّذي تَبحَثُ عنه.. شاهِدْ وَظائِفِي، واقْرَأْ ما هو مَكتُوبٌ في صَحائِفِي".
فأَخَذ السّائِحُ يَنظُرُ، فيَرَى أنَّ الأَرضَ یی كالمَولَوِيِّ العاشِقِ یی تَخُطُّ بحَرَكَتَيها في أَطرافِ مَيدانِ الحَشرِ الأَعظَمِ دائِرةً يَنتُجُ عنها حُصُولُ الأَيّامِ والفُصُولِ والسِّنِينَ.. وهِي كسَفِينةٍ رَبّانيّةٍ عَظِيمةٍ حامِلةٍ لِأَكثَرَ مِن مِئةِ أَلفِ نَوعٍ مِن أَنواعِ ذَوِي الحَياةِ بجَمِيعِ أَرزاقِها
— 130 —
ومُتَطلَّباتِها المَعاشِيّةِ، فتَمْخَرُ عُبابَ الفَضاءِ بكَمالِ التَّوازُنِ والنِّظامِ الأَتَمِّ، وتَطُوفُ في رِحلةٍ سِياحِيّةٍ وتَجْوالٍ حَولَ الشَّمسِ.
ثُمَّ يَنظُرُ إلى صَحائِفِها، فيَرَى أنَّ كلَّ صَحِيفةٍ مِنها تُعَرِّفُ رَبَّها بأُلُوفِ آياتِها.. ولكِن لَمّا لم يَجِد مُتَّسَعًا مِنَ الوَقتِ لِمُطالَعةِ الصَّحائِفِ كُلِّها، اكتَفَى بالنَّظَرِ إلى صَحِيفةٍ واحِدةٍ مِنها فقط، وهِي صَحِيفةُ إِيجادِ ذَوِي الحَياةِ وإِدارَتُها في فَصلِ الرَّبِيعِ.
فشاهَدَ أنَّ أَفرادًا غيرَ مَحدُودِينَ لِمِئةِ أَلفٍ مِنَ الأَنواعِ تَنفَتِحُ صُوَرُها وتَنبَسِطُ مِن مادّةٍ بَسِيطةٍ بمُنتَهَى الِانتِظامِ، وتُرَبَّى بمُنتَهَى الرَّحمةِ، وتُنشَرُ في الأَرجاءِ بِمُنتَهَى السَّعةِ، وتُمنَحُ بُذُورُ قِسمٍ مِنها جُنَيحاتٍ رَقيقةً لِلطَّيرانِ بِغايةِ الإِعجازِ.. وأَنَّها تُدارُ بمُنتَهَى التَّدبِيرِ، وتُرَبَّى وتُغَذَّى بمُنتَهَى الشَّفَقةِ والرَّأفةِ، وتُؤَمَّنُ أَرزاقُها الوَفِيرةُ المُتَنوِّعةُ اللَّذِيذةُ الطَّيِّبةُ بمُنتَهَى الرَّحمةِ والإِرزاقِ، فتَصِلُها مِن عَدَمٍ، ومِن تُرابٍ يابِسٍ، ومِن جُذُورٍ صُلْبةٍ كالعِظامِ، ومِن بُذُورٍ مُتَماثِلةٍ، ومِن قَطَراتِ ماءٍ مُتَشابِهةٍ.
وأنَّه يُبعَثُ مِن خَزِينةِ الغَيبِ إلى ذَوِي الحَياةِ في كُلِّ رَبِيعٍ یی كحُمُولةِ قِطارٍ مَشحُونٍ یی مِئةُ أَلفِ نَوعٍ ونَوعٍ مِنَ الأَطعِمةِ واللَّوازِمِ، بِكَمالِ الِانتِظامِ والِاتِّساقِ، لا سِيَّما إِرسالُ اللَّبنِ الخالِصِ اللَّذِيذِ الدَّفّاقِ مِن يَنابِيعِ أَثداءِ الوالِداتِ الرَّؤُوماتِ المُلَفَّعاتِ بِالشَّفَقةِ والرَّحمةِ والحِكمةِ هَدايا لِلصِّغارِ والأَطفالِ.. كلُّ ذلك يُثبِتُ بَداهةً أنَّه تَجَلٍّ في مُنتَهَى التَّربِيةِ والرَّأفةِ مِن تَجَلِّياتِ رَحمةِ الرَّحمٰنِ الرَّحِيمِ وإِحسانِه العَمِيمِ.
والخُلاصةُ: لقد فَهِم السَّائِحُ بمُشاهَدةِ هذه الصَّحِيفةِ الحَياتيّةِ لِلرَّبِيعِ الجَمِيلِ، أنَّها صُورةٌ مِن صُوَرِ الحَشرِ والنُّشُورِ بِمِئاتِ الآلافِ مِنَ النَّماذِجِ والنَّظائِرِ، فهِي تُفَسِّرُ تَفسِيرًا عَمَلِيًّا مَحسُوسًا رائِعًا الآيةَ الكَرِيمةَ: فَانْظُرْ إِلَى آَثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، والآيةُ نَفسُها تُعبِّرُ تَعبِيرًا مُعجِزًا عنِ المَعاني الوارِدةِ في هذه الصَّحِيفةِ..
فوَعَى ما تُردِّدُه كُرةُ الأَرضِ بِجَمِيعِ صَحائِفِها وبِمِقدارِ جَسامَتِها وقُوَّتِها مِن: "لا إِلٰه إلّا هو".
— 131 —
وهكذا، لِأَجلِ بَيانِ شَهادةٍ مُختَصَرةٍ، لِوَجهٍ واحِدٍ فقط مِن عِشرِينَ وَجهًا مِن وُجُوهِ صَحِيفةٍ واحِدةٍ مِنَ الصَّحائِفِ الواسِعةِ لِكُرةِ الأَرضِ، والَّتي تَربُو على عِشرِينَ صَحِيفةً، ولِأَجلِ بَيانِ ما أَفادَتْه مُشاهَداتُ ذلك السَّائِحِ في سائرِ الوُجُوهِ والصَّحائِفِ.. ذُكِرَ في المَرتَبةِ الثَّالِثةِ مِنَ المَقامِ الأوَّلِ:
(لا إِلٰهَ إِلّا اللهُ الواجِبُ الوُجُودِ الَّذي دَلَّ على وُجُوبِ وُجُودِه في وَحْدَتِه: الأَرضُ بِجَمِيعِ ما فِيها وما عَلَيْها، بِشَهادةِ عَظَمةِ إِحاطةِ حَقِيقةِ: التَّسخِيرِ والتَّدبِيرِ والتَّربِيةِ والفَتَّاحِيَّةِ وتَوزِيعِ البُذُورِ والمُحافَظةِ والإِدارةِ والإِعاشةِ لِجَمِيعِ ذَوِي الحَياةِ، والرَّحْمانيَّةِ والرَّحِيمِيَّةِ العامَّةِ الشَّامِلةِ المُكَمَّلةِ بالمُشاهَدةِ).
ثُمَّ أَصبَح ذلك المُسافِرُ المُتَفكِّرُ كُلَّما قَرَأ صَحِيفةً قَوِيَ إِيمانُه الَّذي هو مِفتاحُ السَّعادةِ، وزادَت مَعرِفَتُه بِاللهِ الَّتي هي مِفتاحُ المَدارِجِ المَعنَوِيّةِ، وانكَشَفَت لِبَصِيرَتِه دَرَجةٌ أُخرَى مِن حَقِيقةِ الإِيمانِ بِاللهِ الَّذي هو الأَساسُ القَوِيمُ لِجَمِيعِ الكَمالاتِ ومَنبَعُها الثَّرُّ العَذْبُ.
ومعَ أنَّه قد وَعَى دُرُوسًا بَلِيغةً وتامّةً مِنَ السَّماءِ والجَوِّ والأَرضِ، إِلّا أنَّه باتَ يَطلُبُ المَزِيدَ كُلَّما مَنَحَتْه تلك الصَّحائِفُ أَذواقًا مَعنَوِيّةً لَطِيفةً، ولَذائِذَ رُوحِيّةً كَثِيرةً، مُثِيرةً شَغَفَه، مُنبِّهةً وَلَعَه بِشِدّةٍ قائِلًا: هل مِن مَزِيدٍ؟ وإِذا به يَسمَعُ صَدَى أَذكارِ "البِحارِ والأَنهارِ العَظِيمةِ" الَّتي تَتدَفَّقُ خُشُوعًا وشَوقًا، فيُنصِتُ إلى هَمْسِ أَصواتِها الحَزِينةِ العَذْبةِ، وهِي تقُولُ بلِسانِ الحالِ والمَقالِ: "أَلَا تَنظُرُ إِلَيْنا؟ أَلَا تُطالِعُنا؟".
فيَنظُرُ بِلَهفةٍ حائِرةٍ ويَرَى: أنَّ البِحارَ الَّتي تَتَماوَجُ بِحَيَوِيّةٍ وتَتَلاطَمُ بِشِدّةٍ على الدَّوامِ، والَّتي مِن شَأنِها الِانسِياحُ والِانسِكابُ والإِغراقُ، قد أَحاطَت بِكُرةِ الأَرضِ، فهُما تُسَيَّرانِ مَعًا في مُنتَهَى السُّرعةِ، وتَجرِيانِ في سَنةٍ واحِدةٍ ضِمنَ دائِرةٍ مِقدارُها خَمسٌ وعِشرُونَ أَلفَ سَنةٍ؛ وعلى الرَّغمِ مِن كُلِّ هذا فهِي لا تَسِيحُ أَبدًا ولا تَنسَكِبُ مُطلَقًا، ولا تَطغَى على جارَتِها اليابِسةِ، ما يَعنِي أنَّها تَتحَرَّك وتَسكُنُ وتُحفَظُ بِأَمرِ مَن له القُدرةُ المُطلَقةُ، والعَظَمةُ المُطلَقةُ.
— 132 —

ثُمَّ يَنظُرُ إلى جَوفِ البَحرِ: فيَرَى لَآلِئَ مُشِعّةً هي في غايةِ الجَمالِ والزِّينةِ والِانتِظامِ، ورَأَى فَضلًا عن ذلك انتِظامًا عَظِيمًا في إِعاشةِ آلافِ أَنواعِ الحَيَواناتِ(8Uمُتَنوِّعةِ وإِدارَتَها وتَعيِينَ مَوالِيدِها ووَفَياتِها، تَجرِي في مُنتَهَى الِانتِظامِ والإِتقانِ، وأنَّ مَجِيءَ أَرزاقِها ونُشُوءَ أَقواتِها مِن رَملٍ بَسِيطٍ ومِن ماءٍ أُجاجٍ، مَيسُورٌ وكامِلٌ، ما يُثْبِتُ بِالبَداهةِ أنَّه لا يَتِمُّ إلّا بإِدارةِ القَدِيرِ ذِي الجَلالِ، وإِعاشةِ الرَّحِيمِ ذِي الجَمالِ.

ثُمَّ يَنظُرُ ذلك المُسافِرُ إلى الأَنهارِ: فيَرَى أنَّ ما فيها مِنَ المَنافِعِ والمَصالِحِ وما لَها مِنَ الخِدْماتِ والوَظائِفِ وما تُنتِجُه مِن مَصارِيفَ وما تَرِدُه مِن مَوارِدَ، مَحسُوبٌ بِحِكمةٍ واسِعةٍ، وبِرَحمةٍ عَظِيمةٍ، بحَيثُ تُثبِتُ بَداهةً أنَّ جَمِيعَ الجَداوِلِ والغُدْرانِ واليَنابِيعِ والسُّيُولِ والأَنهارِ العَظِيمةِ تَنبَعُ وتَجرِي مِن خَزِينةِ الرَّحمٰنِ ذِي الجَلالِ والإِكرامِ؛ بل إنَّها تُخزَنُ وتُدَّخَرُ ادِّخارًا خارِقًا لِلمَألُوفِ، فتُصْرَفُ وتُجرَى جَرْيًا فَوقَ المُعتادِ، حتَّى وَرَد في الحَدِيثِ الشَّرِيفِ ما مَعناه: أنَّ «أَربَعةَ أَنهارٍ تَجرِي مِنَ الجَنّةِ» ، بمَعَنى أنَّ جَرَيانَ هذه الأَنهارِ، هو فَوقَ حِساباتِ الأَسبابِ الظّاهِرةِ بِكَثيرٍ، لِذا فهِي لا تَجرِي إلّا مِن خَزِينةِ جَنّةٍ مَعنَوِيّةٍ لا تَنضُبُ، ومِن فَيضِ مَنبَعٍ غَيبِيٍّ لا يَنفَدُ.
فمَثلًا: هذا نَهرُ النِّيلِ الَّذي حَوَّل صَحراءَ مِصرَ القاحِلةَ إلى جَنّةِ الدُّنيا، يَجرِي كبَحرٍ صَغِيرٍ دُونَ نَفادٍ، ويَنبَعُ مِن جَبَلٍ واقِعٍ في الجَنُوبِ يُدعَى "جَبَلَ القَمَرِ"، فلو جُمِّعَت صَرفيّاتُه لِسِتّةِ أَشهُرٍ وجُمِّدَت، لَاجتَمَع ما هو أَعظَمُ مِن ذلك الجَبَلِ! والحالُ أنَّ ما خُصِّصَ له مِن مَكانٍ لِلخَزْنِ لا يَبلُغُ سُدُسَ ذلك الجَبَلِ.
أَمّا وارِداتُه فقَلِيلةٌ ضَئِيلةٌ، حَيثُ إِنَّ شِحّةَ الأَمطارِ وشِدّةَ حَرارةِ المَنطِقةِ وتَعَطُّشَ الأَرضِ، كلُّ ذلك مُجتَمِعًا لا يَفسَحُ مَجالًا لِلخَزْنِ إلّا القَلِيلَ، ولا يَسمَحُ لِلمُحافَظةِ على مِيزانِ وارِداتِه وصَرفيّاتِه؛ لِذا قد رُوِيَ أنَّ النِّيلَ المُبارَكَ يَنبَعُ مِن "جَنّةٍ" غَيبِيّةٍ هي فَوقَ القَوانينِ الأَرضِيّةِ المُعتادةِ؛ فأَفادَت هذه الرِّوايةِ حَقِيقةً لَطِيفةً ذاتَ مَغزًى عَمِيقٍ جدًّا.
وهكَذا رَأَى السّائِحُ شَهادةً واحِدةً وحَقِيقةً واحِدةً، مِن آلافِ الشَّهاداتِ والحَقائقِ الَّتي هي واسِعةٌ سَعَةَ البِحارِ نَفسِها، وفَهِم أنَّ جَمِيعَها تُرَدِّدُ معًا بالإِجماعِ،
— 133 —
وبِقُوّةِ عَظَمةِ البِحارِ: "لا إِلٰهَ إلّا هُو"، وأنَّها تُبرِزُ أَمامَه شُهُودًا بِعَدَدِ مَخلُوقاتِ البِحارِ على صِدقِ هذه الشَّهادةِ.
ولِبَيانِ شَهاداتِ البِحارِ والأَنهارِ جَمِيعِها، أَفادَتِ المَرتَبةُ الرّابِعةُ مِنَ المَقامِ الأوَّلِ ما يَأتِي:
(لا إِلٰهَ إلّا اللهُ الواجِبُ الوُجُودِ الَّذي دَلَّ على وُجُوبِ وُجُودِه في وَحْدَتِه: جَمِيعُ البِحارِ، والأَنهارِ، بِجَمِيعِ ما فيها، بِشَهادةِ عَظَمةِ إِحاطةِ حَقِيقةِ: التَّسخِيرِ والمُحافَظةِ والإِدارةِ الواسِعةِ المُنتَظِمةِ بالمُشاهَدةِ).
ثُمَّ تَدعُو الجِبالُ والصَّحارَى ذلك المُسافِرَ المُستَغرِقَ في السِّياحةِ الفِكرِيّةِ قائِلةً: "أَلَا تَقرَأُ صَحِيفَتَنا أَيضًا؟".. وهو بِدَورِه يُحدِّقُ النَّظَرَ، ويَرَى أنَّ وَظائِفَ الجِبالِ الكُلِّيّةَ، وفَوائِدَها العامّةَ، هي مِنَ العَظَمةِ والحِكمةِ ما يُحيِّرُ العُقُولَ.
فمَثلًا: بُرُوزُ الجِبالِ واندِفاعُها مِنَ الأَرضِ بِأَمرٍ رَبّانيٍّ يُهَدِّئُ هَيَجانَ الأَرضِ ويُخَفِّفُ مِن غَضَبِها وسَخَطِها وحِدَّتِها النّاجِمةِ مِن تَقَلُّباتِها الباطِنِيّةِ، ويَدَعُها تَتنَفَّسُ مُستَرِيحةً بثَوَرانِ تلك الجِبالِ عَبرَ مَنافِذِها، فتَتَخلَّصُ بذلك مِنَ الزَّلازِلِ المُهلِكةِ والتَّصَدُّعاتِ المُدَمِّرةِ، فلا تَسلُبُ أَثناءَ دَوَرانِها راحةَ الآمِنِينَ مِن سَكَنَتِها.
وكما تُنصَبُ على السُّفُنِ الصَّوارِي والأَوتادِ لِلحِفاظِ على تَوازُنِها ووِقايَتِها مِنَ التَّزَعزُعِ والغَرَقِ، كَذلِك الجِبالُ هي أَوتادٌ ذاتُ خَزائِنَ لِسَفِينةِ الأَرضِ، تَقِيها مِنَ الزِّلزالِ وتُثبِّتُها وتَحفَظُ تَوازُنَها.. وقد بيَّن القُرآنُ الكَرِيمُ هذا المَعنَى في آياتٍ كَثِيرةٍ مِنها: وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا
ومَثلًا: إنَّ ما في جَوفِ الجِبالِ مِن أَنواعِ اليَنابِيعِ والمِياهِ والمَعادِنِ والمَوادِّ والأَدوِيةِ الَّتي يَحتاجُها ذَوُو الحَياةِ، قدِ ادُّخِرَت بحِكمةٍ، وأُحضرِتَ بِكَرَمٍ، وخُزِنَت بِتَدبِيرٍ، بحَيثُ تُثبِتُ هذه الجِبالُ بَداهةً أنَّها خَزائِنُ ومُستَودَعاتُ ادِّخارٍ تَحتَ أَمرِ قَدِيرٍ لا نِهايةَ لِقُدرَتِه، وحَكِيمٍ لا نِهايةَ لِحِكمَتِه.
— 134 —
فيُدرِكُ السَّائِحُ هذا، ويَقِيسُ على هاتَينِ الجَوهَرَتَينِ ما يَلِيهِما مِن وَظائِفِ الجِبالِ والصَّحارَى وحِكَمِها العَظِيمةِ عَظَمَةَ الجِبالِ وسَعَةَ الصَّحارَى، فيَرَى أنَّ الجِبالَ والصَّحارَى تَشهَدانِ وتُوَحِّدانِ بی «لا إِلٰه إلّا هُو» بلِسانِ جَمِيعِ حِكَمِها وبِلُغةِ جَمِيعِ وَظائِفِها، وبخاصّةٍ ادِّخارُها الِاحتِياطِيَّ مِنَ المَوادِّ، وأنَّ تلك الشَّهادةَ والتَّوحِيدَ هُما مِنَ القُوّةِ والرُّسُوخِ ما لِلشُّمِّ العَوالي، وهُما مِنَ الشُّمُولِ والسَّعَةِ ما لِلقِفارِ والصَّحارَى، فيُرَدِّدُ اللِّسانُ بِخُشُوعٍ: آمَنتُ باللهِ.
ولِبَيانِ هذا المَعنَى ذُكِر في المَرتَبةِ الخامِسةِ مِنَ المَقامِ الأوَّلِ ما يَأْتي:
(لا إِلٰهَ إِلّا اللهُ الواجِبُ الوُجُودِ الَّذي دَلَّ على وُجُوبِ وُجُودِه: جَمِيعُ الجِبالِ والصَّحارَى، بِجَمِيعِ ما فيها وما عَلَيْها، بِشَهادةِ عَظَمةِ إِحاطةِ حَقِيقةِ: الِادِّخارِ، والإِدارةِ، ونَشرِ البُذُورِ، والمُحافَظةِ، والتَّدبِيرِ الِاحتِياطِيّةِ الرَّبّانيّةِ الواسِعةِ العامّةِ المُنتَظِمةِ المُكَمَّلةِ بالمُشاهَدةِ).
وبَينَما كانَ ذلك المُسافِرُ يَجُولُ بِفِكرِه في الجِبالِ والصَّحارَى، انفَتَح أَمامَ فِكرِه بابُ عالَمِ "الأَشجارِ والنَّباتاتِ" يَدعُوه قائِلًا: "هَلُمَّ إِلَيْنا، وتَجَوَّلْ في رِياضِنا، واقْرَأْ سُطُورَنا".. فدَخَل ورَأَى أنَّ الأَشجارَ والنَّباتاتِ قد عَقَدَت مَجلِسًا فَخْمًا رائِعًا لِلتَّهلِيلِ والتَّوحِيدِ، وشَكَّلَت حَلْقةً مَهِيبةً لِلذِّكرِ والشُّكرِ؛ ففَهِمَ مِن أَلسِنةِ أَحوالِها كأَنَّها تَلهَجُ مَعًا، وتُرَدِّدُ بالإِجماعِ: «لا إِلٰهَ إلّا اللهُ».
ذلك أنَّه رَأَى ثَلاثَ حَقائِقَ كُبرَى كُلِّيّةً تَدُلُّ على أنَّ جَمِيعَ الأَشجارِ المُثمِرةِ وجَمِيعَ النَّباتاتِ المُزهِرةِ تُؤَدِّي شَهادَتَها مُسَبِّحةً، وتقُولُ مَعًا بِالأَلسِنةِ الفَصِيحةِ لِأَوراقِها المَوزُونةِ، وبِالكَلامِ الجَزِيلِ لِأَزهارِها الجَمِيلةِ، وبِالكَلِماتِ البَلِيغةِ لِأَثمارِها المُنتَظِمةِ: «لا إِلٰهَ إلّا هُو»:
أُولَاها: حَقِيقةُ الإِنعامِ والإِكرامِ المَقصُودَينِ، والإِحسانِ والِامتِنانِ الِاختِيارِيَّينِ، والَّتي يُحَسُّ مَعناها إِحساسًا ظاهِرًا في كلِّ نَباتٍ وشَجَرٍ.. مِثلَما هي حَقِيقةٌ واضِحةٌ وُضُوحَ ضَوءِ الشَّمسِ في الكُلِّ.
— 135 —
ثانيَتُها: حَقِيقةُ التَّميِيزِ والتَّفرِيقِ المَقصُودَينِ بحِكمةٍ، والتّزيِينِ والتَّصوِيرِ الِاختِيارِيَّينِ بِرَحْمةٍ، وهِي واضِحةٌ وُضُوحَ النَّهارِ حَقِيقةً ومَعنًى، فالتَّميِيزُ بينَ تلك الأَنواعِ والأَفرادِ غَيرِ المَحدُودةِ غَرَضٌ مَقصُودٌ، والِاختِلافُ والتَّبايُنُ بَينَها حِكْمةٌ مَطلُوبةٌ، ولَمَساتُ التَّجمِيلِ والتَّحسِينِ رَحْمةٌ مُرادةٌ؛ وهذه الحَقِيقةُ واضِحةٌ وُضُوحًا لا يَدَعُ مَجالًا قَطُّ لِنِسبَتِها إلى المُصادَفةِ، مِمّا يُظهِرُ عِيانًا أنَّها آثارُ الصّانِعِ الحَكِيمِ ونُقُوشُه البَدِيعةُ.
ثالِثتُها: حَقِيقةُ فَتحِ صُوَرِ المَصنُوعاتِ غَيرِ المَحدُودةِ، بِمِئاتِ الآلافِ مِنَ الأَنماطِ المُختَلِفةِ والأَشكالِ المُتَنوِّعةِ، مِن حَبّاتٍ مَعدُودةٍ مُتَشابِهةٍ، ومِن نَوًى مَحدُودةٍ مُتَماثِلةٍ، واستِنباتُها في غايةِ الِانتِظامِ والمِيزانِ، وبمُنتَهَى الزِّينةِ والجَمالِ، رَغمَ أنَّها بَسِيطةٌ جامِدةٌ ومُختَلِطةٌ بَعضُها بِبَعضٍ.
ففَتحُ صُوَرِ كلِّ فَردٍ مِن أَفرادِ تلك الأَنواعِ المُتَبايِنةِ الَّتي تَربُو على مِئَتَيْ أَلفِ نَوعٍ، كلٌّ على انفِرادٍ بانتِظامٍ كامِلٍ وبِمُوازَنةٍ تامّةٍ وبِحَيَوِيّةٍ وحِكْمةٍ وبِدُونِ خَطَأٍ ولا اختِلاطٍ، لَهُو حَقِيقةٌ ساطِعةٌ جَلِيّةٌ أَسطَعُ مِنَ الشَّمسِ.
ففَهِمَ السّائِحُ أنَّ هُناك شُهُودًا ودَلائِلَ إِثباتٍ على تلك الحَقِيقةِ بِعَدَدِ أَزهارِ الرَّبِيعِ، وبِعَدَدِ أَثمارِه، وبِعَدَدِ أَوْراقِه ومَوجُوداتِه، فعَبَّر عَمّا جاشَ في قَلبِه مِن مَعانٍ كَرِيمةٍ فقال: «الحَمدُ للهِ على نِعمةِ الإِيمانِ !».
ولِبَيانِ هذه الحَقائِقِ والشَّهاداتِ ذُكِرَ في المَرتَبةِ السّادِسةِ مِنَ المَقامِ الأَوَّلِ الآتي:
(لا إِلٰهَ إِلّا اللهُ الواجِبُ الوُجُودِ، الَّذي دَلَّ على وُجُوبِ وُجُودِه في وَحْدَتِه إِجماعُ جَمِيعِ أَنواعِ الأَشجارِ والنَّباتاتِ المُسَبِّحاتِ النّاطِقاتِ بِكَلِماتِ أَوْراقِها المَوزُوناتِ الفَصِيحاتِ، وأَزهارِها المُزَيَّناتِ الجَزِيلاتِ، وأَثمارِها المُنْتَظِماتِ البَلِيغاتِ، بِشَهادةِ عَظَمَةِ إِحاطةِ حَقِيقةِ الإِنعامِ والإِكرامِ والإِحسانِ بِقَصدٍ ورَحْمةٍ، وحَقِيقةِ التَّميِيزِ والتَّزيِينِ والتَّصوِيرِ بإِرادةٍ وحِكْمةٍ، معَ قَطْعِيَّةِ دَلالةِ حَقِيقةِ فَتحِ جَمِيعِ صُوَرِها المَوزُوناتِ المُزَيَّناتِ المُتَبايِنةِ المُتَنوِّعةِ غَيرِ المَحدُودةِ مِن نَواتاتٍ وحَبّاتٍ مُتَماثِلةٍ مُتَشابِهةٍ مَحصُورةٍ مَعدُودةٍ).
— 136 —
ثُمَّ إنَّ السَّائِحَ الشَّغُوفَ الَّذي ازدادَ بالتَّرقِّي ذَوقًا وشَوقًا، بَينَما كان عائِدًا مِن تلك السِّياحةِ الفِكرِيّةِ مُبتَهِجًا بِلَذّةِ وُقُوفِه على الحَقِيقةِ وعُثُورِه على جَنَّاتِ الإِيمانِ، راجِعًا مِن بُستانِ الرَّبِيعِ، حامِلًا مِن أَزهارِ المَعرِفةِ والإِيمانِ باقةً كَبِيرةً واسِعةً سَعَةَ الرَّبِيعِ نَفسِه، إِذا بِبابِ عالَمِ الطُّيُورِ والحَيَواناتِ يَنفَتِحُ إِزاءَ عَقلِه التَّوّاقِ لِلحَقِيقةِ وفِكرِه المُشتاقِ لِلمَعرِفةِ، فتَدعُوه تلك الطُّيُورُ والحَيَواناتُ بِمِئاتِ الأُلُوفِ مِنَ الأَصواتِ المُتَبايِنةِ والأَلسِنةِ المُختَلِفةِ، لِلدُّخُولِ إلى ذلك العالَمِ الفَسِيحِ، وتُرَحِّبُ بِمَقْدَمِه إلى عالَمِها..
فدَخَلَه ورَأَى أنَّ جَمِيعَ الطُّيُورِ وجَمِيعَ الحَيَواناتِ بِأَنواعِها وطَوائِفِها وأُمَمِها كافّةً تُرَدِّدُ مُتَّفِقةً: «لا إِلٰهَ إلّا هُو» بلِسانِ حالِها ومَقالِها، حتَّى لَكَأنَّ سَطْحَ الأَرضِ مَجلِسُ ذِكرٍ مَهِيبٌ، ومَجمَعُ تَهلِيلٍ عَظِيمٌ..
ورَأَى أنَّ كُلًّا مِنها يُمَثِّلُ بِحَدِّ ذاتِه قَصِيدةً رَبّانيّةً تَتَرنَّمُ بِآلاءِ الرُّبُوبِيّةِ، وكَلِمةً سُبحانيّةً ناطِقةً بِالتَّقدِيسِ لِبارِئِها، وحَرفًا رَحْمانيًّا ذا مَغزًى يَنِمُّ عنِ الرَّحمةِ الإِلٰهِيّةِ؛ فالجَمِيعُ يُثنُونَ على خالِقِهِم ويَصِفُونَه بِالحَمدِ والثَّناءِ، وكأَنَّ حَواسَّ تلك الطُّيُورِ والحَيَواناتِ ومَشاعِرَها وأَعضاءَها وآلاتِها وأَجهِزَتَها وقُواها، كَلِماتٌ مَوزُونةٌ مَنظُومةٌ، وكَلامٌ فَصِيحٌ بَلِيغٌ..
فشاهَدَ السَّائِحُ في ذلك ثَلاثَ حَقائِقَ عَظِيمةً مُحِيطةً، تَدُلُّ دَلالةً صادِقةً على أنَّ تلك الطُّيُورَ والحَيَواناتِ تُؤَدِّي شُكرَها تَجاهَ خَلّاقِها ورَزّاقِها بتِلك الكَلِماتِ، وتَشهَدُ على وَحْدانيَّتِه سُبحانَه بِذَلِك الكَلامِ:
أُولاها: حَقِيقةُ الإِيجادِ والصُّنعِ والإِبداعِ، وحَقِيقةُ الإِحياءِ ومَنحِ الرُّوحِ، الَّتي لا يُمكِنُ رَدُّها مُطلَقًا إلى المُصادَفةِ العَشواءِ والقُوَّةِ العَمْياءِ والطَّبِيعةِ الصَّمَّاءِ؛ إذ هي إِيجادٌ مِن عَدَمٍ يَقَعُ بحِكمةٍ، وإِبداعٌ مَقرُونٌ بإِتقانٍ، وخَلقٌ مَصحُوبٌ بإِرادةٍ، وإِنشاءٌ مَبنِيٌّ على عِلمٍ؛ وهِي تُظهِرُ بِجَلاءٍ تَجَلِّيَ "العِلمِ والحِكمةِ والإِرادةِ" بِعِشرِينَ وَجهًا، وهِي بُرهانٌ باهِرٌ على وُجُوبِ وُجُودِ «الحَيِّ القَيُّومِ» ، وشاهِدُ حَقٍّ على صِفاتِه السَّبعةِ الجَلِيلةِ، وآيةُ صِدْقٍ على وَحْدانيَّتِه جَلَّ وعَلا؛ أي: إِنَّ حَقِيقةَ الإِحياءِ تَدفَعُ إلى الوُجُودِ شُهُودَ إِثباتٍ بِعَدَدِ ذَوِي الأَرواحِ كُلِّها.
— 137 —
ثانِيتُها: حَقِيقةُ التَّميِيزِ والتَّزيِينِ والتَّصوِيرِ الَّتي تَتَّضِحُ مِن خِلالِ تلك المَصنُوعاتِ غَيرِ المَحدُودةِ الَّتي يَختَلِفُ بَعضُها عن بَعضٍ بعَلاماتٍ فارِقةٍ مُتَميِّزةٍ في الوُجُوهِ، وبِأَشكالٍ مُزَيَّنةٍ جَمِيلةٍ مُتَبايِنةٍ، وبِمَقادِيرَ مَوزُونةٍ دَقِيقةٍ مُختَلِفةٍ، وبِصُوَرٍ مُنتَظِمةٍ مُنَسَّقةٍ؛ فهِي حَقِيقةٌ قَوِيّةٌ عُظمَى بِحَيثُ لا إِمكانَ ولا احتِمالَ لِأَنْ يَمتَلِكَ هذا الفِعلَ المُحِيطَ الَّذي يُبْرِزُ یی عِيانًا یی أَلفًا مِنَ الحِكَمِ والخَوارِقِ سِوَى القادِرِ على كلِّ شَيءٍ والعالِمِ بكُلِّ شَيءٍ، وليس هُناك إِمكانٌ أوِ احتِمالٌ آخَرُ قَطُّ.
ثالِثتُها: حَقِيقةُ فَتحِ صُوَرِ تلك الحَيَواناتِ غَيرِ المَحدُودةِ بِمِئاتِ الآلافِ مِنَ الأَشكالِ والأَنماطِ، مِن بُيُوضٍ وبُوَيضاتٍ مُتَماثِلةٍ مَعدُودةٍ، ومِن قَطَراتٍ مَحدُودةٍ، مُتَشابِهةٍ أو مُختَلِفةٍ بِفارِقٍ طَفِيفٍ.. ففَتحُ تلك الصُّوَرِ یی الَّتي هي بِحَدِّ ذاتِها مُعجِزةُ الحِكْمةِ یی بانتِظامٍ كامِلٍ ومُوازَنةٍ تامّةٍ دُونَما خَطَأٍ ولا زِيادةٍ أو نُقصانٍ، إِنَّما هو حَقِيقةٌ ساطِعةٌ باهِرةٌ تَستَقِي نُورَها مِن دَلائِلَ وأَسانِيدَ بِعَدَدِ الحَيَواناِت جَمِيعِها.
وهكَذا شاهَدَ السَّائِحُ عالَمَ الطُّيُورِ والحَيَواناتِ، وتَلقَّى دَرسًا كامِلًا مِن دَلالةِ هذه "الحَقائِقِ الثَّلاثِ" المُتَّفِقةِ، دَلالةً واضِحةً على أنَّ جَمِيعَ أَنواعِ الحَيَواناتِ تَشهَدُ قائِلةً مَعًا: «لا إِلٰهَ إلّا هُو» ، حتَّى غَدَتِ الأَرضُ كَأنَّها إِنسانٌ ضَخمٌ جِدًّا، تُرَدِّدُ: «لا إِلٰهَ إلّا هُو» بِمِقدارِ عَظَمَتِها وضَخامَتِها، فتَملَأُ یی مِن شِدَّتِها وقُوَّتِها یی قُبّةَ السَّماءِ حتَّى يَسمَعَها أَهلُ السَّماواتِ.
ولِبَيانِ هذه الحَقائِقِ ذُكِر في المَرتَبةِ السَّابِعةِ مِنَ المَقامِ الأَوَّلِ ما يَأتِي:
(لا إِلٰهَ إِلّا اللهُ الواجِبُ الوُجُودِ، الَّذي دَلَّ على وُجُوبِ وُجُودِه في وَحْدَتِه اتِّفاقُ جَمِيعِ أَنواعِ الحَيَواناتِ والطُّيُورِ الحامِداتِ الشّاهِداتِ بِكَلِماتِ حَواسِّها وقُواها وحِسِّيَّاتِها ولَطائِفِها المَوزُوناتِ المُنتَظِماتِ الفَصِيحاتِ، وبِكَلِماتِ جِهازاتِها وجَوارِحِها وأَعضائِها وآلاتِها المُكَمَّلةِ البَلِيغاتِ، بِشَهادةِ عَظَمَةِ إِحاطةِ حَقِيقةِ الإِيجادِ والصُّنعِ والإِبداعِ بالإِرادةِ، وحَقِيقةِ التَّميِيزِ والتَّزيِينِ بِالقَصدِ، وحَقِيقةِ التَّقدِيرِ والتَّصوِيرِ بالحِكمةِ، معَ قَطْعِيَّةِ دَلالةِ حَقِيقةِ فَتحِ جَمِيعِ صُوَرِها المُنتَظِمةِ المُتَخالِفةِ المُتَنوِّعةِ الغَيرِ المَحصُورةِ مِن بَيْضاتٍ وقَطَراتٍ مُتَماثِلةٍ مُتَشابِهةٍ مَحصُورةٍ مَحدُودةٍ).
— 138 —
ثُمَّ أَرادَ هذا السَّائِحُ المُتَأَمِّلُ أن يَدخُلَ عالَمَ الإِنسانِ ودُنيا البَشَرِ، كي يَمْضِيَ قُدُمًا في مَراتِبَ غَيرِ مَحدُودةٍ لِلمَعرِفةِ الإِلٰهِيّةِ، ويَرقَى دَرَجةً أَعلَى في أَذواقِها، ومَنزِلةً أَسمَى في أَنوارِها غَيرِ المُتَناهِيةِ.
وعِندَها دَعَتْه إلى الدُّخُولِ صَفْوةُ البَشَرِ أَوَّلًا، وهُمُ "الأَنبِياءُ عَلَيهِم السَّلَام"، فدَخَل ومَضَى يَسبُرُ غَوْرَ الأَزمانِ قَبلَ كلِّ شَيءٍ، فرَأَى أنَّ جَمِيعَ "الأَنبِياءِ عَلَيهِم السَّلَام" یی وهُم خِيرةُ نَوعِ البَشَرِ وأَكمَلُهُم قاطِبةً یی يَذكُرُونَ بِلِسانٍ واحِدٍ ويُرَدِّدُونَ مَعًا بالإِجماعِ: «لا إِلٰهَ إلّا هُو» ، وهُم جَمِيعًا يَدعُونَ إلى التَّوحِيدِ الخالِصِ بقُوّةِ ما لا يُحَدُّ مِن مُعجِزاتِهِمُ الباهِرةِ المُصَدِّقةِ لَهُم ولِدَعواهُم؛ ورَأَى أنَّهُم جَمِيعًا يَدْعُونَ البَشَرِيّةَ إلى الإِيمانِ بِاللهِ، لِإِخراجِها مِن مَرتَبةِ الحَيَوانِيّةِ ورَفعِها إلى دَرَجةِ المَلَكيَّةِ.
لِذا فقد جَثا السَّائِحُ على رُكبَتَيه بأَدَبٍ جَمٍّ وتَوقِيرٍ عَظِيمٍ في أَرْوِقةِ تلك المَدرَسةِ النُّورانيّةِ، ورَأَى أنَّ بينَ يَدَيْ كُلٍّ مِن أُولَئِك الأَئِمّةِ الهُداةِ الأَعلامِ لِلبَشَرِيّةِ مُعجِزاتٍ وخَوارِقَ هي عَلائِمُ تَصدِيقٍ لَهُم مِن لَدُنْ رَبِّ العالَمِينَ سُبحانَه.. وأنَّه قد تَكَوَّنَت طائِفةٌ عَظِيمةٌ وأُمّةٌ غَفِيرةٌ مُصَدِّقةٌ مِنَ البَشَرِ، دَخَلَت حَظِيرةَ الإِيمانِ بِتَبلِيغِ كُلٍّ مِنهُم..
لِذا تَمَكَّن السَّائِحُ مِن قِياسِ مَدَى قُوَّةِ التَّوحِيدِ ورَصانَتِه، تلك الحَقِيقةِ الَّتي اتَّفَق على تَصدِيقِها أُولَئِك الصَّادِقُونَ الَّذِينَ يَرْبُونَ على مِئةِ أَلفٍ..
وفَهِم كَذلِك مَدَى الخَطَأِ الجَسِيمِ والجِنايةِ الكُبْرَى الَّتي يَرتَكِبُها أَهلُ الضَّلالةِ المُنكِرُونَ لِتلك الحَقِيقةِ الرَّاسِخةِ الَّتي تَملِكُ هذه القُوّةَ، والَّتي صَدَّقَها وأَيَّدَها هذا العَدَدُ مِنَ المُخبِرِينَ الصّادِقِينَ، وأَثبَتُوها بِمُعجِزاتِهِمُ الَّتي لا تُحَدُّ.. وأَدرَك كَذلِك مَدَى ما يَستَحِقُّونَه مِن عَذابٍ أَليمٍ خالِدٍ.. وعَرَف أَيضًا مَدَى صَوابِ وأَحَقِّيّةِ الَّذِينَ صَدَّقُوهُم وآمَنُوا بِهِم فدَخَلُوا حَظِيرةَ الإِيمانِ.. فبَدَت أَمامَه بذلك مَرتَبةٌ عُظمَى هائِلةٌ لِقُدسِيّةِ الإِيمانِ وسُمُوِّ التَّوحِيدِ.
نعم، إِنَّ المُعجِزاتِ الَّتي لا حَصْرَ لَها تَصدِيقٌ فِعلِيٌّ مِن لَدُنِ الحَقِّ سُبحانَه وتَعالَى لِلأَنبِياءِ عَلَيهِم السَّلَام، والصَّفَعاتِ السَّماوِيّةَ الَّتي نَزَلَت بِالمُنكِرِينَ المُعارِضِينَ لَهُم
— 139 —
أَظهَرَت أَحَقِّيَتَهُم وتَأيِيدَ اللهِ لَهُم، وكَمالاتِهِمُ الشَّخصِيّةَ وإِرشاداتِهِمُ السَّدِيدةَ دالّةٌ على أَنَّهُم على حَقٍّ أَبلَجَ، وقُوّةَ إِيمانِهِم وغايةَ جِدِّيَّتِهِم ونِهايةَ تَجَرُّدِهِم تَشهَدُ كُلُّها على صِدقِهِم وصَوابِ دَعوَتِهِم، وما في أَيدِيهِم مِنَ الكُتُبِ والصُّحُفِ المُقَدَّسةِ، وتَلامِيذَهُم غَيرَ المَحدُودِينَ الَّذِينَ بَلَغُوا الحَقِيقةَ وارتَقَوْا إلى الكَمالِ واهتَدَوْا إلى النُّورِ باتِّباعِهِم لَهُم، يَشهَدُ كُلُّها على أَحَقِّيّةِ سَبِيلِهم وصَوابِ طَرِيقِهِم.
وفَضْلًا عن كلِّ هذا، فإِنَّ إِجماعَ أُولَئِك المُبَلِّغِينَ الصَّادِقِينَ في المَسائِلِ المُثبَتةِ لَهُو حُجّةٌ قاطِعةٌ على صِدقِ الإِيمانِ، وقُوّةٌ عَظِيمةٌ تُعَزِّزُ حَقِيقَتَه، بِحَيثُ لا تَستَطِيعُ قَطعًا أَيّةُ قُوّةٍ في العالَمِ أن تُصارِعَها؛ فهِي حَقِيقةٌ دامِغةٌ تَنحَسِرُ أَمامَها كُلُّ شُبهةٍ أو رَيبٍ.
فعَلِمَ السَّائِحُ حِكمةَ كَونِ تَصدِيقِ الرُّسُلِ كافّةً رُكنًا مِن أَركانِ الإِيمانِ، وكَيفَ أنَّه يَنبُوعٌ دَفّاقٌ ومَصدَرُ قُوّةٍ عُظمَى لِإِيمانِه، فسَرْعانَ ما انكَبَّ يَغتَرِفُ مِن هذا اليَنبُوعِ الثَّرِّ.
وقد ذُكِرَ في المَرتَبةِ الثّامِنةِ مِنَ المَقامِ الأَوَّلِ ما يُفِيدُ مَعنَى الدَّرسِ المَذكُورِ لِهَذا السَّائِحِ:
(لا إِلٰهَ إلّا اللهُ الَّذي دَلَّ على وُجُوبِ وُجُودِه في وَحْدَتِه إِجماعُ جَمِيعِ الأَنبِياءِ بِقُوّةِ مُعجِزاتِهِمُ الباهِرةِ المُصَدِّقّةِ المُصَدَّقَةِ).
وحِينَما كان السَّائِحُ الطّالِبُ الَّذي تَذَوَّق مِن قُوّةِ الإِيمانِ مَذاقاتٍ سامِيةً، وتَنَسَّمَ أَنسامَ الحَياةِ صافِيةً خالِصةً، عائِدًا مِن مَجلِسِ "الأَنبِياءِ عَلَيهِم السَّلَام"، دَعَاه أُولَئِك الَّذِينَ أَثبَتُوا دَعاوَى الأَنبِياءِ بِعِلمِ اليَقِينِ، وأَقامُوا الحُجَجَ الدّامِغةَ على صِدْقِها مِنَ العُلَماءِ المُحَقِّقِينَ والمُجتَهِدِينَ المُتَبَحِّرِينَ، الَّذِينَ يُسَمَّونَ بی: «الأَصفِياءِ والصِّدِّيقِينَ».. دَعَاه أُولَئِك إلى مَدارِسِهِم..
فدَخَل ورَأَى مَجْمَعًا حافِلًا يَضُمُّ آلافَ العَباقِرةِ الأَفذاذِ، ومِئاتِ آلافِ المُدَقِّقِينَ مِن أَهلِ العِلمِ والتَّحقِيقِ، وهُم يُقِيمُونَ الدَّلائِلَ ويَنصِبُونَ البَراهِينَ، ويُثبِتُونَ یی بِتَدقِيقاتِهِمُ العَمِيقةِ الَّتي لا تُبقِي أَدنَى شُبْهةٍ یی المَسائِلَ الإِيمانيّةَ المُثبَتةَ، وفي مُقدِّمَتِها وُجُوبُ وُجُودِ الخالِقِ سُبحانَه ووَحْدانيَّتِه.
— 140 —
نعم، إِنَّ اتِّفاقَ أُولَئِك العُلَماءِ الفَطاحِلِ یی معَ تَفاوُتِ استِعداداتِهِم وتَبايُنِ مَواهِبِهِمُ الفِطْرِيّةِ واختِلافِ مَسالِكِهِم یی على أُصُولِ الإِيمانِ وأَركانِه، مُستَنِدًا كُلٌّ مِنهُم إلى بَراهِينِه القَوِيّةِ اليَقِينِيّةِ، لَهُو حُجَّةٌ قاطِعةٌ لا يُمكِنُ لِأَحَدٍ مُعارَضَتُها أو دَحْضُها أوِ المُماراةُ فيها، إِلّا إذا كان يَملِكُ ذَكاءً أَحَدَّ وأَرقَى مِن ذَكاءِ أُولَئِك الفُحُولِ، وكان بُرهانُه أَقوَى مِن بَراهِينِ الجَمِيعِ، وحُجَّتُه أَبلَغَ مِن حُجَّتِهِم جَمِيعًا! وهذا مُحالٌ.. لِذا لا يُمكِنُ مُجابَهَتُها إِلّا بِالجَهلِ والتَّجاهُلِ، والإِنكارِ والمُكابَرةِ فيما لا يُمكِنُ إِثباتُه مِنَ المَسائِلِ المَنفِيّةِ، أو بالعِنادِ وإِغماضِ العَينِ إِزاءَ ذلك النُّورِ.. والحالُ أنَّ مَن يُغمِضُ عَينَيه فقد جَعَل نَهارَه لَيْلًا فحَسْبُ.
ففَهِمَ السَّائِحُ أنَّ الأَنوارَ الَّتي نَشَرَها أَساتِذةُ هذه المَدرَسةِ الواسِعةِ المَهِيبةِ وعُلَماؤُها الأَجِلَّاءُ المُتَبحِّرُونَ، قد أَضاءَت شَطْرَ المَعمُورةِ خِلالَ أَلفٍ مِنَ السِّنِينَ؛ ووَجَدَ مِن هذا قُوّةً مَعنَوِيّةً هائِلةً تَنصَبُّ في كِيانِه وتَملَأُ جَوانِحَه، بِحَيثُ لوِ اجتَمَع أَهلُ الإِنكارِ وأَربابُ العِنادِ جَمِيعًا ما استَطاعُوا زَعْزَعَتَها ولو قِيدَ شَعْرةٍ.
وهكَذا ذُكِرَت إِشارةٌ مُختَصَرةٌ في المَرتَبةِ التَّاسِعةِ مِنَ المَقامِ الأَوَّلِ لِمَا اقتَبَسَه السّائِحُ في هذه المَدرَسةِ مِن دُرُوسٍ وعِبَرٍ كما يَأتِي:
(لا إِلٰهَ إِلّا اللهُ الَّذي دَلَّ على وُجُوبِ وُجُودِه في وَحْدَتِه اتِّفاقُ جَمِيعِ الأَصفِياءِ بِقُوّةِ بَراهِينِهِمُ الظّاهِرةِ المُحَقَّقةِ المُتَّفِقةِ).
وحِينَما كانَ يَؤُوبُ ذلك المُسافِرُ المُتَأَمِّلُ مِن مَدرَسةِ العُلَماءِ، أَلحَفَ علَيْه شَوقٌ مُلِحٌّ إلى زِيادةِ الإِيمانِ وانكِشافِه، واستَوْلَت علَيْه رَغبةٌ عارِمةٌ في رُؤْيةِ الأَنوارِ والأَذواقِ الَّتي هي في طَرِيقِ الِارتِقاءِ مِن دَرَجةِ عِلمِ اليَقِينِ إلى مَرتَبةِ عَينِ اليَقِينِ؛ فدَعاه أُلُوفُ ومُلَايِينُ «الأَولياءِ الصَّالِحِينَ» المُرشِدِينَ السَّامِينَ الَّذِينَ سَعَوْا إلى الحَقِيقةِ وبَلَغُوا الحَقَّ ووَصَلُوا مَرتَبةَ عَينِ اليَقِينِ، بِسُمُوِّهِم وعُرُوجِهِم تَحتَ ظِلِّ المِعراجِ الأَحمَدِيِّ، وعلى أَثَرِ الرَّسُولِ (ص) في الجادَّةِ المُحَمَّدِيّةِ الكُبرَى.. دَعاه هَؤُلاءِ إلى رِحابِ ذِكرٍ عَظِيمٍ بَهِيجٍ، ومَقامِ إِرشادٍ قَوِيمٍ كَرِيمٍ، يُشِعُّ فَيضًا ونُورًا يَمْلَأُ الأَرجاءَ كُلَّها، ويَتَدفَّقُ نابِعًا مِن تَلاحُقِ ما لا يُحَدُّ مِن تَكاياهُم وزَواياهُم ومَرابِطِهِم.
— 141 —
فدَخَل ورَأَى أنَّ أَهلَ الكَشفِ والكَراماتِ هَؤُلاءِ يُرَدِّدُونَ بالِاتِّفاقِ والإِجماعِ: «لا إِلٰهَ إلّا هُو» ، مُعلِنِينَ به وُجُوبَ وُجُودِ الرَّبِّ سُبحانَه وتَعالَى ووَحْدانيَّتَه، مُستَنِدِينَ إلى كَشفِيّاتِهِم وكَراماتِهِم ومُشاهَداتِهِم.
نعم، فكَما يُستَدَلُّ على الشَّمسِ بأَلوانِ ضِيائِها السَّبعةِ، فإِنَّ حَقِيقةَ التَّوحِيدِ كَذلِك يُصَدِّقُها هَؤُلاءِ الأَفذاذُ العارِفُونَ والجِهابِذةُ المُنَوَّرُونَ بالإِجماعِ والِاتِّفاقِ، وهُم يُمَثِّلُونَ أَهلَ الطُّرُقِ المُتَنوِّعةِ الصّادِقةِ، وأَصحابَ المَسالِكِ المُختَلِفةِ الصَّائِبةِ، وذَوِي المَشارِبِ العَدِيدةِ الحَقّةِ، الَّذِينَ اصْطَبَغُوا بِسَبعِينَ لَوْنًا، بل بِعَدَدِ أَسماءِ اللهِ الحُسنَى، مِنَ الأَلوانِ المُنَوَّرةِ المُتَبايِنةِ والأَنوارِ المُلَوَّنةِ المُختَلِفةِ المُتَجَلِّيةِ على القُلُوبِ والآفاقِ مِن نُورِ المُنَوِّرِ الأَزَليِّ.
وقد شاهَدَ السّائِحُ تَجَلِّيَ تلك الحَقِيقةِ الباهِرةِ بِعَينِ اليَقِينِ، لِذا رَأَى أنَّ حَقِيقةً يُجمِعُ علَيْها "الأَنبِياءُ عَلَيهِم السَّلَام"، ويَتَّفِقُ على صِدْقِها "العُلَماءُ الأَصفِياءُ"، ويَتَوافَقُ مَعَها "الأَولِياءُ الصَّالِحُونَ"، لَهِيَ حَقِيقةٌ أَسطَعُ مِن ضِياءِ النَّهارِ الدّالِّ على الشَّمسِ.
وهكَذا ذُكِرَت في المَرتَبةِ العاشِرةِ مِنَ المَقامِ الأَوَّلِ إِشارةٌ مُختَصَرةٌ إلى ما تَلَقّاه هذا المُسافِرُ مِن فَيضٍ في المَرابِطِ الصُّوفيّةِ وزَواياهُم:
(لا إِلٰهَ إلّا اللهُ الَّذي دَلَّ على وُجُوبِ وُجُودِه في وَحْدَتِه إِجماعُ الأَولياءِ بِكَشفِيّاتِهِم وكَراماتِهِمُ الظّاهِرةِ المُحَقَّقةِ المُصَدَّقةِ).
ثُمَّ إنَّ ذلك السّائِحَ أَرادَ بكُلِّ لَطائِفِه وقُواه أن يَزدادَ رُقِيًّا وسُمُوًّا في قُوّةِ الإِيمانِ وانكِشافِ مَعرِفَتِه للهِ، لِعِلمِه بأَنَّ مَحَبّةَ اللهِ النّاشِئةَ مِنَ الإِيمانِ باللهِ، والمُتَفَجِّرةَ مِن مَعرِفَتِه، هي أَعظَمُ كَمالٍ إِنسانِيٍّ وأَهَمُّه وأَوسَعُه، بل هي مَنبَعُ جَمِيعِ الكَمالاتِ وأَساسُها؛ لِذا رَفَع رَأْسَه ناظِرًا في السَّماواتِ وخاطَبَ عَقْلَه:
ما دامَتِ الحَياةُ هي أَغلَى شَيءٍ في الكَونِ، والمَوجُوداتُ كُلُّها مُسَخَّرةً لِلحَياةِ.. وبِما أنَّ أَثمَنَ ذَوِي الحَياةِ هُم ذَوُو الرُّوحِ، وأَرقَى ذَوِي الأَرواحِ هُم ذَوُو
— 142 —
الشُّعُورِ.. وما دامَتِ الكُرةُ الأَرضِيّةُ یی لِأَجلِ هذه المَنزِلةِ الرَّفِيعةِ یی تُخْلَى في كُلِّ عَصرٍ وفي كُلِّ سَنةٍ، وتُملَأُ بِاستِمرارٍ، تَكثِيرًا لِذَوِي الحَياةِ.. فلا بُدَّ یی ولا مَحالةَ یی أن يَكُونَ لِهَذِه السَّماواتِ العُلا المُزَيَّنةِ سُكَّانُها وأَهلُوها المُلائِمُونَ لها مِن ذَوِي الحَياةِ وذَوِي الأَرواحِ وذَوِي المَشاعِرِ؛ حتَّى نُقِلَت مُنذُ القَدِيمِ رِواياتٌ مُتَواتِرةٌ تُؤَكِّدُ رُؤْيةَ «المَلائِكةِ» والتَّكَلُّمَ مَعَهُم، كتَمَثُّلِ جِبرائِيلَ عَلَيهِ السَّلَام في صُورةِ إِنسانٍ وظُهُورِه أَمامَ الصَّحابةِ في مَجلِسِ الرَّسُولِ (ص).
فقال السَّائِحُ: لَيتَنِي أَحظَى بِشَرَفِ لِقاءِ أَهلِ السَّماواتِ! ولَيتَنِي أَقِفُ على ما عِندَهُم حَولَ حَقِيقةِ الإِيمانِ والتَّوحِيدِ! لِأنَّ أَهَمَّ شَهادةٍ في حَقِّ خالِقِ الكَونِ هي شَهادَتُهُم..
ولم يَكَدْ يُتِمُّ حَدِيثَه حتَّى سَمِع فَجْأةً كأنَّ هاتِفًا سَماوِيًّا يقُولُ: "ما دُمتَ تُرِيدُ لِقاءَنا والإِصغاءَ لِدَرسِنا، فاعْلَمْ أنَّ المَسائِلَ الإِيمانيّةَ الَّتي أُنزِلَت بواسِطَتِنا إلى جَمِيعِ الأَنبِياءِ وفي مُقدِّمَتِهِم مُحَمَّدٌ (ص) عَبْرَ القُرآنِ الكَرِيمِ، قد آمَنّا بِها نحنُ أَوَّلًا.. واعْلَمْ كَذلِك أنَّ جَمِيعَ الأَرواحِ الطَّيِّبةِ مِنّا والمُتَمَثِّلةِ المَرئيَّةِ لِلإِنسانِ قد شَهِدَت كُلُّها بالِاتِّفاقِ وبِلا استِثناءٍ على وُجُوبِ وُجُودِ خالِقِ الكَونِ وعلى وَحْدانيَّتِه وعلى صِفاتِه القُدسِيّةِ، وأنَّ ما أَخبَرَتْ بِه مِن إِخباراتٍ كَثِيرةٍ يُوافِقُ كلُّ واحِدٍ مِنها الآخَرَ ويُطابِقُه مُطابَقةً تامّةً.. فتَوافُقُ هذه الإِخباراتِ غَيرِ المَحدُودةِ وتَطابُقُها دَليلٌ لك كالشَّمسِ".
فوَعَى السَّائِحُ ما يَقصِدُونَه، وتَألَّقُ نُورُ إِيمانَه وسَطَع حتَّى عَرَج صاعِدًا إلى السَّماواتِ.
وهكَذا ذُكِرَت إِشارةٌ قَصِيرةٌ لِمَا أَخَذَه هذا السَّائِحُ مِن دَرسِ المَلائِكةِ في المَرتَبةِ الحادِيةَ عَشْرةَ مِنَ المَقامِ الأَوَّلِ:
(لا إِلٰهَ إِلاّ اللهُ الواجِبُ الوُجُودِ الَّذِي دَلَّ على وُجُوبِ وُجُودِه في وَحْدَتِه اتِّفاقُ المَلائِكةِ المُتَمَثِّلِينَ لِأَنظارِ النَّاسِ، والمُتَكلِّمِينَ معَ خَواصِّ البَشَرِ، بِأَخبارِهِمُ المُتَطابِقةِ المُتَوافِقةِ).
— 143 —
ثُمَّ إنَّ ذلك المُسافِرَ المُتَلَهِّفَ الشَّغُوفَ، بعدَ أن تَلَقَّى الدَّرسَ مِن أَلسِنةِ طَوائِفَ مُعَيَّنةٍ ومِن أَحوالِها، في عالَمِ الشَّهادةِ والجانِبِ الجُسمانِيِّ والمادِّيِّ مِنه، تاقَت نَفسُه إلى القِيامِ بِمَزِيدٍ مِنَ السِّياحةِ والرِّحلةِ والتَّحَرِّي والبَحثِ عنِ الحَقِيقةِ، فتَقَدَّمَ إلى مُطالَعةِ ما في عالَمِ الغَيبِ وعالَمِ البَرزَخِ أَيضًا، فانفَتَح أَمامَه بابُ «العُقُولِ المُستَقِيمةِ المُنَوَّرةِ والقُلُوبِ السَّلِيمةِ النُّورانيّةِ» الَّتي لا تَخلُو مِنها طائِفةٌ مِن طَوائِفِ البَشَرِ، فالعَقلُ والقَلبُ هُما بِحُكْمِ نَواةِ الإِنسانِ ولُبِّه، وبِفَضْلِهِما استَطاعَ أن يُصبِحَ ثَمَرةَ الكَونِ، ويَملِكانِ مِنَ القُدرةِ على الِانبِساطِ والِاتِّساعِ ما يُمكِنُهُما أن يَطْوِيَا العالَمَ كُلَّه رَغمَ صِغَرِهِما.
فرَأَى السَّائِحُ أنَّ القُلُوبَ والعُقُولَ بَرازِخُ إِنسانيّةٌ بَينَ عالَمَيِ الغَيبِ والشَّهادةِ، فالعَلاقاتُ والعَلاماتُ بينَ ذَينِكَ العالَمَينِ یی بالنِّسبةِ لِلإِنسانِ یی تَجرِي في تلك النِّقاطِ؛ لِذا خاطَبَ عَقلَه وقَلبَه مَعًا قائِلًا: "أَقبِلا، فإِنَّ أَقصَرَ الطُّرُقِ المُوصِلةِ إلى الحَقِيقةِ هي مِن بابِكُما، فهَيّا لِنَستَفِيدَ بمُطالَعَتِنا العُقُولَ والقُلُوبَ المُتَّصِفةَ بالإِيمانِ، ودِراسَتِنا كَيفِيّاتِهِما وأَلوانَهُما، فهذا دَرسٌ لا يُؤخَذُ مِنَ الأَلسِنةِ كما هي الحالُ في الطُّرُقِ الأُخرَى".
فباشَرَ يُقلِّبُ صَفَحاتِ العُقُولِ ويَنشُرُ صَفَحاتِ القُلُوبِ، مُنعِمًا النَّظَرَ مُطِيلًا الفِكْرَ، فرَأَى أنَّ جَمِيعَ العُقُولِ المُستَقِيمةِ المُنَوَّرةِ تَتَّفِقُ في العَقِيدةِ الرّاسِخةِ الواضِحةِ في الإِيمانِ والتَّوحِيدِ، وتَتَطابَقُ في اليَقِينِ الجازِمِ والِاقتِناعِ المُطْمَئِنِّ، رَغمَ التَّبايُنِ الواسِعِ في استِعداداتِها، والبُعدِ والمُخالَفةِ بينَ مَذاهِبِها.. ما يَعنِي أنَّها استَنَدَت وارتَبَطَت بِعَقِيدةٍ لا تَتبَدَّلُ، ودَخَلَت في حَقِيقةٍ مَتِينةٍ لا تَنفَصِمُ؛ لِذا فإِنَّ إِجماعَ هذه العُقُولِ في الإِيمانِ والوُجُوبِ والتَّوحِيدِ إِنَّما هو سِلسِلةٌ نُورانيّةٌ لا تَنقَطِعُ، ونافِذةٌ واسِعةٌ مُشْرِقةٌ تُطِلُّ على الحَقِيقةِ.
ورَأَى كَذلِك أنَّ جَمِيعَ القُلُوبِ السَّلِيمةِ النُّورانيّةِ تَتَوافَقُ فيما بَينَها في كَشفِيّاتِها ومُشاهَداتِها یی الَّتي هي ذاتُ اتِّفاقٍ واطْمِئْنانٍ وانجِذابٍ یی في أَركانِ الإِيمانِ، وتَتَطابَقُ في التَّوحِيدِ، رَغمَ تَباعُدِ مَسالِكِها وتَبايُنِ مَشارِبِها؛ ما يَعنِي أنَّ كلَّ قَلبٍ مِن هذه القُلُوبِ النُّورانِيّةِ عَرشٌ صَغِيرٌ جِدًّا تَستَوِي علَيْه المَعرِفةُ الرَّبّانيّةُ، ومِرآةٌ جامِعةٌ لِأَنوارِ التَّجَلِّياتِ
— 144 —
الصَّمَدانيّةِ، بِما يُقابِلُ الحَقِيقةَ ويُوصِلُ إِلَيْها ويَتَمثَّلُ بِها، فهِي إِذًا نَوافِذُ مُشرَعةٌ تُجاهَ شَمسِ الحَقِيقةِ، أي: إِنَّ هذه القُلُوبَ تُشَكِّلُ بِمَجمُوعِها مِرآةً عُظمَى واسِعةً كالبَحرِ أَمامَ تلك الشَّمسِ.
وفَهِمَ أنَّ اتِّفاقَ هذه القُلُوبِ والعُقُولِ وإِجماعَها في وُجُوبِ وُجُودِه سُبحانَه، وفي وَحْدانيَّتِه، لَهُو دَليلٌ أَكمَلُ ومُرشِدٌ أَكبَرُ لا يتَحَيَّرُ ولا يُحَيِّرُ؛ إذ ليس هُناك إِمكانٌ قَطُّ ولا احتِمالٌ قَطعًا یی بأَيّةِ جِهةٍ كانَت یی أن يَخدَعَ وَهْمٌ لا حَقِيقةَ له وفِكرٌ لا يَمُتُّ إلى الحَقِيقةِ بِصِلةٍ وصِفةٌ لا أَصلَ لها جَمِيعَ هذه العُيُونِ البَصِيرةِ النّافِذةِ الحادّةِ لِهَذِه الكَثْرةِ الكاثِرةِ مِن ذَوِي القُلُوبِ الصّافِيةِ والعُقُولِ الرَّزِينةِ، وأَنْ يَستَمِرَّ هذا الخِداعُ عَبرَ قُرُونٍ وبِرُسُوخٍ تامٍّ، أو أن يُوقِعَهُم جَمِيعًا في شِباكِ التَّموِيهِ والغَفْلةِ؛ فهل هُناك مَن يَجِدُ احتِمالًا كَهذا غيرُ مَن يَحمِلُ عَقلًا فاسِدًا عَفِنًا؟ بل حتَّى السُّوفْسَطائيُّونَ الحَمْقَى الَّذِينَ يُنكِرُونَ الكَونَ يَرُدُّونَه ولا يَرضَونَ به!
هكذا فَهِمَ السَّائِحُ، فقال مُنسَجِمًا معَ عَقلِه وقَلبِه: «آمَنتُ باللهِ».
وإِشارةً إلى المَعرِفةِ الإِيمانيّةِ مِمّا استَفادَ هذا السّائِحُ مِنَ العُقُولِ المُستَقِيمةِ والقُلُوبِ المُنَوَّرةِ، ذُكِرَ في المَرتَبةِ الثّانِيةَ عَشْرةَ والثّالِثةَ عَشْرةَ مِنَ المَقامِ الأَوَّلِ ما يَأتِي:
(لا إِلٰهَ إلّا اللهُ الواجِبُ الوُجُودِ الَّذي دَلَّ على وُجُوبِ وُجُودِه في وَحْدَتِه إِجماعُ العُقُولِ المُستَقِيمةِ المُنَوَّرةِ، باعتِقاداتِها المُتَوافِقةِ، وبِقَناعاتِها ويقِيناتِها المُتَطابِقةِ، معَ تَخالُفِ الِاستِعداداتِ والمَذاهِبِ؛ وكذا دَلَّ على وُجُوبِ وُجُودِه في وَحْدَتِه اتِّفاقُ القُلُوبِ السَّلِيمةِ النُّورانيّةِ، بِكَشفِيّاتِها المُتَطابِقةِ وبمُشاهَداتِها المُتَوافِقةِ، معَ تَبايُنِ المَسالِكِ والمَشارِبِ).
ثُمَّ إنَّ ذلك السَّائِحَ الَّذي نَظَر إلى عالَمِ الغَيبِ مِن قَرِيبٍ، وتَجَوَّل في عالَمَيِ العَقلِ والقَلبِ، أَخَذ يَطرُقُ بابَ ذلك العالَمِ بِهذا النَّمَطِ مِنَ التَّفكِيرِ: "يا تُرَى! ماذا يقُولُ عالَمُ الغَيبِ؟"، إذ ما دُمنا نَرَى في عالَمِ الشَّهادةِ الجُسمانِيِّ هذا أنَّ المُحتَجِبَ وَراءَ سِتارِ الغَيبِ سُبحانَه يُعَرِّفُ نَفسَه لنا بِهذا القَدْرِ الهائِلِ مِن مَصنُوعاتِه المُرَصَّعةِ المُتقَنةِ،
— 145 —
ويَسُوقُنا إلى مَحَبَّتِه بِهذا القَدْرِ الَّذي لا يُحصَى مِن نِعَمِه اللَّذِيذةِ الطَّيِّبةِ، ويُخبِرُنا عن كَمالاتِه الخَفِيّةِ بِهذا القَدْرِ الزّاخِرِ مِن آثارِه الخارِقةِ البَدِيعةِ.. نعم، إنَّ الَّذي يُعرِّفُ نَفسَه ويُحبِّبُها فِعلًا وبلِسانِ الحالِ الَّذي هو أَبيَنُ مِنَ الكَلامِ والتَّكلُّمِ، لا بُدَّ أنَّه سيَتَكلَّمُ قَولًا وتَكَلُّمًا مِثلَما يَتكَلَّمُ فِعلًا وحالًا، مُعرِّفًا نَفسَه ومُحَبِّبًا ذاتَه.
لِذا خاطَبَ السّائِحُ نَفسَه قائِلًا: "علَيْنا أن نَعرِفَه سُبحانَه مِن مَظاهِرِ أُلُوهيَّتِه ورُبُوبيَّتِه في عالَمِ الغَيبِ"، فغاصَ قَلبُه في الأَعماقِ، ورَأَى بِعَينِ عَقلِه أنَّ حَقِيقةَ «الوَحيِ الإِلٰهِيِّ» مُهَيمِنةٌ كلَّ حِينٍ على أَرجاءِ عالَمِ الغَيبِ كافّةً، بِظَواهِرَ في غايةِ القُوّةِ والوُضُوحِ؛ فتَأتِي الشَّهادةُ لِوُجُودِه وتَوحِيدِه سُبحانَه مِن لَدُنْ عَلّامِ الغُيُوبِ، وهِي شَهادةُ الوَحيِ والإِلهامِ، وهِي أَقوَى بِكَثِيرٍ مِن شَهادةِ الكائِناتِ والمَخلُوقاتِ، إِذ لا يَدَعُ سُبحانَه تَعرِيفَ ذاتِه ولا دَلائِلَ وُجُودِه ووَحْدانيَّتِه مَحصُورًا في شَهادةِ مَخلُوقاتِه وَحْدَها، بل يَتكَلَّمُ كَلامًا أَزَلِيًّا يَلِيقُ بِذاتِه، فلا حَدَّ ولا نِهايةَ لِكَلامِ مَن هو حاضِرٌ وناظِرٌ بِقُدرَتِه وعِلمِه في كلِّ مَكانٍ؛ ومِثلَما يُعرِّفُه مَعنَى كَلامِه، فإنَّ تَكَلُّمَه أَيضًا يُعرِّفُه بصِفاتِه.
نعم، إِنَّ تَواتُرَ مِئةِ أَلفٍ مِنَ "الأَنبِياءِ عَلَيهِم السَّلَام" واتِّفاقَهُم في جَمِيعِ إِخباراتِهِمُ الصَّادِرةِ مِنَ الوَحيِ الإِلٰهِيِّ، ودَلائِلَ ومُعجِزاتِ الكُتُبِ المُقَدَّسةِ والصُّحُفِ السَّماوِيّةِ الَّتي هي الوَحيُ المَشهُودُ وثِمارُه، والَّتي صَدَّقَتْها الأَكثَرِيّةُ المُطلَقةُ لِلبَشَرِيّةِ واقْتَدَت بِها، واهْتَدَت بِهَدْيِها.. جَعَل السَّائِحَ يَفهَمُ بَداهةً أنَّ الوَحيَ حَقِيقةٌ ثابِتةٌ لا مِراءَ فيها؛ وفَهِم كَذلِك أنَّ حَقِيقةَ الوَحيِ تُفِيدُ خَمسَ حَقائِقَ قُدسِيّةٍ وتُؤَكِّدُها وتُنَوِّرُها:
أُولَاها: أنَّ التَّكَلُّمَ وَفقَ مَفاهِيمِ البَشَرِ وبِمُستَوَى عَقلِيَّتِهِم هو الَّذي يُطلَقُ علَيْه: «التَّنزُّلاتُ الإِلٰهِيّةُ إلى عُقُولِ البَشَرِ».. نعم، إنَّ الَّذي أَنطَقَ جَمِيعَ ذَوِي الأَرواحِ مِن مَخلُوقاتِه ويَعلَمُ ما يتَكَلَّمُونَه، تَقتَضِي رُبُوبِيَّتُه أن يَصُبَّ مَعانِيَ كَلامِه الأَزَليِّ في كَلِماتٍ يَتيَسَّرُ لِلبَشَرِ تِلاوَتُها بينَ كَلامِهِم.
ثانيتُها: أنَّ الَّذي بَرَأ الوُجُودَ مُعجِزةً، ومَلَأَه بِمُعجِزاتِه الباهِرةِ لِتُفصِحَ عنه، وجَعَلَها أَلسِنةً ناطِقةً بكَمالاتِه، لا بُدَّ أنَّه سيُعَرِّفُ ذاتَه أَيضًا بكَلامِه هو.
— 146 —
ثالثتُها: أنَّ الَّذي يَستَمِعُ فِعلًا لِمُناجاةِ النّاسِ الحَقِيقِيِّينَ وشُكرِهِم، وهُم خُلاصةُ المَوجُوداتِ وزُبدَتُها وأَكثَرُهُم حاجةً وأَشَدُّهُم شَوقًا وأَرَقُّهُم لُطفًا، فإِنَّ مُقابَلةَ تلك المُناجاةِ والشُّكرِ بِكَلامِه سُبحانَه هي مِن شَأْنِ الخَلّاقيّةِ.
رابِعتُها: أنَّ صِفةَ المُكالَمةِ الَّتي هي ضَرُورِيّةٌ لازِمةٌ وظاهِرةٌ مُضِيئةٌ لِصَفَتَيِ "العِلمِ" و"الحَياةِ"، لا بُدَّ أن تُوجَدَ بصُورةٍ مُحِيطةٍ وبِسَرمَدِيّةٍ خالِدةٍ لَدَى مَن له عِلمٌ مُحِيطٌ وحَياةٌ سَرمَدِيّةٌ.
خامِستُها: أَنَّ الَّذي فَطَر مَخلُوقاتِه على العَجزِ والشَّوقِ، والفَقرِ والحاجةِ، والقَلَقِ مِنَ العاقِبةِ، ومَنَحَهُمُ المَحَبّةَ والعُبُودِيّةَ حتَّى أَصبَحُوا يُحِسُّونَ حُبًّا شَدِيدًا وشَوقًا غامِرًا نَحوَ مَعرِفةِ مَولاهُمُ الحَقِّ ومالِكِ أَمرِهِم، ويَشعُرُونَ بحاجَتِهِمُ الماسّةِ إلى قُوّةٍ يَستَنِدُونَ إِلَيْها ويَأوُونَ إلى كَنَفِها، وهُم يتَقَلَّبُونَ في فَقرٍ وعَجزٍ وتَوَجُّسٍ مِنَ العُقْبَى، فمِن مُقتَضَى أُلُوهِيَّتِه أن يُشعِرَهُم بِوُجودِه مِن خِلالِ تَكَلُّمِه سُبحانَه.
وهكَذا فَهِمَ السّائِحُ أنَّ الدَّلائِلَ الَّتي تَدُلُّ بالإِجماعِ على وُجُودِ واجِبِ الوُجُودِ، ووَحْدانيَّتِه سُبحانَه في عُمُومِ مَنازِلِ الوَحيِ السَّماوِيِّ المُتَضمِّنِ لِحَقائِقِ «التَّنزُّلاتِ الإِلٰهِيّةِ» و"التَّعرُّفِ الرَّبّانيِّ" و"المُقابَلةِ الرَّحمانيّةِ" و"المُكالَمةِ السُّبحانيّةِ" و"الإِشعارِ الصَّمَدانيِّ" هي حُجّةٌ كُبرَى، بل هي أَقوَى مِن شَهادةِ الشَّمسِ على نَفسِها في رابِعةِ النَّهارِ.
ثمَّ نَظَر إلى جِهةِ «الإِلهاماتِ» ، فرَأَى أنَّ الإِلهاماتِ الصّادِقةَ معَ أنَّها تَتَشابَهُ یی مِن جِهةٍ یی معَ الوَحيِ، مِن حَيثُ إِنَّها نَوعٌ مِنَ المُكالَمةِ الرَّبانيّةِ، إِلّا أنَّ هُنالِك فَرقَينِ:
أوَّلُهُما: أنَّ مُعظَمَ الوَحيِ الَّذي هو أَسمَى وأَعلَى مِنَ الإِلهامِ بِكَثيرٍ، إِنَّما يَتِمُّ بِواسِطةِ المَلائِكةِ، بَينَما أَغلَبُ الإِلهامِ يَتِمُّ دُونَ واسِطةٍ؛ ولِإِيضاحِ ذلك نُورِدُ المِثالَ الآتيَ:
مِنَ المَعلُومِ أنَّ هُنالِك شَكلَينِ مِن صُوَرِ التَّخاطُبِ وإِصدارِ الأَوامِرِ لِلسُّلطانِ:
الأوَّلُ: بِاسمِ الدَّولةِ وعَظَمَتِها وحاكِمِيَّتِها وسِيادَتِها على الجَمِيعِ، فيُرسِلُ أَحَدَ
— 147 —
مَبعُوثِيه إلى أَحَدِ وُلاتِه، ويَجتَمِعُ یی أَحيانًا یی معَه، ومِن ثَمَّ يُبلِّغُ الأَمرَ، وذلك إِظهارًا لِعَظَمةِ تلك الحاكِمِيّةِ وأَهَمِّيّةِ ذلك الأَمرِ.
الثّاني: بِاسمِه الشَّخصِيِّ، وليس باسمِ السَّلطَنةِ ولا بِعُنوانِ السُّلطانِ، فتكُونُ مُكالَمةً خُصُوصِيّةً، بِهاتِفِه الخاصِّ، في أَمرٍ خاصٍّ، وفي مُعامَلةٍ جُزئيّةٍ، معَ خادِمِه الخاصِّ، أو معَ واحِدٍ مِن عامَّةِ رَعِيَّتِه.
وكَذلِك كَلامُ سُلطانِ الأَزَلِ سُبحانَه وتَعالَى: فلَه كَلامٌ بالوَحيِ والإِلهامِ الشَّامِلِ یی الَّذي يقُومُ بِوَظائِفِ الوَحيِ یی يتَكَلَّمُ بِاسمِ رَبِّ العالَمِينَ، وبِعُنوانِ خالِقِ الكَونِ؛ وله أَيضًا طِرازٌ آخَرُ مِنَ الكَلامِ، وبِشَكلٍ خاصٍّ، ومِن وَراءِ حُجُبٍ وأَستارٍ، معَ كلِّ فَردٍ، ومعَ كلِّ ذِي حَياةٍ، حَسَبَ قابِلِيّاتِهِم، وذلك لِكَونِه رَبَّهُم وخالِقَهُم.
الفَرقُ الثّاني: أنَّ الوَحيَ صافٍ، ودُونَ ظِلٍّ، خاصٌّ لِلخَواصِّ؛ أمّا الإِلهامُ ففيه ظِلٌّ واختِلاطُ أَلوانٍ، وهُو عامٌّ وله أَشكالٌ مُتَنوِّعةٌ ومُتَفاوِتةٌ جِدًّا، كإِلهاماتِ المَلائِكةِ وإِلهاماتِ الإِنسانِ وإِلهاماتِ الحَيَواناتِ؛ وهِي بِأَنواعِها المُختَلِفةِ وأَشكالِها المُتَبايِنةِ جِدًّا تُبيِّنُ مَدَى سَعَةِ وكَثرةِ الكَلِماتِ الرَّبّانيّةِ الَّتي تَزِيدُ على عَدَدِ قَطَراتِ البِحارِ.. ففَهِمَ السّائِحُ مِن هذا وَجْهًا مِن وُجُوهِ تَفسِيرِ الآيةِ الكَرِيمةِ:
قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي
ثُمَّ نَظَر إلى ماهِيّةِ الإِلهامِ يَستَبطِنُ سِرَّه ويتَعَرَّفُ حِكمَتَه وشَهادَتَه، فرَأَى أنَّ ماهِيَّتَه وحِكمَتَه ونَتِيجَتَه تَتَركَّبُ مِن أَربَعةِ أَنوارٍ:
النُّورُ الأوَّلُ: ما يُعرَفُ بی"التَّودُّدِ الإِلٰهِيِّ"، فمِثلَما يتَوَدَّدُ اللهُ سُبحانَه إلى مَخلُوقاتِه عن طَرِيقِ أَفعالِه، فإِنَّ مِن مُقتَضَياتِ الوَدُودِيّةِ والرَّحمانيّةِ أن يتَحَبَّبَ إلَيْهِم ويتَوَدَّدَ قَولًا وحُضُورًا وصُحْبةً أَيضًا.
النُّورُ الثّاني: أنَّه مِثلَما يُجِيبُ سُبحانَه دُعاءَ عِبادِه بأَفعالِه، فإِنَّ مِن شَأنِ الرَّحِيمِيّةِ إِجابَتَه لَهُم قَولًا أَيضًا مِن وَراءِ الحُجُبِ.
— 148 —
النُّورُ الثّالثُ: أنَّه كما يُلَبِّي سُبحانَه بِالأَفعالِ استِمدادَ مَخلُوقاتِه المُصابِينَ بِالبَلايا العَسِيرةِ والنَّوائِبِ الشَّدِيدةِ واستِغاثَتَهُم وتَضَرُّعَهُم، فإِنَّ مِن لازِمِ الرُّبُوبِيّةِ أن يُؤنِسَهُم ويُبَدِّدَ وَحْشَتَهُم، فيُمِدَّهُم بِأَقوالٍ إِلهامِيّةٍ هي بِمَثابةِ نَوعِ مُكالَمةٍ.
النُّورُ الرّابعُ: أنَّه مِثلَما يُشعِرُ سُبحانَه فِعلًا بِوُجُودِه وحُضُورِه وحِمايتِه لِأَربابِ الشُّعُورِ مِن خَلقِه یی الَّذِينَ هُم في عَجزٍ وضَعفٍ شَدِيدَينِ، وفي فَقرٍ واضطِرارٍ كَبِيرَينِ، وفي أَشَدِّ الحاجةِ والشَّوقِ لِمَعرِفةِ مالِكِهِم وحامِيهِم ومُدَبِّرِهِم وحَفِيظِهِم یی فإِنَّه مِن مُقتَضَى رَأفةِ الأُلُوهِيّةِ ورَحمةِ الرَّبّانيّةِ، وضَرُورةٌ لازِمةٌ لَهُما، أن يُشعِرَ كَذلِك بِحُضُورِه ومَعِيَّتِه ووُجُودِه، بَعضًا مُعَيَّنًا مِن خَلْقِه على وَجهِ الخُصُوصِ، حَسَبَ قابِليَّتِه، بواسِطةِ قِسمٍ مِنَ الإِلهاماتِ الصّادِقةِ، قَولًا إلى هاتِفِ قَلبِه، مِمّا يُعَدُّ في حُكمِ نَوعٍ مِنَ المُكالَمةِ الرَّبّانيّةِ.
ثُمَّ نَظَر إلى شَهادةِ الإِلهامِ، فرَأَى أنَّه لو كانَت لِلشَّمسِ حَياةٌ وشُعُورٌ یی فَرْضًا یی وكانَتِ الأَلوانُ السَّبعةُ الَّتي في ضِيائِها یی فَرْضًا یی سَبعَ صِفاتٍ لها، لَكانَ لَها إِذًا نَمَطٌ مِنَ المُكالَمةِ بِأَشِعَّتِها وتَجَلِّياتِها الَّتي في ضِيائِها؛ ففِي هذه الحالةِ: فإِنَّ وُجُودَ صُورَتِها وانعِكاسَها في الأَشياءِ الشَّفّافةِ، بِمَعنَى تَكَلُّمِها معَ كلِّ مِرآةٍ عاكِسةٍ، ومعَ كلِّ شَيءٍ لَمّاع، ومعَ قِطَعِ الزُّجاجِ وحَبابِ البَحرِ وقَطَراتِه، حتَّى معَ الذَّرّاتِ الشَّفافةِ حَسَبَ قابِليّةِ كلٍّ مِنها.. واستِجابَتِها لِحاجاتِ كلٍّ مِنها.. كلُّ ذلك سيَكُونُ شاهِدَ صِدقٍ على وُجُودِ الشَّمسِ، وعلى عَدَمِ مُمانَعةِ فِعلٍ عن فِعلٍ، ولا مُزاحَمةِ كَلامٍ مِن كَلامِها لِآخَرَ..
فمِثلَما يُشاهَدُ هذا بِوُضُوحٍ، كَذلِك الأَمرُ في مُكالَمةِ سُلطانِ الأَزَلِ والأَبدِ ذِي الجَلالِ، وخالِقِ جَمِيعِ المَوجُوداتِ ذِي الجَمالِ، النُّورِ الأَزَليِّ، هي مُكالَمةٌ كُلِّيّةٌ ومُحِيطةٌ، كعِلمِه سُبحانَه وقُدرَتِه؛ لِذا يُدرَكُ بَداهةً تَجَلِّيها الواسِعُ حَسَبَ قابِليّةِ كُلِّ شَيءٍ، مِن دُونِ أن يُزاحِمَ سُؤالٌ سُؤالًا، ولا يَمنَعَ فِعلٌ فِعلًا، ولا يَختَلِطَ خِطابٌ بِخِطابٍ.
فعَلِمَ السّائِحُ بعِلمٍ يَقِينيٍّ أَقرَبَ ما يكُونُ إلى عَينِ اليَقِينِ أنَّ جَمِيعَ تلك التَّجَلِّياتِ والمُكالَماتِ والإِلهاماتِ كلٌّ مِنها وبِمَجمُوعِها تَدُلُّ وتَشهَدُ بالِاتِّفاقِ على وُجُوبِ ذلك المُنَوِّرِ الأَزَليِّ سُبحانَه، وعلى حُضُورِه سُبحانَه، وعلى وَحْدَتِه وعلى أَحَدِيَّتِه.
— 149 —
وهكَذا ذُكِرَت إِشارةٌ مُختَصَرةٌ إلى ما تَلقّاه هذا السّائِحُ المُتَلهِّفُ مِن دَرسِ المَعرِفةِ مِن عالَمِ الغَيبِ في المَرتَبةِ الرَّابِعةَ عَشْرةَ والخامِسةَ عَشْرةَ مِنَ المَقامِ الأوَّلِ:
(لا إِلٰهَ إلّا اللهُ الواجِبُ الوُجُودِ الواحِدُ الأَحَدُ، الَّذي دَلَّ على وُجُوبِ وُجُودِه في وَحْدَتِه إِجماعُ جَمِيعِ الوَحْياتِ الحَقَّةِ المُتَضَمِّنةِ لِلتَّنزُّلاتِ الإِلٰهِيَّةِ ولِلمُكالَماتِ السُّبحانيّةِ ولِلتَّعرُّفاتِ الرَّبَّانيَّةِ ولِلمُقابَلاتِ الرَّحمانيّةِ عندَ مُناجاةِ عِبادِه، ولِلإِشعاراتِ الصَّمَدانيَّة لِوُجُودِه لِمَخلُوقاتِه؛ وكذا دَلَّ على وُجُوبِ وُجُودِه في وَحْدَتِه اتِّفاقُ الإِلهاماتِ الصّادِقةِ المُتَضَمِّنةِ لِلتَّودُّداتِ الإِلٰهِيّةِ ولِلإِجاباتِ الرَّحمانيّةِ لِدَعَواتِ مَخلُوقاتِه، ولِلإِمداداتِ الرَّبَّانيَّةِ لِاستِغاثاتِ عِبادِه، ولِلإِحساساتِ السُّبحانيَّةِ لِوُجُودِه لِمَصنُوعاتِه).
ثُمَّ خاطَبَ ذلك السّائِحُ في الدُّنيا عَقلَه قائِلًا: ما دُمتُ أَبحَثُ عن مالِكِي وخالِقِي بِاستِنطاقِ مَوجُوداتِ هذا الكَونِ، فمِنَ الأَولَى لي أن أَزُورَ مَن هو أَكمَلُ إِنسانٍ في الوُجُودِ، وأَعظَمُ مَن يقُودُ إلى الخَيرِ یی حتَّى بِتَصدِيقِ أَعدائِه یی وأَعلاهُم صِيتًا وأَصدَقُهُم حَدِيثًا وأَسماهُم مَنزِلةً وأَنوَرُهُم عَقلًا، ألا وهُو مُحمَّدٌ (ص) الَّذي أَضاءَ بِفَضائِلِه وبِقُرآنِه أَربَعةَ عَشَرَ قَرنًا مِنَ الزَّمانِ.. ولِأَجلِ أن أَحظَى بزِيارَتِه الكَرِيمةِ وأَستَفسِرَ مِنه عَمّا أَبحَثُ عنه، يَنبَغِي أن نَذهَبَ معًا إلى خَيرِ القُرُونِ، إلى عَصرِ السَّعادةِ.. عَصرِ النُّبوّةِ..
فدَخَل بِعَقلِه إلى ذلك العَصرِ، فرَأَى أنَّ ذلك العَصرَ قد صارَ به (ص) عَصرَ سَعادةٍ لِلبَشَرِيّةِ حَقًّا، لِأنَّه (ص) قد حَوَّل في زَمَنٍ يَسِيرٍ بالنُّورِ الَّذي أَتَى به قَومًا غارِقِينَ في أَشَدِّ أُمِّيّةٍ وأَعرَقِ بَداوةٍ، حَوَّلَهُم إلى أَساتِذةِ العالَمِ وسادَتِه.
وكذا خاطَبَ عَقلَه قائِلًا: "علَيْنا قَبلَ كلِّ شَيءٍ أن نَعرِفَ شَيئًا عن عَظَمةِ هذه الذّاتِ المُعجِزةِ، وعن أَحَقِّيّةِ أَحادِيثِه، وصِدقِ أَخبارِه؛ ثُمَّ نَستَفسِرَ مِنه عن خالِقِنا سُبحانَه".. فباشَر بالبَحثِ، فوَجَد على صِدقِ نُبوَّتِه مِنَ الأَدِلّةِ القاطِعةِ الثّابِتةِ ما لا يُعَدُّ ولا يُحصَى، ولكِنَّه خَلُصَ إلى تِسعةٍ كُلِّيَّةٍ مِنها:
أوَّلُها: اتِّصافُه (ص) بِجَمِيعِ السَّجايا الفاضِلةِ والخِصالِ الحَمِيدةِ، حتَّى شَهِد بذلك غُرَماؤُه، وظُهُورُ مِئاتِ المُعجِزاتِ مِنه، كانشِقاقِ القَمَرِ الَّذي انشَقَّ إلى نِصفَينِ
— 150 —
بإِشارةٍ مِن إِصبِعِه كما نَصَّ علَيْه القُرآنُ: وَانْشَقَّ الْقَمَرُ، وانْهِزامُ جَيشِ عَدُوِّه بِحَفنةِ تُرابٍ رَماها في وُجُوهِهِم فدَخَلَتْ أَعيُنَهُم، كما نَصَّت علَيْه الآيةُ الكَرِيمةُ: وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى، وارتِواءُ أَصحابِه مِنَ الماءِ النَّابِعِ كالكَوثَرِ مِن بينِ أَصابِعِه الخَمسةِ المُبارَكةِ عِندَما اشتَدَّ بِهِمُ العَطَشُ.. وغَيرُها مِن مِئاتِ المُعجِزاتِ الَّتي ظَهَرَت بينَ يَدَيه، والمَنقُولةِ إِلَيْنا نَقلًا صَحِيحًا قاطِعًا أو مُتَواتِرًا.
فاستَطْلَعَها السّائِحُ إلى "المَكتُوبِ التّاسِعَ عَشَرَ" المُسَمَّى: "رِسالةَ المُعجِزاتِ الأَحمَدِيّةِ" تلك الرِّسالةِ الخارِقةِ ذاتِ الكَرامةِ المُتَضمِّنةِ لِأَكثَرَ مِن ثَلاثِ مِئةِ مُعجِزةٍ مِن مُعجِزاتِه (ص) بِدَلائِلِها القاطِعةِ وأَسانيدِها المَوثُوقةِ.
ثُمَّ حَدَّث نَفسَه قائِلًا: "إِنَّ مَن كانَ ذا "أَخلاقٍ حَسَنةٍ" بِهذا القَدرِ و"فَضائِلَ" إلى هذا الحَدِّ، و"مُعجِزاتٍ" باهِرةٍ بِهَذِه الكَثرةِ، فلا جَرَمَ أنَّه صاحِبُ أَصدَقِ حَدِيثٍ، ومَن ثَمَّ لا يُمكِنُ أَبدًا یی وحاشاه یی أن يتَنازَلَ إلى الحِيلةِ والكَذِبِ والتَّموِيهِ الَّتي هي دَأْبُ الفاسِدِينَ".
ثانيها: كَونُ القُرآنِ الَّذي بِيَدِه (ص) مُعجِزًا مِن سَبعةِ أَوجُهٍ، ذلك الأَمرِ الصّادِرِ مِن مالِكِ الكَونِ الَّذي يُسَلِّمُ به ويُصَدِّقُه أَكثَرُ مِن ثَلاثِ مِئةِ مِليُونٍ مِنَ البَشَرِ في كلِّ عَصرٍ.
ولَمّا كانَتِ "الكَلِمةُ الخامِسةُ والعِشرُونَ" المُسَمّاةُ "رِسالةَ المُعجِزاتِ القُرآنيّةِ" یی وهِي شَمسُ "رَسائِلِ النُّورِ" یی قد أَثبتَت بِدَلائِلَ قَوِيّةٍ أنَّ هذا القُرآنَ الكَرِيمَ مُعجِزٌ مِن أَربَعِينَ وَجهًا، وأنَّه كَلامُ رَبِّ العالَمِينَ، لِذا أَحالَ السَّائِحَ ذلك إلى تلك الرِّسالةِ المَشهُورةِ لِبَيانِها المُفَصَّلِ لِلإِعجازِ.
ثمَّ قالَ: إِنَّ الأَمِينَ على كَلامِ اللهِ، والمُتَرجِمَ الفِعليَّ له، والمُبَلِّغَ لِهَذا النَّبأِ العَظِيمِ إلى النّاسِ كافّةً، وهُو الحَقُّ بِعَينِه والحَقِيقةُ بِذاتِها، لا يُمكِنُ أنْ يَصدُرَ مِنه كَذِبٌ قَطُّ، ولن يكُونَ مَوضِعَ شُبهةٍ أَبدًا.
ثالثُها: إنَّه (ص) قد بُعِثَ بِشَرِيعةٍ مُطَهَّرةٍ، وبدِينٍ فِطْرِيٍّ، وبِعُبُودِيّةٍ خالِصةٍ، وبِدُعاءٍ خاشِعٍ، وبِدَعوةٍ شامِلةٍ، وبإِيمانٍ راسِخٍ، ما وُجِد مِثلُها ولا عُرِفَ أَكمَلُ مِنها مِن قَبْلُ ولا مِن بَعْدُ.
— 151 —
لِأَنَّ "الشَّرِيعةَ" الَّتي تَجَلَّت مِن أُمِّيٍّ (ص) وأَدارَت خُمُسَ البَشَرِيّةِ على اختِلافِها مُنذُ أَربَعةَ عَشَرَ قَرنًا، إِدارةً قائِمةً على الحَقِّ والعَدلِ بِقَوانينِها الدَّقِيقةِ الغَزِيرةِ، لا تَقبَلُ مَثِيلًا أَبدًا.
وكذا "الإِسلامُ" الَّذي صَدَر مِن أَفعالِ مَن هو أُمِّيٌّ (ص) ومِن أَقوالِه ومِن أَحوالِه، هو رائِدُ ومَصدَرُ ثَلاثِ مِئةِ مِليُونٍ مِنَ البَشَرِ ومَرجِعُهُم في كلِّ عَصرٍ، ومُعَلِّمٌ لِعُقُولِهِم ومُرشِدٌ لها، ومُنَوِّرٌ لِقُلُوبِهِم ومُهَذِّبٌ لها، ومُرَبٍّ لِنُفُوسِهِم ومُزَكٍّ لها، ومَدارٌ لِانكِشافِ أَرواحِهِم ومَعدِنٌ لِسُمُوِّها، لم يَأْتِ ولن يَأتِيَ له مَثِيلٌ.
وكَذا تَفَوُّقُه (ص) في جَمِيعِ أَنواعِ "العِباداتِ" الَّتي يَنطَوِي علَيْها دِينُه، وكَونُه أَتقَى النّاسِ وأَخشاهُم للهِ، وخَشيَتُه الشَّدِيدةُ مِنَ اللهِ، ومُجاهَدَتُه المُتَواصِلةُ، ورِعايَتُه الفائِقةُ لِأَدَقِّ أَسرارِ العُبُودِيّةِ حتَّى في أَشَدِّ الأَحوالِ والظُّرُوفِ، وقِيامُه (ص) بتِلك العُبُودِيّةِ الخالِصةِ مُبتَدِئًا دُونَ أن يُقلِّدَ أَحَدًا، وأَداؤُه لها بِتَمامِ مَعانِيها، جامِعًا بينَ مَبدَئِها ومُنتَهاها على الوَجهِ الأَكمَلِ، لا شَكَّ لم يُرَ ولن يُرَى له مَثِيلٌ.
وكذا فإِنَّه يَصِفُ "بالجَوشَنِ الكَبِيرِ" یی الَّذي هو واحِدٌ مِن آلافِ أَدعِيَتِه ومُناجاتِه یی يَصِفُ رَبَّه بِمَعرِفةٍ رَبّانيّةٍ سامِيةٍ لم يَبلُغِ العارِفُونَ والأَولياءُ جَمِيعًا تلك المَرتَبةَ مِنَ المَعرِفةِ، ولا دَرَجةَ ذلك الوَصفِ مُنذُ القِدَمِ، رَغمَ تَلاحُقِ الأَفكارِ.. مِمّا يُظهِرُ أنَّه لا مَثِيلَ له في "الدُّعاءِ"؛ ومَن يَنظُرُ إلى الإِيضاحِ المُختَصَرِ لِفِقْرةٍ واحِدةٍ مِن بينِ تِسعٍ وتِسعِينَ مِن فِقْراتِ الجَوشَنِ الكَبِيرِ یی وذلك في مُستَهَلِّ رِسالةِ "المُناجاةِ" یی لا يَسَعُه إلّا القَولُ بِأنَّه لا مَثِيلَ لِهَذا الدُّعاءِ الرّائِعِ "الجَوشَنِ" الَّذي يُمَثِّلُ قِمّةَ المَعرِفةِ الرَّبّانيّةِ.
وكذا فإِنَّ إِظهارَه في "تَبلِيغِ الرِّسالةِ" وفي دَعوَتِه النّاسَ إلى الحَقِّ مِنَ الصَّلابةِ والثَّباتِ والشَّجاعةِ ما لا يُقارِبُه أَحَدٌ، فلم يُداخِله یی ولو بمِقدارِ ذَرّةٍ یی أَيُّ أَثَرٍ لِلتَّردُّدِ ولا ساوَرَه القَلَقُ قَطُّ، ولم يَنَلِ الخَوفُ مِنه رَغمَ مُعاداةِ الدُّولِ الكُبْرَى والأَديانِ العُظمَى له، وحتَّى قَومُه وقَبِيلَتُه وعَمُّه ناصَبُوه العَداءَ الشَّدِيدَ، فتَحَدَّى وَحْدَه العالَمَ بأَسرِه، ونَصَرَه اللهُ وأَعَزَّه، فكَلَّل هامةَ الدُّنيا بِتاجِ الإِسلامِ، فمَن مِثلُ مُحمَّدٍ (ص) في تَبلِيغِ رِسالاتِ اللهِ؟..
— 152 —
وكذا حَمْلُه "إِيمانًا قَوِيًّا راسِخًا، ويَقِينًا جازِمًا خارِقًا، وانكِشافًا لِلفِطْرةِ مُعجِزًا، واعتِقادًا سامِيًا مَلَأ العالَمَ نُورًا"، فلم تتَمَكَّن أن تُؤثِّرَ فيه جَمِيعُ الأَفكارِ والعَقائِدِ وحِكمةُ الحُكَماءِ وعُلُومُ الزُّعَماءِ الرُّوحانيِّينَ المُهَيمِنةُ في ذلك العَصرِ، ولو بِشُبهةٍ، أو بِتَردُّدٍ، أو بِضَعفٍ، أو بِوَسوَسةٍ.. نعم، لم تتَمَكَّن أن تُؤثِّرَ لا في يَقِينِه، ولا في اعتِقادِه ولا في اعتِمادِه على اللهِ، ولا في اطمِئْنانِه إلَيْه، معَ مُعارَضَتِها له ومُخالَفَتِها إِيّاه، وإِنكارِها علَيْه.
زِدْ على هذا استِلهامَ جَمِيعِ الَّذِينَ تَرَقَّوا في المَعنَوِيّاتِ والمَراتِبِ الإِيمانيّةِ مِن أَهلِ الوِلايةِ والصَّلاحِ، وفي مُقدِّمَتِهِمُ الصَّحابةُ الكِرامُ، واستِفاضَتَهُم دَومًا مِن مَرتَبتِه الإِيمانيّةِ، ورُؤيَتَهُم له في أَسمَى الدَّرَجاتِ والمَراتِبِ.. كلُّ ذلك يُظهِرُ یی بَداهةً یی أنَّه لا نَظِيرَ له (ص) حتَّى في إِيمانِه.
فأَدرَك السَّيّاحُ وصَدَّق عَقلُه أنَّ مَن كانَ صاحِبَ هذه الشَّرِيعةِ السَّمحاءِ الَّتي لا مَثِيلَ لها، والإِسلامِ الحَنِيفِ الَّذي لا شَبِيهَ له، والعُبُودِيّةِ الخالِصةِ الَّتي لا نَظِيرَ لها، والدُّعاءِ البَدِيعِ الرّائِعِ، والدَّعوَى الكَونيّةِ الشّامِلةِ، والإِيمانِ المُعجِزِ، لم يَكُن لِيَكذِبَ قطُّ، ولن يكُونَ خادِعًا أَبدًا.
الدَّليلُ الرّابعُ: إِجماعُ الأَنبِياءِ عَلَيهِم السَّلَام واتِّفاقُهُم على الحَقائِقِ الإِيمانيّةِ نَفسِها هو دَليلٌ قاطِعٌ على وُجُودِ اللهِ سُبحانَه ووَحْدانيَّتِه، وهو شَهادةٌ صادِقةٌ أَيضًا على صِدقِ هذا النَّبيِّ (ص) وعلى رِسالَتِه، ذلك لِأنَّ كلَّ ما يَدُلُّ على صِدقِ نُبوّةِ أُولَئِك الأَنبِياءِ عَلَيهِم السَّلَام، وكلَّ ما هو مَدارٌ لِنُبوَّتِهِم مِنَ الصِّفاتِ القُدسِيّةِ، والمُعجِزاتِ، والمَهامِّ الَّتي اضطَلَعُوا بها، مَوجُودٌ بأَعلَى رُتبةٍ وأَكمَلِها فيه (ص)، كما هو مُصَدَّقٌ تارِيخِيًّا.
فأُولَئِك الأَنبِياءُ عَلَيهِم السَّلَام قد أَخبَرُوا بِلِسانِ المَقالِ في التَّوراةِ والإِنجِيلِ والزَّبُورِ والصُّحُفِ الَّتي بينَ أَيدِيهِم بِمَجِيءِ هذه الذّاتِ المُبارَكةِ، وبَشَّرُوا النّاسَ بِقُدُومِه (ص) (حتَّى إنَّ أَكثَرَ مِن عِشرِينَ إِشارةً واضِحةً ظاهِرةً مِنَ الإِشاراتِ المُبشِّرةِ لِتِلك الكُتُبِ المُقَدَّسةِ قد بُيِّنَت بَيانًا جَلِيًّا وأُثبِتَت في "رِسالةِ المُعجِزاتِ الأَحمَدِيّةِ")؛ فكَما أنَّهُم قد بَشَّرُوا بِمَجِيئِه (ص)، فإِنَّهُم يُصَدِّقُونَه (ص) بلِسانِ حالِهِم یی أي: بنُبوَّتِهِم وبِمُعجِزاتِهِم یی
— 153 —
ويَختِمُونَ بالتَّأيِيدِ على صِدقِ دَعوَتِه، إذ هو السّابقُ الأَكمَلُ في مُهِمّةِ النُّبوّةِ والدَّعوةِ إلى اللهِ.
فأَدرَك السّائِحُ أنَّ أُولَئِك الأَنبِياءَ مِثلَما يَدُلُّونَ بلِسانِ المَقالِ والإِجماعِ على الوَحْدانيّةِ، فإِنَّهُم يَشهَدُونَ بلِسانِ الحالِ وبالِاتِّفاقِ كَذلِك على صِدقِ هذا النَّبيِّ الكَرِيمِ (ص).
الدَّليلُ الخامِسُ: إِنَّ وُصُولَ آلافِ الأَولياءِ إلى الحَقِّ والحَقِيقةِ، وما نالُوه مِنَ الكَمالاتِ والكَراماتِ، وما فازُوا به مِنَ الكَشفِيّاتِ والمُشاهَداتِ، ليس إِلّا بالِاقتِداء بِهَدْيِ دَساتيرِ هذا النَّبِيِّ (ص)، وبِتَربِيَتِه، وبِاتِّباعِه، واقتِفاءِ أَثَرِه؛ فمِثلَما أنَّهُم يَدُلُّونَ جَمِيعًا على الوَحْدانيّةِ، فهُم يَشهَدُونَ بالإِجماعِ والِاتِّفاقِ على صِدقِ هذا النَّبيِّ الكَرِيمِ (ص) یی أُستاذِهِم وإِمامِهِم یی وعلى أَحَقِّيّةِ رِسالَتِه.
فرَأَى السَّائِحُ أنَّ مُشاهَدةَ هَؤُلاءِ الأَولياءِ بَعضًا مِن إِخباراتِه (ص) عن عالَمِ الغَيبِ بِنُورِ الوِلايةِ، واعتِقادَهُم به وتَصدِيقَهُم لِجَمِيعِ ما أَخبَر به بِنُورِ الإِيمانِ له یی إِمّا بعِلمِ اليَقِينِ أو بِعَينِ اليَقِينِ أو بِحَقِّ اليَقِينِ یی إِنَّما يُجَلِّي كالشَّمسِ: ما أَصدَقَ مُرشِدَهُمُ الأَعظَمَ! وما أَحَقَّ رائِدَهُمُ الأَكبَرَ (ص)!
الدَّليلُ السَّادِسُ: إِنَّ مَلايِينَ العُلَماءِ الأَصفِياءِ المُدقِّقِينَ، والمُحَقِّقِينَ الصِّدِّيقِينَ، وعَباقِرةَ الحُكَماءِ المُؤمِنِينَ، مِمَّن بَلَغُوا أَعلَى المَراتِبِ بِفَضلِ ما تَلَقَّوا وتَتَلمَذُوا على ما جاءَ به هذا النَّبِيُّ الكَرِيمُ (ص) یی معَ كَونِه أُمِّيًّا یی مِنَ الحَقائِقِ القُدسِيّةِ، وما أَوجَدَه مِنَ العُلُومِ العالِيةِ، وما كَشَفَه مِنَ المَعرِفةِ الإِلٰهِيّةِ.. إِنَّ هَؤُلاءِ جَمِيعًا مِثلَما يُثبِتُونَ الوَحْدانيّةَ الَّتي هي الأَساسُ لِدَعوَتِه (ص) ويُصَدِّقُونَها مُتَّفِقِينَ بِبَراهِينِهِمُ القاطِعةِ، فإِنَّهُم يتَّفِقُونَ كَذلِك ويَشهَدُونَ على صِدقِ هذا المُعَلِّمِ الأَكبَرِ وصَوابِ هذا الأُستاذِ الأَعظَمِ وعلى أَحَقِّيّةِ كَلامِه (ص).. فشَهادَتُهم هذه حُجّةٌ واضِحةٌ كالنَّهارِ على صِدقِه وصَوابِ رِسالَتِه، وما "رَسائِلُ النُّورِ" بِأَجزائِها الَّتي تَزِيدُ على المِئةِ یی مَثلًا یی إِلّا بُرهانٌ واحِدٌ فقط على صِدقِ هذا النَّبِيِّ الحَبِيبِ (ص).
— 154 —
الدَّليلُ السَّابعُ: الطّائِفةُ العَظِيمةُ الَّتي يُطلَقُ علَيْها: "الآلُ والأَصحابُ" والَّذِينَ هم أَشهَرُ بَني البَشَرِ بعدَ الأَنبِياءِ فِراسةً وأَكثَرُهُم دِرايةً، وأَسماهُم كَمالاتٍ وأَفضَلُهُم مَنزِلةً، وأَعلاهُم صِيتًا، وأَشَدُّهُمُ اعتِصامًا بالدِّينِ، وأَبعَدُهُم نَظَرًا... إِنَّ تَحَرِّيَ هَؤُلاءِ وتَفتِيشَهُم وتَدقِيقَهُم لِجَمِيعِ ما خَفِيَ وما ظَهَرَ مِن أَحوالِ هذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ (ص) وأَفكارِه وتَصَرُّفاتِه بَحثًا بِكَمالِ اللَّهفةِ والشَّوقِ، وبغايةِ الدِّقّةِ، وبِمُنتَهَى الجِدِّيّةِ، ثمَّ تَصدِيقَهُم بالِاتِّفاقِ والإِجماعِ أنَّه (ص) هو أَصدَقُ مَن في الدُّنيا حَدِيثًا، وأَسماهُم مَكانةً وأَشَدُّهُمُ اعتِصامًا بالحَقِّ والحَقِيقةِ.. فتَصدِيقُهُم هذا الَّذي لا يَتَزعْزَعُ معَ ما يَملِكُونَ مِن إِيمانٍ عَمِيقٍ، إِنَّما هو دَليلٌ باهِرٌ كدَلالةِ النَّهارِ على ضِياءِ الشَّمسِ.
الدَّليلُ الثّامِنُ: إِنَّ هذا الكَونَ مِثلَما يَدُلُّ على صانِعِه، وكاتِبِه، ومُصَوِّرِه الَّذي أَوجَدَه، والَّذي يُدِيرُه، ويُرَتِّبُه، ويتَصَرَّفُ فيه تَصوِيرًا وتَقدِيرًا وتَدبِيرًا كأنَّه قَصرٌ باذِخٌ، أو كأنَّه كِتابٌ كَبِيرٌ، أو كأنَّه مَعرِضٌ بَدِيعٌ، أو كأنَّه مُتَنزَّهٌ عَظِيمٌ، فهُو كَذلِك يَقتَضِي لا مَحالةَ وُجُودَ مَن يُعبِّرُ عَمّا في هذا الكِتابِ الكَبِيرِ مِن مَعانٍ، ويَعلَمُ ويُعَلِّمُ المَقاصِدَ الإِلٰهِيّةَ مِن وَراءِ خَلقِ الكَونِ، ويُعَلِّمُ الحِكَمَ الرَّبّانيّةَ في تَحَوُّلاتِه وتَبَدُّلاتِه، ويُدَرِّسُ نَتائِجَ حَرَكاتِه الوَظِيفيّةِ، ويُعلِنُ قِيمةَ ماهِيَّتِه وكَمالاتِ ما فيه مِنَ المَوجُوداتِ، أي: يَقتَضِي داعِيًا عَظِيمًا، ومُنادِيًا صادِقًا، وأُستاذًا مُحَقِّقًا، ومُعَلِّمًا بارِعًا.
فأَدرَك السَّائِحُ: أنَّ الكَونَ یی مِن حَيثُ هذا الِاقتِضاءُ یی يَدُلُّ ويَشهَدُ على صِدقِ هذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ (ص) وصَوابِه الَّذي هو أَفضَلُ مَن أَتَمَّ هذه الوَظائِفَ والمُهِمّاتِ، وعلى كَونِه أَفضَلَ وأَصدَقَ مَبعُوثٍ لِرَبِّ العالَمِينَ.
الدَّليلُ التَّاسِعُ: ما دامَ ثَمّةَ وَراءَ الحِجابِ مَن يُشهِرُ كَمالَاتِ إِبداعِه بِمَصنُوعاتِه هذه ذاتِ الإِتقانِ والحِكمةِ.. ويُعرِّفُ نَفسَه ويُحَبِّبُها بِمَخلُوقاتِه غَيرِ المَحدُودةِ ذاتِ الزِّينةِ والجَمالِ.. ويُوجِبُ الشُّكرَ والحَمدَ له، بنِعَمِه الَّتي لا تُحصَى ذاتِ اللَّذّةِ والنَّفاسةِ.. ويُشَوِّقُ الخَلقَ إلى العِبادةِ نَحوَ رُبُوبِيَّتِه بِعُبُودِيّةٍ تَتَّسِمُ بالحُبِّ والِامتِنانِ والشُّكرِ إِزاءَ هذه التَّربِيةِ، والإِعاشةِ العامّةِ، ذاتِ الشَّفَقةِ والحِمايةِ، حتَّى إنَّه يُهَيِّئُ أَطعِمةً
— 155 —
وضِيافاتٍ رَبّانيّةً تُطَمْئِنُ أَدَقَّ أَذواقِ الأَفواهِ وجَمِيعَ أَنواعِ الِاشتِهاءِ.. ويُدِينُ الخَلقَ إلى الإِيمانِ والتَّسلِيمِ والِانقِيادِ والطّاعةِ نَحوَ أُلُوهِيَّتِه الَّتي يُظهِرُها بِتَبدِيلِ المَواسِمِ، وتَكوِيرِ اللَّيلِ على النَّهارِ، واختِلافِهِما، وأَمثالِها مِنَ التَّصَرُّفاتِ العَظِيمةِ، والإِجراءاتِ الجَلِيلةِ، والفَعّاليّةِ المُدهِشةِ، والخَلّاقيّةِ الحَكِيمةِ.. ويُظهِرُ عَدالَتَه وانتِصافَه بِحِمايَتِه دَومًا البِرَّ والأَبرارَ، ومَحْقِه الشَّرَّ والأَشرارَ، وإِهلاكِه الظّالِمِينَ والكاذِبِينَ بِنَوازِلَ سَماوِيّةٍ.
فلا جَرَمَ، أنَّ أَحَبَّ مَخلُوقٍ لَدَى ذلك الذَّاتِ الغَيبِيِّ، وأَصدَقَ عَبدٍ له، هو مَن كانَ عامِلًا خالِصًا لِمَقاصِدِه المَذكُورةِ آنِفًا، ومَن يَحُلُّ السِّرَّ الأَعظَمَ في خَلقِ الكَونِ ويَكشِفُ مُعَمَّاه، ومَن يَسعَى دَومًا بِاسمِ خالِقِه، ويَستَمِدُّ القُوّةَ مِنه، ويَستَعِينُ به وَحدَه في كلِّ شَيءٍ، فيَنالُ المَدَدَ والتَّوفِيقَ مِنه سُبحانَه.. ومَن ذا يكُونُ غَيرَ مُحَمَّدٍ القُرَشِيِّ علَيْه الصَّلاةُ والسَّلامُ؟!
ثُمَّ خاطَبَ السَّائِحُ عَقلَه: "لَمّا كانَت هذه الحَقائِقُ التِّسعُ شاهِدَ إِثباتٍ على صِدقِ هذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ (ص)، فلا رَيبَ إِذًا: أنَّه قُطْبُ شَرَفِ البَشَرِيّةِ، ومَدارُ افتِخارِ العالَمِ، وأنَّه حَرِيٌّ ولائِقٌ تَسمِيَتُه بِشَرَفِ بَنِي آدَمَ، وتَلقِيبُه بفَخرِ العالَمِينَ؛ وأنَّ ما في يَدِه مِن أَمرِ الرَّحمٰنِ وهُو القُرآنُ الكَرِيمُ المُهَيمِنُ جَلالُ سُلطانِه المَعنَوِيِّ على نِصفِ الأَرضِ مع ما يَملِكُ مِن كَمالاتِه الشَّخصِيّةِ وخِصالِه السَّامِيةِ، يُظهِرانِ أنَّ أَعظَمَ إِنسانٍ في الوُجُودِ هو هذا النَّبِيُّ العَظِيمُ، فالقَولُ الفَصلُ إِذًا بِحَقِّ خالِقِنا سُبحانَه هو قَولُه (ص)".
فتَعالَ يا عَقلِي وتَأَمَّلْ: إِنَّ أَساسَ جَمِيعِ دَعاوَى هذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ (ص)، وغايةَ حَياتِه كُلِّها، إِنَّما هي الشَّهادةُ على وُجُودِ واجِبِ الوُجُودِ، والدَّلالةُ على وَحْدانيَّتِه، وبَيانُ صِفاتِه الجَلِيلةِ، وإِظهارُ أَسمائِه الحُسنَى، وإِثباتُ كُلِّ ذلك، وإِعلانُه، وإِعلامُه؛ استِنادًا إلى ما في دِينِه مِن أُلُوفِ الحَقائِقِ الرّاسِخةِ الأَساسِ، وإلى قُوّةِ ما أَظهَرَه اللهُ على يَدِه مِن مِئاتٍ مِن مُعجِزاتِه القاطِعةِ الباهِرةِ.
إذًا، إِنَّ الشَّمسَ المَعنَوِيّةَ الَّتي تُضِيءُ هذا الكَونَ، والبُرهانَ السَّاطِعَ على وُجُودِ خالِقِنا سُبحانَه ووَحْدانيَّتِه، إِنَّما هو هذا النَّبِيُّ الكَرِيمُ المُلَقَّبُ بی"حَبِيبِ اللهِ" (ص).. فهُنالِك ثَلاثةُ إِجماعاتٍ كُبرَى لا تَخدَعُ ولا تَنخَدِعُ، تُؤيِّدُ شَهادَتَه وتُصَدِّقُها:
— 156 —
الأوَّلُ: إِجماعُ الَّذِينَ اشتَهَرُوا، وتَمَيَّیزُوا في العالَمِ بِاسمِ (آلِ مُحَمَّدٍ (ص))، تلك الجَماعةِ النُّورانيّةِ الَّتي يتَقَدَّمُها الإِمامُ عَلِيٌّ رَضِيَ الله عَنهُ الَّذي قال: "لو رُفِعَ الحِجابُ ما ازْدَدتُ يَقِينًا"، وخَلْفَه آلافُ الأَولياءِ العِظامِ مِن ذَوِي البَصائِرِ الحادّةِ والنَّظَرِ البَصِيرِ بِالغَيبِ، مِن أَمثالِ الشَّيخِ الگَيلانِيِّ (قُدِّسَ سِرُّه) الَّذي كانَ يُشاهِدُ بِبَصِيرَتِه النَّافِذةِ یی وهُو على الأَرضِ یی العَرشَ الأَعظَمَ وعَظَمَةَ مِثالِ إِسرافِيلَ عَلَيهِ السَّلَام.
الثَّاني: إِجماعُ تلك الجَماعةِ المَعرُوفةِ بِالصَّحابةِ الكِرامِ المَشهُورِينَ في العالَمِ رِضوانُ اللهِ تَعالَى علَيْهِم أَجمَعِينَ، وتَصدِيقُهُم بالِاتِّفاقِ وبإِيمانٍ راسِخٍ قَوِيٍّ لِهَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ، حتَّى ساقَهُم ذلك إلى التَّضحِيةِ والفِداءِ بِأَرواحِهِم وأَموالِهِم وآبائِهِم وعَشِيرَتِهِم، وهُمُ الَّذِينَ كانُوا قَومًا مِنَ البَدْوِ يَقطُنُونَ في مُحِيطٍ أُمِّيٍّ خالٍ مِن مَظاهِرِ الحَياةِ الِاجتِماعِيّةِ والأَفكارِ السِّياسِيّةِ، ليس لَهُم هُدًى ولا كِتابٌ مُنِيرٌ، مَغمُورِينَ في ظُلمةِ عَصرِ "الفَتْرةِ"، فصارُوا في زَمَنٍ يَسِيرٍ أَساتِذةً مُرشِدِينَ وساسةً وحُكَّامًا عادِلِينَ لِأَرقَى الأُمَمِ حَضارةً وعِلمًا واجتِماعًا وسِياسةً، فحَكَمُوا العالَمَ شَرقًا وغَربًا، ورَفْرَفَت راياتُ عَدالَتِهِم بَرًّا وبَحرًا.
الثّالثُ: هو تَصدِيقُ الجَماعةِ العَظِيمةِ مِنَ العُلَماءِ الأَجِلّاءِ الَّذِينَ لا يُعَدُّونَ ولا يُحصَونَ، المُتَبحِّرِينَ في عُلُومِهِم والمُحَقِّقِينَ المُدَقِّقِينَ، الَّذِينَ نَشَؤُوا في أُمَّتِه (ص) وسَلَكُوا مَسالِكَ شَتَّى، ولَهُم في كُلِّ عَصرٍ آلافٌ مِنَ الحائِزِينَ قَصَبَ السَّبقِ بعَبقَرِيَّتِهم في كلِّ عِلمٍ.. فتَصدِيقُ هَؤُلاءِ جَمِيعًا له بِالِاتِّفاقِ وبِدَرَجةِ عِلمِ اليَقِينِ إِجماعٌ أَيُّ إِجماعٍ!
فحَكَم السَّائِحُ بأَنَّ شَهادةَ هذا النَّبِيِّ الأُمِّيِّ (ص) على الوَحْدانيّةِ لَيسَت شَهادةً شَخصِيّةً جُزئيّةً، وإِنَّما هي شَهادةٌ عامّة وكُلِّيّةٌ راسِخةٌ لا تَتزَعزَعُ، ولن تَستَطِيعَ أن تُجابِهَها الشَّياطِينُ كافّةً في أيِّ جِهةٍ ولو اجتَمَعُوا عَلَيْها.
وهكذا ذُكِرَتْ إشارةٌ مُختَصَرةٌ لِمَا تَلَقّاه ذلك السَّائِحُ الَّذي جالَ بِعَقلِه في عَصرِ السَّعادةِ جَوانِبَ الحَياةِ مِن تلك المَدرَسةِ النُّورانيّةِ في "المَرتَبةِ السَّادِسةَ عَشْرةَ مِنَ المَقامِ الأوَّل" كالآتِي:
— 157 —
(لا إِلٰه إلّا اللهُ الواجِبُ الوُجُودِ الواحِدُ الأَحَدُ الَّذي دَلَّ على وُجُوبِ وُجُودِه في وَحْدَتِه فَخرُ العالَمِ وشَرَفُ نَوعِ بَني آدَمَ، بِعَظَمةِ سَلْطَنةِ قُرآنِه، وحَشْمةِ وُسْعةِ دِينِه، وكَثْرةِ كَمالاتِه، وعُلْوِيَّةِ أخلاقِه، حتَّى بِتَصدِيقِ أَعدائِه؛ وكَذا شَهِد وبَرْهَنَ بِقُوَّةِ مِئاتِ مُعجِزاتِه الظَّاهِرةِ الباهِرةِ المُصَدِّقةِ المُصَدَّقةِ، وبِقُوَّةِ آلافِ حَقائِقِ دِينِه السَّاطِعةِ القاطِعةِ، بإِجماعِ آلِه ذَوِي الأَنوارِ، وبِاتِّفاقِ أَصحابِه ذَوِي الأَبصارِ، وبِتَوافُقِ مُحَقِّقِي أُمَّتِه ذَوِي البَراهِينِ والبَصائِرِ النَّوَّارةِ).
إِنَّ السَّائِحَ الَّذي لا يَنالُه تَعَبٌ ولا شِبَعٌ، والَّذي عَلِمَ أنَّ غايةَ الحَياةِ في هذه الدُّنيا، بل حَياةَ الحَياةِ إنَّما هو الإيمانُ، حاوَرَ هذا السَّائِحُ قَلبَه قائلًا: "إنَّ كَلامَ مَن نَبحَثُ عنه هو أَشهَرُ كَلامٍ في هذا الوُجُودِ وأَصدَقُه وأَحكَمُه، وقد تَحَدَّى في كلِّ عَصرٍ مَن لا يَنقادُ إلَيه، ذلك هو القُرآنُ الكَريمُ ذُو البَيانِ المُعجِزِ.. فلنُراجِعْ إذًا هذا الكِتابَ الكَرِيمَ، ولْنَفْهَم ماذا يقُولُ.. ولكِن لِنَقِفْ لَحظةً قَبلَ دُخُولِنا هذا العالَمَ الجَمِيلَ، لِنَبحَثْ فيما يَجعَلُنا نَستَيقِنُ أنَّه كِتابُ خالِقِنا نحنُ..". وهكذا باشَرَ بالتَّدقيقِ والبَحثِ.
وحيثُ إنَّ هذا السَّائِحَ مِنَ المُعاصِرِينَ، فقد نَظَر أوَّلًا إلى "رَسائلِ النُّورِ" الَّتي هي لَمَعاتُ الإعجازِ المَعنَوِيِّ لِلقُرآنِ الكَرِيمِ، فرَأَى أنَّ هذه الرَّسائلَ البالِغةَ مِئةً وثَلاثين رِسالةً هي بذاتِها تَفسِيرٌ قَيِّمٌ لِلآياتِ الفُرقانيّةِ، إذ إنَّها تَكشِفُ عن نِكاتِها الدَّقيقةِ وأَنوارِها الزَّاهِيةِ.
ورَغمَ أنَّ رَسائلَ النُّورِ نَشَرَتِ الحَقائقَ القُرآنيّةَ بجِهادٍ مُتَواصِلٍ في الآفاقِ كافّةً، في هذا العَصرِ العَنِيدِ المُلحِدِ، لم يَستَطِعْ أَحَدٌ أن يُعارِضَها أو يَنقُدَها، مِمّا يُثبِتُ أنَّ القُرآنَ الكَريمَ الَّذي هو رائِدُها ومَنبَعُها، ومَرجِعُها، وشَمْسُها، إنَّما هو سَماوِيٌّ مِن كَلامِ اللهِ رَبِّ العالَمِين، وليس بكَلامِ بَشَرٍ.
حتَّى إنَّ "الكَلِمةَ الخامِسةَ والعِشرِين" وخِتامَ "المَكتُوب التّاسِعَ عَشَرَ" وهما حُجَّةٌ واحِدةٌ مِن بينِ مِئاتِ الحُجَجِ، تُقيمُها "رسائلُ النُّورِ" لِبَيانِ إعجازِ القُرآنِ، فتُثبِتُه بأَربَعِين وَجْهًا إثباتًا حَيَّر كلَّ مَن طالَعَها، فقَدَّرَها وأُعجِبَ بها یی ناهِيك عن أنْ يَنقُدَها أو يَعتَرِضَ علَيها قَطُّ یی بل أَثنَى علَيْها كَثِيرًا.
— 158 —
هذا، وقد أَحالَ السَّائِحُ إثباتَ وَجهِ الإِعجازِ للقُرآنِ الكَرِيمِ، وأنَّه كَلامُ اللهِ سُبحانَه حَقًّا إلى رَسائلِ النُّورِ، إلّا أنَّه أَنعَمَ النَّظَرَ في بِضْعِ نِقاطٍ تُبيِّنُ بإشارةٍ مُختَصَرةٍ عَظَمةَ القرآنِ الكَرِيمِ:
النُّقطةُ الأولى: مِثلَما أنَّ القُرآنَ الكَرِيمَ بكُلِّ مُعجِزاتِه وحَقائقِه الدَّالَّةِ على أَحَقِّيَّتِه هو مُعجِزةٌ لِمُحمَّدٍ علَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ، فإنَّ مُحمَّدًا علَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ بكُلِّ مُعجِزاتِه ودَلائلِ نُبُوَّتِه وكَمالاتِه العِلميّةِ مُعجِزةٌ أيضًا للقُرآنِ الكَرِيمِ وحُجّةٌ قاطِعةٌ على أنَّ القُرآنَ الكَرِيمَ كَلامُ اللهِ ربِّ العالَمِين.
النُّقطةُ الثّانية: إنَّ القُرآنَ الكَرِيمَ قد بَدَّلَ الحَياةَ الِاجتِماعيّةَ تَبدِيلًا هائِلًا نَوَّرَ الآفاقَ ومَلَأَها بالسَّعادةِ والحَقائقِ، وأَحدَث تَحَوُّلًا عَظِيمًا سَواءٌ في نُفُوسِ البَشَرِ وفي قُلُوبِهم، أو في أَرواحِهم وفي عُقُولِهم، أو في حَياتِهِمُ الشَّخصِيّةِ والِاجتِماعيّةِ والسِّياسيّةِ؛ وأَدامَ هذا الِانقِلابَ وأَدارَه، بحيثُ إنَّ آياتِه البالِغةَ سِتّةَ آلافٍ وسِتَّ مِئةٍ وسِتًّا وسِتِّين آيةً تُتْلَى منذُ أَربَعةَ عَشَر قَرْنًا في كلِّ آنٍ بأَلسِنةِ أَكثَرَ مِن مِئةِ مِليُونِ شَخصٍ في الأَقَلِّ بكلِّ إِجلالٍ واحتِرامٍ، فيُرَبِّي النَّاسَ ويُزَكِّي نُفُوسَهُم، ويُصَفِّي قُلُوبَهُم، ويَمنَحُ الأَرواحَ انكِشافًا ورُقِيًّا، والعُقُولَ استِقامةً ونُورًا، والحَياةَ حَياةً وسَعادةً.. فلا شَكَّ أنَّه لا نَظِيرَ لِمِثلِ هذا الكِتابِ ولا شَبِيهَ له ولا مَثِيلَ، فهو خارِقٌ، وهو مُعجِزٌ.
النُّقطة الثّالثة: إنَّ القُرآنَ الكَرِيمَ قد أَظهَرَ بَلاغةً یی أيَّما بَلاغةٍ یی منذُ ذلك العَصرِ إلى زَمانِنا هذا، حتَّى إنَّه حَطَّ مِن قِيمةِ "المُعَلَّقاتِ السَّبْعِ" المَشهُورةِ، وهي قَصائِدُ أَبلَغِ الشُّعَراءِ، كُتِبَت بالذَّهَبِ وعُلِّقَت على جُدرانِ الكَعبةِ، حتَّى إنَّ ابنةَ "لَبِيدٍ" أَنزَلَت قَصِيدةَ أَبِيها مِن على جِدارِ الكَعبةِ قائِلةً: "أمَّا وقد جاءَتِ الآياتُ فلَيس لِمِثلِكِ هنا مَقامٌ".
وكذا عِندَما سَمِعَ أَعرابيٌّ الآيةَ الكَرِيمةَ: فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ خَرَّ ساجِدًا، فقيلَ له: "أَأَسْلَمْتَ؟" قال: "لا، بل سَجَدتُ لِبَلاغةِ هذه الآيةِ".
وكذا، فإنَّ آلافًا مِن أَئمّةِ البَلاغةِ وفُحُولِ الأَدَبِ، أَمثالَ عبدِ القاهِرِ الجُرجانِيِّ، والسَّكّاكِيِّ، والزَّمَخْشَرِيِّ، قد أَقَرُّوا بالإجماعِ والِاتِّفاقِ: أنَّ بَلاغةَ القُرآنِ لا تُنالُ، إذْ هي فَوقَ طاقةِ البَشَرِ.
— 159 —
وكذا، فإنَّ القُرآنَ الكَرِيمَ مُنذُ نُزُولِه كانَ وما زالَ يَتَحدَّى كلَّ مَغرُورٍ ومُتَعنِّتٍ مِنَ الأُدَباءِ والبُلَغاءِ، ويَنالُ مِن عُتُوِّهِم وتَعالِيهِم، تَحَدَّاهم بأن يَأتُوا بسُورةٍ مِن مِثلِه، أو أن يَرضَوْا بالهَلاكِ والذُّلِّ في الدُّنيا والآخِرةِ.
وبَينَما يُعلِنُ القُرآنُ تَحَدِّيَه هذا، إذا ببُلَغاءِ ذلك العَصرِ المُعانِدِينَ قد تَرَكوا السَّبِيلَ القَصِيرةَ وهي المُضاهاةُ والمُعارَضةُ والإتيانُ بسُورةٍ مِن مِثلِه، سالِكِينَ السَّبِيلَ الطَّوِيلةَ، سَبِيلَ الحَربِ الَّتي تَأتي بالوَيلِ والدَّمارِ على الأَرواحِ والأَموالِ، مِمّا يُثبِتُ باختِيارِهم هذا أنَّ المُضيَّ في تلك السَّبِيلِ القَصِيرةِ غَيرُ مُمكِنٍ.
وكذا، ففي مُتَناوَلِ الأَيدِي مَلايِينُ الكُتُبِ العَرَبيّةِ الَّتي كَتَبَها أَولِياءُ القُرآنِ بشَغَفِ اقتِباسِ أُسلُوبِه وتَقلِيدِه، أو كَتَبَها أَعداؤُه لِأَجلِ مُعارَضَتِه ونَقْدِه، فكلُّ ما كُتِبَ ويُكتَبُ، معَ التَّقَدُّمِ والرُّقِيِّ في الأُسلُوبِ النَّاشِئِ مِن تَلاحُقِ الأَفكارِ، ومنذُ ذلك الوَقتِ إلى الآنَ، لا يُمكِنُ أن يُضاهِيَ أو يُدانِيَ أيٌّ مِنها أُسلُوبَ القُرآنِ، حتَّى لوِ استَمَعَ رَجُلٌ عامِّيٌّ لِمَا يُتلَى مِنَ القُرآنِ الكَرِيمِ لَاضطَرَّ إلى القَولِ: إنَّ هذا القُرآنَ لا يُشبِهُ أَيًّا مِن هذه الكُتُبِ، ولا في مَرتَبَتِها؛ فإمّا أنَّ بَلاغَتَه تحتَ الجَميعِ، أو أنَّها فوقَ الجَميعِ! ولن يَستَطِيعَ إنسانٌ كائِنًا مَن كانَ، ولا كافِرٌ، ولا أَحمَقُ أن يقُولَ: إنَّها أَسفَلُ الجَميعِ.. فلا بُدَّ إذًا أنَّ مَرتَبةَ بَلاغَتِه فوقَ الجَميعِ.
حتَّى لَقَد تَلَا أَحَدُهمُ الآيةَ الكَرِيمةَ: سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثمَّ قالَ: "إنِّي لا أَرَى الوَجْهَ المُعجِزَ الَّذي تَرَونَه في بَلاغةِ هذه الآيةِ الكَرِيمةِ!"، فقيلَ له: عُدْ بخَيالِك كهذا السَّائِحِ إلى ذلك العَصرِ واستَمِعْ إلَيها هناك.
وبَينَما هو يَتَخيَّلُ نَفسَه هناك فيما قَبلَ نُزُولِ القُرآنِ الكَرِيمِ، إذا به يَرَى: أنَّ مَوجُوداتِ العالَمِ مُلقاةٌ في فَضاءٍ خالٍ شاسِعٍ دُونَ حُدُودٍ، في دُنيا فانِيةٍ زائِلةٍ، وهي في حالةٍ يائِسةٍ مُضطَرِبةٍ تَتَخبَّطُ في ظُلمةٍ قاتِمةٍ، وهي جامِدةٌ دُونَ حَياةٍ وشُعُورٍ، وعاطِلةٌ دُونَ وَظيفةٍ ومَهامَّ؛ ولكِن ما إِنْ أَنصَتَ إلى هذه الآيةِ الكَرِيمةِ وتَدَبَّرها، إذا به يَرَى أنَّ هذه الآيةَ قد كَشَفَتْ حِجابًا مُسدَلًا عن وَجهِ الكَونِ وعن وَجهِ العالَمِ كُلِّه، حتَّى
— 160 —
بانَ ذلك الوَجهُ مُشرِقًا ساطِعًا، فأَلقَى هذا الكَلامُ الأَزَليُّ والأَمرُ السَّرمَدِيُّ دَرْسًا على جَميعِ أَربابِ المَشاعِرِ المُصطَفِّين حَسَبَ العُصُورِ كُلِّها مُظهِرًا لهم: أنَّ هذا الكَونَ هو بحُكمِ مَسجِدٍ كَبِيرٍ، وأنَّ جَميعَ المَخلُوقاتِ یی ولا سِيَّما السَّماواتِ والأَرضَ یی مُنهَمِكةٌ في ذِكرٍ وتَهليلٍ وتَسبِيحٍ يَنبِضُ بالحَيَويّةِ. وقد تَسَنَّم الكُلُّ وَظائِفَهم بكُلِّ شَوقٍ ونَشوةٍ، وهم يُنجِزُونَها بكلِّ سَعادةٍ وامتِنانٍ.
هكذا شاهَدَ السّائِحُ سَرَيانَ مَفعُولِ هذه الآيةِ الكَرِيمةِ في الكَونِ، فتَذَوَّق مَدَى سُمُوِّ بَلاغَتِها، وقاسَ علَيها سَائرَ الآياتِ الكَرِيمةِ، فأَدرَكَ السِّرَّ في هَيمَنةِ بَلاغةِ القُرآنِ الفَرِيدةِ على نِصفِ الأَرضِ وخُمُسِ البَشَرِيّةِ، وعَلِم حِكمةً واحِدةً مِن آلافِ الحِكَمِ لِدَيمُومةِ جَلالِ سُلطانِ القُرآنِ الكَرِيمِ بكلِّ تَوقيرٍ وتَعظِيمٍ على مَدَى أَربَعةَ عَشَرَ قَرْنًا مِنَ الزَّمانِ دُونَ انقِطاعٍ.
النُّقطةُ الرَّابعةُ: إنَّ القُرآنَ الكَرِيمَ قد أَظهَرَ عُذُوبةً وحَلاوةً ذاتَ أَصالةٍ وحَقِيقةٍ، بحيثُ إنَّ التَّكرارَ الكَثيرَ المُسبِّبَ للسَّآمةِ حتَّى مِن أَطيَبِ الأَشياءِ، لا يُورِثُ المَلالَ عِندَ مَن لم يَفسُدْ قَلبُه ويَخْتَلَّ ذَوقُه، بل يَزِيدُ تَكرارُ تِلاوَتِه مِن عُذُوبَتِه وحَلاوَتِه.. وهذا أَمرٌ مُسَلَّمٌ به عِندَ الجَميعِ منذُ ذلك العَصرِ، حتَّى غَدا مَضرِبَ الأَمثالِ.
وكذا، فقَدِ احتَفَظَ القُرآنُ الكَرِيمُ بطَراوَتِه وفُتُوَّتِه ونَضارَتِه وجِدَّتِه وكأنَّه قد نَزَل الآنَ، رَغمَ مُرُورِ أَربَعةَ عَشَرَ قَرْنًا مِنَ الزَّمانِ علَيه، ورَغمَ تَيَسُّرِ الحُصُولِ علَيه للجَميعِ، فكلُّ عَصرٍ قد تَلَقّاه شابًّا نَضِرًا وكأنَّه يُخاطِبُه؛ وكلُّ طائفةٍ عِلمِيّةٍ یی معَ أنَّهم يَجِدُونَه في مُتَناوَلِ أَيدِيهم ويَنهَلُون مِنه كلَّ حِينٍ، ويَقتَفُون أَثَرَ أُسلُوبِ بَيانِه یی يَرَونَه مُحافِظًا دائِمًا على الجِدّةِ نَفسِها في أُسلُوبِه، والفُتُوّةِ عَينِها في طَرْزِ بَيانِه.
النُّقطةُ الخامسةُ: إنَّ القُرآنَ الكَريمَ قد بَسَط أَحَدَ جَناحَيه نحوَ الماضِي والآخَرَ نحوَ المُستَقبَلِ؛ فالحَقيقةُ الَّتي اتَّفَق علَيها الأَنبِياءُ السّابِقُون هي جَذْرُ القُرآنِ وأَحَدُ جَناحَيه، فهو يُصَدِّقُهم ويُؤَيِّدُهم، وهم بدَورِهم يُؤيِّدُونَه ويُصَدِّقُونَه بلِسانِ حالِ التَّوافُقِ.
— 161 —
وكذلك فإنَّ الأَولياءَ الصَّالِحِين، والعُلَماءَ الأَصفِياءَ هم ثِمارٌ استَمَدَّتِ الحَياةَ مِن شَجَرةِ القُرآنِ الكَرِيمِ، فتَكامُلُهُمُ الحَيَوِيُّ يَدُلُّ على أنَّ شَجَرَتَهمُ المُبارَكةَ هي ذاتُ حَياةٍ وعَطاءٍ، وذاتُ فَيضٍ دائِمٍ وذاتُ حَقيقةٍ وأَصالةٍ، فالَّذين انضَوَوْا تحتَ حِمايةِ جَناحِه الثّاني، وعاشُوا في ظِلالِه مِن أَصحابِ جَميعِ طُرُقِ الوِلايةِ الحَقّةِ، وأَربابِ جَميعِ العُلُومِ الإسلاميّةِ الحَقّةِ يَشهَدُون أنَّ القُرآنَ هو عَينُ الحَقِّ، ومَجمَعُ الحَقائقِ، ولا مَثِيلَ له في جامِعِيَّتِه وشُمُوليَّتِه، فهو مُعجِزةٌ باهِرةٌ.
النُّقطةُ السَّادسة: إنَّ الجِهاتِ السِّتَّ للقُرآنِ الكَرِيمِ مُنَوَّرةٌ مُضِيئةٌ، تُبيِّنُ صِدقَه وعَدْلَه.
نعم، فمِن تَحتِه أَعمِدةُ الحُجَجِ والبَراهِينِ، وعلَيه تَتَألَّقُ سِكّةُ الإعجازِ، وبينَ يَدَيه (هَدَفُه) هَدايا سَعادةِ الدَّارَينِ، ومِن خَلفِه (أي: نُقطةُ استِنادِه) حَقائقُ الوَحيِ السَّماوِيِّ، وعن يَمينِه تَصدِيقُ ما لا يُحَدُّ مِن أَدِلّةِ العُقُولِ المُستَقِيمةِ، وعن يَسارِه الِاطمِئنانُ الجادُّ والِانجِذابُ الخالِصُ والِاستِسلامُ التَّامُّ للقُلُوبِ السَّليمةِ والضَّمائرِ الطَّاهِرةِ.
وإذ تُثبِتُ تلك الجِهاتُ السِّتُّ أنَّ القُرآنَ الكَرِيمَ حِصنٌ سَماوِيٌّ حَصِينٌ في الأَرضِ لا يَقوَى على خَرْقِه خارِقٌ ولا يَنفُذُ مِن جِدارِه نافِذٌ، فهُناك أَيضًا سِتّةُ "مَقاماتٍ" تُؤَكِّدُ أنَّه الصِّدقُ بذاتِه والحَقُّ بعَينِه، وأنَّه ليس بكَلامِ بَشَرٍ قَطُّ، وأنَّه لا يَأتيه الباطِلُ مِن بينِ يَدَيه ولا مِن خَلفِه..
وأَوَّلُ تلك المَقاماتِ: تَأيِيدُ مُصَرِّفِ هذا الكَونِ ومُدَبِّرِه، الَّذي اتَّخَذَ إظهارَ الجَميلِ وحِمايةَ البِرِّ والصِّدقِ ومَحْقَ الخَدَّاعِين وإِزالةَ المُفتَرِين، سُنّةً جارِيةً لِفَعّاليَّتِه سُبحانَه، فأيَّد سُبحانَه وصَدَّق هذا القُرآنَ بما مَنَحَه مِن مَقامِ احتِرامٍ وتَعظِيمٍ وأَوْلاه مِن مَرتَبةِ تَوفيقٍ وفَلاحٍ هو أَكثَرُ قَبُولًا وأَعلَى مَرتَبةً وأَعظَمُ حاكِميَّةً في العالَمِ.
ومِن ثَمَّ: فإنَّ الِاعتِقادَ الرَّاسِخَ والتَّوقيرَ اللّائقَ مِنَ الذَّاتِ المُبارَكةِ للرَّسُولِ الكَريمِ (ص) نحوَ القُرآنِ الكَريمِ يَفُوقُ الجَميعَ، وهو مَنبَعُ الإسلامِ وتَرجُمانُ القُرآنِ، وكَونُه في حالٍ بينَ اليَقَظةِ والنَّومِ حِينَما يَتَنزَّلُ علَيه الوَحيُ فيَتَنزَّلُ علَيه دُونَ إرادَتِه،
— 162 —
وعَدَمُ بُلُوغِ سائِرِ كَلامِه شَأْوَه، بل عَدَمُ مُشابَهَتِه له إلى حَدٍّ رَغمَ أنَّه أَفصَحُ النّاسِ، وبَيانُه بهذا القُرآنِ بَيانًا غَيبِيًّا لِما مَضَى مِنَ الحَوادِثِ الكَونيّةِ الواقِعةِ ولِمَا سيَأْتي مِنها معَ أُمِّيَّتِه، مِن دُونِ تَرَدُّدٍ وبكُلِّ اطمِئنانٍ، وعَدَمُ ظُهُورِ أيّةِ حِيلةٍ أو خَطَأٍ أو ما شابَهَها مِنَ الأَوضاعِ مِنه مَهما صَغُرَت رَغمَ أنَّه بينَ أَنظارِ أَشَدِّ النّاسِ إنعامًا للنَّظَرِ في تَصَرُّفاتِه.. فإيمانُ هذا التَّرجُمانِ الكَريمِ والمُبَلِّغِ العَظيمِ (ص) وتَصدِيقُه بكُلِّ قُوَّتِه لِكُلِّ حُكْمٍ مِن أَحكامِ القُرآنِ الكَريمِ، وعَدَمُ زَعزَعةِ أيِّ شيءٍ له مَهْما عَظُمَ، يُؤَيِّدُ ويُؤَكِّدُ أنَّ القُرآنَ سَماوِيٌّ وكُلُّه صِدقٌ وعَدلٌ وكَلامٌ مُبارَكٌ للرَّبِّ الرَّحِيمِ.
وكذا: فإنَّ ارتِباطَ خُمُسِ البَشَرِيّةِ، بلِ الشَّطرِ الأَعظَمِ مِنهم بذلك القُرآنِ الكَريمِ المُشاهَدِ أَمامَهم، ارتِباطَ انجِذابٍ وتَدَيُّنٍ، واستِماعَهُم إلَيه بجِدٍّ وشَوْقٍ ولَهْفةٍ، وتَوافُدَ الجِنِّ والمَلائكةِ والرُّوحانيِّين إلَيه والْتِفافَهم حَولَه عندَ تِلاوَتِه الْتِفافَ الفَراشةِ العاشِقةِ للنُّورِ، بشَهادةِ أَماراتٍ ووَقائِعَ وكَشْفِيّاتٍ صادِقةٍ كَثيرةٍ، كلُّ ذلك تَصدِيقٌ بأنَّ هذا القُرآنَ هو مَحَلُّ رِضا الكَونِ وإعجابِه، وأنَّ له فيه أَسمَى مَقامٍ وأَعلاه.
وكذا: فإنَّ أَخْذَ كلِّ طَبَقةٍ مِن طَبَقاتِ البَشَرِ یی ابتِداءً مِنَ الغَبِيِّ الشَّديدِ الغَباءِ والعامِّيِّ، إلى الذَّكِيِّ الحادِّ الذَّكاءِ والعالِمِ یی نَصِيبَها كامِلًا مِنَ الدُّرُوسِ الَّتي يُلقِيها القُرآنُ الكَريمُ، وفَهْمَهم مِنه أَعمَقَ الحَقائقِ، واستِنباطَ جَميعِ الطَّوائفِ مِن عُلَماءِ مِئاتِ العُلُومِ والفُنُونِ الإسلاميّةِ، وبخاصّةٍ مُجتِهِدي الشَّرِيعةِ السَّمْحةِ ومُحَقِّقي أُصُولِ الدِّينِ وعَباقِرةِ عِلمِ الكَلامِ وأَمثالِهم، واستِخراجَهُمُ الأَجوِبةَ الشّافِيةَ لِما يَحتاجُونَه مِنَ المَسائلِ الَّتي تَخُصُّ عُلُومَهم مِنَ القُرآنِ الكَرِيمِ، إنَّما هو تَصدِيقٌ بأنَّ القُرآنَ الكَريمَ هو مَنبَعُ الحَقِّ ومَعدِنُ الحَقيقةِ.
وكذا: فإنَّ عَدَمَ مُعارَضةِ أُدَباءِ العَرَبِ الَّذِينَ هُم أَئِمّةُ الفَصاحةِ والأَدَبِ یی ولا سِيَّما الَّذين لم يَدخُلُوا في الإسلامِ یی معَ رَغبَتِهمُ المُلِحّةِ في المُعارَضةِ، وعَجْزَهم عَجْزًا تامًّا أمامَ وَجهٍ واحِدٍ، یی وهو الوَجهُ البَلاغِيُّ یی مِن بينِ وُجُوهِ الإعجازِ السَّبعةِ الكُبرَى للقُرآنِ، وعَجزَهم عنِ الإتيانِ بسُورةٍ واحِدةٍ فَقَط مِن مِثلِه، وصُدُودَهم عن ذلك، وعَدَمَ
— 163 —
مُعارَضَتِه مِمَّن أَتَى مِن مَشاهِيرِ البُلَغاءِ وعَباقِرةِ العُلَماءِ لِحَدِّ الآنَ لِأَيِّ وَجهٍ مِن وُجُوهِ الإعجازِ معَ رَغبَتِهم في ذُيُوعِ صِيتِهم بالمُعارَضةِ، وسُكُوتَهم بعَجْزٍ وإِحجامَهُم عن ذلك، لَهُو حُجّةٌ قاطِعةٌ على أنَّ القُرآنَ الكَرِيمَ مُعجِزةٌ فوقَ طاقةِ البَشَرِ.
نعم، إنَّ قِيمةَ الكَلامِ وعُلُوَّه وبَلاغَتَه تَتَوضَّحُ في بَيانِ: «مَن قالَه؟ ولِمَن قالَه؟ ولِمَ قالَه ؟».
وبِناءً على هذا فإنَّ القُرآنَ الكَريمَ لم يَأْتِ ولن يَأْتِيَ مِثلُه، ولن يُدانِيَه شيءٌ قَطُّ؛ ذلك لِأنَّ القُرآنَ الكَريمَ إنَّما هو خِطابٌ مِن رَبِّ العَوالِمِ جَميعًا، وكَلامٌ مِن خالِقِها، وهو مُكالَمةٌ لا يُمكِنُ تَقلِيدُها بأَيِّ جانِبٍ كان مِنَ الجَوانِبِ، وليس فيه أَمارةٌ تُومِئُ بالتَّصَنُّعِ.
ثمَّ إنَّ المُخاطَبَ هو مَبعُوثٌ باسمِ البَشَرِيّةِ قاطِبةً، بل باسمِ المَخلُوقاتِ جَميعًا، وهو أَكرَمُ مَن أَصبَحَ مُخاطَبًا وأَرفَعُهم ذِكرًا، وهو الَّذي تَرَشَّحَ الإسلامُ العَظيمُ مِن قُوّةِ إيمانِه وسَعَتِه، حتَّى عُرِج به إلى قابِ قَوْسَينِ أو أَدنَى، فنَزَل مُكَلَّلًا بالمُخاطَبةِ الصَّمَدانيّةِ.
ثمَّ إنَّ القُرآنَ الكَريمَ المُعجِزَ البَيانِ قد بَيَّنَ سَبِيلَ سَعادةِ الدّارَينِ، ووَضَّحَ غاياتِ خَلْقِ الكَونِ، وما فيه مِنَ المَقاصِدِ الرَّبّانيّةِ، مُوَضِّحًا ما يَحمِلُه ذلك المُخاطَبُ الكَريمُ مِنَ الإيمانِ السَّامي الواسِعِ الَّذي يَضُمُّ الحَقائقَ الإسلاميّةَ كُلَّها، عارِضًا كلَّ ناحِيةٍ مِن نَواحي هذا الكَونِ الهائلِ ومُقَلِّبًا إيّاه كمَن يُقلِّبُ خارِطةً أو ساعةً أَمامَه، مُعَرِّفًا الإنسانَ صانِعَه الخالِقَ سُبحانَه مِن خِلالِ أَطوارِ الكَونِ وتَقَلُّباتِه.. فلا رَيبَ ولا بُدَّ أنَّه لا يُمكِنُ الإتيانُ بمِثلِ هَذا القُرآنِ أَبدًا، ولا يُمكِنُ مُطلَقًا أن تُنالَ دَرَجةُ إعجازِه.
وكذا فإنَّ الآلافَ مِنَ العُلَماءِ الأَفذاذِ الَّذين قامَ كُلٌّ مِنهم بكِتابةِ تَفسِيرٍ للقُرآنِ الكَريمِ في مُجَلَّداتٍ بَلَغ قِسمٌ مِنها ثَلاثين أو أَربَعين مُجَلَّدًا بل سَبعِين مُجَلَّدًا، وبَيانَهُم بأَسانيدِهِم ودَلائلِهِم لِما في القُرآنِ الكَريمِ مِمّا لا يُحَدُّ مِنَ المَزايا السّامِيةِ والنِّكاتِ البَليغةِ والخَواصِّ الدَّقيقةِ والأَسرارِ اللَّطيفةِ والمَعاني الرَّفيعةِ والإخباراتِ الغَيبِيّةِ الكَثيرةِ بأَنواعِها المُختَلِفةِ، وإِظهارَ كلِّ هَؤُلاءِ لتِلك المَزايا وإِثباتَهُم لها.. دَليلٌ قاطِعٌ
— 164 —
أنَّ القُرآنَ الكَريمَ مُعجِزةٌ إِلٰهيّةٌ خارِقةٌ، وبخاصّةٍ إثباتُ كلِّ كِتابٍ مِن كُتُبِ رَسائلِ النُّورِ البالِغةِ مِئةً وثلاثين كِتابًا لِمَزّيةٍ مِن مَزايا القُرآنِ الكَريمِ ولِنُكْتةٍ مِن نِكاتِه البَدِيعةِ إثباتًا قاطِعًا بالبَراهِينِ الدّامِغةِ، ولا سِيَّما رِسالةَ "المُعجِزاتُ القُرآنيّة"، و"المَقامُ الثّاني مِنَ الكَلِمةِ العِشرِين" الَّذي يَستَخرِجُ كَثيرًا مِن خَوارِقِ الحَضارةِ مِنَ القُرآنِ الكَرِيمِ أَمثالَ القِطارِ والطّائِرةِ، و"الشُّعاعُ الأَوَّلُ" المُسَمَّى بی"الإشاراتِ القُرآنيّةِ" الَّذي يُبيِّنُ إشاراتِ آياتٍ إلى رَسائلِ النُّورِ وإلى الكَهرَباءِ، والرَّسائلَ الصَّغيرةَ الثَّمانيةَ المُسَمّاةَ بی"الرُّمُوزِ الثَّمانيةِ" الَّتي تُبيِّنُ مَدَى الِانتِظامِ الدَّقيقِ في حُرُوفِ القُرآنِ الكَريمِ، وكم هي ذاتُ أَسرارٍ ومَعانٍ غَزِيرةٍ، والرِّسالةَ الصَّغيرةَ الَّتي تُبيِّنُ خَواتيمَ سُورةِ الفَتْحِ وتُثبِتُ إعجازَها بخَمسةِ وُجُوهٍ مِن حيثُ الإخبارُ الغَيبِيُّ، وأَمثالَها مِنَ الرَّسائلِ..
فإنَّ إظهارَ كلِّ جُزءٍ مِن أَجزاءِ رَسائلِ النُّورِ لِحَقيقةٍ مِن حَقائقِ القُرآنِ الكَريمِ، ولِنُورٍ مِن أَنوارِه، كلُّ ذلك تَصدِيقٌ وتَأْكيدٌ بأنَّ القُرآنَ الكَرِيمَ ليس له مَثِيلٌ، وأنَّه مُعجِزةٌ وأُعجُوبةٌ، وأنَّه لِسانُ الغَيبِ في عالَمِ الشَّهادةِ هذا، وأنَّه كَلامُ عَلّامِ الغُيُوبِ.
وهكذا، لِأَجلِ هذه المَزايا والخَواصِّ لِلقُرآنِ الكَرِيمِ الَّتي أُشِيرَ إلَيها في سِتِّ نِقاطٍ، وفي سِتِّ جِهاتٍ، وفي سِتّةِ مَقاماتٍ، دامَت حاكِمِيَّتُه النُّورانيّةُ الجَليلةُ وسُلْطانُه المُقَدَّسُ المُعَظَّمُ، بكَمالِ الوَقارِ والِاحتِرامِ مُضِيئةً وُجُوهَ العُصُورِ ومُنَوِّرةً وَجهَ الأَرضِ أَيضًا، طَوالَ أَلفٍ وثَلاثِ مِئةِ سنةٍ.. ولِأَجلِ تلك الخَواصِّ أيضًا نالَ القُرآنُ الكَريمُ مِيزاتٍ قُدسِيّةً، حيثُ إنَّ لِكُلِّ حَرفٍ مِن حُرُوفِه عَشَرةَ أَثوِبةٍ وعَشْرَ حَسَناتٍ في الأَقَلِّ، وعَشْرَ ثِمارٍ خالِدةٍ، بل إنَّ كلَّ حَرفٍ مِن حُرُوفِ قِسمٍ مِنَ الآياتِ والسُّوَرِ يُثمِرُ مِئةً أو أَلفًا أو أَكثَرَ، مِن ثِمارِ الآخِرةِ، ويَتَصاعَدُ نُورُ كلِّ حَرفٍ وثَوابُه وقيمَتُه في الأَوقاتِ المُبارَكةِ مِن عَشَرةٍ إلى المِئاتِ.. وأَمثالَها مِنَ المَزايا القُدسِيّةِ قد فَهِمَها سائحُ العالَمِ.
فخاطَبَ قَلبَه قائلًا: حَقًّا إنَّ هذا القُرآنَ الكَريمَ المُعجِزَ في كلِّ ناحِيةٍ مِن نَواحِيه، قد شَهِدَ بإجماعِ سُوَرِه وباتِّفاقِ آياتِه، وبتَوافُقِ أَسرارِه وأَنوارِه، وبتَطابُقِ ثِمارِه وآثارِه، شَهادةً ثابِتةً بالدَّلائلِ على وُجُودِ واجِبِ الوُجُودِ، وعلى وَحْدانيَّتِه سُبحانَه، وعلى
— 165 —
صِفاتِه الجَليلةِ، وعلى أَسمائِه الحُسنَى، حتَّى تَرَشَّحَتِ الشَّهاداتُ غيرُ المَحدُودةِ لِجَميعِ أَهلِ الإيمانِ مِن تلك الشَّهادةِ.
وهكذا، فقد ذُكِرَت في "المَرتَبةِ السّابِعةَ عَشْرةَ مِنَ المَقامِ الأَوَّلِ" إشارةٌ قصِيرةٌ لِما تَلَقَّاه السَّائِحُ هذا مِن دَرْسِ التَّوحِيدِ والإيمانِ مِنَ القُرآنِ الكَرِيمِ:
(لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ الوَاجِبُ الوُجُودِ الوَاحِدُ الأَحَدُ الَّذِي دَلَّ عَلَى وُجُوبِ وُجُودِهِ فِي وَحْدَتِهِ: القُرآنُ المُعجِزُ البَيَانِ، المَقبُولُ المَرغُوبُ لِأَجنَاسِ المَلَكِ والإِنْسِ والجَانِّ، المَقرُوءُ كُلُّ آيَاتِه فِي كُلِّ دَقِيقَةٍ بِكَمَالِ الِاحتِرَامِ، بِأَلسِنَةِ مِئَاتِ المَلَايِينِ مِن نَوعِ الإِنسَانِ، الدَّائِمُ سَلْطَنَتُهُ القُدْسِيَّةُ عَلَى أَقْطَارِ الأَرْضِ وَالأَكْوَانِ، وعَلَى وُجُوهِ الأَعْصَارِ والزَّمَانِ، والجَارِي حَاكِمِيَّتُهُ المَعْنَوِيّةُ النُّورَانيَّةُ عَلَى نِصْفِ الأَرْضِ وخُمُسِ البَشَرِ فِي أَرْبَعَةَ عَشَرَ عَصْرًا بِكَمَالِ الِاحْتِشَامِ.. وكَذَا شَهِدَ وبَرْهَنَ بإِجْمَاعِ سُوَرِهِ القُدْسِيّةِ السَّمَاوِيَّةِ، وباتِّفَاقِ آيَاتِهِ النُّورَانِيَّةِ الإِلٰهِيَّةِ وبِتَوَافُقِ أَسْرَارِهِ وَأَنوَارِهِ وبِتَطَابُقِ حَقَائِقِهِ وثَمَراتِهِ وآثارِهِ بِالمُشَاهَدَةِ والعِيَانِ).
ثُمَّ إِنَّ السَّائِحَ والمُسافِرَ المَذكُورَ قد عَلِمَ يَقِينًا أنَّ الإِيمانَ الَّذي تَوَصَّل إِلَيْه هو أَثمَنُ رَأسِ مالِ الإِنسانِ؛ إِذ لا يُمَلِّكُه یی وهو الفَقِيرُ یی مَزرَعةً فانيةً ومَسكَنًا مُؤَقَّتًا، بل يُمَلِّكُه الكَونَ العَظِيمَ، ويَجعَلُه لائِقًا لِيَظفَرَ بِمِلكٍ واسِعٍ باقٍ أَوسَعَ مِنَ الدُّنيا، ويُهَيِّئُ له یی وهو الإِنسانُ الفانِي یی لَوازِمَ حَياةٍ أَبدِيّةٍ خالِدةٍ؛ فيُنقِذُه یی وهُو المِسكِينُ المُنتَظِرُ لِمِشنَقةِ الأَجَلِ یی مِنَ النِّهايةِ المُرعِبةِ والإِعدامِ الأَبدِيِّ، فاتِحًا له خَزائِنَ السَّعادةِ السَّرمَدِيّةِ.
لِذا خاطَبَ السَّائِحُ نَفسَه قائِلًا: "هَيّا، تَقَدَّمِي، لِنَفُزْ بِمَرتَبةٍ أُخرَى مِن مَراتِبِ الإِيمانِ الَّتي لا يَحصُرُها حَدٌّ.. فلْنَطَّلِعْ على مَجمُوعِ الكَونِ، ولْنُنصِتْ إِلَيْه لِنَرَى ماذا يقُولُ هو أَيضًا؟ كي نُضفِيَ نُورًا على تلك الدُّرُوسِ الَّتي تَلقَّيناها مِن أَركانِ الكَونِ وأَجزائِه".
فنَظَر السَّائِحُ إلى مَجمُوع الكَونِ بمِنظارٍ واسِعٍ مُحِيطٍ قدِ استَعارَه مِنَ القُرآنِ الكَرِيمِ، فرَأَى أنَّ هذا الكَونَ مُنَظَّمٌ تَنظِيمًا بَدِيعًا، ومُنطَوٍ على مَعانٍ جَمّةٍ وَفِيرةٍ، بِحَيثُ
— 166 —
يَبدُو على صُورةِ كِتابٍ سُبحانِيٍّ مُجَسَّمٍ، أو قُرآنٍ رَبّانيٍّ جُسمانيٍّ، أو قَصرٍ صَمَدانيٍّ مُزَيَّنٍ، أو بَلَدٍ رَحمانِيٍّ مُنتَظِمٍ؛ إذ إِنَّ جَمِيعَ سُوَرِ ذلك الكِتابِ وآياتِه وكَلِماتِه، بل حُرُوفِه وأَبوابِه وفُصُولِه، وصَحائِفِه وسُطُورِه، وما يَجرِي على الجَمِيعِ مِنَ "المَحوِ والإِثباتِ" ذِي المَعنَى اللَّطِيفِ، ومِنَ التَّحوِيلِ والتَّغيِيرِ ذِي الحِكمةِ والإِبداعِ.. كلُّ ذلك بالإِجماعِ يُفِيدُ بَداهةً وُجُودَ عَلِيمٍ بكُلِّ شَيءٍ، قَدِيرٍ على كلِّ شَيءٍ، ويُعبِّرُ عن وُجُودِ بارِئٍ ذِي جَلالٍ، ومُصَوِّرٍ ذِي كَمالٍ، يَرَى كلَّ شَيءٍ في كلِّ شَيءٍ، ويَعلَمُ عَلاقةَ كلِّ شَيءٍ بكُلِّ شَيءٍ، فيُراعِيه.
وهكَذا، فإِنَّ جَمِيعَ مَا في الكَونِ بأَركانِه، وأَنواعِه، وأَجزائِه، وجُزئيّاتِه، وساكِنِيه، ومُشتَمَلاتِه، ووارِداتِه، ومَصارِيفِه، وتَبدِيلاتِه ذاتِ المَصلَحةِ، وتَجدِيداتِه ذاتِ الحِكمةِ، يُفِيدُ ويُفَهِّمُ بالِاتِّفاقِ وُجُودَ ووَحْدانيّةِ خالِقٍ رَفِيعِ الدَّرَجاتِ، وصانِعٍ ليس كمِثلِه شَيءٌ، يَعمَلُ بِقُدرةٍ لا حَدَّ لها، وبحِكمةٍ لا نِهايةَ لها.
وثَمّةَ حَقِيقَتانِ عَظِيمَتانِ واسِعَتانِ مُتَناسِبَتانِ معَ سَعَةِ الكَونِ وعَظَمَتِه تُثبِتانِ شَهادةَ الكَونِ العَظِيمةَ هذه على وُجُودِ الخالِقِ ووَحْدانيَّتِه، وهُما:
الحَقِيقةُ الأُولَى: وهي "حَقِيقةُ الحُدُوثِ والإِمكانِ" الَّتي رَآها حُكَماءُ الإِسلامِ والعُلَماءُ الدُّهاةُ لِأُصُولِ الدِّينِ وعِلمِ الكَلامِ، وأَثبَتُوها بِبَراهِينَ دامِغةٍ .
فقد قالُوا: "لَمّا كانَ في العالَمِ وفي كلِّ شَيءٍ تَغيُّرٌ وتَبدُّلٌ، فإِنَّه فانٍ وحادِثٌ ولا يكُونُ قَدِيمًا؛ ولِأنَّه حادِثٌ فلا بُدَّ له مِن صانِعٍ مُحدِثٍ.. ولَمّا كانَ كلُّ شَيءٍ على السَّواءِ إن لم يَكُن في ذاتِه سَبَبٌ وُجُودِيٌّ وعَدَميٌّ، فلن يكُونَ واجِبًا ولا أَزَليًّا..".
وقد أُثبِتَ أَيضًا بِبَراهِينَ قاطِعةٍ أنَّه لا يُمكِنُ إِيجادُ الأَشياءِ بَعضِها بَعضًا بالدَّورِ أو بالتَّسَلسُلِ الباطِلَيْنِ المُحالَيْنِ؛ فيَلزَمُ إِذًا وُجُودُ واجِبٍ لِلوُجُودِ، يَمتَنِعُ نَظِيرُه، ومُحالٌ مَثِيلُه، كلُّ ما عَداه مُمكِنٌ، وكلُّ ما سِواه مَخلُوقٌ.
نعم، إِنَّ «حَقِيقةَ الحُدُوثِ» قد هَيمَنَتْ على الكَونِ، فالعَينُ تَرَى أَكثَرَها، والعَقلُ يَرَى القِسمَ الآخَرَ مِنها؛ ذلك لِأنَّنا نُشاهِدُ أنَّه مع حُلُولِ الخَرِيفِ في كلِّ
— 167 —
سَنةٍ عالَمًا هائِلًا جِدًّا يُفارِقُ الحَياةَ، فتَمُوتُ معَه أَفرادٌ غَيرُ مَحدُودةٍ لِمِئةِ أَلفِ نَوعٍ مِنَ النَّباتاتِ والحَيَواناتِ الصَّغِيرةِ، كلُّ نَوعٍ مِنه بِحُكمِ كَونٍ ذِي حَياةٍ؛ ولكِنَّ ذلك المَوتَ يَجرِي في غايةِ الِانتِظامِ، بِحَيثُ تُودِع تلك الأَفرادُ بُذُورَها ونَواها وبُوَيضاتِها یی الَّتي تُصبِحُ مَدارًا لِحَشرِها ونُشُورِها، والَّتي هي بِذاتِها مُعجِزاتُ الرَّحمةِ والحِكمةِ وخَوارِقُ القُدرةِ والعِلمِ یی وتُخَلِّفُها أَمانةً لَدَى حِكمةِ الحَفِيظِ ذِي الجَلالِ، وتَحتَ رِعايَتِه وحِمايَتِه، مُسَلِّمةً إلى أَيدِيها صُحُفَ أَعمالِها، وبَرامِجَ ما قَدَّمَت مِن وَظائِفَ، وبَعدَ ذلك تَمُوتُ.. وبِحُلُولِ مَوسِمِ الرَّبِيعِ تُبعَثُ بِأَعيانِها تلك الَّتي تُوُفِّيَت مِنَ الأَشجارِ والأُصُولِ والحَيَواناتِ الصَّغِيرةِ، وتُحْيَا وتُخلَقُ أَمثالُ ومُشابِهاتُ قِسمٍ آخَرَ مِنها في أَماكِنِها، فتُمَثِّلُ بِذَلِك مِئةَ أَلفِ مِثالٍ ونَمُوذَجٍ لِلحَشرِ الأَعظَمِ، ومِئةَ أَلفِ دَليلٍ علَيْه.. فمَوجُوداتُ الرَّبِيعِ الماضِي بِنَشرِها لِصَحائِفِ ما قامَت به مِن أَعمالٍ، وما أَدَّت مِن وَظائِفَ، وإِعلانِها تلك الصَّحائِفَ في هذا الرَّبِيعِ، تُظهِرُ بِوُضُوحٍ مِثالًا لِلآيةِ الكَرِيمةِ: وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ
وكذا مِن جانِبِ الكَونِ بِمَجمُوعِه: ففِي كلِّ خَرِيفٍ وفي كلِّ رَبِيعٍ يَمُوتُ عالَمٌ كَبِيرٌ، ويَأتِي إلى الوُجُودِ عالَمٌ جَدِيدٌ، وما فِيهِما مِنَ الوَفَياتِ والمَواليدِ لِأَنواعٍ لا تُحصَى مِنَ الأَحياءِ تَجرِي في غايةِ الِانتِظامِ والمِيزانِ، حتَّى كأَنَّ الدُّنيا مَحَطٌّ ومَنزِلٌ، يُستَضافُ فيه الكائِناتُ الحَيّةُ، فتَأْتِيها عَوالِمُ سَيّاحةٌ ودُنًى سَيّارةٌ تُؤَدِّي فيها وَظائِفَها، ثُمَّ تَرحَلُ عَنها وتُغادِرُها.
وهكَذا فإِنَّ إِحداثَ عَوالِمَ ذاتِ حَياةٍ، وإِيجادَ كائِناتٍ مُوَظَّفةٍ في هذه الدُّنيا، إِحداثًا وإِيجادًا بكُلِّ عِلمٍ وحِكمةٍ، ومِيزانٍ ومُوازَنةٍ، وانتِظامٍ ونِظامٍ، واستِعمالَها بِقُدرةٍ، واستِخدامَها بِرَحمةٍ في المَقاصِدِ الرَّبّانيّةِ، وفي الغاياتِ الإِلٰهِيّةِ، وفي الخِدماتِ الرَّحمانيّةِ، يَدُلُّ بالبَداهةِ على وُجُوبِ وُجُودِ ذاتٍ مُقَدَّسةٍ جَلِيلةٍ لا حَدَّ لِقُدرَتِها، ولا نِهايةَ لِحِكمَتِها، ويُظهِرُها لِلعُقُولِ واضِحةً كالشَّمسِ.
نُغلِقُ بابَ «مَسائِلِ الحُدُوثِ» ، ونُحِيلُها إلى رَسائِلِ النُّورِ وكُتُبِ عُلَماءِ الكَلامِ.
— 168 —
أمّا جِهةُ «الإِمكانِ» فهِي الأُخرَى قد هَيمَنَتْ على الكَونِ وأَحاطَت به، إِذ نُشاهِدُ أنَّ كلَّ شَيءٍ سَواءٌ أَكانَ كُلِّيًّا أم جُزئيًّا، كَبِيرًا أم صَغِيرًا، وكلَّ مَوجُودٍ یی مِنَ العَرشِ إلى الفَرشِ، ومِنَ الذَّرّاتِ إلى السَّيّاراتِ یی إِنَّما يُرسَلُ إلى الدُّنيا بِذَاتيّةٍ خاصّةٍ وبِصُورةٍ مُعَيَّنةٍ وبِشَخصِيّةٍ مُتَميِّزةٍ وبِصِفاتٍ خاصّةٍ وبِكَيفِيّاتٍ حَكِيمةٍ وبِأَجهِزةٍ ذاتِ مَصالِحَ وفَوائِدَ.
والحالُ أنَّ إِعطاءَ تلك الخُصُوصِيّةِ، لِتِلك الذَّاتِ الخاصَّةِ ولِتِلك الماهِيّةِ، مِن بينِ إِمكاناتٍ غَيرِ مَحدُودةٍ.. وكذا إِكساءُ تلك الصُّورةِ المُعَيَّنةِ ذاتِ النُّقُوشِ والعَلاماتِ الفارِقةِ المُتَناسِبةِ، مِن بَينِ إِمكاناتٍ واحتِمالاتٍ عَدِيدةٍ بِعَدَدِ الصُّوَرِ.. وكذا تَخصِيصُ تلك الشَّخصِيّةِ اللّائِقةِ بِانتِقاءٍ مُتَميِّزٍ لِذَلِك المَوجُودِ المُضطَرِبِ بينَ إِمكاناتٍ بِقَدرِ أَشخاصِ بَنِي جِنسِه.. وكذا تَمكِينُ صِفاتٍ خاصّةٍ مُلائِمةٍ ذاتِ مَصالِحَ في ذلك المَصنُوعِ الَّذي ليس له شَكلٌ والمُتَردِّدِ ضِمنَ إِمكاناتٍ واحتِمالاتٍ بِعَدَدِ أَنواعِ الصِّفاتِ ومَراتِبِها.. وكذا تَجهِيزُ ذلك المَخلُوقِ بتِلك الكَيفِيّاتِ ذاتِ الحِكمةِ، وتَقلِيدُه بتلك الأَجهِزةِ ذاتِ العِنايةِ الَّتي مِنَ المُمكِنِ أن تكُونَ في طُرُقٍ شَتَّى وطُرُزٍ غَيرِ مَحدُودةٍ، وهُو المُتَحَيِّرُ السّائِبُ بلا هَدَفٍ، ضِمنَ ما لا يُحَدُّ مِنَ الإِمكاناتِ والِاحتِمالاتِ..
إنَّ جَمِيعَ هذه الإِشاراتِ والدَّلالاتِ والشَّهاداتِ، الصّادِرةِ مِن حَقِيقةِ «الإِمكانِ» تُشَكِّلُ بلا شَكٍّ أَحَدَ جَناحَيْ هذه الشَّهادةِ العُظمَى لِلكَونِ، لِأنَّه بِعَدَدِ جَمِيعِ المُمكِناتِ الكُلِّيّةِ والجُزئيّةِ، وبِعَدَدِ إِمكاناتِ كُلِّ مُمكِنٍ یی مِمّا ذُكِر یی مِن ماهِيّةٍ وهُوِيّةٍ، وما له مِن هَيئةٍ وصُورةٍ، وما يَتمَيَّزُ به مِن صِفةٍ ووَضعِيّةٍ، فهِي إِشاراتٌ ودَلالاتٌ وشَهاداتٌ على وُجُودِ واجِبِ الوُجُودِ سُبحانَه، الَّذي يُخَصِّصُ ويُرَجِّحُ ويُعَيِّنُ ويُحدِثُ، ولا حَدَّ لِقُدرَتِه ولا نِهايةَ لِحِكمَتِه ولا يَخفَى علَيْه شَيءٌ ولا شَأْنٌ ولا يُعجِزُه شَيءٌ ولا يَعزُبُ عنه شَيءٌ.. فأَكبَرُ شَيءٍ عِندَه يَسِيرٌ كأَصغَرِه، وهُو القادِرُ على إِيجادِ رَبِيعٍ بيُسرِ إِيجادِ شَجَرةٍ، وعلى إِيجادِ شَجَرةٍ بِسُهُولةِ إِيجادِ بِذْرةٍ.
ولَمّا كانَت أَجزاءُ رَسائِلِ النُّورِ یی وبخاصّةٍ الكَلِمةُ الثّانيةُ والعِشرُونَ، والثّانيةُ والثَّلاثُونَ، والمَكتُوبُ العِشرُونَ والثّالِثُ والثَّلاثُونَ یی قد أَثبَتَت إِثباتًا كامِلًا، وأَوضَحَت
— 169 —
إِيضاحًا تامًّا شَهادةَ الكَونِ بِكَلا جَناحَيْها وبِكِلتا حَقِيقَتَيْها، لِذا نَختِمُ هذه المَسأَلةَ الطَّوِيلةَ جِدًّا بإِحالَتِها إلى تلك الرَّسائِلِ.
أمّا الجَناحُ الثَّاني لِلشَّهادةِ الكُبرَى الكُلِّيّةِ الصَّادِرةِ مِن مَجمُوعِ الكَونِ فهُو:
الحَقيقةُ الثَّانيةُ: حَقِيقةُ "التَّعاوُنِ":
إنَّ حَقِيقةَ التَّعاوُنِ تُشاهَدُ فيما هو خارِجٌ عن طَوقِ المَخلُوقاتِ السَّاعِيةِ لِحِفظِ وُجُودِها ومَهامِّها، وصِيانةِ حَياتِها یی إِن كانَت مِن ذَوِي الحَياةِ یی وأَداءِ وَظِيفَتِها ضِمنَ هذه الِانقِلاباتِ المُضطَرِبةِ المُستَمِرّةِ والتَّحَوُّلاتِ المُتَلاطِمةِ الدَّائِمةِ.
فمَثلًا: إِنَّ سَعيَ العَناصِرِ لِإِمدادِ الأَحياءِ، وبِخاصَّةٍ إِمدادُ السَّحابِ لِلنَّباتاتِ، ومُساعَدةَ النَّباتاتِ بِدَورِها لِلحَيَواناتِ، ومُعاوَنةَ الحَيَواناتِ لِلإِنسانِ، وتَغذِيةَ الصِّغارِ بِالحَلِيبِ السَّائِغِ مِنَ الأَثداءِ، وتَسلِيمَ حاجاتِ الأَحياءِ وأَرزاقِها الكَثِيرةِ جِدًّا والخارِجةِ عن طاقَتِها وطَوقِها إلى أَيدِيها مِن حَيثُ لا تَحتَسِبُ، وجَرْيَ الذَّرّاتِ الغِذائيّةِ لِبِناءِ خَلايا البَدَنِ، وما شابَهَها مِنَ الأَمثِلةِ الغَزِيرةِ لِحَقِيقةِ التَّعاوُنِ الجارِيةِ بِالتَّسخِيرِ الرَّبَّانيِّ وبالِاستِخدامِ الرَّحمانيِّ، تُظهِرُ بِجَلاءٍ الرُّبُوبيّةَ العُمُومِيَّةَ المُحِيطةَ والرَّحِيمِيّةَ الواسِعةَ الشّامِلةَ لِرَبِّ العالَمِينَ الَّذي يُدِيرُ الكَونَ الواسِعَ بِأَجمَعِه بِسُهُولةِ إِدارةِ قَصرٍ بَسِيطٍ.
نعم، إِنَّ إِظهارَ الأَشياءِ المُتَعاوِنةِ یی وهِي جامِدةٌ وبِلا شُعُورٍ ولا شَفَقةٍ یی أَوْضاعًا تَنِمُّ عنِ الشَّفَقةِ وتَتَّسِمُ بِالشُّعُورِ فيما بَينَها، دَليلٌ وأَيُّ دَليلٍ على أنَّها تُدفَعُ دَفعًا لِلإِمدادِ والمُعاوَنةِ، فتَجرِي بِقُوّةِ رَبٍّ ذِي جَلالٍ، وبِرَحمةِ رَحِيمٍ مُطلَقِ الرَّحمةِ، وبِأَمرِ حَكِيمٍ في غايةِ الحِكمةِ.
وهكَذا، فإِنَّ «التَّعاوُنَ» العامَّ الجارِيَ في الكَونِ، و «المُوازَنةَ» العامَّةَ السَّارِيةَ بِكَمالِ الِانتِظامِ، و «المُحافَظةَ» الشَّامِلةَ، ابتِداءً مِنَ المَجَرَّاتِ والسَّيَّاراتِ إلى أَجهِزةِ الكائِنِ الحَيِّ وأَعضائِه الدَّقيقةِ بل إلى ذَرَّاتِ جِسمِه، و «التَّزيِينَ» الجارِيَ قَلَمُه مِن وَجهِ السَّماواتِ المُتَلَألِئِ إلى وَجهِ الأَرضِ البَهِيجِ، بل إلى وَجهِ الأَزهارِ الجَمِيلةِ، و «التَّنظِيمَ» الحَاكِمَ ابتِداءً مِن دَربِ التَّبّانةِ، إلى المَنظُومةِ الشَّمسِيّةِ، وإلى ثِمارِ الذُّرةِ
— 170 —
والرُّمّانِ وأَمثالِهِما، و «التَّوظِيفَ» القائِمَ ابتِداءً مِنَ الشَّمسِ والقَمَرِ والعَناصِرِ والسُّحُبِ إلى النَّحلِ والنَّملِ.. وأَمثالَها مِنَ الحَقائِقِ العَظِيمةِ جِدًّا، والشَّاهِدةِ شَهادةً مُتَناسِبةً معَ عَظَمَتِها، تُشَكِّلُ الجَناحَ الثَّانِيَ لِشَهادةِ الكَونِ على وُجُودِه سُبحانَه ووَحْدانيَّتِه وتُثبِتُها.
فما دامَت رَسائِلُ النُّورِ قد أَثبَتَت هذه الشَّهادةَ العُظمَى وبَيَّنَتها، لِذا نَكتَفِي هُنا بِهَذِه الإِشارةِ المُوجَزةِ جِدًّا.
وهكَذا ذُكِرَت في المَرتَبةِ الثَّامِنةَ عَشْرةَ مِنَ المَقامِ الأَوَّلِ إِشارةٌ وَجِيزةٌ لِمَا تَلَقَّاه سائِحُ الدُّنيا مِن دَرسِ الإِيمانِ مِنَ الكَونِ:
(لا إِلٰهَ إلّا اللهُ الواجِبُ الوُجُودِ، المُمتَنِعُ نَظِيرُه، المُمكِنُ كلُّ ما سِواه، الواحِدُ الأَحَدُ، الَّذي دَلَّ على وُجُوبِ وُجُودِه في وَحْدَتِه هذه الكائِناتُ الكِتابُ الكَبِيرُ المُجَسَّمُ، والقُرآنُ الجُسْمانيُّ المُعَظَّمُ، والقَصرُ المُزَيَّنُ المُنَظَّمُ، والبَلَدُ المُحْتَشَمُ المُنَتَظَمُ؛ بِإِجماعِ سُوَرِه وآياتِه وكَلِماتِه وحُرُوفِه، وأَبوابِه وفُصُولِه، وصُحُفِه وسُطُورِه؛ واتِّفاقِ أَركانِه وأَنواعِه، وأَجزائِه وجُزئيَّاتِه، وسَكَنَتِه ومُشتَمَلاتِه، ووارِداتِه ومَصارِفِه؛ بِشَهادةِ عَظَمَةِ إِحاطةِ حَقِيقةِ الحُدُوثِ والتَّغيُّرِ والإِمكانِ؛ بإِجماعِ جَمِيعِ عُلَماءِ عِلمِ الكَلامِ، وبِشَهادةِ حَقِيقةِ تَبدِيلِ صُورَتِه ومُشتَمَلاتِه بالحِكمةِ والِانتِظامِ، وتَجدِيدِ حُرُوفِه وكَلِماتِه بالنِّظامِ والمِيزانِ؛ وبِشَهادةِ عظَمَةِ إِحاطةِ حَقِيقةِ التَّعاوُنِ والتَّجاوُبِ والتَّسانُدِ والتَّداخُلِ والمُوازَنةِ والمُحافَظةِ في مَوجُوداتِه بِالمُشاهَدةِ والعِيانِ).
ثُمَّ إِنَّ السَّائِحَ الَّذي أَتَى إلى الدُّنيا، وبَحَث عن خالِقِها، وصَعِدَ في ثَمانِيَ عَشْرةَ مَرتَبةً، وبَلَغ عَرشَ الحَقِيقةِ بِمِعراجٍ إِيمانيٍّ، ارْتَقَى مِن مَقامِ المَعرِفةِ الغِيابِيّةِ إلى مَقامِ الحُضُورِ والمُخاطَبةِ؛ فخاطَبَ هذا الوَلُوعُ المُشتاقُ رُوحَه قائِلًا:
إِنَّ الحَمدَ والثَّناءَ الغِيابِيَّينِ مِن بَدءِ سُورةِ الفاتِحةِ إلى كَلِمةِ «إِيَّاكَ» يُورِثانِ طُمَأْنِينةً تَعرُجُ بِالإِنسانِ وتُرَقِّيه إلى مَرتَبةِ المُخاطَبةِ بی «إِيَّاكَ» ، فعَلَيْنا إِذًا أن نَدَعَ البَحثَ الغِيابيَّ عنه، ونتَوَجَّهَ بِالسُّؤالِ مُباشَرةً إلى مَن نَبحَثُ عنه، إذِ السُّؤالُ عنِ الشَّمسِ الَّتي تُظهِرُ كلَّ
— 171 —
شَيءٍ إِنَّما يتَوَجَّهُ لِلشَّمسِ ذاتِها، لِأنَّ الَّذي يُظهِرُ كلَّ شَيءٍ ويُوضِحُه لا شَكَّ أنَّه يُظْهِرُ ذاتَه أَكثَرَ مِن كلِّ شَيءٍ؛ لِذا فكَما يُمكِنُنا أن نَرَى الشَّمسَ ونَتَعرَّفَ علَيْها مِن أَشِعَّتِها وضِيائِها، يُمكِنُنا أَيضًا أن نَسعَى یی حَسَبَ قابِلِيَّتِنا یی في التَّعرُّفِ على خالِقِنا سُبحانَه وتَعالَى مِن تَجَلِّياتِ أَسمائِه الحُسنَى ومِن أَنوارِ صِفاتِه الجَلِيلةِ.
وسنُبيِّنُ في هذه الرِّسالةِ بَيانًا مُجمَلًا ومُختَصَرًا حَقِيقَتَينِ فقط مِن بَينِ الحَقائِقِ الغَزِيرةِ والتَّفصِيلاتِ المُسهَبةِ لِمَرتَبتَينِ مِنَ المَراتِبِ غيرِ المُتَناهِيةِ لِطَرِيقَينِ مِنَ الطُّرُقِ الكَثِيرةِ لِهَذا المَقصَدِ:
الحَقيقةُ الأُولَى: حَقِيقةُ الفَعّاليّةِ المُستَوليةِ المُهَيمِنةِ على الكَونِ بِأَسرِه، والمُشاهَدةِ أَمامَ أَعيُنِنا، وهِي الَّتي تُدِيرُ، وتُبدِّلُ، وتُجَدِّدُ، جَمِيعَ المَوجُوداتِ المُحِيطةِ والدَّائِمةِ والمُنتَظِمةِ والهائِلةِ والسَّماوِيَّةِ والأَرضِيَّةِ، والَّتي تُفضِي إلى الشُّعُورِ بِحَقِيقةِ تَظاهُرِ الرُّبُوبِيّةِ بَداهةً، ضِمنَ حَقِيقةِ تلك الفَعَّاليَّةِ الحَكِيمةِ بِجَمِيعِ جِهاتِها.. وهذا الشُّعُورُ يَسُوقُ إلى إِدراكِ تَبارُز الأُلُوهِيّةِ بِالضَّرُورةِ ضِمنَ حَقِيقةِ تَظاهُرِ الرُّبُوبِيّةِ المُشِعّةِ بالرَّحمةِ بِجَمِيعِ جِهاتِها.
وهكذا؛ فمِن هذه الفَعَّاليّةِ الحَكِيمةِ المُهَيمِنةِ الدّائِمةِ، ومِن وَراءِ سِتارِها: يُحَسُّ بأَفعالِ فاعِلٍ قَدِيرٍ عَلِيمٍ، كأَنَّها تُشاهَدُ..
ومِن هذه الأَفعالِ الرَّبَّانيَّةِ المُدَبِّرةِ المُربِّيةِ وخَلْفَ حِجابِها: تُعرَفُ بِالبَداهةِ بِدَرَجةِ الحِسِّ: الأَسماءُ الإِلٰهِيّةُ المَوجُودةُ جَلَواتُها في كُلِّ شَيءٍ.
ومِن هذه الأَسماءِ الحُسنَى ذاتِ التَّجَلِّياتِ الجَلاليّةِ والجَماليّةِ وخَلْفَ حِجابِها: يُفهَمُ وُجُودُ الصِّفاتِ القُدسِيّةِ السَّبعِ وتَحَقُّقُها فَهْمًا بدَرَجةِ عِلمِ اليَقِينِ، بل عَينِ اليَقِينِ، بل حَقِّ اليَقِينِ.
ثمَّ إنَّه بِتَجَلِّياتِ هذه الصِّفاتِ القُدسِيّةِ السَّبعِ، وهِي تَجَلِّياتٌ غَيرُ مُتَناهِيةٍ ذاتُ حَيَوِيّةٍ وقُدرةٍ وعِلمٍ وسَمعٍ وبَصَرٍ وإِرادةٍ وتَكَلُّمٍ تَشهَدُ بِها جَمِيعُ المَصنُوعاتِ: تُعلَمُ مَوجُودِيَّةُ مَوصُوفٍ واجِبِ الوُجُودِ، ومُسَمًّى واحِدٍ أَحَدٍ، وفاعِلٍ فَردٍ صَمَدٍ.. تُعلَمُ
— 172 —
عِلمَ يَقِينٍ قَطعًا وبَداهةً وضَرُورةً على نَحوٍ يتَجَلَّى لِعَينِ البَصِيرةِ أَظهَرَ وأَسطَعَ مِنَ الشَّمسِ.
ذلك لِأنَّ الكِتابَ الجَمِيلَ ذا المَعنَى اللَّطِيفِ، والبِناءَ المُنتَظِمَ المُتقَنَ، يَقتَضِيانِ بَداهةً فِعْلَيِ الكِتابةِ والبِناءِ، وفِعلَا الكِتابةِ الجَمِيلةِ والبِناءِ المُنتَظِمِ يَستَدعِيانِ أَيضًا بَداهةً اسمَيِ الكاتِبِ والبَنّاءِ، واسْمَا الكاتِبِ والبَنّاءِ يتَطَلَّبانِ أَيضًا بَداهةً صَنْعةَ الكِتابةِ والبِناءِ وصِفَتَيهِما، وهذه الصَّنعةُ والصِّفاتُ تَستَلزِمانِ بَداهةً ذاتًا تكُونُ مَوصُوفةً وصانِعةً، ومُسَمًّى، وفاعِلةً؛ فكما لا يُمكِنُ أن يكُونَ هُناك فِعلٌ دُونَ فاعِلٍ، ولا اسمٌ دُونَ مُسَمًّى، كَذلِك لا يُمكِنُ أن تكُونَ صِفةٌ دُونَ مَوصُوفٍ، ولا صَنعةٌ دُونَ صانِعٍ.
وهكَذا يتَقَرَّرُ بِناءً عَلى هَذه الحَقِيقةِ والقاعِدةِ: أنَّ هذا الكَونَ یی بِمَوجُوداتِه كافّةً یی قد كُتِبَ بقَلَمِ القَدَرِ، وبُني بِمِطرَقةِ القُدرةِ؛ فكُتِبَ فيه ما لا يُحَدُّ مِمّا هو بِحُكمِ الكُتُبِ والرَّسائلِ ذاتِ المَعانِي اللَّطِيفةِ، وبُنِي فيه ما لا يَنتَهِي مِمَّا هو بِمَثابةِ بِناياتٍ وقُصُورٍ؛ فيُشِيرُ كلُّ فَردٍ مِنها إِشاراتٍ لا حَدَّ لها بآلافِ الأَوجُهِ، وتَشهَدُ مَعًا بِوُجُوهٍ غَيرِ مَحدُودةٍ شَهاداتٍ لا نِهايةَ لها على وُجُوبِ وُجُودِ ووَحْدانيّةِ ذاتٍ جَلِيلةٍ أَزَليّةٍ أَبدِيّةٍ، هي مَوصُوفُ تلك الصِّفاتِ السَّبعةِ المُحِيطةِ القُدسِيّةِ ومَعدِنُها؛ بِالأَفعالِ الرَّبّانيّةِ والرَّحمانيّةِ غَيرِ المُتَناهِيةِ، وبِجَلَواتٍ غَيرِ مَحدُودةٍ لِأَلفِ اسمٍ واسمٍ مِنَ الأَسماءِ الحُسنَى الَّتي هي مَنشَأُ تلك الأَفعالِ، وبِالتَّجَلِّياتِ غَيرِ المُتَناهِيةِ لِلصِّفاتِ السَّبعةِ السُّبحانيّةِ الَّتي هي مَنبَعُ تلك الأَسماءِ الحُسنَى.. وكذا فإِنَّ ما في تلك المَوجُوداتِ كُلِّها مِن جَمِيعِ أَوجُهِ الحُسنِ والجَمالِ وأَنماطِ النَّفاسةِ والكَمالِ، ومِن جَمالٍ قُدسِيٍّ يَلِيقُ بتِلك الأَفعالِ الرَّبّانيّةِ والأَسماءِ الإِلٰهِيّةِ والصِّفاتِ الصَّمَدانيّةِ والشُّؤُونِ السُّبحانيّةِ ويُوافِقُها، كلٌّ مِنه یی بِحَدِّ ذاتِه یی يَشهَدُ بِمَجمُوعِه بَداهةً على الجَمالِ المُقَدَّسِ والكَمالِ المُقَدَّسِ لِذاتِه سُبحانَه وتَعالَى.
وهكَذا، فإِنَّ حَقِيقةَ الرُّبُوبيّةِ المُتَظاهِرةِ ضِمنَ حَقِيقةِ الفَعّاليّةِ المُستَوليةِ تُعرِّفُ نَفسَها وتُبيِّنُها بِشُؤُونِها وتَصَرُّفِها في الخَلقِ والإِيجادِ والصُّنعِ والإِبداعِ الَّتي تَتِمُّ بالعِلمِ
— 173 —
والحِكمةِ، وتُظهِرُها في التَّقدِيرِ والتَّصوِيرِ والتَّدبِيرِ والإِدارةِ الَّتي تَتَّسِمُ بالنِّظامِ والمِيزانِ، وتَبْرُزُ في التَّحوِيلِ والتَّبدِيلِ والتَّنزِيلِ والتَّكمِيلِ الَّتي تُنجَزُ بِالقَصدِ والإِرادةِ، وتُوضِحُها في الإِطعامِ والإِنعامِ والإِكرامِ والإِحسانِ الَّتي تُعطَى بِالشَّفَقةِ والرَّحمةِ.
وإِنَّ حَقِيقةَ تَبارُزِ الأُلُوهِيّةِ أَيضًا الَّتي تُحَسُّ وتُوجَدُ بَداهةً ضِمنَ حَقِيقةِ تَظاهُرِ الرُّبُوبِيّةِ تُعرِّفُ نَفسَها وتُفَهِّمُها أَيضًا بِتَجَلِّياتِ الأَسماءِ الحُسنَى ذاتِ الرَّحمةِ والكَرَمِ، وبِالتَّجَلِّياتِ الجَلاليّةِ والجَماليّةِ لِلصِّفاتِ الثُّبوتيّةِ السَّبعةِ الَّتي هي: الحَياةُ والعِلمُ والقُدرةُ والإِرادةُ والسَّمعُ والبَصَرُ والكَلامُ.
نعم، فكَما أنَّ صِفةَ «الكَلامِ» تُعرِّفُ الذّاتَ الأَقدَسَ سُبحانَه وتَعالَى بالوَحيِ والإِلهاماتِ، فإِنَّ صِفةَ «القُدرةِ» كَذلِك تُعرِّفُ ذاتَه جَلَّ وعَلا بِآثارِها البَدِيعةِ الَّتي هي بِمَثابةِ كَلِماتِها المُجَسَّمةِ الَّتي تَصِفُ قَدِيرًا ذا جَلالٍ، وتُعرِّفُه بإِظهارِها الكَونَ مِن أَقصاه إلى أَقصاه بِماهِيّةِ فُرقانٍ جُسمانيٍّ.
وإِنَّ صِفةَ «العِلمِ» أَيضًا تُعرِّفُ ذاتَ الواحِدِ الأَحَدِ المَوصُوفِ، بِقَدرِ جَمِيعِ المَصنُوعاتِ الحَكِيمةِ المُنتَظِمةِ المَوزُونةِ، وبِعَدَدِ جَمِيعِ المَخلُوقاتِ الَّتي تُدارُ وتُدَبَّرُ وتُزَيَّنُ وتُمَيَّزُ بِالعِلمِ.
أمّا صِفةُ «الحَياةِ» فإِنَّ جَمِيعَ الآثارِ الدّالةِ على «القُدرةِ» ، والصُّورِ والأَحوالِ ذاتِ الِانتِظامِ والحِكمةِ والمِيزانِ والزِّينةِ، الَّتي تُنبِئُ عن وُجُودِ «العِلمِ» ، وجَمِيعَ الدَّلائِلِ الَّتي تُخبِرُ عن بَقِيّةِ الصِّفاتِ الجَلِيلةِ، معَ دَلائِلِ صِفاتِ «الحَياةِ» نَفسِها، تَدُلُّ على تَحَقُّقِ صِفةِ «الحَياةِ».
والحَياةُ نَفسُها كَذلِك معَ جَمِيعِ أَدِلَّتِها تلك تُبرِزُ جَمِيعَ ذَوِي الحَياةِ الَّتي هي بِحُكمِ مَراياها، وتُحَوِّلُ الكَونَ بِرُمَّتِه إلى صُورةِ مِرآةٍ كَبِيرةٍ جِدًّا مُتَكوِّنةٍ مِن مَرايا غَيرِ مَحدُودةٍ مُتَبدِّلةٍ دائِمًا ومُتَجدِّدةٍ بِاستِمرارٍ لِأَجلِ إِظهارِ التَّجَلِّياتِ البَدِيعةِ والنُّقُوشِ الرّائِعةِ المُتَنوِّعةِ جَدِيدةً فَتِيّةً في كلِّ حِينٍ.
— 174 —
وقِياسًا على هذا: فإِنَّ صِفاتِ «البَصَرِ» و «السَّمعِ» و «الإِرادةِ» و «الكَلامِ» كلٌّ مِنها تُعرِّفُ الذّاتَ الأَقدَسَ تَعرِيفًا واسِعًا جِدًّا بِسَعةِ الكَونِ وتُفَهِّمُها.
وإِنَّ تلك الصِّفاتِ مِثلَما أنَّها تَدُلُّ على وُجُودِ ذاتِه جَلَّ وعَلا، فهِي تَدُلُّ كَذلِك بَداهةً على وُجُودِ الحَياةِ وتَحَقُّقِها، وعلى أنَّه سُبحانَه وتَعالَى «حَيٌّ» ؛ ذلك لِأنَّ العِلمَ عَلامةُ الحَياةِ، والسَّمعَ أَمارةُ الحَيَوِيّةِ، والبَصَرَ يَخُصُّ الأَحياءَ، والإِرادةَ تكُونُ معَ الحَياةِ، والقُدرةَ الِاختِيارِيّةَ تُوجَدُ في ذَوِي الحَياةِ، أمّا التَّكلُّمُ فهُو شَأْنُ الأَحياءِ المُدرِكِينَ.
وهكَذا يُفهَمُ مِن هذه النِّقاطِ: أنَّ لِصِفةِ «الحَياِة» أَدِلّةً وبَراهِينَ تَبلُغُ سَبعةَ أَضعافِ سَعَةِ الكَونِ، تُعرِّفُ وُجُودَها ووُجُودَ مَوصُوفِها «الحَيِّ» ، حتَّى أَصبَحَتِ «الحَياةُ» أَساسَ جَمِيعِ الصِّفاتِ ومَنبَعَها، ومَصدَرَ الِاسمِ الأَعظَمِ ومَدارَه.. وحَيثُ إنَّ رَسائِلَ النُّورِ قد أَوضَحَت شَيئًا مِن هذه الحَقِيقةِ الأُولَى وأَثبَتَتْها بِبَراهِينَ دامِغةٍ، نَكتَفِي حاليًّا بِهَذِه القَطْرةِ مِن هذا البَحرِ.
الحَقِيقةُ الثّانيةُ: هي التَّكلُّمُ الإِلٰهيُّ الصَّادرُ مِن صِفةِ الكَلامِ:
إنَّ الكَلامَ الإِلٰهِيَّ سُبحانَه لا نِهايةَ له، وذلك بسِرِّ الآيةِ الكَرِيمةِ:
لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي
فالكَلامُ أَظهَرُ دَليلٍ على مَعرِفةِ وُجُودِ المُتَكلِّمِ، أي: إِنَّ هذه الحَقِيقةَ (التَّكلُّمُ الإِلٰهِيُّ) تَشهَدُ شَهاداتٍ غَيرَ مُتَناهِيةٍ على وُجُودِ المُتَكلِّمِ الأَزَليِّ سُبحانَه وعلى وَحْدانيَّتِه؛ ولَقَد جاءَت شَهادتانِ قَوِيَّتانِ لِهَذِه الحَقِيقةِ بما بُيِّنَ في المَرتَبتَينِ الرّابِعةَ عَشْرةَ والخامِسةَ عَشْرةَ مِن هذه الرِّسالةِ مِن حَيثُ الوَحيُ والإِلهامُ، وجاءَت شَهادةٌ أُخرَى واسِعةٌ في المَرتَبةِ العاشِرةِ مِنها حَيثُ أُشِيرَ إلى الكُتُبِ المُقَدَّسةِ السَّماوِيّةِ، وهُناك شَهادةٌ أُخرَى ساطِعةٌ وباهِرةٌ وجامِعةٌ هي في المَرتَبةِ السَّابِعةَ عَشْرةَ حَيثُ القُرآنُ الكَرِيمُ المُعجِزُ.. نُحِيلُ بَيانَ هذه الحَقِيقةِ وشَهادَتَها إلى تلك المَراتِبِ.
— 175 —
وهكَذا، فقد كانَت أَنوارُ وأَسرارُ الآيةِ الكَرِيمةِ: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ الَّتي أَعلَنَت هذه الحَقِيقةَ إِعلانًا مُعجِزًا، وأَفادَت شَهادَتَها معَ شَهادةِ سائرِ الحَقائِقِ الأُخرَى، كانَت كافيةً ووافيةً لِصاحِبِنا السَّائِحِ، حتَّى إِنَّه لم يَستَطِع أن يَتَجاوَزَها.
فذُكِرَت في المَرتَبةِ التّاسِعةَ عَشْرةَ مِنَ المَقامِ الأَوَّلِ إِشارةٌ لِمَعانٍ مُختَصَرةٍ لِمَا تَلَقّاه هذا المُسافِرُ مِن دَرسٍ في هذا المَقامِ القُدسِيِّ:
(لا إِلٰه إلّا اللهُ الواجِبُ الوُجُودِ، الواحِدُ الأَحَدُ، له الأَسماءُ الحُسنَى، وله الصِّفاتُ العُليا، وله المَثَلُ الأَعلَى، الَّذي دَلَّ على وُجُوبِ وُجُودِه في وَحْدَتِه الذّاتُ الواجِبُ الوُجُودِ بإِجماعِ جَمِيعِ صِفاتِه القُدسِيَّة المُحِيطةِ، وجَمِيعِ أَسمائِه الحُسنَى المُتَجَلِّيةِ، بِاتِّفاقِ جَمِيعِ شُؤُوناتِه وأَفعالِه المُتَصَرِّفةِ بِشَهادةِ عَظَمَةِ حَقِيقةِ تَبارُزِ الأُلُوهِيَّة في تَظاهُرِ الرُّبُوبِيَّةِ في دَوامِ الفَعَّاليَّة المُستَوليةِ بِفِعلِ الإِيجادِ والخَلْقِ والصُّنعِ والإِبداعِ بإِرادةٍ وقُدرةٍ، وبفِعلِ التَّقدِيرِ والتَّصوِيرِ والتَّدبِيرِ والتَّدوِيرِ باختِيارٍ وحِكْمةٍ، وبفِعلِ التَّصرِيفِ والتَّنظِيمِ والمُحافَظةِ والإِدارةِ والإِعاشةِ بِقَصدٍ ورَحْمةٍ، وبكَمالِ الِانتِظامِ والمُوازَنةِ، وبِشَهادةِ عَظَمَةِ إِحاطةِ حَقِيقةِ أَسرارِ: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).
تَمَّ نَشرُ الآيةِ الكُبرَى المُؤَلَّفةِ مِن ثَلاثٍ وثَلاثِينَ مَرتَبةً معَ مُقدِّمَتِها كامِلةً بِشَكلٍ مُستَقِلٍّ، وأُدرِجَ هاهُنا قِسمٌ مِنها.
— 176 —

الحجّة الإيمانية الثانية

(الموقِف الأوَّل من الكَلمَة الثَّانَية والثَّلاثين)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا
«لَا إلٰهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلكُ ولَهُ الحَمدُ، يُحيِي ويُمِيتُ وهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، بِيَدِهِ الخَيرُ، وهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وإلَيهِ المَصِيرُ».
كُنتُ قد بَيَّنتُ في إِحدَى لَيالي رَمَضانَ المُبارَكِ، أنَّ في كلٍّ مِنَ الجُمَلِ الإحدَى عَشْرةَ مِن هذا الكَلامِ التَّوحِيدِيِّ بِشارةً سارّةً، ومَرتَبةً مِن مَراتِبِ التَّوحِيدِ. وقد بَسَطتُ الكَلامَ بَسْطًا يَقْرُبُ مِن فَهْمِ العَوامِّ لِتَوضِيحِ ما في جُملةِ «لا شَرِيكَ له» وَحْدَها مِن مَعانٍ جَمِيلةٍ؛ وذلك على صُورةِ مُحاوَرةٍ تَمثِيليّةٍ ومُناظَرةٍ افتِراضِيّةٍ، واتِّخاذِ لِسانِ الحالِ على هَيئةِ لِسانِ المَقالِ. وأُدرِجُ الآنَ تلك المُحاوَرةَ إسعافًا لِطَلَبِ إِخوَتي الأَعِزّاءِ الَّذين يُعينُونَني في شُؤُوني، ونُزُولًا عِندَ رَغبةِ رُفَقائي في المَسجِدِ ونَظَرًا لِطَلَبِهم. وهي على النَّحوِ الآتي:
نَفتَرِضُ شَخْصًا يُمَثِّلُ الشُّرَكاءَ الَّذين يَتَوَهَّمُهم جَمِيعُ أَنواعِ أَهلِ الشِّركِ والكُفرِ والضَّلالِ مِن أَمثالِ عَبَدةِ الطَّبِيعةِ والمُعتَقِدِين بتَأْثيرِ الأَسبابِ والمُشرِكِين. ونَفرِضُ أنَّ ذلك الشَّخصَ المُفتَرَضَ يُرِيدُ أن يكُونَ رَبًّا لِشَيءٍ مِن مَوجُوداتِ العالَمِ، ويَدَّعِي التَّمَلُّكَ الحَقِيقيَّ له!
— 177 —
وهكذا، فقد قابَلَ ذلك المُدَّعِي أَوَّلًا ما هو أَصغَرُ شَيءٍ في المَوجُوداتِ یی وهو الذَّرّةُ یی فقال لها بلِسانِ الطَّبِيعةِ وبلُغةِ الفَلسَفةِ المادِّيّةِ: إنَّه رَبُّها ومالِكُها الحَقِيقيُّ!
فأَجابَتْه تلك الذَّرّةُ بلِسانِ الحَقِيقةِ وبلُغةِ الحِكْمةِ الرَّبّانيّةِ المُودَعةِ فيها: إنَّني أُؤَدِّي وَظائِفَ وأَعمالًا لا يَحصُرُها العَدُّ، فأَدخُلُ في كلِّ مَصنُوعٍ على اختِلافِ أَنواعِه؛ فإن كُنتَ أيُّها المُدَّعِي مالِكًا عِلْمًا واسِعًا يُحِيطُ بجَمِيعِ تلك الوَظائِفِ، وصاحِبَ قُدرةٍ شامِلةٍ تُوَجِّهُ جَمِيعَها، ولك حُكْمٌ نافِذٌ وهَيمَنةٌ كامِلةٌ على تَسخِيرِي وتَوجِيهِي معَ أَمثالي
(حاشية): نعم، كما أنَّ كلَّ شيءٍ مُتحرِّكٌ ابتِداءً مِنَ الذَّرّاتِ إلى الكَواكِبِ السَّيّارةِ يَدُلُّ على الوَحدانيّةِ، بما فيه مِن سِكّةِ الصَّمَدانيّةِ وطابَعِها، فإنَّه يَضُمُّ جَمِيعَ الأَماكِنِ الَّتي يَجُولُ فيها ضِمنَ مُلكِ مالِكِه الواحِدِ.. أمّا المَصنُوعاتُ السّاكِنةُ ابتِداءً مِنَ النَّباتاتِ إلى النُّجُومِ الثّابِتةِ فهي بمَثابةِ أَختامِ الوَحدانيّةِ حيثُ يُظهِرُ كلٌّ مِنها أنَّ مَوْضِعَه بمَثابةِ رِسالةٍ مِن صانِعِه ومَكتُوبٍ مِنه. أي: إنَّ كلَّ نَباتٍ، وكلَّ ثَمَرٍ، هو خَتْمُ وَحْدانيّةٍ، وسِكّةُ وَحْدةٍ، بحيثُ يَدُلُّ على أنَّ مَواضِعَه وأَوطانَه رِسالةٌ لِصانِعِه البَدِيعِ.
والخُلاصةُ: أنَّ كلَّ شَيءٍ يُسَيطِرُ بحَرَكتِه على جَمِيعِ الأَشياءِ باسمِ الوَحدانيّةِ، أي: إنَّ الَّذي لا يَقبِضُ زِمامَ جَمِيعِ النُّجُومِ بيَدِه لن يكُونَ رَبًّا على الذَّرّةِ.
مِنَ الذَّرّاتِ العامِلةِ والمُتَجوِّلةِ في الوُجُودِ.. وكذا لو كُنتَ تَتَمكَّنُ مِن أن تكُونَ مالِكًا حَقِيقيًّا للمَوجُوداتِ الَّتي أنا جُزءٌ مِنها، كالكُرَيّاتِ الحُمْرِ، وتَتَصرَّفَ فيها بانتِظامٍ تامٍّ.. فلكَ أن تَدَّعِيَ المالِكِيّةَ عَلَيَّ، وتُسنِدَ أَمرِي إلى غيرِ خالِقِي سُبحانَه.. وإلّا فاسْكُتْ! إذ لا تَقدِرُ على أن تَتَدخَّلَ في شُؤُوني، فَضْلًا عن أنَّك لا تَستَطِيعُ أن تكُونَ رَبًّا لي، لأنَّ ما في وَظائِفِنا وأَعمالِنا وحَرَكاتِنا مِنَ النِّظامِ المُتقَنِ الكامِلِ بحَيثُ لن يَقدِرَ علَيه مَن لم يكُن ذا حِكْمةٍ مُطلَقةٍ وعِلْمٍ مُحِيطٍ، فلو تَدَخَّلَ غَيرُه لَأَفْسَدَ. فأَنَّى لك أيُّها المُدَّعِي أن تَمُدَّ إصبَعَك في شُؤُونِنا وأنت العاجِزُ الجامِدُ الأَعمَى الأَسِيرُ بِيَدِ الطَّبِيعةِ والمُصادَفةِ العَمْياوَيْنِ!
فقال المُدَّعِي ما يقُولُه المادِّيُّون: "إذًا كُوني مالِكةً لِنَفسِكِ، فلِمَ تقُولين: إنَّك تَعمَلِين في سَبِيلِ غَيرِكِ؟".
— 178 —
فأَجابَتْه الذَّرّةُ: "لو كان لي عَقلٌ جَبّارٌ كالشَّمسِ وعِلمٌ مٌحِيطٌ كضَوئِها وقُدرةٌ شامِلةٌ كحَرارَتِها وحَواسُّ ومَشاعِرُ واسِعةٌ كالأَلوانِ السَّبعةِ في ضِيائِها ووَجهٌ مُتَوجِّهٌ إلى كلِّ مَكانٍ أَسِيحُ فيه وعَينٌ ناظِرةٌ وكَلامٌ نافِذٌ إلى كلِّ مَوجُودٍ أَتَوجَّهُ إلَيه.. رُبَّما كُنتُ أَتَغابَى مِثلَك فأَدَّعِي الحاكِمِيّةَ لِنَفسِي!. تَنَحَّ عنِّي فلَيس لك مَوضِعٌ فينا".
وعِندَما يَئِسَ داعِيةُ الشِّرْكِ مِنَ الذَّرّةِ، قابَلَ كُرَيّةً حَمْراءَ مِنَ الدَّمِ، عَلَّه يَظْفَرُ مِنها بشَيءٍ، فقالَ لها بلِسانِ الأَسبابِ ولُغةِ الطَّبِيعةِ ومَنطِقِ الفَلْسَفةِ: "أنا لكِ رَبٌّ ومالِكٌ!".
فرَدَّت علَيه الكُريّةُ الحَمْراءُ بلِسانِ الحَقِيقةِ وبلُغةِ الحِكْمةِ الرَّبّانيّةِ: "إنَّني لَسْتُ وَحِيدةً مُنفَرِدةً، فأنا وأَمثالي جَمِيعًا في جَيشِ الدَّمِ الكَثِيفِ، نِظامُنا واحِدٌ ووَظائِفُنا مُوَحَّدةٌ، نَسِيرُ تحتَ إِمْرةِ آمِرٍ واحِدٍ؛ فإن كُنتَ تَقْدِرُ على أن تَملِكَ زِمامَ جَمِيعِ ما في الدَّمِ مِن أَمثالي، ولك حِكْمةٌ دَقِيقةٌ وقُدرةٌ عَظِيمةٌ تُحكِمانِ سَيطَرَتَهما على جَمِيعِ خَلايا الجِسْمِ الَّتي نَجُولُ فيها ونُستَخدَمُ لإنجازِ مُهِمّاتٍ فيها بكُلِّ حِكْمةٍ وانتِظامٍ، فهاتِها؛ فلَرُبَّما يكُونُ عِندَئذٍ لِدَعواك مَعنًى.. ولكِنَّك أيُّها المُدَّعِي لا تَملِكُ سِوَى قُوّةٍ عَمْياءَ وطَبِيعةٍ صَمّاءَ، فلا تَقْدِرُ على أن تَتَدخَّلَ في شُؤُونِنا ولو بمِقدارِ ذَرّةٍ، فَضْلًا عنِ ادِّعاءِ التَّمَلُّكِ علَينا، لأنَّ النِّظامَ الَّذي يُهَيمِنُ علَينا دَقيقٌ وصارِمٌ إلى حَدٍّ لا يُمكِنُ أن يَحكُمَنا إلّا مَن يَرَى كلَّ شَيءٍ ويَسمَعُ كلَّ شَيءٍ ويَعلَمُ كلَّ شَيءٍ ويَفعَلُ ما يَشاءُ. ولِهذا فاسْكُتْ، إذ لا تَدَعُ وَظائِفُنا الجَلِيلةُ ودِقَّتُها ونِظامُها مَجالًا لنا لِنَسمَعَ هَذَرَك.." وهكَذا تَطرُدُه الكُرَيّةُ الحَمْراءُ.
ولَمّا لم يَجِدْ ذلك المُدَّعي بُغيَتَه فيها، ذَهَب فقابَلَ خَلِيّةً في الجِسْمِ فقال لها: بمَنطِقِ الفَلسَفةِ ولِسانِ الطَّبِيعةِ: "لم أَتَمكَّنْ مِن أن أُسمِعَ دَعْوايَ إلى الذَّرّةِ، ولا إلى الكُرَيّةِ الحَمْراءِ، فلَعلِّي أَجِدُ مِنكِ أُذُنًا صاغِيةً، لأنَّكِ لَستِ إلّا حُجَيرةً صَغِيرةً حاوِيةً على أَشياءَ مُتَفرِّقةٍ! ولِهذا فإنَّني قادِرٌ على صُنْعِك، فكُوني مَصنُوعَتِي ومَملُوكَتي حَقًّا!".
فقالَت له الخَلِيّةُ بِلُغةِ الحِكمةِ والحَقِيقةِ: "إنَّني صَغِيرةٌ جِدًّا حَقًّا، ولكِنْ لي وَظائِفُ جَلِيلةٌ وجَسِيمةٌ، ولي عَلاقاتٌ ورَوابِطُ وَثِيقةٌ ودَقِيقةٌ جِدًّا معَ جَمِيعِ خَلايا
— 179 —
الجِسمِ؛ فلي وَظائِفُ مُتقَنةٌ معَ جَمِيعِ الأَوعِيةِ الدَّمَوِيّةِ مِن شَرايِينَ وأَورِدةٍ وأَعصابٍ مُحَرَّكةٍ وحِسِّيّةٍ، ومعَ جَمِيعِ القُوَى الَّتي تُنَظِّمُ الجِسمَ كالقُوّةِ الجاذِبةِ والدّافِعةِ والمُوَلِّدةِ والمُصَوَّرةِ وأَمثالِها.. فإن كان لك أيُّها المُدَّعِي عِلمٌ واسِعٌ وقُدرةٌ شامِلةٌ تُنشِئُ تلك العُرُوقَ والأَعصابَ والقُوَى المُودَعةَ في الجِسمِ وتُنَسِّقُها وتَستَخدِمُها في مُهِمّاتِها، وكذا إن كانَت لَدَيك حِكمةٌ شامِلةٌ وقُدرةٌ نافِذةٌ تَستَطِيعُ أن تَتَصرَّفَ في شُؤُونِ أَخَواتي مِن خَلايا الجِسمِ كلِّها، والَّتي تَتَشابَهُ في الإتقانِ والرَّوعةِ النَّوعِيّةِ، فهَيّا أَظْهِرْها، ثمَّ ادَّعِ بأنَّك تَتَمكَّنُ مِن صُنعِي.. وإلّا فاغْرُبْ عَنّا، فإنَّ الكُرَيّاتِ الحُمْرَ تُزَوِّدُني بالأَرزاقِ، والكُرَيّاتِ البِيضَ تُدافِعُ عَنِّي تُجاهَ الأَمراضِ المُهاجِمةِ؛ فلِيَ أَعمالٌ جِسامٌ، لا تَشغَلْني عنها، فإنَّ عاجِزًا قاصِرًا أَعمَى مِثلَك ليس له حَقُّ التَّدَخُّلِ في شُؤُونِنا الدَّقيقةِ أَبدًا، لأنَّ فينا مِنَ النِّظامِ المُحكَمِ الكامِلِ
(حاشية): إنَّ الصَّانِعَ الحَكِيم قد خَلَق جسمَ الإنسان على هَيئةِ مَدِينةٍ مُنَسَّقة ومُنتَظِمة جدًّا، فقِسمٌ مِن العُرُوق يقوم بمُهِمّة التِّلغرافِ والهاتفِ، وقسمٌ منها بمَثابةِ الأنابيبِ التي تأتي بالماء مِنَ اليَنابِيعِ فيَسِيرُ فيها الدَّمُ، ذلك السَّائلُ الباعِثُ على الحياة.. والدَّمُ نفسُه قد خُلِق فيه قسمانِ مِن الكُرَيّاتِ، يُطلَق على إحداهما الكُرَيّاتُ الحُمْرُ التي تقومُ بتَوزيعِ الأَرزاقِ إلى حُجَيراتِ البَدَن، فتُوصِلُ إليها أَرزاقَها بقانونٍ إلٰهِيٍّ مِثلَما يقومُ مُوَظَّفو الأَرزاقِ وتُجَّارُها بالتَّوزيعِ. والقِسمُ الآخَرُ هو الكُرَيّاتُ البِيضُ التي هي أقلُّ عَددًا مِنَ الأُولَى، وتقومُ بالدِّفاع عنِ الجِسمِ تِجاهَ الأمراضِ مُتَّخِذةً وَضْعًا سَرِيعًا عجِيبًا بنَوعَينِ مِنَ الدَّوَرانِ والحركة یی كالمُرِيدِ المَوْلَوِيِّ یی حالَما تَدخُل حَوْمةُ المَعركةِ.. أمَّا مجموعُ الدَّم فله وَظِيفتانِ عامَّتانِ: الأُولى: تَعمِيرُ الحُجَيراتِ المُتَهدِّمة في الجسم وتَرميمُها.. والأخرى: تَنظيفُ الجِسمِ بجَمْعِ النِّفايات وأَنقاضِ الخَلايا.
وهناك قِسمانِ مِنَ العُرُوقِ أيضًا، يُطلَق على أَحَدِهما الشَّرايِينُ الَّتي تقومُ بنَقْلِ الدَّمِ الصَّافي وتَوزيعِه، فهي بحُكْمِ مَجارِي الدَّمِ النَّقيِّ الصّافي.. والآخَرُ: هو مَجارِي الدَّمِ الفاسِدِ الذي يَجمَعُ النِّفاياتِ الضّارّةَ والأَنقاضَ، ويأتي بها إلى الرِّئةِ التي هي مَركَزُ التَّنفُّسِ.
إنَّ الصّانِعَ الحَكِيم قد خَلَق عُنصُرَينِ في الهَواءِ: أَحَدُهما: الآزُوتُ، والآخَرُ: مُوَلِّد الحُمُوضةِ (الأوكسجين)، فهذا الأَخيرُ ما إن يُلامِسُ الدَّمَ في أثناء التَّنفُّس حتى يَجذِبَ إليه الكَربُونَ الكَثِيفَ الَّذي لَوَّث الدَّمَ مُحَوِّلًا إيّاه إلى مادّةٍ سامّةٍ يُطلَقُ عليها "حامِضُ الكَربُون البُخاريّ" (ثُنائي أُوكسيد الكربون)، وبهذا يقومُ بتَنقِيةِ الدَّمِ وتَصفِيَتِه، فضلًا عن أنَّه يَضمَنُ الحَرارةَ الغَرِيزيّةَ للجِسمِ، ذلك لأنَّ الصَّانِعَ الحَكِيم قد وَهَب لِمُولِّد الحُمُوضة والكَربُون علاقةً شديدة تلك التي يُطلَقُ عليها (الأُلفةُ الكِيمياوِيّة) بحيثُ ما إن يَقتَرِبانِ حتى يَمتَزِجا معًا بقانُونٍ إلٰهِيٍّ، فتتولَّد الحَرارةُ من هذا الِامتِزاجِ كما هو ثابتٌ عِلمًا، إذ الِامتزاجُ نوعٌ مِنِ احتِراقٍ.
وحِكمةُ هذا السِّرِّ هي ما يأتي: إنَّ لِذَرّاتِ كلِّ عنصرٍ مِنَ العَناصرِ حَرَكاتٍ مُختَلِفةً، فأثناءَ الِامتِزاجِ تَمتَزِجُ الحَرَكتان معًا وتتحرَّكُ الذَّرَّتانِ حَرَكةً واحدةً، وتَظَلُّ حَرَكةٌ واحِدةٌ مُعَلَّقةٌ، سائبةٌ، فتنطَلِقُ، بقانونِ الصّانع الحكيم على صورة حَرارةٍ. ومعلومٌ أنَّ الحَرَكة تُولِّد الحرارةَ، كما هو ثابتٌ ومُقرَّر. وبناءً على هذا السِّرِّ فكما تتحقَّقُ حرارةُ الجسم الغريزيةُ بهذا الامتزاجِ الكيمياويِّ، يَتَصفَّى الدَّمُ أيضًا عندما يُسلَبُ مِنه الكربونُ.
وهكذا يُنَقِّي الشَّهِيقُ ماءَ حياةِ الجسمِ ويُشعِلُ نارَ الحياةِ. أمّا الزَّفيرُ فإنَّه يُثمِرُ الكلماتِ المَنطُوقةَ مِنَ الفمِ، التي هي مُعجِزاتُ القُدرةِ الإلٰهِيّة، فسُبحانَ مَن تَحَيَّر في صُنعِه العُقُولُ.
ما لو يَحكُمُنا غَيرُ الحَكِيمِ المُطلَقِ والقَدِيرِ المُطلَقِ والعَلِيمِ المُطلَقِ لَفَسَد نِظامُنا وانفَرَط عِقْدُنا".
— 180 —
وهكذا يَئِسَ المُدَّعي مِنَ الخَلِيّة كذلك، ولكنَّه قابَلَ جِسْمَ الإنسانِ، فقال له كما يقولُ المادِّيُّون، بلِسانِ الطَّبِيعةِ العَمْياءِ والفَلسَفةِ الضّالّةِ: "أَنتَ مُلْكِي، فأنا الَّذي صَنَعتُك، أو في الأَقَلِّ لي حَظٌّ فيك".
فرَدَّ عليه ذلك الجِسمُ الإنسانِيُّ بحَقِيقةِ النِّظامِ الحَكِيمِ الَّذي فيه: "إن كان لك أيُّها المُدَّعِي عِلْمٌ واسِعٌ وقُدرةٌ شامِلةٌ لها التَّصَرُّفُ المُطلَقُ في جَمِيعِ أَجسامِ البَشَرِ مِن أَمثالي، لِوَضْعِ العَلاماتِ الفارِقةِ الظَّاهِرةِ في وُجُوهِنا، والَّتي هي طابَعُ القُدرةِ وخَتْمُ الفِطْرةِ.. وكذا لو كانَت لك ثَروةٌ طائِلةٌ وحاكِمِيّةٌ مُهَيمِنةٌ تَتَحكَّمُ في مَخازِنِ أَرزاقي المُمتَدّةِ مِنَ الهَواءِ والماءِ إلى النَّباتاتِ والحَيَواناتِ.. وكذا لو كانَت لك حِكْمةٌ لا حَدَّ لها وقُدْرةٌ لا مُنتَهَى لها بحيثُ تُمَكِّنُ اللَّطائِفَ المَعنَوِيّةَ الرّاقيةَ الواسِعةَ مِن رُوحٍ وقَلْبٍ وعَقْلٍ في بَوْدقَةٍ صَغِيرةٍ مِثلي، وتُسَيِّرُها بحِكْمةٍِ بالِغةٍ إلى العُبُودِيّة، فأَرِنِيها ثمَّ ادَّعِ الرُّبُوبيّةَ لي، وإلَّا فاسكُتْ؛ فإنَّ صانِعِي الجَلِيلَ قادِرٌ على كلِّ شَيءٍ، عَلِيمٌ بكُلِّ شَيءٍ، بَصِيرٌ بكُلِّ شَيءٍ، سَمِيعٌ لِكُلِّ شَيءٍ، بشَهادةِ النِّظامِ الأَكمَلِ الَّذي يُسَيِّرُني، وبدَلالةِ طابَعِ الوَحدانيّةِ المَوجُودِ في وَجْهِي، فلا يَقدِرُ عاجِزٌ وضالٌّ مِثلُك أن يَمُدَّ إصبَعَه إلى صَنْعَتِه البَدِيعةِ أَبدًا ولا أن يَتَدخَّلَ فيها ولو بمِقدارِ ذَرّةٍ".
— 181 —
فانصَرَف داعِيةُ الشِّركِ حيثُ لم يَستَطِعْ أن يَجِدَ مَوْضِعًا لِلتَّدَخُّلِ في الجِسمِ، فقابَلَ نَوْعَ الإنسانِ، فحاوَرَ نَفسَه قائِلًا: "رُبَّما أَجِدُ في هذه الجَماعةِ المُتَشابِكةِ المُتَفرِّقةِ مَوْضِعًا، فأَتَدخَّلُ في أَحوالِ فِطْرَتِهم ووُجُودِهم مِثلَما يَتَدخَّلُ الشَّيطانُ بضَلالِه في أَفعالِهِمُ الِاختِيارِيّةِ وشُؤُونِهِمُ الِاجتِماعِيّةِ؛ وعِندَها أَتَمكَّنُ مِن أن أُجرِيَ حُكْمِي على جِسمِ الإنسانِ الَّذي طَرَدَني هو وما فيه مِن خَلايا".
ولِهذا خاطَبَ نَوْعَ الإنسانِ بلِسانِ الطَّبِيعةِ الصَّمَّاءِ والفَلسَفةِ الضّالّةِ أيضًا: "أَنتُم أيُّها البَشَرُ تَبدُون في فَوضَى، فلا أَرَى نِظامًا يُنَظِّمُكم، فأنا لكم رَبٌّ ومالِكٌ، أو في الأَقلِّ لي حِصّةٌ فيكُم".
فرَدَّ عليه حالًا نَوعُ الإنسانِ بلِسانِ الحَقِّ والحَقِيقةِ وبلُغةِ الحِكْمةِ والِانتِظامِ: "إن كُنتَ یی أيُّها المُدَّعي یی مالِكًا قُدرةً تَتَمكَّنُ مِن أن تُلبِسَ الكُرةَ الأَرضِيّةَ حُلّةً قَشِيبةً مُلَوَّنةً بأَلوانٍ زاهِيةٍ مَنسُوجةٍ بكَمالِ الحِكْمةِ بخُيُوطِ أَنواعِ النَّباتاتِ والحَيَواناتِ الَّتي تَنُوفُ على مِئةِ أَلفِ نَوْعٍ، الشَّبِيهةِ بنَوعِنا الإنسانِيِّ، ويكونَ بوُسْعِها نَسْجُ ذلك البِساطِ البَدِيعِ المَفرُوشِ على الأَرضِ مِن خُيُوطِ مِئاتِ الأُلُوفِ مِن أَنواعِ الكائِناتِ الحَيّةِ، والَّتي هي في أَبدَعِ نَقْشٍ وأَجمَلِه.. وفَضْلًا عن خَلْقِ هذا البِساطِ الرّائِعِ، وتَجَدُّدِه دَومًا وبحِكْمةٍ تامّةٍ! فإن كانَت لَدَيك قُدرةٌ مُحِيطةٌ وحِكْمةٌ شامِلةٌ كهذه، بحيثُ تَتَصرَّفُ في كُرةِ الأَرضِ الَّتي نحن مِن ثِمارِها، وتُدَبِّرُ شُؤُونَ العالَمِ الَّذي نحن بُذُورُه، فتُرسِلَ بمِيزانِ الحِكْمةِ لَوازِمَ حَياتِنا إلَينا مِن أَقطارِ العالَمِ كُلِّه..
وإن كُنتَ یی أيُّها المُدَّعي یی تَنطَوِي على اقتِدارٍ يَخلُقُ عَلاماتِ القُدرةِ الإلٰهِيّةِ المُمَيَّزةِ المُوَحَّدةِ في وُجُوهِنا، وفي أَمثالِنا مِنَ السَّالِفِين والآتِين.. فإن كُنتَ مالِكًا لِما ذَكَرْنا فلَرُبَّما يكونُ لك حَقُّ ادِّعاءِ الرُّبُوبيّةِ علَيَّ؛ وإلّا فاخْرَسْ! ولا تَقُلْ: إنَّني أَتَمكَّنُ مِن أن أَتَدخَّلَ في شُؤُونِ هؤلاء الَّذين يَبدُون في اختِلاطٍ وتَشابُكٍ، إذِ الِانتِظامُ عِندَنا على أَتمِّه، وتلك الأَوضاعُ الَّتي تَظُنُّها فَوْضَى إنَّما هي استِنساخٌ للقُدرةِ الإلٰهِيّةِ بكَمالِ الِانتِظامِ على وَفْقِ القَدَرِ الإلٰهِيِّ.
— 182 —
فلَئِن كان النِّظامُ دَقِيقًا في أَدنَى دَرَجاتِ الحَياةِ كالنَّباتاتِ والحَيَواناتِ وهي تحتَ نَظْرَتِنا ويَرفُضُ أيَّ تَدَخّلٍ كان، فكيف بنا ونحنُ في قِمّةِ مَراتِبِ الحَياةِ؟ ألَيس الَّذي يَبدُو اختِلاطًا وفَوْضَى هو نَوعٌ مِن كِتابةٍ رَبّانيّةٍ حَكِيمةٍ؟ أفيُمكِنُ للَّذي مَكَّن خُيُوطَ النُّقُوشِ البَدِيعةِ لِهذا البِساطِ، كلًّا في مَوضِعِه المُناسِبِ، وفي أيِّ جُزءٍ وطَرَفٍ كان، أن يكُونَ غيرَ صانِعِه، غيرَ خالِقِه الحَقِيقيِّ، فهل يُمكِنُ أن يكُونَ خالِقُ النَّواةِ غيرَ خالقِ ثَمَرتِها؟ وهل يُمكِنُ أن يكونَ خالِقُ الثَّمَرةِ غيرَ خالِقِ شَجَرتِها؟ ولكنَّك أَعمَى لا تُبصِرُ! ألا تَرَى مُعجِزاتِ القُدرةِ في وَجْهِي وخَوارِقَ الصَّنْعةِ في فِطْرَتي؟ فإنِ استَطَعتَ أن تُشاهِدَها، فستُدرِكُ أنَّ خالِقِي لا يَخفَى علَيه شَيءٌ ولا يَصعُبُ علَيه أَمرٌ، ولا يُعجِزُه شَيءٌ، يُدِيرُ النُّجُومَ بيُسْرِ إدارةِ الذَّرَّاتِ، ويَخلُقُ الرَّبيعَ الشَّاسِعَ بسُهُولةِ خَلْقِ زَهرةٍ واحِدةٍ، وهو الَّذي أَدْرَجَ فِهرِسَ الكَونِ العَظِيمِ في ماهِيَّتي بانتِظامٍ دَقيقٍ، أفَيُمكِنُ لِعاجِزٍ أَعمَى مِثلِك أن يَحشُرَ نَفسَه فيَتَدخَّلَ في إبداعِ هذا الخالِقِ العَظِيمِ والصَّانِعِ الجَلِيلِ.. ولهذا فاسْكُتْ واصْرِفْ وَجْهَك عنِّي.. فيَمضِي مَطرُودًا.
ثمَّ يَذهَبُ ذلك المُدَّعي إلى البِساطِ الزّاهِي المَفرُوشِ على وَجْهِ الأَرضِ والحُلّةِ القَشِيبةِ المُزَيَّنةِ الَّتي أُلبِسَت، فخاطَبَه باسمِ الأَسبابِ وبِلُغةِ الطَّبِيعةِ ولِسانِ الفَلسَفةِ: "إنَّني أَتَمكَّنُ مِنَ التَّصَرُّفِ في شُؤُونِك، فأنا إذًا مالِكٌ لك ولي حَظٌّ فيك في الأَقَلِّ".
وعِندَ ذلك تَكَلَّم ذلك البِساطُ المُزَرْكَشُ وتلك الحُلّةُ القَشِيبةُ (حاشية): ولكن مِثلَما أنَّ هذا النَّسِيجَ ذُو حَيَويّة، فهو كذلك في اهتِزازٍ مُنتَظِمٍ، إذ تتبدَّلُ نُقُوشُه باستمرارٍ وبحِكمةٍ كامِلةٍ وتَناسُقٍ تامٍّ، وذلك إظهارًا لِتَجَلِّياتِ الأسماءِ الحُسنَى المُختَلِفةِ لنَسّاجِه البديعِ في تجَلِّياتٍ مُتَنوِّعةٍ مُختَلِفةٍ. وخاطَب ذلك المُدَّعِيَ بلُغةِ الحَقِيقةِ وبلِسانِ الحِكْمةِ المُودَعةِ فيه: "إن كانَت لك قُدرةٌ نافِذةٌ وإتقانٌ بَدِيعٌ يَجعَلانِك تَنسُجُ جَمِيعَ هذه البُسُطَ المَفرُوشةَ والحُلَلَ البَهِيّةَ الَّتي تُخلَعُ على الأَرضِ بعَدَدِ القُرُونِ والسِّنِينَ، ثمَّ تَنزِعُها عنها بنِظامٍ تامٍّ وتَنشُرُها على حَبْلِ الزَّمانِ الماضِي، ومِن بعدِ ذلك تَخِيطُ ما يُخلَعُ علَيها مِن حُلَلٍ زاهِرةٍ بنُقُوشِها وتُفَصِّلُ تَصامِيمَها في دائِرةِ القَدَرِ.. وكذا إن كُنتَ مالِكًا لِيَدٍ مَعنَوِيّةٍ ذاتِ قُدرةٍ وحِكْمةٍ بحيثُ تَمتَدُّ إلى كلِّ شَيءٍ ابتِداءً مِن خَلْقِ الأَرضِ إلى دَمارِها، بل مِنَ الأَزَلِ إلى الأَبدِ، فتُجَدِّدُ
— 183 —
وتُبَدِّلُ أَفرادَ لُحْمةِ بِساطِي هذا وسُداه.. وكذا إن كُنتَ تَستَطِيعُ أن تَقبِضَ على زِمامِ الأَرضِ الَّتي تَلبَسُنا وتَكتَسِي بنا وتَتَستَّرُ.. نعم، إن كُنتَ هكذا فادَّعِ الرُّبُوبيّةَ علَيَّ.. وإلّا فاخرُجْ مَذمُومًا مَدحُورًا مِنَ الأَرضِ؛ فلَيس لك مُقامٌ هنا، إذ فينا مِن تَجَلِّياتِ الوَحدانِيّةِ وأَختامِ الأَحَدِيّةِ بحَيثُ مَن لم يكُن جَمِيعُ الكائِناتِ في قَبْضةِ تَصَرُّفِه ولم يَرَ جَمِيعَ الأَشياءِ بجَمِيعِ شُؤُونِها دُفعةً واحِدةً، ولم يَستَطِعْ أن يَعمَلَ أُمُورًا لا تُحَدُّ في آنٍ واحِدٍ، ولم يكُن حاضِرًا ورَقيبًا في كلِّ مَكانٍ ومُنَزَّهًا عنِ المَكانِ والزَّمانِ.. لا يَتَمكَّنُ أن يكُونَ مالِكًا لنا أَبدًا، بل لا يُمكِنُ أن يَتَدخَّلَ في أُمُورِنا مُطلَقًا. أي: مَن لم يكُن مالِكًا لِقُدرةٍ مُطلَقةٍ وحِكْمةٍ مُطلَقةٍ وعِلْمٍ مُطلَقٍ، لا يُمكِنُ أن يَتَحكَّمَ فينا ويَدَّعِيَ المالِكِيةَ علَينا".
وهكذا يَذهَبُ المُدَّعي مُخاطِبًا نَفسَه: "لِأَذهَبْ إلى الكُرةِ الأَرضِيّةِ عَلَّني أَستَغْفِلُها وأَجِدُ فيها مَوْضِعًا.." فتَوَجَّهَ إلَيها قائِلًا لها
(حاشية-١): الحاصلُ: إنَّ الذَّرّة تُحيل ذلك المُدَّعِيَ إلى الكُرَيّة الحَمراءِ، وهذه تُحِيلُه إلى الخَلِيّة، وهذه إلى الجِسمِ، والجِسمُ يُحِيلُه إلى النَّوعِ الإنسانِيِّ، والنَّوعُ إلى الحُلّةِ المَنسُوجةِ مِن الأحياءِ التي يَلبَسُها سَطحُ الأرضِ، وتُحِيلُه حُلّةُ سَطحِ الأرض إلى الأرضِ نفسِها، وهذه إلى الشَّمسِ، والشَّمسُ إلى النُّجُومِ.. وهكذا يقولُ كلٌّ مِنها: انصَرِفْ عنَّا.. فلوِ استَطَعتَ أن تُسَيطِرَ على من هو فوقي فحاوِلِ السَّيطَرةَ علَيَّ، وإلّا فأنت عاجِزٌ عنِ التَّحَكُّمِ فِيَّ! فإذًا مَن لم يُنفِذْ أَمرَه على النُّجُومِ كافّةً، لا يُمكِنُه أن يُنفِذَه على ذَرّةٍ واحِدةٍ.
باسمِ الأَسبابِ وبلِسانِ الطَّبِيعةِ مَرّةً أُخرَى: "إنَّ دَوَرانَكِ هكذا دُونَ قَصْدٍ يَشِفُّ عن أنَّك سائِبةٌ دُونَ مالِكٍ، ولِهذا يُمكِنُ أن تَكُوني طَوْعَ أَمرِي!".
فرَدَّتْ علَيه الأَرضُ بِصَيحةٍ كالصَّاعِقةِ مُنكِرةً دَعواه بلِسانِ الحَقِّ والحَقِيقةِ المُضمَرةِ فيها: "لا تَهذِرْ أيُّها الأَحمَقُ الأَبلَهُ! كيف أَكُونُ هَمَلًا بلا مالِكٍ ومَولًى! فهل رَأَيتَ في ثَوبِي الَّذي أَلبَسُه خَيْطًا واحِدًا فقط نَشازًا بغيرِ حِكْمةٍ ومِن دُونِ إتقانٍ! حتَّى تَزعُمَ أنَّ حَبْلي على غارِبِي وأنَّني بلا مَولًى ولا مالِكٍ؟! انظُر إلى حَرَكاتي فحَسْبُ، ومِنها حَرَكَتِي السَّنَوِيّةُ (حاشية-٢): إذا كان نِصفُ قُطرِ دائرةٍ مِئةً وثمانين مِليُونَ كيلومِترًا، فتلك الدَّائرةُ تكونُ بمسافةِ خَمسٍ وعِشرين أَلفَ سَنةٍ تقريبًا. الَّتي أَسِيرُ فيها مسافةَ خَمسٍ وعِشرِين أَلفَ سَنةٍ في سَنةٍ
— 184 —
واحِدةٍ فقط، مُنجِزةً وَظائِفِي المُلْقاةَ علَيَّ بكَمالِ المِيزانِ والحِكْمةِ.. فإن كانَت لَدَيكَ حِكْمةٌ مُطلَقةٌ وقُدرةٌ مُطلَقةٌ فتُسَيِّرُ وتُجرِي معي رُفَقائِي مِنَ السَّيّاراتِ العَشرِ مِن أَمثالي في أَفلاكِها العُظمَى، وتَخلُقُ الشَّمسَ المُنِيرةَ الَّتي هي قائِدُنا وإمامُنا والَّتي تَربِطُنا وإيّاها جاذِبةُ الرَّحمةِ فتُدِيرُنا وتَجرِي بنا أنا والسَّيّاراتِ جَمِيعًا حَوْلَ الشَّمسِ بنِظامٍ تامٍّ وحِكْمةٍ كامِلةٍ. نعم، أيُّها المُدَّعي إن كانَت لَدَيك قُدرةٌ مُطلَقةٌ وحِكْمةٌ مُطلَقةٌ على إدارةِ هذه الأُمُورِ الجِسامِ وتَدبِيرِها فادَّعِ بدَعْواك. وإلّا فاتْرُكْ هذا الهَذَيانَ المُفرِطَ، وسُحْقًا لك في جَهَنَّمَ وبِئسَ المَصِيرُ، فلا تَشْغَلْني عن مُهِمّاتي العَظِيمةِ، إذ إنَّ ما فينا مِنَ الِانتِظامِ الرّائِعِ والتَّناسُقِ المَهِيبِ والتَّسخِيرِ الحَكِيمِ يَدُلُّ بوُضُوحٍ على أنَّ جَمِيعَ المَوجُوداتِ مِنَ الذَّرّاتِ إلى النُّجُومِ وإلى الشُّمُوسِ طَوْعُ أَمرِ صانِعِنا ومُسَخَّرةٌ له. إذ مِثلَما يُنَظِّمُ الشَّجَرةَ بسُهُولةٍ ويُزَيِّنُ ثَمَراتِها فإنَّه بالسُّهُولةِ نَفسِها يُنَظِّمُ الشَّمسَ بسَيّاراتِها. فهُو الحَكِيمُ ذُو الجَلالِ والحاكِمُ المُطلَقُ ذو الكَمالِ".
ثمَّ يَتَوجَّهُ ذلك المُدَّعي إلى الشَّمسِ بعدَ أن لم يَجِد له مَوْضِعَ قَدَمٍ في الأَرضِ، فَحَاورَ نفسَه قائِلًا: "إنَّ هذه الشَّمسَ شَيءٌ عَظِيمٌ، لَعلِّي أَجِدُ فيها ثَغرةً أُمَرِّرُ فيها دَعوايَ وأُسَخِّرُ بدَوْرِي الأَرضَ كذلك".
فقال للشَّمسِ بلِسانِ الشِّركِ وأَضاليلِ الفَلسَفةِ الشَّيطانيّةِ، وكما يقُولُه المَجُوسُ: "أَنتِ يا شَمسُ سُلطانةُ العالَمِ، وأنتِ حَتْمًا مالِكةٌ لِنَفسِكِ، وتَتَصرَّفين في العالَمِ كيف تَشائِينَ".
وعلى الفَوْرِ أَجابَتْه الشَّمسُ باسمِ الحَقِّ وبلِسانِ الحَقِيقةِ والحِكْمةِ الإلٰهِيّةِ: "كلَّا وأَلفُ مَرّةٍ كلَّا.. بل لَستُ إلّا مَأْمُورةً مُطِيعةً مُسَخَّرةً بوَظِيفةِ تَنوِيرِ مُستَضافِ سَيِّدِي؛ فلَستُ مالِكةً لِنَفسِي أبدًا، بل لَستُ مالِكةً حتَّى لِجَناحِ ذُبابةٍ مُلْكًا حَقِيقيًّا، لأنَّ في جِسمِ الذُّبابِ مِنَ الجَواهِرِ المَعنَوِيّةِ النَّفِيسةِ، كالعَينِ والأُذُنِ ومِن بَدائِعِ الصَّنْعةِ، ما لا أَملِكُه قَطُّ وما هو خارِجٌ عن طَوْقي"، وهكذا تُوَبِّخُ المُدَّعِيَ.
فيَنبَرِي ذلك المُدَّعِي قائِلًا بلِسانِ الفَلسَفةِ المُتَغَطرِسةِ المُتَفرعِنةِ: "ما دُمتِ لَستِ مالِكةً لِنَفسِكِ، بل خادِمةً، فإذًا أنتِ مَملُوكةٌ لي وتحتَ تَصَرُّفي باسمِ الأَسبابِ".
— 185 —
فرَدَّت عليه الشَّمسُ رَدًّا قَوِيًّا باسمِ الحَقِّ والحَقِيقةِ وبلِسانِ العُبُودِيّةِ قائِلةً: "إنَّما أَكُونُ مَملُوكةً لِمَن خَلَق نُجُومًا عالِيةً مِن أَمثالي، وأَسكَنَها في سَمائِه بكَمالِ حِكْمةٍ، وأَدارَها بكَمالِ هَيبةٍ، وزَيَّنَها بكَمالِ زِينةٍ".
ثمَّ إنَّ ذلك المُدَّعِيَّ بَدَأ يُحَدِّثُ نَفسَه: "إنَّ النُّجُومَ مُختَلِطةٌ مُزدَحِمةٌ، وهي مُشَتَّتةٌ مُتَباعِدةٌ بعضُها عن بعضٍ، فلَعَلِّي أَجِدُ مِنها مَوضِعًا باسمِ مُوَكِّلي فأَظفَرُ مِنها بشَيءٍ.." فيَدخُلُ بينَ النُّجُومِ.
فقال لها كما يقولُ الصّابِئةُ عُبّادُ النُّجُومِ باسمِ الأَسبابِ وفي سَبِيلِ شُرَكائِه وبلِسانِ الفَلسَفةِ الطّاغِيةِ: "أَيَّتُها النُّجُومُ، إنَّ حُكّامًا كَثِيرين يَتَحكَّمُون فيكُم لِشِدّةِ تَشَتُّتِكم وتَبَعثُرِكم".
فأَجابَته نَجمةٌ واحِدةٌ نِيابةً عنِ النُّجُومِ: ما أَشَدَّ بَلاهَتَك أيُّها المُدَّعِي الأَحمَقُ! ألا تَرَى عَلامةَ التَّوحِيدِ وطُغْراءَ الأَحَدِيّةِ على وُجُوهِنا، ألا تَفهَمُها؟ ألا تَعلَمُ أَنظِمَتَنا الرّاقيةَ وقَوانِينَ عُبُودِيَّتِنا الصّارِمةَ؟ أَتَظُنُّنا بلا نِظامٍ؟
فنحنُ مَخلُوقون عَبِيدًا لِواحِدٍ أَحَدٍ يُمسِكُ في قَبْضَتِه أُمُورَنا وأُمُورَ السَّماواتِ الَّتي هي بَحْرُنا، والكائِناتِ الَّتي هي شَجَرَتُنا، وفَضاءَ العالَمِ الواسِعِ الَّذي هو مَسِيرُنا. فنحنُ شَواهِدُ نُورانيّةٌ كالمَصابِيحِ المُنِيرةِ أَيّامَ المِهْرَجاناتِ نُبيِّنُ كَمالَ رُبُوبيَّتِه سُبحانَه، ونحن بَراهِينُ ساطِعةٌ نُعلِنُ عن سَلْطَنةِ رُبُوبيَّتِه، فكُلُّ طائِفةٍ مِنّا خَدَمَةٌ عامِلُون نُورانيُّون نَدُلُّ على عَظَمةِ سَلْطَنَتِه، في مَنازِلَ عُلْوِيّةٍ سُفْلِيّةٍ دُنيَوِيّةٍ بَرزَخِيّةٍ أُخرَوِيّةٍ.
نعم، إنَّنا مُعجِزةٌ باهِرةٌ مِن مُعجِزاتِ قُدرةِ الواحِدِ الأَحَدِ، وثَمَرةٌ يانِعةٌ لِشَجَرةِ الخِلْقةِ، وبُرهانٌ مُنَوَّرٌ للوَحدانيّةِ؛ فنحن للمَلائِكةِ مَنزِلٌ وطائِرةٌ ومَسجِدٌ، وللعَوالِمِ العُلْوِيّةِ مِصباحٌ وشَمسٌ، وعلى سَلْطَنةِ الرُّبُوبيّةِ شاهِدٌ، ولِفَضاءِ العالَمِ قَصرٌ وزِينةٌ وزَهرةٌ.. وكأنَّنا أَسماكٌ نُورانيّةٌ تَسْبَحُ في بَحرِ السَّماء، وعينٌ جَمِيلةٌ لِوَجهِ السَّماء.
(حاشية): فنحن مُشاهِدُو مَصنُوعاتِ الخالقِ البَدِيعةِ، والمُشِيرون إليها، بل نَجعَلُ الآخَرِين يُشاهِدُونها بإعجابٍ.. أي: كأنَّ السَّماءَ تَنظُرُ إلى عَجائِبِ الصَّنعةِ الإلٰهِيّة في الأرضِ بما لا يُحَدُّ لها مِن عُيُون.. فالنُّجومُ كمَلائِكةِ السَّماء تَنظُرُ إلى الأَرضِ التي هي مَحشَرُ العَجائبِ، ومَعرِضُ الغَرائبِ، بل تَستَقطِبُ أَنظارَ ذَوِي الشُّعُورِ إلَيها.
— 186 —
فكما أنَّ كُلًّا مِنّا هكذا، فإنَّ في مَجمُوعِنا سُكُوتًا في سُكُونٍ.. وحَرَكةً في حِكْمةٍ.. وزِينةً في هَيْبةٍ.. واستِواءَ خِلْقةٍ في انتِظامٍ.. وإتقانَ صَنْعةٍ في مَوزُونيّةٍ. لهذا نَشهَدُ بأَلسِنةٍ غيرِ مَحدُودةٍ على وَحدانيّةِ صانِعِنا الجَلِيلِ وعلى أَحَديَّتِه وصَمَدانيَّتِه وعلى أَوصافِ جَمالِه وكَمالِه وجَلالِه، ونُعلِنُ هذه الشَّهادةَ على أَشهادِ الكائِناتِ جَمِيعِها.. أفَبَعدَ هذا تَتَّهِمُنا ونحن العَبِيدُ الطّاهِرُون المُطِيعُون المُسَخَّرُون بأنَّنا في فَوضَى واختِلاطٍ وعَبَثٍ، بل بلا مَولًى ومالِكٍ؟! فإنَّك لا شَكَّ تَستَحِقُّ التَّأدِيبَ على اتِّهامِك هذا.. فتَرجُمُ نَجمةٌ واحِدةٌ ذلك المُدَّعِيَ فتَطرَحُه مِن هناك إلى قَعْرِ جَهَنَّمَ وبِئسَ المَصِيرُ؛ وتَقذِفُ معَه الطَّبِيعةَ إلى وادِي الأَوهامِ
(حاشية): وبعدَما هَوَتِ الطَّبيعةُ نَدِمَت عَمّا فَعَلَت فتابَت، وعَلِمَت أنَّ وَظيفَتَها الحَقِيقيّةَ القَبُولُ والِانفِعالُ، لا التَّأثيرُ والفِعلُ، وأنَّها تَعمَلُ وَفْقًا لِقُدرةِ اللهِ ومَشِيئتِه، فهي كدَفتَرٍ للقَدَرِ الإلٰهِيِّ، دَفتَرٍ قابلٍ للتَّبدِيلِ والتَّغيِيرِ، وبما يُشبِهُ مَنهَجَ القُدرةِ الرَّبّانيّةِ. ونَوعًا مِن شَرِيعةٍ فِطْرِيّةٍ للقَدِيرِ ذي الجَلالِ. ومَجمُوعةَ قَوانينِه.. فقَبِلَتِ الطَّبِيعةُ وَظيفَتَها وهي العُبُوديّةُ بكَمالِ العَجْزِ والِانقِيادِ، وتَسَمَّت باسمِ الفِطْرةِ الإلٰهِيّة والصَّنعةِ الرَّبّانيّة.
وتُلقِي المُصادَفةَ إلى بِئرِ العَدَمِ، والشُّرَكاءَ إلى ظُلُماتِ الِامتِناعِ والمُحالِ، والفَلسَفةَ المُعادِيةَ للدِّينِ إلى أَسفَلِ سافِلِين.
فتُرتِّلُ تلك النَّجمةُ معَ النُّجُومِ كلِّها قولَه تعالى: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا، مُعلِنةً أنْ لا مَجالَ لِشَريكٍ قَطُّ ولا حَدَّ له أن يَتَدخَّل حتَّى في أَدنَى شَيءٍ، اعتِبارًا مِن جَناحِ ذُبابةٍ إلى قَنادِيلِ السَّماءِ.
سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ سِرَاجِ وحدَتِكَ فِي كَثرَةِ مَخلُوقَاتِكَ، ودَلّالِ وحدَانِيَّتِكَ فِي مَشهَرِ كَائِنَاتِكَ، وعَلَى آلِهِ وصَحبِهِ أَجمَعِينَ.
— 187 —

ذيلٌ صغير للموقف الأوَّل

فاستَمِعْ للآيةِ الكَرِيمةِ:
أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا... إلى آخر الآية
ثُمَّ انظُرْ إلَى وَجهِ السَّمَاءِ! كَيفَ تَرَى سُكُوتًا فِي سُكُونَةٍ، حَرَكَةً في حِكْمَةٍ، تَلَأْلُؤًا في حِشْمَةٍ، تَبَسُّمًا فِي زِينَةٍ، مَعَ انتِظَامِ الخِلْقَةِ، مَعَ اتِّزَانِ الصَّنعَةِ.. تَشَعْشُعُ سِرَاجِهَا، تَهَلْهُلُ مِصْبَاحِهَا تَلَأْلُؤُ نُجُومِهَا، تُعْلِنُ لِأَهْلِ النُّهَى، سَلْطَنةً بِلَا انتِهَاءٍ.
هذه الفِقراتُ "العَرَبيّةُ" إنَّما هي تَرجَمةُ بعضِ مَعاني الآيةِ الكَرِيمةِ المُتَصدِّرةِ، وهي تَعنِي أنَّ الآيةَ الكَرِيمةَ تَلفِتُ نَظَرَ الإنسانِ إلى وَجْهِ السَّماءِ الجَمِيلِ المُزَيَّنِ، لِيَرَى بتلك المُلاحَظةِ وإنعامِ النَّظَر سُكُوتًا وصَمْتًا في سُكُونٍ وهُدُوءٍ. ولِيَعلَمَ أنَّ السَّماءَ قدِ اتَّخَذَت ذلك الوَضْعَ الهادِئَ، بأَمرِ قَدِيرٍ مُطلَقِ القُدرةِ وبتَسخِيرهِ؛ إذ لولا تلك القُدرةُ المُطلَقةُ، أي: لو كانَتِ السَّماءُ مُفلَتةَ الزِّمامِ، طَلِيقةً في حَرَكاتِها وسَكَناتِها، لَكانَت تلك الأَجرامُ الهائِلةُ، المُتَداخِلُ بعضُها في البعضِ، وتلك الكُراتُ الضَّخْمةُ، تُحدِثُ بحَرَكاتِها الرَّهِيبةِ أَصواتًا مُدَوِّيةً مُخِيفةً تُصِمُّ سَمْعَ الكائِناتِ قاطِبةً، ولَحَدثَ مِنَ الِاختِلاطِ والِاضطِرابِ ما تَتَلاشَى مِن شِدَّتِه الكائِناتُ كلُّها، إذ مِنَ المَعلُومِ أنَّه لو ثارَ عِشرُون جامُوسًا في حَقْلٍ لَاختَلَط الحابِلُ بالنَّابِلِ، ولَتَسبَّبَ الدَّمارُ والهَرْجُ والمَرْجُ، فكيف بأَجرامٍ سَماوِيّةٍ أَضخَمَ مِن أَرضِنا بأَلفِ مَرّةٍ، تَنطَلِقُ في سُرعةٍ هي أَسرَعُ مِنَ القَذِيفةِ بسَبعِين مَرّةً، كما هو ثابِتٌ في عِلْمِ الفَلَكِ! فافْهَمْ مِن هذا أنَّ الهُدُوءَ الَّذي يَعُمُّ الأَجرامَ ويُخَيِّمُ على السَّماءِ إنَّما يُبيِّنُ مَدَى سَعةِ قُدرةِ القَدِيرِ ذِي الكَمالِ، ومَدَى هَيمَنةِ تَسخِيرِ الصّانِعِ الجَلِيلِ لها، ومَدَى انقِيادِ النُّجُومِ وخُضُوعِها لِأَوامِرِه تَعالَى.
— 188 —
«حَرَكَةً في حِكْمَةٍ»: ثمَّ إنَّ الآيةَ الكَرِيمةَ تَأمُرُ أيضًا بمُشاهَدةِ ما في وَجْهِ السَّماءِ مِن حَرَكةٍ ضِمنَ حِكْمةٍ، إذ إنَّها حَرَكاتٌ عَظِيمةٌ تَسِيرُ ضِمنَ حِكْمةٍ دَقِيقةٍ واسِعةٍ تَتَحيَّرُ مِنها الأَلبابُ ويَقِفُ أَمامَها الإنسانُ بإعجابٍ وإكبارٍ.. فكما أنَّ صَنّاعًا ماهِرًا يُدِيرُ دَواليبَ مَعمَلٍ وتُرُوسَه على وَفْقِ حِكْمةٍ مُحَدَّدةٍ، إنَّما يُبيِّنُ بعَمَلِه هذا دَرَجةَ مَهارَتِه ودِقّةَ صَنْعَتِه ضِمنَ عَظَمةِ المَعمَلِ وانتِظامِه؛ كذلك القَدِيرُ المُطلَقُ الجَلِيلُ «ولَه المَثَلُ الأَعلَى» الَّذي يُعطِي للشَّمسِ وسَيّاراتِها وَضْعًا خاصًّا شَبِيهًا بوَضْعِ مَعمَلٍ عَظِيمٍ. فيُدِيرُ تلك الكُراتِ الهائِلةَ كأنَّها أَحجارُ مِقْلاعٍ صَغِيرةٌ، ودَواليبُ مَعمَلٍ بَسِيطٍ، يُدِيرُها حَوْلَ الشَّمسِ، أَمامَ الأَنظارِ لِيُدرِكَ الإنسانُ بتلك النِّسبةِ طَلاقةَ قُدرَتِه وسَعةَ حِكْمَتِه.
«تَلَألُؤًا في حِشمَةٍ، تَبَسُّمًا في زِينَةٍ»: أي: إنَّ في وَجْهِ السَّماءِ أيضًا سُطُوعًا باهِرًا وتَهَلُّلًا مَهِيبًا، وتَبَسُّمًا وبَشاشةً في زِينةٍ وجَمالٍ، مِمّا يُبيِّنُ عَظَمةَ سَلْطنةِ الصّانِعِ الجَلِيلِ، ومَدَى الدِّقّةِ في صَنْعَتِه الجَمِيلةِ؛ إذ كما أنَّ إضاءةَ مَصابِيحَ وأَنوارٍ وإظهارَ مَظاهِرِ الفَرَحِ والبَهجةِ في يَومِ اعتِلاءِ السُّلطانِ العَرْشَ، إنَّما هو لبَيانِ دَرَجةِ كَمالِه في مِضْمارِ الرُّقيِّ الحَضارِيِّ، كذلك السَّماواتُ العَظِيمةُ بنُجُومِها المَهِيبةِ تُظهِرُ لِنَظَرِ ا3!üتَأمِّلِ كَمالَ سَلْطَنةِ الصّانِعِ الجَليلِ وجَمالَ صَنْعتِه البَدِيعةِ.
«مَعَ انتِظَامِ الخِلْقَةِ، مَعَ اتِّزَانِ الصَّنعَةِ»: تقولُ العِبارةُ: انظُرْ إلى انتِظامِ المَخلُوقاتِ في وَجْهِ السَّماءِ، وافْهَمْ وِزانَ المَصنُوعاتِ بمَوازِينَ دَقيقةٍ، وأَدرِكْ مِن هذا: ما أَوْسَعَ قُدرةَ صانِعِ هذه المَخلُوقاتِ وما أَعَمَّ حِكْمَتَه!
نعم، إنَّ إدارةَ مَوادَّ صَغِيرةٍ أو أَجرامٍ وحَيَواناتٍ، وتَدوِيرَها وتَسخِيرَها، وسَوْقَ كلٍّ مِنها إلى طَرِيقٍ خاصٍّ يُعيَّنُ بمِيزانٍ مُخَصَّصٍ، تُبيِّنُ مَدَى قُدرةِ القائِمِ بها ومَدَى حِكْمَتِه ومَدَى طاعةِ تلك المَوادِّ والحَيَواناتِ وانقِيادِها لِأَوامِرِه؛ كذلك الأَمرُ في السَّماواتِ الواسِعةِ جِدًّا، فإنَّها تُبيِّنُ بعَظَمَتِها المُحَيِّرةِ، وبنُجُومِها الجَسِيمةِ الَّتي لا يَحصُرُها العَدُّ وبحَرَكاتِها الفائِقةِ، معَ عَدَمِ تَجاوُزِها عَمّا قُدِّر لها مِن حُدُودٍ ولو قِيدَ أَنمُلةٍ وعَدَمَ تَخَلُّفِها عنها ولو بلَحظةٍ، وعَدَمَ تَوانيها عن أَداءِ ما وُكِّلَ بها مِن واجِبٍ
— 189 —
ولو بعُشْرِ مِعشارِ الدَّقيقةِ.. أَقُولُ: إنَّها تُبيِّنُ للأَنظارِ أنَّ صانِعَها وخالِقَها الجَلِيلَ يُظهِرُ رُبُوبيَّتَه الجَلِيلةَ بإجرائِه هذه الأُمُورَ بمِيزانٍ دَقيقٍ خاصٍّ.
«تَشَعْشُعُ سِرَاجِهَا، تَهلُّلُ مِصبَاحِهَا تَلَألُؤ نُجُومِهَا، تُعلِنُ لِأهْلِ النُّهَى، سَلطَنةً بِلَا انتِهَاءٍ»: أي: إنَّ تَسخِيرَ الشَّمسِ والقَمَرِ والنُّجُوم الوارِدَ في آياتٍ كَثيرةٍ أَمثالَ هذه الآيةِ المُتَصدِّرةِ، وما وَرَد في سُورةِ "النَّبأِ" وغيرِها، كُلُّها تُبيِّنُ أنَّ تَعلِيقَ سِراجٍ كالشَّمسِ في سَقْفِ السَّماءِ المُزَيَّنِ، وهو السِّراجُ الوَهَّاجُ الَّذي يُشِعُّ النُّورَ ويَنشُرُ الدِّفْءَ.. وجَعْلُ ذلك النُّورِ كأنَّه حِبْرٌ لِكِتابةِ مَكاتيبِ اللهِ الصَّمَدانيّةِ على صَحِيفةِ الصَّيفِ والشِّتاءِ بخُطُوطِ اللَّيلِ والنَّهارِ.. وكذا جَعْلُ القَمَرِ مِيلًا لِساعةٍ زَمانيّةٍ كُبْرَى وآلةً لِقِياسِ المَواقيتِ، وتَعليقُه في الأَعالي شَبِيهًا بالسّاعاتِ المَنصُوبةِ على الأَبراجِ، وذلك بجَعْلِه في مَنازلِ أَهِلّةٍ مُتَفاوِتةٍ، حتَّى لَكَأنَّ الله سُبحانَه يَضَعُ في كلِّ ليلةٍ هِلالًا جَدِيدًا غيرَ السّابِقِ على وَجْهِ السَّماء، ثمَّ يُعِيدُ ويَجمَعُ تلك الأَهِلّةَ ويُحَرِّكُها في مَنازِلها بمِيزانٍ كامِلٍ وحِسابٍ دَقيقٍ.. ثمَّ إنَّ تَزيِينَ وَجْهِ السَّماءِ وتَجمِيلَه بالنُّجُومِ المُلَألَأةِ المُبتَسِمةِ في قُبّةِ السَّماءِ، لا شَكَّ أنَّه مِن شَعائرِ رُبُوبيّةٍ لا مُنتَهَى لِعَظَمَتِها، وهي في الوَقتِ نفسِه إشاراتٌ إلى أُلُوهيّةٍ جَلِيلةٍ لا مُنتَهَى لِكَمالِها.. كلُّ ذلك يَدعُو أَربابَ الفِكْرِ والعَقلِ إلى الإيمانِ والتَّوحِيدِ.
انظُرْ إلى الصَّحِيفةِ المُلَوَّنةِ الزَّاهِيةِ لِكِتابِ الكَونِ.
كيفَ صَوَّرَها قَلَمُ القُدرةِ المُذَهَّبُ.
لم تَبقَ نُقطةٌ مُظلِمةٌ لِأَبصارِ أَربابِ القُلُوبِ.
فكَأنَّه سُبحانَه قد حَرَّر آياتِه مِن نُورٍ.
انظُرْ! ما أَعظَمَها مِن مُعجِزةِ حِكْمةٍ، تَقُودُ إلى الإذعانِ!
وما أَسمَاهَا مِن مَشاهِدَ بَدِيعةٍ في فَضاءِ الكَوْنِ!
واستَمِعْ إلى النُّجُومِ أيضًا، إلى حُلْوِ خِطابِها الطَّيِّبِ اللَّذِيذِ.
لِتَرى ما قَرَّره خَتْمُ الحِكْمةِ النَّيِّرُ على الوُجُودِ.
— 190 —
إنَّها جَمِيعًا تَهتِفُ وتقُولُ مَعًا بلِسانِ الحَقِّ:
نحنُ بَراهِينُ ساطِعةٌ على هَيبةِ القَدِيرِ ذِي الجَلالِ
نحنُ شَواهِدُ صِدْقٍ على وُجُودِ الصّانِعِ الجَلِيلِ وعلى وَحْدانيَّتِه وقُدرَتِه.
نَتفَرَّجُ كالمَلائِكةِ على تلك المُعجِزاتِ اللَّطِيفةِ الَّتي جَمَّلَت وَجْهَ الأَرضِ.
فنحنُ أُلُوفُ العُيُونِ الباصِرةِ، تُطِلُّ مِنَ السَّماءِ إلى الأَرضِ وتَرنُو إلى الجَنّةِ.
نحنُ أُلُوفُ الثَّمَراتِ الجَمِيلةِ لِشَجَرةِ الخِلْقةِ، عَلَّقَتْنا يَدُ حِكْمةِ الجَمِيلِ ذِي الجَلالِ على شَطْرِ السَّماءِ وعلى أَغصانِ دَرْبِ التَّبّانةِ.
فنحنُ لِأَهلِ السَّماواتِ مَساجِدُ سَيّارةٌ، ومَساكِنُ دَوّارةٌ، وأَوكارٌ سامِيةٌ عاليةٌ، ومَصابِيحُ نَوّارةٌ، وسَفائِنُ جَبّارةٌ، وطائِراتٌ هائِلةٌ!
نحنُ مُعجِزاتُ قُدرةِ قَدِيرٍ ذِي كَمالٍ، وخَوارِقُ صَنْعةِ حَكِيمٍ ذِي جَلالٍ، ونَوادِرُ حِكْمةٍ ودَواهِي خِلْقةٍ وعَوالِمُ نُورٍ.
هكذا نُبيِّنُ مِئةَ أَلفِ بُرهانٍ وبُرهانٍ، بمِئةِ أَلفِ لِسانٍ ولِسانٍ، ونُسمِعُها مَن هو إنسانٌ حَقًّا.
عَمِيَتْ عَينُ المُلحِدِ لا يَرَى وُجُوهَنا النَّيِّرةَ، ولا يَسمَعُ أَقوالَنا البَيِّنةَ، فنحنُ آياتٌ ناطِقةٌ بالحَقِّ.
سِكَّتُنا واحِدةٌ، طُرَّتُنا واحِدةٌ، مُسبِّحاتٌ نحن عابِداتٌ لِرَبِّنا، مُسخَّراتٌ تحتَ أَمرِه.
نَذكُرُه تَعالَى ونحنُ مَجذُوباتٌ بحُبِّه، مَنسُوباتٌ إلى حَلْقةِ ذِكْرِ دَرْبِ التَّبّانةِ.
— 191 —

الحجّة الإيمانية الثالثة

(اللَّمعة الثَّالثة والعشرون)
تُبِيد تيّارَ الكفر النابع من مفهوم "الطبيعة" إبادةً تامّةً، وتُفتِّتُ حَجَرَ زاويةِ الكفر، وتُحطِّم ركيزتَه الأساس.
تنبيه: لقد بيَّنَت هذه المُذَكِّرةُ ماهِيّةَ المَذهَبِ الَّذي يَسلُكُه الجاحِدُونَ مِنَ الطَّبِيعيِّينَ، وأَوضَحَت مَدَى بُعدِ مَسلَكِهِم عن مَوازِينِ العَقلِ، ومَدَى سَماجَتِه وخُرافيَّتِه، وذلك مِن خِلالِ تِسعةِ مُحالاتٍ تتَضَمَّنُ تِسعِينَ مُحالًا في الأَقلِّ.. ولَمّا كان قِسمٌ مِن تلك المُحالاتِ قد وُضِّح في رَسائِلَ أُخرَى فقد طُوِيَت هُنا بَعضُ المَدارِج اختِصارًا.
والسُّؤالُ الَّذي يَرِدُ لِلخاطِرِ هو: كَيفَ ارتَضَى فَلاسِفةٌ مَشهُورُونَ وعُلَماءُ مَعرُوفُونَ بهذه الخُرافةِ الفاضِحةِ وسَلَّمُوا لها زِمامَ عُقُولِهِم؟!
والجَوابُ: إنَّ أُولَئِك لم يَتَبيَّنُوا حَقِيقةَ مَسلَكِهِم،
(حاشية): إنَّ الدّاعيَ الأَشَدَّ إِلحاحًا إلى تأليفِ هذه الرِّسالةِ هو ما لَمَستُه مِن هُجُومٍ صارِخٍ على القُرآنِ الكَرِيمِ، وتَجاوُزٍ شَنيع على الحَقائقِ الإِيمانيّةِ بتَزيِيفِها، ورَبطِ أَواصِرِ الإِلحادِ بالطَّبِيعةِ، وإِلصاقِ نَعتِ "الخُرافةِ" على كلِّ ما لا تُدرِكُه عُقُولُهمُ القاصِرةُ العَفِنةُ.. وقد أَثارَ هذا الهُجُومُ غَيظًا شَدِيدًا في القَلبِ ففَجَّر فيه حُمَمًا سَرَت إلى أُسلُوبِ الرِّسالةِ، فأَنزَلَت صَفَعاتٍ شَدِيدةً على أُولَئِك المُلحِدِينَ وذَوِي المَذاهِبِ الباطِلةِ المُعرِضِينَ عنِ الحَقِّ، وإلّا فليس مِن دَأْبِ "رسائِلِ النُّورِ" إلّا القَولُ اللَّيِّنُ في الخِطابِ والرِّفقُ في الكَلامِ.
ولا باطِنَ مَذهَبِهِم، ولم يُدرِكُوا ما يَقتَضِيه مَسلَكُهُم مِن "مُحالاتٍ"، وما يَستَلزِمُه مَذهَبُهُم مِن أُمُورٍ فاسِدةٍ ومُمتَنِعةٍ عَقلًا، والَّتي ذُكِرَت في بِدايةِ كلِّ مُحالٍ يَرِدُ في هذه الرِّسالةِ.
وأنا على استِعدادٍ كامِلٍ لِإقامةِ البَراهِين الدّامِغةِ ونَصْبِ الحُجَجِ البَدِيهِيّةِ الواضِحةِ لِإثباتِ ذلك لِكُلِّ مَن يُساوِرُه الشَّكُّ، وأُبيِّنُها لَهُم بإِسهابٍ وتَفصِيلٍ.
— 192 —
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ
هذه الآيةُ الكَرِيمةُ بما فيها مِنِ استِفهامٍ إِنكارِيٍّ تَدُلُّ دَلالةً قاطِعةً على أنَّ وُجُودَ اللهِ ووَحْدانيَّتَه هو مِنَ الوُضُوحٍ والجَلاءِ بدَرَجةِ البَداهةِ.
وقَبلَ أن نُوضِّحَ هذا السِّرَّ نَوَدُّ أن نُنبِّهَ إلى ما يَأتِي:
دُعِيتُ لزِيارةِ "أَنقَرة" سنةَ ١٣٣٨ (١٩٢٢م) وشاهَدتُ فَرَحَ المُؤمِنينَ وابتِهاجَهُم باندِحارِ اليُونانِ أَمامَ الجَيشِ الإِسلاميِّ، إلّا أنَّني أَبصَرتُ یی خِلالَ مَوجةِ الفَرَحِ هذه یی زَندَقةً رَهِيبةً تَدِبُّ بخُبثٍ ومَكرٍ، وتَتَسلَّلُ بمَفاهِيمِها الفاسِدةِ إلى عَقائِدِ أَهلِ الإِيمانِ الرّاسِخةِ بُغيةَ إِفسادِها وتَسمِيمِها.. فتَأسَّفتُ مِن أَعماقِ رُوحِي، وصَرَختُ مُستَغِيثًا باللهِ العَلِيِّ القَدِيرِ ومُعتَصِمًا بسُورِ هذه الآيةِ الكَرِيمةِ، مِن هذا الغُولِ الرَّهِيبِ الَّذي يُرِيدُ أن يَتَعرَّضَ لِأَركانِ الإِيمانِ؛ فكَتَبتُ بُرهانًا قَوِيًّا حادًّا يَقطَعُ رَأسَ تلك الزَّندَقةِ، في رِسالةٍ باللُّغةِ العَرَبيّةِ، واستَقَيتُ مَعانيَها وأَفكارَها مِن نُورِ هذه الآيةِ الكَرِيمةِ لِإثباتِ بَداهةِ وُجُودِ اللهِ سُبحانَه ووُضُوحِ وَحْدانيَّتِه؛ وقد طَبَعتُها في مَطبَعةِ "يِني كُون" في أَنقَرة.. إلّا أنَّني لم أَلمَس آثارَ البُرهانِ الرَّصِينِ في مُقاوَمةِ الزَّندَقةِ وإِيقافِ زَحفِها إلى أَذهانِ النّاسِ.. وسَبَبُ ذلك كَونُه مُختَصَرًا ومُجمَلًا جِدًّا، فَضلًا عن قِلّةِ الَّذِينَ يُتقِنُونَ العَرَبيّةَ في تُركِيّا ونُدرةِ المُهتَمِّينَ بها آنَذاك، لِذا فقدِ انتَشَرَت أَوهامُ ذلك الإِلحادِ واستَشْرَت في صُفُوفِ النّاسِ معَ الأَسَفِ الشَّدِيدِ، مِمّا اضطَرَّني إلى إِعادةِ كِتابةِ تلك الرِّسالةِ ببَراهِينِها بالتَّركِيّةِ، معَ شَيءٍ مِنَ البَيانِ والتَّوضِيحِ، فكانَت هذه الرِّسالةُ.
ولَمّا كانَ بَعضُ أَقسامِ ذلك البُرهانِ قد وُضِّحَت تَوضِيحًا كافِيًا في بَعضِ "رَسائِلِ النُّورِ" فسنَذكُرُها هنا مُجمَلةً، فالبَراهِينُ المُتَعدِّدةُ المَبثُوثةِ في ثَنايا رَسائِلَ أُخرَى تتَّحِدُ في هذه الرِّسالةِ، وكأنَّ كلَّ بُرهانٍ مِنها جُزءٌ مِن هذه الرِّسالةِ.
— 193 —

المُقدِّمة

أيُّها الإِنسانُ.. اِعلَمْ أنَّ هُنالِك كَلِماتٍ رَهِيبةً تَفُوحُ مِنها رائِحةُ الكُفرِ النَّتِنةُ، تَخرُجُ مِن أَفواهِ النّاسِ، وتُرَدِّدُها أَلسِنةُ أَهلِ الإِيمانِ دُونَ عِلمِهِم بخُطُورةِ مَعنَى ما يقُولُونَ، وسنُبيِّنُ ثَلاثًا مِنها هي الغايةُ في الخُطُورةِ:
أُولاها: قَولُهُم عنِ الشَّيءِ: "أَوْجَدَتْه الأَسبابُ" أي: إنَّ الأَسبابَ هي الَّتي تُوجِدُ الشَّيءَ المُعيَّنَ.
ثانيَتُها: قَولُهُم عنِ الشَّيءِ: "تَشَكَّلَ بنَفسِه" أي: إنَّ الشَّيءَ يَتَشكَّلُ مِن تِلقاءِ نَفسِه، ويُوجِدُ نَفسَه بنَفسِه، ويَنتَهِي إلى صُورَتِه الَّتي انتَهَى إلَيْها كما هي.
ثالثَتُها: قَولُهُم عنِ الشَّيءِ: "اقتَضَتْه الطَّبِيعةُ" أي: إنَّ الشَّيءَ طَبِيعيٌّ، والطَّبِيعةُ هي الَّتي أَوْجَدَتْه واقتَضَتْه.
نعم، ما دامَتِ المَوجُوداتُ مَوجُودةً وقائِمةً أَمامَنا بحَيثُ لا يُمكِنُ إِنكارُها مُطْلَقًا، وأنَّ كلَّ مَوجُودٍ يَأتِي إلى الوُجُودِ في غايةِ الإِتقانِ والحِكْمةِ، وهُو ليس بقَدِيمٍ أَزَليٍّ، بل هو مُحدَثٌ جَدِيدٌ.. فيا أَيُّها المُلحِدُ، إمّا أنَّك تقُولُ: إنَّ هذا المَوجُودَ یی ولْيَكُن هذا الحَيَوانَ مَثلًا یی تُوجِدُه أَسبابُ العالَمِ، أي: أنَّه يَكتَسِبُ الوُجُودَ نَتِيجةَ اجتِماعِ الأَسبابِ المادِّيّةِ، أو أنَّه يتَشَكَّلُ بنَفسِه، أو أنَّه يَرِدُ إلى الوُجُودِ بمُقتَضَى الطَّبِيعةِ ويَظهَرُ بتَأثيرِها! أو علَيْك أن تقُولَ: إنَّ قُدْرةَ الخالِقِ القَدِيرِ ذِي الجَلالِ هي الَّتي تُوجِدُه.
وما دامَ حُدُوثُه بغَيرِ هذه الطُّرُقِ الأَربَعةِ لا سَبِيلَ إلَيْه حَسَبَ مَوازِينِ العَقلِ، فإِذا ما أُثبِتَ إِثباتًا قاطِعًا أنَّ الطُّرُقَ الثَّلاثةَ الأُولَى مُحالةٌ، باطِلةٌ مُمتَنِعةٌ، غيرُ مُمكِنةٍ، فبِالضَّرُورةِ والبَداهةِ يَثبُتُ الطَّرِيقُ الرَّابعُ، وهُو طَرِيقُ وَحْدانيّةِ الخالِقِ بيَقِينٍ جازِمٍ لا رَيبَ فيه.
— 194 —

أمَّا الطَّرِيقُ الأوَّلُ

وهُو القَولُ بأنَّ: "اجتِماعَ أَسبابِ العالَمِ يَخلُقُ المَوجُوداتِ ويُوجِدُها، ويُؤَدِّي إلى تَشكِيلِ الأَشياءِ"، نَذكُرُ ثَلاثةَ مُحالاتٍ فقط، مِن بَينِ مُحالاتِه الكَثِيرةِ جِدًّا.
المُحالُ الأوَّلُ: ولْنُوَضِّحْه بهذا المِثالِ:
تَحوِي صَيدَليّةٌ مِئاتِ الدَّوارِقِ والقَنانِي المَمْلُوءةِ بمَوادَّ كِيمياوِيّةٍ مُتَنوِّعةٍ، وقدِ احتَجْنا یی لِسَبَبٍ مّا یی إلى مَعجُونٍ حَيَوِيٍّ مِن تلك الأَدوِيةِ والمَوادِّ، ولَزِمَ تَركِيبُ مادّةٍ حَيَوِيّةٍ خارِقةٍ مُضادّةٍ لِلسُّمُومِ.. فلَمَّا دَخَلْنا الصَّيدَليّةَ وَجَدْنا فيها أَعدادًا هائِلةً مِن أَنواعِ ذلك المَعجُونِ الحَيَوِيِّ، ومِن تلك المادّةِ الحَيَوِيّةِ المُضادّةِ لِلسُّمُومِ، وعِندَما بَدَأْنا بتَحلِيلِ كلِّ مَعجُونٍ رَأَيناه مُرَكَّبًا مُستَحضَرًا بدِقّةٍ مُتَناهِيةٍ مِن مَوادَّ مُختَلِفةٍ طِبقَ مَوازِينَ مَحسُوبةٍ، فقد أُخِذَ مِن تلك القَنانِي دِرهَمٌ (غرامٌ واحِدٌ) مِن هذه.. وثَلاثةُ غراماتٍ مِن تلك.. وعَشَرةُ غراماتٍ مِنَ الأُخرَى.. وهكذا، فقد أُخِذَ مِن كلٍّ مِنها مَقادِيرُ مُختَلِفةٌ، بحَيثُ لو كانَ ما أُخِذَ مِن هذه المَقادِيرِ أَقلَّ مِنها بجُزءٍ مِن الغرامِ، أو أَزيَدَ، لَفَقد المَعجُونُ خَواصَّه الحَيَوِيّةَ...
والآنَ جِئْنا إلى "المادّةِ الحَيَوِيّةِ المُضادَّةِ لِلسُّمُومِ" ودَقَّقنا فيها نَظَرًا كِيمياوِيًّا، فرَأَيناها قد رُكِّبَت بمَقادِيرَ مُعيَّنةٍ أُخِذَت مِن تلك القَنانِي على وَفْقِ مَوازِينَ حَسّاسةٍ بحَيثُ إنَّها تَفقِدُ خاصِّيَّتَها لو غَلِطنا في الحِسابِ فزادَتِ المَوادُّ المُرَكَّبةُ مِنها أو نَقَصَت بمِقْدارِ ذَرّةٍ واحِدةٍ.. فوَجَدْنا أنَّ المَوادَّ المُتَنوِّعةَ قدِ استُحضِرَت بمَقادِيرَ مُختَلِفةٍ، على وَفقِ مَوازِينَ دَقِيقةٍ في تلك القَنانِي، وهِي أَكثَرُ مِن خَمسِينَ قِنِّينةً.
فهل يُمكِنُ أو يُعقَلُ أن يَتكَوَّنَ ذلك المَعجُونُ المَحسُوبُ كلُّ جُزءٍ مِن أَجزائِه حِسابًا دَقِيقًا مِن جَرَّاءِ مُصادَفةٍ غَرِيبةٍ، أو مِن نَتِيجةِ تَصادُمِ القَنانِيِّ بحُدُوثِ زِلزالٍ عاصِفٍ في الصَّيدليّةِ يُؤَدِّي إلى سَيَلانِ تلك المَقادِيرِ بمَوازِينِها المُعيَّنةِ، واتِّحادِ بَعضِها ببَعضٍ آخَرَ، مُكوِّنةً مَعجُونًا حَيَوِيًّا؟! فهل هُناك مُحالٌ أَغرَبُ مِن هذا وأَكثَرُ بُعدًا عنِ العَقلِ والمَنطِقِ؟! وهل هُناك خُرافةٌ أَخرَقُ مِنها؟! وهل هُناك باطِلٌ أَوضَحُ
— 195 —
بُطْلانًا مِن هذا؟! والحِمارُ نَفسُه لو تَضاعَفَت حَماقَتُه ونَطَق لَقالَ: يا لَحَماقةِ مَن يقُولُ بهذا القَولِ!
وفي ضَوءِ هذا المِثالِ نقُولُ: إنَّ كلَّ كائِنٍ حَيٍّ هو مُرَكَّبٌ حَيَوِيٌّ، ومَعجُونٌ ذُو حَياةٍ؛ وإنَّ كلَّ نَباتٍ شَبِيهٌ بتِرياقٍ حَيَوِيٍّ مُضادٍّ لِلسُّمُومِ إذ رُكِّبَ مِن أَجزاءٍ مُختَلِفةٍ ومِن مَوادَّ مُتَبايِنةٍ، على وَفقِ مَوازِينَ دَقِيقةٍ في مُنتَهَى الحَساسِيّةِ.. فلا رَيبَ أنَّ إِسنادَ خَلقِ هذا الكائِنِ البَدِيعِ إلى الأَسبابِ المادِّيّةِ والعَناصِرِ، والقَولَ بأنَّ "الأَسبابَ أَوْجَدَته" باطِلٌ ومُحالٌ وبَعِيدٌ عن مَوازِينِ العَقلِ بمِثلِ بُعدِ وبُطلانِ ومُحاليّةِ تَكَوُّنِ المَعجُونِ الحَيَوِيِّ بنَفسِه مِن سَيَلانِ تلك المَوادِّ مِنَ القَنانِيِّ.
وحَصِيلةُ الَّذي قُلناه آنِفًا: هي أنَّ المَوادَّ الحَيَوِيّةَ المُستَحضَرةَ بمِيزانِ القَضاءِ والقَدَرِ لِلحَكِيمِ العَلِيمِ في هذا العالَمِ الكَبِيرِ الَّذي هو صَيْدليّةٌ ضَخْمةٌ رائِعةٌ لا يُمكِنُ أن تُوجَدَ إلّا بحِكْمةٍ لا حَدَّ لها، وبعِلمٍ لانِهايةَ له، وبإِرادةٍ تَشمَلُ كلَّ شَيءٍ وتُحِيطُ بكلِّ شَيءٍ، وإلّا فما أَشقاه مَن يَتَوهَّمُ "أنَّ هذه المَوجُوداتِ هي نِتاجُ عَناصِرِ الكَونِ الكُلِّيّةِ" وهِي العَمْياءُ الصَّمّاءُ في جَرَيانِها وتَدَفُّقِها، أو هي "مِن شُؤُونِ طَبائِعِ المَوادِّ" أو "مِن عَمَلِ الأَسبابِ المادِّيّةِ"!.
لا شَكَّ أنَّ صاحِبَ هذا الوَهْمِ هو أَشقَى أَشقِياءِ العالَمِ، وأَعظَمُهُم حَماقةً، وأَشَدُّ هَذَيانًا مِن هَذَيانِ مَخمُورٍ فاقِدٍ لِلوَعيِ عِندَما يَخطُرُ بِبالِه أنَّ ذلك التِّرياقَ العَجِيبَ قد أَوجَد نَفسَه بنَفسِه مِن جَرّاءِ تَصادُمِ القَنانِيِّ وسَيَلانِ ما فيها!
نعم، إنَّ ذلك الكُفرَ هَذَيانُ أَحمَقَ وجُنُونُ سَكْرانَ!
المُحالُ الثَّاني: هُو أنَّه إنْ لم يُسنَد خَلقُ كلِّ شَيءٍ إلى الواحِدِ الأَحَدِ القَدِيرِ ذِي الجَلالِ، وأُسنِدَ إلى الأَسبابِ المادِّيّةِ، يَلزَمُ عِندَئِذٍ أن يكُونَ لِأَغلَبِ عَناصِرِ العالَمِ وأَسبابِه دَخْلٌ وتَأثِيرٌ في وُجُودِ كلِّ ذِي حَياةٍ.
والحَالُ أنَّ اجتِماعَ الأَسبَابِ المُتَضادّةِ والمُتَبايِنةِ فيما بَينَها، بانتِظامٍ تامٍّ، وبمِيزانٍ دَقِيقٍ وباتِّفاقٍ كامِلٍ في جِسمِ مَخلُوقٍ صَغِيرٍ یی كالذُّبابِ مَثلًا یی هو مُحالٌ ظاهِرٌ إلى حَدٍّ
— 196 —
يَرفُضُه مَن له عَقلٌ بمِقدارِ جَناحِ ذُبابةٍ، ويَرُدُّه قائِلًا: هذا مُحالٌ.. هذا باطِلٌ.. هذا غَيرُ مُمكِنٍ..!
ذلك لِأنَّ جِسمَ الذُّبابِ الصَّغِيرَ ذُو عَلاقةٍ معَ أَغلَبِ عَناصِرِ الكائِناتِ، ومعَ أَسبابِها المادِّيّةِ، بل هو خُلاصةٌ مُستَخلَصةٌ مِنها؛ فإن لم يُسنَد إِيجادُه إلى القُدْرةِ الإِلٰهِيّةِ المُطلَقةِ، يَلزَمُ أن تكُونَ تلك الأَسبابُ المادِّيّةُ حاضِرةً ومُحتَشِدةً جَنبَ ذلك الجِسمِ مُباشَرةً عِندَ إِيجادِه، بل يَلزَمُ أن تَدخُلَ في جِسمِه الضَّئِيلِ، بل يَجِبُ دُخُولُها في حُجَيرةِ العَينِ الَّتي تُمثِّلُ نَمُوذَجَ الجِسمِ، ذلك لِأنَّ الأَسبابَ إنْ كانَت مادِّيّةً فيَلزَمُ أنْ تكُونَ قُربَ المُسَبَّبِ وداخِلةً فيه، وعِندَئذٍ يَقتَضِي قَبُولَ دُخُولِ جَمِيعِ العَناصِرِ وجَمِيعِ أَركانِ العالَمِ معَ طَبائِعِها المُتَبايِنةِ في ذلك المُسَبَّبِ دُخُولًا مادِّيًّا، وعَمَلِها في تلك الحُجَيرةِ المُتَناهِيةِ في الصِّغَرِ بمَهارةٍ وإِتقانٍ!! أفَلا يَخجَلُ ويَستَحِي مِن هذا القَولِ حتَّى أَشَدُّ السُّوفسَطائيِّينَ بَلاهةً؟!
المُحالُ الثَّالثُ: هو أنَّ المَوجُودَ إنْ كانَت له وَحْدةٌ واحِدةٌ، فلا بُدَّ أن يكُونَ صادِرًا مِن مُؤَثِّرٍ واحِدٍ، ومِن يَدٍ واحِدةٍ، حَسَبَ مَضمُونِ القاعِدةِ البَدِيهِيّةِ المُقَرَّرةِ: "الواحِدُ لا يَصدُرُ إلّا عنِ الواحِدِ"، ولا سِيَّما إن كانَ ذلك المَوجُودُ في غايةِ الِانتِظامِ والمِيزانِ، وفي مُنتَهَى الدِّقّةِ والإِتقانِ، وكانَ مالِكًا لِحَياةٍ جامِعةٍ، فمِنَ البَداهةِ أنَّه لم يَصدُر مِن أَيدٍ مُتَعدِّدةٍ قَطُّ یی الَّتي هي مَدْعاةُ الِاختِلافِ والمُنازَعةِ یی بل لا بُدَّ أنَّه صادِرٌ مِن يَدٍ واحِدةٍ لِواحِدٍ أَحَدٍ قَدِيرٍ حَكِيمٍ.
لِذا فإنَّ إِسنادَ المَوجُودِ، المُنتَظِمِ، المُتَناسِقِ، المَوزُونِ، الواحِدِ، إلى أَيدِي الأَسبابِ الطَّبِيعيّةِ العَمْياءِ الصَّمَّاءِ الجامِدةِ غَيرِ المُنضَبِطةِ، والَّتي لا شُعُورَ لها ولا عَقلَ، وهِي في اختِلاطٍ شَدِيدٍ يَزِيدُ مِن عَماها وصَمَمِها، ثمَّ الِادِّعاءَ بأنَّ تلك الأَسبابَ هي الَّتي تَقُومُ بخَلقِ ذلك المَوجُودِ البَدِيعِ واختِيارِه مِن بَينِ إِمكاناتٍ واحتِمالاتٍ لا حَدَّ لها، أَقُولُ: إنَّ قَبُولَ هذا الإِسنادِ والِادِّعاءِ هو یی في الحَقِيقةِ یی قَبُولٌ لِمِئةِ مُحالٍ ومُحالٍ، إذ هو بَعِيدٌ كلَّ البُعدِ عن جَمِيعِ مَقايِيسِ العَقلِ ومَوازِينِه..
— 197 —
دَعْنا نَتْرُكُ هذا المُحالَ ونَتَجاوَزُه مُؤَقَّتًا، لِنَنظُرَ إلى تَأثِيرِ "الأَسبابِ المادِّيّةِ" الَّذي يَتِمُّ بِالتَّماسِّ والمُباشَرةِ؛ فبَينَما نَرَى أنَّ تَماسَّ تلك الأَسبابِ الطَّبِيعيّةِ هو تَماسٌّ بظاهِرِ الكائِنِ الحَيِّ فحَسْبُ، ونَرَى أنَّ باطِنَ ذلك الكائِنِ الَّذي لا تَصِلُ إلَيْه أَيدِي تلك الأَسبابِ المادِّيّةِ ولا يُمكِنُها أن تَمَسَّه بشَيءٍ، هو أَدَقُّ نِظامًا، وأَكثَرُ انسِجامًا، مِنَ الظّاهِرِ، بل أَلطَفُ مِنه خَلْقًا وأَكمَلُ إِتقانًا؛ بلِ الأَحياءُ الصَّغِيرةُ والمَخلُوقاتُ الدَّقِيقةُ الَّتي لا يُمكِنُ أن تَستَوعِبَ تلك الأَسبابَ المادِّيّةَ قَطْعًا ولا تَصِلُ إلَيْها أَيدِيها ولا وَسائِلُها هي أَعجَبُ إِتقانًا مِن أَضخَمِ المَخلُوقاتِ وأَبدَعُ خَلْقًا مِنها.
فلا يكُونُ إِذًا إِسنادُ خَلقِها إلى تلك الأَسبابِ العَمْياءِ الصَّمّاءِ الجامِدةِ الجاهِلةِ الغَلِيظةِ المُتَباعِدةِ المُتَضادّةِ إلّا عَمًى ما بَعدَه عَمًى، وصَمَمًا ليس وَراءَه صَمَمٌ.

أمَّا المَسأَلةُ الثَّانيةُ

وهِي قَولُهُم عنِ الشَّيءِ: "تَشَكَّلَ بنَفسِه"، فهِي تَنطَوِي على مُحالاتٍ كَثِيرةٍ، ويَتَّضِحُ بُطلانُها ومُحاليَّتُها مِن نَواحٍ كَثِيرةٍ جِدًّا، إلّا أنَّنا نَتَناوَلُ هنا ثَلاثةَ مُحالاتٍ مِنها كنَماذِجَ ليس إلّا:
الأوَّلُ: أيُّها الجاحِدُ العَنِيدُ، إنَّ طُغْيانَ غُرُورِك، جَعَلَك تَتَردَّى في أَحضانِ حَماقةٍ مُتَناهِيةٍ، فتُقْدِمُ على قَبُولِ مِئةِ مُحالٍ ومُحالٍ!
إنَّك أيُّها الجاحِدُ العَنِيدُ مَوجُودٌ بلا شَكٍّ، وإنَّك لَستَ مادّةً بَسِيطةً وجامِدةً تَأبَى التَّغَيُّرَ، بل أَنتَ مَعمَلٌ عَظِيمٌ مُتقَنُ الصُّنعِ، أَجهِزَتُه دائِمةُ التَّجَدُّدِ؛ وأَنتَ كالقَصرِ المُنِيفِ، أَنحاؤُه دائِمةُ التَّحَوُّلِ.. فذَرَّاتُ وُجُودِك أَنتَ تَعمَلُ دَوْمًا وتَسعَى دُونَ تَوَقُّفٍ، وتَرتَبِطُ بوَشائِجَ وأَواصِرَ معَ الكائِناتِ، فهِي في أَخذٍ وعَطاءٍ مَعَها، وبخاصَّةٍ مِن حَيثُ الرِّزقُ، ومِن حَيثُ بَقاءُ النَّوعِ.
إنَّ الذَّرَّاتِ العامِلةَ في جَسَدِك تَحتاطُ مِن أن تُخِلَّ بتلك الرَّوابِطِ، وتَتَحاشَى أن تَنفَصِمَ تلك العَلاقاتُ، فهِي حَذِرةٌ في تَصَرُّفِها هذا، وتَتَّخِذُ مَوقِفًا مُلائِمًا لها على وَفقِ
— 198 —
تلك العَلاقاتِ كأنَّها تَنظُرُ إلى جَمِيعِ الكائِناتِ وتُشاهِدُها، ثمَّ تُراقِبُ مَوقِعَك أَنتَ مِنها، وأَنتَ بدَوْرِك تَستَفِيدُ حَسَبَ ذلك الوَضعِ الخارِقِ لِتِلك الذَّرَّاتِ وتَنتَفِعُ وتَتَمتَّعُ بمَشاعِرِك وحَواسِّك الظَّاهِرةِ والباطِنةِ.
فإن لم تَعتَقِد أنَّ تلك الذَّرَّاتِ مُوَظَّفاتٌ صَغِيراتٌ لَدَى القَدِيرِ الأَزَليِّ، ومَأْمُوراتٌ مُسَخَّراتٌ مُنقاداتٌ لِقَوانِينِه سُبحانَه، أو هي جُنُودٌ مُجَنَّدةٌ في جَيشِه المُنَظَّمِ، أو هي نِهاياتُ قَلَمِ القَدَرِ الإِلٰهِيِّ، أو هي نِقاطٌ يَنقُطُها قَلَمُ القُدْرةِ الإِلٰهِيّةِ.. لَزِمَك أن تقُولَ: إنَّ لِكُلِّ ذَرّةٍ عامِلةٍ یی في عَينِك مَثلًا یی عَينًا واسِعةً بَصِيرةً، تَرَى جَمِيعَ أَجزاءِ جَسَدِك ونَواحِيه، وتُشاهِدُ جَمِيعَ الكائِناتِ الَّتي تَرتَبِطُ بها، وتَعلَمُ جَمِيعَ ماضِيك ومُستَقبَلِك، وتَعرِفُ أَصلَك وآباءَك وأَجدادَك معَ نَسلِك وأَحفادِك، وتُدرِكُ مَنابِعَ عَناصِرِك، وكُنُوزَ رِزقِك.. فهِي إِذًا ذاتُ عَقلٍ جَبَّارٍ!!
فمَنحُ عِلمٍ وشُعُورٍ بِقَدرِ أَلفِ "أَفلاطُونَ" لِذَرَّةٍ مِثلِك لا تَملِكُ ذَرّةً مِن عَقلٍ في هذه المَسائِلِ لَيُعَدُّ خُرافةً خَرْقاءَ، وبَلاهةً حَمْقاءَ؟!
المُحالُ الثَّاني: إنَّ جِسمَك أيُّها الإِنسانُ يُشبِهُ قَصْرًا فَخْمًا عامِرًا، له مِن القِبابِ أَلفُ قُبّةٍ وقُبّةٍ، وكلُّ قُبّةٍ مِن قِبابِه مُعَلَّقةٌ فيها الأَحجارُ، ومَرصُوصٌ بَعضُها إلى البَعضِ الآخَرِ في بِناءٍ مُحكَمٍ دُونَ عَمْدٍ؛ بل إنَّ وُجُودَك یی لو فَكَّرتَ یی هو أَعجَبُ مِن هذا القَصرِ بأُلُوفِ المَرّاتِ، لِأنَّ قَصرَ جِسمِك أَنتَ في تَجَدُّدٍ مُستَمِرٍّ يَبلُغُ الكَمالَ في الِانتِظامِ والرَّوْعةِ.
فلو صَرَفْنا النَّظَرَ عَمّا تَحمِلُه مِن رُوحٍ ومِن قَلبٍ ومِن لَطائِفَ مَعنَوِيّةٍ وهِي مُعجِزةٌ بِذاتِها، وأَخَذْنا بنَظَرِ الِاعتِبارِ والتَّفكُّرِ عُضْوًا واحِدًا فَقَط مِن أيِّ عُضوٍ كانَ مِن بَينِ أَعضاءِ جَسَدِك، نَراه شَبِيهًا بمَنزِلٍ ذِي قِبابٍ.. فالذَّرّاتُ الَّتي فيه قد تَعاوَنَت وتَعانَقَت بَعضُها معَ بَعضٍ، في انتِظامٍ تامٍّ، ومُوازَنةٍ كامِلةٍ یی كالأَحجارِ في تلك القِبابِ یی وكَوَّنَت بِناءً خارِقًا، وصَنْعةً رائِعةً بَدِيعة، فأَظهَرَت لِلعِيانِ مُعجِزةً عَجِيبةً مِن مُعجِزاتِ القُدْرةِ الإِلٰهِيّةِ "كالعَينِ واللِّسانِ" مَثلًا.
فلو لم تكُن هذه الذَّرّاتُ مَأمُورةً مُنقادةً لِأَمرِ الصّانِعِ القَدِيرِ، فإنَّ كلَّ ذَرّةٍ مِنها إِذًا
— 199 —
لا بُدَّ أن تكُونَ حاكِمةً حُكْمًا مُطلَقًا على بَقِيّةِ ذَرّاتِ الجَسَدِ ومَحكُومةً لها حُكْمًا مُطلَقًا كَذلِك، وأن تكُونَ مِثلَ كُلٍّ مِنها، وضِدَّ كلٍّ مِنها یی مِن حَيثُ الحاكِمِيّةُ یی في الوَقتِ نَفسِه، وأن تكُونَ مَناطَ أَغلَبِ الصِّفاتِ الجَلِيلةِ الَّتي لا يَتَّصِفُ بها إلّا اللهُ سُبحانَه وتَعالَى، وأن تكُونَ مُقيَّدةً كُلِّيًّا، وطَلِيقةً كُلِّيًّا في الوَقتِ نَفسِه..
فالمَصنُوعُ الواحِدُ المُنتَظِمُ والمُنَسَّقُ الَّذي لا يُمكِنُ أن يكُونَ یی بسِرِّ الوَحْدةِ یی إلّا أَثرًا مِن آثارِ الواحِدِ الأَحَدِ، مُحالٌ أن يُسنَدَ إلى تلك الذَّرّاتِ غَيرِ المَحدُودةِ، بل هو مِئةُ مُحالٍ في مُحالٍ! يُدرِكُ ذلك كلُّ مَن له مُسكةٌ مِن عَقلٍ!
المُحالُ الثَّالثُ: إنْ لم يكُن وُجُودُك هذا قد كُتِبَ بقَلَمِ الواحِدِ الأَحَدِ القَدِيرِ الأَزَليِّ، وكانَ مَطبُوعًا بمَطابعِ الطَّبِيعةِ والأَسبابِ، فيَلزَمُ عِندَئذٍ وُجُودُ قَوالِبَ طَبِيعيّةٍ بعَدَدِ أُلُوفِ الأُلُوفِ مِنَ المُرَكَّباتِ المُنتَظِمةِ العامِلةِ في جِسمِك، والَّتي لا يَحصُرُها العَدُّ، ابتِداءً مِن أَصغَرِ الخَلايا العامِلةِ بدِقّةٍ مُتَناهِيةٍ، وانتِهاءً بأَوسَعِ الأَجهِزةِ العامِلةِ فيه.
ولِفَهْمِ هذا المُحالِ نَأخُذُ الكِتابَ الَّذي بَينَ أَيدِينا مِثالًا، فنقُولُ:
إنِ اعتَقَدتَ أنَّ هذا الكِتابَ مُستَنسَخٌ باليَدِ، فيَكفِي إِذًا لِاستِنساخِه قَلَمٌ واحِدٌ، يُحَرِّكُه عِلْمُ كاتِبِه لِيُدَوِّنَ به ما يَشاءُ، ولكِن إن لم يُعتَقَد أنَّه مُستَنسَخٌ باليَدِ ولم يُسنَد إلى قَلَمِ الكاتِبِ، وافتُرِضَ أنَّه قد تَشَكَّل بنَفسِه، أو أُسنِدَت كِتابَتُه إلى الطَّبِيعةِ، فيَلزَمُ عِندَئِذٍ أن يكُونَ لِكُلِّ حَرفٍ مِن حُرُوفِه قَلَمٌ مَعدِنِيٌّ خاصٌّ به، ويكُونَ عَدَدُ الأَقلامِ بعَدَدِ تلك الحُرُوفِ یی بمِثلِ وُجُودِ الحُرُوفِ المَعدِنيّةِ في المَطبَعةِ والَّتي هي بعَدَدِ الحُرُوفِ وأَنماطِها یی أي: يَلزَمُ وُجُودُ أَقلامٍ بعَدَدِ الحُرُوفِ بَدَلًا مِن قَلَمٍ واحِدٍ لِلِاستِنساخِ، وربَّما كان في تلك الحُرُوفِ حُرُوفٌ كَبِيرةٌ مَكتُوبٌ فيها بخَطٍّ دَقِيقٍ ما في صَحِيفةٍ كامِلةٍ، فيَلزَمُ إِذًا لِكِتابةِ مِثلِ هذه الحُرُوفِ الكَبِيرةِ أُلُوفُ الأَقلامِ الدَّقِيقةِ.
والآنَ، ماذا تقُولُ لو كانَت تلك الحُرُوفُ مُتَداخِلةً بَعضُها ببَعضٍ بانتِظامٍ كامِلٍ، مُتَّخِذةً هَيْئةَ جَسَدِك وشَكْلَه؟! فيَلزَمُ عِندَئذٍ أن يكُونَ لِكُلِّ جُزءٍ مِن أَجزاءِ كلِّ دائِرةٍ مِن دَوائِرِه المَذكُورةِ قَوالِبُ عَدِيدةٌ بعَدَدِ تلك المُرَكَّباتِ الَّتي لا يَحصُرُها العَدُّ!
— 200 —
هَبْ أنَّك تقُولُ لِهذه الحالةِ المُتَضمِّنةِ لِمِئةِ مُحالٍ في مُحالٍ: إنَّها مُمكِنةُ الحُدُوثِ! فحَتَّى في هذه الحالةِ یی على فَرْضِ إِمكانِها یی أفَلا يَلزَمُ لِصُنعِ تلك الأَقلامِ وعَمَلِ تلك القَوالِبِ والحُرُوفِ المَعدِنِيّةِ أَقلامٌ وقَوالِبُ وحُرُوفٌ بعَدَدِها لِتُصَبَّ وتُسكَبَ فيها إنْ لم يُسنَد صُنعُها جَمِيعًا إلى قَلِمٍ واحِدٍ؟ ذلك لِأنَّ جَمِيعَها مَصنُوعةٌ ومُحْدَثةٌ مُنتَظِمةٌ، ومُفتَقِرةٌ إلى صانِعٍ لِيَصنَعَها، ومُحدِثٍ لِيُحدِثَها، وهكذا الأَمرُ يَتَسَلسَلُ كُلَّما أَوْغَلْتَ فيه.. فافْهَمْ مِن هذا مَدَى سُقْمِ هذا الفِكرِ الَّذي يَتَضمَّنُ مُحالاتٍ وخُرافاتٍ بعَدَدِ ذَرّاتِ جِسمِك!
فيا أيُّها الجاحِدُ.. عُدْ إلى عَقلِك، وانبِذْ هذه الضَّلالةَ المُشِينةَ!

الكلمةُ الثَّالثة

والَّتي هي قَولُهُم عنِ الشَّيءِ: "اقتَضَتْه الطَّبِيعةُ"، فهذا الحُكْمُ له مُحالاتٌ كَثِيرةٌ جِدًّا، نَذكُرُ ثَلاثةً مِنها على سَبِيلِ المِثالِ:
المُحالُ الأوَّل: هو الإِتقانُ والإِيجادُ المُتَّسِمَينِ بالبَصِيرةِ والحِكْمةِ، الظّاهِرَينِ في المَوجُوداتِ ظُهُورًا جَلِيًّا، ولا سِيَّما في الأَحياءِ.. إنْ لم يُسنَدا إلى قَلَمِ القَدَرِ والقُدْرةِ لِلمُصَوِّرِ الأَزَليِّ، وأُسنِدا إلى "الطَّبِيعةِ" العَمْياءِ الصَّمّاءِ الجاهِلةِ وإلى "القُوّةِ"، لَلَزِمَ أن تُوجِدَ الطَّبِيعةُ یی مِن أَجلِ الخَلقِ یی مَطابِعَ ومَكائِنَ مَعنَوِيّةً لا حَدَّ لها في كلِّ شَيءٍ، أو تُدرِجَ في كلِّ شَيءٍ قُدْرةً قادِرةً على خَلقِ الكَونِ كُلِّه، وحِكْمةً مُدَبِّرةً لِإدارةِ شُؤُونِه كُلِّها.
مِثالُ ذلك: إنَّ تَجَلِّياتِ الشَّمسِ وانعِكاساتِها الضَّوئِيّةَ، وبَرِيقَ لَمَعانِها المُشاهَدَ على قَطَراتِ الماءِ الرَّقْراقةِ المُتَلَألِئةِ، أو على القِطَعِ الزُّجاجِيّةِ المُتَناثِرةِ هُنا وهُناك على سَطْحِ الأَرضِ؛ فإن لم تُنسَبْ هذه الِانعِكاساتُ والشُّمَيْساتِ المِثالِيّةِ إلى الشَّمسِ الحَقِيقيّةِ الَّتي تُطالِعُنا بشُعاعِها الغامِرِ، لَلَزِمَ الِاعتِقادُ بشَمسٍ طَبِيعيّةٍ فِطْرِيّةٍ صَغِيرةٍ ظاهِرِيّةٍ تَملِكُ صِفاتِ الشَّمسِ وتَتَّصِفُ بخَصائِصِها، مَوجُودةٍ وُجُودًا فِعْليًّا في تلك القِطْعةِ الزُّجاجِيّةِ الصَّغِيرةِ الَّتي لا تَسَعُ لِأَدنَى شَيءٍ، أي: يَلزَمُ الِاعتِقادُ بوُجُودِ شُمُوسٍ بعَدَدِ ذَرّاتِ القِطَعِ الزُّجاجِيّةِ!
— 201 —
وفي ضَوءِ هذا المِثالِ نقُولُ: إنْ لم يُسنَد خَلْقُ المَوجُوداتِ والأَحياءِ إِسنادًا مُباشَرًا إلى تَجَلِّياتِ أَسماءِ اللهِ الحُسنَى الَّذي هو نُورُ السَّماواتِ والأَرضِ، لَلَزِمَ الِاعتِقادُ إِذًا بوُجُودِ طَبِيعةٍ وقُوّةٍ تَملِكانِ قُدْرةً مُطلَقةً وإِرادةً مُطلَقةً معَ عِلمٍ مُطلَقٍ وحِكْمةٍ مُطلَقةٍ في كلِّ مَوجُودٍ مِنَ المَوجُوداتِ، ولا سِيَّما الأَحْياءِ، أي: يَلزَمُ قَبُولُ أُلُوهِيّةٍ ورُبُوبيّةٍ في كلِّ مَوجُودٍ!
فهذا النَّمَطُ مِنَ التَّفكِيرِ المُعْوَجِّ لَهُو أَشَدُّ بُطْلانًا مِن أيِّ مُحالٍ آخَرَ، وأَكثَرُ خُرافةً مِنه؛ فالَّذي يُسنِدُ ما أَبدَعَه الخالِقُ العَظِيمُ مِن صَنْعةٍ رائِعةٍ دَقِيقةٍ، ظاهِرةٍ جَلِيّةٍ حتَّى في أَصغَرِ مَخلُوقٍ، إلى يَدِ الطَّبِيعةِ المَوهُومةِ التّافِهةِ الَّتي لا تَملِكُ شُعُورًا، لا شَكَّ أنَّه يَتَردَّى بفِكْرِه إلى دَرَكٍ أَضَلَّ مِنَ الحَيَوانِ.
المُحالُ الثَّاني: هو أنَّ هذه المَوجُوداتِ الَّتي هي في غايةِ الِانتِظامِ، وفي مُنتَهَى الرَّوْعةِ والمِيزانِ، وفي تَمامِ الإِتقانِ، وكَمالِ الحِكْمةِ والِاتِّزانِ؛ إنْ لم تُسنَد إلى مَن هو قَدِيرٌ مُطلَقُ القُدرةِ، وحَكِيمٌ مُطلَقُ الحِكْمةِ، وأُسنِدَت إلى الطَّبِيعةِ، لَلَزِمَ الطَّبِيعةَ أنْ تُحضِرَ في كلِّ حَفْنةِ تُرابٍ مَعامِلَ ومَطابِعَ بعَدَدِ مَعامِلِ أَورُوبَّا ومَطابِعِها، كي تَتَمكَّن تلك الحَفْنةُ مِن أن تكُونَ مَنْشَأَ الأَزهارِ والأَثمارِ الجَمِيلةِ اللَّطِيفةِ، لِأنَّ تلك الحَفْنةَ مِنَ التُّرابِ الَّتي تَقُومُ بمُهِمّةِ مَشتَلٍ صَغِيرٍ لِلأَزهارِ تُظهِرُ قابِلِيّةً فِعلِيّةً لِاستِنباتِ وتَصوِيرِ ما يُلقَى فيها بالتَّناوُبِ مِن بُذُورِ جَمِيعِ أَزهارِ العالَمِ وثِمارِه، وبأَشكالِها، وهَيْئاتِها المُتَنوِّعةِ، وأَلوانِها الزّاهِيةِ..
فإن لم تُسنَد هذه القابِلِيّةُ إلى قُدْرةِ الفاطِرِ الجَلِيل القادِرِ على كلِّ شَيءٍ، فلا بُدَّ إِذًا أن تُوجَد في تلك الحَفْنةِ ماكِينةٌ مَعنَوِيّةٌ طَبِيعيّةٌ خاصّةٌ لِكُلِّ زَهْرةٍ مِن أَزهارِ العالَمِ، وإلّا لا يُمكِنُ أن يَظهَرَ ما نُشاهِدُه مِن أَنواعِ الأَزهارِ والثِّمارِ إلى الوُجُودِ!
إذِ البُذُورُ یی كالنُّطَفِ والبُيُوضِ أَيضًا یی مَوادُّها مُتَشابِهةٌ، اختَلَط وعُجِنَ بَعضُها ببَعضٍ بلا شَكلٍ مُعَيَّنٍ، وهِي: مُولِّدُ الماءِ ومُولِّدُ الحُمُوضةِ والكَربُونِ والآزُوتِ.. عِلمًا أنَّ كُلًّا مِنَ الهَواءِ والماءِ والحَرارةِ والضَّوءِ أَشياءُ بَسِيطةٌ لا تَملِكُ عَقلًا أو شُعُورًا، وهِي تَتَدفَّقُ كالسَّيلِ في كلِّ شَيءٍ دُونَما ضابِطٍ.
— 202 —
فتَشكِيلُ تلك الأَزهارِ الَّتي لا تُحَدُّ مِن تلك الحَفْنةِ مِنَ التُّرابِ بصُوَرِها المُتَنوِّعةِ البَدِيعةِ وأَشكالِها المُختَلِفةِ الزّاهِيةِ وبِهَيْئاتِها المُتَبايِنةِ الرّائِعةِ، وهِي في مُنتَهَى الِانتِظامِ والإِتقانِ، تَقتَضِي بالبَداهةِ وبالضَّرُورةِ أنْ تُوجَد في تلك الحَفْنةِ مِنَ التُّرابِ مَصانِعُ ومَطابِعُ مَعنَوِيّةٌ بمَقايِيسَ صَغِيرةٍ جِدًّا أَكثَرَ مِمّا في أَورُوبّا مِن مَصانِعَ ومَطابِعَ، كي تَتَمكَّن أن تَنسُجَ تلك المَنسُوجاتِ الحَيّةَ الَّتي لا تُعَدُّ، وتُطَرِّزَ تلك النُّقُوشَ الزّاهِيةَ المُتَنوِّعةَ الَّتي لا تُحصَى.
فيا لَبُعْدِ ما يَحمِلُه الطَّبِيعيُّونَ مِن فِكرٍ إِلحادِيٍّ عن جادّةِ العَقلِ السَّلِيمِ! اِعلَمْ هذا، وقِسْ مَدَى بُعْدِ الحَمقَى السَّكارَى الَّذِينَ يَدَّعُونَ أنَّهُم عُقَلاءُ وعِلْمِيُّونَ عن مَوازِينِ العَقلِ والعِلمِ بتَوَهُّمِهِم أنَّ الطَّبِيعةَ مُوجِدةٌ لِلأَشياءِ.. وكَيفَ أنَّهُمُ اتَّخَذُوا خُرافةً مُمتَنِعةً وغَيرَ مُمكِنةٍ إِطلاقًا، مَسلَكًا لَهُم.. فاسْخَرْ مِنهُم، واحتَقِرْهُم.
ولِسائِلٍ أنْ يَسأَلَ:
صَحِيحٌ أنَّ مُحالاتٍ كَثِيرةً، ومُعضِلاتٍ عَظِيمةً تَنجُمُ عِندَما يُسنَدُ خَلقُ المَوجُوداتِ إلى الطَّبِيعةِ، ولكِن كَيفَ تَزُولُ هذه المُشكِلاتُ، وتَنحَلُّ هذه المُعضِلاتُ عِندَما نُسنِدُ عَمَلِيّةَ الخَلقِ برُمَّتِها إلى الواحِدِ الأَحَدِ الفَردِ الصَّمَدِ؟ وكَيفَ يَنقَلِبُ ذلك الِامتِناعُ الصَّعبُ إلى الوُجُوبِ السَّهلِ؟
الجَوابُ:
إنَّ تَجَلِّياتِ الشَّمسِ وانعِكاساتِها یی كما ذُكِرَ في المُحالِ الأَوَّلِ یی أَظهَرَت نَفسَها بكُلِّ سُهُولةٍ، ومِن دُونِ تكَلُّفٍ أو صُعُوبةٍ في جَمِيعِ المَوادِّ، ابتِداءً مِنَ الجامِدِ الصَّغِيرِ المُتَناهِي في الصِّغَرِ یی كقِطَعِ الزُّجاجِ یی إلى أَوسَعِ السُّطُوحِ لِلبِحارِ والمُحِيطاتِ، فأَظهَرَت على الكُلِّ فَيضَها وأَثَرَها في مُنتَهَى السُّهُولةِ، وكأنَّ كُلًّا مِنها شُمَيْساتٌ مِثاليّةٌ.. فلو قُطِعَت نِسبةُ تلك الِانعِكاساتِ عنِ الشَّمسِ الحَقِيقيّةِ، فلا بُدَّ مِنَ الِاعتِقادِ بوُجُودِ شَمسٍ طَبِيعيّةٍ في كلِّ ذَرّةٍ مِنَ الذَّرّاتِ وُجُودًا ذاتِيًّا خارِجِيًّا.. وهذا ما لا يَقبَلُه عَقلٌ، بل هو مُمتَنِعٌ ومُحالٌ.
— 203 —
فكَما أنَّ الأَمرَ في المِثالِ هو هكَذا، كَذلِك إِسنادُ خَلقِ كلِّ مَوجُودٍ إِسنادًا مُباشَرًا إلى الواحِدِ الأَحَدِ الفَردِ الصَّمَدِ فيه مِنَ السُّهُولةِ المُتَناهِيةِ بدَرَجةِ الوُجُوبِ، إذ يُمكِنُ إِيصالُ ما يَلزَمُ أيَّ مَوجُودٍ إلَيْه، بكُلِّ سُهُولةٍ ويُسرٍ، وذلك بالِانتِسابِ وبالتَّجَلِّي.. بَينَما إذا ما قُطِعَ ذلك الِانتِسابُ، وانقَلَب الِاستِخدامُ والتَّوظِيفُ والطّاعةُ إلى الِانفِلات مِنَ الأَوامِرِ والعِصيانِ، وتُرِكَ كلُّ مَوجُودٍ طَلِيقًا يَسرَحُ كَيفَما يَشاءُ، أو أُسنِدَ الأَمرُ إلى الطَّبِيعةِ، فستَظهَرُ مِئاتُ الأُلُوفِ مِنَ المُشكِلاتِ والمُعضِلاتِ بدَرَجةِ الِامتِناعِ، حتَّى نَرَى أنَّ خَلْقَ ذُبابةٍ صَغِيرةٍ يَقتَضِي أنْ تكُونَ الطَّبِيعةُ العَمْياءُ الَّتي فيها مالِكةً لِقُدرةٍ مُطلَقةٍ تَتَمكَّنُ بها مِن خَلقِ الكَونِ كُلِّه، وأن تكُونَ یی معَ ذلك یی ذاتَ حِكْمةٍ بالِغةٍ تَتَمكَّنُ بها مِن إِدارَتِه، حَيثُ إنَّ الذُّبابةَ یی رَغمَ صِغَرِها یی بَدِيعةُ الصُّنعِ، تَنطَوِي على أَغلَبِ مُكَوِّناتِ الكائِناتِ وكأَنَّها فِهْرِسٌ مُختَصَرٌ لها..
وهذا ليس بمُحالٍ واحِدٍ فحَسْبُ، بل أَلفُ مُحالٍ ومُحالٍ..!
الخُلاصةُ: كما أنَّه مُحالٌ ومُمتَنِعٌ وُجُودُ نَظِيرٍ أو شَرِيكٍ للهِ سُبحانَه وتَعالَى في أُلُوهِيَّتِه، كَذلِك مُمتَنِعٌ ومُحالٌ مِثلُه أنْ تكُونَ هُنالِك مُداخَلةٌ مِن غَيرِه في رُبُوبِيَّتِه، أو مُشارَكةٌ له مِن أَحَدٍ في إِيجادِه الأَشياءَ وخَلْقِها..
أمّا المُشكِلاتُ الَّتي في "المُحالِ الثّاني" فكَما أَثبَتْنا في عَدِيدٍ مِنَ الرَّسائِلِ أنَّه إذا ما نُسِبَ خَلقُ جَمِيعِ الأَشياءِ إلى الواحِدِ الأَحَدِ، يَسهُلُ الأَمرُ كَخَلقِ شَيءٍ واحِدٍ؛ بَينَما إذا ما نُسِبَ الخَلقُ إلى الأَسبابِ وإلى الطَّبِيعةِ يُصبِحُ خَلقُ الشَّيءِ الواحِدِ وإِيجادُه مُشكِلًا وصَعْبًا كخَلقِ الجَمِيعِ. وحَيثُ إِنَّنا سَبَق أن أَثبَتْنا هذا ببَراهِينَ دامِغةٍ، نُورِدُ هنا مُلَخَّصَ بُرهانٍ واحِدٍ فقط:
إذا انتَسَب أَحَدٌ إلى السُّلطانِ بالجُندِيّةِ أو بالوَظِيفةِ الحُكُومِيّةِ، فإنَّه يَتَمكَّنُ مِن أن يُنجِزَ مِنَ الأُمُورِ والأَعمالِ أَضعافَ أَضعافِ ما يُمكِنُه إِنجازُه بقُدرَتِه الشَّخصِيّةِ، وذلك بقُوّةِ ذلك الِانتِسابِ السُّلطانِيِّ؛ فمَثلًا: يَستَطِيعُ أن يَأسِرَ قائِدًا كَبِيرًا باسمِ سُلطانِه، معَ أنَّه جُندِيٌّ، حَيثُ تَحمِلُ خَزائِنُ السُّلطانِ وقِطْعاتُ الجَيشِ الأَجهِزةَ والأَعتِدةَ لِما يَقُومُ
— 204 —
به مِن أَعمالٍ، فلا يَحمِلُها هو وَحْدَه، كما أنَّه ليس مُضطَرًّا إلى حَمْلِها.. كلُّ ذلك بفَضلِ انتِسابِه إلى السُّلطانِ، لِذا تَظهَرُ مِنه أَعمالٌ خارِقةٌ كأنَّها أَعمالُ سُلطانٍ عَظِيمٍ، وتَبدُو له آثارٌ یی فَوقَ ما تَبدُو مِنه عادةً یی وكأنَّها آثارُ جَيشٍ كَبِيرٍ رَغمَ أنَّه فَردٌ.
فالنَّملةُ یی مِن حَيثُ تلك الوَظِيفةُ یی تَتَمكَّنُ مِن تَدمِيرِ قَصرِ فِرعَونٍ طاغٍ، والبَعُوضةُ تَستَطِيعُ أن تُهلِكَ نَمرُودًا جَبَّارًا بقُوّةِ ذلك الِانتِسابِ، والبِذْرةُ الصَّغِيرةُ لِلصَّنَوبَرِ الشَّبِيهةُ بحَبَّةِ الحِنطةِ تُنشِئُ بذلك الِانتِسابِ جَمِيعَ أَجهِزةِ شَجَرةِ الصَّنَوبَرِ الضَّخْمةِ.
(حاشية): نعم، إذا حَصَل الِانتِسابُ، فإنَّ تلك البِذرةَ تَتَسلَّمُ أَمرًا مِن القَدَر الإِلٰهِيِّ، وتَنالُ شَرَفَ النُّهوضِ بتلك الأَعمالِ الخارِقةِ، ولكِن إذا انقَطَع ذلك الِانتِسابُ فإنَّ خَلقَ تلك البِذرةِ يَقتَضِي أَجهِزةً وقُدرةً ومَهارةً هي أَكثَرُ بكَثِيرٍ مِمّا يَحتاجُ خَلقُ شَجَرةِ الصَّنَوبَرِ الضَّخمةِ، وذلك لِأنَّ جَمِيعَ أَعضاءِ شَجَرةِ الصَّنَوبرِ الَّتي تَكسُو الجِبالَ وتُضفِي عليها الجَمالَ والرَّوْعةَ والَّتي تُمثِّلُ أَثَرًا مُجَسَّمًا واضِحًا لِلقُدرةِ الإِلٰهِيّة، يَلزَمُ أن تكُونَ مَوجُودةً في الشَّجَرةِ المَعنَوِيّةِ الَّتي هي أَثَرُ القَدَرِ والمُندَمِجةُ في تلك البِذرةِ، لِأنَّ مَصنَع تلك الشَّجَرةِ الضَّخْمةِ يَكمُنُ في تلك البِذرةِ، وأنَّ ما في تلك البِذرةِ مِن شَجَرةٍ قَدَرِيّةٍ تَتَظاهَرُ بالقُدرةِ الإِلٰهِيّةِ في الخارِجِ، وتَتَشكَّلُ شَجَرةَ صَنَوبَرٍ مُجَسَّمةً.
فلَوِ انقَطَع ذلك الِانتِسابُ، وأُعفِيَ المَوجُودُ مِن تلك الوَظِيفةِ، فعَلَيْه أنْ يَحمِلَ على كَتِفِه قُوّةَ ما يُنجِزُه مِن أَعمالٍ، ويَنُوءَ كاهِلُه بلَوازِمِها ومُعَدّاتِها.. وبذلك لا يُمكِنُه القِيامُ بأَعمالٍ سِوَى أَعمالٍ تَتَناسَبُ معَ تلك القُوّةِ الضَّئِيلةِ المَحدُودةِ المَحمُولةِ على ذِراعِه، وبما يُناسِبُ كَمِيّةَ المُعَدّاتِ واللَّوازِمِ البَسِيطةِ الَّتي يَحمِلُها على ظَهرِه، فلو طُلِبَ مِنه أنْ يَقُومَ بأَعمالٍ كانَ يقُومُ بها بسُهُولةٍ ويُسرٍ في الحالةِ الأُولَى، لَأَظهَرَ عَجْزَه، إلّا إذا استَطاعَ أنْ يُحمِّلَ ذِراعَه قُوّةَ جَيشٍ كامِلٍ، ويُردِفَ على ظَهْرِه مَعامِلَ أَعتِدةِ الدَّولةِ الحَربِيّةِ!! فهذا خَيالٌ يَخجَلُ مِنه حتَّى المُهَرِّجُونَ الَّذِينَ يَروُونَ الخُرافاتِ والأَساطِيرَ العَجِيبةَ لِإِضحاكِ النَّاسِ.
نَخلُصُ مِن كلِّ ما تَقَدَّم إلى:
أنَّ تَسلِيمَ أَمرِ كلِّ مَوجُودٍ وإِسنادَه إلى واجِبِ الوُجُودِ سُبحانَه فيه السُّهُولةُ التّامّةُ بدَرَجةِ الوُجُوبِ. أمّا إِسنادُ إِيجادِه إلى الطَّبِيعةِ فهُو مُعضِلٌ إلى حَدِّ الِامتِناعِ وخارِجٌ عن دائِرةِ العَقلِ.
— 205 —
المُحالُ الثَّالثُ: نُوضِّحُ هذا المُحالَ بمِثالَينِ قد بَيَّنّاهُما في بَعضِ الرَّسائِلِ، هُما:
المِثالُ الأوَّلُ: إِنسانٌ بِدائِيٌّ ساذَجُ التَّفكِيرِ، لم يَكُن يَملِكُ أيَّ تَصَوُّرٍ حَضارِيٍّ مُسبَقٍ؛ يَدخُلُ قَصْرًا فَخْمًا بَدِيعًا، يَزهُو بزِينَتِه، ويَختالُ بأَرقَى ما وَصَلَت إلَيْه الحَضارةُ مِن وَسائِلِ الأُبَّهةِ والرّاحةِ، ويَتَلَألَأُ بأَضوائِه في عَتَمةِ فَلاةٍ خالِيةٍ مُوحِشةٍ؛ فيَدلِفُ إلَيْه، ويَدُورُ في أَرجائِه؛ فتُدهِشُه بَراعةُ بِنائِه، ونُقُوشُ جُدْرانِه، ورَوْعةُ إِتقانِه.. وبكُلِّ سَذاجةِ تَصَوُّرِه وبَلاهَتِه يَمنَحُ القَصرَ حَياةً، ويُعطِيه قُدْرةَ تَشيِيدِ نَفسِه بغُرَفِه ومُحتَوَياتِه، وصُوَرِه الجَمِيلةِ، ونُقُوشِه الأَخّاذةِ؛ لا لِشَيءٍ سِوَى كَونِه قاصِرًا عن تَصَوُّرِ وُجُودِ أَحَدٍ خارِجَ هذا القَصرِ وفي هذه الفَلاةِ يُمكِنُه أن يَنسُبَ إلَيْه بِناءَ هذا القَصرِ، لِذا فقد طَفِقَ يُفتِّشُ عنِ "الباني" داخِلَ القَصرِ لَعَلَّه يَعثُرُ علَيْه بَينَ أَشياءِ القَصرِ، فما مِن شَيءٍ وَقَع علَيْه بَصَرُه إلّا وتَرَدَّد فيه وشَكَّ في كَوْنِه قادِرًا على إِيجادِ مِثلِ هذا القَصرِ الَّذي يَملَأُ أَقطارَ النَّفسِ والعَقلِ برَوْعةِ صُنعِه، وجَمالِ بِنائِه؛ وتَقُودُه قَدَماه إلى زاوِيةٍ مِن زَوايا القَصرِ، ويَعثُرُ فيها فَجْأةً على دَفتَرِ مُلاحَظاتٍ كانَ قد دُوِّنَت فيه خُطّةٌ مُفَصَّلةٌ لِعَمَلِيّةِ بِناءِ القَصرِ، وخُطَّ فيه أَيضًا فِهرِسُ مَوجُوداتِه وقَوانِينُ إِدارةِ مُمتَلَكاتِه.
ورَغمَ أنَّ ذلك الدَّفتَرَ كمُحتَوَياتِه، لَيسَ مِن شَأنِه تَشيِيدُ القَصرِ وتَزيِينُه، إذ لا يَملِكُ يَدًا يَعمَلُ بها، ولا بَصِيرةً يُبصِرُ بها، إلّا أنَّه تَعَلَّق به إذ وَجَدَه مُتَطابِقًا بمُحتَوَياتِه معَ مَجامِيعِ أَشياءِ القَصرِ، ومُنسَجِمًا معَ سَيرِ العَمَلِ فيه یی إذ هُو عُنوانُ القَوانِينِ العِلمِيّةِ یی لِذا قال مُضطَرًّا: "إنَّ هذا الدَّفتَرَ هو الَّذي شَيَّد هذا القَصرَ ونَظَّمَه وزَيَّنَه، وهُو الَّذي أَوْجَد الأَشياءَ فيه ورَتَّبَها هذا التَّرتِيبَ ونَسَّقَها هذا التَّنسِيقَ".. فكَشَف بهذا الكَلامِ عن مَدَى عُمْقِ جَهْلِه، وتَأَصُّلِ حَماقَتِه.
وعلى غِرارِ هذا المِثالِ تَمامًا، يَدلِفُ إلى قَصرِ العالَمِ العَظِيمِ یی الَّذي هُو أَدَقُّ نِظامًا وأَكمَلُ إِتقانًا، وأَجمَلُ صُنعًا، وأَزهَى جَمالًا، مِن ذلك القَصرِ الصَّغِيرِ المَحدُودِ المَذكُورِ آنِفًا في المِثالِ، حَيثُ لا يَقبَلُ المُقايَسةَ والمُوازَنةَ مَعَه، فكُلُّ ناحِيةٍ مِن نَواحِيه تُشِعُّ مُعجِزاتٍ بَدِيعةً وحِكَمًا سامِيةً یی يَدلِفُ واحِدٌ مِمَّن يَدِينُونَ بفِكْرةِ الطَّبِيعةِ ويُنكِرُونَ
— 206 —
عَظَمةَ الأُلُوهِيّةِ إلى هذا القَصرِ، واضِعًا في ذِهْنِه یی مُسبَقًا یی الإِعراضَ عن إِسنادِ ما هو مَبثُوثٌ أَمامَه مِن البَدائِعِ إلى صَنْعةِ اللهِ سُبحانَه المُنَزَّهِ عنِ المَخلُوقاتِ، المُتَعالِي عنِ المُمكِناتِ.. ويَبدَأُ بالبَحثِ والتَّحَرِّي عنِ السَّبَبِ "المُوجِدِ" ضِمنَ المُمكِناتِ والمَخلُوقاتِ! فيَرَى قَوانِينَ السُّنَنِ الإِلٰهِيّةِ، وفَهارِسَ الصَّنعةِ الرَّبّانيّةِ، والَّتي يُطلَقُ علَيْها خَطَأً یی وخَطَأً جَسِيمًا یی اسمُ الطَّبِيعةِ الَّتي يُمكِنُ أن تكُونَ شَبِيهةً بصَفْحةٍ مِن كُرّاسةِ "التَّغيِيرِ والتَّبدِيلِ" لِقَوانِينِ إِجراءاتِ القُدْرةِ الإِلٰهِيّةِ، وبمَثابةِ لَوْحةِ "المَحْوِ والإِثباتِ" لِلقَدَرِ الإِلٰهِيِّ، ولكِنَّه يَنبَرِي إلى القَولِ:
ما دامَتْ هذه الأَشياءُ مُفتَقِرةً إلى عِلّةٍ مُوجِدةٍ، ولا شَيءَ أَعظَمُ ارتِباطًا بها مِن هذه "الكُرَّاسةِ"، فإنِّي أَخلُصُ مِن ذلك إلى أنَّ هذه "الكُرَّاسةَ" یی بما تَتَضمَّنُه مِن قَوانِينِ المَحوِ والإِثباتِ یی هي الَّتي أَوجَدَتِ الأَشياءَ، ما دامَ لا يَطِيبُ لي الِاعتِقادُ والإِيمانُ بالصّانِع الجَلِيلِ سُبحانَه؛ رَغمَ أنَّ العَقلَ المُنَزَّهَ عنِ الهَوَى يَرفُضُ كُلِّيًّا یی ضِمنَ مَنطِقِه یی أن يَنسُبَ شُؤُونَ الرُّبُوبيّةِ المُطلَقةِ الَّتي تَقتَضِي قُدرةً مُطلَقةً، إلى هذه "الكُرَّاسةِ" العَمْياءِ الصَّمّاءِ العاجِزةِ.
ونَحنُ نقُولُ: يا أَحمَقَ مِن "هَبَنَّقة"! أَطِلَّ برَأسِك مِن تَحتِ مُستَنقَعِ الطَّبِيعةِ، لِتَرَى الصّانِعَ الجَلِيلَ الَّذي تَشهَدُ له جَمِيعُ المَوجُوداتِ، مِنَ الذَّرّاتِ إلى المَجَرّاتِ، بأَلسِنةٍ مُتَنوِّعةٍ، وتُشِيرُ إلَيْه إِشاراتٍ مُختَلِفةً.. وشاهِدْ تَجَلِّياتِ ذلك المُصَوِّرِ الجَلِيلِ الَّذي شَيَّد قَصرَ العالَمِ الباذِخَ، ودَوَّن خُطَّتَه وبَرنامَجَه وقَوانِينَه في تلك الكُرّاسةِ.. وأَنقِذْ نَفسَك مِن ذلك الهَذَيانِ الآثِمِ الرَّخِيصِ!
المِثالُ الثّاني: يَدخُلُ إِنسانٌ مَعزُولٌ عن عالَمِ المَدَنيّةِ والحَضارةِ، وَسَطَ مُعَسكَرٍ مَهِيبٍ، فيُبهِرُه ما يُشاهِدُ مِن تَدرِيباتٍ مُتَنوِّعةٍ يُؤَدِّيها یی بغايةِ الِانتِظامِ والإِتقانِ ومُنتَهَى الطّاعةِ والِانقِيادِ یی جُنُودُ هذا المُعَسكَرِ، فيُلاحِظُ حَرَكاتِهِمُ المُنَسَّقةَ إذْ يَتَحرَّكُ الجَمِيعُ یی فَوْجًا ولِواءً وفِرقةً یی بحَرَكةِ فَردٍ واحِدٍ مِنهُم، ويَسكُنُ الجَمِيعُ بسُكُونِه، يُطلِقُ الجَمِيعُ النَّارَ إِطلاقًا واحِدًا إِثرَ أَمرٍ يُصدِرُه ذلك الفَردُ.. فحارَ في أَمرِه، ولم يَكُن عَقلُه السَّاذَجُ لِيُدرِكَ أنَّ قائِدًا عَظِيمًا هو الَّذي يتَحَكَّمُ بِالأَمرِ مِن خِلالِ قَوانِينِ الدَّوْلةِ وأَوامِرِ السُّلطانِ،
— 207 —
فتَخَيَّلَ حَبْلًا يَربِطُ أُولَئِك الجُنُودَ بَعضَهُم بِبَعضٍ.. ثمَّ بَدَأ يَتَأمَّلُ خَيالًا مَدَى أُعجُوبةِ هذا الحَبلِ المَوهُومِ؛ فزادَت حَيرَتُه واشْتَدَّ ارتِباكُه.. ثمَّ يَمضِي إلى شَأْنِه.
ويَدخُلُ جامِعَ "آيا صُوفْيا" العَظِيمَ يَومَ الجُمُعةِ، ويُشاهِدُ جُمُوعَ المُصَلِّينَ خَلفَ رَجُلٍ واحِدٍ يَمتَثِلُونَ لِنِدائِه في قِيامِهِم وقُعُودِهِم وسُجُودِهِم ورُكُوعِهِم، ولَمّا لم يَكُن يَعرِفُ شَيئًا عنِ الشَّرِيعةِ الإِلٰهِيّةِ، والدَّساتِيرِ المَعنَوِيّةِ لِأَوامِرِ صاحِبِ الشَّرِيعةِ، فإنَّه يَتَصوَّرُ بأنَّ هذه الجَماعةَ مُرتَبِطٌ بَعضُها ببَعضٍ بحِبالٍ مادِّيّةٍ، وأنَّ هذه الحِبالَ قد قَيَّدَت حَرَكةَ الجَماعةِ وأَسَرَتهُم، وهِي الَّتي تُحَرِّكُهُم وتُوقِفُهُم عنِ الحَرَكةِ.
وهكذا يَمضِي إلى سَبِيلِه وقدِ امتَلَأ ذِهنُه بأَخطاءِ تَصَوُّراتِه الَّتي تَكادُ تُثِيرُ الهُزْءَ والسُّخْرِيةَ حتَّى لَدَى أَشَدِّ النّاسِ وَحْشِيّةً وهَمَجِيّةً.
ففي ضَوءِ هذا المِثالِ: يَأتِي مُلحِدٌ إلى هذا العالَمِ الَّذي هو مُعَسكَرٌ مَهِيبٌ رائِعٌ لِجُنُودِ السُّلطانِ الجَلِيلِ، وهُو مَسجِدٌ عَظِيمٌ بارِعٌ يُعَظَّمُ فيه ذلك المَعبُودُ الأَزَليُّ ويُقدَّسُ؛ يَأتِيه وهُو يَحمِلُ فِكرةَ "الطَّبِيعةِ" الجاحِدةَ، ذلك الجَهلَ المُطبِقَ..
فيَتَصوَّرُ "القَوانِينَ المَعنَوِيّةَ" الَّتي يُشاهِدُ آثارَها في رَبطِ أَنظِمةِ الكَونِ البَدِيعِ، والنّابِعةَ مِنَ "الحِكْمةِ" البالِغةِ لِلبارِئِ المُصَوِّرِ سُبحانَه، يَتَصوَّرُها كأنَّها قَوانِينُ مادِّيّةٌ، فيَتَعامَلُ مَعَها في أَبحاثِه كما يَتَعامَلُ معَ الأَشياءِ المادِّيّةِ..
ويَتَخيَّلُ أَحكامَ قَوانِينِ الرُّبُوبيّةِ الَّتي هي قَوانِينُ اعتِبارِيّةٌ ودَساتِيرُ الشَّرِيعةِ الفِطْرِيةِ الكَونِيّةِ لِلمَعبُودِ الأَزَليِّ، والَّتي هي بمَجمُوعِها مَعنَوِيّةٌ بَحْتةٌ، ولَيسَ لها وُجُودٌ سِوَى وُجُودٍ عِلمِيٍّ، يَتَخيَّلُها كأَنَّها مَوجُوداتٌ خارِجِيّةٌ ومَوادُّ مادِّيّةٌ..
ويُقِيمُ تلك القَوانِينَ الصَّادِرةَ مِنَ العِلمِ الإِلٰهِيِّ والكَلامِ الرَّبّانِيِّ الَّتي لها وُجُودٌ عِلمِيٌّ فقط مَقامَ القُدْرةِ الإِلٰهِيّةِ، ويُمَلِّكُها الخَلقَ والإِيجادَ، ويُطلِقُ علَيْها اسمَ "الطَّبِيعةِ"، مُتَصوِّرًا القُوّةَ الَّتي هي تَجَلٍّ مِن تَجَلِّياتِ القُدْرةِ الرَّبّانيّةِ أنَّها صاحِبةُ قُدْرةٍ فاعِلةٍ، وقَدِيرةٌ مُستَقِلّةٌ بِذاتِها في القُدْرةِ..
أَفَبَعدَ هذا جَهالةٌ وغَباءٌ؟ أوَلَيسَ هذا جَهْلًا بأَضعافِ أَضعافِ ما في المِثالِ؟!
— 208 —
الخُلاصةُ: إِنَّ الطَّبِيعةَ الَّتي يَتَعلَّقُ بها الطَّبِيعِيُّونَ یی ذلك الأَمرَ المَوهُومَ الَّذي ليس له حَقِيقةٌ یی إنْ كانَ ولا بُدَّ أنَّها مالِكةٌ لِوُجُودٍ حَقِيقِيٍّ خارِجِيٍّ، فإنَّ هذا "الوُجُودَ" إنَّما هو صَنْعةُ صانِعٍ ولن يكُونَ صانِعًا، وهُو نَقْشٌ ولن يكُونَ نَقَّاشًا، ومَجمُوعةُ أَحكامٍ ولن يكُونَ حاكِمًا، وشَرِيعةٌ فِطْرِيّةٌ ولن يكُونَ شارِعًا، وسِتارٌ مَخلُوقٌ لِلعِزّةِ ولن يكُونَ خالِقًا، وفِطْرةٌ مُنفَعِلةٌ ولن يكُونَ فاطِرًا فاعِلًا، ومَجمُوعةُ قَوانِينَ ولن يكُونَ قادِرًا، ومِسطَرٌ ولن يكُونَ مَصدَرًا.
وحاصِلُ الكَلامِ: ما دامَتِ المَوجُوداتُ مَوجُودةً فِعلًا، والعَقلُ يَعجِزُ عن تَصَوُّرِ أَكثَرَ مِن أَربَعةِ طُرُقٍ لِلوُصُولِ إلى حُدُوثِ المَوجُودِ یی كما ذَكَرْنا ذلك في المُقدِّمةِ یی وقد أُثبِتَ إِثباتًا قاطِعًا بُطْلانُ ثَلاثةٍ مِن تلك الطُّرُقِ الأَربَعةِ، وذلك بِبَيانِ ثَلاثةِ مُحالاتٍ ظاهِرةٍ جَلِيّةٍ في كُلٍّ مِنها، فلا بُدَّ وبالضَّرُورةِ والبَداهةِ أن يَثبُتَ بيَقِينٍ لا سَبِيلَ مُطْلقًا إلى الشَّكِّ فيه: الطَّرِيقُ الرَّابِعُ، وهُو طَرِيقُ الوَحْدانيّةِ، ذلك الطَّرِيقُ الَّذي تُنِيرُه الآيةُ الكَرِيمةُ: أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ..؟! والَّتي تَدُلُّ بَداهةً ويَقِينًا على وُجُودِ واجِبِ الوُجُودِ، وعلى أُلُوهِيَّتِه المُهَيمِنةِ، وعلى صُدُورِ كلِّ شَيءٍ مِن يَدِ قُدرَتِه، وعلى أنَّ مَقالِيدَ السَّماواتِ والأَرضِ بِيَدِه سُبحانَه وتَعالَى.
فيا عابِدَ الأَسبابِ، أيُّها المِسكِينُ المَفتُونُ بالطَّبِيعةِ!
ما دامَتْ طَبِيعةُ كلِّ شَيءٍ مَخلُوقةً كالشَّيءِ نَفسِه، لِأنَّ تَكَوُّنَها مُحدَثٌ غَيرُ قَدِيمٍ، وعلَيْها عَلامةُ الصَّنْعةِ والإِتقانِ، وأنَّ سَبَب وُجُودِ هذا الشَّيءِ الظَّاهِرِيِّ هو أَيضًا مَصنُوعٌ حادِثٌ؛ ولَمَّا كانَ وُجُودُ أيِّ شَيءٍ مُفتَقِرًا إلى وَسائِلَ وآلاتٍ وأَجهِزةٍ كَثِيرةٍ جِدًّا..
فلا بُدَّ مِن قَدِيرٍ مُطلَقِ القُدْرةِ لِيَخلُقَ تلك الطَّبِيعةَ في الشَّيءِ، ويُوجِدَ ذلك السَّبَبَ له، ولا بُدَّ أن يكُونَ یی هذا القَدِيرُ المُطلَقُ القُدْرةِ یی مُستَغْنِيًا غَناءً مُطلَقًا، فلا يُشرِكَ الوَسائِطَ العاجِزةَ في إِيجادِه لِلشَّيءِ، وفي هَيْمَنةِ رُبُوبيَّتِه علَيْه.
فحاشَ للهِ أنْ يكُونَ سِواه القَدِيرَ المُستَغنِيَ المُتَعالِيَ، بل هو سُبحانَه وتَعالَى يَخلُقُ المُسَبَّبَ والسَّبَبَ مَعًا خَلْقًا مُباشَرًا، ويُوجِدُ بَينَهُما سَبَبِيّةً ظاهِرِيّةً وصُورِيّةً،
— 209 —
ويَقرِنُ بَينَهُما مِن خِلالِ تَرتِيبٍ وتَنظِيمٍ، جاعِلًا مِنَ الأَسبابِ والطَّبِيعةِ سِتارًا لِيَدِ قُدْرَتِه الجَلِيلةِ، وحِجابًا لِعَظَمَتِه وكِبْرِيائِه، ولِتَبقَى عِزَّتُه مُنَزَّهةً مُقَدَّسةً في عَلْيائِها، ويَجعَلُ تلك الأَسبابَ مَوضِعَ الشَّكْوَى لِما يَتَراءَى مِن نَقائِصَ، ولِما يُتَصَوَّرُ مِن ظُلمٍ ظاهِرِيٍّ في الأَشياءِ.
أَيُّهُما أَسهَلُ على الفَهْمِ، وأَقرَبُ مَعقُوليّةً إلى الذِّهنِ: تَصَوُّرُ "ساعاتِيٍّ" يَصنَعُ تُرُوسَ السّاعةِ ومُعَدّاتِها، ثمَّ يُنَظِّمُها على وَفقِ تَرتِيبِ تُرُوسِها، ويُوازِنُ بَينَ حَرَكاتِ عَقارِبِها بدِقّةٍ مُتَناهِيةٍ؛ أم أن نَتَصَوَّرَ السَّاعاتِيَّ يَصنَعُ في تُرُوسِ السَّاعةِ وعَقارِبِها ودَقِيقِ آلاتِها ماكِينةً خارِقةَ الفِعالِ يُسَلِّمُ صُنعَ السّاعةِ إلى جَمادِيّةِ أَيدِيها؟! قُل مَعِي: أَلَيسَ هذا كَلامًا فارِغًا ومُحالًا وخارِجًا عن حُدُودِ الإِمكانِ؟! فهَيّا خاطِبْ أَنتَ عَقْلَك المُجْحِفَ وكُنْ أَنتَ القاضِيَ والحَكَمَ.
وأَيُّهُما يكُونُ مُستَساغًا ومَقبُولًا في مَنطِقِ العَقلِ: تَصَوُّرُ كاتِبٍ يَخُطُّ كِتابًا بنَفسِه بَعدَ أن يُحضِرَ لَوازِمَ الكِتابةِ، مِن مِدادٍ وقَلَمٍ ووَرَقٍ، أم تَصَوُّرُ إِيجادِ ذلك الكاتِبِ مَطبَعةً خاصّةً بذلك الكِتابِ یی وهِي أَعقَدُ وأَدَقُّ مِنَ الكِتابِ نَفسِه یی يَتْرُكُ لها أَمرَ كِتابةِ هذا الكِتابِ فيُخاطِبُها قائِلًا: هَيّا اشْرَعِي أَنتِ بكِتابةِ الكِتابِ.. مِن دُونِ تَدَخُّلٍ مِن قِبَلِه؟
أَلَيسَ مِثلُ هذا التَّصَوُّرِ السَّقِيمِ مُعضِلًا عَقلًا؟ ومُشكِلًا بأَضعافِ أَمرِ الكِتابةِ نَفسِها؟!
وإذا قُلتَ: إِنَّ إِيجادَ مَطبَعةٍ لِطَبعِ الكِتابِ أَعقَدُ وأَصعَبُ مِنَ الكِتابِ نَفسِه، إِلّا أنَّ ماكِينةَ المَطبَعةِ، قادِرةٌ على إِصدارِ آلافِ النُّسَخِ مِنَ الكِتابِ في مُدّةٍ قَصِيرةٍ؛ وهذا وَسِيلةُ التَّيسِيرِ.
الجَوابُ: إنَّ البارِئَ المُصَوِّرَ سُبحانَه لِأَجلِ تَجدِيدِ تَجَلِّياتِ أَسمائِه الحُسنَى وإِظهارِها على أَشكالٍ مُختَلِفةٍ، قد خَلَق بقُدْرَتِه المُطلَقةِ تَشَخُّصاتِ الأَشياءِ ومَلامِحَها الخاصّةَ بها، بحَيثُ لا يُشبِهُ مَخلُوقٌ مَخلُوقًا آخَرَ تَشابُهًا تامًّا، وهُو كِتابٌ صَمَدانِيٌّ، ومَكتُوبٌ رَبَّانِيٌّ.
— 210 —
نعم، إنَّه لِأَجلِ أن يَفِيَ كلُّ مَخلُوقٍ بمَعانٍ مُختَلِفةٍ لوُجُودِه، لا بُدَّ أن يَملِكَ سِيماءً يُعرَفُ بها ويُخالِفُ بها الآخَرِينَ، ومَلامِحَ تُبايِنُ مَلامِحَ غَيرِه؛ فانظُرْ ودَقِّقِ النَّظَرَ في وَجْهِ الإِنسانِ، تَرَ أنَّ عَلاماتٍ فارِقةً قدِ احتَشَدَت في هذا الوَجْهِ الصَّغِيرِ، بحَيثُ تُمَيِّیزُ هذه العَلاماتُ صاحِبَها عن جَمِيعِ الوُجُوهِ الأُخرَى المُتَتابِعةِ مُنذُ زَمَنِ آدَمَ عَلَيهِ السَّلَام حتَّى اليَومِ، وإلى الأَبَدِ، رَغمَ التَّشابُهِ والِاتِّفاقِ في الماهِيّةِ الإِنسانيّةِ، والكَينُونةِ البَشَرِيّةِ، وهذا واضِحٌ جَلِيٌّ وثابِتٌ قَطْعًا.
فمَلامِحُ كلِّ وَجْهٍ كِتابٌ خاصٌّ بالوَجهِ نَفسِه، وهُو كِتابٌ مُستَقِلٌّ بذاتِه عن غَيرِه.. فلِأَجلِ إِخراجِ هذا الكِتابِ الخاصِّ، وإِتقانِ صُنْعِه وتَنظِيمِه، يَستَوجِبُ الأَمرُ وُجُودَ مَجمُوعةٍ أَبجَدِيّةٍ كامِلةٍ مِنَ الحُرُوفِ، ومُناسِبةٍ حَجْمًا له، ويَتَطلَّبُ تَنضِيدَ هذه الحُرُوفِ في مَواضِعِها مِن لَوْحةِ التَّنضِيدِ، لِيَتِمَّ بَعدَ ذلك مُؤَلَّفٌ خاصٌّ بهذا الوَجهِ يُخالِفُ تَألِيفَ الآخَرِينَ.
ويَستَلزِمُ هذا الأَمرُ جَلْبَ مَوادِّ صُنعِه الخاصّةِ به، ثمَّ وَضْعَها في أَماكِنِها المُخَصَّصةِ لها، ثمَّ إِدراجَ كلِّ ما يَلزَمُ وُجُودَ هذا الوَجْهِ یی في الوَجْهِ نَفسِه یی مِن عَناصِرِ البِناءِ.. وهذا كُلُّه لا شَكَّ يَحتاجُ إلى مَصنَعٍ مُستَقِلٍّ خاصٍّ به، أي: إلى مَطبَعةٍ خاصّةٍ في كلِّ أَشيائِها لِكُلِّ وَجهٍ مِنَ الوُجُوهِ، ثمَّ أَلَا تَحتاجُ هذه المَطبَعةُ الخاصّةُ یی على فَرْضِ وُجُودِها یی إلى تَنظِيمٍ مُعَيَّنٍ، وتَنسِيقٍ مَخصُوصٍ؟ فأَمرُ الطَّبعِ نَفسُه یی دَعْ عَنك تَنسِيقَ الحُرُوفِ وتَرتِيبَها وتَنظِيمَها یی هو أَيضًا بحاجةٍ إلى تَنظِيمٍ.
فالمَوادُّ المَوجُودةُ في جِسمِ كلِّ كائِنٍ حَيٍّ هي أَكثَرُ تَعقِيدًا وأَدَقُّ تَنظِيمًا مِن مَوادِّ المَطبَعةِ وتَنظِيمِها بمِئاتِ الأَضعافِ، فجَلبُ هذه المَوادِّ مِن أَقطارِ العالَمِ، ضِمنَ حِساباتٍ مُعَيَّنةٍ، ومَوازِينَ دَقِيقةٍ، ثمَّ تَنضِيدُها حَسَبَ مُقتَضَياتِ الحاجةِ إلَيْها، وأَخِيرًا وَضْعُها تَحتَ يَدِ تلك المَطبَعةِ... هذه السِّلسِلةُ الطَّوِيلةُ مِنَ الإِجراءاتِ تَحتاجُ یی أَوَّلًا وقَبلَ كلِّ شَيءٍ یی إلى مُوجِدٍ يُوجِدُ تلك المَطبَعةَ المُفتَرَضةَ، ولَيسَ هو إلّا القُدْرةَ الفاطِرةَ لِلخالِقِ القَدِيرِ وإِرادَتَه النّافِذةَ.
— 211 —
إِذًا فاحتِمالُ كَونِ الطَّبِيعةِ كأَنَّها مَطبَعةٌ، خُرافةٌ فاضِحةٌ لا مَعنَى لها على الإِطلاقِ!
وهكذا على غِرارِ ما شاهَدْناه في مِثالِ "السَّاعةِ والكِتابِ": إنَّ الصَّانِعَ ذا الجَلالِ وهُو القادِرُ على كلِّ شَيءٍ، هو نَفسُه خالِقُ الأَسبابِ، وخالِقُ المُسَبَّباتِ، وهُو الَّذي يَربِطُ المُسَبَّباتِ بالأَسبابِ بحِكْمَتِه سُبحانَه؛ وقد عَيَّن بإِرادَتِه طَبِيعةَ الأَشياءِ، وجَعَلَها مِرآةً عاكِسةً لِتَجَلِّياتِ الشَّرِيعةِ الفِطْرِيّةِ الكُبْرَى الَّتي فَطَر علَيْها الكَوْنَ، والَّتي هي قَوانِينُ اللهِ وسُنَنُه الجارِيةُ الَّتي تَخُصُّ تَنظِيمَ شُؤُونِ الكَونِ، وقد أَوْجَدَ بقُدْرَتِه وَجْهَ "الطَّبِيعةِ" الَّذي حَظِيَ بالوُجُودِ الخارِجِيِّ، ثمَّ خَلَق الأَشياءَ وأَنشَأَها على تلك الطَّبِيعةِ ومازَجَ بَينَهُما بتَمامِ الحِكْمةِ.
والآنَ نُحِيلُ الأَمرَ إلى إِنصافِ عَقْلِك المُجْحِفِ لِيَرَى: أَيُّهُما يَستَسِيغُه عَقْلُك ويَسهُلُ علَيْه الِاعتِقادُ به؟ أَهذِه الحَقِيقةُ المَعقُولةُ النَّابِعةُ مِن بَراهِينَ دامِغةٍ غَيرِ مَحدُودةٍ یی وهِي مُلزِمةٌ إلى حَدِّ الوُجُوبِ یی أم إِعطاءُ ما يَلزَمُ لِلأَشياءِ مِن أَجهِزةٍ وأَعضاءٍ لا تُحَدُّ، وإِسنادُ أَعمالٍ تَتَّسِمُ بالحِكْمةِ والبَصِيرةِ إلى الشَّيءِ نَفسِه؟! أو نِسبَتُها إلى ما تُسَمُّونَه بی"الطَّبِيعةِ" والأَسبابِ الَّتي هي مَوادُّ جامِدةٌ خالِيةٌ مِنَ الشُّعُورِ وهِي مَخلُوقةٌ مَصنُوعةٌ؟ ألَيسَت هذه خُرافةً مُمتَنِعةً وخارِجةً عن نِطاقِ الإِمكانِ؟
يُجِيبُ عابِدُ الطَّبِيعةِ یی ذلك الجاحِدُ یی قائِلًا: ما دُمتَ تَدعُونِي إلى الإِنصافِ فأنا أَعتَرِفُ: بأنَّ ما سَلَكْناه مِن طَرِيقٍ مُضِلٍّ إلى الآنَ مِثلَما أنَّه مُحالٌ بمِئةِ مُحالٍ، فهُو مُضِرٌّ أيَّما ضَرَرٍ، وهُو في مُنتَهَى القُبحِ والفَسادِ.. إنَّ مَن كانَ له مُسكةٌ مِن عَقلٍ يُدرِكُ مِن مُحاكَماتِكُمُ العَقلِيّةِ، وتَحقِيقاتِكُمُ العِلمِيّةِ المُسنَدةِ بالبَراهِينِ والمَذكُورةِ آنِفًا: أنَّ إِسنادَ الإِيجادِ والخَلقِ إلى الأَسبابِ وإلى الطَّبِيعةِ مُمتَنِعٌ عَقلًا ومُحالٌ قَطْعًا، بل الواجِبُ والضَّرُورِيُّ المُلزِمُ لِلعَقلِ هو إِسنادُ كلِّ شَيءٍ مُباشَرةً إلى واجِبِ الوُجُودِ سُبحانَه، فأَحْمَدُ اللهَ الَّذي هَدانِي إلى هَذا الإِيمانِ.
ولكِن بَقِيَتْ لَدَيَّ شُبهةٌ واحِدةٌ فقط، وهِي: أنَّني أُؤْمِنُ باللهِ رَبًّا وأنَّه خالِقُ كلِّ شَيءٍ، ولكِنِّي أَتَساءَلُ: ماذا يَضُرُّ عَظَمَتَه سُبحانَه، وماذا يَضُرُّ سُلطانَه جَلَّ وعَلا، أن
— 212 —
نَتَوجَّه ببَعضِ المَدحِ والثَّناءِ إلى بَعضِ الأَسبابِ الجُزئيّةِ في إِيجادِها الأَشياءَ الصَّغِيرةَ التّافِهةَ، فهل يَنقُصُ ذلك شَيئًا مِن سُلطانِه سُبحانَه وتَعالَى؟!
والجَوابُ: كما أَثبَتْنا في قِسمٍ مِنَ الرَّسائِلِ إِثباتًا قاطِعًا: أنَّ شَأْنَ الحاكِمِيّةِ "رَدُّ المُداخَلةِ" ورَفْضُها كُلِّيًّا، بل إنَّ أَدنَى حاكِمٍ، أو أيَّ مُوَظَّفٍ بَسِيطٍ لا يَقبَلُ تَدَخُّلًا حتَّى مِنِ ابنِه ضِمنَ حُدُودِ حاكِمِيَّتِه، بل إنَّ تَوَهُّمَ التَّدَخُّلِ في الحاكِمِيّةِ قد دَفَع بَعضَ السَّلاطِينِ إلى قَتلِ أَولادِهِمُ الأَبرِياءِ رَغمَ أنَّهُم كانُوا على شَيءٍ مِنَ التَّقوَى والصَّلاحِ، مِمّا يُظهِرُ مَدَى أَصالةِ هذا القانُونِ یی قانُونِ رَدِّ المُداخَلةِ یی في الحاكِمِيّةِ، فهُو سارٍ في كلِّ شَيءٍ، ابتِداءً مِن مُتَخاصِمَينِ في تَسَنُّمِ إِدارةِ ناحِيةٍ صَغِيرةٍ، إلى سُلطانَينِ يَتَنازَعانِ لِلتَّفَرُّدِ بالسُّلطةِ في البِلادِ؛ وكَذلِك فقد أَظهَر یی بما لا يَقبَلُ الشَّكَّ یی ما يَقتَضِيه استِقلالُ الحاكِمِيّةِ مِن قانُونِ "مَنعِ الِاشتِراكِ"، وأَوضَحَ نُفُوذَه وقُوَّتَه خِلالَ تارِيخِ البَشَرِيّةِ الطَّوِيلِ، وما أَدَّى إلَيْه مِنِ اضطِرابٍ وقَتلٍ وتَشرِيدٍ وأَنهارٍ مِنَ الدِّماءِ المُهْراقةِ.
تَأَمَّلْ في الإِنسانِ الَّذي هو عاجِزٌ عن إِدارةِ نَفسِه ومُفتَقِرٌ إلى التَّعاوُنِ معَ الآخَرِينَ، ولا يَملِكُ مِنَ الحاكِمِيّةِ والآمِرِيّةِ إلّا ظِلًّا باهِتًا، فهُو يَرُدُّ المُداخَلةَ إلى هذه الدَّرَجةِ، ويَمنَعُ تَدَخُّلَ الآخَرِينَ إلى هذا الحَدِّ، ويَرفُضُ مُشارَكةَ الآخَرِينَ في حاكِمِيَّتِه، ويَسعَى بما لَدَيْه مِن قُوّةٍ لِلتَّشَبُّثِ باستِقلاليّةِ مَقامِه.. تَأَمَّلْ في هذا، ثمَّ انظُرْ إلى مَن يتَّصِفُ بِالحاكِمِيّةِ المُطلَقةِ بِدَرَجةِ الرُّبُوبِيّةِ، والآمِرِيّةِ المُطلَقةِ بِدَرَجةِ الأُلُوهِيّةِ، والِاستِقلالِ المُطلَقِ بِدَرَجةِ الأَحَدِيّةِ، والِاستِغناءِ المُطلَقِ بِدَرَجةِ القادِرِيّةِ المُطلَقةِ.. ذلِكُمُ اللهُ رَبُّنا ذُو الجَلالِ..
فكَم يكُونُ لازِمًا وضَرُورِيًّا "رَدُّ المُداخَلةِ" هذه بالنِّسبةِ إلَيْه، ومَنعُ الِاشتِراكِ وطَردُ الشَّرِيكِ في حاكِمِيَّتِه المُطلَقةِ، وكَم هو مِن لَوازِمِ هذه الحاكِمِيّةِ ومِن أَوجَبِ وجائِبِها؟
فقارِنِ الآنَ ووازِنْ بَينَ حاكِمِيّةِ الإِنسانِ المَحدُودةِ الضَّيِّقةِ المُفتَقِرةِ إلى الآخَرِينَ، وحاكِمِيّةِ اللهِ المُطلَقةِ الغَنِيّةِ المُهَيمِنةِ الشّامِلةِ.
— 213 —
أمّا الشِّقُّ الثّاني مِن شُبهَتِك وهُو أنَّه: إذا قُصِدَ "بَعضُ الأَسبابِ" ببَعضِ العِبادةِ مِن بَعضِ الأَفرادِ، فهل يَنقُصُ ذلك شَيْئًا مِن عِبادةِ المَخلُوقاتِ المُتَوجِّهةِ جَمِيعًا إلى اللهِ القَدِيرِ، ابتِداءً مِنَ الذَّرّاتِ وانتِهاءً بالسَّيّاراتِ والمَجَرَّاتِ؟!
فالجَوابُ: أنَّ الخالِقَ الحَكِيمَ العَلِيمَ سُبحانَه، قد خَلَق هذا الكَونَ بمَثابةِ شَجَرةٍ، وجَعَل أَربابَ الشُّعُورِ ثِمارَها الكامِلةَ، وكَرَّم الإِنسانِ باعتِبارِه أَجمَعَ ثَمَرةٍ لِأَربابِ المَشاعِرِ، وجَعَل الشُّكرَ والعِبادةَ أَفضَلَ ما تُثمِرُه حَياةُ الإِنسانِ، بل هُما یی الشُّكرُ والعِبادةُ یی نَتِيجةُ خَلقِه وغايةُ فِطْرَتِه وثَمَرةُ حَياتِه.
فهل يُمكِنُ عَقلًا لِهذا الحاكِمِ المُطلَقِ والآمِرِ الفَردِ، وهُو الواحِدُ الأَحَدُ، أن يُسَلِّمَ أَمرَ الإِنسانِ الَّذي هو ثَمَرةُ الكَونِ كُلِّه إلى غَيرِه، ويُسَلِّمَ ثَمَرةَ حَياتِه یی وهِي الشُّكرُ والعِبادةُ یی إلى الآخَرِينَ، بَعدَما خَلَق الكَونَ كُلَّه لِمَعرِفةِ أُلُوهِيَّتِه، ولِمَحَبّةِ رُبُوبيَّتِه، فهل يُمكِنُ أن يَجعَلَ نَتِيجةَ الخَلقِ وثَمَرةَ الكَونِ تَسقُطُ بَينَ أَشداقِ عُفُونةِ العَبَثِ؟! حاشَ للهِ وكَلّا، سُبحانَ اللهِ عَمّا يُشرِكُونَ!
ثمَّ هل يُمكِنُ أن يَرضَى سُبحانَه بما يُخالِفُ حِكْمَتَه ورُبُوبيَّتَه بجَعلِ بَعضِ الأَسبابِ مَقصُودَ عِبادةِ المَخلُوقاتِ؟ عِلْمًا بأنَّه سُبحانَه وتَعالَى قد أَظهَرَ بأَفعالِه أنَّه يُحَبِّبُ نَفسَه ويُعَرِّفُها بِدَرَجةٍ غَيرِ مَحدُودةٍ.
فكَيفَ يَرضَى سُبحانَه یی بَعدَ هذا كُلِّه یی أنْ يَدَع تَحَبُّبَ أَفضَلِ مَخلُوقاتِه وأَكمَلِهِم عُبُودِيّةً وشُكرًا وحَمْدًا إلى غَيرِه مِنَ الأَسبابِ؟! وكَيفَ يَسمَحُ لِمَخلُوقاتِه أن تَنساه بَعدَ أن أَظهَرَ بأَفعالِه مَقاصِدَه السَّامِيةَ في الكَونِ: وهِي مَعِرفَتُه، ثمَّ عِبادَتُه؟! حاشا وكَلّا، فسُبحانَ اللهِ عَمّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
ماذا تَقُولُ أيُّها الصَّدِيقُ بالَّذي سَمِعتَه آنِفًا؟
وإذا به يُجِيبُ فيَقُولُ: الحَمدُ للهِ الَّذي سَهَّل لي حَلَّ هاتَينِ الشُّبهَتَينِ، فقد أَظهَرْتَ لي في وَحْدانيّةِ اللهِ یی المَعبُودِ الحَقِّ والمُستَحِقِّ لِلعِبادةِ وَحْدَه یی دَليلَينِ قَوِيَّينِ ساطِعَينِ لا يُمكِنُ إِنكارُهُما، وهل يُنكِرُ ضَوءَ الشَّمسِ والنَّهارِ إلّا مُكابِرٌ مُعانِدٌ؟!
— 214 —

الخاتمة

يقُولُ الرَّجُلُ الَّذي تَرَك فِكرةَ الطَّبِيعةِ الكُفرِيّةِ ودَخَل حَظِيرةَ الإِيمانِ:
الحَمدُ للهِ.. أَشهَدُ أنَّ شُبُهاتِي قد زالَت كُلُّها، ولكِن ما زالَ في النَّفسِ ما يُحَيِّرُني ويُثِيرُ المَزِيدَ مِن هَواجِسِي، مِمّا يَرِدُ على خاطِرِي مِن أَسئِلةٍ لا أَعرِفُ جَوابًا عَلَيْها!
السُّؤالُ الأوَّلُ: نَسمَعُ مِن كَثِيرٍ مِنَ الكُسالَى المُتَقاعِسِينَ عنِ العِباداتِ ، ومِن تارِكِي الصَّلاةِ بخاصّةٍ ، أنَّهُم يَقُولُونَ:
ما حاجةُ الرَّبِّ الغَنِيِّ بِذاتِه یی سُبحانَه وتَعالَى یی إلى عِبادَتِنا حتَّى يَزجُرَنا في مُحْكَمِ كِتابِه الكَرِيمِ، ويَتَوعَّدَنا بأَشَدِّ العَذابِ في نارِ جَهَنَّمَ؟ فكَيفَ يَتَساوَقُ هذا الأُسلُوبُ التَّهدِيدِيُّ الصَّاعِقُ في مِثلِ هذا الخَطَأِ الجُزئِيِّ التَّافِهِ، معَ أُسلُوبِه الإِعجازِيِّ اللَّيِّنِ الهادِئِ الرَّقِيقِ في المَواضِعِ الأُخرَى؟
الجَوابُ: حَقًّا إنَّ اللهَ سُبحانَه وتَعالَى الغَنِيَّ بِذاتِه لا حاجةَ له قَطُّ إلى عِبادَتِك أَنتَ أيُّها الإِنسانُ، بل لا حاجةَ له سُبحانَه إلى شَيءٍ قَطُّ، ولكِنَّك أَنتَ المُحتاجُ إلى العِبادةِ، وأَنتَ المُفتَقِرُ إلَيْها.. فأَنتَ مَرِيضٌ مَعنًى، والعِبادةُ هي البَلْسَمُ الشَّافي لِجِراحاتِ رُوحِك، وأَوْجاعِ ذاتِك، وقد أَثبَتْنا هذا الكَلامَ في عَدِيدٍ مِنَ الرَّسائِلِ.
تُرَى! لو خاطَبَ مَرِيضٌ طَبِيبًا رَحِيمًا يُشفِقُ علَيْه ويُصِرُّ علَيْه لِيَتَناوَلَ دوَاءً شافِيًا يَخُصُّ مَرَضَه، لو خاطَبَه تِجاهَ إِصرارِه علَيْه قائِلًا: ما حاجَتُك أَنتَ إلى هذا الدَّواءِ حتَّى تُلِحَّ علَيَّ هذا الإِلحاحَ الشَّدِيدَ بِتَناوُلِ الدَّواءِ؟ ألا يُفهَمُ مِن كَلامِه مَدَى تَفاهَتِه وسُخْفِه وغَباءِ مَنطِقِه؟
أمّا نَذِيرُ القُرآنِ الكَرِيمِ فيما يَخُصُّ تَركَ العِبادةِ وتَهدِيدُه المُخِيفُ بعِقابٍ أَلِيمٍ، فإِلَيْك تَفسِيرَه: فكَما أنَّ سُلْطانًا يُعاقِبُ شَخْصًا سافِلًا يَرتَكِبُ جَرِيمةً تَمَسُّ حُقُوقَ الآخَرِينَ بعِقابٍ صارِمٍ لِأَجلِ الحِفاظِ على حُقُوقِ رَعاياه، كَذلِك سُلْطانُ الأَزَلِ
— 215 —
والأَبَدِ يُعاقِبُ تارِكَ العِبادةِ والصَّلاةِ عِقابًا صارِمًا، لِأنَّه يَتَجاوَزُ تَجاوُزًا صارِخًا حُقُوقَ المَوجُوداتِ، ويَظلِمُها ظُلْمًا مَعنَوِيًّا بَشِعًا، ويَهضِمُ حُقُوقَها هَضْمًا مُجحِفًا، تلك المَوجُوداتِ الَّتي هي رَعاياه وخَلقُه.
وذلك لِأنَّ كَمالاتِها تَتَظاهَرُ على صُورةِ تَسبِيحٍ وعِبادةٍ في وَجْهِها المُتَوجِّه إلى البارِئِ الحَكِيمِ سُبحانَه، فتارِكُ العِبادةِ لا يَرَى عِبادةَ المَوجُوداتِ ولن يَراها، بل يُنكِرُها، وفي هذا بَخْسٌ عَظِيمٌ لِقِيمةِ المَوجُوداتِ الَّتي كلٌّ مِنها مَكتُوبٌ سامٍ صَمَدانِيٌّ، قد خُطَّ بآياتِ العِبادةِ والتَّسبِيحِ، وهُو مُتَوجِّهٌ بآياتِه وتَسبِيحِه نَحوَ المُوجِدِ الخالِقِ جَلَّ وعَلا.. وكُلٌّ مِنها یی أَيضًا یی مِرآةٌ لِتَجَلِّي الأَسماءِ الرَّبّانيّةِ المُشِعّةِ بالأَنوارِ.. فيُنزِلُلمُه المَوجُوداتِ یی بهذا الإِنكارِ یی مِن مَقامِها الرَّفِيعِ السَّامِي، ولا يَرَى في وُجُودِها سِوَى العَبَثِ الخالِي مِنَ المَعنَى، ويُجَرِّدُها مِن وَظائِفِها الخَلْقِيّةِ، ويَظُنُّها شَيْئًا هامِدًا ضائِعًا لا أَهَمِّيّةَ له، فيكُونُ بذلك قدِ استَهانَ بالمَوجُوداتِ واستَخَفَّ بها، وأَهانَ كَرامَتَها وأَنكَرَ كَمالاتِها، وتَعَدَّى على مِصْداقيّةِ وُجُودِها.
نعم، إنَّ كلَّ إِنسانٍ إنَّما يَنظُرُ إلى الكَونِ بمِنظارِه الخاصِّ، وعلى وَفقِ ما تُصَوِّرُه له مِرآتُه الخاصَّةُ، فلَقَد خَلَقه البارِئُ المُصَوِّرُ سُبحانَه على صُورةٍ يَستَطِيعُ قِياسَ الكَونِ علَيْها، ويَزِنُه بمِيزانِها، فمَنَحَه عالَمًا خاصًّا به مِن هذا العالَمِ العَظِيمِ، فيَصطَبِغُ عالَمُه الخاصُّ بحَسَبِ ما يَعتَقِدُه الإِنسانُ مِن عَقِيدةٍ في قَلبِه.
فالإِنسانُ الحَزِينُ اليائِسُ الباكِي يَرَى المَوجُوداتِ باكِيةً بائِسةً، بَينَما السَّعِيدُ الجَذْلانُ يَراها مُبتَسِمةً ضاحِكةً ومَسرُورةً.
كَذلِك الَّذي يُؤَدِّي العِبادةَ والأَذكارَ بصُورةٍ جادّةٍ وبشُعُورٍ تامٍّ وبتَفَكُّرٍ وتَأَمُّلٍ، فإنَّه يَكشِفُ شَيئًا مِن عِبادةِ المَوجُوداتِ وتَسابِيحِها، بل قد يَراها وهِي حَقِيقةٌ مَوجُودةٌ ثابِتةٌ، أمَّا الَّذي يَتْرُكُ العِبادةَ غافِلًا أو مُنكِرًا لها فإنَّه يَتَوهَّمُ المَوجُوداتِ تَوَهُّمًا خاطِئًا جِدًّا ومُنافِيًا كُلِّيًّا ومُخالِفًا مُخالَفةً تامّةً لِحَقِيقةِ كَمالاتِها، فيَكُونُ مُتَعدِّيًا على حُقُوقِها مَعنًى.
— 216 —
زِدْ على ذلك: فإنَّ تارِكَ الصَّلاةِ يَظلِمُ نَفسَه كَذلِك بتَركِه الصَّلاةَ، حَيثُ إنَّه غَيرُ مالِكٍ لِذاتِ نَفسِه، فهِي یی أي: النَّفسُ یی عَبدٌ مَملُوكٌ لَدَى مالِكِها ومَوْلاها وخالِقِها وفاطِرِها، لِذا يُنذِرُه مَوْلاه الحَقُّ إِنذارًا شَدِيدًا ويُهَدِّدُه بعُنفٍ لِيَأخُذَ حَقَّ عَبدِه ذاك مِن نَفسِه الأَمَّارةِ بالسُّوءِ، فَضْلًا عن أنَّه عِندَما تَرَك العِبادةَ الَّتي هي نَتِيجةُ خِلْقَتِه وغايةُ فِطْرَتِه يكُونُ مُتَجاوِزًا حَدَّه تِجاهَ الحِكْمةِ الإِلٰهِيّةِ والمَشِيئةِ الرَّبّانيّةِ، لِذا يُعاقَبُ على هذا عِقابًا شَدِيدًا.
نَحصُلُ مِمّا تَقَدَّمَ: أنَّ تارِكَ العِبادةِ مِثلَما أنَّه يَظلِمُ نَفسَه، والنَّفسُ مَملُوكُ الحَقِّ سُبحانَه وعَبدُه، فهُو يَتَعدَّى على حُقُوقِ كَمالاتِ الكائِناتِ ويَظلِمُها أَيضًا.. نعم، فكَما أنَّ الكُفرَ استِهانةٌ بالمَوجُوداتِ واستِخفافٌ بها، فتَركُ العِبادةِ إِنكارٌ لِكَمالاتِ الكائِناتِ، وتَجاوُزٌ على الحِكْمةِ الإِلٰهِيّةِ، لِذا يَستَحِقُّ تارِكُها تَهدِيدًا عَنِيفًا، وعِقابًا صارِمًا.
ومِن هُنا يَختارُ القُرآنُ الكَرِيمُ أُسلُوبَ الشِّدّةِ في التَّهدِيدِ والإِنذارِ ليُعَبِّرَ عن هذا الِاستِحقاقِ وعن هذه الحَقِيقةِ المَذكُورةِ آنِفًا، فيَكُونُ الأُسلُوبُ حَقًّا ومُطابِقًا تَمامًا لِمُقتَضَى الحالِ الَّذي هو البَلاغةُ بعَينِها.
السُّؤالُ الثّاني: يقُولُ صاحِبُنا الَّذي نَبَذ فِكْرةَ "الطَّبِيعةِ" وتَبَرَّأ مِنها، وشَرُفَ بالإِيمانِ باللهِ:
إنَّ انقِيادَ كلِّ مَوجُودٍ، في كلِّ شَأْنٍ مِن شُؤُونِه، وفي كلِّ أَمرٍ مِن أُمُورِه، وفي كلِّ ما يقُومُ به ويُنجِزُه، انقِيادًا مُطلَقًا لِلمَشِيئةِ الإِلٰهِيّةِ، والقُدرةِ الرَّبّانيّةِ، هو حَقِيقةٌ عَظِيمةٌ جَلِيلةٌ، فهِي لِعَظَمَتِها وسَعَتِها لا تَستَوعِبُها أَذهانُنا الكَلِيلةُ القاصِرةُ، عِلْمًا أنَّنا نُطالِعُ عِيانًا وَفْرةً مُتَناهِيةً مِنَ المَوجُوداتِ، وسُهُولةً مُطلَقةً في خَلقِ الأَشياءِ، وقد تَحَقَّق أنَّ "السُّهُولة في الإِيجادِ" هي مِن مُستَلزَماتِ "الوَحْدانيّةِ" بما أَقمتُمُوه مِن بَراهِينَ وحُجَجٍ قاطِعةٍ، فَضْلًا عن أنَّ القُرآنَ الكَرِيمَ قد قَرَّرَ السُّهُولةَ المُطلَقةَ صَراحةً في آياتٍ كَرِيمةٍ كَثِيرةٍ أَمثالَ:
مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ
وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ
— 217 —
كلُّ ذلك يُظهِرُ تلك الحَقِيقةَ العَظِيمةَ "سُهُولةُ الإِيجادِ" مَسأَلةً مَقبُولةً جِدًّا ومُستَساغةً عَقْلًا، فأَينَ يَكمُنُ سِرُّ هذه السُّهُولةِ يا تُرَى؟! وما الحِكْمةُ مِن وَرائِها؟
الجَوابُ: لقد وُضِّحَ ذلك السِّرُّ وُضُوحًا تامًّا ومُقنِعًا في الكَلِمةِ العاشِرةِ لی"المَكتُوبِ العِشرِينَ" أي: «وهُو على كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ» بما يَفِي بالغَرَضِ، وبخاصّةٍ في ذَيلِه، حَيثُ جاءَ التَّوضِيحُ وافِيًا وشافِيًا جِدًّا، ومُقنِعًا بالدَّليلِ والبُرهانِ والإثباتِ القاطِعِ، وخُلاصَتُه:
أنَّه عِندَما يُسنَدُ إِيجادُ المَوجُوداتِ جَميعِها إلى الصّانِعِ الواحِدِ، يَسهُلُ الأَمرُ كسُهُولةِ إِيجادِ مَخلُوقٍ واحِدٍ، بَينَما إذا أُسنِدَ لِلكَثرةِ فإنَّه يَصعُبُ على هذه الكَثْرةِ أَمرُ إِيجادِ مَخلُوقٍ واحِدٍ بقَدْرِ صُعُوبةِ إِيجادِ جَمِيعِ المَوجُوداتِ.. فيكُونُ خَلقُ بِذْرةٍ واحِدةٍ صَعْبًا ومُشكِلًا كخَلقِ شَجَرةٍ.. ولكِن إذا أُسنِدَ "الإِيجادُ" إلى صانِعِه الحَقِّ سُبحانَه، يَسهُلُ الأَمرُ حتَّى يُصبِحُ إِيجادُ الكائِناتِ كُلِّها كإِيجادِ شَجَرةٍ واحِدةٍ، والشَّجَرةِ كالبِذْرةِ، والجَنّةِ كالرَّبِيعِ، والرَّبِيعِ كالزَّهرةِ.. فالأَمرُ يَسهُلُ ويكُونُ هَيِّنًا.
وسنُشِيرُ هنا إِشارةً مُختَصَرةً إلى دَليلٍ أو دَليلَينِ مِن بَينِ مِئاتِ الأَدِلّةِ الَّتي أَوْضَحْناها بالتَّفصِيلِ في رَسائِلَ أُخرَى، تلك الأَدِلّةِ الَّتي تُبيِّنُ ما يَدُورُ مِنَ الأَسرارِ والحِكَمِ الكامِنةِ فيما نُشاهِدُه مِن وَفْرةِ المَوجُوداتِ الَّتي لا حَصْرَ لَها ورُخْصِها، وكَثْرةِ أَفرادِ كلِّ نَوعٍ مِنها، ووُرُودِها إلى الوُجُودِ مُنتَظِمةً، مُتقَنةً، وبكُلِّ سُهُولةٍ ويُسْرٍ.
مِثالُ هذا: إنَّ إِدارةَ مِئةِ جُندِيٍّ تَحتَ إِمرةِ ضابِطٍ واحِدٍ، أَسهَلُ بمِئةِ ضِعفٍ مِن إِدارةِ جُندِيٍّ واحِدٍ تَحتَ إِمرةِ مِئةِ ضابِطٍ؛ وعِندَما يُوكَلُ أَمرُ تَجهِيزِ جَيشٍ كامِلٍ باللَّوازِمِ العَسكَرِيّةِ، مِن مَركَزٍ واحِدٍ، وبقانُونٍ واحِدٍ، ومِن مَصنَعٍ واحِدٍ، إلى أَمرٍ يُصدِرُه قائِدٌ واحِدٌ، فإنَّ ذلك يكُونُ سَهلًا وهَيِّنًا مِن حَيثُ الكَمِيّةُ والوَفْرةُ، بسُهُولةِ تَجهِيزِ جُندِيٍّ واحِدٍ؛ بَينَما يكُونُ إِيكالُ أَمرِ تَجهِيزِ جُندِيٍّ واحِدٍ باللَّوازِمِ العَسكَرِيّةِ الكامِلةِ مِن مَراكِزَ ومَصانِعَ مُتَعدِّدةٍ، إلى قُوّادٍ عَدِيدِينَ، مُشكِلًا وصَعبًا مِن حَيثُ الكَمِيّةُ والوَفْرةُ أَيضًا بصُعُوبةِ تَجهِيزِ جَيشٍ كامِلٍ، إذ يَنبَغِي عِندَئِذٍ وُجُودُ مَصانِعَ كَثِيرةٍ لِلتَّجهِيزاتِ بعَدَدِ ما يَلزَمُ جَيشًا كامِلًا، لِأَجلِ تَجهِيزِ الجُندِيِّ الواحِدِ.
— 218 —
ويُشاهَدُ أَيضًا أنَّ الشَّجَرةَ الواحِدةَ الَّتي تُثمِرُ أُلُوفَ الثَّمَراتِ، إذا تَزَوَّدَت بالمَوادِّ الضَّرُورِيّةِ لها، مِن جَذْرٍ واحِدٍ، ومِن مَركَزٍ واحِدٍ، وعلى وَفقِ قانُونٍ واحِدٍ، يَتِمُّ ذلك بسُهُولةٍ ويُسْرٍ كأنَّها ثَمَرةٌ واحِدةٌ؛ بَينَما إذا استُبدِلَتِ الكَثْرةُ بالوَحْدةِ، وسُلِكَ طَرِيقُ الكَثْرةِ عِوَضًا عن طَرِيقِ الوَحْدةِ، وزُوِّدَت كلُّ ثَمَرةٍ بالمَوادِّ الضَّرُورِيّةِ لِلحَياةِ مِن مَراكِزَ مُختَلِفةٍ، وجُذُورٍ مُتَبايِنةٍ، يكُونُ إِيجادُ ثَمَرةٍ واحِدةٍ مُشكِلًا وصَعْبًا كإِيجادِ الشَّجَرةِ نَفسِها، بل قد يكُونُ إِيجادُ البِذْرةِ یی الَّتي هي أُنمُوذَجُ الشَّجَرةِ وفِهرِسْتُها یی صَعْبًا ومُعضِلًا كإِيجادِ الشَّجَرةِ نَفسِها، لِأنَّ ما يَلزَمُ حَياةَ الشَّجَرةِ مِن مَوادَّ ضَرُورِيّةٍ يَلزَمُ البِذْرةَ أَيضًا.
فهُناك المِئاتُ مِن أَمثالِ هذه الأَمثِلةِ، وكُلُّها تُبيِّنُ أنَّ وُرُودَ أُلُوفِ المَوجُوداتِ بسُهُولةٍ مُطلَقةٍ إلى الوُجُودِ یی في الوَحْدةِ یی أَسهَلُ مِن وُرُودِ مَوجُودٍ واحِدٍ إلى الوُجُودِ بالتَّعَدُّدِ والكَثْرةِ.
ولَمّا كُنّا قد أَثبَتْنا هذه الحَقِيقةَ في رَسائِلَ أُخرَى بيَقِينٍ قاطِعٍ نُحِيلُ إلَيْها، ولكِنَّنا نُبيِّنُ هنا فقط سِرًّا عَظِيمًا يَتَعلَّقُ بهذه السُّهُولةِ واليُسرِ مِن زاوِيةِ نَظَرِ العِلمِ الإِلٰهِيِّ، والقَدَرِ الإِلٰهِيِّ، والقُدرةِ الرَّبّانيّةِ، وهذا السِّرُّ هو:
أَنتَ مَوجُودٌ مِنَ المَوجُوداتِ، فإذا سَلَّمتَ نَفسَك إلى يَدِ القَدِيرِ المُطلَقِ القُدرةِ، فإنَّه يَخلُقُك بأَمرٍ واحِدٍ كَلَمحِ البَصَرِ، وبقُدرَتِه المُطلَقةِ مِنَ العَدَمِ، مِن غَيرِ شَيءٍ؛ ولكِن إنْ لم تُسَلِّم نَفسَك إلَيْه، بل أَسنَدتَها إلى "الطَّبِيعةِ"، وأَسلَمتَها إلى الأَسبابِ المادِّيّةِ، فيَلزَمُ عِندَئِذٍ لِإيجادِك أَنتَ عَمَليّةُ بَحثٍ دَقيقٍ یی لِجَمعِ جَمِيعِ المَوادِّ الَّتي في وُجُودِك یی في أَقطارِ العالَمِ كُلِّه، والتَّفتِيشُ عنها في زَوايا الكَونِ كُلِّه، وإِمرارُها في مَصَافٍ واختِباراتٍ دَقِيقةٍ جِدًّا، ووَزْنُها بمَوازِينَ حَسّاسةٍ، ذلك لِأنَّك خُلاصةٌ مُنتَظِمةٌ لِلكَونِ، وثَمَرَتُه اليانِعةُ، وفِهرِسْتُه المُصَغَّرُ، ومِحْفَظَتُه المُنطَوِيةُ على مَوادِّ الكَونِ كُلِّه.
لِأنَّ الأَسبابَ المادِّيّةَ ليس لها إلّا التَّركِيبُ والجَمعُ، إذ هو ثابِتٌ لَدَى أَربابِ العُقُولِ أنَّه لا يُمكِنُ لِلأَسبابِ المادِّيّةِ إِيجادُ ما لا يُوجَدُ فيها، مِنَ العَدَمِ ومِن غَيرِ شَيءٍ، لِذا فهِي مُضطَرّةٌ إلى جَمعِ المَوادِّ اللّازِمةِ لِجِسمِ كائِنٍ حَيٍّ صَغِيرٍ مِن أَقطارِ العالَمِ كُلِّه.
— 219 —
فافْهَمْ مِن هذا مَدَى السُّهُولةِ المُطلَقةِ في الوَحْدةِ والتَّوحِيدِ، ومَدَى الصُّعُوباتِ والمُشكِلاتِ في الشِّركِ والضَّلالةِ.
ثانيها: أنَّ هُنالِك سُهُولةً مُطلَقةً في الخَلقِ والإِيجادِ تَنبَعُ مِن زاوِيةِ نَظَرِ "العِلمِ الإِلٰهِيِّ"، وتَفصِيلُها كالآتي:
إنَّ القَدَرَ الإِلٰهِيَّ هو نَوعٌ مِنَ العِلمِ الإِلٰهِيِّ، يُعيِّنُ مِقدارَ كلِّ شَيءٍ كأنَّه قالَبٌ مَعنَوِيٌّ له وخاصٌّ به، فيَكُونُ ذلك المِقدارُ القَدَرِيُّ بمَثابةِ خُطّةٍ لِذلِك الشَّيءِ، وبحُكمِ "مُودِيل" أُنمُوذَجٍ له، فعِندَما تُوجِدُه "القُدرةُ الإِلٰهِيّةُ" تُوجِدُه على ذلك المِقدارِ القَدَرِيِّ بكلِّ سُهُولةٍ ويُسرٍ.
فإن لم يُنسَب إِيجادُ ذلك الشَّيءِ إلى مَن له عِلمٌ مُحِيطٌ مُطلَقٌ أَزَليٌّ وهُو اللهُ القَدِيرُ ذُو الجَلالِ ، لا تَحصُلُ أُلُوفُ المُشكِلاتِ فحَسْبُ، بل تَقَعُ مِئاتُ المُحالاتِ أَيضًا یی كما ذُكِر آنِفًا یی لِأنَّه إن لم يَكُن هُناك ذلك المِقدارُ القَدَرِيُّ، والمِقدارُ العِلمِيُّ، يَلزَمُ استِعمالُ أُلُوفِ القَوالِبِ المادِّيّةِ والخارِجِيّةِ لِلجِسمِ الصَّغِيرِ لِلحَيَوانِ!
فافْهَمْ مِن هذا سِرًّا مِن أَسرارِ السُّهُولةِ المُطلَقةِ في الوَحْدةِ والتَّوحِيدِ وكَثْرةِ المُشكِلاتِ غَيرِ المُتَناهِيةِ في التَّعَدُّدِ والكَثْرةِ والشِّركِ، واعْلَمْ مَدَى صِدقِ الحَقِيقةِ الَّتي تُعبِّرُ عنها الآيةُ الكَرِيمةُ:
وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ
السُّؤال الثّالثُ: يقُولُ الَّذي كانَ يُعادِي سابِقًا ووُفِّق إلى الإِيمانِ الآنَ واهتَدَى: ما بالُ بَعضِ الفَلاسِفةِ المُغالِينَ في عَصرِنا هذا يُطلِقُونَ مَقُولةَ: "لا يُستَحدَثُ شَيءٌ مِنَ العَدَمِ، ولا يَفنَى شَيءٌ مِنَ الوُجُودِ، وإنَّ ما يُدِيرُ هذا الكَونَ إنَّما هو تَركِيبُ المادّةِ وتَحلِيلُها ليس إلّا؟!".
الجَوابُ: إنَّ الفَلاسِفةَ الَّذِينَ لم يَتَسنَّ لَهُمُ النَّظَرُ إلى المَوجُوداتِ بنُورِ القُرآنِ المُبِينِ، عِندَما نَظَرُوا إلَيْها بمِنظارِ "الطَّبِيعةِ" و"الأَسبابِ" تَوَصَّلُوا إلى أنَّ وُجُودَ هذه
— 220 —
المَوجُوداتِ، وافتِراضَ تَشَكُّلِها بعَوامِلِ "الطَّبِيعةِ" و"الأَسبابِ" مَسأَلةٌ تَطرَحُ مُشكِلاتٍ عَوِيصةً بدَرَجةِ الِامتِناعِ یی على غِرارِ ما ذَكَرْناه في بَيانِ الِاحتِمالاتِ ومُحالاتِها یی فانقَسَم هَؤُلاءِ الفَلاسِفةُ إِزاءَ هذه العَقَبةِ الكَأْداءِ إلى قِسمَينِ:
قِسمٌ مِنهُم صارُوا سُوفْسطائيِّينَ وعافُوا العَقلَ الَّذي هو خاصّةُ الإِنسانِ، وسَقَطُوا إلى دَرَكٍ أَدنَى مِنَ الحَيَواناتِ، إذ وَصَل بهم أَمرُ فِكرِهِم إلى إِنكارِ الوُجُودِ عُمُومًا، بل حتَّى إِنكارِ وُجُودِهِم، وذلك عِندَما رَأَوْا أنَّ هذا الإِنكارَ أَجدَى على العَقلِ وأَيسَرُ علَيْه وأَسلَمُ مِن تَصَوُّرِ "الطَّبِيعةِ" و"الأَسبابِ" مالِكةً لِزِمامِ الإِيجادِ، فأَنكَرُوا وُجُودَ أَنفُسِهِم ووُجُودَ المَوجُوداتِ جَمِيعًا، فسَقَطُوا في هاوِيةِ الجَهلِ المُطلَقِ.
أمَّا القِسمُ الثّاني: فقد نَظَرُوا إلى المَوجُوداتِ أنَّها لو سُلِّم إِيجادُها إلى "الأَسبابِ" و"الطَّبِيعةِ" كما هو شَأْنُ أَهلِ الضَّلالةِ، فإنَّ إِيجادَ شَيءٍ صَغِيرٍ جِدًّا كالبَعُوضةِ أوِ البِذْرةِ، فيه مِنَ المُشكِلاتِ ما لا يُحَدُّ، ويَقتَضِي قُدْرةً عَظِيمةً لا يَبلُغُ مَداها العَقلُ، فوَجَدُوا أَنفُسَهُم مُضطَرِّينَ إلى إِنكارِ "الإِيجادِ" نَفسِه، فقالُوا: "لا يُستَحدَثُ شَيءٌ مِنَ العَدَمِ"، ورَأَوْا أنَّ إِعدامَ الشَّيءِ مُحالٌ أَيضًا، فقَرَّرُوا أنَّه "لا يَفنَى المَوجُودُ"، وتَخَيَّلُوا جُملةً مِنَ الأَوْضاعِ الِاعتِبارِيّةِ سارِيةً ما بَينَ تَحلِيلٍ وتَركِيبٍ وتَفرِيقٍ وتَجمِيعٍ، ناتِجةً عن حَرَكاتِ الذَّرّاتِ، وسَيلِ المُصادَفاتِ!
فتَأَمَّلْ في هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنفُسَهُم في ذِرْوةِ العَقلِ، قد سَقَطُوا في حَضِيضٍ مِنَ الحَماقةِ والجَهلِ، واعْلَمْ مِن هذا كَيفَ تَضَعُ الضَّلالةُ هذا الإِنسانَ المُكَرَّمَ یی حِينَ يُلغِي إِيمانَه یی مَوضِعَ سُخْرِيةٍ وازدِراءٍ مِن كلِّ أَحَدٍ..
وبِدَوْرِنا نَسأَلُ هَؤُلاءِ: تُرَى! كُيفَ يُمكِنُ استِبعادُ إِيجادِ شَيءٍ مّا مِنَ القُدْرةِ المُطلَقةِ الَّتي تُوجِدُ على سَطْحِ الأَرضِ في كلِّ سَنةٍ أَربَعَ مِئةِ أَلفِ نَوعٍ مِنَ الأَحياءِ؟ والَّتي خَلَقَتِ السَّماواتِ والأَرضَ في سِتّةِ أَيّامٍ؟ والَّتي تُنشِئُ في كلِّ رَبِيعٍ تَحتَ بَصَرِ الإِنسانِ وسَمْعِه، على سَطْحِ الأَرضِ كَوْنًا حَيًّا مِنَ النَّباتِ والحَيَوانِ هو أَظهَرُ إِتقانًا وأَجلَى حِكْمةً مِنَ الكَونِ كُلِّه، في سِتّةِ أَسابِيعَ؟ كَيفَ يُستَبعَدُ مِنها أن تَخلُقَ المَوجُوداتِ
— 221 —
العِلمِيّةَ یی الَّتي تَعَيَّنَت خُطَطُها ومَقادِيرُها ضِمنَ دائِرةِ العِلمِ الأَزَليِّ یی فتَخلُقَها بسُهُولةٍ مُطلَقةٍ سُهُولةَ إِظهارِ الكِتابةِ غَيرِ المَنظُورةِ بإِمرارِ مادّةٍ كِيمياوِيّةٍ علَيْها؟ فاستِبعادُ إِضفاءِ الوُجُودِ الخارِجِيِّ على المَوجُوداتِ العِلمِيّةِ یی والَّتي هي مَعدُوماتٌ خارِجِيًّا یی مِن تلك القُدْرةِ الأَزَليّةِ، ثمَّ إِنكارُ الإِيجادِ نَفسِه لَهُو حَماقةٌ وجَهالةٌ أَشَدُّ مِن حَماقةِ السُّوفْسَطائيِّينَ المَعرُوفِينَ وجَهالَتِهِم!
وحَيثُ إنَّ نُفُوسَ هَؤُلاءِ التُّعَساءِ المُتَفرعِنةَ العاجِزةَ عَجْزًا مُطلَقًا، والَّتي لا تَملِكُ إلّا جُزءًا يَسِيرًا مِنَ الِاختِيارِ، غَيرُ قادِرةٍ على إِفناءِ أيِّ شَيءٍ كانَ وإِعدامِه، وإِيجادِ أيّةِ ذَرّةٍ كانَت أو مادّةٍ مِن غَيرِ شَيءٍ ومِنَ العَدَمِ.. ولَمّا كانَتِ الطَّبِيعةُ والأَسبابُ الَّتي يَفخَرُونَ بعُبُودِيَّتِهِم لها عاجِزةً هي الأُخرَى ولَيسَ في طَوْقِها أَمرُ "الإِيجادِ" مِن غَيرِ شَيءٍ.. نَراهُم يُصدِرُونَ حُكْمًا عامًّا: "أنَّ المادَّةَ لا تُفنَى ولا تُستَحدَثُ"، ويُحاوِلُونَ أن يُعَمِّمُوا حُكْمَ هذه القاعِدةِ الباطِلةِ الخاطِئةِ حتَّى على قُدْرةِ القَدِيرِ المُطلَقِ القُدْرةِ سُبحانَه.
نعم، إنَّ القَدِيرَ ذا الجَلالِ له طِرازانِ مِنَ الإِيجادِ:
الأوَّلُ: بالِاختِراعِ والإِبداعِ، أي: أنَّه سُبحانَه يُبْدِعُ الوُجُودَ مِنَ العَدَمِ إِبداعًا مِن غَيرِ شَيءٍ، ويُوجِدُ كلَّ ما يَلزَمُ یی هذا الوُجُودَ یی مِن أَشياءَ مِنَ العَدَمِ ويُسَلِّمُها إيّاه.
الآخَرُ: بالإِنشاءِ والصَّنْعةِ والإِتقانِ. أي: يُنشِئُ قِسمًا مِنَ المَوجُوداتِ مِن عَناصِرِ الكَونِ نَفسِه، إِظهارًا لِكَمالِ حِكْمَتِه، وتِبيانًا لِتَجَلِّياتِ أَسمائِه الحُسنَى.. وأَمثالَها مِنَ الحِكَمِ الدَّقِيقةِ، فيُرسِلُ إلى تلك المَوجُوداتِ الذَّرّاتِ والمَوادَّ المُنقادةَ إلى أَوامِرِه ضِمنَ سُنَنِ الرَّزّاقِيّةِ الكَونيّةِ، ويُسَخِّرُها لها لِيُكمِلَ إِنشاءَ هذا الوُجُودِ.. وهكَذا فالقَدِيرُ المُطلَقُ القُدْرةِ له أُسلُوبانِ مِنَ الإِيجادِ:
الإِبداعُ.. والإِنشاءُ..
فإِفناءُ المَوجُودِ، وإِيجادُ المَعدُومِ، أَمرٌ سَهلٌ جِدًّا لَدَيْه، وهَيِّنٌ جِدًّا، بل هو قانُونُه الدّائِمُ العامُّ.
— 222 —
فالَّذي يَستَبعِدُ مِنَ القُدرةِ الفاطِرةِ الَّتي تَخلُقُ مِنَ العَدَمِ ثَلاثَ مِئةِ أَلفِ نَوعٍ مِنَ المَخلُوقاتِ والأَحياءِ، وتَمنَحُها أَشكالَها وصِفاتِها وكَيفِيّاتِها وأَحوالَها مِمّا سِوَى ذَرّاتِها، ويقُولُ: "إنَّها لن تَقدِرَ على إِيجادِ المَعدُومِ"، لا بُدَّ أن يَهوِيَ في ظُلْمةِ العَدَمِ.
يقُولُ الَّذي نَبَذَ "الطَّبِيعةَ" ونَفَذَ إلى طَرِيقِ الحَقِيقةِ:
الحَمدُ للهِ حَمْدًا كَثِيرًا بعَدَدِ الذَّرّاتِ، الَّذي وَفَّقَني لِلفَوزِ بكَمالِ الإِيمانِ، وأَنقَذَني مِنَ الأَوْهامِ والضَّلالاتِ، فزالَ بفَضْلِه جَمِيعُ ما لَدَيَّ مِن شُبُهاتٍ ورِيَبٍ.
الحَمدُ للهِ على دِينِ الإِسلامِ وكَمالِ الإِيمانِ
سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
— 223 —

الحجّة الإيمانية الرابعة

(النُّكتة الثَّانية منَ اللَّمْعة الثَّلاثِين)
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ
لقد تَراءَت لي نُكتةٌ لَطِيفةٌ مِن نِكاتِ هذه الآيةِ الكَرِيمةِ، ونُورٌ مِن أَنوارِ تَجَلِّياتِ اسمِ اللهِ: "العَدْلِ" الَّذي هو اسمُ اللهِ الأَعظَمُ، أو هو نُورٌ مِن أَنوارِه السِّتّةِ. . تَراءَى لي ذلك النُّورُ مِن بَعِيدٍ یی كما هي الحالُ في النُّكتةِ الأُولَى یی وأنا نَزِيلُ سِجنِ "أَسكِي شَهِر"، ولِأَجلِ تَقرِيبِه إلى الأَفهامِ نَسلُكُ أَيضًا طَرِيقَ ضَربِ الأَمثالِ، فنَقُولُ:
هذا الكَونُ قَصرٌ بَدِيعٌ يَضُمُّ مَدِينةً واسِعةً تَتَداوَلُها عَوامِلُ التَّخرِيبِ والتَّعمِيرِ، وفي تلك المَدِينةِ مَملَكةٌ واسِعةٌ تَغلِي باستِمرارٍ مِن شِدّةِ مَظاهِرِ الحَربِ والهِجْرةِ، وبَينَ جَوانِحِ تلك المَملَكةِ عالَمٌ عَظِيمٌ يَسبَحُ كلَّ حِينٍ في خِضَمِّ المَوتِ والحَياةِ.. ولكِن على الرَّغمِ مِن كلِّ مَظاهِرِ الِاضطِرابِ، فإنَّ مُوازَنةً عامّةً ومِيزانًا حَسّاسًا، وعَمَلِيّةَ وَزنٍ دَقِيقٍ تُسَيطِرُ في كلِّ جَوانِبِ القَصرِ ونَواحِي المَدِينةِ وتَسُودُ في كلِّ أَرجاءِ المَملَكةِ وأَطرافِ العالَمِ، وتُهَيمِنُ علَيْها هَيْمَنةً، بحَيثُ تَدُلُّ بَداهةً على: أنَّ ما يَحدُثُ ضِمنَ هذه المَوجُوداتِ الَّتي لا يَحصُرُها العَدُّ مِن تَحَوُّلاتٍ، وما يَلِجُ فيها وما يَخرُجُ مِنها لا يُمكِنُ أن يكُونَ إلّا بعَمَلِيّةِ وَزنٍ وكَيلٍ، وبِمِيزانِ مَن يَرَى أَنحاءَ الوُجُودِ كلَّها في آنٍ واحِدٍ، ومَن تَجرِي المَوجُوداتُ جَمِيعُها أَمامَ نَظَرِ مُراقَبَتِه في كلِّ حِينٍ.. ذلِكُمُ الواحِدُ الأَحَدُ سُبحانَه.
وإلّا فلو كانَتِ الأَسبابُ السَّاعِيةُ إلى اختِلالِ التَّوازُنِ، سائِبةً أو مُفَوَّضةً إلى المُصادَفةِ العَشواءِ أوِ القُوّةِ العَمْياءِ أوِ الطَّبِيعةِ المُظلِمةِ البَلْهاءِ، لَكانَت بُوَيضاتُ سَمَكةٍ
— 224 —
واحِدةٍ یی وهِي تَزِيدُ على الأُلُوفِ یی تُخِلُّ بتِلك المُوازَنةِ، بل بُذَيراتُ زَهرةٍ واحِدةٍ یی كالخَشْخاشِ یی الَّتي تَزِيدُ على عِشرِينَ أَلفًا تُخِلُّ بها؛ ناهِيك عن تَدَفُّقِ العَناصِرِ الجارِيةِ كالسَّيلِ، والِانقِلاباتِ الهائِلةِ والتَّحَوُّلاتِ الضَّخْمةِ الَّتي تَحدُثُ في أَرجاءِ الكَونِ.. كلٌّ مِنها لو كانَ سائِبًا لَكانَ قَمِينًا أن يُخِلَّ بتلك المُوازَنةِ الدَّقِيقةِ المَنصُوبةِ بَينَ المَوجُوداتِ، ويُفسِدَ التَّوازُنَ الكامِلَ بَينَ أَجزاءِ الكائِناتِ خِلالَ سَنةٍ واحِدةٍ، بل خِلالَ يَومٍ واحِدٍ؛ ولَكُنتَ تَرَى العالَمَ وقد حَلَّ فيه الهَرْجُ والمَرْجُ.. وتَعَرَّض لِلِاضطِراباتِ والفَسادِ.. فكانَتِ البِحارُ تَمتَلِئُ بالأَنقاضِ والجُثَثِ، وتَتَعفَّنُ.. والهَواءُ يَتَسمَّمُ بالغازاتِ المُضِرّةِ الخانِقةِ، ويَفسُدُ؛ والأَرضُ تُصبِحُ مَزبَلةً ومَسلَخةً، وتَغدُو مُستَنقَعًا آسِنًا لا تُطاقُ فيه الحَياةُ.
فإن شِئتَ فأَنعِمِ النَّظَرَ في المَوجُوداتِ كُلِّها، ابتِداءً مِن حُجَيراتِ الجِسمِ إلى الكُرَيّاتِ الحُمْرِ والبِيضِ في الدَّمِ، ومِن تَحَوُّلاتِ الذَّرّاتِ إلى التَّناسُبِ والِانسِجامِ بَينَ أَجهِزةِ الجِسمِ، ومِن وارِداتِ البِحارِ ومَصارِيفِها إلى مَوارِدِ المِياهِ الجَوْفيّةِ وصَرفِيّاتِها، ومِن تَوَلُّداتِ الحَيَواناتِ والنَّباتاتِ ووَفَيَاتِها إلى تَخرِيباتِ الخَرِيفِ وتَعمِيراتِ الرَّبِيعِ، ومِن وَظائِفِ العَناصِرِ وحَرَكاتِ النُّجُومِ إلى تَبَدُّلِ المَوتِ والحَياةِ، ومِن تَصادُمِ النُّورِ والظَّلامِ إلى تَعارُضِ الحَرارةِ والبُرُودةِ.. وما شابَهَها مِن أُمُورٍ، كي تَرَى أنَّ الكُلَّ: يُوزَنُ ويُقدَّرُ بمِيزانٍ خارِقِ الحَساسِيّةِ، وأنَّ الجَمِيعَ يُكالُ بمِكيالٍ غايةٍ في الدِّقّةِ، بحَيثُ يَعجِزُ عَقلُ الإِنسانِ أن يَرَى إِسرافًا حَقِيقيًّا في مَكانٍ وعَبَثًا في جُزءٍ.. بل يَلمَسُ عِلمُ الإِنسانِ ويُشاهِدُ أَكمَلَ نِظامٍ وأَتقَنَه في كلِّ شَيءٍ فيُحاوِلُ أن يُظهِرَه، ويَرَى أَرْوَعَ تَوازُنٍ وأَبدَعَه في كلِّ مَوجُودٍ فيَسعَى لِإبرازِه.. فما العُلُومُ الَّتي تَوَصَّل إلَيْها الإِنسانُ إلّا تَرجَمةٌ لِذلِك النِّظامِ البَدِيعِ وتَعبِيرٌ عن ذلك التَّوازُنِ الرّائِعِ.
فتَأَمَّلْ في المُوازَنةِ الرّائِعةِ بَينَ الشَّمسِ والكَواكِبِ السَّيّارةِ الِاثنَتَيْ عَشْرةَ الَّتي كلٌّ مِنها مُختَلِفةٌ عنِ الأُخرَى، ألا تَدُلُّ هذه المُوازَنةُ دَلالةً واضِحةً وُضُوحَ الشَّمسِ نَفسِها على اللهِ سُبحانَه الَّذي هو "العَدْلُ القَدِيرُ"؟
— 225 —
ثمَّ تَأمَّلْ في الأَرضِ یی وهِي إِحدَى الكَواكِبِ السَّيّارةِ یی هذه السَّفِينةِ الجارِيةِ السّابِحةِ في الفَضاءِ الَّتي تَجُولُ في سَنةٍ واحِدةٍ مَسافةً يُقَدَّرُ طُولُها بأَربَعٍ وعِشرِينَ أَلفَ سَنةٍ؛ ومعَ هذه السُّرعةِ المُذهِلةِ لا تُبَعثِرُ المَوادَّ المُنَسَّقةَ على سَطْحِها ولا تَضطَرِبُ بها ولا تُطلِقُها إلى الفَضاءِ.. فلو زِيدَ شَيءٌ قَلِيلٌ في سُرعَتِها أو أُنقِصَ مِنها لكانَت تَقذِفُ بقاطِنِيها إلى الفَضاءِ، ولو أَخَلَّت بمُوازَنَتِها لِدَقِيقةٍ، بل لِثانيةٍ واحِدةٍ، لَتَعثَّرَت في سَيْرِها واضْطَرَبَت، ولَرُبَّما اصْطَدَمَت بغَيرِها مِنَ السَّيّاراتِ، ولَقامَتِ القِيامةُ.
ثمَّ تَأمَّلْ في تَوَلُّداتِ ووَفَيَاتِ النَّباتاتِ والحَيَواناتِ وإِعاشَتِهِما وحَياتِهِما على الأَرضِ، والَّتي يَزِيدُ عَدَدُ أَنواعِها على الأَربَعِ مِئةِ أَلفِ نَوعٍ، تَرَ مُوازَنةً رائِعةً ذاتَ رَحْمةٍ، تَدُلُّك دَلالةً قاطِعةً على الخالِقِ العادِلِ الرَّحِيمِ جَلَّ جَلالُه، كدَلالةِ الضِّياءِ على الشَّمسِ.
ثمَّ تَأمَّلْ في أَعضاءِ كائِنٍ حَيٍّ مِنَ الأَحياءِ الَّتي لا تُعَدُّ ولا تُحصَى، ودَقِّقْ في أَجهِزَتِه وفي حَواسِّه.. تَرَ فيها مِنَ الِانسِجامِ التّامِّ والتَّناسُقِ الكامِلِ والمُوازَنةِ الدَّقِيقةِ ما يَدُلُّك بَداهةً على الصّانِعِ الَّذي هو "العَدْلُ الحَكِيمُ".
ثمَّ تَأمَّلْ في حُجَيراتِ جِسمِ كائِنٍ حَيٍّ وفي أَوعِيةِ الدَّمِ، وفي الكُرَيّاتِ السّابِحةِ في الدَّمِ، وفي ذَرّاتِ تلك الكُرَيّاتِ، تَجِدْ مِنَ المُوازَنةِ الخارِقةِ البَدِيعةِ ما يُثبِتُ لك إِثباتًا قاطِعًا أنَّه لا تَحصُلُ هذه المُوازَنةُ الرّائِعةُ ولا إِدارَتُها الشّامِلةُ، ولا تَربِيَتُها الحَكِيمةُ إلّا بمِيزانٍ حَسّاسٍ وبقانُونٍ نافِذٍ وبنِظامٍ صارِمٍ لِلخالِقِ الواحِدِ الأَحَدِ "العَدْلِ الحَكِيمِ" الَّذي بِيَدِه ناصِيةُ كلِّ شَيءٍ، وعِندَه مَفاتِيحُ كلِّ شَيءٍ، لا يُحجَبُ عنه شَيءٌ ولا يَعزُبُ، ويُدِيرُ كلَّ شَيءٍ بسُهُولةِ إِدارةِ شَيءٍ واحِدٍ.
إنَّ الَّذي لا يَعتَقِدُ أنَّ أَعمالَ الجِنِّ والإِنسِ يَومَ الحَشرِ الأَكبَرِ تُوزَنُ بمِيزانِ العَدلِ الإِلٰهِيِّ، ويَستَغرِبُ تلك المُوازَنةَ ويَستَبعِدُها ولا يُؤمِنُ بها، أَقُولُ: لو تَمَكَّن أن يَتَأمَّلَ فيما هو ظاهِرٌ مُشاهَدٌ مِن أَنواعِ المُوازَنةِ الكُبرَى أَمامَه في هذه الدُّنيا لَزالَ استِبعادُه واستِنكارُه حَتْمًا.
— 226 —
أيُّها الإِنسانُ المُسرِفُ الظّالِمُ الوَسِخُ!!
اِعْلَمْ، أنَّ "الِاقتِصادَ والطُّهرَ والعَدالةَ" سُنَنٌ إِلٰهِيّةٌ جارِيةٌ في الكَونِ، ودَساتِيرُ إِلٰهِيّةٌ شامِلةٌ تَدُورُ رَحَى المَوجُوداتِ علَيْها، لا يُفلِتُ مِنها شَيءٌ إلّا أنت أيُّها الشَّقِيُّ، وأنت بمُخالَفَتِك المَوجُوداتِ كُلَّها في سَيْرِها وَفقَ هذه السُّنَنِ الشّامِلةِ تَلقَى النَّفْرةَ مِنها والغَضَبَ علَيْك وأنت تَستَحِقُّها.. فعَلامَ تَستَنِدُ حتَّى تُثِيرَ غَضَبَ المَوجُوداتِ كلِّها علَيْك، فتَقتَرِفُ الظُّلمَ والإِسرافَ، ولا تَكتَرِثُ لِلمُوازَنةِ والنَّظافةِ؟
نعم، إنَّ الحِكمةَ العامّةَ المُهَيمِنةَ في الكَونِ، والَّتي هي تَجَلٍّ أَعظَمُ لِاسمِ "الحَكِيمِ" إنَّما تَدُورُ حَولَ مِحْوَرِ الِاقتِصادِ وعَدَمِ الإِسرافِ، فتَأمُرُ بالِاقتِصادِ.
وإنَّ العَدالةَ العامّةَ الجارِيةَ في الكَونِ النّابِعةَ مِنَ التَّجَلِّي الأَعظَمِ لِاسمِ "العَدْلِ" إنَّما تُدِيرُ مُوازَنةَ عُمُومِ الأَشياءِ، وتَأمُرُ البَشَرِيّةَ بإِقامةِ العَدْلِ؛ وإنَّ ذِكرَ المِيزانِ أَربَعَ مَرّاتٍ في "سُورةِ الرَّحمٰنِ" إِشارةٌ إلى أَربَعةِ أَنواعٍ مِنَ المَوازِينِ في أَربَعِ مَراتِبَ، وبَيانٌ لِأَهَمِّيّةِ المِيزانِ البالِغةِ ولِقِيمَتِه العُظمَى في الكَونِ، وذلك في قَولِه تَعالَى: وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ٭ أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ ٭ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ نعم، فكما لا إِسرافَ في شَيءٍ، فلا ظُلمَ كَذلِك ظُلمًا حَقِيقيًّا في شَيءٍ، ولا بَخْسَ في المِيزانِ قَطُّ.
وإنَّ التَّطهِيرَ والطُّهرَ الصّادِرَ مِنَ التَّجَلِّي الأَعظَمِ لِاسمِ "القُدُّوسِ" يَعرِضُ المَوجُوداتِ بأَبهَى صُورَتِها وأَبدَعِ زِينَتِها، فلا تَرَى ثَمّةَ قَذارةً في مَوجُودٍ، ولا تَجِدُ قُبحًا أَصِيلًا في شَيءٍ ما لم تَمَسَّه يَدُ البَشَرِ الوَسِخةُ.
فاعْلَمْ مِن هذا أنَّ "العَدالةَ والِاقتِصادَ والطُّهرَ" الَّتي هي مِن حَقائِقِ القُرآنِ ودَساتيرِ الإِسلامِ، ما أَشَدَّها إِيغالًا في أَعماقِ الحَياةِ الِاجتِماعِيّةِ! وما أَشَدَّها عَراقةً وأَصالةً! وأَدْرِكْ مِن هذا مَدَى قُوّةِ ارتِباطِ أَحكامِ القُرآنِ بالكَونِ، وكَيفَ أنَّها مَدَّت جُذُورًا عَمِيقةً في أَغوارِ الكَونِ، فأَحاطَتْه بعُرًى وَثِيقةٍ لا انفِصامَ لها، ثمَّ افْهَمْ مِنها أنَّ إِفسادَ تلك الحَقائِقِ مُمتَنِعٌ كامتِناعِ إِفسادِ نِظامِ الكَونِ والإِخلالِ به وتَشوِيهِ صُورَتِه.
— 227 —
ومِثلَما تَستَلزِمُ هذه الحَقائِقُ المُحِيطةُ بالكَونِ، وهذه الأَنوارُ العَظِيمةُ الثَّلاثةُ "العَدالةُ والِاقتِصادُ والطُّهرُ" الحَشرَ والآخِرةَ، فإنَّ حَقائِقَ مُحِيطةً معَها: كالرَّحْمةِ والعِنايةِ والحِفظِ، وأَمثالَها مِن مِئاتِ الحَقائِقِ المُحِيطةِ والأَنوارِ العَظِيمةِ تَستَلزِمُ الحَشرَ وتَقتَضِي الحَياةَ الآخِرةَ، إذ هل يُمكِنُ أن تَنقَلِبَ مِثلُ هذه الحَقائِقِ المُهَيمِنةِ على المَوجُوداتِ والمُحِيطةِ بالكَونِ إلى أَضدادِها بعَدَمِ مَجِيءِ الحَشرِ وبعَدَمِ إِقامةِ الآخِرةِ؟! أي: أن تَنقَلِبَ الرَّحْمةُ إلى ضِدِّها وهو الظُّلمُ، وتَنقَلِبَ الحِكمةُ والِاقتِصادُ إلى ضِدِّهِما وهو فِقدانُ الحِكمةِ والإِسرافُ، ويَنقَلِبَ الطُّهرُ إلى ضِدِّه وهو العَبَثُ والفَسادُ. حاشَ للهِ!
إنَّ الرَّحْمةَ الإِلٰهِيّةَ، والحِكمةَ الرَّبّانيّةَ اللَّتَينِ تُحافِظانِ على حَقِّ حَياةِ بَعُوضةٍ ضَعِيفةٍ مُحافَظةً تَتَّسِمُ بالرَّحْمةِ الواسِعةِ، لا يُمكِنُ أن تُضَيِّعا یی بعَدَمِ إِقامةِ الحَشرِ یی حُقُوقَ جَمِيعِ ذَوِي الشُّعُورِ غَيرِ المَحدُودِينَ وتَهضِما حُقُوقًا غَيرَ مُتَناهِيةٍ لِمَوجُوداتٍ غَيرِ مَحصُورةٍ.. وإنَّ عَظَمةَ الرُّبُوبيّةِ الَّتي تُظهِرُ دِقّةً مُتَناهِيةً وحَساسِيّةً فائِقةً یی إذا جازَ التَّعبِيرُ یی في الرَّحْمةِ والشَّفَقةِ والعَدالةِ والحِكمةِ، وكذا الأُلُوهِيّةُ الباسِطةُ سُلْطانَها على الوُجُودِ كُلِّه، والَّتي تُرِيدُ إِظهارَ كَمالاتِها وتَعرِيفَ نَفسِها وتَحبِيبَها بتَزيِيناتِها الكائِناتِ ببَدائِعِ صَنائِعِها وبِما أَسبَغَت علَيْها مِن نِعَمٍ، هل يُمكِنُ أن تَسمَحَ یی هذه الرُّبُوبيّةُ العَظِيمةُ والأُلُوهِيّةُ الجَلِيلةُ یی بعَدَمِ إِقامةِ الحَشرِ الَّذي يُسَبِّبُ الحَطَّ مِن قِيمةِ جَمِيعِ كَمالاتِها ومِن قِيمةِ مَخلُوقاتِها قاطِبةً؟ تَعالَى اللهُ عن ذلك عُلُوًّا كَبِيرًا! فمِثلُ هذا الجَمالِ المُطلَقِ لا يَرضَى یی بالبَداهةِ یی بمِثلِ هذا القُبحِ المُطلَقِ.
فالَّذي يُرِيدُ أن يُنكِرَ الآخِرةَ علَيْه أن يُنكِرَ وُجُودَ هذا الكَونِ أَوَّلًا بجَمِيعِ ما فيه مِن حَقائِقَ، وإلّا فالكائِناتُ معَ حَقائِقِها المُتَأَصِّلةِ فيها تُكَذِّبُه بأُلُوفٍ مِنَ الأَلسِنةِ، وتُثبِتُ له أنَّه الكَذّابُ الأَشِرُ.. وقد أَثبَتَت "رِسالةُ الحَشرِ" بدَلائِلَ قاطِعةٍ: أنَّ وُجُودَ الآخِرةِ ثابِتٌ وقاطِعٌ لا رَيبَ فيه كوُجُودِ هذه الدُّنيا.
— 228 —

الحجّة الإيمانية الخامسة

(النُّكتة الثَّالثة)
التي تُشير إلى النور الثالث من الأنوار السِّتّة للِاسم الها.م
ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ
لقد تَراءَت لي نُكتةٌ مِنَ النِّكاتِ الدَّقِيقةِ لِهذه الآيةِ الكَرِيمةِ، ونُورٌ مِن أَنوارِ تَجَلِّياتِ اسمِ اللهِ «الحَكَمِ» الَّذي هو اسمُ اللهِ الأَعظَمُ، أو أَحَدُ أَنوارِه، في شَهرِ رَمَضانَ المُبارَكِ، فكُتِبَت هذه النُّكتةُ المُشتَمِلةُ على خَمسِ نِقاطٍ على عَجَلٍ، فأَثبَتُّها على حالِها في المُسَوَّدةِ دُونَ تَنقِيحٍ أو تَغيِيرٍ.
بِاسمِه سُبحَانَهُ
النُّقطة الأولى للنُّكتة الثالثة:
مِثلَما ذُكِرَ في "الكَلِمةِ العاشِرةِ" أنَّ التَّجَلِّيَ الأَعظَمَ لِاسمِ "الحَكَمِ" جَعَل هذا الكَونَ بمَثابةِ كِتابٍ عَظِيمٍ كُتِبَت في كلِّ صَحِيفةٍ مِن صَحائِفِه مِئاتُ الكُتُبِ، وأُدرِجَت في كلِّ سَطرٍ مِنه مِئاتُ الصَّفَحاتِ، وخُطَّت في كلِّ كَلِمةٍ مِنه مِئاتُ الأَسطُرِ، وتُقرَأُ تَحتَ كلِّ حَرفٍ فيه مِئاتُ الكَلِماتِ، وحُفِظَ في كلِّ نُقطةٍ مِن نِقاطِه فِهْرِسٌ مُختَصَرٌ صَغِيرٌ يُلَخِّصُ مُحتَوَياتِ الكِتابِ كُلِّه.. فهذا الكِتابُ بصَحائِفِه وأَسطُرِه بل بنِقاطِه يَدُلُّ دَلالةً واضِحةً ساطِعةً یی بمِئاتِ الأَوجُهِ یی على مُصَوِّرِه وكاتِبِه؛ حتَّى إنَّ مُشاهَدةَ الكِتابِ الكَونِيِّ العَظِيمِ هذا وَحْدَها كافِيةٌ لِلدَّلالةِ على وُجُودِ كاتِبِه، بل تَسُوقُنا إلى مَعرِفةِ وُجُودِه ووَحْدانيَّتِه بما يَفُوقُ دَلالةَ الكِتابِ على نَفسِه أَضعافًا مُضاعَفةً، إذ بَينَما يَدُلُّ حَرفٌ على وُجُودِه ويُعَبِّرُ عن نَفسِه بمِقدارِ حَرفٍ، فإنَّه يُعَبِّرُ عن أَوْصافِ كاتِبِه بمِقدارِ سَطرٍ..
— 229 —
نعم، إنَّ سَطْحَ الأَرضِ "صَحِيفةٌ" مِن هذا الكِتابِ الكَبِيرِ، هذه الصَّحِيفةُ تَضُمُّ كُتُبًا بعَدَدِ طَوائِفِ النَّباتاتِ والحَيَواناتِ، وهِي تُكتَبُ أَمامَ أَنظارِنا في مَوسِمِ الرَّبِيعِ في غايةِ الكَمالِ والإِتقانِ، مِن دُونِ خَطَأٍ، كِتابةً مُتَداخِلةً، جَنبًا إلى جَنبٍ، في آنٍ واحِدٍ.
والبُستانُ "سَطْرٌ" مِن هذه الصَّحِيفةِ، نُشاهِدُ فيه قَصائِدَ مَنظُومةً بعَدَدِ الأَزهارِ والأَشجارِ والنَّباتاتِ وهِي تُكتَبُ أَمامَ أَعيُنِنا كِتابةً مُتَداخِلةً، جَنبًا إلى جَنبٍ، مِن دُونِ خَطَأٍ.
والشَّجَرةُ النّامِيةُ الزّاهِيةُ أَوْراقُها، المُفَتَّحةُ أَزهارُها، وقد أَوْشَكَت أن تَخرُجَ أَثمارُها مِن أَكمامِها، هذه الشَّجَرةُ "كَلِمةٌ" مِن ذلك السَّطرِ، فهذه الكَلِمةُ تُمَثِّلُ فِقْرةً كامِلةً ذاتَ مَغزًى تُعَبِّرُ تَعبِيرًا بَلِيغًا عن ثَنائِها وحَمْدِها ودَلالَتِها على "الحَكَمِ" ذِي الجَلالِ، بعَدَدِ أَوْراقِها المُنتَظِمةِ وأَزهارِها المُزَيَّنةِ وأَثمارِها المَوزُونةِ، حتَّى لَكَأنَّ تلك الشَّجَرةَ المُفَتَّحةَ الأَزهارِ قَصِيدةٌ عَصْماءُ تَتَغنَّى بالمَدحِ والثَّناءِ على آلاءِ بارِئِها المُصَوِّرِ الجَلِيلِ.
وكأنَّ "الحَكمَ" ذا الجَلالِ يُرِيدُ أن يَنظُرَ إلى ما عَرَضَه مِن بَدائِعِ آثارِه وعَجائِبِ مَخلُوقاتِه في مَعرِضِ الأَرضِ البَدِيع بأُلُوفٍ مِنَ العُيُونِ؛ وكَأنَّ تلك الهَدايا الثَّمِينةَ والأَوْسِمةَ الغالِيةَ والشّاراتِ اللَّطِيفةَ الَّتي مَنَحَها اللهُ تَعالَى لتلك الشَّجَرةِ قد أَعطَتْها مِنَ الشَّكلِ الجَمِيلِ المُزَيَّنِ، والهَيْئةِ المَوزُونةِ المُنتَظِمةِ، والإِبانةِ الحَكِيمةِ البَلِيغةِ ما يُهَيِّئُها لِلعَرضِ أَمامَ أَنظارِ المَلِكِ العَظِيمِ في الرَّبِيعِ الَّذي هو عِيدُها الخاصُّ وعَرْضُها العامُّ.. فتَنطِقُ بالشَّهادةِ على وُجُودِ البارِئِ المُصَوِّرِ والدَّلالةِ على أَسمائِه الحُسنَى أَلسِنةٌ عَدِيدةٌ ووُجُوهٌ كَثِيرةٌ مُتَداخِلةٌ، مِن كلِّ زَهرةٍ مِن أَزهارِ الشَّجَرةِ، ومِن كلِّ ثَمَرةٍ مِن ثِمارِها.
فمَثلًا: إنَّ في كلِّ زَهرةٍ وثَمَرةٍ مِيزانٌ دَقِيقٌ، وذلك المِيزانُ مُقَدَّرٌ وَفقَ تَناسُقٍ بَدِيعٍ، وذلك التَّناسُقُ يَسِيرُ مُنسَجِمًا معَ تَنظِيمٍ ومُوازَنةٍ يَتَجدَّدانِ، وذلك التَّنظِيمُ والمُوازَنةُ يَجرِيانِ في ثَنايا زِينةٍ فاخِرةٍ وصَنْعةٍ مُتقَنةٍ، وتلك الزِّينةُ والإِتقانُ يَظهَرانِ برَوائِحَ ذاتِ مَغزًى وبمَذاقاتٍ ذاتِ حِكْمةٍ.. وهكَذا تُشِيرُ كلُّ زَهرةٍ إلى الحَكَمِ ذِي الجَلالِ إِشاراتٍ، وتَدُلُّ علَيْه دَلالاتٍ، بعَدَدِ أَزهارِ تلك الشَّجَرةِ.
— 230 —
والشَّجَرةُ الَّتي هي بمَثابةِ كَلِمةٍ، وثِمارُها الَّتي هي بحُكمِ حُرُوفِ تلك الكَلِمةِ، وبُذُورُ الثَّمَرِ كأنَّها نِقاطُ تلك الحُرُوفِ الَّتي تَضُمُّ فِهرِسَ الشَّجَرةِ كامِلًا وتَحمِلُ خُطّةَ أَعمالِها.. هذه الشَّجَرةُ إذا أَخَذْناها مِثالًا وقِسْنا علَيْها كِتابَ الكَونِ الكَبِيرِ، نَرَى سُطُورَه وصَحائِفَه قد صارَت بتَجَلِّي أَنوارِ اسمِ "الحَكِيم الحَكَمِ" مُعجِزةً باهِرةً، بل غَدَت كلُّ صَحِيفةٍ مِنه، وكلُّ سَطرٍ مِنه، وكلُّ كَلِمةٍ، وكلُّ حَرفٍ، وكلُّ نُقطةٍ، مُعجِزةٌ تَبلُغُ مِنَ العَظَمةِ ما لوِ اجتَمَعَتِ الأَسبابُ المادِّيّةُ كلُّها على أن تَأتِيَ بمِثلِ تلك النُّقطةِ یی أي: البِذرةِ یی أو بنَظِيرِها لا تَأتِي بمِثلِها، بل تَعجِزُ الأَسبابُ جَمِيعُها عَجْزًا مُطلَقًا عن مُعارَضَتِها.
نعم، إنَّ كلَّ آيةٍ كَونيّةٍ مِن آياتِ قُرآنِ الكَونِ العَظِيمِ المَنظُورِ تَعرِضُ لِلأَنظارِ مُعجِزاتٍ نَيِّراتٍ هي بعَدَدِ نِقاطِها وحُرُوفِها، فلا جَرَمَ أنَّ المُصادَفةَ العَشواءَ والقُوّةَ العَمْياءَ، والطَّبِيعةَ الصَّمّاءَ البَلْهاءَ الَّتي لا هَدَفَ لها ولا مِيزانَ، لا يُمكِنُها أن تَتَدخَّلَ یی في أيّةِ جِهةٍ كانَت یی في هذا المِيزانِ المُتقَنِ الخاصِّ، وفي هذا الِانتِظامِ الدَّقِيقِ البَدِيعِ المُتَّسِمَينِ بالحِكمةِ والبَصِيرةِ؛ فلَوِ افتُرِضَ تَدَخُّلُها یی جَدَلًا یی لَظَهَر أَثَرُ التَّدخُّلِ، بَينَما لا يُشاهَدُ في أيِّ مَكانٍ تَفاوُتٌ ولا خَللٌ قَطُّ.
النُّقطة الثانية للنُّیكتة الثالثة: وهِي مَسأَلتانِ:
المَسأَلةُ الأُولَى: مِثلَما وُضِّحَ في "الكَلِمةِ العاشِرةِ" أنَّه مِنَ القَواعِدِ الأَساسِيّةِ الرَّصِينةِ: أنَّ الجَمالَ الَّذي هو في مُنتَهَى الكَمالِ لا بُدَّ أن يَشهَدَ ويُشهِدَ جَمالَه، وأنَّ الكَمالَ الَّذي هو في مُنتَهَى الجَمالِ لا بُدَّ أن يَشهَدَ ويُشهِدَ كَمالَه؛ فبِناءً على هذا الدُّستُورِ العامِّ فإنَّ البارِئَ المُصَوِّرَ سُبحانَه الَّذي أَبدَع كِتابَ الكَونِ العَظِيمِ هذا يُعرِّفُ جَمالَ كَمالِه وكَمالَ جَمالِه ويُحَبِّبُه بأَلسِنةِ مَخلُوقاتِه یی ابتِداءً مِن أَصغَرِ جُزئيٍّ إلى أَكبَرِ كُلِّيٍّ یی فيُعرِّفُ سُبحانَه ذاتَه المُقدَّسةَ، ويُفهِّمُ كَمالَه السَّامِيَ، ويُظهِرُ جَمالَه البَدِيعَ: بهذا الكَونِ الرّائِعِ، وبكُلِّ صَحِيفةٍ فيه، وبكُلِّ سَطرٍ فيه، وبكُلِّ كَلِمةٍ فيه، بل حتَّى بكُلِّ حَرفٍ وبكُلِّ نُقطةٍ مِن كِتابِه العَظِيمِ هذا.
— 231 —
فيا أيُّها الغافِلُ، إنَّ هذا "الحَكِيمَ الحَكَمَ الحاكِمَ" ذا الجَلالِ والجَمالِ، إذ يُعرِّفُ نَفسَه لك ويُحَبِّبُها إلَيْك بكُلِّ مَخلُوقٍ مِن مَخلُوقاتِه، وبهذه الصُّورةِ الرّائِعةِ وبهذه الكَثْرةِ الكاثِرةِ مِنَ الوَسائِلِ البَدِيعةِ، إن لم تُقابِل تَعرِيفَه هذا بالإِيمانِ به ولم تَعرِفه، وإن لم تُقابِل تَحبِيبَه هذا بالعِبادةِ له ولم تُحَبِّب نَفسَك إلَيْه، فما أَعظَمَ جَهْلَك إِذًا، وما أَفدَحَ خَسارَتَك!. اِحذَرْ!. اِنتَبِهْ!.. وأَفِقْ مِن غَفلَتِك!
المَسأَلةُ الثَّانيةُ: إنَّه لا مَكانَ لِلشِّركِ قَطُّ في هذا الكَونِ الشَّاسِعِ العَظِيمِ الَّذي أَبدَعَه الصّانِعُ القَدِيرُ الحَكِيمُ بقُدرَتِه وحِكمَتِه، لِأنَّ وُجُودَ مُنتَهَى النِّظامِ في كلِّ شَيءٍ لن يَسمَحَ بالشِّركِ أَبدًا، فلو تَدَخَّلَت أَيدٍ مُتَعدِّدةٌ في خَلقِ شَيءٍ ما لَبَانَ التَّفاوُتُ والِاختِلالُ في ذلك الشَّيءِ، مِثلَما تَختَلِطُ الأُمُورُ إذا ما وُجِدَ سُلطانانِ في بلَدٍ، ومَسؤُولانِ في مَدِينةٍ، ومُدِيرانِ في قَصَبةٍ، ومِثلَما يَرفُضُ أَبسَطُ مُوَظَّفٍ تَدَخُّلَ أَحَدٍ في شَأْنٍ مِن شُؤُونِه الَّتي تَخُصُّ وَظِيفَتَه..
كلُّ ذلك دَلالةٌ على أنَّ الخاصَّةَ الأَساسِيّةَ لِلحاكِمِيّةِ إنَّما هي: "الِاستِقلالُ" و"الِانفِرادُ"، فالِانتِظامُ يَقتَضِي الوَحْدةَ كما أنَّ الحاكِمِيّةَ تَقتَضِي الِانفِرادَ؛ فإذا كانَ ظِلٌّ باهِتٌ زائِلٌ لِلحاكِمِيّةِ لَدَى هذا الإِنسانِ العاجِزِ المُحتاجِ إِلى العَونِ يَرُدُّ المُداخَلةَ بقُوّةٍ، فكيف بالحاكِمِيّةِ الحَقِيقيّةِ الَّتي هي في مَرتَبةِ الرُّبُوبيّةِ المُطلَقةِ لَدَى القَدِيرِ المُطلَقِ سُبحانَه؟ ألا تَرُدُّ الشِّركَ وتَرفُضُه رَفضًا باتًّا؟
فلوِ افتُرِضَ التَّدخُّلُ یی ولو بمِقدارِ ذَرّةٍ یی لَاختَلَطَ الِانتِظامُ والتَّناسُقُ واختَلَّ النِّظامُ والمِيزانُ! معَ العِلمِ أنَّ هذا الكَونَ قد أُبدِعَ إِبداعًا رائِعًا إلى حَدٍّ يَلزَمُ لِخَلقِ بِذرةٍ واحِدةٍ قُدرةٌ قادِرةٌ على خَلقِ شَجَرةٍ كامِلةٍ، ويَلزَمُ لِخَلقِ شَجَرةٍ واحِدةٍ قُدرةٌ قادِرةٌ لِإبداعِ الكَونِ كُلِّه؛ وإذا ما افتُرِضَ وُجُودُ شَرِيكٍ في الكَونِ كُلِّه وَجَب أن يُظهِرَ نَصِيبَهُ في التَّدخُّلِ لِخَلقِ أَصغَرِ بِذرةٍ أيضًا، إذِ البِذرةُ نَمُوذَجُ الكائِناتِ، وعِندَئِذٍ يَلزَمُ استِقرارُ رُبُوبيَّتَينِ یی لا يَسَعُهُما الكَونُ العَظِيمُ یی في بِذرةٍ صَغِيرةٍ، بل في ذَرّةٍ!! وهذا مِن أَسخَفِ المُحالاتِ والخَيالاتِ الباطِلةِ وأَبعَدِها عنِ المَنطِقِ والعَقلِ.
— 232 —
فاعْلَمْ مِن هذا: ما أَتفَهَ الشِّركَ والكُفرَ مِن خُرافةٍ! وما أَكذَبَهُما مِن كَلِمةٍ! وما أَفظَعَهُما مِنِ افتِراءٍ! إذ يَقتَضِيانِ عَجْزَ القَدِيرِ المُطلَقِ الَّذي يُمسِكُ السَّماواتِ والأَرضَ أن تَزُولا، والَّذي بِيَدِه مَقاليدُ السَّماواتِ والأَرضِ يُدِيرُهُما بمِيزانِ عَدلِه ونِظامِ حِكمَتِه.. يَقتَضِيانِ عَجْزَه سُبحانَه حتَّى في بِذرةٍ صَغِيرةٍ!! واعْلَمْ! ما أَصوَبَ التَّوحِيدَ مِن حَقٍّ وحَقِيقةٍ! وما أَعدَلَه مِن صِدقٍ وصَوابٍ! أَدْرِكْ هذا وذاك وقُلِ: الحَمدُ للهِ على الإِيمانِ.
النُّقطةُ الثَّالثةُ:
إنَّ الصّانِعَ القَدِيرَ بِاسمِه "الحَكَمِ والحَكِيمِ" قد أَدرَجَ في هذا العالَمِ أُلُوفَ العَوالِمِ المُنتَظِمةِ البَدِيعةِ، وبَوَّأ الإِنسانَ یی الَّذي هو أَكثَرُ مَن يُمَثِّلُ الحِكَمَ المَقصُودةَ في الكَونِ وأَفضَلُ مَن يُظهِرُها یی مَوقِعَ الصَّدارةِ، وجَعَلَه بمَثابةِ مَركَزِ تلك العَوالِمِ ومِحوَرِها؛ إذ يَتَطلَّعُ أَهَمُّ ما فيها مِن حِكَمٍ ومَصالِحَ إلى الإِنسانِ.. وجَعَل الرِّزقَ بمَثابةِ المَركَزِ في دائِرةِ حَياةِ الإِنسانِ، فتَجِدُ أنَّ مُعظَمَ الحِكَمِ والغاياتِ وأَغلَبَ المَصالِحِ والفَوائِدِ یی ضِمنَ عالَمِ الإِنسانِ یی تَتَوجَّهُ إلى ذلك الرِّزقِ وتَتَّضِحُ به، لِذا فإنَّ تَجَلِّياتِ اسمِ "الحَكِيمِ" تَبدُو واضِحةً بأَبْهَرِ صُوَرِها وأَسطَعِها مِن خِلالِ مَشاعِرِ الإِنسانِ، والذَّوقِ في الرِّزقِ، حتَّى غَدا كلُّ عِلمٍ یی مِن مِئاتِ العُلُومِ الَّتي تَوَصَّل الإِنسانُ إلى كَشْفِها بما يَملِكُ مِن شُعُورٍ یی يُعرِّفُ تَجَلِّيًا واحِدًا مِن تَجَلِّياتِ اسمِ "الحَكَمِ" في نَوعٍ مِنَ الأَنواعِ.
فمَثلًا: لو سُئِلَ عِلمُ الطِّبِّ: ما هذه الكائِناتُ؟ لَأَجابَ بأنَّها صَيدَليّةٌ كُبْرَى أُحضِرَت فيها بإِتقانٍ جَمِيعُ الأَدوِيةِ وادُّخِرَت.
وإذا ما سُئِل عِلمُ الكِيمياءِ: ما هذه الكُرةُ الأَرضِيّةُ؟ لَأَجابَ بأنَّها مُختَبَرُ كِيمياءٍ مُنتَظِمٌ بَدِيعٌ كامِلٌ.
على حِينِ يُجِيبُ عِلمُ المَكائِنِ: بأنَّها مَعمَلٌ مُنسَّقٌ كامِلٌ لا تَرَى فيه نَقصًا.
كما يُجِيبُ عِلمُ الزِّراعةِ: بأنَّها حَدِيقةٌ غَنَّاءُ ومَزرَعةٌ مِعطاءُ، تُستَنبَتُ فيها أَنواعُ المَحاصِيلِ، كلٌّ في أَوانِه.
— 233 —
ولَأَجابَ عِلمُ التِّجارةِ: بأنَّها مَعرِضٌ تِجارِيٌّ فَخمٌ، وسُوقٌ في غايةِ الرَّوعةِ والنِّظامِ، ومَحَلٌّ تِجارِيٌّ يَحوِي أَنفَسَ البَضائِعِ المَصنُوعةِ وأَجوَدَها.
ولَأَجابَ عِلمُ الإِعاشةِ: بأنَّها مُستَودَعٌ ضَخمٌ يَضُمُّ الأَرزاقَ كُلَّها بأَنواعِها وأَصنافِها.
ولَأَجابَ عِلمُ التَّغذِيةِ: بأنَّها مَطبَخٌ رَبّانِيٌّ وقِدْرٌ رَحمانِيٌّ تُطبَخُ فيه مِئاتُ الأُلُوفِ مِنَ الأَطعِمةِ الشَّهِيّةِ اللَّذِيذةِ جَنبًا إلى جَنبٍ بنِظامٍ في غايةِ الإِتقانِ والكَمالِ.
ولو سُئِلَ عِلمُ العَسكَرِيّةِ عنِ الأَرضِ لَأَجابَ: بأنَّها مُعَسكَرٌ مَهِيبٌ يُساقُ إلَيْه في كلِّ رَبِيعٍ جُنُودٌ مُسَلَّحُون جُدُدٌ يُؤَلِّفُون أُمَمًا مُختَلِفةً مِنَ النَّباتاتِ والحَيَواناتِ يَبلُغُ تَعدادُها أَكثَرَ مِن أَربَعِ مِئةِ أَلفِ أُمّةٍ، فتُنصَبُ خِيَمُهُم في أَرجاءِ سَطحِ الأَرضِ.. وعلى الرَّغمِ مِن أنَّ أَرزاقَ كلِّ أُمّةٍ تَختَلِفُ عنِ الأُخرَى، ومَلابِسَها مُتَغايِرةٌ وأَسلِحَتَها مُتَبايِنةٌ، وتَعلِيماتِها مُختَلِفةٌ، ورُخَصَها مُتَفاوِتةٌ، إلّا أنَّ أُمُورَ الجَمِيعِ تَسِيرُ بانتِظامٍ رائِعٍ، ولَوازِمَ الجَمِيعِ تُهَيَّأُ دُونَ نِسيانٍ ولا التِباسٍ، وذلك بأَمرٍ مِنَ اللهِ تعالى وبفَضلِ رَحمَتِه السّابِغةِ صادِرًا مِن خَزِينَتِه الواسِعةِ.
وإذا ما سُئِلَ عِلمُ الكَهرَباءِ لَأَجابَ: بأنَّ سَقفَ قَصرِ الكَونِ البَدِيعِ هذا قد زُيِّن بمَصابِيحَ مُتَلألِئةٍ لا حَدَّ لِكَثرَتِها ولا مُنتَهَى لِرَوعَتِها وتَناسُقِها، حتَّى إنَّ النِّظامَ البَدِيعَ والتَّناسُقَ الرّائِعَ الَّذي فيها يَحُولانِ دُونَ انفِجارِ تلك المَصابِيحِ السَّماوِيّةِ المُتَوهِّجةِ دَوْمًا یی وهِي تَكبُرُ الأَرضَ أَلفَ مَرّةٍ وفي مُقدِّمَتِها الشَّمسُ یی ودُونَ انتِقاصِ تَوازُنِها أو نُشُوبِ حَرِيقٍ فيما بَينَها..
تُرَى! مِن أيِّ مَصدَرٍ تُغَذَّى تلك المَصابِيحُ ذاتُ الِاستِهلاكِ غَيرِ المَحدُودِ ولِمَ لا يَنفَدُ وَقُودُها؟! ولِمَ لا يَختَلُّ تَوازُنُ الِاحتِراقِ؟ عِلمًا أنَّ مِصباحًا زَيتِيًّا صَغِيرًا إن لم يُراعَ ويُعتَنَ به باستِمرارٍ يَنطَفِئْ نُورُه ويَخْبُ.. فسُبحانَه مِن قَدِيرٍ حَكِيمٍ ذِي جَلالٍ! كيف يُوقِدُ الشَّمسَ الَّتي هي أَضخَمُ مِنَ الأَرضِ بمِليُونِ مَرّةٍ ومَضَى على عُمُرِها أَكثَرُ مِن مِليُونِ سَنةٍ یی حَسَبَ ما تَوَصَّل إلَيْه عِلمُ الفَلَكِ یی دُونَ أن تَنطَفِئَ ومِن دُونِ وَقُودٍ
— 234 —
أو زَيتٍ!!
(حاشية): إذا ما حُسِبَ ما يَلزَمُ مِدفأةَ قَصرِ الكَونِ ومِصباحَه وهو الشَّمسُ، كم تَحتاجُ يوميًّا مِنَ الوَقُودِ ومِن الزَّيتِ؟ نَرَى أنَّها بحِسابِ الفلَكيِّين بحاجةٍ إلى مِليونِ ضِعفِ حَجمِ الكُرةِ الأَرضِيّةِ مِنَ الوَقُودِ وأُلُوفِ الأَضعافِ مِن حَجمِ البِحارِ مِن الزُّيُوتِ.
فتَأمَّلْ في عَظَمةِ الخالقِ القَدِيرِ ذي الجَلالِ الذي يُوقِدُ تلك المِدْفأةَ ويُشعِلُ ذلك السِّراجَ الوَهّاجَ مِن دُونِ وَقُودٍ ولا زَيتٍ، ويُشعِلُها بلا انقِطاعٍ.. تَدبَّرْ في سَعةِ حِكمَتِه وطَلاقةِ قُدرَتِه، وقُلْ: سُبحانَ اللهِ.. ما شاءَ اللهُ.. تَبارَك اللهُ!! بعَدَدِ ذَرّاتِ الشَّمسِ.
تَأمَّلْ في هذا وسَبِّح بِاسمِ ربِّك العَظِيمِ وقُل: "ما شاءَ اللهُ، تَبارَك اللهُ، لا إِلٰهَ إلّا اللهُ".. قُلْها بعَدَدِ عاشِراتِ الدَّقائِقِ الَّتي مَرَّت على عُمُرِ الشَّمسِ.. فلا شَكَّ أنَّ نِظامًا بَدِيعًا صارِمًا هو الَّذي يُهَيمِنُ على هذه المَصابِيحِ السَّماوِيّةِ المُتَلألِئةِ، ولا بُدَّ أنَّ رِعايَتَها ومُراقبَتَها دَقِيقةٌ، حتَّى كأنَّ مَصدَرَ الحَرارةِ والمِرجَلَ البُخارِيَّ لِتلك الكُتَلِ النّارِيّةِ الَّتي هي في مُنتَهَى الضَّخامةِ وفي غايةِ الكَثْرةِ، إنَّما هي جَهَنَّمُ لا تَنفَدُ حَرارَتُها، وتُرسِلُها إلى الكُلِّ مُظلِمةً قاتِمةً بلا نُورٍ.. وكأنَّ ماكِينةَ تلك المَصابِيحِ المُنَوَّرةِ والقَنادِيلِ المُضِيئةِ الَّتي لا تُعَدُّ ولا تُحصَى هي جَنّةٌ دائِمةٌ تَمنَحُها النُّورَ والضِّياءَ، فيَستَمِرُّ اشتِعالُها المُنتَظِمُ بالتَّجَلِّي الأَعظَمِ لِاسمِ "الحَكَمِ والحَكِيمِ".
وهكذا قِياسًا على هذه الأَمثِلةِ، فإنَّ كلَّ عِلمٍ مِن مِئاتِ العُلُومِ يَشهَدُ قَطعًا: أنَّ هذا الكَونَ قد زُيِّن بحِكَمٍ ومَصالِحَ شَتَّى ضِمنَ انتِظامٍ كامِلٍ لا نَقصَ فيه، وأنَّ تلك الأَنظِمةَ البَدِيعةَ والحِكَمَ السَّامِيةَ النّابِعةَ مِن تلك الحِكمةِ المُعجِزةِ المُحِيطةِ بالكَونِ قد أُدرِجَت بمِقياسٍ أَصغَرَ، حتَّى في أَصغَرِ كائِنٍ حَيٍّ وفي أَصغَرِ بِذْرةٍ..
ومِنَ المَعلُومِ بَداهةً أنَّ تَتبُّعَ الغاياتِ وإِردافَ الحِكَمِ والفَوائِدِ بانتِظامٍ، لا يَحصُلُ إلّا بالإِرادةِ والِاختِيارِ والقَصدِ والمَشِيئةِ، وإلّا فلا؛ فكما أنَّ هذا العَمَلَ البَدِيعَ ليس هو مِن شَأنِ الأَسبابِ والطَّبِيعةِ یی اللَّتَينِ لا تَملِكانِ إِرادةً ولا اختِيارًا ولا قَصْدًا ولا شُعُورًا یی فلن يكُونَ لَهُما تَدَخُّلٌ فيه كَذلِك؛ لِذا فما أَجهَلَ مَن لا يَعرِفُ أو لا يُؤمِنُ بالفاعِلِ المُختارِ وبالصّانِعِ الحَكِيمِ الَّذي تَدُلُّ علَيْه هذه الأَنظِمةُ البَدِيعةُ والحِكَمُ الرَّفيعةُ الَّتي لا حَدَّ لها وهِي مَبثُوثةٌ في مَوجُوداتِ الكَونِ قاطِبةً.
— 235 —
نعم، إنْ كانَ هناك شَيءٌ يُستَغرَبُ مِنه ويُثيرُ عِندَ الإِنسانِ العَجَبَ في هذه الدُّنيا، فإنَّما هو: إِنكارُ وُجُودِه سُبحانَه، لِأنَّ الِانتِظامَ بأَنواعِه البَدِيعةِ الَّتي لا تُعَدُّ، والحِكَمَ بأَشكالِها السّامِيةِ الَّتي لا تُحصَى، والمُندَرِجةَ في كلِّ مَوجُودٍ في الكَونِ، شَواهِدُ صادِقةٌ على وُجُوبِ وُجُودِه سُبحانَه وعلى وَحْدانيَّتِه.. فبُعدًا لِعَمًى ما بَعدَه عَمًى! وسُحقًا لِجَهلٍ ما بَعدَه جَهلٌ لِمَن لا يَرَى هذا الرَّبَّ الحَكِيمَ سُبحانَه! حتَّى يُمكِنُني القَولُ: إنَّ السُّوفْسَطائيِّينَ الَّذِينَ يُعَدُّونَ حَمْقَى لِإنكارِهِم وُجُودَ الكَونِ، هم أَعقَلُ أَهلِ الكُفرِ، لِأنَّ الِاعتِقادَ بوُجُودِ الكَونِ ومِن بَعدِه إِنكارَ خالِقِه یی وهُو اللهُ سُبحانَه یی غَيرُ مُمكِنٍ قَطعًا، ولا يُقبَلُ أَصلًا، لِذا بَدَؤُوا بإِنكارِ الكَونِ وأَنكَرُوا وُجُودَهُم أَيضًا، وقالُوا: لا شَيءَ مَوجُودٌ على الإِطلاقِ. فأَبطَلُوا عُقُولَهُم، وأَنقَذُوا أَنفُسَهُم باقتِرابِهِم شَيئًا إلى العَقلِ مِن مَتاهةِ الحَماقةِ غَيرِ المُتَناهِيةِ لِلمُنكِرِينَ الجاحِدِينَ الحَمقَى المُتَستِّرِينَ تَحتَ سِتارِ العَقلِ!
النُّقطةُ الرَّابعة:
مِثلَما أُشِيرَ في "الكَلِمةِ العاشِرةِ" إلى أنَّه: إذا ما شَيَّد مِعمارِيٌّ بارِعٌ حَكِيمٌ قَصرًا مُنِيفًا، وأَوْدَع في كلِّ حَجَرٍ مِن أَحجارِه مِئاتِ الحِكَمِ والمَصالِحِ والفَوائِدِ، فلا يَتَصوَّرُ مَن له شُعُورٌ ألّا يَبنِيَ له سَقفًا يَحفَظُه مِنَ البِلَى والفَسادِ، لِأنَّ هذا يَعنِي تَعرِيضَ البِناءِ لِلعَدَمِ والتَّلَفِ، وضَياعَ تلك الفَوائِدِ والحِكَمِ الَّتي كانَ يَرعاها ويَتَولّاها؛ وهذا ما لا يَرضَى به ذُو شُعُورٍ.. أو أنَّ حَكِيمًا مُطلَقًا يُنشِئُ مِن دِرهَمٍ مِنَ البُذُورِ مِئاتِ الأَطنانِ مِنَ الفَوائِدِ والحِكَمِ والغاياتِ، ويَتَعقَّبُها ويُدِيرُها، لا يُمكِنُ أن يَتَصوَّرَ مَن له عَقلٌ صُدُورَ العَبَثِ والإِسرافِ المُنافيَينِ كُلِّيًّا لِلحِكمةِ المُطلَقةِ مِن ذلك الحَكِيمِ المُطلَقِ، بِأَن يُقَلِّدَ الشَّجَرةَ الضَّخمةَ فائِدةً جُزئيّةً وغايةً تافِهةً وثَمَرةً قَلِيلةً، عِلمًا أنَّه يُنفِقُ لِإنشائِها وإِثمارِها الكَثِيرَ!
نعم، فكما لا يُمكِنُ أن يَتَصوَّر هذا أو ذاك عاقِلٌ قَطُّ، كَذلِك لا يُمكِنُ أن يَتَصوَّرَ مَن له مُسكةُ عَقلٍ أن يَصدُرَ مِنَ الصَّانِعِ الحَكِيمِ العَبَثُ والإِسرافُ بعَدَمِ إِتيانِ الآخِرةِ وبعَدَمِ إِقامَتِه الحَشرَ والقِيامةَ بعدَ أن قلَّدَ كلَّ مَوجُودٍ في قَصرِ الكَونِ هذا مِئاتٍ مِنَ الحِكَمِ والمَصالِحِ، وجَهَّزَه بمِئاتِ الوَظائِفِ یی حتَّى إنَّه قلَّدَ كلَّ شَجَرةٍ حِكَمًا بعَدَدِ
— 236 —
ثِمارِها ووَظائِفَ بعَدَدِ أَزهارِها یی فلا يُمكِنُ أن يَتَوارَد على خاطِرِ عاقِلٍ أن يُضَيِّع هذا الحَكِيمُ الجَلِيلُ جَمِيعَ هذه الحِكَمِ والمَقاصِدِ وجَمِيعَ هذه الوَظائِفِ بعَدَمِ إِقامَتِه القِيامةَ والآخِرةَ، إذ يَعنِي هذا إِسنادَ العَجزِ التّامِّ إلى قُدرةِ القَدِيرِ المُطلَقِ، وتَنسِيبَ العَبَثِ والضَّياعِ إلى الحِكمةِ البالِغةِ لِلحَكِيمِ المُطلَقِ، وإِرجاعَ القُبحِ المُطلَقِ إلى جَمالِ رَحمةِ الرَّحِيمِ المُطلَقِ، وإِسنادَ الظُّلمِ المُطلَقِ إلى العَدالةِ التّامّةِ لِلعادِلِ المُطلَقِ، أي: إِنكارَ كلٍّ مِنَ الحِكمةِ والرَّحمةِ والعَدالةِ الظّاهِرةِ المُشاهَدةِ، إِنكارَها كُلِّيًّا مِنَ الوُجُودِ! وهذا مِن أَعجَبِ المُحالاتِ وأَشَدِّها سُخفًا وأَكثَرِها بُطلانًا!
فلْيَأْتِ أَهلُ الضَّلالةِ، ولْيَنظُرُوا إلى ضَلالَتِهِم كيف أنَّها مُظلِمةٌ مَلِيئةٌ بالعَقارِبِ والحَيَّاتِ كقُبُورِهِمُ الَّتي سيَصِيرُونَ إلَيْها! ولْيُدرِكُوا أنَّ طَرِيقَ الإِيمانِ بالآخِرةِ مُنوَّرٌ جَمِيلٌ كالجَنّةِ فلْيَسلُكُوه وليَنعَمُوا بالإِيمانِ.
النُّقطةُ الخامسةُ: وهِي مَسأَلتانِ:
المَسأَلةُ الأُولَى: إنَّ تَعَقُّبَ الصَّانِعِ الجَلِيلِ یی بمُقتَضَى اسمِ "الحَكِيمِ" یی لِأَلطَفِ صُورةٍ في كلِّ شَيءٍ وأَقصَرِ طَرِيق، وأَسهَلِ طِرازٍ، وأَنفَعِ شَكلٍ.. يَدُلُّ دَلالةً واضِحةً على أنَّ الفِطرةَ لا إِسرافَ فيها قَطُّ ولا عَبَثَ، فما مِن شَيءٍ إلّا وفيه نَفعُه وجَدْواه، وأنَّ الإِسرافَ مِثلَما يُنافِي اسمَ "الحَكِيمِ" فالِاقتِصادُ لازِمُه ومُقتَضاه ودُستُورُه الأَساسُ.
فيا أيُّها المُسرِفُ المُبَذِّرُ، اِعلَمْ مَدَى مُجانَبَتِك الحَقِيقةَ بقُعُودِك عن تَطبِيقِ أَعظَمِ دُستُورٍ لِلكَونِ أَلا وهُو الِاقتِصادُ، وتَدَبَّرِ الآيةَ الكَرِيمةَ: كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا لِتَعلَمَ مَدَى رُسُوخِ الدُّستُورِ الواسِعِ الشَّامِلِ الَّذي تُرشِدُ إلَيْه.
المَسأَلةُ الثَّانيةُ: يَصِحُّ أن يُقالَ: إنَّ اسمَ اللهِ "الحَكَمُ والحَكِيمُ" يَقتَضِيانِ بَداهةً نُبُوّةَ مُحمَّدٍ (ص) ورِسالَتَه، ويَدُلّانِ علَيْها ويَستَلزِمانِها.
نعم، ما دامَ الكِتابُ البَلِيغُ بمَعانِيه ومَرامِيه، يَقتَضِي بالضَّرُورةِ مُعَلِّمًا بارِعًا لِتَدرِيسِه.. والجَمالُ الفائِقُ يَقتَضِي مِرآةً يَتَراءَى فيها، ويُرِي بها جَمالَه وحُسنَه.. والصَّنعةُ البَدِيعةُ تَستَدعِي مُنادِيًا داعِيًا إلَيْها.. فلا بُدَّ أن يُوجَد بينَ بَنِي البَشَرِ الَّذي هو
— 237 —
مَوضِعُ خِطابِ كِتابِ الكَونِ الكَبِيرِ المُتَضمِّنِ مِئاتِ المَعانِي البَلِيغةِ والحِكَمِ الدَّقِيقةِ في كلِّ حَرفٍ مِن حُرُوفِه، أَقُولُ: لا بُدَّ أن يُوجَدَ رائِدٌ أَكمَلُ، ومُعلِّمٌ أَكبَرُ، لِيُرشِدَ النّاسَ إلى ما في ذلك الكِتابِ الكَبِيرِ مِن حِكَمٍ مُقَدَّسةٍ حَقِيقيّةٍ.. ولِيُعلِّمَ وُجُودَ الحِكَمِ المَبثُوثةِ في أَرجائِه ويَدُلَّ علَيْها.. ولِيَكُونَ مَبعَثَ ظُهُورِ المَقاصِدِ الرَّبّانيّةِ في خَلقِ الكَونِ، بلِ السَّببَ في حُصُولِها.. ولِيُرشِدَ إلى ما يُرِيدُ الخالِقُ إِظهارَه مِن كَمالِ صَنعَتِه البَدِيعةِ، وجَمالِ أَسمائِه الحُسنَى، فيكُونَ كالمِرآةِ الصّافِيةِ لِذلِك الكَمالِ البَدِيعِ والجَمالِ الفائِقِ.. ولِيَنهَضَ بعُبُودِيّةٍ واسِعةٍ یی بِاسمِ المَخلُوقاتِ قاطِبةً یی تِجاهَ مَظاهِرِ الرُّبُوبيّةِ الواسِعةِ، مُثِيرًا الشَّوقَ وناثِرًا الوَجْدَ في الآفاقِ بَرًّا وبَحرًا، لافِتًا أَنظارَ الجَمِيعِ إلى الصَّانِعِ الجَلِيلِ بدَعوةٍ ودُعاءٍ، وتَهلِيلٍ وتَسبِيحٍ وتَقدِيسٍ، تَرِنُّ به أَرجاءُ السَّماواتِ والأَرضِ.. ولِيَقرَعَ أَسماعَ جَمِيعِ أَربابِ العُقُولِ بما يُلَقِّنُه مِن دُرُوسٍ مُقدَّسةٍ سامِيةٍ وإِرشاداتٍ حَكِيمةٍ مِنَ القُرآنِ الحَكِيمِ.. ولِيُبيِّنَ بأَجمَلِ صُورةٍ وأَجلاها بالقُرآنِ العَظِيمِ المَقاصِدَ الإِلٰهِيّةَ لِذلِك الصّانِعِ الحَكَمِ الحَكِيمِ.. ولِيَستَقبِلَ بأَكمَلِ مُقابَلةٍ وأَتَمِّها مَظاهِرَ الحِكْمةِ البالِغةِ والجَمالِ والجَلالِ المُتَجَلِّيةَ في الآفاقِ.. فإِنسانٌ هذه مُهِمَّتُه، ضَرُورِيٌّ وُجُودُه، بل يَستَلزِمُه هذا الكَونُ، كضَرُورةِ الشَّمسِ ولُزُومِها له.
فالَّذي يُؤَدِّي هذه المُهِمّاتِ، ويُنجِزُ هذه الوَظائِفَ على أَتَمِّ صُورةٍ ليس إلّا الرَّسُولَ الأَكرَمَ (ص) كما هو مُشاهَدٌ، لِذا فكما تَستَلزِمُ الشَّمسُ الضَّوءَ، ويَستَلزِمُ الضَّوءُ النَّهارَ، فالحِكَمُ المَبثُوثةُ في آفاقِ الكَونِ وجَنَباتِه تَستَلزِمُ نُبُوّةَ مُحمَّدٍ (ص) ورِسالَتَه.
نعم، مِثلَما يَقتَضِي التَّجَلِّي الأَعظَمُ لِاسمِ "الحَكَمِ والحَكِيمِ" یی في أَوسَعِ مَداه یی الرِّسالةَ الأَحمَدِيّةَ، فإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الأَسماءِ الحُسنَى مِثلَ: "اللهُ، الرَّحمٰنُ، الرَّحِيمُ، الوَدُودُ، المُنعِمُ، الكَرِيمُ، الجَمِيلُ، الرَّبُّ"، يَستَلزِمُ كُلٌّ مِنها الرِّسالةَ الأَحمَدِيّةَ في أَعظَمِ تَجَلِّياتِها وإِحاطَتِها بالكَونِ كُلِّه، استِلزامًا قاطِعًا لا رَيبَ فيه.
فمَثلًا: إنَّ الرَّحمةَ الواسِعةَ الَّتي هي تَجَلِّي اسمِ "الرَّحمٰنِ" تَظهَرُ بوُضُوحٍ بمَن هو رَحمةٌ لِلعالَمِينَ.. وإنَّ التَّحَبُّبَ الإِلٰهِيَّ والتَّعرُّفَ الرَّبّانِيَّ یی اللَّذَينِ هما مِن تَجَلِّياتِ
— 238 —
اسمِ "الوَدُودِ" یی يُفضِيانِ إلى نَتِيجَتِهِما ويَجِدانِ المُقابَلةَ بحَبِيبِ رَبِّ العالَمِينَ.. وإنَّ جَمِيعَ أَنواعِ الجَمالِ یی جَمالِ الذّاتِ وجَمالِ الأَسماءِ، وجَمالِ الصَّنعةِ والإِتقانِ، وجَمالِ المَصنُوعاتِ والمَخلُوقاتِ.. كلِّ أَنواعِ الجَمالِ الَّتي هي تَجَلٍّ مِن تَجَلِّياتِ اسمِ الجَمِيلِ یی تُشاهَدُ في تلك المِرآةِ الأَحمَدِيّةِ، وتُشهَدُ بها.. بل حتَّى تَجَلِّياتُ عَظَمةِ الرُّبُوبيّةِ، وهَيمَنةُ سَلطَنةِ الأُلُوهِيّةِ إنَّما تُعرَفُ برِسالةِ هذا الدّاعِيةِ العَظِيمِ إلى سُلطانِ الرُّبُوبيّةِ وتَتَبيَّنُ بها، وتُفهَمُ عنها، وتُصَدَّقُ بها.. وهكذا فأَغلَبُ الأَسماءِ الحُسنَى إنَّما هي بُرهانٌ باهِرٌ على الرِّسالةِ الأَحمَدِيّةِ كما مَرَّ آنِفًا..
نَحصُلُ مِمّا سَبَق: أنَّه ما دامَ الكَونُ مَوجُودًا بالفِعلِ ولا يُمكِنُ إِنكارُه، فلا يُمكِنُ أن يُنكَر كَذلِك ما هو بمَثابةِ أَلوانِه وزِينَتِه، وضِيائِه وإِتقانِه، وأَنواعِ حَياتِه، وأَشكالِ رَوابِطِه مِنَ الحَقائِقِ المَشهُودةِ، كالحِكمةِ، والعِنايةِ، والرَّحمةِ، والجَمالِ، والنِّظامِ، والمِيزانِ، والزِّينةِ، وأَمثالِها مِنَ الحَقائِقِ.. فما دامَ لا يُمكِنُ إِنكارُ هذه الصِّفاتِ والأَفعالِ، فلا يُمكِنُ إِنكارُ مَوصُوفِ تلك الصِّفاتِ، ولا يُمكِنُ إِنكارُ فاعِلِ تلك الأَفعالِ وشَمسِ تلك الأَضواءِ، أَعنِي ذاتَ اللهِ الأَقدَسِ جَلَّ جَلالُه الواجِبِ الوُجُودِ، الَّذي هو "الحَكِيمُ، الرَّحِيمُ، الجَمِيلُ، الحَكَمُ، العَدْلُ".. وكذا لا يُمكِنُ إِنكارُ مَن هو مَدارٌ لِظُهُورِ تلك الصِّفاتِ والأَفعالِ، بل مَن هو مَدارٌ لِعَرضِ كَمالاتِها، بل تَحَقُّقِ تَجَلِّياتِها، ذلِكُمُ الرَّسُولُ الكَرِيمُ مُحَمَّدٌ (ص)، الرّائِدُ الأَكبَرُ، والمُعلِّمُ الأَكمَلُ، والدّاعِيةُ الأَعظَمُ، وكَشّافُ طِلَّسمِ الكائِناتِ، والمِرآةُ الصَّمَدانيّةُ، وحَبِيبُ الرَّحمٰنِ.. فلا يُمكِنُ إِنكارُ رِسالَتِه قَطْعًا، لِأنَّها أَسطَعُ نُورٍ في هذا الكَونِ كسُطُوعِ ضِياءِ عالَمِ الحَقِيقةِ ونُورِ حَقِيقةِ الكائِناتِ.
علَيهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بعَدَدِ عاشِراتِ الأَيَّامِ وذَرَّاتِ الأَنامِ
سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
— 239 —

الحجّة الإيمانية السادسة

(الحَقيقة التَّاسِعة منَ الكَلِمة العَاشِرة)
بَاب الإحياءِ والإمَاتة، وهوَ تَجَلِّي اسمِ "الحيّ القيوم" و"المُحيي" و"المُميت"
أَمِنَ المُمكِنِ للَّذي أَظهَر قُدرَتَه بإحياءِ الأَرضِ الضَّخمةِ بعدَ مَوتِها وجَفافِها، وبَعَث أَكثَرَ مِن ثلاثِ مِئةِ أَلفِ نوعٍ مِن أنواعِ المَخلُوقاتِ، مع أن بَعْثَ كلِّ نَوعٍ عَجيبٌ كأُعجُوبةِ بَعْثِ البَشَرِ.. والَّذي أَظهَر إحاطةَ عِلمِه ضِمنَ ذلك الإحياءِ بتَميِيزِه كلَّ كائنٍ مِن بينِ ذلك الِامتِزاجِ والتَّشابُكِ.. والَّذي وَجَّه أَنظارَ جَميعِ عِبادِه إلى السَّعادةِ الأَبَديّةِ بوَعدِهمُ الحَشرَ في جَميعِ أَوامِرِه السَّماوِيّةِ.. والَّذي أَظهَر عَظَمةَ رُبُوبيَّتِه بجَعْلِه المَوجُوداتِ مُتكاتِفةً مُتَرافِقةً، فأَدارها ضِمنَ أَمرِه وإرادَتِه، مُسَخِّرًا أَفرادَها، مُعاوِنًا بَعضُها بعضًا.. والَّذي أَوْلَى البَشَرَ الأَهَمِّيّةَ القُصوَى، بجَعْلِه أَجمَعَ ثَمَرةٍ في شَجَرةِ الكائناتِ، وأَلطَفَها وأَشَدَّها رِقّةً ودَلَالًا، وأَكثَرَها مُستَجابًا للدُّعاء، مُسَخِّرًا له كلَّ شيءٍ، مُتَّخِذًا إيّاه مُخاطَبًا.. أفَمِنَ المُمكِنِ لِمِثلِ هذا القَديرِ الرَّحيمِ ولِمِثلِ هذا العَليمِ الحَكيمِ ألّا يأتِيَ بالقِيامةِ؟! ولا يُحدِثَ الحَشرَ ولا يَبعَثَ البَشَرَ، أو يَعجِزَ عنه؟ وأن يَعجِزَ عن فَتحِ أَبوابِ المَحكَمةِ الكُبْرَى وخَلْقِ الجَنّةِ والنّارِ؟!. تَعالَى اللهُ عن ذلك عُلُوًّا كَبِيرًا.
نعم، إنَّ الرَّبَّ المُتَصرِّفَ في هذا العالَمِ جلَّ جلالُه يُحْدِثُ في هذه الأَرضِ المُؤقَّتةِ الضَّيِّقةِ في كلِّ عصرٍ وفي كلِّ سنةٍ وفي كلِّ يومٍ نَماذِجَ وأَمثِلةً كَثيرةً وإشاراتٍ عَديدةً للحَشرِ الأَكبَرِ، فعلى سَبِيلِ المِثالِ:
إنَّه يَحشُرُ في بِضعةِ أيّامٍ في حَشرِ الرَّبيعِ ويَبعَثُ أَكثرَ مِن ثلاثِ مئةِ أَلفِ نَوعٍ مِن أَنواعِ النَّباتاتِ والحَيَواناتِ مِن صَغيرٍ وكَبيرٍ، فيُحيِي جُذُورَ الأَشجارِ والأَعشابِ، ويُعِيدُ بعضَ الحَيَواناتِ بعَينِها كما يُعيدُ أَمثالَ بعضِها الآخَرِ؛ ومع أنَّ الفُرُوقَ المادِّيّةَ
— 240 —
بينَ البُذَيراتِ المُتَناهِيةِ في الصِّغَرِ جُزئيّةٌ جِدًّا، إلَّا أنَّها تُبعَثُ وتُحيا بكلِّ تَمَيُّزٍ، وتُشَخَّصُ في مُنتَهَى السُّرعةِ في ستّةِ أَيّامٍ، أو ستّةِ أَسابِيعَ، وفي مُنتَهَى السُّهُولةِ والوَفرةِ، وبانتِظامٍ كاملٍ ومِيزانٍ دَقيقٍ، رَغمَ اختِلاطِها وامتِزاجِها.. فهل يَصعُبُ على مَن يَقُومُ بمِثلِ هذه الأعمالِ شيءٌ، أو يَعجِزُ عن خَلقِ السَّماواتِ والأَرضِ في ستّةِ أيّامٍ، أو لا يَستَطيعُ أن يَحشُرَ الإنسانَ بصَيحةٍ واحِدةٍ؟! سُبحانَ اللهِ عمّا يَصِفُونَ.
فيا تُرَى إن كان ثَمّةَ كاتِبٌ ذُو خَوارِقَ، يَكتُبُ ثلاثَ مِئةِ أَلفِ كِتابٍ مُسِحَت حُرُوفُها ومُسِخَت، في صَحيفةٍ واحِدةٍ دُونَ اختِلاطٍ ولا سَهوٍ ولا نَقصٍ، وفي غايةِ الجَمالِ، ويَكتُبُها جَميعًا معًا خِلالَ ساعةٍ واحِدةٍ. وقيلَ لك: إنَّ هذا الكاتِبَ سيَكتُبُ مِن حِفظِه في دَقيقةٍ واحِدةٍ كِتابَك الَّذي وَقَع في الماءِ وهو مِن تَألِيفِه. فهل يُمكِنُك أن تَرُدَّ عليه وتقُولَ: لا يَستَطيعُ. لا أُصَدِّق؟!
أو أنَّ سُلطانًا ذا مُعجِزاتٍ، يَرفَعُ الجِبالَ ويَنسِفُها، ويُغيِّرُ المُدُنَ بكامِلِها، ويُحَوِّلُ البَحرَ بَرًّا، بإشارةٍ مِنه، إظهارًا لِقُدرَتِه وجَعلَها آيةً للنّاسِ.. فبَينَما تَرَى مِنه هذه الأَعمالَ إذا بصَخرةٍ عَظِيمةٍ قد تَدَحرَجَت إلى وادٍ وسَدَّتِ الطَّريقَ على ضُيُوفِه، وقيلَ لك: إنَّ هذا السُّلطانَ سيُمِيطُ حَتْمًا تلك الصَّخرةَ مِن على الطَّريقِ ويَحْطِمُها مهما كانَت كَبيرةً، حيث لا يُمكِنُ أن يَدَع ضُيُوفَه في الطَّريقِ.. كم يكونُ جَوابُك هَذَيانًا أو جُنُونًا إذا ما أَجَبتَه بقَولِك: لا، لا يَستَطيعُ أن يَفعَلَ؟!
أو أنَّ قائدًا قد شَكَّلَ جَيْشًا جَدِيدًا عَظِيمًا في يومٍ واحِدٍ، وقيلَ لك: إنَّ هذا سيَجمَعُ أَفرادَ تلك الفِرَقِ، وسيَنضَوِي تحتَ لِوائِه أُولَئك الَّذين سُرِّحُوا وتَفَرَّقوا، بنَفخةٍ مِن بُوقٍ، فأَجَبتَه: لا، لا أُصَدِّقُ! عِندَها تَفهَمُ أنَّ جَوابَك هذا يُنبِئُ عن تَصَرُّفٍ جُنُونِيٍّ، أيَّ جُنُونٍ!!
فإذا فَهِمتَ هذه الأَمثِلةَ الثلاثةَ فتَأَمَّلْ في ذلِكُمُ البارِئِ المُصَوِّرِ سُبحانَه وتَعالَى الَّذي يَكتُبُ أمامَ أَنظارِنا بأَحسَنِ صُورةٍ وأَتَمِّها بقَلَمِ القُدرةِ والقَدَرِ أَكثَرَ مِن ثلاثِ مِئةِ أَلفِ نَوعٍ مِنَ الأَنواعِ على صَحيفةِ الأَرضِ، مُبدِّلًا صَحيفةَ الشِّتاء البَيضاءِ إلى الصَّحيفةِ الخَضراءِ للرَّبيعِ والصَّيفِ، يَكتُبُها مُتَداخِلةً دُونَ اختِلاطٍ، يَكتُبُها معًا دُونَ مُزاحَمةٍ ولا التِباسٍ، رَغمَ تَبايُنِ بَعضِها مع البعضِ الآخَرِ في التَّركيبِ والشَّكلِ، فلا يَكتُبُ خَطَأً مُطلَقًا..
— 241 —
أفَيُمكِنُ أن يُسأَلَ الحَفيظُ الحَكيمُ الَّذي أَدرَجَ خُطّةَ رُوحِ الشَّجَرةِ الضَّخمةِ ومِنهاجَها في بِذرةٍ مُتَناهِيةٍ في الصِّغَرِ مُحافِظًا عليها، كيف سيُحافِظُ على أَرواحِ الأَمواتِ؟ أم هل يُمكِنُ أن يُسأَلَ القَديرُ ذُو الجَلالِ الَّذي يُجرِي الأَرضَ في دَوْرَتِها بسُرعةٍ فائقةٍ، كيف سيُزِيلُها مِن على طَريقِ الآخِرةِ، وكيف سيُدَمِّرُها؟ أم هل يُمكِنُ أن يُسأَلَ ذُو الجَلالِ والإكرامِ الَّذي أَوْجَدَ الذَّرّاتِ مِنَ العَدَمِ ونَسَّقَها بأَمرِ: كُنْ فَيَكُونُ في أَجسادِ جُنُودِ الأَحياءِ، فأَنشَأَ مِنها الجُيُوشَ الهائلةَ، كيف سيَجمَعُ بصَيحةٍ واحِدةٍ تلك الذَّرّاتِ الأَساسيّةَ الَّتي تَعارَفَت فيما بَينَها، وتلك الأَجزاءَ الأَساسيّةَ الَّتي انضَوَت تحتَ لِواءِ فِرقةِ الجَسَدِ ونِظامِه؟!
فها أنتَ ذا تَرَى بعَينَيك كم مِن نَماذِجَ وأَمثِلةٍ وأَماراتٍ للحَشرِ شَبِيهةٍ بحَشرِ الرَّبيعِ، قد أَبدَعَها البارِئُ سُبحانَه وتَعالَى في كلِّ مَوْسِمٍ، وفي كلِّ عَصرٍ، حتَّى إنَّ تَبدِيلَ اللَّيلِ والنَّهارِ، وإنشاءَ السَّحابِ الثِّقالِ وإفناءَها مِنَ الجَوِّ، نَماذِجُ للحَشرِ وأَمثِلةٌ وأَماراتٌ عليه.
وإذا تَصَوَّرتَ نَفسَك قبلَ أَلفِ سنةٍ مَثَلًا، وقابَلْتَ بينَ جَناحَيِ الزَّمانِ الماضِي والمُستَقبَلِ، تَرَى أَمثِلةَ الحَشرِ والقِيامةِ ونَماذِجَها بعَدَدِ العُصُورِ والأَيّامِ؛ فلو ذَهَبتَ إلى استِبعادِ الحَشرِ الجِسمانِيِّ وبَعْثِ الأَجسادِ مُتَوهِّمًا أنَّه بَعيدٌ عنِ العَقلِ، بعدَما شاهَدتَ هذا العَدَدَ الهائلَ مِنَ الأَمثِلةِ والنَّماذِجِ، فستَعلَمُ أنت كذلك مَدَى حَماقةِ مَن يُنكِرُ الحَشرَ.
تَأَمَّلْ ماذا يقولُ الدُّستُورُ الأَعظَمُ حَولَ هذه الحَقيقةِ: فَانْظُرْ إِلَى آَثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
الخُلاصةُ: لا شيءَ يَحُولُ دُونَ حُدُوثِ الحَشرِ، بل كلُّ شيءٍ يَقتَضِيه ويَستَدعِيه.. نعم، إنَّ الَّذي يُحيِي هذه الأَرضَ الهائلةَ یی وهي مَعرِضُ العَجائبِ یی ويُمِيتُها كأَدنَى حَيَوانٍ، والَّذي جَعَلَها مَهْدًا مُريحًا وسَفينةً جَميلةً للإنسانِ والحَيَوانِ، وجَعَل الشَّمسَ ضِياءً ومَوْقِدًا لهذا المَضِيفِ، وجَعَلَ الكَواكِبَ السَّيَّارةَ والنُّجُومَ اللّامِعةَ مَساكِنَ طائراتٍ للمَلائكةِ.. إنَّ رُبُوبيّةً خالِدةً جَليلةً إلى هذا الحَدِّ، وحاكِمِيّةً مُحيطةً عَظيمةً إلى هذه الدَّرَجةِ، لا تَستَقِرّانِ ولا تَنحَصِرانِ في أُمُورِ الدُّنيا الفانِيةِ الزّائلةِ الواهِيةِ السَّيّالةِ التّافِهةِ المُتَغيِّرة.. فلا بُدَّ أنَّ هناك دارًا أُخرَى باقِيةً، دائمةً، جَليلةً، عَظيمةً، مُستَقِرّةً، تليقُ به سُبحانَه فهو يَسُوقُنا إلى السَّعيِ الدّائبِ لِأَجلِ تلك المَمالِكِ والدِّيارِ، ويَدعُونا إليه، ويَنقُلُنا إلى هناك.. يَشهَدُ على
— 242 —
هذا أَصحابُ الأَرواحِ النَّيِّرةِ، وأَقطابُ القُلُوبِ المُنوَّرةِ، وأَربابُ العُقُولِ النُّورانيّةِ، الَّذين نَفَذُوا مِنَ الظّاهِرِ إلى الحَقيقةِ، والَّذين نالُوا شَرَف التَّقرُّبِ إليه سُبحانَه، فهم يُبلِّغُونَنا مُتَّفِقين أنَّه سُبحانَه قد أَعَدَّ ثَوابًا وجَزاءً، وأنَّه يَعِدُ وَعدًا قاطِعًا، ويُوعِدُ وَعِيدًا جازِمًا.
فإخلافُ الوَعدِ لا يُمكِنُ أن يَدنُوَ إلى جلالِه المُقَدَّسِ، لأنَّه ذِلّةٌ وتَذَلُّلٌ، وأمّا إخلافُ الوَعيدِ فهو ناشِئٌ مِنَ العَفوِ أوِ العَجزِ؛ والحالُ أنَّ الكُفرَ جِنايةٌ مُطلَقةٌ
(حاشية): نَعم، إنَّ الكُفرَ إهَانةٌ وتَحقيرٌ للكَائِنَات جَميعًا، حَيث يَتَّهِمُها بالعَبَثيةِ وانتِفاءِ النَّفع؛ وهَو تَزييفٌ تجاهَ أسمَاءِ الله الحُسنَى، لأنَّه يُنكِرُ تَجلِّيَ تِلك الأسمَاء على مَرايَا المَوجُودَات؛ وهو تَكذِيبٌ للمَخلُوقَات جَميعًا، حُيث يَرُدُّ شَهَادةَ المَوجُودات على الوَحدَانِّية.. لِذا فَإنه يُفسِدُ قُوَى الإنِسَان واستِعدَادَاتِه إلَى دَرجةٍ يَسلُبُ منه القُدرَة عَلى تَقَبُّلِ الخَير والصَّلَاح.. وهَو ظُلمٌ عَظيمٌ جِدًّا، إذ هو تَجاوُزٌ لِحُقوقِ جَميع المَخلُوقَات، ولِجميعِ الأسمَاء الحُسنى، لِذا فَحِفاظًا عَلى هَذِه الحُقُوق، ولِعَدَمِ تَمَكُّن نَفْسِ الكَافر مِن قَبول الخَير، اقتضَى حِرمانَه من العَفو. والآيةُ الكَرِيمة: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ تُفيدُ هذا المَعنَى.
لا يَستَحِقُّ العَفوَ والمَغفِرةَ، أمّا القَديرُ المُطلَقُ فهو قُدُّوسٌ مُنزَّهٌ عنِ العَجزِ، وأمّا المُخبِرُون والشُّهُودُ فهم مُتَّفِقُون اتِّفاقًا كامِلًا على أَساسِ هذه المَسأَلةِ رَغمَ اختِلافِ مَسالِكِهم ومَناهِجِهم ومَشارِبِهم، فهم مِن حَيثُ الكَثرةُ بلَغُوا دَرَجةَ التَّواتُرِ، ومِن حيثُ النَّوعِيّةُ بلَغُوا قُوّةَ الإجماعِ، ومِن حيثُ المَنزِلةُ فهم نُجُومُ البَشَريّةِ وهُداتُها وأَعِزّةُ القَومِ وقُرّةُ عُيُونِ الطَّوائفِ، ومِن حيثُ الأَهَمِّيّةُ فهم في هذه المَسأَلةِ "أَهلُ اختِصاصٍ وأَهلُ إثباتٍ".. ومِنَ المَعلُوم أنَّ حُكمَ اثنَينِ مِن أَهلِ الِاختِصاصِ في عِلمٍ أو صَنعةٍ يُرجَّحُ على آلافٍ مِن غَيرِهم، وفي الأَخبارِ والرِّوايةِ يُرجَّحُ قَولُ اثنَينِ مِنَ المُثبِتين على آلافٍ مِنَ النّافِين المُنكِرين، كما في إثباتِ رُؤيةِ هِلالِ رَمضانَ، حيثُ يُرجَّحُ شاهِدانِ مُثبِتانِ، بَينَما يُضرَبُ بكَلامِ آلافٍ مِنَ النَّافِينَ عُرضَ الحائطِ.
والخُلاصةُ: لا خَبَرَ أَصدَقُ مِن هذا في العالَمِ، ولا قَضيّةَ أَصوَبُ منها، ولا حَقيقةَ أَظهَرُ مِنها ولا أَوْضَحُ.
فالدُّنيا إذًا مَزرَعةٌ بلا شَكٍّ، والمَحشَرُ بَيدَرٌ، والجَنّةُ والنّارُ مَخزَنانِ.
— 243 —

الحجّة الإيمانية السَّابعة

(النَّافذة السَابعةَ عَشْرةَ منَ المكتُوب الثَّالِث والثَّلاثِين)
إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ
إذا تَأَمَّلْنا وَجْهَ الأَرضِ المَبسُوطَ أَمامَنا، نَرَى أنَّ سَخاءً مُطلَقًا يَتَجلَّى في إيجادِ الأَشياءِ: فبَينَما يَقتَضِي السَّخاءُ أن تكُونَ الأَشياءُ في فَوْضَى وعَدَمِ انتِظامٍ، إذا بِنا نُشاهِدُها في غايةِ الِانسِجامِ ومُنتَهَى الِانتِظامِ.. شاهِدْ جَمِيعَ النَّباتاتِ الَّتي تُزَيِّنُ وَجْهَ الأَرضِ، تَرَ هذه الحَقِيقةَ.
ونَرَى أَيضًا سُرعةً مُطلَقةً تَتَبيَّنُ في إيجادِ الأَشياءِ: فبَينَما تَقتَضِي السُّرعةُ أن تكُونَ الأَشياءُ مُشَوَّهةَ الصُّورةِ، مُختَلّةَ المادّةِ، ومُضطَرِبةَ المِيزانِ، ويَنقُصُها الإتقانُ، إذا بنا نُشاهِدُها في غايةِ التَّقدِيرِ والضَّبْطِ والسَّبْكِ، ومُنتَهَى الدِّقّةِ والمُوازَنةِ.. لاحِظْ جَمِيعَ الأَثمارِ الَّتي تُجَمِّلُ وَجْهَ الأَرضِ حيثُ تَبدُو هذه الحَقِيقةُ فيها على أَحسَنِ وَجْهٍ.
ونَرَى أيضًا وَفْرةً وغَزارةً مُطلَقةً في إيجادِ الأَشياءِ: فبَينَما تَقتَضِي الكَثْرةُ أن تكُونَ الأَشياءُ تافِهةً ومُبتَذَلةً بل قَبِيحةً، إذا بِنا نُشاهِدُها في إتقانٍ رائِعٍ، وصَنْعةٍ بَدِيعةٍ وجَمالٍ أخَّاذٍ.. انظُرْ وتَأَمَّلْ في جَمِيعِ الأَزهارِ الَّتي تُرَصِّعُ وَجْهَ الأَرضِ، ألا يَبدُو ذلك فيها تَمامًا!
ونَرَى أَيضًا سُهُولةً مُطلَقةً تَبدُو في إيجادِ الأَشياءِ: فبَينَما تَقتَضِي السُّهُولةُ أن تكُونَ الأَشياءُ بَسِيطةً ومُفتَقِرةً إلى الإتقانِ والمَهارةِ، إذا بِنا نُشاهِدُها في كَمالِ الإبداعِ ورَوْعةِ المَهارةِ.. شاهِدِ البُذُورَ وأَمعِنِ النَّظَرَ في النُّوَى، تلك العُلَبِ الدَّقِيقةِ الحامِلةِ في مادّةِ تَركِيبِها فَهارِسَ أَجهِزةِ الشَّجَرِ وخَرائِطَ أَجسامِ النَّباتِ.
— 244 —
ونَرَى أَيضًا بُعْدًا مُطلَقًا يَفصِلُ بينَ أَزمِنةِ وأَمكِنةِ إيجادِ الأَشياءِ: فبَينَما تَقتَضِي هذه الأَبعادُ المَهُولةُ أن تَأْتِيَ الأَشياءُ مُختَلِفةً ومُتَبايِنةً، إذا بِنا نُشاهِدُها في اتِّفاقٍ تامٍّ في الصِّفاتِ والخَواصِّ.. شاهِدْ أَنواعَ الحُبُوبِ المَزرُوعةِ في أَقطارِ الأَرضِ كافّةً رَغمَ البُعدِ الزَّمانِيِّ والمَكانِيِّ الَّذي يَفصِلُ بينَها.
ونَرَى أَيضًا اختِلاطًا مُطلَقًا وتَشابُكًا مَتِينًا في إيجادِ الأَشياءِ: فبَينَما يَقتَضِي هذا الِاختِلاطُ تَداخُلَ المَوادِّ بعضِها في البعضِ الآخَرِ وتَشابُكَها، إذا بنا نُشاهِدُها في تَمايُزٍ كامِلٍ، وتَخَصُّصٍ مُنتَظِمٍ.. شَاهِدِ البُذُورَ المَنثُورةَ المَدفُونةَ تحتَ التُّرابِ، وأَمعِنِ النَّظَرَ في تَمايُزِها في أَثناءِ نُمُوِّها وتَسَنبُلِها، رَغمَ تَشابُهِ تَراكِيبِها؛ وتَأَمَّلْ في المَوادِّ المُختَلِفةِ الدّاخِلةِ في بُنيةِ الأَشجارِ، وتَحَوُّلِها إلى مُختَلِفِ الأَشكالِ مِنَ الأَوراقِ الرَّقيقةِ، والأَزهارِ الزّاهِيةِ، والثِّمارِ اللَّطِيفةِ؛ وتَأَمَّلْ في أَنواعِ الطَّعامِ والأَغذِيةِ المُختَلِفةِ الدّاخِلةِ في المَعِدةِ، وتَمايُزِ بعضِها عنِ البعضِ، ودُخُولِ كلٍّ مِنها إلى العُضْوِ الَّذي يُناسِبُها، بل إلى الحُجَيرةِ الَّتي تُلائِمُها بتَمايُزٍ واضِحٍ.. شَاهِدْ آثارَ القُدرةِ المُطلَقةِ، مِن خِلالِ الحِكْمةِ المُطلَقةِ.
ونَرَى أَيضًا وَفْرةً مُتَناهِيةً في الأَشياءِ، وكَثْرةً كاثِرةً مِن أَنواعِها وأَشكالِها: فبَينَما تَقتَضِي هذه الوَفْرةُ أن تكُونَ الأَشياءُ رَخِيصةً بَسِيطةً، إذا بنا نُشاهِدُها في غايةِ النَّفاسةِ ومُنتَهَى الجَودةِ.. شَاهِدِ الآثارَ البَدِيعةَ المُعَدَّةَ لِمائِدةِ الأَرضِ، وأَمعِنِ النَّظَرَ في ثَمَرةٍ واحِدةٍ یی ولْتَكُنْ ثَمَرةَ التُّوتِ مَثلًا یی ألا تُمَثِّلُ هذه الثَّمَرةُ نَمُوذجًا رائِعًا لِحَلْوَى مَصنُوعةٍ بِيَدِ القُدرةِ الإلٰهِيّةِ؟ شاهِدْ كَمالَ الرَّحمةِ، مِن ثَنايا كَمالِ الإبداعِ.
وهكذا نُشاهِدُ على وَجهِ الأَرض جَمِيعِه جَودةً ونَفاسةً في المَصنُوعاتِ رَغمَ وَفْرَتِها غيرِ المُتَناهِيةِ.. ونَرَى ضِمنَ هذه الوَفْرةِ تَمَيُّزًا للمَوجُوداتِ رَغمَ اختِلاطِها وتَشابُكِها.. ونَجِدُ في هذا الِاختِلاطِ والتَّشابُكِ اتِّفاقًا وتَشابُهًا في المَوجُوداتِ رَغمَ البُعدِ فيما بَينَها.. ونُبصِرُ مِن ثَنايا هذا التَّوافُقِ جَمالًا رائِعًا في المَوجُوداتِ ورِعايةً بالِغةً بها رَغمَ السُّهُولةِ المُتَناهِيةِ في إيجادِها.. ونَلمَحُ ضِمنَ هذه الرِّعايةِ التّامّةِ تَقدِيرًا دَقِيقًا بلا إسرافٍ ومُوازَنةً حسَّاسةً رَغمَ السُّرعةِ في إيجادِها.. ونُلاحِظُ ضِمنَ هذا التَّقدِيرِ
— 245 —
والمُوازَنةِ وعَدَمِ الإسرافِ إبداعًا في الصَّنْعةِ ورَوْعةً فيها رَغمَ كَثْرَتِها المُتَناهِيةِ.. ونُشاهِدُ ضِمنَ هذه الرَّوعةِ في الصَّنعةِ انتِظامًا بَدِيعًا رَغمَ السَّخاءِ المُطلَقِ في إيجادِها..
فإذا تَأَمَّلْنا في هذه الأُمُورِ كلِّها، نَراها تَدُلُّ دَلالةً واضِحةً أَوضَحَ مِن دَلالةِ النَّهارِ على الضِّياءِ، وأَسطَعَ مِن دَلالةِ الضِّياءِ على الشَّمسِ؛ على وُجُوبِ وُجُودِ قَدِيرٍ ذِي جَلالٍ، وحَكِيمٍ ذِي كَمالٍ، ورَحِيمٍ ذِي جَمالٍ، وتَشهَدُ على وَحدانيَّتِه وأَحَدِيَّتِه وكَمالِ قُدرَتِه وجَمالِ رُبُوبيَّتِه، وتُبيِّنُ بجَلاءٍ سِرًّا مِن أَسرارِ الآيةِ الكَرِيمةِ: لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى
وبعدُ، فيا أيُّها الغافِلُ العَنِيدُ، ويا أيُّها الجاهِلُ المِسكِينُ.. بماذا تُفَسِّرُ هذه الحَقِيقةَ العُظمَى الَّتي تَراها رَأْيَ العَينِ؟ وبماذا تُوضِّحُ هذه الأَوضاعَ الخارِقةَ المَعرُوضةَ أَمامَك؟ وإلى مَن تُسنِدُ أَمرَ هذه المَصنُوعاتِ البَدِيعةِ العَجِيبةِ؟ وبأَيِّ سِتارٍ مِن سَتائِرِ الغَفلةِ يُمكِنُك أن تَستُرَ هذه النّافِذةَ الواسِعةَ سَعةَ الأَرضِ نَفسِها؟!
أين المُصادَفةُ الَّتي تَعتَقِدُ بها والطَّبِيعةُ الَّتي تَعتَمِدُ علَيها وهي بلا شُعُورٍ؟ بل أينَ أَوهامُ الضَّلالةِ الَّتي تَستَنِدُ إلَيها، وتُلازِمُها وتُرافِقُها وتُصادِقُها؟! أين جَمِيعُها أمامَ هذه الحَقائقِ المُحَيِّرةِ والأَحوالِ البَدِيعةِ المُذهِلةِ؟ أليس مُحالًا في مِئةِ مُحالٍ أن تَدخُلَ المُصادَفةُ في أمثالِ هذه الأُمُورِ؟ أوَلَيس مُحالًا في أَلفِ مُحالٍ أن يُسنَدَ واحِدٌ مِن هذه الأُمُورِ إلى الطَّبِيعةِ، ناهِيك عن جَمِيعِها؟! أم أنَّك تَعتَقِدُ في الطَّبِيعةِ الجامِدةِ العاجِزةِ إمكانَ امتِلاكِها لَمَكائِنَ مَعنَوِيّةٍ في كلِّ شَيءٍ؟ وبعَدَدِ الأَشياءِ كُلِّها؟ فيا لَلضَّلالةِ!
— 246 —

الحجّة الإيمانية الثامنة

(المناجاة)
إنَّ هذه الحُجّةَ الإِيمانيّةَ الثّامِنةَ؛ إذ تَشهَدُ على وُجُوبِ وُجُودِهِ سُبحانَه وعلى وَحْدانيَّتِه، فهِي تَشهَدُ على إِحاطةِ رُبُوبِيَّتِه، وعَظَمةِ قُدْرَتِه بِدَلائلَ قاطِعةٍ، وتُثبِتُ أَيضًا إِحاطةَ حاكِمِيَّتِه، وتَدُلُّ على شُمُولِ رَحْمَتِه، كما تُثبِتُ إِحاطةَ حِكْمَتِه، وشُمُولَ عِلمِه جَمِيعَ أَجزاءِ الكَونِ.
والخُلاصةُ: أَنَّ لِكُلِّ مُقدِّمةٍ مِن هذه الحُجَّةِ الإِيمانيّةِ الثّامِنةِ ثمَانِيَ نَتائِجَ، وهِي تُثبِتُ في كُلِّ مُقدِّمةٍ مِنَ المُقدِّماتِ الثَّمانِيةِ، النَّتائِجَ الثَّمانِيةَ بِدَلائِلِها؛ لِذا أَصبَحَت لِهَذِه الحُجّةِ الإِيمانيّةِ الثّامِنةِ مَزايا راقِيةٌ وخَصائِصُ سامِيةٌ.
إنَّ رِسالةَ "المُناجاةِ" تُثبِتُ وُجُوبَ الوُجُودِ، والوَحْدةَ والأَحَدِيّةَ، وجَلالَ الرُّبُوبِيّةِ، وعَظَمةِ القُدْرةِ، وسَعَةَ الرَّحمةِ، وعُمُومِيَّةَ الحاكِمِيَّةِ، وإِحاطةَ العِلمِ، وشُمُولَ الحِكْمةِ.. وأَمثالَها مِنَ الأُسُسِ الإِيمانيّةِ، تُثبِتُها بأُسلُوبٍ مُوجَزٍ خارِقٍ وبِقَطْعِيَّةٍ فَوقَ العادةِ وبخالِصِيّةٍ ويَقِينيّةٍ.. وإِنَّ إِشاراتِها إلى الحَشرِ قَوِيَّةٌ جِدًّا وبِخاصَّةٍ الَّتي في خِتامِها".
سَعِيدٌ النُّورْسِيُّ
— 247 —
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
يا إِلٰهِي ويا رَبِّي..
إِنِّي أَرَى بِبَصِيرةِ الإِيمانِ، وبِتَعلِيمِ القُرآنِ ونُورِه، وبِدَرسِ الرَّسُولِ الأَكرَمِ (ص)، وبِما يُرِيه اسمُ اللهِ «الحَكِيمُ» أنَّه:
لَيسَ في السَّماواتِ مِن دَوَرانٍ وحَرَكةٍ إِلّا ويُشِيرُ إلى وُجُودِك ويَدُلُّ علَيْه، بِانتِظامِه البَدِيعِ هذا.. وما مِن جِرْمٍ مِنَ الأَجرامِ السَّماوِيّةِ إِلّا ويَشهَدُ شَهادةً على رُبُوبِيَّتِكَ ويُشِيرُ إِشارةً إلى وَحْدَتِكَ، بِسُكُونِها في أَداءِ وَظِيفَتِها بِلا ضَوْضاءٍ، وبِبَقائِها بِلا عَمَدٍ.. وما مِن نَجْمٍ إِلّا ويَشهَدُ على عَظَمةِ أُلُوهِيَّتِكَ، ويُشِيرُ إلى وَحْدانِيَّتِكَ، بخِلقَتِه المَوزُونةِ وبِوَضْعِه المُنتَظِمِ وبِتَبَسُّمِه النُّورانِيِّ، وبِمُمَاثَلَتِه ومُشابَهَتِه لِلنُّجُومِ كافّةً.. وما مِن كَوكَبٍ سَيَّارٍ مِنَ الكَواكِبِ الِاثْنَيْ عَشَرَ إِلّا ويَشهَدُ على وُجُوبِ وُجُودِك، ويُشِيرُ إِلى سَلْطَنةِ أُلُوهِيَّتِك، بِحَرَكَتِه الحَكِيمةِ وتَذَلُّلِه المُطِيعِ ووَظِيفَتِه المُنتَظِمةِ وتَوابِعِه المُهِمّةِ.
نعم، مِثْلَما تَشهَدُ السَّماواتُ مع ساكِنِيها، وكُلُّ سَماءٍ بِحَدِّ ذاتِها، فإِنَّ جَمِيعَها مَعًا تَشهَدُ بالبَداهةِ شَهادةً ظاهِرةً جَلِيَّةً على وُجُوبِ وُجُودِك يا خالِقَ السَّماواتِ والأَرضِ، وتَشهَدُ شَهادةً قَوِيّةً صادِقةً على وَحْدَتِك وفَردِيَّتِك، يا مَن تُدِيرُ الذَّرّاتِ بمُرَكَّباتِها المُنَظَّمةِ وتُدَبِّرُها، ويا مَن تُجرِي الكَواكِبَ السَّيّارةَ معَ تَوابِعِها المُنَظَّمةِ وتُسَخِّرُها لِطاعَتِك.. شَهادةً ظاهِرةً قَوِيّةً تُصَدِّقُها بَراهِينُ نُورانِيَّةٌ، ودَلائِلُ باهِرةٌ، عَدَدَ النُّجُومِ الَّتي في وَجهِ السَّماءِ.
— 248 —
فهَذِه السَّماواتُ الصَّافِيةُ الطّاهِرةُ الجَمِيلةُ تَدُلُّ دَلالةً ظاهِرةً على هَيْبةِ رُبُوبِيَّتِك وعَظَمةِ قُدرَتِك المُبدِعةِ؛ وتُشِيرُ إِشارةً قَوِيّةً إلى سَعةِ حاكِمِيَّتِك المُحِيطةِ بالسَّماواتِ الشَّاسِعةِ، وإلى رَحْمَتِك الواسِعةِ المُحتَضِنةِ لِكُلِّ ذِي حَياةٍ؛ وتَشهَدُ بلا رَيبٍ على شُمُولِ حِكْمَتِك لِكُلِّ فِعلٍ وعلى إِحاطةِ عِلْمِك بكُلِّ شَيءٍ، المُنَظِّمانِ في قَبضَتِهِما جَمِيعَ شُؤُونِ جَمِيعِ المَخلُوقاتِ السَّماوِيّةِ وكَيفِيّاتِها، بِأَجْرامِها الَّتي هي في غايةِ الضَّخامةِ وفي غايةِ السُّرعةِ، وبِإِظهارِها أَوْضاعَ جَيشٍ مُنَظَّمٍ ومِهرَجانٍ مَهِيبٍ مُزَيَّنٍ بِمَصابِيحَ وَضَّاءةٍ.. فتِلكُما الشَّهادةُ والدَّلالةُ ظاهِرَتانِ جَلِيَّتانِ كأَنَّ النُّجُومَ كَلِماتُ شَهادةٍ لِلسَّماواتِ الشّاهِدةِ ودَلائِلُها المُتَجَسِّمةُ النُّورانِيّةُ.. أمّا النُّجُومُ السّابِحةُ في بَحرِ السَّماواتِ وفي فَضائِها، فإِنَّها تُظهِرُ شَعْشَعةَ سُلطانِ أُلُوهِيَّتِك، بِأَوْضاعِها المُماثِلةِ لِجُنُودٍ مُنْصاعِينَ وسُفُنٍ مُنتَظِمةٍ وطائِراتٍ خارِقةٍ ومَصابِيحَ عَجِيبةٍ، ورَفِيقاتُ شَمْسِنا الَّتي هِي نَجْمةٌ مِن ذلك الجَيشِ تَرنُو إلى عَوالِمِ الآخِرةِ، ولَيسَت مُعَطَّلةً، بِدَلالةِ وَظائِفِ الشَّمسِ في سَيّاراتِها وفي أَرضِنا، ولَرُبَّما هِي شُمُوسُ عَوالِمَ باقِيةٍ.
يا واجِبَ الوُجُودِ، يا واحِدُ، يا أَحَدُ..

إِنَّ هذه النُّجُومَ الخارِقةَ وهذه الشُّمُوسَ الضَّخْمةَ والأَقمارَ العَجِيبةَ قد سُخِّرَت ونُظِّمَت ووُظِّفَت في مُلكِكَ أَنتَ، وفي سَماواتِكَ أَنتَ، بِأَمرِكَ أَنتَ، وبِقُوَّتِكَ وبِقُدرَتِكَ أَنتَ، وبِإِدارَتِكَ وتَدبِيرِكَ أَنتَ.. فجَمِيعُ تلك الأَجرامِ العُلوِيّةِ تُسَبِّحُ وتُكَبِّرُ لِلخالِقِ الواحِدِ الَّذِي خَلَقَها ويُجرِيها ويُدِيرُها، وتَقُولُ بِلِسانِ الحالِ: سُبْحَانَ اللهِ.. اللهُ أَكبَرُ. وأَنا مَعَها أُقَدِّسُك بِجَمِيعِ تَسبِيحاتِ68x

يا من اختفى بشدَّة الظُهور! يا من احتجبَ بعَظمة الكِبرياء! يا قديرُ يا ذا الجلال!
يا قادرُ يا ذا القُدرةِ المُطلَقةِ!
لَقَد أَدرَكتُ بِدَرسِ قُرآنِك الحَكِيمِ وبِتَعلِيمِ الرَّسُولِ الأَكرَمِ (ص) أنَّه: مِثلَما تَشْهَدُ السَّماواتُ والنُّجُومُ على وُجُودِك وعلى وَحْدَتِك، يَشهَدُ جَوُّ السَّماءِ كَذلِك على وُجُوبِ وُجُودِك ووَحْدَتِك بِسَحابِه وبُرُوقِه ورُعُودِه ورِياحِه وأَمطارِه.
— 249 —
نعم، إِنَّ إِرسالَ السَّحابِ الجامِدِ بِلا شُعُورٍ المَطَرَ الباعِثَ لِلحَياةِ، إِغاثةً لِلمُضطَرِّينَ مِنَ الأَحياءِ، لَيسَ إلّا بِرَحمَتِك وحِكْمَتِك أَنتَ، فلا دَخْلَ فيه لِلمُصادَفةِ العَشْواءِ قَطُّ.
وكَذا البَرقُ الَّذي هو طاقةٌ كَهرَبائِيّةٌ عُظمَى، يُشَوِّقُ بِسَناه إلى فَوائِدِه النُّورانِيّةِ، ويُنَوِّرُ قُدرَتَك الفاعِلةَ في الفَضَاءِ على أَفضَلِ وَجْهٍ.
وكَذا الرَّعدُ المُبَشِّرُ بِقُدُومِ المَطَرِ، والَّذِي يُنطِقُ الفَضَاءَ الواسِعَ بِتَسبِيحاتِه، فيُدَوِّي في أَرجاءِ السَّماواتِ، يُسَبِّحُك ويُقَدِّسُك ويَشهَدُ بِلِسانِ المَقالِ على رُبُوبِيَّتِك.
وكَذا الرِّياحُ المُسَخَّرةُ بِوَظائِفَ عِدّةٍ كحَمْلِ أَكثَرِ الأَرزاقِ ضَرُورةً لِمَعِيشةِ الأَحياءِ وأَسهَلِها تَناوُلًا وفائِدةً، ومَنحِ الأَنفاسِ وتَروِيحِ الأَنفُسِ، وغَيرُها كَثِيرٌ یی تُشِيرُ إلى فَعَّاليّةِ قُدرَتِك أَنتَ، وتَشهَدُ شَهادةً على وُجُودِك، بِتَبدِيلِها الجَوَّ یی لِحِكمةٍ یی كأَنَّه "لَوحُ المَحْوِ والإِثباتِ"، فتَكتُبُ ما يُفِيدُ وتَمحُو ما أَفادَ.. كما أنَّ "الرَّحمةَ" المُسَتَدَرَّةَ بِرَحمَتِك مِنَ السَّحابِ والمُرسَلةَ إِلى الأَحياءِ تَشهَدُ هي أَيضًا على سَعَةِ رَحمَتِك، ووُسْعةِ رَأْفَتِك، بِكَلِماتِ قَطَراتِها العَذْبةِ اللَّطِيفةِ المَوزُونةِ المُنتَظِمةِ.
يا مُصَرِّفُ يا فَعَّالُ.. يا فَيَّاضُ يا مُتعَالُ..
مِثلَما شَهِد السَّحَابُ والبَرقُ والرَّعدُ والرِّياحُ والمَطَرُ یی كُلٌّ على حِدَةٍ یی على وُجُوبِ وُجُودِك، فإِنَّ جَمِيعَها مَعًا تُشِيرُ إِشارةً قَوِيَّةً جِدًّا إلى وَحْدَتِك، وإِلى فَرْدِيَّتِكَ؛ بِخَاصِّيّةِ الِاتِّفاقِ والمَعِيَّةِ والتَّداخُلِ وشَدِّ بَعضِها أَزْرَ البَعضِ، رَغْمَ البُعدِ في النَّوعِيَّةِ والِاختِلافِ في الماهِيَّةِ.
ومِثلَما تَشهَدُ تلك العَناصِرُ الجَوِّيّةُ على جَلالِ رُبُوبِيَّتِك الجاعِلةِ مِنَ الفَضاءِ الفَسِيحِ مَحْشَرًا لِلعَجائِبِ، بِمَلْئِه وإِفراغِه مَرَّاتٍ عِدَّةً ورُبَّما في اليَومِ الواحِدِ، فإِنَّها تَشهَدُ على عَظَمةِ قُدرَتِك المُصَرِّفةِ وشُمُولِها كُلَّ شَيءٍ، والَّتي تَكتُبُ ذلك الجَوَّ الواسِعُ وتُبَدِّلُه كأنَّهُ "لَوْحةُ كِتابةٍ"، وتَعصِرُ المُعصَراتِ لِتَسْقِيَ رَوْضةَ الأَرضِ ماءً غَدَقًا.. فَضْلًا عن دَلالَتِها على السَّعةِ المُطلَقةِ لِرَحْمَتِك ولِحاكِمِيَّتِكَ ونُفُوذِهِما في كُلِّ شَيءٍ، وتَدوِيرِهِما كُرةَ الأَرضِ كافّةً والمَخلُوقاتِ كافّةً تَحتَ غِطاءِ الجَوِّ.
— 250 —
وكَذا الهَواءُ المُنبَثُّ في الفَضاءِ يُستَخدَمُ في وَظائِفَ عِدّةٍ استِخْدامًا حَكِيمًا، والغُيُومُ والأَمطارُ تُستَعمَلانِ في فَوائِدَ جَمّةٍ استِعمالًا عَلِيمًا.. بِحَيثُ لَوْلا عِلمٌ مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيءٍ وحِكْمةٌ شامِلةٌ كُلَّ شَيءٍ، لَمَا أَمكَنَ أن يَكُونَ ذلك الِاستِعمالُ ولا ذلك الِاستِخدامُ.
يا فَعَّالًا لِمَا يُرِيدُ..
إِنَّ إِظهارَ نَمُوذَجِ الحَشرِ والقِيامةِ كُلَّ وَقتٍ بِفَعَّالِيَّتِكَ في جَوِّ الفَضاءِ، وتَبدِيلَ الصَّيفِ إِلى شِتاءٍ والشِّتاءِ إلى صَيفٍ خِلالَ سَاعةٍ، وإِتيانَ عالَمٍ وإِرسالَ آخَرَ إِلى الغَيبِ وأَمثالَها مِن شُؤُونِ قُدْرَتِك المُتَجَلِّيةِ.. تُشِيرُ إِلى تَبدِيلِها الدُّنيا إلى آخِرةٍ، وستُظهِرُ شُؤُونًا سَرمَدِيَّةً في الآخِرةِ.
يا قَدِيرُ يا ذا الجَلالِ..
إِنَّ الهَواءَ والرِّياحَ والسَّحابَ والمَطَرَ والبَرْقَ والرَّعدَ في جَوِّ السَّماءِ لَمُسَخَّرةٌ كُلُّها ومُوَظَّفةٌ في مُلكِكَ أَنتَ، وبِأَمْرِك وحَوْلَك أَنتَ، وبِقُوَّتِكَ وقُدْرَتِك أَنتَ.. فمَخلُوقاتُ هذا الفَضاءِ رَغمَ البُعدِ في ماهِيَّاتِها تُسَبِّحُ بِحَمْدِ آمِرِها وتُثْنِي على حاكِمِها الَّذِي يُخضِعُها لِأَوامِرَ آنِيَّةٍ في مُنتَهَى السُّرعةِ، ولِتَوجِيهاتٍ عاجِلةٍ سَرِيعةٍ.
يا خالِقَ الأَرضِ والسَّماواتِ.. يا ذا الجَلالِ..
لَقَد آمَنتُ وعَلِمتُ بِتَعلِيمِ قُرآنِك الحَكِيمِ وبِدَرسِ الرَّسُولِ الأَكرَمِ (ص) أنَّه: مِثلَما السَّماواتُ بِنُجُومِها، وجَوُّ الفَضاءِ بِما فيه، تَشهَدُ على وُجُوبِ وُجُودِك ووَحْدانِيَّتِك.. كَذلِك الأَرضُ بِجَمِيعِ مَخلُوقاتِها، وبِأَحوالِها، تَشهَدُ شَهاداتٍ وتُشِيرُ إِشاراتٍ، عَدَدَ مَوجُوداتِها، على وُجُودِك وعلى وَحْدَتِك.
نعم، فما مِن تَحَوُّلٍ في الأَرضِ، ولا مِن تَبَدُّلٍ فيها یی كتَبدِيلِ الأَشجارِ والحَيَواناتِ مَلابِسَها سَنَوِيًّا یی كُلِّيًّا كانَ أم جُزئِيًّا، إِلّا ويُشِيرُ بِانتِظامِه وتَناسُقِه، إِلى وُجُودِك ووَحْدَتِكَ.
— 251 —
وما مِن حَيَوانٍ إِلّا ويَشهَدُ شَهادةً على وُجُودِكَ ووَحْدَتِك، بِالرِّزقِ الَّذِي يُساقُ إِلَيْه بِرَحْمةٍ، وبِأَجهِزَتِه الضَّرُورِيّةِ لِحَياتِه والمُودَعةِ فيه بِحِكْمةٍ، كُلٌّ حَسَبَ ضَعْفِه واحتِياجِهِ.
وما مِن نَباتٍ أو حَيَوانٍ يَتِمُّ إِيجادُه أَمامَ ناظِرَيْنا في كُلِّ رَبِيعٍ، إِلّا ويُعَرِّفُك، بِصَنْعَتِه العَجِيبةِ وبِزِينَتِه اللَّطِيفةِ وبتَمَيُّزِه التّامِّ وبِانتِظامِه وبِمَوزُونيَّتِه.. فخَلقُ ما يَمْلَأُ وَجْهَ الأَرضِ مِن مُعجِزاتِ قُدرَتِك المُسَمّاةِ بِالنَّباتاتِ والحَيَواناتِ، مِن بُيُوضٍ وبُوَيْضاتٍ وقَطَراتٍ ونُطَفٍ وحُبُوبٍ وحُبَيْباتٍ، رَغمَ أنَّ مادَّتَها مَحدُودةٌ وواحِدةٌ ومُتَشابِهةٌ، خَلْقًا كامِلًا سَوِيًّا ومُزَيَّنًا بِزِينةٍ، ومُتَمَيِّزًا بعَلَاماتٍ فارِقةٍ.. شَهادةٌ أَقوَى مِن شَهادةِ الضِّياءِ على الشَّمسِ وأَسطَعُ مِنها على وُجُودِ صانِعِها الحَكِيمِ، وعلى وَحْدَتِه وحِكْمَتِه وقُدْرَتِه المُطلَقةِ.
وما مِن عُنصُرٍ كالهَواءِ والماءِ والنُّورِ والنّارِ والتُّرابِ إِلّا ويَمْلِكُ شَهادةً على وَحْدَتِكَ وعلى وُجُودِك، بِأَدائِها لِوَظائِفَ مُكَمَّلةٍ بِشُعُورٍ بالِغٍ، رَغمَ خُلُوِّها مِنَ الشُّعُورِ، وبِجَلْبِها لِأَثْمارٍ ومَحاصِيلَ مُتَنوِّعةٍ في غايةِ الِانتِظامِ مِن خَزِينةِ الغَيبِ، رَغمَ بَساطَتِها وتَجاوُزِ بَعضِها لِلبَعضِ الآخَرِ وعَدَمِ انتِظامِها وتَشَتُّتِها في كُلِّ مَكانٍ.
يا فاطِرُ يا قَدِيرُ يا فَتَّاحُ يا عَلَّامُ يا فَعَّالُ يا خَلَّاقُ..
كما أَنَّ الأَرضَ تَشهَدُ بِجَمِيعِ ساكِنِيها على كَونِ خالِقِها واجِبًا لِلوُجُودِ، فهِي تَشهَدُ كَذلِك على وَحْدَتِك وعلى أَحَدِيَّتِك یی يا واحِدُ يا أَحَدُ يا حَنَّانُ يا مَنَّانُ يا وَهَّابُ يا رَزَّاقُ یی بِسِكَّتِها الَّتي على وَجْهِها، وبِالسِّكَكِ الَّتي على وُجُوهِ ساكِنِيها، وبِجِهةِ الوَحْدةِ والِاتِّفاقِ والتَّداخُلِ والتَّعاوُنِ فيما بَينَها، ووَحْدةِ أَسماءِ الرُّبُوبيّةِ وأَفعالِها النّاظِرةِ إِلَيْها جَمِيعًا.. فتَشهَدُ شَهاداتٍ یی بِدَرَجةِ البَداهةِ بل بعَدَدِ المَوجُوداتِ یی على وَحْدَتِك وعلى أَحَدِيَّتِك.
وكَذا فكَما تَدُلُّ الأَرضُ بِوَضْعِها المُشابِهِ لِمُعَسكَرٍ ومَعرِضٍ ومَيدانِ تَدرِيبٍ، وبِمَنحِ أَجهِزةٍ مُختَلِفةٍ مُتَنوِّعةٍ بِانتِظامٍ إلى أَربَعِ مِئةِ أَلفٍ مِنَ الأُمَمِ المُختَلِفةِ الَّتي
— 252 —
تَضُمُّها فِرقةُ النَّباتاتِ والحَيَواناتِ، على جَلالِ رُبُوبِيَّتِك، وعلى نَفاذِ قُدْرَتِك في كُلِّ شَيءٍ.. كَذلِك الأَرزاقُ المُتَنوِّعةُ لِأَحياءٍ غَيرِ مَحْدُودةٍ، والنَّاشِئةُ مِن تُرابٍ يابِسٍ بَسِيطٍ، وإِرسالُها بِكُلِّ كَرَمٍ ورَحْمةٍ إلى كُلِّ حَيٍّ فَرْدًا فَرْدًا في أَوانِها، وانقِيادُ تلك الأَفرادِ غَيرِ المَحدُودةِ وإِطاعَتُها إِطاعةً تامّةً لِلأَوامِرِ الرَّبّانيّةِ ودَينُونَتُها التّامّةُ لَها، تُظهِرُ شُمُولَ رَحْمَتِك كُلَّ شَيءٍ وإِحاطةَ حَاكِمِيَّتِك بِكُلِّ شَيءٍ.
وكذا فإِنَّ إِدارةَ قَوافِلِ المَخلُوقاتِ المُعَرَّضةِ دَوْمًا لِلتَّغَيُّرِ والتَّبدُّلِ في الأَرضِ، وسَوْقَها ومُناوَبَتَها بِالمَوتِ والحَياةِ.. وإِدارةَ وتَدبِيرَ الحَيَواناتِ والنَّباتاتِ الَّتي لا يُمكِنُ أن تَتِمَّ إِلّا بِعِلمٍ يَتَعَلَّقُ بِكُلِّ شَيءٍ، وبحِكْمةٍ غَيرِ مُتَناهِيةٍ تَتَحَكَّمُ في كُلِّ شَيءٍ.. تَدُلُّ على إِحاطةِ عِلمِك وحِكْمَتِك.
وكذا فإِنَّ هذه الأَهَمِّيّةَ العُظمَى، وهذا البَذْلَ والصَّرفَ غَيرَ المَحدُودِ، وهذه التَّجَلِّياتِ الرَّبّانيّةَ المُطلَقةَ، وهذه الخِطاباتِ السُّبحانيّةَ غَيرَ المَحدُودةِ، وهذه الإِحساناتِ الإِلٰهِيّةَ غَيرَ المُتَناهِيةِ لِهذا الإِنسانِ الَّذي يَتَصرَّفُ في مَوجُوداتِ الأَرضِ وهُو المُكَلَّفُ بِوَظائِفَ غَيرِ مَحدُودةٍ في مُدّةٍ قَصِيرةٍ والمُزَوَّدُ باستِعداداتٍ وأَجهِزةٍ مَعنَوِيّةٍ تُهَيِّئُه لِمَعِيشةٍ مَدِيدةٍ في زَمَنٍ غَيرِ مَحدُودٍ.. لا مَحالةَ أنَّها لا تَنحَصِرُ في مَدرَسةِ الدُّنيا هذه، وفي ثُكْنةِ الأَرضِ المُؤَقَّتةِ هذه، وفي مَعرِضِ العالَمِ المُؤَقَّتِ هذا، ولا تَنحَصِرُ في هذا العُمُرِ القَصِيرِ الحَزِينِ المُكَدَّرِ، ولا في هذه الحَياةِ العَكِرةِ المُنَغِّصةِ، ولا في هذا العالَمِ الفَانِي المَلِيءِ بالبَلايا والنَّوائِبِ. بل كُلُّ ذلك يُشِيرُ بِلا شَكٍّ إلى عُمُرٍ آخَرَ أَبدِيٍّ وسَعادةٍ باقِيةٍ خالِدةٍ، ويُشِيرُ إِلى إِحساناتٍ أُخرَوِيّةٍ في عالَمِ البَقاءِ، بل يَشهَدُ علَيْها.
فيا خالِقَ كُلِّ شَيءٍ..
إِنَّ جَمِيعَ مَخلُوقاتِ الأَرضِ تُدارُ مُسَخَّرةً في مُلكِكَ أَنتَ، وفي أَرضِك أَنتَ، وبِحَوْلِك وقُوَّتِك أَنتَ، وبِقُدْرَتِك وإِرادَتِك أَنتَ، وبِعِلمِك وحِكْمَتِك أَنتَ.
— 253 —
وإِنَّ رُبُوبِيّةً تُشاهَدُ فَعّالِيَّتُها على وَجْهِ الأَرضِ لَتُبدِي إِحاطةً وشُمُولًا، لِأنَّ إِدارَتَها وتَدبِيرَها وتَربِيَتَها هِي مِنَ الحَساسِيّةِ في غايةِ الكَمالِ.. وإِنَّ إِجراءاتِها المُنتَشِرةَ في كُلِّ جِهةٍ هِي في وَحْدةٍ ومَعِيّةٍ ومُشابَهةٍ.. بِحَيثُ تُعلَمُ أنَّها رُبُوبِيّةٌ كُلِّيّةٌ وتَصَرُّفٌ كُلِّيٌّ لا تَقبَلُ تَجزِئةً قَطُّ؛ وهِيَ في حُكمٍ كُلِّيٍّ لا يُمكِنُ انقِسامُه قَطُّ، فتُسَبِّحُ الأَرضُ بِجَمِيعِ ساكِنِيها وتُقَدِّسُ خالِقَها بِأَلسِنةٍ غَيرِ مَحدُودةٍ فَصِيحةٍ أَبْيَنَ مِن لِسانِ المَقالِ، فتَحْمَدُ رَزَّاقَها الجَلِيلَ وتُثنِي عَلَيْه بِأَلسِنةِ أَحوالٍ بِعَدَدِ نِعَمِه الَّتي لا تُعَدُّ ولا تُحصَى.
سُبحانَك يا مَنِ اختَفَى بِشِدّةِ الظُّهُورِ.. سُبحانَكَ يا مَنِ احتَجَبَ بِعَظَمةِ الكِبْرِياءِ..
إِنِّي أُقدِّسُكَ وأُسَبِّحُكَ بِجَمِيعِ تَقدِيساتِ الأَرضِ وتَسبِيحاتِها مِنَ القُصُورِ والعَجْزِ والشَّرِيكِ، وإِنِّي أَحمَدُك وأُثْنِي علَيْك بِجَمِيعِ تَحْمِيداتِ الأَرضِ وأَثْنِيَتِها علَيْك.
يا رَبَّ البَرِّ والبَحرِ..
لَقَد تَعَلَّمتُ بِدَرسِ القُرآنِ وبِتَعلِيمِ الرَّسُولِ الأَكرَمِ (ص) أنَّه: مِثلَما السَّماواتُ والفَضاءُ والأَرضُ تَشهَدُ على وَحْدانيَّتِك وعلى وُجُودِك، فالبِحارُ والأَنهارُ والجَداوِلُ والعُيُونُ أَيضًا تَشهَدُ شَهادةً یی بِدَرَجةِ البَداهةِ یی على وُجُوبِ وُجُودِك وعلى وَحْدَتِك.
نعم، فما مِن مَوجُودٍ بل ما مِن قَطْرةِ ماءٍ في بِحارِ دُنيانا هذه وهِي مَنبَعُ العَجائِبِ یی كأَنَّها مَراجِلُ بُخارٍ یی إِلّا تُعَرِّفُ خالِقَها: بِوُجُودِها وبِانتِظامِها وبِمَنافِعِها وبِحالِها.
وما مِن مَخلُوقٍ مِنَ المَخلُوقاتِ الغَرِيبةِ الَّتي تُرسَلُ إِلَيْها أَرزاقُها إِرسالًا كامِلًا في رَملٍ بَسِيطٍ وماءٍ بَسِيطٍ، ولا حَيَوانٍ مِنَ الحَيَواناتِ البَحرِيّةِ الَّتي هي في غايةِ كَمالِ الخِلْقةِ وبِخاصّةٍ الأَسماكُ الَّتي تُجَمِّلُ البِحارَ بما تَقذِفُ إِحداها مِليُونًا مِنَ البُوَيضاتِ.. إِلّا ويُشِيرُ إِلى خالِقِه، ويَشهَدُ على رَزَّاقِه: بِخِلقَتِه وبِوَظائِفِه وبِإِدارَتِه وبإِعاشَتِه وبِتَدبِيرِ أُمُورِه وبِتَربِيَتِه.
— 254 —
وكذا لَيسَ في البَحرِ مِن جَوْهَرةٍ مِن تِلك الجَواهِرِ القَيِّمةِ واللَّآلِئِ المُزَيَّنةِ الثَّمِينةِ ذاتِ الخَواصِّ النَّفِيسةِ لا تَعرِفُك ولا تُعَرِّفُك: بِخِلقَتِها الجَمِيلةِ وبِفِطْرَتِها الجَذّابةِ وبِخاصِّيَّتِها النّافِعةِ.
نعم، فكَما تَشهَدُ كلُّ جَوهَرةٍ فَرْدةٍ، فإِنَّ تلك الجَواهِرَ بِمَجمُوعِها مَعًا تَشهَدُ بِوَحدَتِك كَذلِك، بِما فِيها مِنَ الِاتِّفاقِ والتَّداخُلِ والِاختِلاطِ ووَحْدةِ سِكّةِ الخِلْقةِ وغايةِ السُّهُولةِ في الإِيجادِ وغايةِ الكَثرةِ في الأَفرادِ.
وإِنَّ جَعْلَ البِحارِ المُحِيطةِ بِالأَرضِ مُعَلَّقةً في السَّماءِ معَ بَرِّها الشَّاسِعِ، وهِي سابِحةٌ حَولَ الشَّمسِ دُونَ أَن تَنسَكِبَ انسِكابًا، ودُونَ أن تَتَشتَّتَ فائِضةً، ودُونَ أن تَستَولِيَ على اليابِسةِ.. وخَلْقَ حَيَواناتِها المُتَنوِّعةِ وجَواهِرِها المُنتَظِمةِ مِن رَملِها البَسِيطِ ومائِها البَسِيطِ.. وإِدارةَ أَرزاقِ تلك المَخلُوقاتِ وسائِرِ أُمُورِها إِدارةً كُلِّيّةً تامّةً.. والقِيامَ بِتَدبِيرِها وتَطهِيرِ سَطْحِها مِن جَنائِزَ غَيرِ مَحدُودةٍ لا بُدَّ مِنها.. تَشهَدُ بإِشاراتٍ بِعَدَدِ مَوجُوداتِها على أنَّك مَوجُودٌ وواجِبُ الوُجُودِ.
وكما أنَّها تَدُلُّ دَلالةً ظاهِرةً جَلِيّةً على جَلالِ سَلْطَنةِ رُبُوبِيَّتِك، وعلى عَظَمةِ قُدرَتِك المُحِيطةِ بكُلِّ شَيءٍ، فهِي تَدُلُّ كَذلِك على السَّعةِ المُطلَقةِ لِرَحمَتِك ولِحاكِمِيَّتِك اللَّتَينِ تُهَيمِنانِ على كُلِّ شَيءٍ، وتُسعِفانِ كُلَّ شَيءٍ، ابتِداءً مِنَ النُّجُومِ الضَّخْمةِ والمُنتَظِمةِ في أَعالي السَّماواتِ إلى الأَسماكِ الصَّغِيرةِ المُنتَظَمةِ الإِعاشةِ في أَعماقِ البِحارِ، وتُشِيرُ إلى عِلمِك المُحِيطِ بِكُلِّ شَيءٍ وإلى حِكْمَتِك الشَّامِلةِ لِكُلِّ شَيءٍ؛ بِانتِظامِها وبِفَوائِدِها وبحِكَمِها وبِمِيزانِها وبِمَوزُونيَّتِها.
وإِنَّ إِيجادَ حِياضِ رَحْمةٍ كَهذِه لِلإِنسانِ القَادِمِ ضَيفًا إلى مَضِيفِ الدُّنيا هذه، وتَسخِيرَها لِسَيرِه وسِياحَتِه ولِسَفِينَتِه ولِمَنافِعِه، يُشِيرُ إلى أنَّ الَّذِي يُكرِمُ ضُيُوفَه في لَيْلةٍ واحِدةٍ، في دارِ استِراحةٍ شَيَّدَها لَهُم على طَرِيقِ سَفَرِهِم، بِهذا الكَرَمِ العَظِيمِ مِن هَدايا البِحارِ وعَطاياها، لا بُدَّ أنَّه قد أَحضَرَ في مَقَرِّ سَلطَنَتِه الأَبدِيّةِ بِحارَ رَحْمةٍ أَبدِيّةً واسِعةً بِحَيثُ إِنَّ المَشهُودةَ مِنها هنا لَيسَت إِلّا نَماذِجَ فانِيةً وصَغِيرةً أَمامَ تلك الأَبدِيّةِ.
— 255 —
وهَكَذا فإِنَّ وُجُودَ البِحارِ بِهذا الطِّرازِ الخارِقِ وبِوَضعِها العَجِيبِ في أَطرافِ الأَرضِ وإِدارةَ مَخلُوقاتِها والقِيامَ بِتَربِيَتِها في غايةِ الِانتِظامِ، يُظهِرُ یی بَداهةً یی أنَّ جَمِيعَها مُسَخَّرةٌ في مُلكِك أَنتَ، وبِأَمرِك وبِقُوَّتِك وبِقُدرَتِك وبإِدارَتِك وبتَدبِيرِك وَحْدَك، فهِي تُقدِّسُ خالِقَها بأَلسِنةِ حالِها هاتِفةً: اللهُ أَكبَرُ!
يا قَادِرُ يا ذا الجَلالِ.. يا مَن جَعَل الجِبالَ أَوتادًا ذاتَ خَزائِنَ لِسَفِينةِ الأَرضِ..
لَقَد عَلِمتُ بِتَعلِيمِ الرَّسُولِ الأَكرِمِ (ص) وبِدَرسِ قُرآنِك الحَكِيمِ أنَّه: مِثلَما البِحارُ تَعرِفُك وتُعَرِّفُك بِعَجائِبِها وغَرائِبِها، كَذلِك الجِبالُ تَعرِفُك وتُعرِّفُك، بِخِدْماتِها وبحِكَمِها، بِتَأْمِينِ سُكُونِ الأَرضِ مِن تَأثِيرِ الزَّلازِلِ ودَمارِها، وبِتَهدِئةِ الأَرضِ مِن غَوائِلِ الِانقِلاباتِ الجارِيةِ في جَوْفِها، وبِإِنقاذِ الأَرضِ مِن فَيَضانِ البِحارِ وطُغيانِ عَوارِمِها، وبِتَصفِيةِ الهَواءِ مِنَ الغازاتِ المُضِرّةِ، وبِمُحافَظَتِها المِياهَ وضَمانِ ادِّخارِها، وبِخَزْنِها المَعادِنَ المُستَلزِمةَ لِحاجاتِ الأَحياءِ.
نعم، فما مِن نَوعٍ مِن أَنواعِ الصُّخُورِ الَّتي في الجِبالِ، ولا قِسمٍ مِن أَقسامِ المَوادِّ الَّتي هي عِلاجاتٌ لِمُختَلِفِ الأَمراضِ والعَاهَاتِ، ولا جِنسٍ مِن أَجناسِ المَعادِنِ المُتَنوِّعةِ جِدًّا والَّتي تَلزَمُ الأَحياءَ ولا سِيَّما الإِنسانَ، ولا صِنفٍ مِن أَصنافِ النَّباتاتِ المُزيِّنةِ بِأَزهارِها الجِبالَ وبأَثمارِها القِفارَ.. إِلّا وتَشهَدُ یی بَداهةً یی على وُجُوبِ وُجُودِ صانِعٍ ذِي قُدْرةٍ غَيرِ مُتَناهِيةٍ وحِكْمةٍ غَيرِ مُتَناهِيةٍ ورَحْمةٍ غَيرِ مُتَناهِيةٍ وكَرَمٍ غَيرِ مُتَناهٍ؛ بِما فيها مِنَ الحِكَم والِانتِظامِ وحُسْنِ الخِلْقةِ والفَوائِدِ، مِمّا لا يُمكِنُ نِسبَتُها إلى المُصادَفةِ.. وبِما فِيها مِنَ الِاختِلافِ الشَّدِيدِ في المَذاقاتِ، رَغمَ التَّشابُهِ الظّاهِرِيِّ یی وبِخاصّةٍ في المَعدِنيّاتِ كالمِلحِ ومِلحِ اللَّيمُونِ والسُّلفاتِ والشَّبِّ یی ولا سِيَّما النَّباتاتِ، بِأَنواعِها المُتَبايِنةِ العَدِيدةِ النَّاشِئةِ مِن تُرابٍ بَسِيطٍ، وبِأَزهارِها وأَثمارِها المُتَنوِّعةِ.. فَضْلًا عن أنَّها تَشهَدُ على وَحْدةِ الصَّانِعِ وعلى أَحَدِيَّتِه؛ بِما في هَيْئَتِها العامَّةِ مِن وَحْدةِ الإِدارةِ ووَحْدةِ التَّدبِيرِ ووَحْدةِ المَنشَأِ والمَسْكَنِ والخَلْقِ، والتَّساوِي في الإِتقانِ، معَ الرُّخْصِ واليُسْرِ والوَفْرةِ والسُّرعةِ في الخِلْقةِ.
— 256 —
وكَذا فإِنَّ خَلقَ كُلِّ نَوعٍ مِن أَنواعِ المَصنُوعاتِ المَوجُودةِ على سَطْحِ الجِبالِ وفي جَوْفِها، والمُنتَشِرةِ في كُلِّ جِهةٍ مِن جِهاتِ الأَرضِ، وإِيجادَها في آنٍ واحِدٍ وبِنَمَطٍ واحِدٍ بِلا خَطَأٍ وبِلا اختِلاطٍ، رَغمَ التَّداخُلِ ضِمنَ سائِرِ الأَنواعِ، في غايةِ الكَمالِ والسُّرعةِ ومِن دُونِ أن يَشغَلَك فِعلٌ عن فِعلٍ.. يَدُلُّ على هَيْبةِ رُبُوبِيَّتِك وعلى عَظَمةِ قُدرَتِك الَّتي لا يُعجِزُها شَيءٌ.
وكذا فإِنَّ مَلْءَ سُطُوحِ الجِبالِ بالأَشجارِ والنَّباتاتِ، وبُطُونِها بِالمَعادِنِ المُنتَظِمةِ وتَسخِيرَها تَلبِيةً لِحاجاتِ الأَحياءِ كافّةً تَسخِيرًا يَضمَنُ حتَّى أَمْراضَها المُتَنوِّعةَ بل أَذْواقَها المُختَلِفةَ، ويُشبِعُ شَهِيّاتِها المُتَبايِنةَ، يَدُلُّ على السَّعةِ المُطلَقةِ لِرَحمَتِك وعلى الوُسْعةِ غَيرِ المُتَناهِيةِ لِحاكِمِيَّتِك.
وكذا إِحضارُ كُلِّ ما هو خَفِيٌّ ومُختَلِطٌ، وفي ظُلْمةِ طَبَقاتِ التُّرابِ، إِحضارًا مُنتَظِمًا بِعِلمٍ وبِبَصِيرةٍ ودُونَ حَيْرةٍ وحَسَبَ الحاجةِ.. يَدُلُّ على إِحاطةِ عِلمِك المُتَعلِّقِ بكُلِّ شَيءٍ، وعلى حِكْمَتِك المُنَظِّمةِ لِكُلِّ شَيءٍ، وشُمُولِها جَمِيعَ الأَشياءِ.
وكذا إِحضارُ الأَدْوِيةِ وادِّخارُ المَوادِّ المَعدِنيّةِ يُشِيرُ بِوُضُوحٍ ويَدُلُّ بِجَلاءٍ على مَحاسِنِ تَدابِيرِ رُبُوبِيَّتِك الرَّحِيمةِ والكَرِيمةِ، وعلى لَطائِفِ مُدَّخَراتِ عِنايَتِك.
وكذا جَعْلُ الجِبالِ الشَّوامِخِ مَخازِنَ احتِياطِيّةً مُنتَظِمةً ومُستَودَعاتٍ مُكَمِّلةً لِكُنُوزٍ ضَرُورِيّةٍ لِحَياةِ الضُّيُوفِ القادِمِينَ إِلى مَضِيفِ الأَرضِ ولِسَدِّ حاجاتِهِم في المُستَقبَلِ.. يُشِيرُ ويَدُلُّ بل ويَشهَدُ على أنَّ صانِعًا له هذا الكَرَمُ الواسِعُ ومُكرِمًا وحَكِيمًا رَؤُوفًا، وقَدِيرًا ومُرَبِّيًا.. لا بُدَّ له خَزائِنُ أَبدِيّةٌ لِآلائِه الأَبدِيّةِ في عالَمٍ أَبدِيٍّ لِأُولَئِك المُسافِرِينَ الضُّيُوفِ المَحبُوبِينَ عِندَه.. فتَقُومُ النُّجُومُ هُناك بِمُهِمّةٍ ما تَقُومُ الجِبالُ بِها هاهُنا.
يا قَادِرُ على كُلِّ شَيءٍ..
إِنَّ الجِبالَ وما فِيهَا مِنَ المَخلُوقاتِ مُسَخَّراتٌ ومُدَّخَراتٌ في مُلكِكَ أَنتَ، وبِقُوَّتِك وقُدرَتِك أَنتَ، وبِعِلمِك وحِكْمَتِك أَنتَ. إِنَّها تُسَبِّحُ وتُقَدِّسُ لِفاطِرِها الَّذي وَظَّفَها وسَخَّرَها على هذه الصُّورةِ.
— 257 —
يا خالِقُ ويا رَحمٰنُ.. ويا رَبُّ ويا رَحِيمُ..
لَقَد عَلِمتُ بِتَعلِيمِ الرَّسُولِ الأَكرَمِ (ص) وبِدَرسِ القُرآنِ الحَكِيمِ أنَّه: مِثلَما تَعرِفُك السَّماءُ والفَضاءُ والأَرضُ والبَحرُ والجَبَلُ وتُعَرِّفُك بِما فِيها وبِمَخلُوقاتِها، كَذلِك جَمِيعُ الأَشجارِ والنَّباتاتِ في الأَرضِ تَعرِفُك وتُعَرِّفُك یی بدَرَجةِ البَداهةِ یی بِأَوراقِها وأَزهارِها وأَثمارِها.. فكُلُّ وَرَقةٍ مِن أَوْراقِ الأَشجارِ والنَّباتاتِ المُهتَزَّةِ بِجَذَباتِ الذِّكرِ وشَوْقِه.. وكُلُّ زَهْرةٍ مِنَ الأَزهارِ الواصِفةِ والمُعَرِّفةِ بِزِينَتِها لِأَسماءِ صانِعِها.. وكُلُّ ثَمَرةٍ مِنَ الأَثمارِ المُتَبَسِّمةِ مِن لَطافَتِها بِتَجَلِّي الرَّحْمةِ فِيها.. تَشهَدُ كُلُّها: بِالنِّظامِ الَّذِي في صَنْعَتِها الخارِقةِ، وبالمِيزانِ الَّذِي في النِّظامِ، وبِالزِّينةِ الَّتي في المِيزانِ، وبِالنُّقُوشِ المَوجُودةِ في الزِّينةِ، وبِالعَبَقِ الطَّيِّبِ المُتَنَوِّعِ المَمزُوجِ بِالنُّقُوشِ، وبِالطُّعُومِ المُختَلِفةِ في العَبَقِ الفَوّاحِ لِلأَثمارِ.. شَهادةً بِدَرَجةِ البَداهةِ یی لا يُمكِنُ نِسْبَتُها إِلى المُصادَفةِ یی على وُجُوبِ وُجُودِ صانِعٍ لا نِهايةَ لِرَحمَتِه ولا نِهايةَ لِكَرَمِه.
فكَما أنَّ الأَمرَ هكذا في كُلِّ فَردٍ، فكُلُّ الأَشجارِ والنَّباتاتِ مَعًا تَشهَدُ كَذلِك بِالبَداهةِ على وَحْدةِ ذلك الصّانِعِ الواجِبِ وُجُودُه وعلى أَحَدِيَّتِه: بِوَحْدَتِها واتِّفاقِها ومَعِيَّتِها على سَطْحِ الأَرضِ كافَّةً، وبِتَشابُهِها على سِكّةِ الخِلْقةِ وبِارتِباطِها في التَّدبِيرِ والإِدارةِ، وبِتَوافُقِها فِيما يَتَعلَّقُ بِها مِن أَفعالِ الإِيجادِ والأَسماءِ الرَّبّانيّةِ، وبِإِدارةِ الأَفرادِ غَيرِ المَحدُودةِ لِمِئةِ أَلفِ نَوعٍ مَعَ تَداخُلِها إِدارةً مُباشِرةً دُونَ حَيْرةٍ ولا خَطَأٍ.
وكَذا مِثلَما يَشهَدُ أُولَئِك على وُجُوبِ وُجُودِك وعلى وَحْدَتِكَ، فإِنَّ إِعاشةَ وإِدارةَ أَفرادٍ غَيرِ مَحدُودةٍ لِجَحْفَلِ الأَحياءِ مِنَ الجَيشِ الهائِلِ المُتَشَكِّلِ مِن أَربَعِ مِئةِ أَلفٍ مِنَ الأُمَمِ على وَجْهِ الأَرضِ إِدارةً بِكَمالِ الإِتقانِ وبِمِئاتِ الآلافِ مِن أَنماطِ الإِعاشةِ والإِدارةِ الَّتي تَتِمُّ بِكَمالِ الِانتِظامِ دُونَ سَهْوٍ ولا خَلْطٍ.. تَدُلُّ على جَلالِ رُبُوبِيَّتِك وهَيْبَتِها في وَحْدانِيَّتِك، وعلى عَظَمةِ قُدْرَتِك الَّتي تَخلُقُ الرَّبِيعَ بِيُسْرِ إِيجادِ زَهْرةٍ وتَعَلُّقِها بِكُلِّ شَيءٍ، وتَدُلُّ قَطْعًا على سَعةِ رَحْمَتِك المُطلَقَةِ الَّتي تُهَيِّئُ أَقسامَ الأَطعِمةِ المُتَنوِّعةِ المُختَلِفةِ وغَيرِ المَحدُودةِ، وتُحضِرُها لِحَيَواناتٍ غَيرِ مَحدُودةٍ ولِلإِنسانِ في كُلِّ جِهةٍ مِن جِهاتِ هذه الأَرضِ الضَّخْمةِ.
— 258 —
وإِنَّ جَرَيانَ تلك الأُمُورِ والإِنعاماتِ وأَشكالِ الإِدارةِ وأَنواعِ الإِعاشةِ والإِجراءاتِ غَيرِ المَحدُودةِ، بِكَمالِ الِانتِظامِ، وإِنَّ انقِيادَ كُلِّ شَيءٍ وخُضُوعَه حَتَّى الذَّرّاتِ لِتِلك الأَوامِرِ والإِجراءاتِ.. تَدُلُّ دَلالةً قاطِعةً على السَّعةِ المُطلَقةِ لِحاكِمِيَّتِك.
وإِنَّ عَمَلَ كُلِّ شَيءٍ لِكُلِّ وَرَقةٍ وزَهْرةٍ وثَمَرةٍ، ولِكُلِّ جَذْرٍ وغُصْنٍ وفَرْعٍ، مِن تِلك الأَشجارِ والنَّباتاتِ، عَمَلًا بِعِلمٍ وبَصِيرةٍ وَفقَ ما تَقتَضِيه الفَوائِدُ والمَصالِحُ والحِكَمُ.. يَدُلُّ على إِحاطةِ عِلمِك بكُلِّ شَيءٍ، وشُمُولِ حِكْمَتِك لِكُلِّ شَيءٍ، دَلالةً ظاهِرةً جَلِيّةً، وتُشِيرُ إِلَيْهِما بِأَصابِعِها الَّتي لا تُحَدُّ.. وإِنَّها تَحمَدُ وتُثنِي بِأَلسِنَتِها غَيرِ المَحدُودةِ على جَمالِ صَنْعَتِك وهِي في مُنتَهَى الكَمالِ، وعلى كَمالِ نِعمَتِك وهِي في مُنتَهَى الجَمالِ.
وكَذا فإِنَّ هذه الإِحساناتِ الثَّمِينةَ والنِّعَمَ القَيِّمةَ العَمِيمةَ، وهَذِه المَصارِفَ والإِكراماتِ الَّتي تَفُوقُ الحَدَّ، تَصِلُنا بِأَيادِي الأَشجارِ والنَّباتاتِ في هذه الدّارِ المُؤَقَّتةِ والمَضِيفِ الفانِي، وفي زَمَنٍ قَصِيرٍ وعُمُرٍ قَلِيلٍ.. تُشِيرُ بل تَشهَدُ على أنَّ الرَّحِيمَ ذا القُدْرةِ والكَرَمِ الَّذي ساقَ هُنا لِضُيُوفِه كُلَّ هذه الرَّحْمةِ، لا بُدَّ أنَّه قد أَعَدَّ أَشجارًا مُثمِرةً ونَباتاتٍ مُزهِرةً خالِدةً بِما يَلِيقُ بِالجَنّةِ الخالِدةِ في عالَمٍ خالِدٍ في مَمْلَكةٍ خالِدةٍ، لِعِبادِه الَّذِينَ سيُخَلِّدُهُم أَبَدَ الآبِدِينَ.. لِكَيْ يَحُولَ دُونَ انقِلابِ نَتائِجِ مَصارِيفِه وآلائِه الَّتي صَرَفَها لِلتَّوَدُّدِ والتَّعَرُّفِ إلى ضِدِّها یی أَيْ: لِئَلَّا تَقُولَ جَمِيعُ الخَلائِقِ: لَقَد أَذاقَنا تِلك النِّعَمَ وأَعدَمَنا قَبلَ أن نَتَناوَلَها یی ولِكَي يَحُولَ دُونَ إِسقاطِ هَيْبةِ أُلُوهِيَّتِه، ودُونَ إِنكارِ سَعةِ رَحْمَتِه، ودُونَ تَحَوُّلِ جَمِيعِ أَحِبَّتِه المُشتاقِينَ إِلَيْه أَعداءً بِحِرمانِهِم.. أَجَلْ، لَقَد أَحْضَرَها مِن خَزائِنِ الرَّحْمةِ الخالِدةِ وفي جَنّاتِه الخالِدةِ. وما الَّتي هاهُنا إِلّا نَماذِجُ عَرْضٍ لِلزَّبائِنِ فحَسْبُ.
وكَما أنَّ الأَشجارَ والنَّباتاتِ كافّةً تُقَدِّسُك وتُسَبِّحُك وتَحمَدُك بِكَلِماتِ أَوْراقِها وأَزهارِها وأَثمارِها، كَذلِك كُلُّ كَلِمةٍ مِن تِلك الكَلِماتِ بِحَدِّ ذاتِها تُقَدِّسُك أَيضًا، وبِخاصّةٍ خَلْقُ الأَثمارِ خَلْقًا بَدِيعًا ولُبابِها المُتَنوِّعةِ، وصَنْعَتِها العَجِيبةِ وبُذُورِها
— 259 —
الخارِقةِ، وإِيداعُ صِحافِ الطَّعامِ تِلك إِلى أَيدِي الأَشجارِ، ووَضْعُها على رُؤُوسِ النَّباتاتِ، وإِرسالُها هكَذا إِلى ضُيُوفِه الأَحياءِ، مِمّا يَجعَلُ تَسبِيحاتِ أَلسِنةِ حالَاتِها ظاهِرةً وجَلِيّةً تَبلُغُ دَرَجةَ لِسانِ المَقالِ.
فجَمِيعُ أُولَئِك مُسَخَّراتٌ في مُلكِك أَنتَ، وبِقُوَّتِك وقُدْرَتِك أَنتَ، وبإِرادَتِك وإِحساناتِك أَنتَ، وبِرَحْمَتِك وحِكْمَتِك أَنتَ، وإِنَّها مُنقادةٌ مُطِيعةٌ لِكُلِّ أَمرٍ صادِرٍ مِنك.
فيا مَنِ اختَفَى بِشِدّةِ الظُّهُورِ، ويا مَنِ احتَجَب بِعَظَمةِ الكِبْرِياءِ.. يا صانِعُ، يا حَكِيمُ.. يا خَالِقُ يا رَحِيمُ.. إِنِّي أَحمَدُك وأُثْنِي عَلَيْك مُقَدِّسًا إِيّاكَ مِنَ القُصُورِ والعَجزِ والشَّرِيكِ، بِأَلسِنةِ جَمِيعِ الأَشجارِ والنَّباتاتِ وجَمِيعِ الأَوْراقِ والأَزهارِ والأَثمارِ وبِعَدَدِها.
يا فاطِرُ يا قادِرُ.. يا مُدَبِّرُ يا حَكِيمُ.. يا مُرَبِّي يا رَحِيمُ..
لَقَد عَلِمتُ بِتَعلِيمِ الرَّسُولِ الأَكرَمِ (ص) وبِدَرسِ القُرآنِ الحَكِيمِ وآمَنتُ بِأنَّه: كَما أنَّ النَّباتاتِ والأَشجارَ تُعَرِّفُك وتُعَلِّمُ صِفاتِك القُدْسِيّةَ وأَسماءَك الحُسنَى، فلَيسَ في الأَحياءِ المالِكةِ لِلرُّوحِ كالإِنسانِ والحَيَواناتِ مِن فَرْدٍ لا يَشهَدُ على وُجُوبِ وُجُودِك، وعلى تَحَقُّقِ صِفاتِك: بِأَعضاءِ جِسمِه الدّاخِلِيّةِ مِنها والخارِجِيّةِ، العامِلةِ والمُساقةِ إلى العَمَلِ یی كالسَّاعاتِ المُنتَظِمةِ یی وبِآلاتِه وحواسِّه المَوضُوعةِ في بَدَنِه بِنِظامٍ في مُنتَهَى الدِّقّةِ وبِمِيزانٍ في مُنتَهَى الحَسَاسِيّةِ وبِفَوائِدَ ذاتِ أَهَمِّيّةٍ، وبِأَجهِزَتِه البَدَنِيّةِ المَخلُوقةِ في غايةِ الإِتقانِ، والمَفرُوشةِ في غايةِ الحِكْمةِ والمَوضُوعةِ في غايةِ المُوازَنةِ.. لِأَنَّ هذه الصَّنْعةَ الدَّقِيقةَ بِبَصِيرةٍ، والحِكْمةَ اللَّطِيفةَ بِشُعُورٍ، والمُوازَنةَ التّامّةَ بِتَدبِيرٍ، لا يُمكِنُ أن تَتَدخَّلَ فيها القُوّةُ العَمْياءُ ولا الطَّبِيعةُ الصَّمّاءُ ولا المُصادَفةُ العَشْواءُ، فلا يُمكِنُ أن تكُونَ هذه الأُمُورُ مِن أَعمالِها.. أَمَّا تَشَكُّلُها بِنَفسِها فهُو مُحالٌ في مِئةِ مُحالٍ، لِأنَّه يَنبَغِي أن تَعرِفَ كُلُّ ذَرّةٍ مِن ذَرّاتِها وتَرَى وتَعمَلَ كُلَّ ما يَخُصُّ تَركِيبَ جَسَدِهَا، بل كُلَّ شَيءٍ يَتَعلَّقُ بِها في الدُّنيا، فتَملِكَ عِلمًا وقُدْرةً مُحِيطَينِ كأَنَّها إِلٰهٌ، ثُمَّ يُمكِنَ أن يُحالَ تَشكِيلُ الجَسَدِ إِلَيْها ويُقالَ: إِنَّها تَشَكَّلَت بِنَفسِها!
— 260 —
وكذا لَيسَت هُناك كَيفِيّةٌ لِلأَحياءِ عامّةً، مِن وَحْدةِ التَّدبِيرِ ووَحْدةِ الإِدارةِ ووَحْدةِ النَّوعِ ووَحْدةِ الجِنسِ ووَحْدةِ سِكّةِ الفِطْرةِ یی المُشاهَدِ اتِّفاقُها في أَوْجُهِها عامّةً مِن عَينٍ وأُذُنٍ وفَمِ وغَيرِها یی ومِنَ الِاتِّحادِ في سِكَّةِ الحِكْمةِ یی الظّاهِرةِ في سِيماءِ كُلِّ فَرْدٍ مِن أَفرادِ النَّوعِ الواحِدِ یی ومِنَ المَعِيّةِ في الإِعاشةِ والإِيجادِ مَعَ تَداخُلِ بَعضِها في بَعضٍ.. إِلّا وتَتَضمَّنُ شَهادةً قاطِعةً على وَحْدَتِك، وإِشارةً إِلى أَحَدِيَّتِك في الواحِدِيّةِ بِما يَملِكُ كُلُّ فَرْدٍ مِن أَفرادِها مِن تَجَلِّياتِ جَمِيعِ الأَسماءِ النّاظِرةِ إِلى الكَونِ.
وكذا فكَما أنَّ تَسخِيرَ مِئاتِ الآلافِ مِن أَنواعِ الحَيَواناتِ المُنتَشِرةِ معَ الإِنسانِ على وَجهِ البَسِيطةِ كافّةً وتَجهِيزَها وتَدرِيبَها وجَعْلَها مُطِيعةً ومُسَخَّرةً كأَنَّها جَيشٌ مُنَظَّمٌ، وجَرَيانَ أَوامِرِ الرُّبُوبِيّةِ فيها بِانتِظامٍ بالِغٍ، يَدُلُّ على دَرَجةِ جَلالِ رُبُوبِيَّتِك تلك. فإِنَّ القِيمةَ الغالِيةَ لِتِلك المَخلُوقاتِ معَ أنَّها في غايةِ الكَثْرةِ، وإِيجادَها في مُنتَهَى السُّرعةِ معَ أنَّها في غايةِ الكَمالِ، وخَلْقَها في مُنتَهَى السُّهُولةِ معَ أنَّها في غايةِ الإِتقانِ.. يَدُلُّ دَلالةً قاطِعةً على عَظَمةِ قُدْرَتِك.
وكَذا إِيصالُ أَرزاقِ تلك المَخلُوقاتِ المُنبَثَّةِ في أَقاصِي الشَّرقِ والغَربِ والشَّمالِ والجَنُوبِ، ابتِداءً مِن أَصغَرِ مِيكرُوبٍ وانتِهاءً بِأَضخَمِ حَيَوانٍ، ومِن أَصغَرِ حَشَرةٍ إلى أَضخَمِ طَيرٍ.. يَدُلُّ على سَعةِ رَحْمَتِك المُطلَقةِ.
وكَذا تَحَوُّلُ وَجهِ الأَرضِ كُلَّ رَبِيعٍ إلى مُعَسكَرٍ لِتِلك المَخلُوقاتِ بَدَلًا مِن تلك الَّتي أُنْهِيَت خِدْماتُها في الخَرِيفِ، وأَداءُ كُلٍّ مِنها مُهِمَّتَها الفِطْرِيّةَ كأَنَّها جُندِيٌّ مُطِيعٌ يُستَنفَرُ مِن جَدِيدٍ.. يَدُلُّ دَلالةً قاطِعةً على سَعةِ حاكِمِيَّتِك المُطلَقةِ.
وكَذا فكَما أنَّ كُلَّ حَيَوانٍ يُشِيرُ إِشاراتٍ بِعَدَدِ الحَيَواناتِ إلى إِحاطةِ عِلمِك بِكُلِّ شَيءٍ، وشُمُولِ حِكْمَتِك لِكُلِّ شَيءٍ.. بِخَلْقِها كَنُسخةٍ مُصَغَّرةٍ لِلكائِناتِ، بِعِلمٍ في غايةِ العُمقِ، وحِكْمةٍ في غايةِ الدِّقّةِ، بِلا خَلْطٍ بَينَ الأَجزاءِ المُختَلِطةِ، وبِلا تَحَيُّرٍ بَينَ الصُّوَرِ المُتَبايِنةِ لِلحَيَواناتِ كافّةً، وبِلا خَطَأٍ ولا سَهوٍ ولا نَقصٍ.. فإِنَّ خَلْقَ كُلٍّ مِنها كَذلِك خَلْقًا في رَوْعةِ الإِتقانِ والجَمالِ، مِمّا يَجعَلُه مُعجِزةً في الصَّنعةِ وخارِقةً في الحِكْمةِ..
— 261 —
يُشِيرُ إلى كَمالِ حُسْنِ صَنْعَتِك الرَّبانيّةِ، وإِلى غايةِ جَمالِها، تِلك الصَّنعةِ الَّتي تُحِبُّها وتَرغَبُ في عَرْضِها ونَشْرِها.
وكذا تَربِيةُ كُلٍّ مِنها یی وبِخاصّةٍ الصِّغارُ یی تَربِيةً في غايةِ الرِّقّةِ واللُّطْفِ، وتَلبِيةُ جَمِيعِ رَغَباتِها وآمالِها.. تُشِيرُ إِشاراتٍ غَيرَ مَحدُودةٍ إِلى الجَمالِ الرّائِعِ لِعِنايَتِك.
يا رَحمٰنُ يا رَحِيمُ.. يا صادِقَ الوَعدِ الأَمِينَ.. يا مَالِكَ يَومِ الدِّينِ..
لَقَد عَلِمتُ بِتَعلِيمِ رَسُولِك الأَكرَمِ (ص) وبِإِرشادِ قُرآنِك الحَكِيمِ أنَّه:
ما دامَتِ الحَياةُ أَعظَمَ نَتِيجةٍ مُنتَخَبةٍ مِنَ الكَونِ، والرُّوحُ هِي الخُلاصةُ المُختارةُ مِنَ الحَياةِ، وأُولُو المَشاعِرِ هُمُ النَّتِيجةُ الخالِصةُ مِن بَينِ أَقسامِ ذَوِي الأَرواحِ، والإِنسانُ هو أَجمَعُ أُولِي المَشاعِرِ، وجَمِيعُ الكائِناتِ بِدَوْرِها مُسَخَّرةٌ وساعِيةٌ لِأَجلِ الحَياةِ، وذَوُو الحَياةِ مُسَخَّرُونَ لِذَوي الأَرواحِ وقد بُعِثُوا إِلى الدُّنيا لِأَجلِهِم، وذَوُو الأَرواحِ مُسَخَّرُونَ لِلإِنسانِ وفي عَوْنِه دائِمًا، والنَّاسُ يُحِبُّونَ خالِقَهُم مَحَبّةً خالِصةً بِفِطْرَتِهم، وخالِقُهم يُحِبُّهُم ويُحَبِّبُ نَفسَه إِلَيهِم بِكُلِّ وَسِيلةٍ، واستِعدادُ الإِنسانِ وأَجهِزَتُه المَعنَوِيّةُ تَتَطلَّعُ إلى عالَمٍ آخَرَ باقٍ وإِلى حَياةٍ أُخرَى أَبدِيّةٍ، وأَنَّ قَلبَه وشُعُورَه يَطلُبانِ البَقاءَ ويَتُوقانِ إِلَيْه، وأَنَّ لِسانَه يَتَوسَّلُ إِلى خالِقِه بِأَدعِيةٍ غَيرِ مَحدُودةٍ طالِبًا البَقاءَ.. فلا يُمكِنُ مُطلقًا إِغضابُ النَّاسِ المُحِبِّينَ المَحبُوبِينَ وإِسخاطُهُم بِعَداوةٍ أَبدِيّةٍ بِعَدَمِ بَعْثِهِم بَعدَ إِماتَتِهِم، وهُم قد خُلِقُوا أَصلًا لِمَحَبّةٍ خالِدةٍ، وأُرسِلُوا إِلى هذه الدُّنيا بِحِكْمةٍ لِنَيلِ عَيْشٍ سَعِيدٍ في عالَمٍ أَبدِيٍّ آخَرَ.
ثُمَّ إِنَّ الأَسماءَ الحُسنَى المُتَجَلِّيةَ على الإِنسانِ تُشِيرُ إِلى أنَّ الَّذي هُو مِرآةٌ عاكِسةٌ لِتَجَلِّياتِ تلك الأَسماءِ في هذه الحَياةِ القَصِيرةِ الفانِيةِ سيَحْظَى بِتَجَلِّياتِها الأَبدِيّةِ في عالَمِ البَقاءِ. نَعَم، إِنَّ الخَلِيلَ الصَّادِقَ لِلخالِدِ يكُونُ خالِدًا، وإِنَّ المِرآةَ الشَّاعِرةَ لِلباقِي يَستَلزِمُ بَقاءَها. وكَما يُفهَمُ مِنَ الرِّواياتِ الصَّحِيحةِ: أنَّ أَرواحَ الحَيَواناتِ ستَبقَى دائِمةً، وأنَّ أَرواحَ بَعضِ أَفرادٍ خاصّةٍ مِنَ الحَيَواناتِ ستَمضِي إِلى عالَمِ البَقاءِ معَ أَجسادِها، كهُدْهُدِ ونَمْلِ سُلَيْمانَ عَلَيهِ السَّلَام، وناقةِ صالِحٍ عَلَيهِ السَّلَام، وكَلبِ أَصحابِ الكَهْفِ، وأنَّ كُلَّ نَوعٍ
— 262 —
مِنها سيَتَجَسَّدُ بِجَسَدٍ لِاستِعمالِه أَحيانًا.. فالحِكْمةُ والحَقِيقةُ وكَذا الرَّحْمةُ والرُّبُوبِيّةُ تَقتَضِي كُلُّها ذلك.
يا قادِرُ يا قَيُّومُ..
إِنَّ جَمِيعَ ذَوِي الحَياةِ وذَوِي الأَرواحِ وذَوِي الشُّعُورِ قد وُظِّفُوا بِوَظائِفَ فِطْرِيّةٍ في مُلْكِك أَنتَ، وسُخِّرُوا لِأَوامِرِ رُبُوبِيَّتِك أَنتَ، وبِقُوَّتِك وقُدْرَتِك وَحْدَك، وبإِرادَتِك وتَدبِيرِك ورَحْمَتِك وحِكْمَتِك. وإِنَّ قِسمًا مِنها قد سُخِّرَت وذُلِّلَت لِلإِنسانِ مِن لَدُنْ رَحْمَتِك، لا بِقُوَّتِه وغَلَبَتِه بل لِضَعْفِه وعَجْزِه فِطْرةً.. فكُلُّ حَيَوانٍ يُؤَدِّي عِبادَتَه الخاصّةَ به، بِلِسانِ الحالِ والمَقالِ، مُسَبِّحًا خالِقَه وبارِئَه ومَعبُودَه، مُقَدِّسًا إِيّاه مِنَ القُصُورِ والشِّركِ، حامِدًا شاكِرًا لِأَنعُمِه وآلائِهِ.
سُبحانَك يا مَنِ اختَفَى بِشِدّةِ الظُّهُورِ! سُبحانَك يا مَنِ احتَجَبَ بِعَظَمةِ الكِبْرِياءِ! إِنِّي أُقَدِّسُك بِتَسبِيحاتِ جَمِيعِ ذَوِي الأَرواحِ مُنادِيًا: سُبحانَك.. يا مَن جَعَل مِنَ الماءِ كُلَّ شَيءٍ حَيٍّ..
يا رَبَّ العالَمِينَ.. يا إِلٰهَ الأَوَّلِينَ والآخِرِينَ.. يا رَبَّ السَّماواتِ والأَرَضِينَ..
لَقَد عَلِمتُ بِتَعلِيمِ الرَّسُولِ الأَكرَمِ (ص) وبِدَرسِ القُرآنِ الحَكِيمِ وآمَنتُ أنَّه: مِثلَما السَّماءُ والفَضاءُ والأَرضُ والبَرُّ والبَحرُ والشَّجَرُ والنَّباتُ والحَيَوانُ.. تَعرِفُك بِأَفرادِها وأَجزائِها وذَرّاتِها، وتَشهَدُ على وُجُودِك وعلى وَحْدَتِك، وتَدُلُّ علَيْهِما وتُشِيرُ؛ فإِنَّ الأَنبِياءَ والأَولِياءَ والأَصفِياءَ الَّذِينَ هُم خُلاصةُ نَوعِ الإِنسانِ الَّذي هو خُلاصةُ ذَوِي الحَياةِ الَّذِينَ هم خُلاصةُ الكَونِ، يَشهَدُونَ ويُخبِرُونَ بِوُجُوبِ وُجُودِك ووَحْدانِيَّتِك وأَحَدِيَّتِك، إِخبارًا قاطِعًا بِقُوّةِ مِئاتِ الإِجماعِ ومِئاتِ التَّواتُرِ المُستَنِدةِ إِلى مُشاهَداتِ قُلُوبِهِم وعُقُولِهِم وكَشْفِيّاتِها وإِلهاماتِها واستِخراجاتِها وبِقَطْعِيَّتِها، ويُثبِتُونَ إِخباراتِهِم بمُعجِزاتِهِم وكَراماتِهِم وبَراهِينِهِمُ اليَقِينيّةِ.
نَعَم، لَيسَت في القُلُوبِ خاطِرةٌ غَيبِيّةٌ تُومِئُ إِلى الذَّاتِ المُخبِرةِ بِها في سِتارِ الغَيبِ، ولَيسَ فِيها إِلهامٌ صادِقٌ يَسُوقُ الرُّؤيةَ إِلى الذّاتِ المُلهِمةِ فيها، ولَيسَت فيها عَقِيدةٌ يَقِينيّةٌ تَكشِفُ عن صِفاتِك القُدسِيّةِ وأَسمائِك الحُسنَى كَشْفًا بِحَقِّ اليَقِينِ، ولَيسَ في الأَنبِياءِ
— 263 —
والأَولِياءِ قَلبٌ نُورانِيٌّ يُشاهِدُ أَنوارَ واجِبِ الوُجُودِ بِعَينِ اليَقِينِ، ولَيسَ في الأَصفِياءِ والصِّدِّيقِينَ عَقلٌ مُنَوَّرٌ يُصَدِّقُ آياتِ وُجُوبِ وُجُودِ خالِقٍ لِكُلِّ شَيءٍ ويُثبِتُ بَراهِينَ وَحْدَتِه بِعِلمِ اليَقِينِ.. إِلّا ويَشهَدُ شَهادةً ويَملِكُ دَلالةً ويَعرِضُ إِشارةً على وُجُوبِ وُجُودِك وعلى صِفاتِك المُقَدَّسةِ وعلى وَحْدَتِك وعلى أَحَدِيَّتِك وعلى أَسمائِك الحُسنَى.
ولَيسَت هُناك مُعجِزةٌ مِنَ المُعجِزاتِ الباهِرةِ المُصَدِّقةِ لِأَخبارِ سَيِّدِ جَمِيعِ الأَنبِياءِ والأَولِياءِ والأَصفِياءِ والصِّدِّيقِينَ ورَئِيسِهِم وخُلاصَتِهِم ذلك الرَّسُولِ الأَكرَمِ (ص)، ولا حَقِيقةٌ مِن حَقائِقِه السّامِيةِ المُظهِرةِ لِحَقّانِيَّتِه، ولا آيةٌ مِن آياتِ التَّوحِيدِ القاطِعةِ لِلقُرآنِ المُعجِزِ البَيانِ الَّذِي يُلَخِّصُ جَمِيعَ الكُتُبِ المُقَدَّسةِ الحَقّةِ، ولا مَسأَلةٌ إِيمانيّةٌ مِن مَسائِلِه القُدسِيّةِ.. إِلّا وتَشهَدُ شَهادةً وتَملِكُ دَلالةً وتَعرِضُ إِشارةً على وُجُوبِ وُجُودِك وعلى صِفاتِك المُقَدَّسةِ وعلى وَحْدَتِك وعلى أَحَدِيَّتِك وعلى أَسمائِك الحُسنَى وعلى صِفاتِك الجَلِيلةِ.
ومِثلَما يَشهَدُ جَمِيعُ أُولَئِك المُخبِرِينَ الصَّادِقِينَ الَّذِينَ يُعَدُّونَ بِمِئاتِ الآلافِ یی مُستَنِدِينَ إلى مُعجِزاتِهِم وكَراماتِهِم وحُجَجِهِم یی على وُجُودِك وعلى وَحْدانِيَّتِك.. فإِنَّهُم يُخبِرُونَ یی ويُثبِتُونَ بالإِجماعِ والِاتِّفاقِ یی عن مَدَى عَظَمةِ جَلالِ رُبُوبِيَّتِك الجارِيةِ ابتِداءً مِن إِدارةِ الأُمُورِ الكُلِّيّةِ لِلعَرشِ الأَعظَمِ المُحِيطِ بِكُلِّ شَيءٍ، إِلى مَعرِفةِ أَخفَى الخَلَجاتِ والخَواطِرِ الجُزئِيّةِ لِلقَلبِ وسَرائِرِه وآمالِه وأَدعِيَتِه والِاستِماعِ إِلَيْه وإِدارَتِه.. ويُعلِنُونَ مَدَى عَظَمةِ قُدْرَتِك الَّتي تُوجِدُ الأَشياءَ المُختَلِفةَ غَيرَ المَحدُودةِ یی أَمامَ أَعيُنِنا یی دُفعةً واحِدةً، وتَخلُقُ أَكبَرَ شَيءٍ بِسُهُولةِ خَلقِ أَصغَرِ حَشَرةٍ، دُونَ أَن يَمنَعَ فِعلٌ فِعلًا.
ومِثلَما أنَّهُم يُخبِرُونَ یی ويُثبِتُونَ ذلك بِمُعجِزاتِهِم وحُجَجِهِم یی عن سَعَةِ رَحمَتِك المُطلَقةِ الَّتي صَيَّیرَتِ الكَونَ في حُكمِ قَصرٍ مُنِيفٍ لِذَوِي الأَرواحِ وبِخاصّةٍ لِلإِنسانِ، والَّتي أَعَدَّتِ الجَنَّةَ والسَّعادةَ الأَبدِيَّةَ لِلجِنِّ والإِنسِ، والَّتي لا تَنسَى مُطلَقًا أَصغَرَ كائِنٍ حَيٍّ وتَسعَى لِتَطْمِينِ أَعجَزِ قَلبٍ وتَلطِيفِه.. وعن سَعَةِ حاكِمِيَّتِك المُطلَقةِ الَّتي تُسَخِّرُ وتُوَظِّفُ وتُخضِعُ لِأَوامِرِها جَمِيعَ أَنواعِ المَخلُوقاتِ مِنَ الذَّرّاتِ إِلى السَّيّاراتِ.. فإِنَّهُم
— 264 —
يَشهَدُونَ ويَدُلُّونَ ويُشِيرُونَ كَذلِك یی بِالإِجماعِ والِاتِّفاقِ یی إِلى إِحاطةِ عِلمِك المُحِيطِ بِكُلِّ شَيءٍ، الَّذي جَعَل الكَونَ بِحُكْمِ كِتابٍ كَبِيرٍ يَضُمُّ رَسائِلَ بِعَدَدِ أَجزائِه، والَّذِي سَجَّلَ جَمِيعَ حَوادِثِ المَوجُوداتِ في "إِمامٍ مُبِينٍ" وفي "كِتابٍ مُبِينٍ"، وهُما سِجِلَّا "اللَّوحِ المَحفُوظِ"، والَّذي أَوْدَع البُذُورَ فَهارِسَ الأَشجارِ ومَناهِجَها كافّةً، والَّذي أَملَى في جَمِيعِ القُوَى الحافِظةِ في رُؤُوسِ أُولي المَشاعِرِ تَوارِيخَ حَياتِهِم بِانتِظامٍ ودُونَ خَطَأٍ..
ويَشهَدُونَ كَذلِك على شُمُولِ حِكْمَتِك المُقَدَّسةِ كُلَّ شَيءٍ، الَّتي قَلَّدَت كُلَّ مَوجُودٍ حِكَمًا كَثِيرةً جِدًّا، حَتَّى إِنَّها أَعطَت بِما تَمُدُّ كُلَّ شَجَرةٍ نَتائِجَ بِعَدَدِ أَثمارِها، والَّتي أَردَفَت في كُلِّ ذِي حَياةٍ مَصالِحَ بِعَدَدِ أَعضائِه، بل بِعَدَدِ أَجزائِه وخَلاياه، حَتَّى إِنَّها معَ تَوظِيفِها لِسانَ الإِنسانِ بِوَظائِفَ عِدّةٍ فقد جَهَّزَتْه أَيضًا بِمَوازِينَ ذَوْقِيّةٍ بِعَدَدِ أَذْواقِ الأَطعِمةِ..
وهُم يَشهَدُونَ أَيضًا على استِمرارِ تَجَلِّياتِ الأَسماءِ الجَلالِيّةِ والجَمالِيّةِ یی الظّاهِرةِ آثارُها في هذه الدُّنيا یی ودَوامِها بِأَسطَعِ صُورةٍ وأَبهَرِها في أَبَدِ الآبادِ، وعلى استِمرارِ آلائِك المُشاهَدةِ أَمثالُها في هذه الدُّنيا الفانِيةِ وبَقائِها أَكثَرَ بَهاءً ولَمَعانًا في دار السَّعادةِ، وعلى مُرافَقَتِها المُشتاقِينَ الَّذِينَ حَظُوا بِها في هذه الدُّنيا ومُصاحَبَتِها لَهُم في الخُلُودِ.
فالرَّسُولُ الأَكرَمُ (ص) یی في المُقَدِّمةِ یی مُستَنِدًا إلى مِئاتٍ مِن مُعجِزاتِه الباهِرةِ، والقُرآنُ الكَرِيمُ مُستَنِدًا إِلى آياتِه الجازِمةِ، ثُمَّ جَمِيعُ الأَنبِياءِ عَلَيهِم السَّلَام وهُم ذَوُو الأَرواحِ النَّیيِّرةِ، وجَمِيعُ الأَولِياءِ وهُم أَقطابُ ذَوِي القُلُوبِ النُّورانيّةِ، وجَمِيعُ الأَصفِياءِ وهُم أَربابُ العُقُولِ المُنَوَّرةِ.. يُبَشِّرُونَ الجِنَّ والإِنسَ بالسَّعادةِ الأَبدِيّةِ ويُنذِرُونَ الضَّالِّينَ بِجَهَنَّمَ یی وهُم يُؤمِنُونَ بِهذا ويَشهَدُونَ عَلَيْه یی استِنادًا إِلى ما ذَكَرْتَه مِرارًا وتَكرارًا مِنَ الوَعدِ والوَعِيدِ في جَمِيع الكُتُبِ السَّماوِيّةِ والصُّحُفِ المُقَدَّسةِ، واعتِمادًا على صِفاتِك وشُؤُونِك القُدسِيّةِ كالقُدْرةِ والرَّحمةِ والعِنايةِ والحِكْمةِ والجَلالِ والجَمالِ، ووُثُوقًا بعِزّةِ جَلالِك وسُلطانِ رُبُوبِيَّتِك، ويُبَشِّرُونَ بِكَشْفِيّاتِهِم ومُشاهَداتِهِم وبِعَقِيدَتِهِمُ الرّاسِخةِ بِعِلمِ اليَقِينِ.
— 265 —
يا قادِرُ يا حَكِيمُ، يا رَحمٰنُ يا رَحِيمُ، يا صادِقَ الوَعدِ الكَرِيمَ، يا قَهَّارُ يا ذا الجَلالِ، ويا ذا العِزَّةِ والعَظَمةِ والجَلالِ..
إِنَّك مُقَدَّسٌ مُطلَقٌ، وأَنتَ مُتَعالٍ مُنَزَّهٌ مُطلَقٌ عن أن تُوصِمَ بِالكَذِبِ كُلَّ هذا العَدَدِ مِن أَولِيائِك الصّادِقِينَ ووُعُودِك العَدِيدةِ وصِفاتِك الجَلِيلةِ وشُؤُونِك المُقَدَّسةِ.. فتَحجُبَ ما تَقتَضِيه حَتمًا سَلْطَنةُ رُبُوبِيَّتِك، وتَرُدَّ ما لا يُحَدُّ مِن أَدعِيةٍ ودَعَواتٍ صادِرةٍ مِمَّن لا يُعَدُّ مِن عِبادِك المَقبُولِينَ الَّذِينَ أَحبَبتَهُم وأَحَبُّوك وحَبَّبُوا أَنفُسَهُم إِلَيْك بِالإِيمانِ والتَّصدِيقِ والطّاعة.. فأَنتَ مُنَزَّهٌ وأَنتَ مُتَعالٍ مُطلَقٌ مُستَغنٍ عن تَصدِيقِ أَهلِ الضَّلالةِ والكُفرِ الَّذِينَ يَتَعرَّضُونَ لِعَظَمةِ كِبْرِيائِك في إِنكارِهِم الحَشرَ، ويَتَسَبَّیبُونَ في التَّجاوُزِ على عِزّةِ جَلالِك، ويَمَسُّونَ هَيْبةَ أُلُوهِيَّتِك ورَأْفةَ رُبُوبِيَّتِك بكُفرِهِمُ وعِصيانِهِم وبِتَكذِيبِهِم إِيَّاك في وَعْدِك.
فأَنا أُقَدِّسُ عَدالَتَك وجَمالَك ورَحْمَتَك غَيرَ المُتَناهِيةِ یی بِلا حَدٍّ ولانِهايةٍ یی وأُنزِّهُها عن هذا الظُّلمِ والقُبحِ غَيرِ المُتَناهِيَينِ وأَرغَبُ أن أَتلُوَ بِعَدَدِ ذَرَّاتِ وُجُودِي الآيةَ الكَرِيمةَ: سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا، بل إِنَّ رُسُلَك الصّادِقِينَ یی أُولَئِك الَّذِينَ هُم دُعاةُ سَلْطَنَتِك الحَقِيقِيُّونَ یی يَشهَدُونَ ويُبَشِّرُونَ ويُشِيرُونَ بِحَقِّ اليَقِينِ وعَينِ اليَقِينِ وعِلمِ اليَقِينِ إِلى خَزائِنِ رَحْمَتِك الأُخرَوِيّةِ وكُنُوزِ آلائِك في عالَمِ البَقاءِ، وإِلى انكِشافِ تَجَلِّياتِ أَسمائِك الحُسنَى تَجَلِّيًا تامًّا خارِقًا في دارِ السَّعادةِ، ويُرشِدُونَ عِبادَك المُؤمِنِينَ بِأَنَّ أَعظَمَ شُعاعٍ لِاسمِ "الحَقِّ" الَّذي هو مَرجِعُ جَمِيعِ الحَقائِقِ وشَمْسُها وحامِيها هو حَقِيقةُ الحَشرِ الكُبْرَى.
يا رَبَّ الأَنبِياءِ والصِّدِّيقِينَ..
إِنَّ أُولَئِك جَمِيعًا مُسَخَّرُونَ ومُوَظَّفُونَ في مُلكِك أَنتَ، وبِأَمرِك وقُدْرَتِك أَنتَ، وبإِرادَتِك وتَدبِيرِك أَنتَ، وبِعِلمِك وحِكْمَتِك أَنتَ.. وقد أَظهَرُوا الكُرةَ الأَرضِيّةَ بِالتَّقدِيسِ والتَّسبِيحِ والتَّكبِيرِ والتَّحمِيدِ والتَّهلِيلِ في حُكْمِ أَعظَمِ مَكانٍ لِلذِّكرِ، وأَبرَزُوا الكَونَ في حُكْمِ أَكبَرِ مَسجِدٍ لِلعِبادةِ.
— 266 —
يا رَبِّي، ويا رَبَّ السَّماواتِ والأَرَضِينَ.. يا خَالِقِي، ويا خَالِقَ كُلِّ شَيءٍ..
بِحَقِّ قُدرَتِك وإِرادَتِك وحِكْمَتِك وحاكِمِيَّتِك ورَحْمَتِك الَّتي سَخَّرتَ بِها السَّمَاواتِ بِنُجُومِها، والأَرضَ بمُشتَمَلاتِها، وجَمِيعَ المَخلُوقاتِ بِجَمِيعِ كَيفِيّاتِها وأَنواعِها:
سَخِّرْ لي نَفسِي، وسَخِّرْ لي مَطلُوبِي، وسَخِّر قُلُوبَ النَّاسِ لِرَسائِلِ النُّورِ لِيَخدُمُوا القُرآنَ والإِيمانَ.. وهَبْ لي ولِإِخوانِي إِيمانًا كامِلًا وحُسنَ الخاتِمةِ؛ وكما سَخَّرتَ البَحرَ لِمُوسَى عَلَيهِ السَّلَام، وسَخَّرتَ النّارَ لِإِبراهِيمَ عَلَيهِ السَّلَام، وسَخَّرتَ الجِبالَ والحَدِيدَ لِداوُدَ عَلَيهِ السَّلَام، وسَخَّرتَ الإِنسَ والجِنَّ لِسُلَيمانَ عَلَيهِ السَّلَام، وسَخَّرتَ الشَّمسَ والقَمَرَ لِمُحَمَّدٍ علَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ، سَخِّرِ القُلُوبَ والعُقُولَ لِرَسائِلِ النُّورِ؛ واحْفَظْنِي واحْفَظْ طَلَبةَ رَسائِلِ النُّورِ مِن شَرِّ النَّفسِ والشَّيطانِ، ومِن عَذابِ القَبرِ ومِن نارِ جَهَنَّمَ، وأَسعِدْنا في فِردَوسِ الجَنّةِ. آمِينَ.. آمِينَ.. آمِينَ.
سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
هَذا هُو الدَّرسُ الَّذي تَعَلَّمتُه مِنَ القُرآنِ الكَرِيم ومِنَ المُناجاةِ النَبَوِيّةِ المُسمَّاةِ الجَوْشَنَ الكَبِيرَ، فإِنْ كُنتُ قصَّرتُ في تَقدِيمِه عِبادةً تَفكُّرِيّةً بَينَ يَدَيْ رَبِّي الرَّحِيمِ، فإِنِّي أَضْرَعُ إلى رحْمَتِه سُبْحانَه مُستَشفِعًا بالقُرآنِ والجَوْشَنِ الكَبيرِ لِيَعفُوَ عَنِّي.
سعيد النُّورْسِيّ
— 267 —

الحجّة الإيمانية التاسعة

(مُقدِمة الشُّعاع التَّاسع حَولَ الحَشر)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ٭ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ ٭ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ ٭ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ ٭ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ٭ وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ ٭ وَمِنْ آَيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ٭ وَمِنْ آَيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ٭ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ ٭ وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ ٭ وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
— 268 —
سنُبيِّنُ في هذا "الشُّعاعِ التّاسِعِ" بُرهانًا قَوِيًّا، وحُجّةً كُبرَى، لِما تُبَيِّنُه هذه الآياتُ الكَريمةُ مِن مِحوَرِ الإيمانِ وقُطْبِه، وهو الحَشْرُ، ومِنَ البَراهِينِ السَّامِيةِ المُقدَّسةِ الدّالّةِ عليه.
وإنَّه لَعِنايةٌ رَبّانيّةٌ لَطِيفةٌ أن كَتَب "سَعيدٌ القَديمُ" قبلَ ثلاثين سَنةً في خِتامِ مُؤَلَّفِه "مُحاكَمات" الَّذي كَتَبَه مُقدِّمةً لِتَفسيرِ "إشاراتِ الإعجازِ في مَظانِّ الإيجازِ" ما يأتي:
المَقصَدُ الثاني: سوف يُفسِّرُ آيتَينِ تُبيِّنانِ الحَشرَ وتُشِيران إليه.
ولكنَّه ابتَدَأَ بی: نَخُوْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وتَوَقَّف، ولم تُتَح له الكِتابةُ.
فأَلْفُ شُكْرٍ وشُكْرٍ للخالِقِ الكَريمِ وبعَدَدِ دَلائلِ الحَشرِ وأَماراتِه أن وَفَّقني لِبَيانِ ذلك التَّفسيرِ بعدَ ثلاثين سنةً، فأَنعَمَ سُبحانَه وتَعالَى علَيَّ بتَفسيرِ الآيةِ الأُولَى:
فَانْظُرْ إِلَى آَثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
وذلك بعدَ نَحوِ عَشْرِ سَنَواتٍ، فأَصبَحَتِ "الكَلِمةَ العاشِرةَ" و"الكَلِمةَ التّاسِعةَ والعِشرين"، وهما حُجَّتانِ ساطِعَتانِ قَوِيَّتانِ أَخرَسَتا المُنكِرين الجاحِدِين..
وبعدَ حَوالَيْ عَشْرِ سَنَواتٍ مِن بَيانِ ذلِكُما الحِصنَينِ الحَصينَينِ لِلحَشرِ، أفاضَ علَيَّ سُبحانَه وتَعالَى وأَنعَمَ بتَفسيرِ الآياتِ المُتَصدِّرةِ لهذا الشُّعاعِ، فكان هذه الرِّسالةَ. فهذا "الشُّعاعُ التّاسِعُ" عِبارةٌ عن تِسعةِ مَقاماتٍ سامِيةٍ مِمّا أَشارَت إلَيْه الآياتُ الكَريمةُ مع مُقدِّمةٍ مُهِمّةٍ.
— 269 —

المقدمة

هذه المُقدِّمة نُقطَتانِ: سنَذكُرُ أوَّلًا وباختِصارٍ نَتيجةً واحِدةً جامِعةً مِن بينِ النَّتائجِ الحَياتيّةِ والفَوائدِ الرُّوحيّةِ لِعَقيدةِ الحَشرِ، مُبيِّنين مَدَى ضَرُورةِ هذه العَقيدةِ للحَياةِ الإنسانيةِ، ولا سيَّما الِاجتِماعيّةِ.
ونُورِدُ كذلك حُجّةً كُلِّيَّةً واحِدةً مِن بينِ الحُجَجِ العَديدةِ لِعَقيدةِ الإيمانِ بالحَشرِ، مُبيِّنين أيضًا مَدَى بَداهَتِها ووُضُوحِها حيثُ لا يُداخِلُها رَيبٌ ولا شُبهةٌ.

النُّقطة الأُولَى:

سنُشِيرُ إلى أَربَعةِ أَدِلّةٍ على سَبيلِ المِثالِ وكنَمُوذَجٍ قِياسِيٍّ مِن بينِ مِئاتِ الأَدِلّةِ على أنَّ عَقيدةَ الآخِرةِ هي أُسُّ الأَساسِ لِحياةِ الإنسانِ الِاجتِماعيةِ والفَردِيّةِ، وأَساسُ جَميعِ كَمالاتِه ومُثُلِه وسَعادَتِه.
الدليلُ الأوَّلُ: إنَّ الأَطفالَ الَّذين يُمَثِّلُون نِصفَ البَشَريّةِ، لا يُمكِنُهم أن يَتَحمَّلُوا تلك الحالاتِ الَّتي تَبدُو مُؤلِمةً ومُفجِعةً أَمامَهم مِن حالاتِ المَوتِ والوَفاةِ إلَّا بما يَجِدُونه في أَنفُسِهم وكِيانِهمُ الرَّقيقِ اللَّطيفِ مِنَ القُوّةِ المَعنَويّةِ النّاشِئةِ مِنَ "الإيمانِ بالجَنّةِ"، ذلك الإيمانِ الَّذي يَفتَحُ بابَ الأَمَلِ المُشرِقِ أَمامَ طَبائعِهمُ الرَّقيقةِ الَّتي لا تَتَمكَّنُ مِنَ المُقاوَمةِ والصُّمودِ وتَبكِي لِأَدنَى سَبَبٍ؛ فيَتَمكَّنُون به مِنَ العَيشِ بهَناءٍ وفَرَحٍ وسُرورٍ، فيُحاوِرُ الطِّفلُ المُؤمنُ بالجَنّةِ نَفسَه: إنَّ أخي الصَّغيرَ أو صَديقي الحَبيبَ الَّذي تُوُفِّي، أَصبَحَ الآنَ طَيرًا مِن طُيُورِ الجَنّةِ، فهو إذًا يَسرَحُ مِنَ الجَنّةِ حيثُ يَشاءُ، ويَعيشُ أَفضَلَ وأَهنَأَ مِنَّا؛ وإلَّا فلَولا هذا الإيمانُ بالجَنّةِ، لَهَدَم المَوْتُ الَّذي يُصيبُ أَطفالًا أَمثالَه یی وكذلك الكِبارُ یی تلك القُوّةَ المَعنَويّةَ لِهؤلاء الَّذين لا حِيلةَ لهم ولا قُوّةَ،
— 270 —
ولَحَطَّم نَفسِيّاتِهم، ولَدَمَّر حَياتَهم ونَغَّصَها، فتَبكي عِندَئذٍ جَميعُ جَوارِحِهم ولَطائِفِهم مِن رُوحٍ وقَلبٍ وعَقلٍ مع بُكاءِ عُيُونِهم؛ فإمَّا أن تَمُوتَ أَحاسِيسُهم وتَغلُظَ مَشاعِرُهم أو يُصبِحُوا كالحَيَواناتِ الضّالّةِ التَّعِسةِ.
الدَّليلُ الثاني: إنَّ الشُّيوخَ الَّذين هم نِصفُ البَشَريّةِ، إنَّما يَتَحمَّلُون ويَصبِرُون وهم على شَفيرِ القَبْرِ بی"الإيمانِ بالآخِرةِ"، ولا يَجِدُون الصَّبْرَ والسُّلوانَ مِن قُرْبِ انطِفاءِ شُعلةِ حَياتِهمُ العَزيزةِ علَيهم، ولا مِنِ انغِلاقِ بابِ دُنياهمُ الحُلْوةِ الجَميلةِ في وُجُوهِهم إلَّا في ذلك الإيمانِ؛ فهَؤُلاءِ الشُّيوخُ الَّذين عادُوا كالأَطفالِ وأَصبَحُوا مُرَهَفِيْ الحِسِّ في أَرْواحِهم وطَبائعِهم، إنَّما يُقابِلُون ذلك اليَأْسَ القاتِلَ الأَلِيمَ النّاشِئَ مِنَ المَوتِ والزَّوالِ، ويَصبِرُون عليه بالأَمَلِ في الحَياةِ الآخِرةِ، وإلَّا فلَولا هذا الإيمانُ بالآخِرةِ لَشَعَر هؤلاء الآباءُ والأُمَّهاتُ الَّذين هم أَجْدَرُ بالشَّفَقةِ والرَّأفةِ والَّذين هم في أَشَدِّ الحاجةِ إلى الِاطمِئنانِ والسَّكِينةِ والحَياةِ الهادِئةِ، ضِرامًا رُوحِيًّا واضطِرابًا نَفسِيًّا وقَلَقًا قَلْبيًّا، ولَضاقَتْ علَيهمُ الدُّنيا بما رَحُبَت، ولَتَحَوَّلَت سِجنًا مُظلِمًا رَهيبًا، ولَانقَلَبَتِ الحَياةُ إلى عَذابٍ أَلِيمٍ قاسٍ.
الدَّليلُ الثالث: إنَّ الشَّبابَ والمُراهِقين الَّذين يُمَثِّلُون مِحوَرَ الحَياةِ الِاجتِماعيّةِ لا يُهَدِّئُ فَوْرةَ مَشاعِرِهم، ولا يَمنَعُهم مِن تَجاوُزِ الحُدودِ إلى الظُّلمِ والتَّخريبِ، ولا يَمنَعُ طَيْشَ أَنفُسِهم ونَزَواتِها، ولا يُؤَمِّنُ السَّيرَ الأَفضَلَ في علاقاتِهمُ الِاجتِماعيّةِ إلَّا الخَوْفُ مِن نارِ جَهَنَّمَ، فلَولا هذا الخَوْفُ مِن عَذابِ جَهَنَّمَ لَقَلَبَ هؤلاء المُراهِقُون الطَّائِشُون الثَّمِلُون بأَهوائِهمُ الدُّنيا إلى جَحيمٍ تَتَأَجَّجُ على الضُّعَفاءِ والعَجائزِ، حيثُ "الحُكْمُ للغالِبِ"، ولَحَوَّلُوا الإنسانيّةَ السَّامِيةَ إلى حَيَوانيَّةٍ سافِلةٍ.
الدَّليلُ الرابع: إنَّ الحَياةَ العائليَّةَ هي نابِضُ الحَياةِ الدُّنيَويّةِ ومَركَزُها الجامِعُ، وهي جَنّةُ سَعادَتِها وقَلعَتُها الحَصينةُ ومَلْجَؤُها الأَمينُ؛ وإنَّ بَيتَ كلِّ فَردٍ هو عالَمُه ودُنياه الخاصّةُ، فلا سَعادةَ لِرُوحِ الحَياةِ العائليّةِ إلَّا بالِاحتِرامِ المُتَبادَلِ الجادِّ والوَفاءِ الخالِصِ بينَ الجَميعِ، والرَّأفةِ الصَّادِقةِ والرَّحمةِ الَّتي تَصِلُ إلى حَدِّ التَّضحِيةِ
— 271 —
والإيثارِ؛ ولا يَحصُلُ هذا الِاحتِرامُ الخالِصُ والرَّحمةُ المُتَبادَلةُ الوَفِيَّة إلَّا بالإيمانِ بوُجُودِ علاقاتِ صَداقةٍ أَبَديَّةٍ، ورُفقةٍ دائمةٍ، ومَعِيّةٍ سَرمَديّةٍ، في زَمَنٍ لا نِهايةَ له، وتحتَ ظِلِّ حياةٍ لا حُدُودَ لها، تَربِطُها عَلاقاتُ أُبُوّةٍ مُحتَرَمةٍ مَرمُوقةٍ، وأُخُوّةٍ خالِصةٍ نَقِيَّةٍ، وصَداقةٍ وَفِيَّةٍ نَزِيهةٍ، حيثُ يُحَدِّثُ الزَّوجُ نَفسَه: "إنَّ زَوْجَتي هذه رَفيقةُ حَياتي وصاحِبَتي في عالَمِ الأَبَدِ والحَياةِ الخالِدةِ، فلا ضَيْرَ إن أَصبَحَتِ الآنَ دَميمةً أو عَجُوزًا، إذ إنَّ لها جَمالًا أَبَديًّا سيَأتي، لِذا فأنا مُستَعِدٌّ لِتَقديمِ أَقصَى ما يَستَوجِبُه الوَفاءُ والرَّأفةُ، وأُضَحِّيَ بكلِّ ما تَتَطلَّبُه تلك الصَّداقةُ الدَّائمةُ".. وهكذا يُمكِنُ أن يُكِنَّ هذا الرَّجلُ حُبًّا ورَحمةً لِزَوجَتِه العَجُوزِ كما يُكِنُّه للحُورِ العِينِ؛ وإلَّا فإنَّ صُحبةً وصَداقةً صُورِيّةً تَستَغرِقُ ساعةً أو ساعتَينِ ومِن ثَمَّ يَعقُبُها فِراقٌ أَبَديٌّ ومُفارَقةٌ دائمةٌ لَهِي صُحبةٌ وصَداقةٌ ظاهِريّةٌ لا أَساسَ لها ولا سَنَدَ، ولا يُمكِنُها أن تُعطِيَ إلَّا رَحمةً مَجازِيّةً، واحتِرامًا مُصطَنَعًا، وعَطْفًا حَيَوانِيَّ المَشاعِرِ، فَضْلًا عن تَدَخُّلِ المَصالِحِ والشَّهَواتِ النَّفسانِيّةِ وسَيطَرَتِها على تلك الرَّحمةِ والِاحتِرامِ، فتَنقَلِبُ عِندَئذٍ تلك الجَنّةُ الدُّنيَوِيّةُ إلى جَحيمٍ لا يُطاقُ.
وهكذا، فإنَّ نَتِيجةً واحِدةً للإيمانِ بالحَشرِ مِن بينِ مِئاتِ النَّتائجِ تَتَعلَّقُ بالحَياةِ الِاجتِماعيّةِ للإنسانِ، وتَعُودُ إلَيها، ولها مِئاتُ الأَوجُهِ والفَوائدِ، إذا ما قِيسَت على تلك الدَّلائلِ الأَربعةِ المَذكُورةِ آنفًا، يُدرَك أنَّ وُقُوعَ حَقيقةِ الحَشرِ وتَحَقُّقَها قَطعِيٌّ كقَطعِيّةِ ثُبُوتِ حَقيقةِ الإنسانِ السَّامِيةِ وحاجاتِه الكُلِّيَّةِ؛ بل هي أَظهَرُ دَلالةً مِن حاجةِ المَعِدةِ إلى الأَطعِمةِ والأَغذِيةِ، وأَوضَحُ شَهادةً مِنها؛ ويُمكِنُ أن يُقدَّرَ مَدَى تَحَقُّقِها تَحَقُّقًا أَعمَقَ وأَكثَرَ إذا ما سُلِبَتِ الإنسانيّةُ مِن هذه الحَقيقةِ: الحَشرِ، حيثُ تُصبِحُ ماهِيَّتُها الَّتي هي سامِيةٌ ومُهِمّةٌ وحَيَويّةٌ بمَثابةِ جِيفةٍ نَتِنةٍ ومَأْوَى المَيكرُوباتِ والجَراثيمِ.
فَلْيُلقِ السَّمْعَ عُلَماءُ الِاجتِماعِ والسِّياسةِ والأَخلاقِ مِنَ المَعنِيِّين بشُؤُونِ الإنسانِ وأَخلاقِه واجتِماعِه، ولْيَأْتُوا ويُبيِّنُوا بماذا سيَملَؤُون هذا الفَراغَ؟ وبماذا سيُداوُون ويُضَمِّدُون هذه الجُروحَ الغائرةَ العَميقةَ؟!
— 272 —

النُّقطةُ الثَّانِية:

تُبيِّنُ هذه النُّقطةُ بإيجازٍ شديدٍ بُرهانًا واحِدًا مِن بينِ البَراهينِ الَّتي لا حَصْرَ لها على حَقيقةِ الحَشرِ، وهو ناشِئٌ مِن خُلاصةِ شَهادةِ سائرِ الأَركانِ الإيمانيَّةِ، وعلى النَّحوِ الآتي:
إنَّ جَميعَ المُعجِزاتِ الدَّالَّةِ على رِسالةِ سيِّدنا مُحمَّدٍ (ص) مع جَميعِ دَلائلِ نُبُوَّتِه وجَميعِ البَراهِينِ الدَّالَّةِ على صِدْقِه، تَشهَدُ بمَجمُوعِها معًا، على حَقيقةِ الحَشرِ، وتَدُلُّ علَيها وتُثبِتُها، لأنَّ دَعوَتَه (ص) طَوالَ حَياتِه المُبارَكةِ قد انصَبَّتْ بعدَ التَّوحِيدِ على الحَشرِ؛ وأنَّ جَميعَ مُعجِزاتِ الأَنبِياءِ عَلَيهِم السَّلَام وحُجَجَهُمُ الدّالّةَ على صِدقِهم وتَحمِلُ الآخَرين على تَصديقِهم؛ تَشهَدُ على الحَقيقةِ نَفسِها، وهي الحَشرُ.. وكذا شَهادةُ "الكُتُبِ المُنَزَّلةِ" الَّتي رَقَّتِ الشَّهادةَ الصَّادِرةَ مِنَ "الرُّسُلِ الكِرامِ" إلى دَرَجةِ البَداهةِ، تَشهَدانِ على الحقيقةِ نَفسِها، وعلى النَّحوِ الآتي:
فالقرآنُ الكَريمُ ذُو البَيانِ المُعجِزِ يَشهَدُ بجَميع مُعجِزاتِه وحُجَجِه وحَقائقِه الَّتي تُثبِتُ أَحَقِّيَّیتَه، على حُدُوثِ الحَشرِ ويُثبِتُه، حيثُ إنَّ ثُلُثَ القُرآنِ بأَكمَلِه، وأَوائلَ أَغلَبِ السُّوَرِ القِصارِ، آياتٌ جَلِيّةٌ على الحَشرِ، أي: إنَّ القُرآنَ الكَريمَ يُنبِئُ عنِ الحَقيقةِ نَفسِها بآلافٍ مِن آياتِه الكَريمةِ صَراحةً أو إشارةً ويُثْبِتُها بوُضُوحٍ، ويُظهِرُها بجَلاءٍ.
فمَثَلًا: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ، إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا، إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ، إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ، عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ، هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ، فيُثبِتُ القرآنُ الكريمُ بهذه الآياتِ وأَمثالِها في مُفتَتَحِ ما يُقارِبُ أَربَعين سُورةً أنَّ الحَشْرَ لا رَيبَ فيه، وأنَّه حَدَثٌ في غايةِ الأَهَمِّيّةِ في الكَوْنِ، وأنَّ حُدُوثَه ضَروريٌّ جِدًّا ولا بُدَّ مِنه، ويُبيِّنُ بالآياتِ الأُخرَى دَلائلَ مُختَلِفةً مُقنِعةً على تلك الحَقيقةِ.
تُرَى إن كان كِتابٌ تُثمِرُ إشارةٌ واحِدةٌ لِآيةٍ مِن آياتِه تلك الحَقائقَ العِلْميّةَ والكَونيّةَ المَعرُوفةَ بالعُلُومِ الإسلاميّةِ، فكيف إذًا بشَهادةِ آلافٍ مِن آياتِه ودَلائلِه الَّتي تُبيِّنُ الإيمانَ
— 273 —
بالحَشرِ كالشَّمسِ ساطِعةً؟ ألا يكُونُ الجُحُودُ بهذا الإيمانِ كإنكارِ الشَّمسِ، بل كإِنكارِ الكائناتِ قاطِبةً؟! ألا يكُونُ ذلك باطِلًا ومُحالًا في مِئةِ مُحالٍ؟!
تُرَى هل يُمكِنُ أن يُوصَم آلافُ الوَعدِ والوَعيدِ لِكَلامِ سُلطانٍ عَزيزٍ عَظيمٍ بالكَذِبِ أو أنَّها بلا حَقيقةٍ، في حِينِ قد يَخُوضُ الجَيشُ غِمارَ الحَربِ لِئلّا تُكذَّبَ إشارةٌ صادِرةٌ مِن سُلطانٍ؟! فكيف بالسُّلطانِ المَعنَويِّ العَظيمِ الَّذي دامَ حُكْمُه وهَيمَنَتُه ثلاثةَ عَشَرَ قَرْنًا دونَ انقِطاعٍ، فرَبَّى ما لا يُعَدُّ مِنَ الأَرواحِ والعُقُولِ والقُلُوبِ والنُّفُوسِ، وزَكَّاها وأَدارَها على الحَقِّ والحَقيقةِ، ألا تَكفِي إشارةٌ واحِدةٌ مِنه لإثباتِ حَقيقةِ الحَشرِ؟ عِلمًا أنَّ فيه آلافَ الصَّراحةِ الواضِحةِ المُثبِتةِ لهذه الحَقيقةِ! ألَيسَ الَّذي لا يُدرِكُ هذه الحَقيقةَ الواضِحةَ أَحمَقَ جاهِلًا؟ ألا يَكُونُ مِنَ العَدالةِ المَحضةِ أن تكُونَ النّارُ مَثْواه؟
ثمَّ إنَّ الصُّحُفَ السَّماوِيَّةَ والكُتُبَ المُقدَّسةَ جَميعَها الَّتي حَكَمَت كلٌّ مِنها لحِقبةٍ مِنَ العُصُورِ والأَزمِنةِ، قد صَدَّقَت بآلافٍ مِنَ الدَّلائلِ دَعوَى القُرآنِ الكَريمِ في حَقيقةِ الحَشرِ مع أنَّ بَيانَها لها مُختَصَرٌ ومُوجَزٌ، وذلك بمُقتَضَى زَمانِها وعَصرِها، تلك الحَقيقةُ القاطِعةُ الَّتي بَيَّنَها القُرآنُ الكَريمُ الَّذي سادَ حُكْمُه على العُصُورِ جَميعِها، وهَيْمَن على المُستَقبَلِ كلِّه، بيَّنَها بجَلاءٍ وأَفاضَ في إيضاحِها.
يُدرَجُ هنا نَصُّ ما جاءَ في آخِرِ رِسالةِ «المُناجاةِ» انسِجامًا مع البَحْثِ، تلك الحُجّةُ القاطِعةُ المُلَخَّصةُ للحَشرِ، والنّاشِئةُ مِن شَهادةِ سائرِ الأركانِ الإيمانيّةِ ودَلائلِها على الإيمانِ باليَوْمِ الآخِرِ، ولا سِيَّما الإيمانِ بالرُّسُلِ والكُتُبِ، والَّتي تُبَدِّدُ الأَوهامَ والشُّكُوكَ، حيثُ جاءَت بأُسلُوبٍ مُوجَزٍ، وعلى صُورةِ مُناجاةٍ:
"يا رَبِّي الرَّحيمَ.. لقد أَدْرَكْتُ بتَعلِيمِ الرَّسُولِ (ص) وفَهِمتُ مِن تَدرِيسِ القُرآنِ الحَكيمِ، أنَّ الكُتُبَ المُقَدَّسةَ جَميعَها، وفي مُقَدِّمَتِها القُرآنُ الكَريمُ، والأَنبِياءُ عَلَيهِم السَّلَام جَميعُهم، وفي مُقَدِّمَتِهمُ الرَّسُولُ الأَكرَمُ (ص)، يَدُلُّون ويَشهَدُون ويُشِيرُون بالإِجماعِ والِاتِّفاقِ إلى أنَّ تَجَلِّياتِ الأَسماءِ الحُسنَى یی ذاتِ الجَلالِ والجَمالِ یی الظَّاهِرةِ آثارُها في هذه الدُّنيا، وفي العَوالِمِ كافّةً، ستَدُومُ دَوامًا أَسْطَعَ وأَبْهَرَ في أَبَدِ الآبادِ.. وأنَّ تَجَلِّياتِها
— 274 —
یی ذاتَ الرَّحمةِ یی وآلاءَها المُشاهَدةَ نَماذِجُها في هذا العالَمِ الفَاني، ستُثْمِرُ بأَبهَى نُورٍ وأَعظَمٍ تَأَلُّقٍ، وستَبْقَى دَوْمًا في دارِ السَّعادةِ.. وأنَّ أُولَئِك المُشتاقِين الَّذين يَتَمَلَّونَها یی في هذه الحَياةِ الدُّنيا القَصيرةِ یی بلَهْفةٍ وشَوْقٍ سيُرافِقُونها بالمَحَبّةِ والوُدِّ، ويَصْحَبُونها إلى الأَبَدِ، ويَظَلُّون مَعَها خالِدين.. وأنَّ جَميعَ الأَنبِياءِ وهم ذَوُو الأَرواحِ النَّيِّرةِ یی وفي مُقَدِّمَتِهمُ الرَّسُولُ الأَكرَمُ (ص) یی وجَميعَ الأَولياءِ وهم أَقطابُ ذَوِي القُلوبِ المُنوَّرةِ، وجَميعَ الصِّدِّيقين وهم مَنابِعُ العُقولِ النّافِذةِ النَّيیِّرةِ، كلُّ أُولَئِك يُؤْمِنُون إيمانًا راسِخًا عَمِيقًا بالحَشرِ ويَشهَدُون عليه ويُبَشِّرون البَشَريّةَ بالسَّعادةِ الأَبَديّةِ، ويُنذِرُون أهلَ الضَّلالةِ بأنَّ مَصِيرَهمُ النّارُ، ويُبَشِّرُون أَهلَ الهِدايةِ بأنَّ عاقِبَتَهمُ الجَنّةُ، مُستَنِدِين إلى مِئاتِ المُعجِزاتِ الباهِرةِ والآياتِ القاطِعةِ، وإلى ما ذَكَرْتَه أَنتَ يا رَبِّي مِرارًا وتَكرارًا في الصُّحُفِ السَّماوِيّةِ والكُتُبِ المُقَدَّسةِ كُلِّها مِن آلافِ الوَعدِ والوَعيدِ؛ ومُعتَمِدِين على عِزّةِ جَلالِك وسُلطانِ رُبُوبِيَّتِك وشُؤُونِك الجَليلةِ، وصِفاتِك المُقدَّسةِ كالقُدْرةِ والرَّحمةِ والعِنايةِ والحِكمةِ والجَلالِ والجَمالِ، وبِناءً على مُشاهَداتِهم وكَشْفِيّاتِهم غيرِ المَعدُودةِ الَّتي تُنْبِئُ عن آثارِ الآخِرةِ ورَشَحاتِها؛ وبِناءً على إيمانِهم واعتِقادِهمُ الجازِمِ الَّذي هو بدَرَجةِ عِلمِ اليَقِينِ وعَينِ اليَقِينِ.
فيا قَدِيرُ ويا حَكِيمُ ويا رَحمٰنُ ويا رَحِيمُ ويا صادِقَ الوَعدِ الكَريمَ، ويا ذا العِزّةِ والعَظَمةِ والجَلالِ، ويا قَهَّارُ ذُو الجَلالِ.. أنتَ مُقَدَّسٌ ومُنَزَّهٌ، وأنتَ مُتَعالٍ عن أن تَصِمَ بالكَذِبِ كلَّ أَوْلِيائِك وكلَّ وُعُودِك وصِفاتِك الجَلِيلةِ وشُؤُونِك المُقَدَّسةِ.. فتُكَذِّبَهم، وأن تَحْجُبَ ما يَقتَضِيه قَطْعًا سُلْطانُ رُبُوبِيَّتِك بعَدَمِ استِجابَتِك لِتِلك الأَدعِيةِ الصّادِرةِ مِن عِبادِك الصّالِحِين الَّذين أَحبَبْتَهم وأَحَبُّوك، وحَبَّبوا أَنفُسَهم إلَيك بالإيمانِ والتَّصْديقِ والطّاعةِ، فأنتَ مُنَزَّهٌ ومُتَعالٍ مُطلَقٌ عن أن تُصَدِّقَ أَهلَ الضَّلالةِ والكُفرِ في إنكارِهِمُ الحَشرَ، أُولَئك الَّذين يَتَجاوَزُون على عَظَمَتِك وكِبرِيائِك بكُفرِهم وعِصْيانِهم وتَكذِيبِهم لك ولِوُعُودِك، والَّذين يَستَخِفُّون بعِزّةِ جَلالِك وعَظَمةِ أُلُوهِيَّتِك ورَأْفةِ رُبُوبِيَّتِك..
فنحنُ نُقَدِّسُ بلا حَدٍّ ولا نِهايةٍ عَدالَتَك وجَمالَك المُطلَقَينِ ورَحمَتَك الواسِعةَ ونُنَیزِّهُها مِن هذا الظُّلمِ والقُبْحِ غيرِ المُتَناهي.. ونَعتَقِدُ ونُؤمِنُ بكلِّ ما أُوتِينا مِن قُوّةٍ بأنَّ
— 275 —
الآلافَ مِنَ الرُّسُلِ والأَنبِياءِ الكِرامِ، وبما لا يُعَدُّ ولا يُحْصَى مِنَ الأَصفِياءِ والأَولِياءِ الَّذين همُ المُنادُونَ إلَيك هم شاهِدُونَ بحَقِّ اليَقِينِ وعَينِ اليَقينِ وعِلمِ اليَقينِ على خَزائِنِ رَحمَتِك الأُخرَوِيّةِ وكُنُوزِ إحسَانَاتِك في عالَمِ البَقاءِ، وتَجَلِّياتِ أَسمائِك الحُسنَى الَّتي تَنكَشِفُ كُلِّيًّا في دارِ السَّعادةِ.. ونُؤْمِنُ أنَّ هذه الشَّهادةَ حَقٌّ وحَقيقةٌ، وأنَّ إشاراتِهم صِدقٌ وواقِعٌ، وأنَّ بِشاراتِهم صادِقةٌ وواقِعةٌ..
فهَؤُلاءِ جَميعًا يُؤمِنُون بأنَّ هذه الحَقيقةَ الكُبرَى (أي: الحَشرَ) شُعاعٌ عَظيمٌ مِنِ اسمِ "الحَقِّ" الَّذي هو مَرْجِعُ جَميعِ الحَقَائقِ وشَمْسُها، فيُرشِدُون عِبادَك یی بإذنٍ مِنك یی ضِمنَ دائرةِ الحَقِّ، ويُعَلِّمُونَهم بعَينِ الحَقيقةِ.
فيا رَبِّي.. بحَقِّ دُرُوسِ هَؤُلاءِ، وبحُرمةِ إرشاداتِهم، آتِنا إيمانًا كامِلًا، وارْزُقنا حُسْنَ الخاتِمةِ، لنا ولِطُلّابِ النُّورِ، واجعَلْنا أَهلًا لِشَفاعَتِهم.. آمين".
وهكذا فإنَّ الدَّلائِلَ والحُجَجَ الَّتي تُثبِتُ صِدْقَ القُرآنِ الكَريمِ بل جَميعِ الكُتُبِ السَّماوِيّةِ، وإنَّ المُعجِزاتِ والبَراهِينَ الَّتي تُثبِتُ نُبُوّةَ حَبِيبِ اللهِ بلِ الأَنبِياءِ جَمِيعِهم، تُثبِتُ بدَوْرِها أَهَمَّ ما يَدْعُون إليه، وهو تَحَقُّقُ الآخِرةِ وتَدُلُّ علَيها؛ كما أنَّ أَغلَبَ الأَدِلّةِ والحُجَجِ الشّاهِدةِ على وُجُوبِ واجِبِ الوُجُودِ ووَحْدَتِه سُبحانَه، هي بِدَوْرِها شاهِدةٌ على دارِ السَّعادةِ وعالَمِ البَقاءِ الَّتي هي مَدارُ الرُّبُوبيّةِ والأُلُوهِيّةِ وأَعظَمُ مَظهَرٍ لَهُما، وهي شاهِدةٌ على وُجُودِ تلك الدَّارِ وانفِتاحِ أَبوابِها یی كما سيُبَيَّنُ في المَقاماتِ الآتِيةِ یی لأنَّ وُجُودَه سُبحانَه وتَعالَى، وصِفاتِه الجَلِيلةَ، وأَغلَبَ أَسمائِه الحُسنَى، وشُؤُونَه الحَكِيمةَ، وأَوصافَه المُقَدَّسةَ أَمثالَ الرُّبُوبيّةِ والأُلُوهِيّةِ والرَّحمةِ والعِنايةِ والحِكمةِ والعَدالةِ، تَقتَضِي جَمِيعُها الآخِرةَ وتُلازِمُها، بل تَستَلزِمُ وُجُودَ عالَمِ البَقاءِ بدَرَجةِ الوُجُوبِ، وتَطْلُبُ الحَشرَ والنُّشُورَ للثَّوابِ والعِقابِ بدَرَجةِ الضَّرُورةِ أيضًا.
نعم، ما دامَ اللهُ مَوجُودًا، وهو واحِدٌ، أَزَلِيٌّ أَبَدِيٌّ، فلا بُدَّ أنَّ مِحوَرَ سُلطانِ أُلُوهِيَّتِه وهو الآخِرةُ، مَوجُودٌ أيضًا.. وما دامَتِ الرُّبُوبيّةُ المُطلَقةُ الَّتي هي ذاتُ جَلالٍ وعَظَمةٍ وحِكمةٍ ورَأفةٍ تَتَجَلَّى ظاهِرةً واضِحةً في هذه الكائِناتِ ولا سِيَّما في الأَحياءِ،
— 276 —
فلا بُدَّ أنَّ هناك سَعادةً أَبَدِيّةً تَنفِي عنِ الرُّبُوبيّةِ المُطلَقةِ أيَّ ظَنٍّ بكَونِها تَترُكُ الخَلْقَ هَمَلًا دُونَ ثَوابٍ، وتُبْرِئُ الحِكمةَ مِنَ العَبَثِ، وتَصُونُ الرَّأفةَ مِنَ الغَدْرِ؛ أي: إنَّ تلك الدّارَ مَوجُودةٌ قَطْعًا ولا بُدَّ مِنَ الدُّخُولِ فيها.
وما دامَت هذه الأَنواعُ مِنَ الإنعامِ والإحسانِ واللُّطْفِ والكَرَمِ والعِنايةِ والرَّحمةِ مُشاهَدةً وظاهِرةً أَمامَ العُقُولِ الَّتي لم تَنطَفِئْ، وأَمامَ القُلُوبِ الَّتي لم تَمُتْ، وتَدُلُّنا على وُجُوبِ وُجُودِ رَبٍّ رَحمٰنٍ رَحِيمٍ وَراءَ الحِجابِ، فلا بُدَّ مِن حَياةٍ باقِيةٍ خالِدةٍ، لِتُنقِذَ الإِنعامَ مِنَ الِاستِهزاءِ، أي: يَأخُذَ الإِنعامُ مَداه، وتَصُونَ الإحسانَ مِنَ الخِداعِ لِيَستَوْفِيَ حَقِيقَتَه، وتُنقِذَ العِنايةَ مِنَ العَبَثِ لِتَستَكمِلَ تَحَقُّقَها، وتُنجِيَ الرَّحمةَ مِنَ النِّقمةِ فيَتِمَّ وُجُودُها، وتُبرِئَ اللُّطْفَ والكَرَمَ مِنَ الإهانةِ لِيَفِيضا على العِبادِ.. نعم، إنَّ الَّذي يَجعَلُ الإحسانَ إِحسانًا حَقًّا، والنِّعمةَ نِعمةً حَقًّا، هو وُجُودُ حَياةٍ باقِيةٍ خالِدةٍ في عالَمِ البَقاءِ والخُلُودِ.. نعم، لا بُدَّ أن يَتَحَقَّقَ هذا.
وما دامَ قَلَمُ القُدرةِ الَّذي يَكتُبُ في فَصلِ الرَّبيعِ وفي صَحِيفةٍ ضَيِّقةٍ صَغِيرةٍ، مِئةَ أَلْفِ كِتابٍ، كِتابةً مُتَداخِلةً بلا خَطَأٍ ولا نَصَبٍ ولا تَعَبٍ، كما هو واضِحٌ جَلِيٌّ أَمامَ أَعيُنِنا؛ وأنَّ صاحِبَ ذلك القَلَمِ قد تَعَهَّد ووَعَدَ مِئةَ أَلْفِ مَرّةٍ: لَأَكْتُبَنَّ كِتابًا أَسهلَ مِن كِتابِ الرَّبيعِ المَكتُوبِ أَمامَكم، ولَأَكتُبنَّه كِتابةً خالِدةً، في مَكانٍ أَوْسَعَ وأَرْحَبَ وأَجْمَلَ مِن هذا المَكانِ الضَّيِّقِ المُختَلِطِ المُتَداخِلِ.. فهو كِتابٌ لا يَفنَى أَبدًا، ولَأَجعَلَنَّیكُم تَقرَؤُونه بحَيرةٍ وإعجابٍ!. وأنَّه سُبحانَه يَذكُرُ ذلك الكِتابَ في جَميعِ أَوامِرِه، أي: إنَّ أُصُولَ ذلك الكِتابِ قد كُتِبَت بلا رَيبٍ، وستُكتَبُ حَواشِيه وهَوامِشُه بالحَشرِ والنُّشُورِ، وستُدَوَّنُ فيه صَحائفُ أَعمالِ الجَميعِ..
وما دامَت هذه الأَرضُ قد أَصبَحَت ذاتَ أَهَمِّيّةٍ عُظَمَى مِن حيثُ احتِواؤُها على كَثرةِ المَخلُوقاتِ، ومِئاتِ الأُلُوفِ مِن أَنواعِ ذَوِي الحَياةِ والأَرْواحِ المُختَلِفةِ المُتَبَدِّلةِ، حتَّى صارَت قَلْبَ الكَوْنِ وخُلاصَتَه، ومَركزَه وزُبدَتَه ونَتِيجَتَه وسَبَبَ خَلْقِه؛ فذُكِرَت دائمًا صِنْوًا للسَّماواتِ كما في: رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ في جَميعِ الأَوامِرِ السَّماوِيّةِ..
— 277 —
وما دامَ ابنُ آدَمَ يَحْكُمُ في شَتَّى جِهاتِ هذه الأَرضِ یی الَّتي لها هذه الماهِيّاتُ والخَواصُّ یی ويَتَصَرَّفُ في أَغلَبِ مَخلُوقاتِها مُسَخِّرًا أَكثَرَ الأَحياءِ له، جاعِلًا أَكثَرَ المَصنُوعاتِ تَحُومُ حَوْلَه وَفْقَ مَقايِيسِ هَواه، وحَسَبَ حاجاتِه الفِطرِيّةِ، ويُنَظِّمُها ويَعرِضُها ويُزَيِّنُها، ويُنَسِّقُ الأَنواعَ العَجِيبةَ مِنها في كلِّ مَكانٍ بحَيثُ لا يَلْفِتُ نَظَرَ الإنسِ والجِنِّ وَحدَهم، بل يَلفِتُ أيضًا نَظَرَ أَهلِ السَّماواتِ والكَوْنِ قاطِبةً، بل حتَّى نَظَرَ مالِكِ الكَوْنِ، فنالَ الإعجابَ والتَّقديرَ والِاستِحسانَ، وأَصبَحَت له یی مِن هذه الجِهةِ یی أَهَمِّيّةٌ عَظِيمةٌ، وقِيمةٌ عالِيةٌ، فأَظهَر بما أُوتِيَ مِن عِلمٍ ومَهارةٍ أنَّه هو المَقْصُودُ مِن حِكمةِ خَلْقِ الكائناتِ، وأنَّه هو نَتِيجَتُها العُظمَى وثَمَرتُها النَّفيسةُ، ولا غَرْوَ فهُو خَلِيفةُ الأَرضِ.. وحيثُ إنَّه يَعرِضُ صَنائِعَ الخالِقِ البَديعةَ، ويُنَظِّمُها بشَكلٍ جَميلٍ جَذَّابٍ في هذه الدُّنيا، فقد أُجِّلَ عَذابُه رَغمَ عِصيانِه وكُفرِه، وسُمِحَ له بالعَيشِ في الدّنيا، وأُمهِلَ لِيَقُومَ بهذه المُهِمّةِ بنَجاحٍ..
وما دامَ لابنِ آدَمَ یی الَّذي له هذه الماهِيّةُ والمَزايا خِلقةً وطَبْعًا، وله حاجاتٌ لا تُحَدُّ مع ضَعْفِه الشَّديدِ، وآلامٌ لا تُعَدُّ مع عَجْزِه الكامِلِ یی ربٌّ قَدِيرٌ، له الحِكمةُ والقُدرةُ والرَّأفةُ المُطلَقةُ مِمَّا يَجعَلُ هذه الأَرضَ الهائلةَ العَظيمةَ مَخْزَنًا عَظِيمًا لِأَنواعِ المَعادِنِ الَّتي يَحتاجُها الإنسانُ، ومُستَوْدَعًا لِأَنواعِ الأَطعِمةِ الضَّرُورِيّةِ له، وحانُوتًا للأَموالِ المُختَلِفةِ الَّتي يَرغَبُها، وأنَّه سُبحانَه يَنظُرُ إليه بعَينِ العِنايةِ والرَّأفةِ ويُرَبِّيه ويُزَوِّدُه بما يُريدُ..
وما دامَ الرَّبُّ سُبحانَه یی كما في هذه الحَقيقةِ یی يُحِبُّ الإنسانَ، ويُحَبِّبُ نَفسَه إليه، وهو باقٍ، وله عَوالِمُ باقِيةٌ، ويُجرِي الأُمُورَ وَفْقَ عَدالَتِه، ويَعمَلُ كلَّ شَيءٍ وَفْقَ حِكمَتِه، وأنَّ عَظَمةَ سُلطانِ هذا الخالِقِ الأَزَلِيِّ وسَرْمَدِيّةَ حاكِمِيَّتِه لا تَحصُرُهما هذه الدُّنيا القَصِيرةُ، ولا يَكفِيهِما عُمُرُ الإنسانِ القَصيرُ جِدًّا، ولا عُمُرُ هذه الأَرضِ المُؤَقَّتةِ الفانِيةِ؛ حيثُ يَظَلُّ الإنسانُ دُونَ جَزاءٍ في هذه الدُّنيا لِما يَرْتَكِبُه مِن وَقائِعِ الظُّلمِ، وما يَقتَرِفُه مِن إنكارٍ وكُفرٍ وعِصيانٍ، تُجاهَ مَوْلاه الَّذي أَنعَمَ علَيه ورَبَّاه برَأفةٍ كامِلةٍ وشَفَقةٍ
— 278 —
تامّةٍ، مِمّا يُنافي نِظامَ الكَوْنِ المُنَسَّقِ، ويُخالِفُ العَدالةَ والمُوازَنةَ الكامِلةَ الَّتي فيها، ويُخالِفُ جَمالَه وحُسْنَه، إذ يَقضِي الظَّالِمُ القاسِي حَياتَه براحةٍ، بَينَما المَظلُومُ البائِسُ يَقضِيها بشَظَفٍ مِنَ العَيشِ. فلا شَكَّ أنَّ ماهِيّةَ تلك العَدالةِ المُطلَقةِ یی الَّتي تُشاهَدُ آثارُها في الكائِناتِ یی لا تَقبَلُ أَبدًا، ولا تَرضَى مُطلَقًا، عَدَمَ بَعْثِ الظَّالِمِين العُتاةِ معَ المَظلُومِين البائِسِين الَّذين يَتَساوَوْن معًا أَمامَ المَوتِ.
وما دامَ مالِكُ المُلكِ قدِ اختارَ الأَرضَ مِنَ الكَوْنِ، واختارَ الإنسانَ مِنَ الأَرضِ، ووَهَبَ له مَكانةً سامِيةً، وأَوْلاه الِاهتِمامَ والعِنايةَ، واختارَ الأَنبِياءَ والأَوْلِياءَ والأَصْفِياءَ مِن بينِ النَّاسِ، وهُمُ الَّذين انسَجَمُوا معَ المَقاصِدِ الرَّبّانِيّةِ، وحَبَّبُوا أَنفُسَهم إلَيه بالإيمانِ والتَّسلِيمِ، وجَعَلَهم أَوْلِياءَه المَحبُوبِين المُخاطَبِين له، وأَكرَمَهم بالمُعجِزاتِ والتَّوفِيقِ في الأَعمالِ، وأَدَّبَ أَعداءَهم بالصَّفَعاتِ السَّماوِيّةِ، واصطَفَى مِن بينِ هؤُلاء المَحبُوبِينَ إمامَهم ورَمْزَ فَخرِهم واعتِزازِهم، ألا وهو مُحمَّدٌ (ص)، فنَوَّرَ بنُورِه نِصفَ الكُرةِ الأَرضِيّةِ ذاتِ الأَهَمِّيّةِ، وخُمُسَ البَشَرِيّةِ ذَوِي الأَهَمِّيّةِ، طَوالَ قُرُونٍ عِدّةٍ، حتَّى كأنَّ الكائِناتِ قد خُلِقَت لِأَجلِه، لِبُروزِ غاياتِها جَميعًا به، وظُهُورِها بالدِّينِ الَّذي بُعِث به، وانجِلائها بالقُرآنِ الَّذي أُنزِلَ علَيه؛ فبَينَما يَستَحِقُّ أن يُكافَأَ على خِدْماتِه الجَلِيلةِ غيرِ المَحدُودةِ بعُمُرٍ مَديدٍ غيرِ مَحدُودٍ وهو أَهلٌ له، إلَّا أنَّه قَضَى عُمُرًا قَصيرًا وهو ثلاثٌ وسِتُّون سنةً في مُجاهَدةٍ ونَصَبٍ وتَعَبٍ! فهل يُمكِنُ، وهل يُعقَلُ مُطلَقًا، وهل هناك أيُّ احتِمالٍ ألَّا يُبعَث هو وأَمثالُه وأَحِبّاؤُه معًا؟! وألَّا يكونَ الآن حَيًّا برُوحِه؟! وأن يَفنَى نِهائيًّا ويَصيرَ إلى العَدَمِ؟ كلَّا.. ثم كلَّا.. وحاشاه أَلْفَ أَلْفِ مَرّةٍ. نعم، إنَّ الكَوْنَ وجَميعَ حَقائقِ العالَمِ يَدعُو إلى بَعْثِه ويُرِيدُه ويَطلُبُ مِن ربِّ الكَوْنِ حَياتَه.
ولقد بَيَّنَتْ رِسالةُ "الآيةُ الكُبْرَى" وهي الشُّعاعُ السَّابِعُ وأَثْبَتَتْ بثلاثةٍ وثلاثين إجماعًا عَظيمًا، كلٌّ مِنها كالجَبَلِ الأَشَمِّ في قُوّةِ حُجَّتِه، بأنَّ هذا الكَوْنَ لم يَصْدُر إلَّا مِن يَدِ واحِدٍ أَحَدٍ، وليس مُلكًا إلَّا لواحِدٍ أَحَدٍ؛ فأَظهَرَتِ التَّوحِيدَ یی بتلك البَراهِينِ والمَراتِبِ بَداهةً یی الَّذي هو مِحوَرُ الكَمالِ الإِلٰهيَّ وقُطْبُه، وبَيَّنَت أنَّه بالوَحدةِ والأَحَدِيّةِ
— 279 —
يَتَحوَّلُ جَميعُ الكَونِ بمَثابةِ جُنُودٍ مُستَنفَرين لِذلك الواحِدِ الأَحَدِ، ومُوَظَّفين مُسَخَّرين له؛ وبمَجِيءِ الآخِرةِ ووُجُودِها تَتَحقَّقُ كَمالاتُه وتُصانُ مِنَ السُّقُوطِ وتَسُودُ عَدالتُه المُطلَقةُ، وتَنجُو مِنَ الظُّلمِ، وتُنزَّهُ حِكمَتُه العامّةُ وتُبرَأُ مِنَ العَبَثِ والسَّفاهةِ، وتَأخُذُ رَحمَتُه الواسِعةُ مَداها، وتُنقَذُ مِنَ التَّعذِيبِ المُشِينِ؛ وتَبدُو عِزَّتُه وقُدرَتُه المُطلَقَتانِ وتُنقَذان مِنَ العَجزِ الذَّليلِ؛ وتَتَقدَّسُ كلُّ صِفةٍ مِن صِفاتِه سُبحانَه وتَتَجلَّى مُنَزَّهةً جَليلةً.
فلا بُدَّ ولا رَيبَ مُطلَقًا أنَّ القِيامةَ ستَقُومُ، وأنَّ الحَشرَ والنُّشُورَ سيَحدُثُ، وأنَّ أَبوابَ دارِ الثَّوابِ والعِقابِ ستُفتَحُ، بمُقتَضَى ما في حَقائقِ هذه الفِقْراتِ الثَّمانِيةِ المَذكُورةِ المُبتَدَأةِ بی"ما دامَ" الَّتي هي مَسأَلةٌ دَقِيقةٌ ونُكتةٌ ذاتُ مَغزًى لَطيفٍ مِن بينِ مِئاتِ النِّیكاتِ الدَّقيقةِ للإيمانِ بالله؛ وذلك كي تَتَحقَّقَ أَهَمِّيّةُ الأَرضِ ومَركَزِيَّتُها، وأَهَمِّيّةُ الإِنسانيّةِ ومَكانَتُها.. ولكي تَتَقرَّرَ عَدالةُ رَبِّ الأَرضِ والإنسانِ وحِكمَتُه ورَحمَتُه وسُلطانُه؛ ولكي يَنجُوَ الأَولِياءُ والأَحِبَّاءُ الحَقِيقيُّون والمُشتاقُون إلى الرَّبِّ البَاقِي مِنَ الفَناءِ والإعدامِ الأَبَدِيّ؛ ولكي يَرَى أَعظَمُهم وأَحَبُّهم وأَعَزُّهم ثَوابَ عَمَلِه، ونَتائِجَ خِدْماتِه الجَليلةِ الَّتي جَعَلَتِ الكائناتِ في امتِنانٍ ورِضًا دائمَينِ.. ولكي يَتَقدَّسَ كَمالُ السُّلطانِ السَّرمَدِيِّ مِنَ النَّقْصِ والتَّقصيرِ، وتَتَنزَّهَ قُدرَتُه مِنَ العَجْزِ، وتَبرَأَ حِكمَتُه مِنَ السَّفاهةِ، وتَتَعالَى عَدالَتُه عنِ الظُّلمِ.
والخُلاصةُ: ما دامَ اللهُ جلَّ جَلالُه مَوجُودًا فإنَّ الآخِرةَ لا رَيبَ فيها قَطعًا.
وكما تُثبِتُ الأَركانُ الإيمانيّةُ الثّلاثةُ یی المَذكُورةُ آنِفًا یی الحَشرَ بجَميعِ دَلائلِها وتَشهَدُ عليه، كذلك يَستَلزِمُ الرُّكنانِ الإيمانيّانِ «وبمَلائكَتِه، وبالقَدَرِ خَيرِه وشَرِّه مِنَ اللهِ تعالَى» أيضًا الحَشرَ، ويَشهَدانِ شَهادةً قَوِيّةً على العالَمِ الباقي ويَدُلّانِ علَيه على النَّحوِ الآتي:
إنَّ جَميعَ الدَّلائلِ والمُشاهَداتِ والمُكالَماتِ الدَّالَّةِ على وُجُودِ المَلائكةِ ووَظائفِ عُبُودِيَّتِهم، هي بدَوْرِها دَلائلُ على وُجُودِ عالَمِ الأَرواحِ وعالَمِ الغَيبِ وعالَمِ البَقاءِ وعالَمِ الآخِرةِ ودار السَّعادةِ والجَنّةِ والنّارِ اللَّتَينِ ستَعمُرانِ بالجِنِّ والإنسِ، لأنَّ
— 280 —
المَلائكةَ يُمكِنُهم یی بإذنٍ إِلٰهيٍّ یی أن يُشاهِدُوا هذه العَوالِمَ ويَدخُلُوها، لذا فالمَلائكةُ المُقرَّبُون يُخبِرُون بالاتِّفاقِ یی كجِبريلَ عَلَيهِ السَّلَام الَّذي قابلَ البَشَرَ یی بوُجُودِ تلك العَوالِمِ المَذكُورةِ وتَجْوالِهم فيها؛ فكما أنَّنا نَعلَمُ بَديهةً وُجُودَ قارّةِ أَمرِيكا الَّتي لم نَرَها مِن كَلامِ القادِمِين مِنها، كذلك يكونُ الإيمانُ بديهةً بما أَخبَرَت به المَلائكةُ یی وهو بقُوّةِ مِئةِ تَواتُرٍ یی عن وُجُودِ عالَمِ البَقاءِ ودارِ الآخِرةِ والجَنّةِ والنّارِ.. وهكذا نُؤمِنُ ونُصَدِّقُ.
وكذلك الدَّلائلُ الَّتي تُثبِتُ "الإيمانَ بالقَدَرِ" یی كما جاءَت في رِسالةِ القَدَرِ "الكَلِمةِ السّادِسةِ والعِشرين" یی هي بدَوْرِها دَلائلُ على الحَشرِ ونَشرِ الصُّحُفِ ومُوازَنةِ الأَعمالِ عِندَ المِيزانِ الأَكبَرِ، ذلك لأنَّ ما نَراه أمامَ أَعيُنِنا مِن تَدوِينِ مُقَدَّراتِ كلِّ شيءٍ على أَلواحِ النِّظامِ والمِيزانِ، وكِتابةِ أَحداثِ الحَياةِ ووَقائعِها لكلِّ ذي حَياةٍ في قُواه الحافِظةِ، وفي حُبُوبِه ونَواه، وفي سائرِ الأَلواحِ الِمثالِيّةِ؛ وتَثبِيتِ دَفاتِرِ الأَعمالِ لكلِّ ذِي رُوحٍ ولا سِيَّما الإنسانِ، وإقرارِها في أَلواحٍ مَحفُوظةٍ.. كلُّ هذا القَدْرِ مِنَ القَدَرِ المُحِيطِ، ومِنَ التَّقديرِ الحَكيمِ، ومِنَ التَّدوينِ الدَّقيقِ، ومِنَ الكِتابةِ الأَمينةِ، لا يُمكِنُ أن يكونَ إلَّا لِأَجْلِ مَحكَمةٍ كُبرَى، ولِنَيلِ ثَوابٍ وعِقابٍ دائمَينِ، وإلَّا فلا يَبقَى مَغزًى ولا فائدةٌ أبدًا لذلك التَّدوِينِ المُحِيطِ والكِتابةِ الَّتي تُسَجِّلُ وتَحفَظُ أَدَقَّ الأُمُورِ، فيَقَعُ إذًا ما هو خِلافُ الحِكمةِ والحَقيقةِ؛ كما أنَّه إن لم يَحدُثِ الحَشرُ فإنَّ جَميعَ مَعاني كِتابِ الكَونِ الحَقّةِ الَّتي كُتِبَت بقَلَمِ القَدَرِ سوف تُمسَخُ وتَفسُدُ! وهذا لا يُمكِنُ أن يكونَ مُطلَقًا، وليس له احتِمالٌ أبَدًا، بل هو مُحالٌ في مُحالٍ، كإنكارِ هذا الكونِ، بل هو هَذَيانٌ ليس إلَّا.
نَحصُلُ مِمّا تَقَدَّم: أنَّ جَميعَ دَلائلِ أَركانِ الإيمانِ الخَمسةِ هي بدَوْرِها دَلائلُ على الحَشرِ ووُجُودِه، وعلى النُّشُورِ وحُدُوثِه، وعلى وُجُودِ الدّارِ الآخِرةِ وانفِتاحِ أَبوابِها؛ بل تَستَدعِيه وتَشهَدُ علَيه، لذا فإنَّه مِنَ الوِفاقِ الكامِلِ والانسِجامِ التّامِّ أن يَبحَثَ ثُلُثُ القُرآنِ الكَريمِ المُعجِزِ البَيانِ بكامِلِه عنِ الحَشرِ لِما له مِنَ الأُسُسِ والبَراهِينِ الَّتي لا تَتَزَعزَعُ، ويَجعَلَه أَساسًا ورَكِيزةً لِجَميعِ حَقائقِه الَّتي يَرفَعُها على ذلك الحَجَرِ الأَساسِ.
(انتَهَتِ المُقدِّمة)
— 281 —
المَقامُ الأَوَّلُ مِنَ المَقاماتِ التِّسعةِ حَولَ طَبَقاتِ البَراهِينِ الحَشْرِيّةِ التِّسعةِ الَّتي تُشِيرُ إِلَيْها الآيةُ المُتَصَدِّرةُ بِشَكلٍ مُعجِزٍ، سيُبَيَّنُ فيه وتُوَضَّحُ یی بِمَشِيئةِ الرَّحمٰنِ یی الحُجّةُ القَطعِيّةُ والبُرهانُ الباهِرُ مِمّا أَظهَرَه الدُّستُورُ الحَشْرِيُّ الوارِدُ في الآياتِ:
فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ٭ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ ٭ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ
— 282 —

الحجّة الإيمانية العاشرة

(المكتُوب العشرُون)
بِاسمِه سُبحَانَهُ
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِه
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
لَا إلٰه إِلَّا الله وَحْدَهُ لَا شَريكَ لَهُ، لَهُ المُلكُ، ولَهُ الحَمدُ، يُحيِي ويُمِيتُ، وهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، بِيَدِهِ الخَيرُ، وهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَديرٌ، وإِلَيهِ المَصيرُ
إنَّ هذه الجُملةَ الَّتي تُلَخِّصُ التَّوحِيدَ عِبارةٌ عن إحدَى عَشْرةَ كَلِمةً، ولِقِراءَتِها عَقِبَ صَلاتَيِ الفَجرِ والمَغرِبِ فَضائلُ جَمّةٌ، حتَّى وَرَد في إحدَى الرِّواياتِ الصَّحِيحةِ أنَّها تَحمِلُ مَرتَبةَ "الِاسمِ الأَعظَمِ"، فلا غَرْوَ إذًا أن تُقَطِّرَ كلُّ كَلِمةٍ مِن كَلِماتِها أَمَلًا شافيًا وبُشرَى سارّةً، وأن تَحمِلَ مَرتَبةً جَليلةً مِن مَراتِبِ تَوحِيدِ الرُّبُوبيّةِ، وتُبيِّنَ مِن زاوِيةِ الِاسمِ الأَعظَمِ كِبْرِياءَ الوَحدانيّةِ وكَمالَ التَّوحِيدِ.
وحَيثُ إنَّ هذه الحَقائقَ الواسِعةَ الرَّفيعةَ قد وُضِّحَت بجَلاءٍ في سائرِ "الكَلِماتِ"، فنُحِيلُ إلَيها، ونَكتَفِي هنا بوَضْعِ فِهرِسٍ لها، بِناءً على وَعدٍ سابِقٍ، على صُورةِ خُلاصةٍ مُجمَلةٍ جِدًّا، تتكَوَّنُ مِن "مَقامَينِ" و"مُقَدِّمةٍ".
— 283 —
المُقدِّمة
اعلَمْ يَقِينًا أنَّ أَسمَى غايةٍ للخَلْقِ، وأَعظَمَ نَتِيجةٍ للفِطرةِ الإنسانيّةِ، هي "الإيمانُ باللهِ"؛ واعلَمْ أنَّ أَعلَى مَرتَبةٍ للإنسانيّةِ، وأَفضَلَ مَقامٍ للبَشَرِيّةِ، هو "مَعرِفةُ اللهِ" الَّتي في ذلك الإيمانِ؛ واعلَمْ أنَّ أَزهَى سَعادةٍ للإنسِ والجِنِّ، وأَحلَى نِعمةٍ، هو "مَحَبّةُ اللهِ" النَّابِعةُ مِن تلك المَعرِفةِ؛ واعلَمْ أنَّ أَصفَى سُرُورٍ لِرُوحِ الإنسانِ، وأَنقَى بَهجةٍ لِقَلبِه، هو "اللَّذّةُ الرُّوحِيّةُ" المُتَرشِّحةُ مِن تلك المَحَبّةِ.
أَجَل، إنَّ جَمِيعَ أَنواعِ السَّعادةِ الحَقّةِ، والسُّرُورِ الخالِصِ، وأنَّ النِّعمةَ الَّتي ما بَعدَها نِعمةٌ، واللَّذّةَ الَّتي لا تَفُوقُها لَذّةٌ، إنَّما هي في "مَعرِفةِ اللهِ".. في "مَحَبّةِ اللهِ". فلا سَعادةَ، ولا مَسَرَّةَ، ولا نِعمةَ حَقًّا بدُونِها.
فكُلُّ مَن عَرَف اللهَ تَعالَى حَقَّ المَعرِفةِ، ومَلَأ قَلبَه مِن نُورِ مَحَبَّتِه، سيكُونُ أَهلًا لِسَعادةٍ لا تَنتَهي، ولِنِعمةٍ لا تَنضُبُ، ولِأَنوارٍ وأَسرارٍ لا تَنفَدُ، وسيَنالُها إمَّا فِعْلًا وواقِعًا أوِ استِعدادًا وقابِليّةً؛ بَينَما الَّذي لا يَعرِفُ خالِقَه حَقَّ المَعرِفةِ، ولا يُكِنُّ له ما يَلِيقُ مِن حُبٍّ ووُدٍّ، يُصابُ بشَقاءٍ مادِّيٍّ ومَعنَوِيٍّ دائِمَينِ، ويَظَلُّ يُعاني مِنَ الآلامِ والأَوهامِ ما لا يُحصَرُ.
نعم، إنَّ هذا الإنسانَ البائِسَ الَّذي يَتَلوَّى أَلَمًا مِن فَقْدِه مَولاه وحامِيه، ويَضطَرِبُ مِن تَفاهةِ حَياتِه وعَدَمِ جَدواها، وهو عاجِزٌ وضَعِيفٌ بينَ جُمُوعِ البَشَرِيّةِ المَنكُودةِ.. ماذا يُغنيه عمَّا يُعانيه ولو كان سُلطانَ الدُّنيا كلِّها!
فما أَشَدَّ بُؤسَ هذا الإِنسانِ المُضطَرِبِ في دَوَّامةِ حَياةٍ فانِيةٍ زائِلةٍ، وبينَ جُمُوعٍ سائِبةٍ مِنَ البَشَرِ إنْ لم يَجِدْ مَولاه الحَقَّ، ولم يَعرِفْ مالِكَه ورَبَّه حَقَّ المَعرِفةِ! ولكن لو وَجَد رَبَّه وعَرَف مَولاه ومالِكَه لَالْتَجَأ إلى كَنَفِ رَحمَتِه الواسِعةِ، واستَنَد إلى جَلالِ قُدرَتِه المُطلَقِة، ولَتَحوَّلَت له الدُّنيا المُوحِشةُ رَوضةً مُؤنِسةً، وسُوقَ تِجارةٍ مُربِحةٍ.
— 284 —
المَقامُ الأوَّل
كلُّ كَلِمةٍ مِن كَلِماتِ هذا الكَلامِ التَّوحِيديِّ الرَّائِعِ تَزُفُّ بُشرَى سارَّةً، وتَبُثُّ أَمَلًا دافِئًا؛ وفي كلِّ بُشرَى شِفاءٌ وبَلْسَمٌ؛ وفي كلِّ شِفاءٍ لَذَّةٌ مَعنَوِيّةٌ وانشِراحٌ رُوحِيٌّ.
الكَلِمةُ الأُولَى: "لَا إِلٰهَ إِلَّا الله":
هذه الكَلِمةُ تَتَقطَّرُ بُشرَى عَظِيمةً وأَمَلًا بَهِيجًا كالآتي:
إنَّ رُوحَ الإنسانِ المُتَلَهِّفةَ إلى حاجاتٍ غيرِ مَحدُودةٍ، والمُستَهدَفةَ مِن قِبَلِ أَعداءٍ لا يُعَدُّون.. هذه الرُّوحُ المُبتَلاةُ بينَ حاجاتٍ لا تَنتَهي وأَعداءٍ لا يُحصَرُون، تَجِدُ في هذه الكَلِمةِ العَظِيمةِ مَنبَعًا ثَرًّا مِنَ الِاستِمدادِ، بما يُفتَحُ لها مِن أَبوابِ خَزائِنِ رَحمةٍ واسِعةٍ يَرِدُ مِنها ما يُطَمْئِنُ جَميعَ الحاجاتِ ويَضمَنُ جَميعَ المَطالِبِ؛ وتَجِدُ فيها كذَلك مُرتَكزًا شَدِيدًا ومُستَنَدًا رَضِيًّا يَدفَعُ عنها جَميعَ الشُّرُورِ، ويَصرِفُ عنها جَميعَ الأَضرارِ، وذلك بما تُرِي الإنسانَ مِن قُوّةِ مَولاه الحَقِّ، وتُرشِدُه إلى مالِكِه القَدِيرِ، وتَدُلُّه على خالِقِه ومَعبُودِه.. وبهذه الرُّؤيةِ السَّدِيدةِ والتَّعَرُّفِ على اللهِ الواحِدِ الأَحَدِ، تُنقِذُ هذه الكَلِمةُ قَلْبَ الإنسانِ مِن ظَلامِ الوَحْشةِ والأَوهامِ، وتُنْجِي رُوحَه مِن آلامِ الحُزنِ والكَمَدِ، بل تَضمَنُ له فَرَحًا أَبَدِيًّا، وسُرُورًا دائمًا.
الكَلِمةُ الثَّانيةُ: "وَحْدَهُ":
هذه الكَلِمةُ تُشرِقُ أَمَلًا وتَزُفُّ بُشرَى سارّةً كالآتي:
إنَّ رُوحَ البَشَرِ، وقَلْبَه المُرهَقَينِ بلِ الغارِقَينِ إلى حَدِّ الِاختِناقِ تحتَ ضُغُوطِ ارتِباطاتٍ شَدِيدةٍ وأَواصِرَ مَتينةٍ معَ أَغلَبِ أَنواعِ الكائناتِ، يَجِدانِ في هذه الكَلِمةِ مَلْجَأً أَمِينًا، يُنقِذُهما مِن تلك المَهالِكِ والدَّوَّاماتِ. أي: أنَّ كَلِمةَ "وَحْدَه" تَقُولُ مَعنًى:
— 285 —
إنَّ اللهَ واحِدٌ أَحَدٌ، فلا تُتعِبْ نَفسَك أيُّها الإنسانُ بمُراجَعةِ الأَغيارِ؛ ولا تَتَذلَّلْ لهم، فتَرزَحَ تحتَ مِنَّتِهم وأَذاهم؛ ولا تَحْنِ رَأْسَك أَمامَهم وتَتَمَلَّقْ لهم؛ ولا تُرْهِقْ نَفسَك فتَلْهَثْ وراءَهم؛ ولا تَخَفْ مِنهم وتَرتَعِدْ إزاءَهم.. لأَنَّ سُلطانَ الكَونِ واحِدٌ، وعِندَه مَفاتِيحُ كلِّ شَيءٍ، بيَدِه مِقْوَدُ كلِّ شَيءٍ، تَنْحَلُّ عُقَدُ كلِّ شَيءٍ بأَمرِه، وتَنفَرِجُ كلُّ شِدَّةٍ بإِذنِه.. فإن وَجَدتَه فقد مَلَكْتَ كلَّ شَيءٍ، وفُزْتَ بما تَطلُبُه، ونَجَوتَ مِن أَثقالِ المَنِّ والأَذَى ومِن أَسْرِ الخَوفِ والوَهْمِ.
الكَلِمةُ الثَّالثة: "لَا شَرِيكَ لَهُ":
أي: كما أنَّه لا نِدَّ له ولا ضِدَّ في أُلُوهِيَّتِه وسَلْطَنَتِه، لأنَّ اللهَ واحِدٌ، فإنَّ رُبُوبيَّتَه وإجراءاتِه وإيجادَه الأَشياءَ مُنَزَّهةٌ كذَلِك مِنَ الشِّرْكِ؛ بخِلافِ سَلاطِينِ الأَرضِ، إذ يَحدُثُ أنْ يكُونَ السُّلطانُ واحِدًا مُتَفرِّدًا في سَلْطَنَتِه، إلّا أنَّه ليس مُتَفرِّدًا في إجراءاتِه، حيثُ إنَّ مُوَظَّفيه وخَدَمَه يُعَدُّون شُرَكاءَ له في تَسيِيرِ الأُمُورِ وتَنفِيذِ الإجراءاتِ، ويُمكِنُهم أن يَحُولُوا دُونَ مُثُولِ الجَمِيعِ أَمامَه، ويَطلُبُوا مِنهم مُراجَعَتَهم أَوَّلًا! ولكنَّ الحَقَّ سُبحانَه وتَعالَى وهو سُلطانُ الأَزَلِ والأَبَدِ، واحِدٌ لا شَرِيكَ له في سَلطَنَتِه، فليس له حاجةٌ قَطُّ في إجراءاتِ رُبُوبيَّتِه أيضًا إلى شُرَكاءَ ومُعِينِين للتَّنفِيذِ، إذ لا يُؤَثِّرُ شَيءٌ في شَيءٍ إلّا بأَمرِه وحَوْلِه وقُوَّتِه، فيُمكِنُ للجَمِيعِ أن يُراجِعُوه دُونَ وَسِيطٍ؛ ولِعَدَمِ وُجُودِ شَرِيكٍ أو مُعِينٍ، لا يُقالُ للمُراجِعِ: لا يَجُوزُ لك الدُّخُولُ إلى الحَضْرةِ الإلٰهيّةِ.
وهكذا تَحمِلُ هذه الكَلِمةُ في طَيّاتِها أَمَلًا باسِمًا وبِشارةً بَهِيجةً، فتقُولُ:
إنَّ الإنسانَ الَّذي استَنارَت رُوحُه بنُورِ الإيمانِ، لَيَستَطِيعُ عَرْضَ حاجاتِه كُلِّها بلا حاجِزٍ ولا مانِعٍ بينَ يَدَي ذلك الجَمِيلِ ذِي الجَلالِ، ذلك القَدِيرِ ذِي الكَمالِ، ويَطلُبَ ما يُحَقِّقُ رَغَباتِه أَينَما كان هذا الإنسانُ وحَيثُما حَلَّ، فيَعرِضَ حاجاتِه ومَطالِبَه كُلَّها أَمامَ ذلك الرَّحِيمِ الَّذي يَملِكُ خَزائِنَ الرَّحمةِ الواسِعةِ، مُستَنِدًا إلى قُوَّتِه المُطلَقةِ، فيَمتَلِئُ عِندَئذٍ فَرَحًا كامِلًا وسُرُورًا غامِرًا.
— 286 —
الكَلِمةُ الرَّابعةُ: "لَهُ المُلْكُ":
أي: أنَّ المُلكَ كلَّه له دُونَ استِثناءٍ، وأنَّك أَنتَ أَيضًا مُلكُه، كما أنَّك عَبدُه ومَملُوكُه، وعامِلٌ في مُلكِه..
فهذه الكَلِمةُ تَفُوحُ أَمَلًا وتَقطُرُ بُشرَى شافيةً، وتقُولُ:
أيُّها الإنسانُ.. لا تَحسَبْ أنَّك مالِكُ نَفسِك، كلَّا.. لأنَّك لا تَقدِرُ على أن تُدِيرَ أُمُورَ نَفسِك، وذلك حِملٌ ثَقِيلٌ، وعِبْءٌ كَبِيرٌ، ولا يُمكِنُك أن تُحافِظَ علَيها، فتُنجِيَها مِنَ البَلايا والرَّزايا، وتُوَفِّرَ لها لَوازِمَ حَياتِك.. فلا تُجَرِّعْ نَفسَك إذًا الآلامَ سُدًى، فتُلقِي بها في أَحضانِ القَلَقِ والِاضطِرابِ دُونَ جَدوَى، فالمُلكُ ليس لك، وإنَّما لِغَيرِك، وذلك المالِكُ قادِرٌ، وهو رَحِيمٌ. فاستَنِدْ إلى قُدرَتِه، ولا تَتَّهِمْ رَحمَتَه.. دَعْ ما كَدَرَ، خُذْ ما صَفَا.. انبِذِ الصِّعابَ والأَوصابَ، وتَنَفَّسِ الصُّعَداءَ، وحُزْ على الهَناءِ والسَّعادةِ.
وتقُولُ أَيضًا: إنَّ هذا الوُجُودَ الَّذي تَهواه مَعنًى، وتَتَعلَّقُ به، وتَتَألَّمُ لِشَقائِه واضطِرابِه، وتُحِسُّ بعَجزِك عن إصلاحِه.. هذا الوُجُودُ كلُّه مُلكٌ لِقادِرٍ رَحِيمٍ؛ فسَلِّمِ المُلْكَ لِمَولاه، وتَخَلَّ عنه فهو يَتَولّاه، واسْعَدْ بمَسَرّاتِه وهَنائِه، دُونَ أنْ تُكَدِّرَك مُعاناتُه ومُقاساتُه، فالمَولَى حَكِيمٌ ورَحِيمٌ، يَتَصَرَّفُ في مُلكِه كيف يَشاءُ وَفْقَ حِكمَتِه ورَحمَتِه.
وإذا ما أَخَذَك الرَّوْعُ والدَّهشةُ، فأَطِلَّ مِنَ النَّوافِذِ ولا تَقتَحِمْها، وقُل كما قال الشّاعِرُ إبراهيمُ حَقِّي:
لِنَرَ المَولَى ماذا يَفعَلُ.. فما يَفعَلُ هو الأَجمَلُ.
الكَلِمةُ الخامِسةُ: "وَلَهُ الحَمْدُ":
أي: أنَّ الحَمدَ والثَّناءَ والمَدْحَ والمِنّةَ خاصٌّ به وَحدَه، ولائِقٌ به وَحدَه، لأنَّ النِّعَمَ والآلاءَ كُلَّها مِنه وَحدَه، وتَفِيضُ مِن خَزائِنِه الواسِعةِ، والخَزائِنُ دائِمةٌ لا تَنضُبُ.
وهكذا تَمنَحُ هذه الكَلِمةُ بُشرَى لَطِيفةً، وتقُولُ:
— 287 —
أيُّها الإنسانُ.. لا تُقاسِ الأَلَمَ بزَوالِ النِّعمةِ، لِأنَّ خَزائِنَ الرَّحمةِ لا تَنفَدُ؛ ولا تَصرُخْ مِن زَوالِ اللَّذّةِ، لِأنَّ تلك النِّعمةَ لَيسَت إلّا ثَمَرةَ رَحمةٍ واسِعةٍ لا نِهايةَ لها، فالثِّمارُ تَتَعاقَبُ ما دامَتِ الشَّجَرةُ باقيةً.
واعلَمْ أَيُّها الإنسانُ أنَّك تَستَطِيعُ أن تَجعَلَ لَذّةَ النِّعمةِ أَطيَبَ وأَعظَمَ مِنها بمِئةِ ضِعفٍ، وذلك برُؤيَتِك الْتِفاتةَ الرَّحمةِ إلَيك، وتَكَرُّمَها علَيك، وذلك بالشُّكرِ والحَمْدِ، إذ كما أنَّ مَلِكًا عَظِيمًا وسُلْطانًا ذا شَأْنٍ إذا أَرسَلَ إلَيك هَدِيّةً یی ولْتَكُن تُفّاحةً مَثَلًا یی فإنَّ هذه الهَدِيّةَ تَنطَوِي على لَذّةٍ تَفُوقُ لَذّةَ التُّفّاحِ المادِّيّةَ بأَضعافِ الأَضعافِ، تلك هي لَذّةُ الِالتِفاتِ المَلَكِيِّ والتَّوَجُّهِ السُّلطانِيِّ المُكَلَّلِ بالتَّخصِيصِ والإحسانِ؛ كذَلك كَلِمةُ «لَه الحَمدُ» تَفتَحُ أَمامَك بابًا واسِعًا تَتَدفَّقُ مِنه لَذّةٌ مَعنَوِيّةٌ خالِصةٌ هي أَلَذُّ مِن تلك النِّعَمِ نَفسِها بأَلفِ ضِعفٍ وضِعفٍ، وذلك بالحَمدِ والشُّكرِ، أي: بالشُّعُورِ بالإنعامِ عن طَرِيقِ النِّعمةِ، أي: بمَعرِفةِ المُنعِمِ بالتَّفَكُّرِ في الإنعامِ نَفسِه، أي: بالتَّفَكُّرِ والتَّبَصُّرِ في الْتِفاتِ رَحمَتِه سُبحانَه وتَوَجُّهِهِ إلَيك وشَفَقَتِه علَيك، ودَوامِ إنعامِه علَيك.
الكَلِمةُ السّادِسةُ: "يُحْيِي":
أي: هو الَّذي يَهَبُ الحَياةَ، وهو الَّذي يُدِيمُها بالرِّزقِ، وهو المُتَكَفِّلُ بكُلِّ ضَرُوراتِها وحاجاتِها، وهو الَّذي يُهَيِّئُ لَوازِمَها ومُقَوِّماتِها؛ فالغاياتُ السَّامِيةُ للحَياةِ تَعُودُ إلَيه، والنَّتائِجُ المُهِمّةُ لها تَتَوجَّهُ إلَيه، وتِسعٌ وتِسعُون بالمِئةِ مِن ثَمَراتِها ونَتائِجِها تَقصِدُه وتَرجِعُ إلَيه.
وهكذا، فهذه الكَلِمةُ تُنادِي هذا الإنسانَ الفانِيَ العاجِزَ، وتُزجِي له البِشارةَ، نافِخةً فيه رُوحَ الأَمَلِ، وتقُولُ:
أيُّها الإنسانُ.. لا تُرهِقْ نَفسَك بحَمْلِ أَعباءِ الحَياةِ الثَّقيلةِ على كاهِلِك الضَّعِيفِ، ولا تَذهَبْ نَفسُك حَسَراتٍ على فَناءِ الحَياةِ وانتِهائِها؛ ولا تُظهِرِ النَّدَمَ والتَّذَمُّرَ مِن مَجِيئِك إلى الحَياةِ كُلَّما تَرَى زَوالَ نَعِيمِها وتَفاهةَ ثَمَراتِها.. واعلَمْ أنَّ حَياتَك الَّتي تَعمُرُ سَفِينةَ وُجُودِك إنَّما تَعُودُ إلى "الحَيِّ القَيُّومِ"، فهو المُتَكَفِّلُ بكُلِّ حاجاتِها ولَوازِمِها؛
— 288 —
فهذه الحَياةُ تَعُودُ إلَيه وَحدَه، بغاياتِها الوَفيرةِ، ونَتائِجِها الكَثِيرةِ، وما أَنت إلّا مَلّاحٌ في تلك السَّفِينةِ، فقُمْ بواجِبِك أَحسَنَ قِيامٍ، ثمَّ اقبِضْ أُجرَتَك وتَمَتَّعْ بها، وتَذَكَّرْ دائمًا: مَدَى عِظَمِ هذه الحَياةِ الَّتي تَمخُرُ عُبابَ الوُجُودِ، ومَدَى جَلالةِ فَوائِدِها، وثَمَراتِها، ومَدَى كَرَمِ صاحِبِها وسَعةِ رَحمةِ مَولاها.. تَأَمَّلْ ذلك واسْبَحْ في فَضاءِ السُّرُورِ، واستَبْشِرْ به خَيرًا، وأَدِّ شُكْرَ ما علَيك تِجاهَ مَولاك؛ واعلَمْ بأنَّك إنِ استَقَمْتَ في أَعمالِك تُسَجَّلْ في صَحِيفَتِك جَميعُ نَتائِجِ سَفِينةِ الحَياةِ هذه، فتُوهَبْ لك حَياةٌ باقِيةٌ، وتَحْيَ حَياةً أَبَدِيّةً.
الكَلِمةُ السَّابعةُ: "وَيُمِيتُ":
أي: أنَّه هو الَّذي يَهَبُ المَوتَ، أي: هو الَّذي يُسَرِّحُك مِن وَظِيفةِ الحَياةِ، ويُبَدِّلُ مَكانَك في الدُّنيا الفانيةِ، ويُنقِذُك مِن عِبْءِ الخِدمةِ، ويُحَرِّرُك مِن مَسؤُوليّةِ الوَظِيفةِ. أي: يَأخُذُك مِن هذه الحَياةِ الفانيةِ إلى الحَياةِ الباقيةِ.
وهكذا، فهذه الكَلِمةُ تَصرُخُ في أُذُنِ الإنسِ والجِنِّ الفانِينَ وتقُولُ:
بُشْراكُم.. المَوتُ ليس إعدامًا، ولا عَبَثًا ولا سُدًى ولا انقِراضًا، ولا انطِفاءً، ولا فِراقًا أَبَدِيًّا.. كلَّا! فالمَوتُ ليس عَدَمًا، ولا مُصادَفةً، ولا انعِدامًا ذاتِيًّا بلا فاعِلٍ، بل هو تَسرِيحٌ مِن لَدُنْ فَعَّالٍ حَكِيمٍ رَحِيمٍ، وتَبدِيلُ مَكانٍ، وتَغيِيرُ مَقامٍ، وسَوْقٌ نَحوَ السَّعادةِ الخالِدةِ، حيثُ الوَطَنُ الأَصلِيُّ.. أي: هو بابُ وِصالٍ لِعالَمِ البَرزَخِ.. عالَمٌ يَجمَعُ تِسعةً وتِسعِين بالمِئةِ مِنَ الأَحبابِ.
الكَلِمةُ الثَّامِنةُ: "وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ":
أي: أنَّ الكَمالَ والحُسْنَ والإحسانَ الظَّاهِرَ في المَوجُوداتِ وَسِيلةً للمَحَبّةِ، يَتَجَلَّى بما لا يُمكِنُ وَصْفُه وبما لا تَحُدُّه حُدُودٌ، وفَوقَ الدَّرَجاتِ العُلا مِن مالِكِ الجَمالِ والكَمالِ والإحسانِ؛ فوَمْضةٌ مِن تَجَلِّياتِ جَمالِه سُبحانَه تُعادِلُ جَميعَ مَحبُوباتِ الدُّنيا بأَسرِها.. هذا الإلٰهُ المَحبُوبُ المَعبُودُ له حَياةٌ أَبَدِيّةٌ دائِمةٌ مُنَزَّهةٌ عن كلِّ شَوائِبِ الزَّوالِ وظِلالِ الفَناءِ، مُبَرَّأةٌ عن كُلِّ عَوارِضِ النَّقصِ والقُصُورِ.
— 289 —
إذًا: فهذه الكَلِمةُ تُعلِنُ للمَلَأِ جَمِيعًا مِنَ الجِنِّ والإنسِ وأَربابِ المَشاعِرِ والفِطْنةِ وأَهلِ العِشقِ والمَحَبّةِ وتقُولُ:
إلَيكُمُ البُشرَى.. إلَيكُم نَسَمةُ أَمَلٍ وخَيرٍ، إنَّ لكم مَحبُوبًا أَزَلِيًّا باقِيًا، يُداوِي الجُرُوحَ المُتَمَخِّضةَ مِن لَوعةِ الفِراقِ الأَبَدِيِّ لِمَحبُوباتِكُمُ الدُّنيَوِيّةِ، ويَمَسُّها ببَلْسَمِه الشَّافي بمَرْهَمِ رَحمَتِه؛ فما دامَ هو مَوجُودًا، وما دامَ هو باقِيًا، فكلُّ شَيءٍ يَهُونُ.. فلا تَقْلَقُوا ولا تَبتَئِسُوا، فإنَّ الحُسْنَ والإحسانَ والكَمالَ الَّذي جَعَلَكم مَشغُوفين بأَحِبَّائِكم ليس إلَّا لَمحةً مِن ظِلٍّ ضَعِيفٍ انشَقَّ عن ظِلالِ الحُجُبِ والأَستارِ الكَثِيرةِ جِدًّا لِتَجَلٍّ واحِدٍ مِن تَجَلِّياتِ جَمالِ ذلك المَحبُوبِ الباقي؛ فلا يُعَذِّبنَّكم زَوالُ أُولَئِك وفِراقُهم، لأنَّهم جَمِيعًا لَيسُوا إلّا نَوْعًا مِن مَرايا عاكِسةٍ، وتَبدِيلُ المَرايا وتَغيِيرُها يُجَدِّدُ ويُجَمِّلُ انعِكاساتِ تَجَلِّي الجَمالِ وشَعشَعَتِه الباهِرةِ، فما دام هو مَوجُودًا، فكُلُّ شَيءٍ مَوجُودٌ إذًا.
الكَلِمةُ التَّاسِعةُ: "بِيَدِهِ الخَيرُ":
أي: إنَّ الخَيرَ كُلَّه بيَدِه، وأَعمالُكم الخَيِّرةُ كُلُّها تُسَجَّلُ في سِجِلِّه، وما تُقَدِّمُونه مِن صالِحاتِ الأَعمالِ جَمِيعُها تُدرَجُ عِندَه.
فهذه الكَلِمةُ تُنادِي الجِنَّ والإنسَ، وتَزُفُّ لهُمُ البُشرَى، وتَهَبُ لهُمُ الأَمَلَ والشَّوقَ فتقُولُ: أيُّها المَساكِينُ.. لا تَقُولُوا عِندَما تُغادِرُون الدُّنيا إلى المَقبَرةِ: "أَوّاه.. وا أَسَفاه.. وا حَسْرَتاه.. لقد ذَهَبَت أَموالُنا هَباءً، وضاعَ سَعْيُنا هَدَرًا، فدَخَلْنا ضَيْقَ القَبْرِ بعدَ فُسْحةِ الدُّنيا!.."، لا.. لا تَصرُخُوا يائِسِين، لأنَّ كلَّ ما لَدَيكُم مَحفُوظٌ عِندَه سُبحانَه، وكلَّ ما قَدَّمتُمُوه مِن عَمَلٍ وجُهدٍ قد سُجِّلَ ودُوِّنَ عِندَه، فلا شَيءَ يَضِيعُ ولا جُهْدَ يُنسَى، لأنَّ ذا الجَلالِ الَّذي بيَدِه الخَيرُ كُلُّه سيُثِيبُكم على أَعمالِكُم، وسيَدعُوكم للمُثُولِ أَمامَه بعدَ أن يَضَعَكم في التُّرابِ: مَثواكُمُ المُؤَقَّتِ.
فما أَسعَدَكم أنتُم إذًا، وقد أَتمَمْتُم خِدْماتِكم، وأَنهَيْتُم وَظائِفَكم! بَرِئَت ساحَتُكم، وانتَهَت أَيّامُ المُعاناةِ والأَعباءِ الثَّقيلةِ، فأَنتُم ماضُون الآنَ لِقَبضِ الأُجُورِ واستِلامِ الأَرباحِ.
— 290 —
أَجَل، إنَّ القادِرَ الجَليلَ الَّذي حافَظَ على البُذُورِ والنُّوَى الَّتي هي صُحُفُ أَعمالِ الرَّبيعِ الماضِي ودَفاتِرُ خِدْماتِه وحُجُراتُ وَظائِفِه، ونَشَرَها في هذا الرَّبيعِ الزّاهِي وفي أَبهَى حُلّةٍ، وفي غايةِ التَّأَلُّقِ، وأَكثَرَ بَرَكةً وغَزارةً، وفي أَرْوَعِ صُورةٍ.. إنَّ هذا القَدِيرَ الجَليلَ لا رَيْبَ يُحافِظُ أيضًا على نَتائِجِ حَياتِكُم ومَصائِرِ أَعمالِكُم، وسيُجازِيكُم بها أَحْسَنَ الجَزاءِ وأَجزَلَ الثَّوابِ.
الكَلِمةُ العاشِرةُ: "وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ":
أي: أنَّه واحِدٌ أَحَدٌ، قادرٌ على كلِّ شيءٍ، لا يَشُقُّ علَيه شَيءٌ، ولا يَؤُودُه شَيءٌ، ولا يَصعُبُ علَيه أَمرٌ، فخَلْقُ رَبِيعٍ كامِلٍ یی مَثلًا یی سَهْلٌ ويَسِيرٌ علَيه كخَلْقِ زَهرةٍ واحِدةٍ، وخَلْقُ الجَنّةِ عِندَه كخَلْقِ ذلك الرَّبِيعِ وبالسُّهُولةِ واليُسْرِ الكامِلَينِ؛ فالمَخلُوقاتُ غيرُ المَحدُودةِ الَّتي يُوجِدُها ويُجَدِّدُها كلَّ يَومٍ، كلَّ سَنةٍ، كلَّ عَصْرٍ، لَتَشْهَدُ كُلُّها بأَلسِنةٍ غيرِ مَحدُودةٍ على قُدرَتِه غيرِ المَحدُودةِ.
فهذه الكَلِمةُ أيضًا تَمنَحُ أَمَلًا وبُشرَى وتقُولُ:
أيُّها الإنسانُ.. إنَّ أَعمالَك الَّتي أَدَّيْتَها، وعُبُودِيَّتَك الَّتي قُمتَ بها، لا تَذهَبُ هَباءً مَنثُورًا، فهُناك دارُ جَزاءٍ خالِدةٌ، ومَقامُ سَعادةٍ هانِئٌ قد هُيِّئَ لك، فأَمامَك جَنّةٌ خالِدةٌ مُتَلهِّفةٌ لِقُدُومِك، مُشتاقةٌ إلَيك، فثِقْ بوَعدِ خالِقِك ذِي الجَلالِ الَّذي تَخِرُّ له ساجِدًا عابِدًا، وآمِنْ به واطْمَئِنَّ إلَيه، فإنَّه مُحالٌ أن يُخْلِفَ وَعْدًا قَطَعَه على نَفسِه، إذ لا تَشُوبُ قُدرَتَه شائِبةٌ أو نَقْصٌ، ولا يُداخِلُ أَعمالَه عَجْزٌ أو ضَعْفٌ، فكما خَلَق لك حَدِيقَتَك الصَّغِيرةَ، فهو قادِرٌ على أن يَخلُقَ لك الجَنّةَ الواسِعةَ، بل قد خَلَقَها فِعلًا، ووَعَدَك بها؛ ولِأنَّه وَعَدَ فسيَفِي بوَعْدِه حَتْمًا ويُدخِلُك تلك الجَنّةَ.
وما دُمنا نَرَى أنَّه يَحشُرُ ويَنشُرُ في كلِّ عامٍ على وَجْهِ البَسِيطةِ أَكثَرَ مِن ثَلاثِ مِئةِ أَلفِ نَوعٍ مِن أَنواعِ النَّباتاتِ وأُمَمِ الحَيَواناتِ وبانتِظامٍ كامِلٍ ومِيزانٍ دَقِيقٍ، وفي سُرعةٍ فائِقةٍ وسُهُولةٍ تامّةٍ.. فلا بُدَّ أنَّ هذا القادِرَ الجَليلَ، قادِرٌ أَيضًا على أنْ يَضَع وَعْدَه مَوضِعَ التَّنفِيذِ.
— 291 —
وما دامَ القادِرُ المُطلَقُ يُوجِدُ في كلِّ سنةٍ آلافَ النَّماذِجِ للحَشْرِ والجَنّةِ وبمُختَلِفِ الأَنماطِ والأَشكالِ.. وما دامَ أنَّه يُبَشِّرُ بالجَنّةِ المَوعُودةِ، ويَعِدُ بالسَّعادةِ الأَبَدِيّةِ في جَمِيعِ أَوامِرِه السَّماوِيّةِ.. وما دامَت جَمِيعُ إجراءاتِه وشُؤُونِه حَقًّا وحَقِيقةً وصِدْقًا وصائِبةً.. وما دامَت جَمِيعُ الكَمالاتِ تَدُلُّ بِشَهادةِ آثارِه على كَمالِه المُطلَقِ، وتَشهَدُ أنَّه مُنَزَّهٌ عن كُلِّ نَقصٍ أو قُصُورٍ.. وما دامَ نَقْضُ العَهْدِ وإخْلافُ الوَعدِ والكَذِبُ والمُماطَلةُ مِن أَقبَحِ الصِّفاتِ فَضْلًا عن أنَّها نَقْصٌ وقُصُورٌ.. فلا بُدَّ أنَّ ذلك القَدِيرَ ذا الجَلالِ، وذلك الحَكِيمَ ذا الكَمالِ، وذلك الرَّحِيمَ ذا الجَمالِ سيُنَفِّذُ وَعْدَه حَتْمًا مَقْضِيًّا، وسيَفتَحُ أَبوابَ السَّعادةِ الأَبَدِيّةِ، وسيُدخِلُكم أيُّها المُؤمِنُون الجَنّةَ.. مَوطِنَ أَبِيكم آدَمَ عَليهِ السَّلام.
الكَلِمةُ الحادِيةَ عَشْرةَ: "وَإِلَيهِ المَصِيرُ":
أي: أنَّ الَّذين يُرسَلُون إلى دارِ الدُّنيا یی دارِ الِامتِحانِ والِاختِبارِ یی للتِّجارةِ وإنجازِ الوَظائِفِ، سيَرجِعُون مَرّةً أُخرَى إلى مُرسِلِهمُ الخالِقِ ذِي الجَلالِ، بعدَ أن أَدَّوْا وَظائِفَهم وأَتَمُّوا تِجارَتَهم وأَنْهَوا خِدْماتِهم، وسيُلاقُون مَولاهُمُ الكَرِيمَ الَّذي أَرسَلَهم.. أي: أنَّهم سيَتَشرَّفُون بالمُثُولِ بينَ يَدَي رَبِّهِمُ الرَّحِيمِ، في مَقعَدِ صِدقٍ عندَ مَليكِهِمُ المُقتَدِرِ، ليس بَينَهم وبَينَه حِجابٌ، وقد خَلُصُوا مِن مَخاضِ الأَسبابِ وظَلامِ الحُجُبِ والوَسائِطِ، وسيَجِدُ كلُّ واحِدٍ مِنهم ويَعرِفُ بِشَكلٍ مُباشَرٍ خالِقَه ومَعبُودَه ورَبَّه وسَيِّدَه ومالِكَه.
فهذه الكَلِمةُ تُشِعُّ أَمَلًا وتَتَألَّقُ بُشرَى تَفُوقُ كلَّ الآمالِ والبِشاراتِ اللَّذِيذةِ، وتقُولُ: أيُّها الإنسانُ.. هل تَعلَمُ إلى أينَ أنت سائِرٌ؟ وإلى أين أنت تُساقُ؟
فقد ذُكِرَ في خِتامِ "الكَلِمةِ الثّانيةِ والثَّلاثين": أنَّ قَضاءَ أَلفِ سَنةٍ مِن حَياةِ الدُّنيا وفي سَعادةٍ مُرَفَّهةٍ، لا يُساوِي ساعةً واحِدةً مِن حَياةِ الجَنّةِ! وأنَّ قَضاءَ أَلفِ سَنةٍ وسَنةٍ بسُرُورٍ كامِلٍ من حَياةٍ في نَعِيمِ الجَنّةِ لا يُساوِي ساعةً مِن فَرحةِ رُؤيةِ جَمالِ الجَمِيلِ سُبحانَه.
— 292 —
فأنت إذًا أيُّها الإنسانُ راجِعٌ إلى مَيدانِ رَحمَتِه، صائِرٌ إلى أَعتابِ دِيوانِ حَضْرَتِه؛ فما الحُسْنُ والجَمالُ الَّذي تَراه في أَحِبَّتِك المَجازِيِّين، فتَشتاقُ إلَيهم وتُفتَنُ بهم، بل ما الحُسْنُ والجَمالُ في جَمِيعِ مَوجُوداتِ الدُّنيا، إلّا نَوعُ ظِلٍّ مِن تَجَلِّي جَمالِه سُبحانَه وحُسْنِ أَسمائِه جلَّ وعَلا؛ فالجَنّةُ بلَطائِفِها ولَذائِذِها وحُورِها وقُصُورِها ما هي إلّا تَجَلٍّ مِن تَجَلِّياتِ رَحمَتِه سُبحانَه؛ وجَمِيعُ أَنواعِ الشَّوقِ والمَحَبّةِ والِانجِذابِ والجَواذِبِ ما هي إلّا لَمْعةٌ مِن مَحَبّةِ ذلك المَعبُودِ الباقي وذلك المَحبُوبِ القَيُّومِ! فأنتُم ذاهِبُون إذًا إلى دائِرةِ حُظْوَتِه ومَقامِ حَضْرَتِه الجَليلةِ، وأنتُم مَدعُوُّون إذًا إلى دارِ ضِيافَتِه الأَبَدِيّةِ.. إلى الجَنّةِ الخالِدةِ.
فلا تَحزَنُوا ولا تَبْكُوا عندَ دُخُولِكُمُ القَبْرَ، بلِ استَبْشِرُوا خَيرًا واستَقبِلُوه بابتِسامةٍ وفَرَحٍ.
وتُتابِعُ هذه الكَلِمةُ وَظِيفَتَها في بَثِّ نُورِ الأَمَلِ والبُشرَى وتقُولُ:
أيُّها الإنسانُ.. لا تَتَوهَّمْ أنَّك ماضٍ إلى الفَناءِ، والعَدَمِ، والعَبَثِ، والظُّلُماتِ، والنِّسيانِ، والتَّفَسُّخِ، والتَّحَطُّمِ، والِانْهِشام، والغَرَقِ في الكَثرةِ والِانعِدامِ؛ بل أنت ذاهِبٌ إلى البَقاءِ لا إلى الفَناءِ، وأنت مَسُوقٌ إلى الوُجُودِ الدَّائِمِ لا إلى العَدَمِ، وأنت ماضٍ إلى عالَمِ النُّورِ لا إلى الظُّلُماتِ، وأنت سائِرٌ نحوَ مَوْلاك ومالِكِك الحَقِّ، وأنت عائِدٌ إلى مَقَرِّ سُلطانِ الكَونِ.. سُلطانِ الوُجُودِ.. ستَرتاحُ وتَنشَرِحُ في مَيدانِ التَّوحِيدِ دُونَ الغَرَقِ في الكَثرةِ أَبَدًا، فأنتَ مُتَوجِّهٌ إلى اللِّقاءِ والوِصالِ دُونَ البِعادِ والفِراقِ!.
— 293 —

الحجة الإيمانية الحادية عشرة

(المَقام الأوَّل مِن الكلِمة الثَّانية والعشرِين)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ
وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ
استَحَمَّ شَخصانِ ذاتَ يومٍ في حَوضٍ كبيرٍ، فغَشِيَهما ما لا طاقةَ لهما به ففَقَدا وَعْيَهما، وما إن أَفاقا حتَّى وَجَدا أنَّهما قد جِيءَ بهما إلى عالَمٍ غيرِ عالَمِهما، إلى عالَمٍ عَجيبٍ، وعَجيبٌ فيه كلٌّ شيءٍ، فهو مِن فَرْطِ انتِظامِه الدَّقيقِ كأنَّه مَملَكةٌ مُنَسَّقةُ الأَطرافِ، ومِن رَوعةِ جَمالِه بمَثابةِ مَدينةٍ عامِرةٍ، ومِن شِدّةِ تَناسُقِ أَركانِه بحُكمِ قَصرٍ بَديعٍ.. وبدَأَا يَنظُرانِ بلَهفةٍ فيما حَولَهما وقدِ امتَلَأَا حَيْرةً وإعجابًا بما رَأَيَا أَمامَهما مِن عالَمٍ عَظيمٍ حقًّا، إذ لو نُظِرَ إلى جانِبٍ مِنه لَشُوهِدَت مَملَكةٌ مُنتَظِمةٌ، وإذا ما نُظِرَ إلَيه مِن جانِبٍ آخَرَ تَراءَت مَدينةٌ كامِلةُ الجَوانبِ، بَينَما إذا نُظِرَ إلَيه مِن جانِبٍ آخَرَ إذا هو بقَصرٍ عَظيمٍ شاهِقٍ يَضُمُّ عالَمًا مَهِيبًا.. وطَفِقا يَتَجوَّلانِ معًا في أَرجاءِ هذا العالَمِ العَجيبِ، فوَقَع نَظَرُهما على مَخلُوقاتٍ يَتَكلَّمُون بكَلامٍ مُعيَّنٍ لا يَفقَهانِه، إلَّا أنَّهما أَدرَكا مِن إشاراتِهم وتَلوِيحاتِهم أنَّهم يُؤَدُّون أَعمالًا عَظيمةً ويَنهَضُون بواجِباتٍ جَليلةٍ.
قال أَحَدُهما للآخَرِ: لا شَكَّ أنَّ لِهذا العالَمِ العَجيبِ مُدبِّرًا يُدبِّرُ شُؤُونَه، ولِهذه المَملَكةِ البَديعةِ مالِكًا يَرعاها، ولِهذه المَدينةِ الرّائعةِ سيِّدًا يَتَولَّى أُمُورَها، ولهذا القَصرِ المُنيفِ صانِعًا بَدِيعًا قد أَبدَعَه؛ فأَرَى لِزامًا علَينا أن نَسعَى لِمَعرِفَتِه، إذ يَبدُو أنَّه هو
— 294 —
الَّذي قد أَتَى بنا إلى هاهنا، وليس أَحَدٌ غَيرُه؛ فلو لم نَعرِفْه فمَن ذا غَيرُه يُسعِفُنا ويُغيثُنا ويَقضِي حَوائجَنا ونحن في هذا العالَمِ الغَريبِ؟! فهل تَرَى بَصِيصَ أَمَلٍ نَرجُوه مِن هؤلاء العاجِزِين الضُّعَفاءِ ونحن لا نَفقَهُ لِسانَهم ولا هم يُصغُون إلى كَلامِنا؟ ثمَّ إنَّ الَّذي جَعَل هذا العالَمَ العَظيمَ على صُورةِ مَملَكةٍ مُنَسَّقةٍ وعلى هَيئةِ مَدينةٍ رائعةٍ وعلى شَكلِ قَصرٍ بَديعٍ، وجَعَله كَنزًا لِخَوارقِ الأَشياءِ، وجَمَّلَه بأَفضلِ زِينةٍ وأَروَعِ حُسْنٍ، ورَصَّعَ نَواحِيَه كلَّها بمُعجِزاتٍ مُعبِّرةٍ حَكيمةٍ.. أَقُولُ: إنَّ صانِعًا له كلُّ هذه العَظَمةِ والهَيبةِ وقد أَتَى بنا وبمَن حَولَنا إلى هاهنا، لا شَكَّ أنَّ له شأنًا في هذا؛ فوَجَب قبلَ كلِّ شيءٍ أن نَعرِفَه مَعرِفةً جَيِّدةً، وأن نَعلَمَ مِنه ما يُرِيدُ مِنَّا وماذا يَطلُبُ؟
قال له صاحِبُه: دَعْ عنك هذا الكَلامَ، فأنا لا أُصَدِّقُ أنَّ واحِدًا أَحَدًا يُديرُ هذا العالَمَ الغَريبَ!
فأجابَه: مَهْلًا يا صاحِبي.. هلَّا أعَرتَني سَمْعَك؟ فنحن لو أَهمَلْنا مَعرِفَتَه فلا نَكسِبُ شَيئًا قَطُّ، وإن كان في إهمالِنا ضَرَرٌ فضَرَرُه جِدُّ بَليغٍ؛ بَينَما إذا سَعَينا إلى مَعرِفَتِه فليس في سَعيِنا هذا مَشَقّةٌ ولا نَلقَى مِن وَرائِه خَسارةً، بل مَنافِعَ جَليلةً وعَظيمةً.. فلا يَليقُ بنا إذًا أن نَبقَى مُعرِضين هكذا عن مَعرِفَتِه.
ولكنَّ صاحِبَه الغافِلَ قال: أنا لَستُ معَك في كَلامِك هذا، فأنا أَجِدُ راحَتي ونَشوَتي في عَدَمِ صَرْفِ الفِكرِ إلى مِثلِ هذه الأُمُورِ، وفي عَدَمِ مَعرِفةِ ما تدَّعيه عن هذا الصَّانِعِ البَديعِ؛ فلا أَرَى داعِيًا أن أُجهِدَ نَفسِي فيما لا يَسَعُه عَقلي، بل أَرَى هذه الأَفعالَ جَميعَها لَيسَت إلَّا مُصادَفاتٍ وأُمُورًا مُتَداخِلةً مُتَشابِكةً تَجرِي وتَعمَلُ بنَفسِها؟ فما لي وهذه الأُمُورِ؟!
فرَدَّ علَيه العاقِلُ: أَخشَى أن يُلقِيَ بنا عِنادُك هذا وبالآخَرِين إلى مَصائبَ وبَلايا! ألَم تُهدَمْ مُدُنٌ عامِرةٌ مِن جَرَّاءِ سَفاهةِ شَقيٍّ وأَفعالِ فاسِقٍ؟!
ومَرّةً أُخرَى انبَرَى له الغافِلَ قائلًا: لِنَحسِمِ المَوضُوعَ نِهائيًّا، فإمّا أن تُثبِتَ لي إثباتًا قاطِعًا لا يَقبَلُ الشَّكَّ بأنَّ لهذه المَملَكةِ الضَّخمةِ مالِكًا واحِدًا وصانِعًا واحِدًا أَحَدًا، أو تَدَعَني وشَأْني.
— 295 —
أَجابَه صَدِيقُه: ما دُمتَ يا صاحِبي تُصِرُّ على عِنادِك إلى حَدِّ الجُنُونِ والهَذَيانِ مِمّا يَسُوقُنا والمَملَكةَ بكامِلِها إلى الدَّمارِ! فسأَضَعُ بينَ يَدَيك اثنَي عَشرَ بُرهانًا أُثبِتُ بها أنَّ لهذا العالَمِ الرّائعِ رَوعةَ القَصرِ، ولهذه المَملَكةِ المُنتَظِمةِ انتِظامَ المَدينةِ، صانِعًا بَديعًا واحِدًا أَحَدًا هو الَّذي يُدَبِّرُ الأُمُورَ كلَّها.. فلا تَرَى مِن فُطُورٍ في شيءٍ، ولا تَرَى مِن نَقصٍ في أَمرٍ؛ فذلك الصّانِعُ الَّذي لا نَراه يُبصِرُنا ويُبصِرُ كلَّ شيءٍ، ويَسمَعُ كَلامَ كلِّ شيءٍ، فكلُّ أَفعالِه مُعجِزاتٌ وآياتٌ وخَوارِقُ ورَوائعُ، وما هذه المَخلُوقاتُ الَّتي لا نَفهَمُ أَلسِنَتَهم إلَّا مَأمُورُون ومُوَظَّفُون في مَملَكَتِه.

البُرهان الأول

تَعالَ معي يا صاحِبي لِنَتأَمَّل ما حَولَنا مِن أَشياءَ وأُمُورٍ: ألا تَرَى أنَّ يَدًا خَفِيّةً تَعمَلُ مِن وَراءِ الأُمُورِ جَميعِها؟ أوَلا تَرَى أنَّ ما لا قُوّةَ له أَصلًا ولا يَقوَى على حَملِ نَفسِه (حاشية-١): إشَارة إلى البُذُور والنُّوَى التي تَحمِل أشجَارًا ضَخمةً. يَحمِلُ آلافَ الأَرطالِ مِنَ الحِملِ الثَّقيلِ؟ أوَلا تُشاهِدُ أنَّ ما لا إدراكَ له ولا شُعُورَ يقُومُ بأَعمالٍ في غايةِ الحِكمةِ؟ (حاشية-٢): إشَارة إلى سِيقانِ العِنَب مثلًا، التي تَمُدُّ أَيديَها اللَّطيفةَ وتُعانقُ الأشَجارَ الأُخرَى، لِضَعفِها عن حَملِ عَناقيدِها الغَنِيّة. فهذه الأَشياءُ إذًا لا تَعمَلُ مُستَقِلّةً بنَفسِها، بل لا بُدَّ أنَّ مَولًى عَليمًا وصانِعًا قَديرًا يُدِيرُها مِن وَراءِ الحُجُبِ، إذ لو كانَت مُستقِلّةً بذاتِها، وأَمرُها بيَدِها، لَلَزِمَ أن يكُونَ كلُّ شيءٍ هنا صاحِبَ مُعجِزةٍ خارِقةٍ.. وما هذه إلَّا سَفسَطةٌ لا مَعنَى لها!

البُرهان الثَّاني

تَعالَ معي يا صاحِبي لِنُمعِن النَّظَرَ في هذه الأَشياءِ الَّتي تُزيِّنُ المَيادِينَ والسّاحاتِ، ففي كلِّ زِينةٍ مِنها أُمُورٌ تُخبِرُنا عن ذلك المالِكِ وتَدُلُّنا علَيه كأنَّها سِكَّتُه وخَتْمُه، كما
— 296 —
تَدُلُّنا طُغْراءُ السُّلطانِ وخَتْمُه على وُجُودِه، وتُنبِئُنا سِكَّتُه الَّتي على مَسكُوكاتِه عن عَظَمَتِه وهَيبَتِه؛ فإن شِئتَ فانظُر إلى هذا الجِسمِ الصَّغيرِ جِدًّا الَّذي لا يَكادُ الإنسانُ يَعرِفُ له وَزنًا، (حاشية-١): إشارةً إلى البُذُور المُتَنوِّعة، فبُذُورُ البِطِّيخ والخَوخِ وغيرِها تَنسُج أوراقًا أَجمَلَ مِن أَجوَدِ قُماشٍ، وتُقدِّم لنا ثِمارًا طَيِّبةً هي أَلَذُّ مِنَ الحَلْوَى تأتي بها مِن خَزِينةِ الرَّحمةِ الإلٰهِيّة. قد صَنَع مِنه المَولَى أَطوالًا مِن نَسِيجٍ مُلوَّنٍ بأَلوانٍ زاهِيةٍ ومُزَركَشٍ بزَخارِفَ باهِرةٍ، ويُخرِجُ مِنه ما هو أَلَذُّ مِنَ الحَلْوَياتِ والمُعَجَّناتِ المُعَسَّلة، فلو لَبِسَ آلافٌ مِن أَمثالِنا تلك المَنسُوجاتِ وأَكَل مِن تلك المَأكُولاتِ لَمَا نَفِدَت.
ثمَّ انظُر، إنَّه يَأخُذُ بيَدِه الغَيبيّةِ هذا الحَديدَ والتُّرابَ والماءَ والفَحمَ والنُّحاسَ والفِضّةَ والذَّهَب، ويَصنَعُ مِنها جَميعًا قِطعةَ لَحم. (حاشية-٢): إشارةً إلى خَلقِ جِسمِ الحَيَوانِ مِنَ العَناصِرِ، وإلى إيجادِ الكائنِ الحَيِّ مِنَ النُّطفةِ.
فيا أيُّها الغافِلُ.. هذه الأَشياءُ والأَفعالُ إنَّما تَخُصُّ مَن زِمامُ هذه المَمْلَكةِ بيَدِه، ومَن لا يَعزُبُ عنه شيءٌ، وكلُّ شيءٍ مُنقادٌ لإرادَتِه.

البُرهان الثالث

تَعالَ لِنَنظُر إلى مَصنُوعاتِه العَجِيبةِ المُتحَرِّكةِ.. (حاشية-٣): إشَارةً إلى الحَيَواناتِ والإنسانِ، لأنَّ الحَيَوانَ فِهرِسٌ مُصَغَّر لهذا العالَمِ، والماهِيّةُ الإنسانيّةُ مِثالٌ مُصَغَّر للكائناتِ، فما مِن شيءٍ في العالَمِ إلَّا ونَمُوذَجُه في الإنسانِ. فقد صُنِعَ كلٌّ مِنها كأنَّه نُسخةٌ مُصَغَّرةٌ مِن هذا القَصرِ العَظيمِ، إذ يُوجَدُ فيه ما في القَصرِ كلِّه؛ فهل يُمكِنُ أن يُدرِجَ أَحَدٌ هذا القَصرَ مُصَغَّرًا في ماكِينةٍ دَقيقةٍ غيرُ صانِعِه البَديعِ؟ أو هل يُمكِنُ أن تَرَى عَبَثًا أو مُصادَفةً في عالَمٍ ضُمَّ داخِلَ ماكِينةٍ صَغيرةٍ؟
أي: إنَّ كلَّ ما تُشاهِدُه مِن مَكائنَ إنَّما هي بمَثابةِ آيةٍ تَدُلُّ على ذلك الصّانِعِ البَديعِ، بل كلُّ ماكِينةٍ دَليلٌ علَيه، وإعلانٌ يُفصِحُ عن عَظَمَتِه، ويقُولُ بلِسانِ الحالِ: نحن مِن إبداعِ مَن أَبدَعَ هذا العالَمَ بسُهُولةٍ مُطلَقةٍ كما أَوجَدَنا بسُهُولةٍ مُطلَقةٍ.
— 297 —

البُرهان الرَّابع

أيُّها الأَخُ العَنيدُ.. تَعالَ أُرِكَ شَيئًا أَكثَرَ إثارةً للإعجابِ! انظُر، فها قد تَبَدَّلتِ الأُمُورُ في هذه المَملَكةِ، وتَغيَّرَت جَميعُ الأَشياءِ، وها نحن أُولاءِ نَرَى بأَعيُنِنا هذا التَّبدُّلَ والتَّغيُّرَ، فلا ثَباتَ لِشَيءٍ مِمّا نَراه، بلِ الكُلُّ يَتَغيَّرُ ويَتَجدَّدُ.
انظُر إلى هذه الأَجسامِ الجامِدةِ المُشاهَدةِ الَّتي لا نَرَى فيها شُعُورًا، كأنَّ كُلًّا مِنها قدِ اتَّخَذ صُورةَ حاكِمٍ مُطلَقٍ، والآخَرُون مَحكُومُون تحتَ سَيطَرَتِه، وكأنَّ كلًّا مِنها يُسَيطِرُ على الأَشياءِ كُلِّها.. انظُر إلى هذه الماكِينةِ الَّتي بقُربِنا (حاشية-١): إشارةً إلى النَّباتات المُثمِرة لأنَّها تَحمِلُ مِئاتِ المَصانِعِ والمَعامِل الدَّقيقةِ في أَعضَائها الرَّقيقةِ، فتَنسُجُ الأَوراقَ اللَّطيفةَ والأَزهارَ الزّاهِيةَ وتُنضِجُ الثِّمارَ اليانِعةَ وتُقدِّمها إلَينا. ومنها أَشجارُ الصَّنَوبَر الشّامِخةُ الَّتي نَصَبَت مَعامِلَها على الصُّخُور الصَّمّاءِ في الجِبالِ. كأنَّها تَأمُرُ فيُهرَعُ إلَيها مِن بَعيدٍ ما تَحتاجُه مِن لَوازِمَ لِزِينَتِها وعَمَلِها، وانظُر إلى ذلك الجِسمِ الَّذي لا شُعُورَ له، (حاشية-٢): إشارةً إلى الحُبُوبِ والبُذَيراتِ وبُيُوضِ الحَشَراتِ، فتَضَع البَعُوضةُ مثلًا بُيُوضَها على أَوراقِ شَجَرةٍ، فإذا الوَرَقةُ تكُون لها كرَحِمِ الأُمِّ والمَهدِ اللَّطيفِ، وتَمتَلِئُ بغِذاءٍ لَذيذٍ كالعَسَل.. فكأنَّ تلك الشَّجَرةَ غيرَ المُثمِرةِ تُثمِرُ كائناتٍ حَيّةً. كأنَّه يُسَخِّر بإشارةٍ خَفِيّةٍ مِنه أَضخَمَ جِسمٍ وأَكبَرَه في شُؤُونِه الخاصّةِ ويَجعَلُه طَوْعَ إشارَتِه.. وقِسِ الأُمُورَ الأُخرَى على هذَينِ المِثالَينِ.
فإن لم تُفوِّضْ أَمرَ إدارةِ المَملَكةِ إلى ذلك المالِكِ الَّذي لا نَراه، فعلَيك إذًا أن تُحِيلَ إلى كلِّ مَصنُوعٍ ما للبَدِيعِ مِن إتقانٍ وكَمالاتٍ، حتَّى لو كان حَجَرًا أو تُرابًا أو حَيَوانًا أو إنسانًا أو أيَّ مَخلُوقٍ مِنَ المَخلُوقاتِ.
فإذا ما استَبعَدَ عَقلُك أنَّ بَدِيعًا واحِدًا أَحَدًا هو المالِكُ لهذه المَملَكةِ وهو الَّذي يُدِيرُها، فما عليك إلَّا قَبُولُ مَلايينِ المَلايينِ مِنَ الصَّانِعِين المُبدِعِين، بل بعَدَدِ المَوجُوداتِ! كلٌّ مِنها نِدٌّ للآخَرِ ومَثِيلُه وبَدِيلُه ومُتَدخِّلٌ في شُؤُونِه! مع أنَّ النِّظامَ المُتقَنَ البَديعَ يَقتَضي عدَمَ التَّدَخُّلِ، فلو كان هناك تَدَخُّلٌ مَهما كان طَفيفًا ومِن أيِّ
— 298 —
شيءٍ كان، وفي أيِّ أَمرٍ مِن أُمُورِ هذه المَملَكةِ الهائلةِ، لَظَهَر أَثَرُه واضِحًا، إذ تَختَلِطُ الأُمُورُ وتَتَشابكُ إن كان هناك سيِّدانِ في قريةٍ أو مُحافِظانِ في مَدينةٍ أو سُلطانانِ في مَملَكةٍ.. فكيف بحُكَّامٍ لا يُعَدُّون ولا يُحصَون في مَملَكةٍ مُنَسَّقةٍ بَدِيعةٍ؟!

البُرهان الخامس

أيُّها الصَّديقُ المُرتابُ.. تَعالَ لِنُدقِّقْ في نُقُوشِ هذا القَصرِ العَظيمِ، وَلْنُمعِنِ النَّظَرَ في تزيِيناتِ هذه المَدِينةِ العامِرةِ، ولْنُشاهِدِ النِّظامَ البَديعَ لِهذه المَملَكةِ الواسِعةِ، ولْنَتأَمَّلِ الصَّنعةَ المُتقَنةَ لِهذا العالَمِ.. فها نحنُ نَرَى أنَّه إن لم تَكُن هذه النُّقُوشُ كِتابةَ قَلَمِ المالِكِ البَديعِ الَّذي لا حَدَّ لِمُعجِزاتِه وإبداعِه، وأُسنِدَت كِتابتُها ونَقشُها إلى الأَسبابِ الَّتي لا شُعُورَ لها، وإلى المُصادَفةِ العَمياءِ، وإلى الطَّبِيعةِ الصَّمّاءِ، لَلَزِم إذًا أن يكُونَ في كلٍّ مِن أَحجارِ هذه المَملَكةِ وعُشبِها مُصَوِّرٌ مُعجِزٌ وكاتِبٌ بَدِيعٌ يَستَطيعُ أن يَكتُبَ أُلُوفَ الكُتُبِ في حَرفٍ واحِدٍ، ويُمكِنُه أن يُدرِجَ مَلايينَ الأَعمالِ المُتقَنةِ البَدِيعةِ في نَقْشٍ واحِدٍ، لأنَّك تَرَى أنَّ هذا النَّقْش الَّذي أَمامَك في هذه اللَّبِنةِ (حاشية): إشَارةً إلى الإنسَانِ الذي هو ثَمَرةُ الخِلقةِ، وإلى الثَّمَرةِ التي تَحمِلُ فِهرِسَ شَجَرتِها وبَرنامَجَها.. فما كَتَبه قَلَمُ القُدرةِ في كِتابِ العالَمِ الكَبيرِ قد كَتَبه مُجمَلًا في ماهيّةِ الإنسانِ، وما كَتَبه قلَمُ القَدَر في الشَّجَرةِ قد دَرَجَه في ثَمَرتِها الصَّغيرةِ. يَضُمُّ نُقُوشَ جَميعِ القَصرِ، ويَنطَوِي على جَميعِ قَوانينِ المَدِينةِ وأَنظِمَتِها، ويَتَضمَّنُ خُطَطَ أَعمالِها.
أي: إنَّ إيجادَ هذه النُّقُوشِ الرّائعةِ مُعجِزةٌ عَظيمةٌ كإيجادِ المَملَكةِ نَفسِها، فكلُّ صَنعةٍ بَدِيعةٍ لَيسَت إلَّا لَوحةَ إعلانٍ تُفصِحُ عن أَوصافِ ذلك الصّانِعِ البَدِيعِ، وكلُّ نَقْشٍ جَميلٍ هو خَتْمٌ واضِحٌ مِن أَختامِه الدّالّةِ علَيه.
فكما أنَّه لا يُمكِنُ لِحَرفٍ إلَّا أن يَدُلَّ على كاتِبِه، ولا يُمكِنُ لِنَقْشٍ إلَّا أن يُنبِئَ عن نَقّاشِه، فكيف يُمكِنُ إذًا ألَّا يَدُلَّ حَرفٌ كُتِبَ فيه كِتابٌ عَظِيمٌ على كاتِبِه، ونَقْشٌ نُقِشَت علَيْه أُلُوفُ النُّقُوشِ على نَقَّاشِه؟ ألا تكُونُ دَلالَتُه أَظهَرَ وأَوضَحَ مِن دَلالَتِه على نَفسِه؟
— 299 —

البُرهان السادس

تَعالَ يا صَدِيقي، لِنَذهَب إلى نُزهةٍ نَتَجوَّلُ في هذه الفَلاةِ الواسِعةِ
(حاشية): إشارةً إلى سَطحِ الأرضِ في مَوسِمَيِ الرَّبيعِ والصَّيفِ.. حيث تُخلَقُ مِئاتُ الأُلُوفِ مِنَ المَخلُوقاتِ خَلْقًا مُتَداخِلًا مُتَشابِكًا، وتُكتَبُ على صَحيفةِ الأرضِ دونَ خَطَأٍ ولا قُصُورٍ، وتُبدَّلُ بانتِظامٍ، فتُفرَشُ أُلُوفٌ مِن ضِيافاتِ الرَّحمٰنِ، ثمَّ تُرفَعُ وتُجَدَّدُ.. فكأنَّ كلَّ شَجَرةٍ خادِمُ مَطعَمٍ، وكلَّ بُستانٍ قِدْرٌ لإعدادِ المَأكُولاتِ.
المَفرُوشةِ أَمامَنا.. ها هو ذا جَبَلٌ أَشَمُّ، تَعالَ لِنَصَعد علَيه حتَّى نَتَمكَّنَ مِن مُشاهَدةِ جَميعِ الأَطرافِ بسُهُولٍة، ولْنَحمِلْ مَعَنا نَظَّاراتٍ مُكبِّرةٍ تُقَرِّبُ لنا ما هو بَعيدٌ عن أَنظارِنا.. فهذه المَملَكةُ فيها مِنَ الأُمُورِ العَجِيبةِ والحَوادِثِ الغَرِيبةِ ما لا يَخطُرُ على بالِ أَحَدٍ.. انظُر إلى تلك الجِبالِ والسُّهُولِ المُنبَسِطةِ والمُدُنِ العامِرةِ، إنَّه أَمرٌ عَجِيبٌ حَقًّا إذ تَتَبدَّلُ جَمِيعًا دُفعةً واحِدةً، بل إنَّ مَلايينَ المَلايينِ مِنَ الأَفعالِ المُتَشابِكةِ تَتَبدَّلُ تَبَدُّلًا بكُلِّ نِظامٍ وبكُلِّ تَناسُقٍ، فكأنَّ مَلايينَ الأَطوالِ مِن مَنسُوجاتٍ مُلَوَّنةٍ رائعةٍ تُنسَجُ أَمامَنا في آنٍ واحِدٍ..
حقًّا إنَّ هذه التَّحَوُّلاتِ عَجيبةٌ جِدًّا! فأَينَ تلك الأَزاهِيرُ الَّتي ابتَسَمَت لنا والَّتي أَنِسْنا بها؟.. لقد غابَتْ عنَّا، وحلَّت مَحَلَّها أَنواعٌ مُخالِفةٌ لها صُورةً، مُماثِلةٌ ماهِيّةً؛ وكأنَّ هذه السُّهُولَ المُنبَسِطةَ وهذه الجِبالَ المَنصُوبةَ صَحائفُ كِتابٍ يُكتَبُ في كلٍّ مِنها كُتُبٌ مُختَلِفةٌ في غايةِ الإتقانِ دُونَ سَهْوٍ أو خَطَأٍ، ثم تُمسَحُ تلك الكُتُب ويُكتَبُ غَيرُها.. فهل تَرَى يا صَدِيقي أنَّ تَبَدُّلَ هذه الأَحوالِ وتَحَوُّلَ هذه الأَوضاعِ الَّذي يَتِمُّ بكُلِّ نِظامٍ ومِيزانٍ يَحدُثُ مِن تِلقاءِ نَفسِه؟! ألَيسَ ذلك مُحالًا مِن أَشَدِّ المُحالاتِ؟
فلا يُمكِنُ إحالةُ هذه الأَشياءِ الَّتي أَمامَنا وهي في غايةِ الإتقانِ والصَّنعةِ إلى نَفسِها قَطُّ، فذلك مُحالٌ في مُحالٍ؛ بل هي أَدِلّةٌ واضِحةٌ على صانِعِها البَديعِ أَوضَحَ مِن دَلالَتِها على نَفسِها، إذ تُبيِّنُ أنَّ صانِعَها البَديعَ لا يُعجِزُه شيءٌ، ولا يَؤُودُه شيءٌ، فكِتابةُ أَلفِ كِتابٍ أَمرٌ يَسِيرٌ لَدَيه ككِتابةِ حَرفٍ واحِدٍ.. ثمَّ تَأَمَّلْ يا أَخي في الأَرجاءِ كافّةً، تَرَ أنَّ الصّانِعَ الأَعظَمَ قد وَضَع بحِكمةٍ تامّةٍ كلَّ شيءٍ في مَوضِعِه اللّائقِ به، وأَسبَغَ على كلِّ
— 300 —
شيءٍ نِعَمَه وكَرَمَه بلُطفِه وفَضْلِه العَمِيمِ.. وكما يَفتَحُ أَبوابَ نِعَمِه وآلائِه العَمِيمةِ أَمامَ كلِّ شيءٍ، يُسعِفُ رَغَباتِ كلِّ شيءٍ، ويُرسِلُ إلَيه ما يُطَمْئِنُه.
وفي الوَقتِ نَفسِه يَنصِبُ مَوائدَ فاخِرةً عامِرةً بالسَّخاءِ والعَطاءِ، بل يُنعِمُ على مَخلُوقاتِ هذه المَملَكةِ كافّةً مِن حَيَوانٍ ونَباتٍ نِعَمًا لا حَدَّ لها، بل يُرسِلُ إلى كلِّ فَردٍ باسمِه ورَسمِه نِعمَتَه الَّتي تُلائمُه دُونَ خَطَأٍ أو نِسيانٍ.. فهل هُناك مُحالٌ أَعظَمُ مِن أن تَظُنَّ أنَّ في هذه الأُمُورَ شيئًا مِنَ المُصادَفةِ مَهما كان ضَئِيلًا؟ أو شَيئًا مِنَ العَبَثِ وعَدَمِ الجَدْوَى؟ أو أنَّ أَحَدًا غيرَ الصّانِعِ البَدِيعِ قد تَدَخَّل في أُمُورِ المَملَكةِ؟ أو أن يُتَصَوَّر ألّا يَدِينَ له كلُّ شيءٍ في مُلكِه؟.. فهل تَقدِرُ يا صَدِيقي أن تَجِدَ مُبَرِّرًا لإنكارِ ما تَراه؟..

البُرهان السابع

لنَدَعِ الجُزئيّاتِ يا صاحِبي، ولْنَتَأمَّلْ في هذا العالَمِ العَجِيبِ، ولْنُشاهِدْ أَوضاعَ أَجزائِه المُتَقابِلِ بَعضُها مع البَعضِ الآخَرِ.. ففي هذا العالَمِ البَدِيعِ مِنَ النِّظامِ الشّامِلِ والِانتِظامِ الكامِلِ كأنَّ كلَّ شيءٍ فاعِلٌ مُختارٌ حَيٌّ يُشرِفُ على نِظامِ المَملَكةِ كُلِّها، ويَتَحرَّكُ مُنسَجِمًا مع ذلك النِّظامِ العامِّ.. حتَّى تَرَى الأَشياءَ المُتَباعِدةَ جِدًّا يَسعَى الواحِدُ مِنها نحوَ الآخَرِ للتَّعاوُنِ والتَّآزُرِ.
انظُر.. إنَّ قافِلةً مَهِيبةً تَنطَلِقُ مِنَ الغَيبِ (حاشية-١): وهي قَافلةُ النَّباتاتِ الحامِلةِ لِأَرزاقِ الأَحياءِ كافّةً. مُقبِلةً علَينا، فهي قافِلةٌ تَحمِلُ صُحُونَ أَرزاقِ الأَحياءِ؛ ثمَّ انظُرْ إلى ذلك المِصباحِ الوَضِيءِ (حاشية-٢): إشَارةً إلى الشَّمس. المُعَلَّقِ في قُبَّةِ المَملَكةِ، فهي تُنِيرُ الجَميعَ وتُنضِجُ المَأكُولاتِ المُعلَّقةَ بخَيطٍ دَقيقٍ (حاشية-٣): إشَارةً إلى أغصَان الشَّجرَة الدَّقيقَة الحَامِلة للأثمَار اللَّذيذة. والمَعرُوضةَ أَمامَه بِيَدٍ غَيبِيّةٍ.. ألا تَلتَفِتُ معي إلى هذه الحَيَواناتِ النَّحِيفةِ الضَّعِيفةِ العاجِزةِ كيف
— 301 —
يَسِيلُ إلى أَفواهِها غِذاءٌ لَطِيفٌ خالِصٌ يَتَدفَّقُ مِن مِضَخّاتٍ (حاشية-١): إشَارةً إلى ثَدي الأُمهَات. مُتَدلِّيةٍ فَوقَ رُؤُوسِها، وحَسْبُها أن تُلصِقَ أَفواهَها بها!
نَخلُصُ مِن هذا: أنَّه ما مِن شيءٍ في هذا العالَمِ إلَّا كأنَّه يَتَطلَّعُ إلى الآخَرِ فيُغيثُه، أو يَرَى الآخَرَ فيَشُدُّ أَزْرَه ويُعاوِنُه، فيُكَمِّلُ الواحِدُ عَمَلَ الآخَرِ ويكُونُ ظَهِيرَه وسَنَدَه، ويَتَوجَّهُ الجَميعُ جَنْبًا إلى جَنْبٍ في طَريقِ الحَياةِ.. وقِسْ على ذلك.. فهذه الظَّواهِرُ جَميعُها تَدُلُّنا دَلالةً قاطِعةً وبيَقينٍ جازِمٍ إلى أنَّه ما مِن شيءٍ في هذا القَصرِ العَجِيبِ إلَّا وهو مُسَخَّرٌ لِمالِكِه القَديرِ ولِصانِعِه البَدِيعِ، ويَعمَلُ باسمِه وفي سَبِيلِه، بل كلُّ شيءٍ بمَثابةِ جُندِيٍّ مُطِيعٍ مُتَأَهِّبٍ لِتَلَقِّي الأَوامِرِ.. فكُلُّ شيءٍ يُؤَدِّي ما كُلِّف به مِن واجِبٍ بقُوّةِ مالِكِه وحَوْلِه، فيَتَحرَّكُ بأَمرِه، ويَنتَظِمُ بحِكمَتِه، ويَتَعاوَنُ بكَرَمِه وفَضْلِه، ويُغيثُ الآخَرين برَحمَتِه.. فإن كُنتَ تَستَطيعُ يا أخي إبداءَ شيءٍ مِنَ الِاعتِراضِ والشَّكِّ أَمامَ هذا البُرهانِ فهاتِه.

البُرهان الثامن

تَعالَ يا صاحِبي المُتَعاقِلَ ويا مَثِيلَ نَفسِي الأَمَّارةِ بالسُّوءِ الَّتي تَعُدُّ نَفسَها رَشِيدةً وتُحسِنُ الظَّنَّ بنَفسِها.. أَراك يا صاحِبي تَرغَبُ عن مَعرِفةِ صاحِبِ هذا القَصرِ البَدِيعِ، مع أنَّ كلَّ شيءٍ يَدُلُّ علَيه، وكلَّ شيءٍ يُشِيرُ إلَيه، وكلَّ شيءٍ يَشهَدُ بوُجُودِه؛ فكيف تَجرُؤُ على تَكذِيبِ هذه الشَّهاداتِ كلِّها؟! إذًا علَيك أن تُنكِرَ وُجُودَ القَصرِ نَفسِه، بل علَيك أن تُعلِنَ أنَّه لا قَصرَ ولا مَملَكةَ ولا شيءَ في الوُجُودِ؛ بل تُنكِرَ نَفسَك وتَعُدَّها مَعدُومةً لا وُجُودَ لها!.. أو علَيك أن تَعُودَ إلى رُشْدِك وتُصغِيَ إلَيَّ جيِّدًا، فها أنا أَضَعُ بينَ يدَيك هذا المَنظَرَ:
تَأَمَّل في هذه العَناصِرِ والمَعادِنِ (حاشية-٢): إشَارَةً إلى عَناصرِ الهَواءِ والمَاءِ التي تُؤدِّي وَظائفَ مُهِمّةً شَتَّى، وتُمِدُّ كلَّ مُحتاجٍ بإذنِ اللهِ وتَنتَشِر في كلِّ مكانٍ بأمرِ الله، فتُهيِّئُ لَوازِمَ الحياةِ لذَوِي الحياةِ، وهي الأصلُ في خُيُوطِ نَقشِ المَصنُوعاتِ الإلٰهِيّة. الَّتي تَعُمُّ هذه المَملَكةَ والَّتي تُوجَدُ في كلِّ أَرجاءِ هذا القَصرِ؛ ومَعلُومٌ أنَّه ما مِن شيءٍ يُنتَجُ في هذه المَملَكةِ إلَّا مِن تلك المَوادِّ،
— 302 —
فمَن كانَ مالِكًا لتلك المَوادِّ والعَناصِرِ فهو إذًا مالِكٌ لكُلِّ ما يُصنَعُ ويُنتَجُ مِنها، إذ مَن كان مالِكًا للمَزرَعةِ فهو مالِكُ المَحاصِيلِ، ومَن كان مالِكًا للبَحرِ فهو مالِكٌ لِما فيه.
ثمَّ انظُر يا صاحِبي إلى هذه المَنسُوجاتِ والأَقمِشةِ المُلَوَّنةِ المُزدانةِ بالأَزهارِ: إنَّها تُصنَعُ مِن مادّةٍ واحِدةٍ، فالَّذي هَيَّأ تلك المادّةَ وغَزَلَها لا بدَّ أنَّه واحِدٌ، لأنَّ تلك الصَّنعةَ لا تَقبَلُ الِاشتِراكَ، فالمَنسُوجاتُ المُتقَنةُ تَخُصُّه هو.. ثمَّ الْتَفِت إلى هذا: إنَّ أَجناسَ هذه المَنسُوجاتِ مَوجُودةٌ في كلِّ جُزءٍ مِن أَجزاءِ هذا العالَمِ العَجِيبِ، وقدِ انتَشَرتِ انتِشارًا واسِعَ النِّطاقِ حتَّى إنَّها تُنسَجُ معًا وبتَداخُلٍ في آنٍ واحِدٍ وبنَمَطٍ واحِدٍ في كلِّ مكانٍ، أي: إنَّه فِعلُ فاعلٍ واحِدٍ، فالجَميعُ يَتَحرَّكُ بأَمرٍ واحِدٍ؛ وإلَّا فمُحالٌ أن يكُونَ هناك انسِجامٌ تامٌّ وتَوافُقٌ واضِحٌ في العَمَلِ وفي آنٍ واحِدٍ وبنَمَطٍ واحِدٍ وبنَوعِيّةٍ واحِدةٍ وهَيئةٍ واحِدةٍ في جَميعِ الأَنحاءِ، لِذا فإنَّ كلَّ ما هو مُتقَنُ الصُّنعِ يَدُلُّ دَلالةً واضِحةً على ذلك الفاعِلِ الَّذي لا نَراه، بل كأنَّه يُعلِنُ عنه صَراحةً، بل كأنَّ كلَّ نَسِيجٍ مَغرُوزٌ بالزُّهُورِ، وكلَّ ماكِينةٍ بَديعةٍ، وكلَّ مَأكُولٍ لَذيذٍ، إنَّما هو عَلامةُ الصّانِعِ المُعجِزِ وخاتَمُه وآيتُه وطُغْراؤُه، فكلٌّ مِنهم يقُولُ بلِسانِ الحالِ: "مَن كُنتُ أنا مَصنُوعَه، فمَوضِعي الَّذي أنا فيه مُلكُه". وكلُّ نَقْشٍ يقُولُ: "مَن قامَ بنَسجِي ونَقشِي فلَفيفُ القُماشِ الَّذي أنا فيه هو مَنسُوجُه". وكلُّ لُقمةٍ لَذيذةٍ تقُولُ: "مَن يَصنَعُني ويُنضِجُني فالقِدْرُ الَّذي أُطبَخُ فيه مُلكُه". وكلُّ ماكِينةٍ تقُولُ: "مَن قامَ بصُنعي فكلُّ ما في العالَمِ مِن أَمثالي مَصنُوعُه وهو مالِكُه. أي: مَن كان مالِكًا للمَملَكةِ والقَصرِ كلِّه فهو الَّذي يُمكِنُه أن يَملِكَنا". وذلك بمِثلِ مَن أَرادَ أن يَدَّعِيَ تَمَلُّكَ أَزرارِ البِزّةِ العَسكَريّةِ ووَضْعَ شِعارِ الدَّولةِ علَيها لا بُدَّ أن يكُونَ مالِكًا لِمَصانِعِها كلِّها حتَّى يكُونَ مالِكًا حَقيقيًّا، وإلّا فليس له إلّا الِادِّعاءُ الكاذِبُ، بل يُعاقَبُ على عَمَلِه ويُؤاخَذُ على كَلامِه.
الخُلاصةُ: كما أنَّ عَناصِرَ هذه المَملَكةِ مَوادُّ مُنتَشِرةٌ في جَميعِ أَرجائِها، فمالِكُها إذًا واحِدٌ، يَملِكُ ما في المَملَكةِ كلِّها، كذلك المَصنُوعاتُ المُنتَشِرةُ في أَرجاءِ المَملَكةِ
— 303 —
لأنَّها مُتَشابِهةٌ تُظهِرُ علامةً واحِدةً ونامُوسًا واحِدًا، فجَميعُها إذًا تَدُلُّ على ذلك الواحِدِ المُهَيمِنِ على كلِّ شيءٍ.
فيا صَدِيقي.. إنَّ علامةَ الوَحدةِ ظاهِرةٌ في هذا العالَمِ، وآيةَ التَّوحيدِ واضِحةٌ بَيِّنةٌ، ذلك لأنَّ قِسمًا مِنَ الأَشياءِ رَغمَ أنَّه واحِدٌ فهو مَوجُودٌ في العالَمِ كُلِّه، وقِسمًا آخَرَ رَغمَ تَعدُّدِ أَشكالِه فإنَّه يُظهِرُ وَحدةً نَوعيّةً مع أَقرانِه لِتَشابُهِه وانتِشارِه في الأَرجاءِ، وحيثُ إنَّ الوَحدةَ تَدُلُّ على الواحِدِ كما هو مَعلُومٌ، لِذا يَلزَمُ أن يكُونَ صانِعُ هذه الأَشياءِ ومالِكُها واحِدًا أَحَدًا.. زِدْ على هذا فإنَّك تَرَى أنَّه يَخرُجُ حَبلٌ غَلِيظٌ مِن وَراءِ سِتارِ الغَيبِ، فتَتَدلَّى مِنه خُيُوطٌ (حاشية): الحَبلُ إشَارةٌ إلى الشَّجرةِ المُثمِرة، والخُيوطُ الرَّفيعةُ إشَارةٌ إلى أغصَانِها، أمّا الهَدايَا والمُرصَّعات فَهي إشَارةٌ إلى أَنواعِ الأزهَارِ وأضرَابِ الثِّمار. تَحمِلُ ما هو أَثمَنُ مِنَ الماسِ والزُّمُرُّدِ مِنَ الآلاءِ والإحسانِ.
إذًا: فقَدِّر بنَفسِك مَدَى بَلاهةِ مَن لا يَعرِفُ الَّذي يُديرُ هذه الأُمُورَ العَجِيبةَ ويُقَدِّم هذه الهَدايا البَديعةَ! قَدِّر مَدَى تَعاسةِ مَن لا يُؤدِّي شُكرَه علَيها! إذ إنَّ جَهلَه به يُرغِمُه على التَّفَوُّهِ بما هو مِن قَبِيلِ الهَذَيانِ، فيقُولُ مثلًا: إنَّ تلك الحِبالَ هي الَّتي تَصنَعُ تلك اللَّآلِئَ المُرَصَّعاتِ! أي: يُلزِمُه جَهلُه أن يَمنَحَ مَعنَى السُّلطانِ لكُلِّ حَبلٍ مِن تلك الحِبالِ! والحالُ أنَّنا نَرَى أنَّ يَدًا غَيبِيّةً هي الَّتي تَمتَدُّ إلى تلك الحِبالِ فتَصنَعُها وتُقلِّدُها الهَدايا. أي: إنَّ كلَّ ما في هذا القَصرِ يَدُلُّ على صانِعِه المُبدِعِ دَلالةً أَوضَحَ مِن دَلالَتِه على نَفسِه.. فإن لم تَعرِفْه يا صاحِبي حَقَّ المَعرِفةِ فستَهوِي إذًا في دَرْكٍ أَحَطَّ مِنَ الحَيَواناتِ، لأنَّك تُضطَرُّ إلى إنكارِ جَميعِ هذه الأَشياءِ.

البُرهان التاسع

أيُّها الصَّدِيقُ الَّذي يُطلِقُ أَحكامَه جِزافًا، إنَّك لا تَعرِفُ مالِكَ هذا القَصرِ ولا تَرغَبُ في مَعرِفَتِه، فتَستَبعِدُ أن يكُونَ له مالِكٌ، وتَنساقُ إلى إنكارِ أَحوالِه لعَجْزِ عَقلِك عنِ استِيعابِ هذه المُعجِزاتِ الباهِرةَ والرَّوائعَ البَديعةَ، مع أنَّ الِاستِبعادَ الحَقيقيَّ،
— 304 —
والمُشكِلاتِ العَوِيصةَ والصُّعُوباتِ الجَمَّةَ في مَنطِقِ العَقلِ إنَّما هو في عَدَمِ مَعرِفةِ المالِكِ، والَّذي يُفضِي بك إلى إنكارِ وُجُودِ هذه المَوادِّ المَبذُولةِ لك بأَثمانِها الزَّهيدةِ ووَفْرَتِها العَظيمةِ.
بَينَما إذا عَرَفْناه يكُونُ قَبُولُ ما في هذا القَصرِ، وما في هذا العالَمِ سَهلًا ومُستَساغًا ومَعقُولًا جِدًّا، كأنَّه شيءٌ واحِدٌ، إذ لو لم نَعرِفْه ولَولاه، لكان كلُّ شيءٍ عِندَئذٍ صَعْبًا وعَسِيرًا، بل لا تَرَى شَيئًا مِمّا هو مُتَوفِّرٌ ومَبذُولٌ أَمامَك.. فإن شِئتَ فانظُر فحَسْبُ إلى عُلَبِ المُرَبَّيَاتِ (حاشية): مُعلَّباتُ المُربَّيات، إشَارةً إلى البِطّيخِ والشَّمَّام والرُّمَّان وغَيرِها مِن مُعلَّباتِ القُدرةِ الإلٰهِيّة، وكلُّ ذلك هَدَايا الرَّحمةِ الإلٰهِيّة. المُتَدَلِّيةِ مِن هذه الخُيُوطِ، فلو لم تكُن مِن إنتاجِ مَطبَخِ تلك القُدرةِ المُعجِزةِ، لَمَا كان باستِطاعَتِك الحُصُولُ علَيها ولو بأَثمانٍ باهِظةٍ.
نعم، إنَّ الِاستِبعادَ والمُشكِلاتِ والصُّعُوبةَ والهَلاكَ والمُحالَ إنَّما هو في عَدَمِ مَعرِفَتِه، لأنَّ إيجادَ ثَمَرةٍ یی مَثلًا یی يكُونُ صَعبًا ومُشكِلًا كالشَّجَرةِ نَفسِها فيما إذا رُبِطَ كلُّ ثَمَرةٍ بمَراكِزَ مُتَعدِّدةٍ وقَوانينَ مُختَلِفةٍ، بَينَما يكُونُ الأَمرُ سَهلًا مُستَساغًا إذا ما كان إيجادُ الثَّمَرةِ بقانُونٍ واحِدٍ ومِن مَركَزٍ واحِدٍ، فيكُونُ إيجادُ آلافِ الأَثمارِ كإيجادِ ثَمَرةٍ واحِدةٍ؛ مَثَلُه في هذا كمَثَلِ تَجهِيزِ الجَيشِ بالعَتادِ، فإن كان مِن مَصدَرٍ واحِدٍ وبقانُونٍ واحِدٍ ومِن مَعمَلٍ واحِدٍ، فالأَمرُ سَهلٌ ومُستَساغٌ عَقلًا.. بَينَما إذا جُهِّزَ كلُّ جُندِيٍّ بقانُونٍ خاصٍّ ومِن مَصدَرٍ خاصٍّ ومِن مَعمَلٍ يَخُصُّه، فالأَمرُ صَعبٌ ومُشكِلٌ جِدًّا، بل سيَحتاجُ ذلك الجُندِيُّ حِينَئذٍ إلى مَصانِعِ عَتادٍ ومَراكِزِ تَجهِيزاتٍ وقَوانينَ كَثيرةٍ بعَدَدِ أَفرادِ جَيشٍ كامِلٍ.
فعلى غِرارِ هذَينِ المِثالَينِ، فإنَّ إيجادَ هذه الأَشياءِ في هذا القَصرِ العَظيمِ والمَدينةِ الرّائعةِ، وفي هذه المَملَكةِ الرّاقيةِ والعالَمِ المَهِيبِ إذا ما أُسنِدَ إلى واحِدٍ أَحَدٍ، فإنَّ الأَمرَ سَهلٌ ومُستَساغٌ، حيثُ يكُونُ ما نَراه مِن وَفرةِ الأَشياءِ وكَثرَتِها واضِحًا؛ بَينَما إن لم يُسنَدِ الأَمرُ إلَيه يكُونُ إيجادُ أيِّ شيءٍ كان عَسِيرًا جِدًّا، بل لا يُمكِنُ إيجادُه أَصلًا حتَّى لو أُعطِيَتِ الدُّنيا كلُّها ثَمَنًا له.
— 305 —

البُرهان العَاشِر

أيُّها الصَّديقُ، ويا مَن يَتَقرَّبُ شَيئًا فشَيئًا إلى الإنصافِ.. فها نحنُ هنا منذُ خَمسةَ عَشَرَ يَومًا، (حاشية-١): إشَارةً إلى سِنِّ التَّكليفِ البالِغِ خَمسَ عَشْرةَ سنةً. فإن لم نَعرِفْ أَنظِمةَ هذه البِلادِ وقَوانينَها ولم نَعرِفْ مَلِيكَها فالعِقابُ يَحِقُّ علَينا، إذ لا مَجالَ لنا بَعدُ للِاعتِذارِ، فلقد أَمهَلُونا طَوالَ هذه الأَيّامِ، ولم يَتَعرَّضُوا لنا بشيءٍ؛ إلّا أنَّنا لا شَكَّ لَسنا طُلَقاءَ سائِبِينَ، فنحنُ في مَملَكةٍ رائعةٍ بَدِيعةٍ فيها مِنَ الدِّقّةِ والرِّقّةِ والعِبرةِ في المَصنُوعاتِ المُتقَنةِ ما يَنُمُّ عن عَظَمةِ مَلِيكِها، فلا بُدَّ أنَّ جَزاءَه شَديدٌ أيضًا.. وتَستَطيعُ أن تَفهَمَ عَظَمةَ المالِكِ وقُدرَتَه مِن هذا:
إنَّه يُنَظِّم هذا العالَمَ الضَّخمَ بسُهُولةِ تَنظِيمِ قَصرٍ مُنيفٍ، ويُدِيرُ أُمُورَ هذا العالَمِ العَجِيبِ بيُسرِ إدارةِ بَيتٍ صَغيرٍ، ويَملَأُ هذه المَدِينةَ العامِرةَ بانتِظامٍ كامِلٍ دُونَ نَقصٍ، ويُخْلِيها مِن سُكّانِها بحِكمةٍ تامّةٍ بمِثل سُهُولةِ مَلْءِ صَحنٍ وإفراغِه، ويَنصِبُ المَوائدَ الفَخمةَ المُتَنوِّعةَ، (حاشية-٢): إشَارةً إلى وَجهِ الأرضِ في الرَّبيعِ والصَّيفِ، حَيث تَخرُج أَطعِمةٌ لَذيذةٌ مُتَنوِّعةٌ مِن مَطبَخِ الرَّحمةِ الإلٰهِيّةِ، وتُنصَبُ مَوائدُ النِّعَم المُتَنوِّعةُ المُختَلِفةُ وتُجَدَّد باستمرارٍ، فكلُّ بُستانٍ مَطبَخٌ، وكلُّ شَجَرةٍ خادِمُ المَطبَخِ. ويُعِدُّ الأَطعِمةَ اللَّذيذةَ بكَمالِ كَرَمِه بِيَدٍ غَيبِيّةٍ ويَفرُشُها مِن أَقصَى العالَمِ إلى أَقصاه، ثمَّ يَرفَعُها بسُهُولةِ وَضعِ سُفرةِ الطَّعامِ ورَفعِها.. فإن كُنتَ فَطِنًا فستَفْهَمُ أنَّ هذه العَظَمةَ والهَيبةَ لا بُدَّ أنَّها تَنطَوِي على كَرَمٍ لا حَدَّ له وسَخاءٍ لا حُدُودَ له.
ثمَّ انظُر: كما أنَّ هذه الأَشياءَ شاهِدةُ صِدقٍ على عَظَمةِ المالِكِ القَديرِ وعلى هَيمَنَتِه، وعلى أنَّه سُلطانٌ واحِدٌ أَحَدٌ، كذلك القَوافِلُ المُتَعاقبةُ والتَّحَوُّلاتُ المُتَرادِفةُ دَليلٌ على دَوامِ ذلك السُّلطانِ وبَقائِه، لأنَّ الأَشياءَ الزّائلةَ إنَّما تَزُولُ معَها أَسبابُها أيضًا؛ فالأَشياءُ والأَسبابُ تَزُولانِ معًا، بَينَما الَّتي تَعقُبُها تَأْتي جَديدةً ولها آثارٌ كسابِقَتِها، فهي إذًا لَيسَت مِن فِعلِ تلك الأَسبابِ، بل مِمَّن لا يَطرَأُ علَيه الزَّوالُ! فكما أنَّ بَقاءَ اللَّمَعانِ
— 306 —
والتَّألُّقِ یی بعدَ زَوالِ حَبابِ النَّهرِ الجاري یی في الَّتي تَعقُبُها مِن الحَبابِ، يُفَهِّمُنا أنَّ هذا التَّألُّقَ ليس مِنَ الحَبابِ الزّائلةِ بل مِن مَصدَرِ نُورٍ دائمٍ، كذلك تَبَدُّلُ الأَفعالِ بالسُّرعةِ المُذهِلةِ، وتَلَوُّنُ الَّتي تَعقُبُها وانصِباغُها بصِفاتِها يَدُلُّنا على أنَّ تلك الأَفعالَ إنَّما هي تَجَلِّياتُ مَن هو دائمٌ لا يَزُولُ وقائمٌ لا يَحُولُ.. والأَشياءُ جَميعًا نُقُوشُه ومَراياه وصَنعَتُه ليس إلَّا.

البُرهان الحاديَ عشَرَ

تَعالَ أيُّها الصَّديقُ لِأُبيِّنَ لك بُرهانًا يَملِكُ مِنَ القُوّةِ ما لِلبَراهينِ العَشَرةِ السّابِقةِ:
دَعْنا نَتَأَهَّبْ لِسَفْرةٍ بَحرِيّةٍ، سنَركَبُ سَفينةً
(حاشية-١): السَّفينةُ إشارةٌ إلى التَّاريخِ، والجَزيرةُ إشارةٌ إلى خَيرِ القُرُونِ وهو قَرْنُ السَّعادةِ النَّبويّةِ؛ فإذا خَلَعْنا ما أَلْبَسَتنا الحَضارةُ الدَّنِيّة مِن مَلابسَ على ساحِلِ هذا العَصرِ المُظلِمِ، وأَلقَيْنا أَنفُسنَا في بحرِ الزَّمان، ورَكِبنا سفينةَ كُتُبِ التاريخِ والسِّيرةِ الشَّريفة ووَصَلْنا إلى ساحِلِ جَزِيرةِ عَصرِ السَّعادةِ والنُّورِ، وبَلَغْنا الجَزيرةَ العَربيّةَ، وحَظِينا بالرَّسول الكريمِ (ص) وهو يُزاوِلُ مُهِمّةَ النُّبوّةِ المُقدَّسة، عندَ ذلك نَعلَمُ أنَّ ذلك النبيَّ (ص) إنَّما هو بُرهانٌ باهِرٌ للتَّوحِيدِ ودَليلٌ ساطعٌ عَليه بحيثُ نوَّرَ سطحَ الأرضِ جَميعًا، وأَضاءَ وَجهَيِ الزَّمانِ المَاضي والمُستقبَلِ، ومَحَا ظُلُماتِ الكُفرِ والضَّلالةِ.
لِنَذهَبَ إلى جَزيرةٍ بَعيدةٍ عَنّا.. أَتَعلَمُ لِماذا نَذهَبُ إلَيها؟ إنَّ فيها مَفاتِيحَ أَلغازِ هذا العالَمِ ومَغاليقَ أَسرارِه وأَعاجِيبِه.. ألا تَرَى أَنظارَ الجَميعِ مُحدِقةً بها، يَنتَظِرُون مِنها بَلاغًا ويَتَلقَّون مِنها الأَوامِرَ؟ فها نحن نَبدَأُ بالرِّحلةِ.. وها قد وَصَلنا إلَيها ووَطِئَت أَقدامُنا أَرضَ الجَزيرةِ.. نحنُ الآنَ أَمامَ حَشْدٍ عَظيمٍ مِنَ النّاسِ وقدِ اجتَمَعَ أَشرافُ المَملَكةِ جَميعُهم هنا.. أَمعِنِ النَّظَرَ يا صَدِيقي إلى رَئيسِ الِاجتِماعِ المَهِيبِ.. هلَّا نَتَقرَّبُ إلَيه قَليلًا فنَعرِفَه عن كَثَبٍ.. فها هو ذا مُتَقلِّدٌ أَوْسِمةً راقِيةً تَزِيدُ على الأَلفِ، (حاشية-٢): إشَارةً إلى المُعجِزاتِ الَّتي أَظهَرها الرَّسولُ الكريمُ (ص) وهي ثَابتةٌ عِند أُولِي العِلمِ والتَّحقيقِ. ويَتَحدَّثُ بكَلامٍ مِلْؤُه الطِّيبُ والثِّقةُ والِاطمِئنانُ..
— 307 —
وحيثُ إنِّي كُنتُ قد تَعَلَّمتُ شيئًا مِمّا يقُولُ خِلالَ خَمسةَ عَشَرَ يَومًا السّابِقةِ فسوف أُعَلِّمُك إيّاه.. إنَّه يَتَحدَّثُ عن سُلطانِ هذه المَملَكةِ ذِي المُعجِزاتِ ويقُولُ: إنَّه هو الَّذي أَرسَلَني إلَيكُم.. انظُر: إنَّه يُظهِرُ خَوارِقَ عَجِيبةً ومُعجِزاتٍ باهِرةً بحيثُ لا يَدَعُ شُبهةً في أنَّه مُرسَلٌ خِصِّيصًا مِن لَدُنِ السُّلطانِ العَظِيمِ.. أَصْغِ جَيِّدًا إلى حَديثِه وكَلامِه، فجَميعُ المَخلُوقاتِ آذانٌ صاغِيةٌ له، بلِ المَملَكةُ برُمَّتِها تُصغِي إلَيه، حيثُ الجَميعُ يَسعَوْن إلى سَماعِ كَلامِه الطَّيِّبِ، ويَتَلهَّفُون لِرُؤيةِ مُحَيّاه الزّاهِرِ.. أوَتَظُنُّ أنَّ الإنسانَ وَحدَه يُصغِي إلَيه فحَسْبُ؟ بلِ الحَيَواناتُ أَيضًا، بل حتَّى الجِبالُ والجَماداتُ تُصغِي لِأَوامِرِه وتَهتَزُّ مِن خَشْيَتِها وشَوْقِها إلَيه.. انظُر إلى الأَشجارِ كيف تَنقادُ إلى أَوامِرِه وتَذهَبُ إلى ما أَشارَ إلَيه مِن مَواضِعَ، إنَّه يُفَجِّرُ الماءَ أَينَما يُرِيدُ، بل حتَّى مِن بينِ أَصابِعِه، فيَرتَوِي النّاسُ مِن ذلك الماءِ الزُّلالِ.. انظُر إلى ذلك المِصباحِ المُتَدلِّي مِن سَقفِ المَملَكةِ (حاشية-١): إشَارةً إلى القَمَر، ومُعجِزةِ شقِّ القَمَر. فَقد قَال مَوْلانا جامي: إنَّ ذلك الأُمِّيَّ الذي لَم يَكتُب في حَياتِه شيئًا غيرَ ما كَتَبه بإصبعِه حرفَ أَلِفٍ على صَحيفةِ السَّماءِ، فشَقَّ به القَمَر شِقَّينِ... إنَّه يَنشَقُّ إلى شِقَّينِ اثنَينِ بمُجَرَّدِ إشارةٍ مِنه، فكأنَّ هذه المَملَكةَ وبما فيها تَعرِفُه جيِّدًا وتَعلَمُ يَقِينًا أنَّه مُوَظَّفٌ مُرسَلٌ بمُهِمّةٍ مِن لَدُنِ السُّلطانِ، ومُبَلِّغٌ أَمينٌ لِأَوامِرِه الجَليلةِ، فتَراهُم يَنقادُون له انقِيادَ الجُندِيِّ المُطِيعِ، فما مِن راشِدٍ عاقِلٍ مِمَّن حَولَه إلَّا ويقُولُ: إنَّه رَسُولٌ كَريمٌ، ويُصَدِّقُونه ويُذعِنُون لِكَلامِه؛ ليس هذا فحَسْبُ، بل يُصَدِّقُه ما في المَملَكةِ مِنَ الجِبالِ والمِصباحِ العَظيمِ، (حاشية-٢): إشَارةً إلى الشَّمسِ التي رَجَعَت عنِ المَغيبِ بعَودةِ الأرضِ مِنَ المَشرِق ، فشُوهِدَت مِن جديدٍ، وبناءً على هذه المُعجِزة أدَّى الإمامُ عليٌّ رَضِيَ الله عَنهُ صَلاةَ العَصرِ التي كَادَت تَفُوتُه، وذلك بِسبَب نَومِ الرسولِ (ص) على فَخِذِه. والجَميعُ يقُولُون بلِسانِ الحالِ وبخُضُوعٍ: نعم.. نعم إنَّ كلَّ ما يَنطِقُ به صِدقٌ وعَدلٌ وصَوابٌ..
فيا أيُّها الصَّدِيقُ الغافِلُ.. هل تَرَى أنَّه يُمكِنُ أن يكُون هناك أَدنَى احتِمالٍ لِكَذِبٍ أو خِداعٍ في كَلامِ هذا الكَريمِ؟ حاشَ للهِ أن يكُونَ مِن ذلك شيءٌ مِن كَلامِه أَبدًا! وهو
— 308 —
الَّذي أَكرَمَه السُّلطانُ بأَلفٍ مِنَ الأَنواطِ والشّاراتِ، وهي عَلاماتُ تَصدِيقِه له، وجَميعُ أَشرافِ المَملَكةِ يُصَدِّقُونه، وكَلامُه كُلُّه ثِقةٌ واطمِئنانٌ، فهو يَبحَثُ في أَوصافِ السُّلطانِ المُعجِزِ وعن أَوامِرِه البَليغةِ، فإن كُنتَ تَجِدُ في نَفسِك شَيئًا مِنِ احتِمالِ الكَذِبِ، فيَلزَمُ علَيك أن تُكَذِّبَ كلَّ الجَماعاتِ المُصَدِّقةِ به، بل تُنكِرَ وُجُودَ القَصرِ والمَصابِيحِ وتُنكِرَ وُجُودَ كلِّ شيءٍ وتُكَذِّبَ حَقيقَتَهم، وإلَّا فهاتِ ما عِندَك إن كان لَدَيك شيءٌ، فالدَّلائلُ تَتَحدَّى.

البُرهان الثَّانيَ عشَرَ

أيُّها الأَخُ.. لَعلَّك استَرشَدتَ بما قُلنا شَيئًا فشَيئًا، فسأُبيِّنُ لك الآنَ بُرهانًا أَعظَمَ مِن جَميعِ البَراهِينِ السَّابقةِ:
انظُر إلى هذه المَرسُومِ السُّلطانِيِّ النَّازِلِ مِنَ الأُفُقِ الأَعلَى.. الجَميعُ يُوَقِّرُونَه ويَنظُرُون إلَيه بإجلالٍ وإعجابٍ، وقد وَقَف ذلك الشَّخصُ الكَريمُ المُجَلَّلُ بالأَوسِمةِ بجانِبِ هذا المَرسُومِ النُّورانِيِّ، (حاشية): إشَارةً إلى القُرآنِ الكريمِ والعَلامةُ المَوضُوعةُ عليه إشَارةٌ إلى إعجَازِه. ويُفَسِّر للحُشُودِ المُجتَمِعةِ مَعانِيَه.. انظُر إلى أُسلُوبِه: إنَّه يُشِعُّ ويَسطَعُ حتَّى يَسُوقَ الجَميعَ إلى الإعجابِ والتَّعظيمِ، إذ يَبحَثُ في مَسائلَ جادَّةٍ تُهِمُّ الجَميعَ بحيثُ لا يَدَعُ أَحَدًا إلَّا ويُصْغي إلَيه.. إنَّه يُفَصِّلُ تَفصيلًا كامِلًا شُؤُونَ السُّلطانِ وأَفعالَه وأَوامِرَه وأَوصافَه، فكما أنَّ على ذلك المَرسُومِ السُّلطانِيِّ طُغْراءَ السُّلطانِ نَفسِه، فعلى كلِّ سَطرٍ مِن سُطُورِها أيضًا شارَتُه، بل إذا أَمعَنتَ النَّظَرَ فعلى كلِّ جُملةٍ بل كلِّ حَرفٍ فيها خاتَمُه الخاصُّ، فَضْلًا عن مَعانِيها ومَرامِيها وأَوامِرِها ونَواهِيها.
الخُلاصةُ: إنَّ ذلك المَرسُومَ السُّلطانِيَّ يَدُلُّ على ذلك السُّلطانِ العَظيمِ كدَلالةِ الضَّوءِ على النَّهارِ.
— 309 —
فيا أيُّها الصَّدِيقُ.. أَظُنُّك قد عُدتَ إلى صَوابِك وأَفَقْتَ مِن نَومِ الغَفلةِ، فإنَّ ما ذَكَرناه لك وبَسَطْناه مِن بَراهِينَ لَكافٍ ووافٍ، فإن بَدَا لك شيءٌ فاذكُرْه.
فما كان مِن ذلك المُعانِدِ إلَّا أن قالَ: لا أَقُولُ إلَّا: الحَمدُ للهِ، لقد آمَنتُ وصَدَّقتُ، بل آمَنتُ إيمانًا واضِحًا أَبلَجَ كالشَّمسِ وكالنَّهارِ، ورَضِيتُ بأنَّ لِهذه المَملَكةِ رَبًّا ذا كَمالٍ، ولِهذا العالَمِ مَولًى ذا جَلالٍ، ولِهذا القَصرِ صانِعًا ذا جَمالٍ.. لِيَرضَ اللهُ عنك يا صَدِيقي الحَميمَ، فقد أَنقَذتَني مِن إسارِ العِنادِ والتَّعَصُّبِ المَمقُوتِ الَّذي بَلَغ بي حَدَّ الجُنُونِ والبَلاهةِ؛ ولا أَكتُمُك يا أَخي، فإنَّ ما سُقتَه مِن بَراهِينَ، كلُّ واحِدٍ مِنها كان بُرهانًا كافيًا لِيُوصِلَني إلى هذه النَّتيجةِ، إلَّا أنَّني كُنتُ أُصغِي إلَيك لِأَنَّ كلَّ بُرهانٍ مِنها قد فَتَح آفاقًا أَرحَبَ ونَوافِذَ أَسطَعَ إلى مَعرِفةِ اللهِ وإلى مَحَبَّتِه الخالِصةِ. وهكذا تَمَّتِ الحِكايةُ الَّتي كانَت تُشِيرُ إلى الحَقيقةِ العُظمَى للتَّوحِيدِ والإيمانِ باللهِ.
وسنُبيِّنُ في المَقامِ الثّاني بفَضلِ الرَّحمٰنِ وفَيضِ القُرآنِ الكَريمِ ونُورِ الإيمانِ مُقابِلَ ما جاءَ مِنِ اثنَي عَشَرَ بُرهانًا في الحِكايةِ التَّمثيليّةِ اثنَتَي عَشْرةَ لَمعةً مِن لَمَعاتِ شَمسِ التَّوحِيدِ الحَقيقيِّ بعدَ أن نُمَهِّدَ لها بمُقدِّمةٍ. (٭): هذا القسم في الكلمة الثانية والعشرين
نَسأَلُ اللهَ التَّوفيقَ والهِدايةَ.
— 310 —

الفهرس

المقدمات ٤
القسم الأول
(رسالة الثمرة)
المسألة الأُولى ١١
خلاصة المسألة الثَّانية ١٣
المسألة الثَّالثة ١٧
المسألة الرَّابعة ٢٢
المسألة الخامسة ٢٥
المسألة السَّادسة ٢٧
المسألة السَّابعة ٣٣
خلاصة المسألة الثَّامنة ٩٤
المسألة التَّاسعة ٦٨
المسألة العاشرة (زهرة أميرداغ) ٦٧
حواشي المسألة العاشرة ٩٠
رسالة خُسْرَو للأستاذ ٣٩
المسألة الحادية عشرة ٩٥
خاتمة المسألة الحادية عشرة ٧٠١
رسالة خُسْرَو ١١١
رسالة طلاب رسائل النور في إسبارطة ١١٥
— 311 —
القسم الثاني
(حجة الله البالغة)
الحجة الإيمانية الأولى (تسع عشرة مرتبة من الآية الكبرى) ١٢٣
الحجة الإيمانية الثانية (الموقِف الأوَّل من الكلمة الثانية والثلاثين) ١٧٦
الحجة الإيمانية الثالثة (رسالة الطبيعة) ١٩١
خاتمة رسالة الطبيعة ٢١٤
الحجة الإيمانية الرابعة (نكتة اسم العدل) ٢٢٣
الحجة الإيمانية الخامسة (نكتة اسم الحكم) ٢٢٨
الحجة الإيمانية السادسة (الحقيقة التاسعة من رسالة الحشر) ٢٣٩
الحجة الإيمانية السابعة (النافذة السابعةَ عَشْرةَ) ٢٤٣
الحجة الإيمانية الثامنة (رسالة المناجاة) ٢٤٦
الحجة الإيمانية التاسعة (الشعاع التاسع) ٢٤٧
الحجة الإيمانية العاشرة (المقام الأول من المكتوب العشرين) ٢٨٢
الحجة الإيمانية الحادية عشرة (المقام الأول من الكلمة الثانية والعشرين) ٢٩٣